الفصل السابع عشر: خاتمة
إن أول فصل (سفر التكوين) يقص قصة خلق الكون، ومنذ كتب لم تتغير خلاصته بما كسبه الإنسان من علم.

وقد يدعو هذا القول إلى ابتسامة ترتسم على وجه العالم اللطيف، وإلى نظرة ارتياب مع الرضا من المؤمن الصادق.

وإنما قامت الاختلافات على تفاصيل لا تستحق الجدل.

والان هيا بنا نفحص الحقائق كما وردت في ذلك الفصل الأول من الكتاب المقدس:
(في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية).
هذه هي الفوضى الأصلية التي كانت للأرض قبل تكوينها.
(على وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه).
كان معظم المحيطات في السماء كسحب لا يمكن اختراقها وكان الضوء لا يصل إلى الأرض.
(وقال الله ليكن نور فكان نور).
لقد انقشعت السحب، وكان الأرض قد بردت، وأدى دوران الأرض إلى الليل والنهار.
(وقال الله ليكن جلد في وسط المياه).
ومن بين المياه التي كانت تغمر الأرض كلها، قامت القارات، وظهرت الأرض اليابسة، وظهر الهواء فوق الأرض.
(وقال الله لتنبت الأرض عُشباً وبقلاً يبزر بزراً).
ولا يفوتنك هنا أن النبات قد ذُكِرَ قبل الحياة الحيوانية (فعمل الله النورين العظيمين. و.. النجوم).
وأصبحت الشمس والقمر تُريان من خلال السُّحب، ولَمَّا انقشعت السُّحب نهائياً، ظهرت النجوم (أيضاً).
(وقال الله لتفض المياه زخافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء).
إن كل حياة متحركة بدأت في الماء، وجلد السماء هو الهواء.
(وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حيَّة كجنسها بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك).
والحيوانات الآن على وجه الأرض بعد أن صارت البحار مسكونة.
(وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر يبزر بزراً لكم يكون طعاماً).
وهذا القول قد ثبتت صحته حين اكتشف تركيب الكلوروفيل، وبَيَّنَ العِلمُ أن كل نوع الحياة متوقف على النبات الأخضر (1)
--------------------------------
(1) - قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة البقرة):
(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل اللهُ من السماء من ماءٍ فأحيا الأرض بعد موتها وبثَّ فيها من كل دَابَّةٍ وتصريف الرياح والسَّحاب المُسَخَّر بين السَّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعقلون).
(المُتَرْجِمْ).
--------------------------------

وحيال هذه الحقيقة البسيطة التي ذُكِرَتْ على هذا الشكل، لا ينبغي لنا أن نختلف على التفاصيل الناتجة من الترجمة أو مما أقحمه الإنسان، أو على السؤال عن كيفية خلق الله الكون أو الوقت الذي استغرقه خلقه.

إن الحقائق التي ذكرت قد وردت خلال الدهور، وهي حقائق.

إننا نستطيع أن نضع نظرية تبين كيف تطورت جميع الكائنات الحية من الخلية الأصلية، ولكن العلم يقف عند هذا الحد، ويمكننا أن نتفق مع ذوي العقول الممتازة الذين أدَّت بحوثهم المضنية إلى إعطائنا فكرة حقيقية عن الوقائع الطبيعية التي للحياة المادية، ولكنا غير ملزمين بالوقوف حيث وقفوا، لأنهم لم يتبين لهم صنع الخالق في كل ذلك.

إن العلماء لا يقدرون أن يؤكدوا ولا أن يُنفوا وجود الله، ولكن كل واحد منه في قرارة نفسه يشعر بقوة الإحساس والفكر والذاكرة والآراء التي تصدر كلها عن ذلك الكيان الذي نسميه بالروح.

وهم جميعاً يعلمون أن الإلهام لا يأتي من المادة.

وليس العلم حق في ان تكون له الكلمة الأخيرة بشأن وجود الخالق، حتى يقول تلك الكلمة بصفة نهائية وإلى الأبد.

إن كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الآن، قد شعر بحافز يحفزه إلى ان يستنجد بمن هو أسمى منه وأقوى واعظم، يدل على أن الدين فطري فيه، ويجب أن يُقر العِلْمُ بذلك.

وسواء أحاط الإنسان صورة محفورة بشعوره بان هناك قوة خارجية للخير أو الشر أم لم يفعل فان ذلك ليس هو الأمر المهم، بل الحقيقة الواقعة هي اعترافه بوجود الله (1)
--------------------------------
(1) - قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة الحشر):
(هو الله الذي لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم).
(المُتَرْجِمْ)
--------------------------------

والذين أتيح لهم العلم بالعلم، لا يحق لهم أن ينظروا نظرة الازدراء إلى فجاجة أولئك الذين سبقوهم أو الذين لا يعرفون الآن الحق كما نراه.

بل إننا على العكس يجب أن تأخذنا الروعة والدهشة والإجلال لاتفاق البشر في نواحي العالم على البحث عن الخالق والإيمان بوجوده.

أوَليست روح الإنسان هي التي تشعر باتصالها بالله؟

أم نخشى أن نقول بان الحافز الديني الذي لا يملكه إلا الإنسان هو جزء من الكائن الواعي كأية صفة أخرى من خصائصه؟

إن وجود الحافز هو برهان على قصد العناية الإلهية ولا يقل شأنا عن عقل الإنسان المادي العجيب الذي يكمن فيه كونه الحساس.

إن أية ذرةٍ أو جُزَئٍ ATOM OR MOLECULE لم يكن له فكر قط، وأي اتحاد العناصر لم يتولد عنه رأي أبداً.

وأي قانون طبيعي لم يستطع بناء كاتدرائية.

ولكن كائنات حية معينة قد خلقت تبعا لحوافز معينة للحياة، وهذه الكائنات تنتظم شيئاً تطيعه جزئيات المادة بدورها، ونتيجة هذا وذاك كل ما نراه من عجائب العالم.

فما هو هذا الكائن الحي؟

هل هو عبارة عن ذرات وجزئيات؟

أجل.

وماذا أيضاً؟

شيء غير ملموس، أعلى كثيراً من المادة لدرجة انه يسيطر على كل شيء، ومختلف جداً عن كل ما هو مادي مما صنع منه العالم، لدرجة انه لا يمكن رؤيته ولا وزنه ولا قياسه.

وهو فيما نعلم ليست له قوانين تحكمه.

إن (روح الإنسان هي سيدة مصيره)، ولكنها تشعر بصلتها بالمصدر الأعلى لوجودها.

وقد أوجدت للإنسان قانونا للأخلاق لا يملكه أي حيوان آخر ولا يحتاج إليه، فإذا سمى أحد ذلك الكيان بانه فضلة لتكوينات المادة، لا لشيء سوى انه لا يعرف؟

بأنبوبة الاختبار، فهو إنما يزعم زعما لا يقوم عليه برهان.

إنه شيء موجود، يظهر نفسه بأعماله، وبتضحياته، وبسيطرته على المادة، وعلى الأخص بقدرته على رفع الإنسان المادي من ضعف البشر وخطئهم إلى الانسجام مع إرادة الله.

هذه هي خلاصة القصد الرباني.

وفيها تفسير للاشتياق الكامن في نفس الإنسان، للاتصال بأشياءٍ أعلى من نفسه.

وفيها كشف عن أساس حافزه الديني.

هذا هو الدين.

والعلم يعترف باشتياق الإنسان إلى أشياء أسمى منه، ويقر ذلك، غير انه لا ينظر نظرة جدية إلى مختلف العقائد والمذاهب، وان يكن يرى فيها طرقا تتجه إلى الله.

والذي يراه العلم ويقدره جميع المفكرين، هو أن الاعتقاد العام بوجود الله له قيمة لا تُقدَّر (1).

إن تقدم الإنسان من الوجهة الخلقية وشعوره بالواجب إنما هما اثر من آثار الإيمان بالله والاعتقاد بالخلود.

وإن غزارة التدين لتكشف عن روح الإنسان، وترفعه خطوة خطوة، حتى يشعر بالاتصال بالله.

وإن دعاء الإنسان الغريزي لله بان يكون في عونه، هو أمر طبيعي، وان أبسط صلاة تسمو به إلى مقربة من خالقه.

إن الوقار، والكرم، والنبل، والفضيلة، والإلهام، وكل ما يسمى بالصفات الإلهية، ولا تنبعث عن الإلحاد أو الإنكار الذي هو مظهر مدهش من مظاهر الفرد، يضع الإنسان في مكان الله.

وبدون الإيمان كانت المدنية تفلس، وكان النظام ينقلب فوضى، وكان كل ضابط وكل كبح يضيع، وكان الشر يسود العالم.

فعلينا إذن أن نثبت على اعتقادنا بوجود الله، وعلى محبته، وعلى الأخوة الإنسانية، فان ذلك يسمو بنا نحوه تعالى، إذ ننفذ مشيئته كما نعرفها، ونقبل تبعة اعتقادنا بأننا بوصفنا خلقه، جديرون بعنايته الإلهية.

إن خميرة التقدم الأخلاقي تسير بالإنسان سيراً بطيئاً ولكن مؤكداً نحو زيادة الإدراك لعلاقاته بإخوانه، وقد وضعت مُثُلاً عُلْيَا سوف ترتبط بها الإنسانية في النهاية.
--------------------------------
(1) - قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة آل عمران):
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم، ألَّا نعبد إلا اللهَ ولا نُشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضُنا بعضًا أربابًا من دون الله * فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مُسلمون).
(المُتَرْجِمْ).
--------------------------------

إن وجود الإنسان على ظهر الأرض هو بالنسبة للانهائية وقت جد وجيز.         

ونقصه الحالي ليس إلا حادثاً في تطوره من مُجَرَّد تكوين مادِّي إلى ما يُمكن أن يكونه.

النهاية - أي روح طاهرة.

وأن الخالق عز وجل سيمنحنا الوقت اللازم، وإذ تتقدم إلى الأمام ندعو الله أخلص دعاء قائلين (1):
ربنا قُدنا في طريق مَقصِدك الأعظم، وارفعنا إلى مستوى الانسجام الروحاني بعضنا مع بعض.         
وهبنا القدرة على أن نصبح جزءاً من التقدم نحو الكمال الروحي، وقُدنا إلى حيث نكون في خدمتك، وبذا تجعلنا أدوات لتنفيذ مشيئتك.

إن الإنسان لا يقوم وحده.
--------------------------------
(1) - قال الله تعالى في كتابه الكريم: (سورة آل عمران):
(ربنا إننا سمعنا مُناديًا يُنادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا * ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنَّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رُسُلِكَ ولا تُخزنا يوم القيامة إنك لا تُخلفُ الميعاد).
(المُتَرْجِمْ).
--------------------------------