منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 عبد الله بن عمر - المثابر، الأوّاب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17500
العمر : 65

مُساهمةموضوع: عبد الله بن عمر - المثابر، الأوّاب   29/04/17, 11:22 pm

عبـد الله بن عـمـر - المثــابر، الأوّاب

تحدّث وهو على قمة عمره الطويل فقال:
"لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فما نكثت ولا بدّلت الى يومي هذا.. وما بايعت صاحب فتنة.. ولا أيقظت مؤمنا من مرقده"..

وفي هذه الكلمات تلخيص لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين، والذي بدأت علاقته بالاسلام والرسول، وهو في الثالثة عشر من العمر، حين صحب أباه في غزوة بدر، راجيا أن يكون له بين المجاهدين مكان، لولا أن ردّه الرسول عليه السلام لصغر سنه..

من ذلك اليوم.. بل وقبل ذلك اليوم حين صحب أباه في هجرته الى المدينة.. بدأت صلة الغلام ذي الرجولة المبكرة بالرسول عليه السلام والاسلام..

ومن ذلك اليوم الى اليوم الذي يلقى فيه ربه، بالغا من العمر خمسة وثمانين عاما، سنجد فيه حيثما نلقاه، المثابر الأوّاب الذي لا ينحرف عن نهجه قيد أشعرة، ولا يند عن بيعة بايعها، ولا يخيس بعهد أعطاه..

وان المزايا التي تأخذ الأبصار الى عبد الل بن عمر لكثيرة.

فعلمه وتواضعه، واستقامة ضميره ونهجه، وجوده، وورعه، ومثابرته، على العبادة وصدق استمساكه بالقدوة..

كل هذه الفضائل والخصال، صاغ ابن عمر عمره منها، وشخصيته الفذة، وحياته الطاهرة الصادقة..

لقد تعلم من أبيه عمر بن الخطاب خيرا كثيرا.. وتعلم مع أبيه من رسول الله الخير كله والعظمة كلها..

لقد أحسن كأبيه الايمان بالله ورسوله.. ومن ثم، كانت متابعته خطى الرسول أمرا يبهر الألباب..

فهو ينظر، ماذا كان الرسول يفعل في كل أمر، فيحاكيه في دقة واخبات..

هنا مثلا، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي.. فيصلي ابن عمر في ذات المكان..

وهنا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قائما، فيدعو ابن عمر قائماً...

وهنا كان الرسول يدعو جالسا، فيدعو عبد الله جالساً..

وهنا وعلى هذا الطريق نزل الرسول يوما من فوق ظهر ناقته، وصلى ركعتين، فصنع ابن عمر ذلك اذا جمعه السفر بنفس البقعة والمكان..

بل انه ليذكر أن ناقة الرسول دارت به دورتين في هذا المكان بمكة، قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها، ويصلي ركعتين، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائيا لتهيئ لنفسها مناخها.

لكن عبد الل بن عمر لا يكاد يبلغ ها المكان يوما حتى يدور بناقته، ثم ينيخها، ثم يصلي ركعتين للله.. تماما كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله..

ولقد أثار فرط اتباعه هذا، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت:
"ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر".

ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق، حتى لقد حاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول:
"اللهم أبق عبد الله بن عمر ما أبقيتني، كي أقتدي به، فاني لا أعلم أحد على الأمر الأول غيره".

وبقوة هذا التحري لشديد الويق لخطى لبرسول وسنته، كان ابن عمر يتهيّب الحديث عن رسول الله ولا يروي عنه عليه السلام حديثا الا اذا كان ذاكرا كل حروفه، حرفاً.. حرفاً.

وقد قال معاصروه:
"لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه، من عبد الله بن عمر"..!!

وكذلك كان شديد الحذر والتحوّط في الفتيا..

جاءه يوما رجل يستفتيه، فلماألقى على ابن عمر سؤاله أجابه قائلاً:
" لا علم لي بما تسأل عنه".

وذهب الرجل في سبيله، ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفه جذلان فرحاً ويقول لنفسه:
"سُئِلَ ابن عمر عما لا يعلم، فقال لا أعلم"..!

كان يخاف أن يجتهد في فتياه، فيخطئ في اجتهاده، وعلى الرغم من أنه يحيا وفق تعاليم الدين العظيم، للمخطئ أجر وللمصيب أجرين، فان ورعه أن يسلبه ورعه كان يسلبه الجسارة على الفتيا.

وكذلك كان ينأى به عن مناصب القضاة..

لقد كانت وظيفة القضاء من أرقع مناصب الدولة والمجتمع، وكانت تضمن لشاغرها ثراءً، وجاهاً، ومجداً..

ولكن ما حاجة ابن عمر الورع للثراء، وللجاه، وللمجد..؟!

دعاه يوما الخليفة عثمان رضي الله عنهما، وطلب اليه أن يشغل منصب القضاة، فاعتذر.. وألح عليه عثمان، فثابر على اعتذاره..

وسأله عثمان: أتعصيني؟؟

فأجاب ابن عمر:
"كلا.. ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة.. قاض يقضي بجهل، فهو في النار.. وقاض يقضي بهوى، فهو في النار.. وقاض يجتهد ويصيب، فهو كفاف، لا وزر، ولا أجر.. واني لسائلك بالله أن تعفيني"..

وأعفاه عثمان، بعد أن أخذ عليه العهد ألا يخبر أحداً بهذا.

ذلك أن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس، وانه ليخشى اذا عرف الأتقياء الصالحون عزوفه عن القضاء أن يتابعوا وينهجوا نهجه، وعندئذ لا يجد الخليفة تقيَّاً يعمل قاضياً..

وقد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر سمة من سمات السلبية.

بيد أنه ليس كذلك، فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليس هناك من يصلح له سواه.. بل هناك كثيرون من أصحاب رسول الله الورعين الصالحين، وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتية بالفعل..

ولم يكن في تخلي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء، ولا القاء بها بين أيدي الذين لا يصلحون لها.. ومن ثمّ قد آثر البقاء مع نفسه، ينمّيها ويزكيها بالمزيد من الطاعة، والمزيد من العبادة..

كما أنه في ذلك الحين من حياة الاسلام، كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال، وكثرت المناصب والامارات.

وشرع اغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة، مما جعل بعض أصحاب الرسول، ومنهم ابن عمر، يرفعون راية المقاومة لهذا الاغراء باتخذهم من أنفسهم قدوة ومثلا في الزهد والورع والعزوف عن المانصب الكبيرة، وقهر فتنتها واغرائها...
**********
لقد كان ابن عمر، أخا الليل، يقومه مصلياً.. وصديق السحر يقطعه مستغفراً وباكياً..

ولقد رأى في شبابه رؤيا، فسرها الرسول تفسيرا جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله، ومناط غبطته وحبوره..

ولنصغ اليه يحدثنا عن نبأ رؤياه:
"رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة استبرق، وكأنني لا أريد مكاناً في الجنة إلا طارت بي اليه.. ورأيت كأن اثنين أتياني، وأرادا أن يذهبا بي الى النار، فتلقَّاهما ملك فقال: لا ترع، فخليّا عني..

فقصت حفصة -أختي- على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل فيكثر"..

ومن ذلك اليوم وإلى أن لقي ربه، لم يدع قيام الليل في حله، ولا في ترحاله..

فكان يصلي ويتلو القرآن، ويذكر ربه كثيرا.. وكان كأبيه، تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن.

يقول عبيد بن عمير:
قرأت يوما على عبد الله بن عمر هذه الآية:
(فكيف اذا جئنا من كلِّ أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً * يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوَّى بهمُ الأرض ولا يكتمون الله حديثاً).. فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.

وجلس يوماً بين إخوانه فقرأ:
(ويل للمطففين، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون، واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم ميعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين).. 

ثم مضى يردد الآية:
(..يوم يقوم الناس لرب العالمين).. ودموعه تسيل كالمطر... حتى وقع من كثرة وجده وبكائه..!!
**********
ولقد كان جوده، وزهده، وورعه، تعمل معا في فن عظيم، لتشكل أروع فضائل هذا الانسان العظيم.. فهو يعطي الكثير لأنه جواد..

ويعطي الحلال الطيب لأنه ورع..

ولا يبالي أن يتركه الجود فقيرا، لأنه زاهد..!!

وكان ابن عمر رضي الله عنه، من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة، اذ كان تاجراً أميناً ناجحاً شطر حياته، وكان راتبه من بيت المال وفيراً.. ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط، انما كان يرسله غدقاً على الفقراء، والمساكين والسائلبن..

يحدثنا أيوب بن وائل الراسبي عن أحد مكرماته، فيخبرنا أن ابن عمر جاءه يوما بأربعة آلاف درهم وقطيفة.. وفي اليوم التالي، رآه أيوب بن وائل في السوق يشتري لراحلته علفا نسيئةً -أي ديناً-.

فذهب ابن وائل الى أهل بيته وسالهم أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن -يعني ابن عمر- بالأمس أربعة آلاف، وقطيفة..؟ قالوا: بلى.. قال: فإني قد رأيته اليوم بالسوق يشتر علفاً لراحلته ولا يجد معه ثمنه.. قالوا: انه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعها، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره، خرج.. ثم عاد وليست معه، فسألناه عنهتا. فقال: انه وهبها لفقير..!!

فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف. حتى أتى السوق فصعد مكاناً عالياً، وصاح في الناس:
"يا معشر التجار.. ما تصنعون بالدنيا، وهذا بن عمر تأتيه الف درهم فيوزعها، ثم يصبح فيستدين علفاً لراحلته"..؟!!

ألا إن مَنْ كان مُحَمَّدٌ أستاذه، وعمر أباه، لعظيم، كفء لكل عظيم..!!

ان جُود عبد الله بن عمر، وزهده وورعه، هذه الخصال الثلاثة، كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة.. وصدق البنوّة..

فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله، حتى انه ليقف بناقته حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يوقف ناقته... ويقول" لعل خفا يقع على خف".!

والذي يذهب برأيه في بر أبيه وتوقيره والاعجاب به الى المدى الذي كانت شخصية عمر تفرضه على الأعداء، فضلا عن الأقرباء.. فضلا عن الأبناء.. أقول ما ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول، ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبداً..

ولقد كانت الأموال تاتيه وافرة كثيرة.. ولكنها تمر به مروراً.. وتعبر داره عبوراً..

ولم يكن جوده سبيلاً الى الزهو، ولا إلى حسن الأحدوثة.

ومن ثَمَّ. فقد كان يخص به المحتاجين والفقراء.. وقلَّما كان يأكل الطعام وحده..

فلابد أن يكون معه أيتام، أو فقراء.. وطالما كان يعاتب بعض أبنائه، حين يولمون للأغنياء، ولا يأتون معهم بالفقراء، ويقول لهم: "تَدْعُون الشِّباع... وتَدَعُون الجِيَاعَ"..!!

وعرف الفقراء عطفه، وذاقوا حلاوة بره وحنانه، فكانوا يجلسون في طريقه، كي يصحبهم الى داره حين يراهم.. وكانوا يحفون به كما تحف أفواج النحل بالأزاهير ترتشف منها الرحيق..!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17500
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: عبد الله بن عمر - المثابر، الأوّاب   29/04/17, 11:33 pm

لقد كان المال بين يديه خادماً لا سيداً.. وكان وسيلة لضروات العيش لا للترف.. ولم يكن ماله وحده، بل كان للفقراء فيه حق معلوم، بل حق متكافئ لا يتميز فيه بنصيب..

ولقد أعانه على هذا الجود الواسع زهده.. فما كان ابن عمر يتهالك على الدنيا، ولا يسعى اليها، بل ولا رجو منها الا كا يستر الجسد من لباس، ويقيم الأود من الطعام..

أهداه أحد اخوانه القادمين من خراسان حلة ناعمة أنيقة، وقال له: لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان، وانه لتقر عيناي، اذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل..

قال له ابن عمر:
أرنيه اذن..

ثم لمسه وقال:
أحرير هذا.؟

قال صاحبه:
لا.. انه قطن.

وتملاه عبد الله قليلا، ثم دفعه بيمينه وهويقول:
"لا. اني أخاف على نفسي.. أخاف ان يجعلني مختالاً فخوراً.. والله لا يحب كل مختال فخور"..!!

وأهداه يوماً صديقاً وعاءً مملوءاً..

وسأله ابن عمر:
ما هذا؟

قال:
هذا دواء عظيم جئتك به من العراق.
قال ابن عمر:
وماذا يطبب هذا الدواء..؟

قال:
 يهضم الطعام..

فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه:
"يهضم الطعام..؟ اني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاماً".!!

ان هذا الذي لم يشبع من الطعام منذ أربعين عاما، لم يكن يترك الشبع خصاصة، بل زهداً وورعاً، ومحاولة للتأسي برسوله وأبيه.. كان يخاف أن يقال له يوم القيامة: (أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها).. وكان يدرك انه في الدنيا ضيف أو عابر شبيل..

ولقد تحدث عن نفسه قائلاً:
"ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم"..

ويقول ميمون بن مهران:
"دخلت على ابن عمر، فقوّمت كل شيء في بيته من فراش، ولحاف وبساط. ومن كل شيء فيه، فما وجدته تساوي مئة ردهم"..!!

لم يكن ذلك عن فقر.. فقد كان ابن عمر ثرياً.. ولا كان ذلك عن بخل فقد كان جواداً سخياً.. زاهداً في الدنيا، وازدراء للترف، والتزام لمنهجه في الصدق والورع..

ولقد عمّر ابن عمر طويلاً، وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيها لأموال وانتشرت الضياع، وغطى البذخ أكث الدور.. بل قل أكثر القصور.. ومع هذا، بقي ذلك الطود الجليل شامخا ثابتا، لا يبرح نهجه ولا يتخلى عن ورعه وزهده.

واذا ذكّر بحظوظ الدنيا ومتاعها التي يهرب منها قال:
"لقد اجتمعت وأصحابي على أمر، واني أخاف ان خالفتهم ألا ألحق بهم"..

ثم يعلم الآخرين أنه لم يترك دنياهم عجزاً، فيرفع يده الى السماء ويقول:
"اللهم انك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه الدنيا".
**********
أجل.. لولا مخافة ربه لزاحم في الدنيا، ولكان من الظافرين.. بل انه لم يكن بحاجة الى أن يزاحم، فقد كانت الدنيا تسعى اليه وتطارده بطيباتها ومغرياتها..

وهل هناك كمنصب الخلافة اغراء..؟

لقد عرض على ابن عمر مرات وهو يعرض عنه.. وهدد بالقتل ان لم يقبل. فازداد له رفضاً، وعنه اعراضاً..!!

يقول الحسن رضي الله عنه:
"لما قتل عثمان بن عفان، قالوا لعبد الله بن عمر: انك سيّد الناس، وابن سيد الناس، فاخرج نبايع لك الناس.. قال: ان والله لئن استطعت، لا يهراق بسببي محجمة من دم.. قالوا: لتخرجن، أو لنقتلنكك على فراشك.. فأعاد عليهم قوله الأول.. فأطمعوه.. وخوّفوه.. فما استقبلوا منه شيئا"..!!

وفيما بعد.. وبينما الزمان يمر، والفتن تكثر، كان ابن عمر دوما هو الأمل، فيلح الناس عليه، كي يقبل منصب الخلافة، ويجيئوا له بالبيعة، ولكنه كان دائما يأبى..

ولقد يشكل هذا الرفض مأخذا يوجه الى ابن عمر..

بيد أن كان له منطقه وحجته...

فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر بالسوء والخطر..

وابن عمر وان يك زاهدا في جاه الخلافة، فانه يتقبل مسؤلياتها ويحمل أخطارها، ولكن شريطة أن يختاره جميع المسلمين طائين، مختارين، أما أن يحمل واحد لا غير على بيعته بالسيف، فهذا ما يرفضه، ويرفض الخلافة معه..

وآنئذ، لم يكن ذلك ممكنا.. فعلى الرغم من فضله، واجماع المسلمين على حبه وتوقيره، فان اتساع الأمصار، وتنائيها، والخلافات التي احتدمت بين المسلمين، وجعلتهم شيعاً تتنابذ بالحرب، وتتنادى للسيف، لم يجعل الجو مهيأ لهذا الاجماع الذي يشترطه عبد الله بن عمر..

لقيه رجل يوما فقال له:
ما أحد شر لأمة محمد منك..!

قال ابن عمر:
ولم..؟ فوالله ما سفكت دماءهم، ولا فرقت جماعتهم، ولا شققت عصاهم..

قال الرجل:
انك لو شئت ما اختلف فيك اثنان..

قال ابن عمر:
ما أحب أنها أتتني، ورجل يقول: لا، وآخر يقول: نعم.

وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطاً طويلاً، واستقر الأمر لمعاوية.. ثم لابنه يزيد من بعده.

ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها..

حتى في ذلك اليوم، وابن عمر شيخ مسن كبير، كان لا يزال أمل الناس، وأمل الخلافة.. فقد ذهب اليه مروان وقال له: هلم يدك نبايع لك، فانك سيد العرب وابن سيدها..

قال له ابن عمر: كيف نصنع بأهل المشرق..؟

قال مروان: نضربهم حتى يبايعوا..

قال ابن عمر: "والله ما أحب أنها تكون لي سبعين عاما، ويقتل بسببي رجل واحد"..!!

فانصرف عنه مروان وهو ينشد:
اني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
يعني بأبي ليلى، معاوية بن يزيد ...
**********
هذا الرفض لاستعمال القوة والسيف، هو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار علي وأنصار معاوية، موقف العزلة والحياد جاعلاً شعاره ونهجه هذه الكلمات: "من قال حي على الصلاة أجبته.. ومن قال حي على الفلاح أجبته.. ومن قال حي على قتل أخيك المسلم واخذ ماله قلت: لا".!!

ولكنه في عزلته تلك وفي حياده، لا يماليء باطلاً... فلطالما جابه معاوية وهو في أوج سلطانه يتحديات أوجعته وأربكته.. حتى توعده بالقتل، وهو القائل: "لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت"..!!

وذات يوم، وقف الحجاج خطيباً، فقال: