الفصل الخامس عشر: استعراض

إنَّ استعراض ما سبق قد يُوَضِّحَ للقارئ أنَّ توكيد مُوَاءَمَةَ الطبيعةِ للإنسان إنَّما يبدو في كَوْنِ انعدام تلك المُوَاءَمَةِ يُؤَدِّي إلى امتناع الحياة.

على أنَّ المسائلَ الأخرَى التي بُحِثَتْ إنَّمَا تُؤَكِّدُ تلك الحقائق البارزة في الطبيعة، والتي تَدُلُّ على وجود برنامج بتقدُّمِ الإنسان.

وهناك براهينَ قوية على وجُودِ هذا التوجيه المقصود وراء كُلِّ شَيْءٍ.

والهدفُ الذي يبدو أصْوَبَ من غيره هو إيجاد عُقُولٍ ذكيةٍ.

إنَّ الحقيقة المُدهشة المُماثلة في كَوْنِ الإنسان قد عاش رغم التقلَّبَات التي مَرَّ بها في ملايين سِنَّيِّ التَّطوُّر، هذه الحقيقة تتحدَّث عن نفسها.

وقد رأينا أنَّ العالم في مكانه الصَّحيح وأنَّ قِشْرَةَ الأرض مُرَتَّبَة إلى مَدَى عشرة أقدام، وأنَّ المُحيط لو كان أعمقَ مِمَّا هو بضع أقدام، لَمَا كان لدينا أوكسيجين ولا نباتات.

وقد رأينا أنَّ الأرضَ تدورُ كُلَّ أربع وعشرين ساعة، وأنَّ هذا الدَّوران لَوْ تأخَّر، لَمَا أمكن وجُودُ الحياة.

وإذا زادت سُرعةُ الأرض حَوْلَ الشَّمس أو نقصت مادِّيَّاً، لتغيَّرَ تاريخ الحياة -إنْ وجِدَتْ- تغيُّراً تامّاً، وقد رأينا أنْ هذه الشَّمس هي الوحيدة بين آلاف، التي جعلت حياتنا على الأرض مُمْكِنَة، وأنَّ حجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعَّتها يجب أنْ تكون لها صحيحة، وهي صحيحة فعلاً.

ورأينا أنَّ الغازات التي بالهواء، منظم بعضها بالنسبة لبعض، وإنَّ أقلَّ تغيير فيها يكون قَتَّالاً.

وهذه كلها ليست سوى قليل من العوامل الطبيعيَّة التي لفتنا إليها نظر القارئ.

وإذا نظرنا إلى حجم الكُرَةِ الأرضيَّة، ومكانها في الفضاء وبراعة التنظيمات، فإنَّ فرصة حُصُولِ بعض هذه التنظيمات مُصادفة هي بنسبة واحد إلى مليون، وفرصة حدوثها كلها معاً، لا يُمكن حسبانها حتى بالنسبة للبلايين.

وعلى ذلك فإنَّ وجودَ هذه الحقائق لا يُمكنُ التوفيق بينه وبين أيِّ قانون من قوانين المُصَادَفَة.

فمن المحال إذن أنْ نهرب من القول بأنَّ مُطابقات الطبيعة حتى تُوائم الإنسان هي أعجبُ كثيراً من مُطابقات الإنسان ليُلائمَ الطبيعة.

وإنَّ استعراض عجائب الطبيعة لَيَدُلُّ دِلَالة قاطعة على أنَّ هناك تصميماً وقصداً في كل شيءٍ، وأنَّ ثَمَّة برنامجاً يُنَفّذ بحذافيره طبقاً لمشيئة الخالق جل وعز.

ورُبَّمَا استطاع الإنسانُ أنْ يرى في هذا البرنامج سلسلة من الحوادث في تطوُّر الكائنات الحيَّة حتى انتهت إلى منح حيوان حياة، وتطوره إلى الإنسان ويبدو أن الإنسان كان في جميع العُصُور تحت العناية الرَّبَّانيَّة لنعتقد أيضاً أنَّهُ تحت إرشادٍ رَبَّانِيٍّ.

وقد تطوَّر البرنامجُ إلى بيئاتٍ قادرةٍ على الاحتفاظ بمخلوق جسدي أَهْلٌ لأنْ يحمل ذهناً صالحاً.

ومادامت عُقُولُنا محدُودة، فإنَّنَا لا نقدرُ أنْ نُدِركَ ما هو غير محدود.

وعلى ذلك لا نقدر إلا أنْ نؤمن بوجود الخالق المُدَبِّرِ، الذي خلق كُلَّ الأشياء، بما فيها تكوين الذَّرَّاتِ والكواكب والشَّمس والسَّدم (جمع سديم).

والزَّمَنُ والفضاءُ هما عُنصران في هذا الإدراك.

وإنَّ مُحاولة معرفة حقيقة الخالق لَتُحَيِّرُ أذكَى الأذكياء.

كذلك لا يمكُننا أنْ نَحْسِبَ أنَّ الإنسان هو الغرض الوحيد أو النِّهائيُّ، ولكنَّا يُمكِنُنا أن ننظر إلى الإنسان على أنَّهُ أعجبُ مظهر لذلك الغرض.

على أننا لسنا مُضطرِّينَ لأنْ نفهم ذلك كُلَّهُ حتَّى نتقدَّم كثيراً، وأنَّ زيادة العِلْمِ لَتُشِيرُ إلى هذه النَّهاية.

إنَّنَا نقتربُ فعلاً من عالم المجهول الشَّاسع، إذ نُدْرِكُ أنَّ المَادَّة كلها قد أصبحت من الوجْهَةِ العِلْميَّة مُجرَّد مظهر لوحدة عالميَّة هي في جوهرها كهربيَّة.

ولكن مِمَّا لا ريب فيه أنَّ المُصَادَفَةَ لم يكن لها دَخْلٌ في تكوين الكَوْنِ، لأنَّ هذا العَالَمَ العظيم خاضعٌ للقانون.

إنَّ ارتقاء الإنسان الحيواني إلى درجة كائن مُفَكِّرٌ شاعر بوجوده، هو خطوة أعظمُ من أن تَتِمَّ عن طريق التطوُّر المَادِّيِّ، ودُونَ قصدٍ ابتداعي.

وإذا قُبِلَتْ واقعيَّة القصد، فإنَّ الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازاً.

ولكنْ ما الذي يُديرُ هذا الجهاز؟

لأنَّهُ بدون أنْ يُدارَ، لا فائدةَ منه.

والعِلْمُ لا يُعَلِّلُ مَنْ يتولّى إدارته، وكذلك لا يزعُم أنَّهُ مَادِّيٌ.

لقد بلغنا من التقدُّم درجة تكفي لأنْ نُوقِنُ بِأنَّ اللهَ قد منح الإنسانَ قبساً من نُورِهِ.

ولا يزالُ الإنسانُ في طُورِ طفولته من وجهة الخَلْقِ، وقد بدأ يشعرُ بُوجُود ما يُسَمِّيه (بالرُّوح).

وهو يَرْقَي في بُطءٍ ليُدركَ هذه الهِبَةَ، ويشعر بغريزته بأنَّها خالدة.

وإذا صَحَّ هذا التعليلُ -ويبدو أنَّ المنطق الذي يسنده لا يُمكنُ دَحْضُهُ- فإنَّ هذه الكُرَةَ الأرضيَّة الصَّغيرة التي لنا، وربما غيرها كذلك، تَكْسِبُ أهميَّة لم يحلم بها أحَدٌ من قبل.

فعلى قَدْرِ ما نَعْلَمَ، قد تُوَلَّدَ عن عَالَمِنَا الصغير هذه أول جهاز مَادِّيٍّ أضِيفَ إليه قَبَسٌ من نُورِ اللهِ.

وهذا يرفعُ الإنسانَ من مرتبة الغريزة الحيوانيَّة إلى درجة القُدرَةِ على التَّفكير، التي لا يُمْكِنُهُ بها الآن أنْ يُدْرِكِ عَظَمَةَ الكَوْنِ في اشتباكاته، ويشعُرُ شُعُوراً غامضاً بعظمَةِ اللهِ مَاثِلَةً في خَلْقِهِ.