منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر   20/03/17, 07:57 am

الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر
خــالد بن سعــود البليهد
غفر الله له ولوالديه والمسلمين
=================
بســــم الله الرحمــــن الرحيـــــم
=================
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فهذه أربعون حديثاً مما ورد في باب الذِّكر في فضل الذِّكر وأنواعه وهيئته وسننه وعظيم جزائه في الآخرة وتكفيره للسيِّئات.

وقد شرحت معناها على سبيل الاختصار وقد أفردت هذا الباب لتذكير نفسي وإخواني بعظم فضله وكثرة ثوابه وشدَّة الحاجة إليه.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم نافعاً لي يوم القيامة وأن يميتني على الإسلام ويغفر لوالدي ومشائخي وأهلي وسائر المسلمين إنَّه جواد كريم.
=============
خــالد بن سعــود البليهد
الريـــــــــــــــــــاض في:
12 /3 /1438هـجــري
=============
 الحديث الأول
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (سَبَقَ المُفَرِّدُونَ. قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ ؟ يَا رسولَ الله قَالَ: (الذَّاكِرُونَ اللهَ كثيراً والذَّاكِرَاتِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

هذا الحديث أصل في فضل الإكثار من ذكر الله وقد دلَّ على أنَّ المكثرين والمكثرات للذِّكر في الدنيا الذين يدمنون الذِّكر ويولعون به يسبقون غيرهم من المقلِّين للذِّكر في الثَّواب والمنزلة العالية في الآخرة وسمُّوا مفرِّدين لأنَّهم انفردوا عن النَّاس وانقطعوا للعبادة.

والإكثار في الذِّكر يكون سائر الأحوال في اليسر والعسر والصِّحة والمرض والغنى والفقر والأمن والخوف والحضر والسَّفر والسِّر والعلانية وسائر الأوقات في الليل والنَّهار وقد أمر الله بكثرة الذِّكر فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا).

قال مجاهد: (لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً).

والمكثرون يتفاوتون في السَّبق على حسب عملهم قال أبو بكر رضي الله عنه: (ذهب الذّاكرون اللّه بالخير كلّه).

وفيه دليل على أنَّ المقلَّ للذِّكر لاشتغاله بزخرف الدُّنيا وافتتانه بالملذَّات والغفلة واتِّباع الشَّهوات متأخِّر يوم القيامة فياله من غبن.

والذِّكر له معنى خاص وهو اشتغال اللسان بالثَّناء على الله وتعظيمه وتنزيهه واستغفاره ونحوها من الألفاظ التي ورد فضلها في الشَّرع وهذا هو المراد في إطلاق الفقهاء وله معنى عام وهو الاشتغال بكل ما يقرِّب إلى الله مما شرعه الله ورسوله من تلاوة ودعاء وتنفُّل بالصَّلاة ومدارسة علم ونحوه.  


الحديث الثاني
عَنْ حَنْظَلَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكر رضي الله عنه فَقَالَ: كَيْفَ أنْتَ يَا حنْظَلَةُ ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ ! قَالَ: سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ ؟! قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُول الله  يُذَكِّرُنَا بالجَنَّةِ وَالنَّارِ كأنَّا رَأيَ عَيْنٍ فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول الله  عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً ، قَالَ أَبُو بكر : فَوَالله إنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فانْطَلَقْتُ أَنَا وأبُو بَكْر حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُول الله  . فقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُول اللهِ ! فَقَالَ رَسُول الله : (وَمَا ذَاكَ ؟) قُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ والجَنَّةِ كأنَّا رَأيَ العَيْن فإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسينَا كَثِيراً. فَقَالَ رَسُول الله : (وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ ، لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونونَ عِنْدِي ، وَفي الذِّكْر ، لصَافَحَتْكُمُ الملائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفي طُرُقِكُمْ ، لَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وسَاعَةً) ثَلاَثَ مَرَات. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على أنَّ مجالس الذِّكر ترقِّق القلب وتصلح الرُّوح وتجعل المؤمن يعيش في حالة من الصَّفاء والأنس بالله واستحضار مشاهد الآخرة كما أنَّ مجالس الدنيا تقسِّي القلب وتستوحش بها الرُّوح وتصيب قلب المؤمن بالغفلة عن الله.

وفيه دليل على الرُّخصة في الغفلة العارضة التي ينشغل بها المؤمن بمعاشه وأهله وأنَّ هذا طبع بشري وأمر جبلِّي لا ينفكُّ عنه أحد والدِّين يسر ولا يشرع لأحد أن ينقطع للذِّكر ويهمل معاشه وغريزته وهو خلاف هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمَّا الغفلة الدَّائمة التي تمرض القلب وتصدُّ عن الذِّكر فقد ورد فيها الذمُّ.

وفيه دليل على أنَّ نقص الإيمان عند الاشتغال بالدُّنيا ليس من النِّفاق لأنه لا يناقض الإيمان ولا يبطله من أصله وكذلك الغفلة ليست من النفاق وإنما النفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام ولكنَّ المؤمن إذا انقطع عن الذِّكر وهجر القرآن ورضي بالغفلة واتبع الشَّياطين ربما أفضى به ذلك إلى الاستهانة بشعائر الله والوقوع في سوء الخاتمة ومن لازم الذِّكر برئ من ذلك قال كعب بن مالك رضي الله عنه: (من أكثر ذكر الله برئ من النفاق).

وفيه دليل على أن قلوب الصَّحابة رضي الله عنهم كانت حيَّة تنكر ما يرد عليها من الموهنات وكذلك القلب الحي المشعِّ بالإيمان يحزن لما يرد عليه من المرض والغفلة ويفرح بالطَّاعة والقلب الميت يفرح بالمعصية ويغتم بالطَّاعة ويستروح بالغفلة ولا يشعر بالمرض.

وفيه دليل على الرخصة بترويح النَّفس بالحاجات واللهو المباح لتستجم الروح ويستجمع القلب وتقبل النَّفس على الطاعة فإنَّ للنَّفس إقبال وإدبار ومن فقه النَّفس إشغالها بالنوافل عند إقبالها وإلزامها بالفرائض عند إدبارها وليس فيه دليل على إشغال النَّفس باللهو المحرَّم خلافا لما يدَّعيه السُّفهاء.
 

الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ : إمَامٌ عَادِلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأ في عِبَادَةِ الله  ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيهِ وتَفَرَّقَا عَلَيهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ ، فَقَالَ : إنِّي أخَافُ الله ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

هذا الحديث يدلُّ على أنَّ هذه الأصناف السَّبعة يظلهم الله عند شدِّة الشمس وكثرة الحرِّ والعرق في يوم القيامة بظلِّ عرشه وهذا الفضل عام في الرَّجل والمرأة إلا الولاية والتعلُّق بالمساجد فهي خاصَّة بالرَّجل.
وفيه دليل على فضل ذكر الله سرًّا على انفراد بحيث لا يطَّلع عليه أحد من الخلق ولا يكون القلب مشغولا بغير الله فيذكر المؤمن ربه ويناجيه ويثني عليه ويمجِّده ويستحضر رحمته وثوابه وغضبه وعذابه فيتأثَّر قلبه ويبكي شوقاً إلى الله أو خوفاً من ذنوبه وهذا يدلُّ على كمال الإيمان قال القرطبي: (وفيض العين بحسب حال الذَّاكر وبحسب ما يكشف له ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشَّوق إلى الله).

والبكاء المحمود شرعا ما كان بدمع العين أما الصِّياح والعويل فليس محمودا في الشرع مرَّ الشَّافعي برجل يبكي في المسجد فقال: (ما أطيب هذه الدموع ولو كانت وحدك لكانت أطيب).

وفيه دليل على أنَّ الذِّكر وسائر العبادات في السِّر أفضل من إعلانها والجهر بها لتحقُّق الإخلاص وخلوها من الرِّياء والسُّمعة إلا ما ورد الشَّرع بالجهر بها لمصلحة راجحة.  
 

الحديث الرابع
عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَخذَ بيدهِ ، وَقالَ: (يَا مُعَاذُ ، وَاللهِ ، إنِّي لأُحِبُّكَ ، ثُمَّ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ : اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ.

دلَّ الحديث على فضل هذا الدُّعاء دبر الصَّلاة والأقرب أن محلَّه قبل السَّلام وما ورد في السُّنة أنَّه يقال في دبر الصَّلاة فإن كان دعاء فمحلُّه قبل السَّلام وإن كان ذكرا فمحلُّه بعد السَّلام.

وفي هذا الحديث تنبيه على أصل عظيم في تيسير المؤمن للذِّكر والشُّكر وحسن العبادة ألا وهو طلب العون من الله فالاستعانة بالله على القيام بحقِّه والسَّير إليه مقام عظيم إذا وفِّق له العبد هدي قلبه لفعل الخير واجتناب الشَّر وأعين على تحقيق مطلبه وزالت عنه العوائق أمَّا إذا غفل عن هذا الأصل واستعان بحوله وقوته خذل ووقع في الحرمان والموفَّق من وفَّقه الله والمحروم من حرمه الله قال ابن تيمية: (تأمَّلت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

وفي الحديث دليل على أنَّ المحبوب لله حسن العبادة وليس كثرتها ولذلك قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).

قال الفضيل بن عياض: (العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً.. الخالص: إذا كان لله والصَّواب: إذا كان على السُّنَّة).

فليست العبرة بكثرة العمل وإنما العبرة بالعمل الموافق للشرع في الظاهر والباطن ولهذا ثبت في صحيح مسلم: (أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وان قلَّ).

وذمَّ الشرع كثرة عبادة الخوارج فعمل يسير مع إتقان خير من عمل كثير بلا إتقان وحسنُ العبادة تكون في إخلاصها وموافقتها للسُّنة والمداومة عليها.

وفيه مشروعية إخبار من تحبُّ من المؤمنين بمحبتك له في الله فيستحب للمؤمن إذا أحب إنسانا أن يخبره بمحبته في الله لما ثبت في جامع الترمذي: (إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه).

وفيه الحرص على دلالة المؤمنين إلى أبواب الخير.


الحديث الخامس
عَنْ أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ: (مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ ، وَالبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ).

هذا الحديث من فضائل الذِّكر وقد دلَّ على فضل ذكر الله ببيان الفرق العظيم بين الذَّاكر والغافل فقد شبَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الذَّاكر بالحيِّ والغافل بالميَّت وذلك لأنَّ ذكر الله يحيي القلب ويشرح الخاطر ويصلح النفس ويهذِّب الأخلاق ويورث القلب السَّكينة والخشوع والطُّمأنينة ويطرد الشَّيطان ويبطل مكايده ويقوِّي صلة المؤمن بربه ويرزقه البصيرة قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

والغفلة عن ذكر الله تميت القلب وتجعله ضيِّقا وتجعل النَّفس خبيثة وتسلِّط الشَّيطان على الغافل وتورث الكبر وتزيِّن الشَّهوات وتفضي لكل شرٍّ وفتنة قال أبو الدّرداء رضي الله عنه: (لكلّ شيء جلاء وإنّ جلاء القلوب ذكر اللّه عزّ وجلّ).

قال ابن القيم: (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذِّكر للقلب مثل الماء للسَّمك فكيف يكون السَّمك إذا فارق الماء ؟).

وفي رواية مسلم دليل على أنَّ ذكر الله إذا حلَّ في بيت أو موضع طاب وحلَّت فيه البركة وطردت منه الشَّياطين ودخلته الملائكة وسعد أهله وإذا هجر الذِّكر في بيت أو موضع نزعت منه البركة وحلَّت فيه الشَّياطين وهجرته الملائكة وكان الشُّؤم في أهله ولذلك ورد أنَّ المساجد أحبُّ البقاع إلى الله والأسواق أبغض البقاع إلى الله.  


الحديث السادس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يقول الله تَعَالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ، وإنْ ذَكَرنِي في ملأٍ ذَكرتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

دلَّ الحديث القدسي على إثبات معيَّة الله لمن ذكر الله محسنا ظنه بالله وهذه المعيَّة هي معيَّة الهداية والتوفيق والنُّصرة وهي خاصة بالمؤمنين.

ودلَّ أيضا على أن من ذكر الله خاليا في نفسه ذكره الله في نفسه ومن ذكر الله في جماعة من الناس ذكره الله في جماعة من الملائكة المقربين خير من جماعته وهذا يدلُّ على شرف مجالس الذِّكر وكل ما يوصل لطاعة الله ورسوله فهو من مجالس الذِّكر فتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث وشرحه وبيان أحكام الحلال والحرام والمواعظ والسِّير داخلة في مجالس الذِّكر قال عطاء بن أبي رباح: (مجالس ‏الذِّكر هي مجالس الحلال والحرام أي مجالس العلم).

وهذا الحديث مما يعين على الذِّكر لأنَّ المؤمن إذا استحضر أنَّ الله يذكر عبده إذا ذكره كان حافزا ومعينا على كثرة الذِّكر قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).

وفيه دليل على عظم كرم الله وجوده وعطائه على عبده الذاكر حيث جازاه وكآفأه بأعظم من عمله.

وفيه دليل على إثبات النَّفْس لله على ما يليق به من غير تشبيه ولا تعطيل وقد وردت في القرآن والسُّنة قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ).

والصحيح أنَّها ليست صفة متعلقة بالذَّات كسائر الصفات وإنَّما معنى نفس الله ذاته المقدسة.
 

الحديث السابع
عَنْ أُمِ المُؤمُنِينَ جُويْريَةَ بنت الحارِث رضي الله عنها: (أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِيْنَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِها ، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أنْ أضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ ، فقالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الحالِ الَّتي فَارقَتُكِ عَلَيْهَا ؟ قالت : نَعَمْ ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ، وَرِضَا نَفْسِهِ ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل كثرة التَّسبيح، ودلَّ أيضا على استحباب هذا الذِّكر الجامع ومعناه أسبِّح الله تسبيحا بقدر عدد الخلائق وقدر رضا الله وقدر ما يزن عرشه العظيم وقدر عدد كلمات الله فهذا الذِّكر على اختصاره وقلَّته أفضل من كثرة الذِّكر المجرد لأنَّه ذكر مضاعف ولذلك أخبر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جويرية بأنَّ هذه الكلمات الأربع ترجح وتزيد بالأجر والثَّواب على جميع أذكارك وتسبيحاتك في جميع هذه السَّاعات.

وفيه دليل على أنَّ الذِّكر المضاعف أفضل من الذِّكر المفرد لما يقوم في قلب الذَّاكر من المعاني.

وفيه دليل على أنَّ اتباع الألفاظ النَّبوية الجامعة في الذِّكر والدُّعاء والحرص عليها أفضل من ألفاظ النَّاس لأنَّ اللفظ الجامع مع اختصار لفظه يحوي معاني كثيرة وصور متنوعة.

ولم يرد في الشَّرع فضل الذِّكر المفرد كالله ولم يؤثر عن السَّلف وإنَّما أحدثه المتصوِّفة قال ابن تيمية: (فأمَّا الاسم المفرد مظهرا مثل " الله ، الله " أو مضمرا مثل: " هو ، هو ": فهذا ليس بمشروع في كتاب ولا سنَّة ولا هو مأثور أيضا عن أحد من سلف الأمَّة ولا عن أعيان الأمَّة المقتدى بهم وإنما لهج به قوم من ضلاَّل المتأخرين).
 

الحديث الثامن
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على استحباب هذا الذِّكر في اليوم مائة مرة سواء أتى به مفرَّقا أو متَّصلا أوَّل النهار وآخره لكن الأفضل أن يأتي به أوَّل النَّهار ليدرك الفضيلة فهذا الذِّكر مقيَّد في اليوم من حين طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس.

وفيه دليل على أنَّ من أتى بهذا الذِّكر كتب له أجر عتق عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيِّئة وكانت حافظة له من كيد الشَّيطان في يومه ولم يأت أحد بثواب أفضل منه إلا لمن أتى بعمل أكثر منه وهذا يدلُّ على عظم فضل هذا الذِّكر لما اشتمل عليه من الثَّناء والتَّمجيد والتَّوحيد والاعتراف بتفرُّد الله في الملك والخلق والتَّدبير.

وورد في الصَّحيحين أيضا فضل التَّهليل عشرا كما في حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد).

وهذا ذكر مطلق وأمَّا تقييده بالصُّبح والمساء فقد ورد في عدة أحاديث خارج الصحيحين وفي أسانيدها اضطراب وفي متونها نكارة لمخالفتها للمحفوظ من قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وفعله ولهذا أعرض عنها الشيخان ومن أهل العلم من يستحبها بعد صلاة الصُّبح وصلاة المغرب.
 

الحديث التاسع
عَنْ يُسَيْرَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ، وَالتَّقْدِيسِ ، وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

دلَّ الحديث على استحباب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير بأصابع اليد لأنَّهن يشهدن بذلك يوم القيامة فالسُّنة التَّسبيح باليد والأفضل باليد اليمنى لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التَّيمن في تنعَّله وترجَّلة وطهوره وفي شأنه كله وإن استعمل كلتا اليدين فلا حرج وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يسبح بيده أما التَّسبيح بالسُّبحة فجائز وقد رأى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين صفية رضي الله عنها تسبِّح بالحصى وأقرَّها على ذلك وروي عن عدد من الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يسبِّحون بالحصى والنَّوى فمن كانت نيته حسنة فلا حرج عليه في ذلك في قول عامَّة أهل العلم ومن اتَّخذها رياء فيحرم عليه لسوء قصده وإظهارها من شعار الصُّوفية المخالفين للسُّنة ومن زعم أنَّها بدعة فقد أخطأ ولم يوفَّق للصَّواب قال إسحاق الكوسج: (قلت (يعني للإمام أحمد): يسبِّح الرَّجل بالنَّوى؟ قال: قد فعل ذلك أبو هريرة وسعد رضي الله عنهما وما بأس بذلك النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عدَّ.

قال إسحاق (بن راهويه): كما قال)، ومراد الإمام أحمد أنَّ استعمال النَّوى في التَّسبيح وسيلة للعدِّ والعدُّ مشروع فوسيلته مشروعة وقال ابن تيمية: (وأما التَّسبيح بما يجعل في نظام الخرز ونحوه فمن النَّاس من كرهه ومنهم ‏من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النِّية فهو حسن غير مكروه وأمَّا اتِّخاذه من ‏غير حاجة أو إظهاره للنَّاس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسِّوار في اليد ‏أو نحو ذلك فهذا إمَّا رياء للنَّاس أو مظنَّة المراءاة ومشابهة المرائين من غير ‏حاجة والأوَّل محرَّم والثَّاني أقل أحواله الكراهة).

وفيه دليل على أنَّ الله يسأل جميع الأعضاء يوم القيامة فينطقن ويشهدن على صاحبها بما عملنه في الدُّنيا قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وهذا يوجب للمؤمن الخوف والحذر من الوقوع في الآثام والتَّفريط، وفيه ذم الوقوع في الغفلة بترك الذِّكر لئَّلا يكون ذلك سببا في حرمان الرَّحمة والثَّواب وقد نهى الله جل جلاله المؤمنين عن الإنشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).


الحديث العاشر
عَنْ عَبدِ الله بنِ بُسرٍ رضي الله عنه: (أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ الله ، إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَليَّ ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ قَالَ: (لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطباً مِنْ ذِكْرِ الله). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

دلَّ الحديث على فضل الذِّكر وأنَّ المداومة عليه يبلِّغ المؤمن منزلة عظيمة في الثَّواب والدَّرجة في الآخرة ويكون سببا في نجاته يوم القيامة وإن قلَّ تطوَّعه بالنَّوافل قال أبو الدَّرداء رضي الله عنه: (الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهما الجنة وهو يضحك).

فينبغي لمن لم يفتح عليه بالنُّسك الإكثار من الذِّكر ليلحق بأهل المراتب العالية، وفيه دليل على أنَّ الفضل عام في كل ذكر لله لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعيِّن ذكراً خاصاً فيدخل فيه كل لفظ أحبَّه الله ورغب فيه ورتب عليه ثواباً.

وفيه دليل على أنَّ الذِّكر الذي يترتب عليه الثَّواب يشترط فيه أن يكون ذكرا باللسان أمَّا التَّفكر في القلب وإن كان عبادة وله فضل فلا يطلق عليه ذكر في لسان الشارع ولا يترتَّب عليه فضائل الذِّكر الواردة في النُّصوص.

والسُّنة أن يذكر الله بصوت منخفض بحيث يسمع نفسه ولا يجهر به في حضرة الناس حتى لا يشوِّش عليهم ويؤذيهم كما قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ).

وإن خلا بنفسه فلا حرج عليه في رفع صوته ويفعل ما هو أصلح لقلبه وأقرب للخشوع، ودلَّ الحديث على أنَّ الأجر يثبت على ذكر اللسان وإن كان خاليا من حضور القلب وتعقُّل المعنى وهذه مرتبة دنيا في الذِّكر والمرتبة العليا أن يكون القلب حاضرا مع ذكر اللسان قال ابن القيِّم: (وأفضل الذِّكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبويَّة وشهد الذاكر معانيه ومقاصده).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر   20/03/17, 08:03 am

الحديث الحادي عشر
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: (أفْضَلُ الذِّكْرِ : لا إلهَ إِلاَّ اللهُ). رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

دلَّ الحديث على أنَّ كلمة التوحيد أفضل ما يقوله العبد في مقام الذِّكر وذلك لعظم هذه الكلمة وما اشتملت عليه من المعاني الشَّريفة وهي أصل الإسلام وبها يسلم الكافر ويتميَّز الحق من الباطل وعليها قامت السماوات والأرض ومن أجلها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل وشرع القتال ومن قالها مخلصا دخل الجنَّة ومن كانت آخر كلامه في الدُّنيا دخل الجنة ومن قال هذه الكلمة ابتغاء وجه الله حرَّمه الله عن النَّار وهي أمان من وحشة القبر وهول الحشر وتوجب المغفرة وتمح السيِّئات ولها كثير من الفضائل والفوائد قال ابن عباس رضي الله عنه: (أحبُّ كلمة إلى الله لا إله إلاَّ الله لا يقبل الله عملا إلا بها).

وقد ضلَّ خلق كثير من المنتسبين للإسلام في فهمها ومعناها الذي دلَّ عليه الكتاب والسُّنة لا معبود بحقٍّ إلَّا الله وقد اشتملت على ركنين لا تصحُّ إلَّا بهما الأولُّ: نفي الإلهيَّة عما سوى الله والثَّاني: إثبات الإلهيَّة لله بحيث لا يستحقُّ التقرُّب والتألُّه والعبادة بكل أنواعها إلاَّ الله ومن صرف العبادة لغير الله انتقضت عنده لا إله إلاَّ الله ولم تنفعه يوم القيامة ومات على غير ملَّة الإسلام.

وهذا الذِّكر مطلق لم يقيِّده الشارع بعدد ولا زمان ولا مكان فيستحبُّ الإكثار منه.

وهذا التَّفضيل في الذِّكر الخاص المتعلِّق بكلام الآدمي أمَّا على سبيل العموم فإنَّ تلاوة القرآن أفضل من الذِّكر والذِّكر أفضل من الدُّعاء قال سفيان الثَّوري: (سمعنا أنَّ قراءة القرآن أفضل الذِّكر إذا عمل به).

لكن قد يكون المفضول أفضل من الفاضل لخصوص مشروعيَّته في هذا الموطن فالذِّكر بعد الصَّلاة ومتابعة الأذان والأذكار المقيَّدة بوقت أو سبب أفضل من تلاوة القرآن والتَّشهد الأخير والاستغفار في السَّحر أفضل من الذِّكر وقد يترجح المفضول في حقِّ بعض النَّاس إمَّا لعجزه عن الفاضل أو لكون المفضول أصلح لقلبه وأدعى للخشوع والإقبال على الله والأمر في ذلك واسع وكلاًّ وعد الله الحسنى.

وقد اختلف السَّلف في التَّفضيل بين التَّهليل والتَّحميد قال ابن رجب: (وقد اختلف أيُّ الكلمتين أفضل ؟ أكلمة الحمد أم كلمة التَّهليل؟ وقد حكى هذا الاختلاف ابن عبد البر وغيره وقال النَّخعي: كانوا يرون أنَّ الحمد أكثر الكلام تضعيفا وقال الثَّوري: ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد لله، والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله فيدخل فيه التوحيد).


الحديث الثاني عشر
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (من قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ). رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

دلَّ الحديث على فضل التَّسبيحة المقرونة بالتَّعظيم والحمد وأنَّ جزائها نخلة تغرس للمؤمن في الجنَّة وغراس الجنَّة يحصل بذكر الله في الدُّنيا وقد ورد في جامع التِّرمذي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيِّبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأنَّ غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).

وكلما زاد المؤمن من التَّسبيح زاد غرسه في الجنَّة وهذا يدلُّ على عظم جزاء الذِّكر في الآخرة، وفي الحديث دليل على أنَّ الله يثيب الثَّواب الكثير على العمل القليل وفضل الله واسع.


الحديث الثالث عشر
عَنْ أَبِي الدَّردَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ ، وأزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وأرْفَعِهَا في دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أن تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ ؟ قَالَوا: بَلَى قَالَ: ذِكر الله تَعَالَى). رَوَاهُ أَحْمَدُ.

هذا الحديث أصل في بيان فضل الذِّكر وعلوِّ منزلته وقد دلَّ على أنَّ الاشتغال بالذِّكر وملازمته أفضل من الصَّدقة والجهاد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إلي من أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل).

وقال أبو الدَّرداء: (لأن أقول: الله أكبر مائة مرة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة دينار)، وقال ابن رجب: (وقد تكاثرت النُّصوص بتفضيل الذِّكر على الصَّدقة بالمال وغيرها من الأعمال).

وقد استُشكِل هذا لما ورد من فضل الصَّدقة والجهاد والجواب أنَّ الجمع بين النُّصوص الواردة في فضائل النَّوافل أنَّ العمل يكون أفضل على حسب الشخص والحال فمن فُتح عليه الجهاد كان أفضل في حقه ومن فُتح عليه الصَّدقة كان أفضل في حقه ومن فُتح عليه العلم كان أفضل في حقه ومن لم يفتح عليه في هذه الأبواب كان الاشتغال بذكر الله أفضل في حقه وكثير من الخلق لا يتيسَّر لهم الجهاد والصَّدقة والعلم وقد سئل ابن تيمية عن أفضل الأعمال فقال: (وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف باختلاف النَّاس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصَّل لكل أحد لكن ما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره أنَّ ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة).
والمهمُّ أنَّ ذكر الله من أجل القربات وأزكى الصَّالحات وأعلى الدَّرجات ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من النَّار من ذكر الله).
 

الحديث الرابع عشر
عن أَبي موسى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ فقلت: بلى يَا رسولَ الله قَالَ: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل الحوقلة وهي لا حول ولا قوَّة إلا بالله وأنَّ من قالها في الدُّنيا أعطي كنز من كنوز الجنَّة في الآخرة والكنز هو المال النَّفيس ولم يبيِّن لنا الشَّارع نوعه وقدره مما يدلُّ على عظمه وشرفه وعطاء الله واسع وفضله عميم.

 ومعنى هذه الكلمة الجليلة أنَّه لا قدرة للعبد للتَّحول من المعصية إلى الطَّاعة ومن الكفر إلى الإيمان ومن الفقر إلى الغنى ومن المرض إلى الصِّحة ومن العسر إلى اليسر إلا بقوَّة الله وقدرته ومعونته وحسن تدبيره وهذا يقتضي تسليم العبد واعترافه اعترافا تاما بكمال ملك الله وعلمه وقدرته وحكمته وأنَّه المدبِّر الفرد لشؤون الخلائق فهي كلمة استعانة وتوكُّل وتفويض الأمر إلى الله وإذا قالها المؤمن مؤقنا بها اطمأنَّ قلبه وسكنت روحه وذهب همُّه ومن داوم على هذه الكلمة ذهبت عنه الشَّدائد وانفرجت عنه الكروب وصلحت أحواله.

ويستحبُّ الحوقلة عند الانتباه من الليل وعند سماع قول المؤذن حيَّ على الصلاة وحيَّ على الفلاح وعند الخروج من البيت وبعد الصَّلاة.

ولا حرج أن يقول المسلم عند نزول المصيبة لا حول ولا قوَّة إلا بالله إذا قصد الاستعانة بالله ولم يقصد بها التضجُّر والسُّنة أن يأتي بذكر الاسترجاع قال ابن تيمية: (وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها إذ كانت حالاً ينافي الرِّضا ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه). ولهذا ورد في البخاري لما بشَّر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عثمان بالجنَّة على بلوى تصيبه فحمد الله عثمان رضي الله عنه وقال: (الله المستعان).


الحديث الخامس عشر
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (كَانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على مشروعية الذِّكر في جميع الأحوال قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ)، فيذكر المؤمن ربَّه قائما وقاعدا ومضطجعا وعلى أي هيئة في الليل والنَّهار والسَّفر والحضر والبر والبحر والسِّر والعلن وفي سائر الأحوال إلاَّ في موضعين يكره الذِّكر فيها الأول: قضاء الحاجة والثاني: الجماع ويحرم الذِّكر حين استماع خطبة الجمعة.

والشارع لم يجعل وقتا أو حدا للذِّكر ليكون المؤمن متَّصلا بالله بعيدا عن الغفلة مما جعل الذِّكر عبادة سهلة ومع كونها سهلة فقد رتَّب عليها الشارع ثواباً عظيماً.

وفيه دليل على أنَّ ذكر الله بغير طهارة جائز بلا كراهة وإن كانت الطَّهارة مستحبَّة فالأفضل للمؤمن أن يذكر الله على طهارة فإن تركها فالأمر واسع.

واستحبَّ الفقهاء استقبال القبلة في الذِّكر حين الجلوس لأنَّ القبلة أشرف الجهات قال ابن مفلح: (ويتجه في كلِّ طاعة إلاَّ لدليل). فإن تيسَّر فهو أفضل وإلاَّ فالأمر واسع.
 

الحديث السادس عشر
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

هذا الحديث أصل في فضل مجالس الذِّكر والعلم في المساجد وقد دلَّ الحديث على أنَّ من قعد في حلق العلم حصل له هذه الفوائد الأربعة تنزَّل على قلبه السكينة وتغشاه رحمة الله وتحفُّه الملائكة بأجنحتها ويثني عليه الله في الملأ الأعلى وهذا يدلُّ على شرف هذا العمل الذي تحتفي به الملائكة ويكون سببا في نزول الرحمة وحسن الثناء وهذه المجالس لها أثر عظيم في صلاح القلب وطمأنينته وراحة البال والوقاية من الفتن.

وهذا الفضل خاص بحلق الذِّكر في المساجد لأنَّها أشرف البقاع وأحبَّها لله فلا يلحق بها غيرها من الأماكن وإن كان الاجتماع على الذِّكر خارج المسجد يكون فيه الأجر لكن لا يثبت له هذا الفضل الخاص.

وفيه دليل على استحباب الاجتماع على تلاوة القرآن والذِّكر في المسجد والمدرسة وغيرها إذا خلا هذا الاجتماع من البدعة كالذِّكر بالصَّوت الجماعي وإحداث هيئة فعلية للذِّكر أو اعتقاد مشروعيته في زمن معين أو مكان مخصوص فإذا خلا من البدع فالاجتماع على الذِّكر من أجلِّ القربات وأطيب الصَّالحات وقد كان الصَّحابة رضي الله عنهم يحرصون على فعله قال ابن تيمية: (أنَّ الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدُّعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات فى الأوقات لكن ينبغى أن يكون هذا أحيانا فى بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها).

وقد أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على قوم اجتمعوا على بدعة الذِّكر الجماعي في جامع الكوفة وقال: (والذي نفسي بيده إنَّكم لعلى ملة هي أهدى من ملَّة ‏محمد ‏أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ‏ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه).


الحديث السابع عشر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ وَحينَ يُمْسِي : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، مِئَةَ مَرَّةٍ ، لَمْ يَأتِ أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ ، إِلاَّ أحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل هذا الذِّكر وأنَّ من يقوله في الصَّباح والمساء ويداوم عليه لم يأت أحد يوم القيامة بذكر أفضل منه إلاَّ من أتى به وزاد عليه من الذِّكر.

وينبغي على المشتغل بأذكار الصَّباح والمساء أن يأتي بها بتؤدة وتأن وتعقل وتفهم لينشرح صدره وتأنس روحه ويذوق حلاوة الإيمان ولا يليق به أن يهذَّها هذ الشِّعر فيسرع بذكرها من غير حضور قلب وتفهم حتى لا يصبح كلامه لغو لا فائدة فيه ومجرد عادة كحال بعض النَّاس. والمواظبة على أذكار الصَّباح والمساء تحفظ المسلم من شرِّ ما خلق من الجنِّ والنَّاس وتحميه من جميع الجوانب وتقوِّي إيمانه وتقربه للمولى وتغفر ذنوبه المتكاثرة وتمح سيِّئاته وتزيد من حسناته وتنوِّر بصيرته وتجعله حافظا لعهد ربه مخبتا له مظهرا لفقره وفاقته لرحمة خالقه ورضاه وتضمن له دخول الجنَّة بإذن الله.

وهذه الأذكار وقَّتها الشَّارع في الصُّبح والمساء فلا تشرع إلا بها فإذا فات وقتها لم يشرع الإتيان بها وإنما يشرع الذِّكر المطلق في كلِّ وقت فإذا أتى بها المسلم بعد انتهاء وقتها من غير عذر لم تجزئه على أنَّها من أذكار الصَّباح والمساء وإنَّما تكون ذكرا مطلقا.

ولا يشرع رفع اليدين حال الإتيان بأذكار الصَّباح والمساء لأنَّه لم يرد في السُّنة ما يدلُّ على استحباب ذلك فالسُّنة ترك رفع اليدين مطلقا سواء كان الذِّكر في الثَّناء والحمد أو الدُّعاء فينبغي على المسلم أن يقتدي بالسُّنة ويلزم القصد ولا يتكلَّف في الذِّكر والخير في اتِّباع من سلف.

ودلَّ الحديث على أنَّ كثرة الفضل بحسب كثرة الذِّكر والعمل الصالح، والسُّنة في الذكر المقيَّد التقيُّد بالعدد الوارد في السُّنة والتقيُّد بالزَّمان والمكان والهيئة ولا تشرع الزيادة عليه أمَّا الذِّكر المطلق فلا يقيَّد بعدد ولا زمان ولا مكان ولا هيئة.


الحديث الثامن عشر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

دلَّ الحديث على كراهة خلوِّ المجلس من ذكر الله ويستحبُّ أن يشغل بذكر الله ولو شيئا من وقته المهمُّ ألاَّ يكون مجلس غفلة عن ذكر الله قال مجاهد: (ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم وما جلس قوم مجلسا فذكروا الله قبل أن يتفرقوا إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم).

فينبغي للمؤمنين أن لا يجعلوا مجلسهم كلَّه مستغرقا في اللهو والباطل بل يحسن بهم أن يذكِّروا بآية من كتاب الله أو حديث شريف أو موعظة أو مسألة فقهية وكثير من المجالس في هذا الزَّمن مجالس غفلة لا يذكر فيها الله بل قد تكون محرَّمة لما تشتمل عليه من المعصية وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن الشَّيطان يزيِّن الخمر والقمار ليصدَّ المسلم عن ذكر الله فقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ).

وفيه دليل على كراهة النَّوم من غير ذكر الله فيستحب للمؤمن أن يبيت على أذكار النوم وسماع القرآن ولا يكون من أهل الغفلة الذين يبيتون على سماع معازف الشَّيطان.

وفيه دليل على أنَّ المؤمن يتحسَّر يوم القيامة على ساعاته وأيَّامه ومجالسه التي قضاها في اللهو لما يرى من الغبن على ضياع الحسنات والدَّرجات قال بعض السَّلف: (يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطَّع نفسه عليها حسرات).
 

الحديث التاسع عشر
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ألاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللهِ ؟ إنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللهِ : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على أنَّ أحبَّ الكلام إلى الله سبحان الله بحمده وقد ورد فضل عظيم لهذه الكلمة لما اشتملت عليه من التَّنزيه والثَّناء وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه كما ورد في صحيح مسلم فينبغي للمؤمن الإكثار من التَّسبيح في سائر الأحوال إلاَّ في الأوقات التي شرع فيها ذكر خاص كالاستغفار والصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومتابعة الأذان ورد السَّلام وتشميت العاطس وسُئل ابن تيمية أيهما أنفع للعبد الإستغفار أم التَّسبيح ؟ فأجاب: (إذا كان الثَّوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له وإذا كان دنسا فالصَّابون والماء الحار أنفع له فكيف والثِّياب لا تزال دنسة).
وورد في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)، وفيه دليل على أنَّ هذه الكلمات الأربع من أحبِّ الكلام إلى الله.
 

الحديث العشرون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أنَّ فُقَراءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ذَهَبَ أهْلُ الدُّثورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أمْوَالٍ ، يَحُجُّونَ ، وَيَعْتَمِرُونَ ، وَيُجَاهِدُونَ ، وَيَتَصَدَّقُونَ . فَقَالَ : (ألاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ ، وَتَسْبَقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلاَ يَكُون أَحَدٌ أفْضَل مِنْكُمْ إِلاَّ منْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟) قالوا : بَلَى يَا رسول الله ، قَالَ : (تُسَبِّحُونَ ، وَتَحْمَدُونَ ، وَتُكَبِّرُونَ ، خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ ) قَالَ أَبُو صالح الراوي عن أَبي هريرة ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِنَّ قَالَ: يقول: سُبْحَان اللهِ وَالحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ ، حَتَّى يَكُونَ مِنهُنَّ كُلُّهُنَّ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل الذِّكر بعد الصَّلاة وأنَّ من التزم بعد كل صلاة التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير ثلاثا وثلاثين ثم ختم المائة بالتَّهليل أدرك عمل من سبقه من المؤمنين وسبق من أتى بعده ممن لم يأت بهذا الذِّكر أمَّا من جاء بهذا الذِّكر وزاد عليه في العمل يكون أفضل منه وإنما خصَّ الشارع هذا الذِّكر بالفضل العظيم لأنَّه جمع أصول الذِّكر وأعظم المقامات واشتمل على معاني العبادة من التَّنزيه والشُّكر والتَّعظيم والإخلاص.
ويستحبُّ هذا الذِّكر بعد الفرائض ولا يشرع بعد النَّوافل وتقال بعد الفريضة من غير فاصل فإن انشغل عنها أو تركها وطال الفصل فات وقتها.

والأحاديث في صيغة هذا الذِّكر مجملة وليس منصوص عليها فإن شاء أفرد الأذكار فسبَّح ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وكبَّر ثلاثا وثلاثين وإن شاء جمع بينها فقال سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين وقد سئل الإمام أحمد: (هل يجمع بينهما أو يفرد ؟ قال: لا يضيق).

فالأمر في هذا واسع، وقد ورد الذِّكر بعد الصَّلاة بأربع صيغ متنوعة في العدد كلُّها ثاتبة في السُّنة ينبغي للمؤمن أن ينوِّع بينها فيأتي تارة بصيغة وتارة بصيغة أخرى ولا يجمع بينها وإن اقتصر على ما يحفظ فحسن.

والسُّنة أن يأتي بها منفردا فلا يشرع ذكرها مع الإمام أو جماعة المسجد لأنَّ هذا الذِّكر لا يشرع فيه الاجتماع فينبغي على المسلم أن يذكرها بنفسه ولا يتقيَّد بجماعة وإنَّما يباح له متابعة غيره إذا كان جاهلا بنطقها على سبيل التعليم والتَّلقين.

وقد سئل أحمد بن حنبل عن الاجتماع على الذِّكر والقرآن فأنكره فقال: (يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله. قلت: فأنهاه ؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل ؟ قال: بلى إن شاء الله ، فإن هذا محدث ، الاجتماع والذي تصف).

وكذلك قال يحي بن معين. والأفضل أن يأتي بها في مصلاه وليس خارج المسجد وقد ورد في صحيح البخاري أنَّ الملائكة تصلي على من مكث في مصلاه إذا كان على طهارة تدعو له بالمغفرة والرحمة والصَّحيح أنَّ هذا الفضل يثبت لعموم المسجد ولا يختص بالموضع الذي صلَّى فيه قال ابن رجب: (دلَّ هذا الحديث على فضل أمرين: أحدهما: الجلوس في المصلى وهو موضع الصلاة التي صلاها والمراد به المسجد دون البيت).

وفيه دليل على أنَّ الصَّحابة رضي الله لشدة حرصهم على فعل الخير كانوا يحزنون على فوات الخير فالفقراء يحزنون على فوات أجر الصَّدقة والضُّعفاء يحزنون على فوات أجر الجهاد وهذا يدلُّ على كمال إيمانهم فينبغي للمؤمن أن يحزن على فوات الخير والتَّقصير في الدِّين ولا يجعل الدُّنيا أكبر همِّه ومبلغ علمه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر   20/03/17, 08:08 am

الحديث الحادي والعشرون
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يُصْبحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقةٌ: فَكُلُّ تَسْبيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْميدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وأمْرٌ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيجْزئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل هذه الكلمات الأربع التَّسبيحة والتَّحميدة والتَّهليلة والتَّكبيرة وأنَّ كل كلمة منها إذا قالها المؤمن تكون صدقة منه وهذا الذِّكر من جوامع الذِّكر المطلق ولذلك استحبَّه الشارع في عدد من المواطن فينبغي للمؤمن المواظبة على هذا الذِّكر في سائر الأوقات ولذلك ورد في صحيح مسلم أنَّ قول هذه الكلمات الأربع أحبُّ مما طلعت عليه الشَّمس وورد في الحديث أنَّهن مع لا حول ولا قوَّة إلا بالله الباقيات الصَّالحات يوم القيامة قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

قيل لعثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما الباقيات الصالحات؟ قال: هي لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده والله أكبر والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله).

وفيه دليل على أنَّ المؤمن عليه أن يتصدَّق كلَّ يوم عن كل مفصل من مفاصله صدقة وعدَّتها ثلاثمائة وستون مفصلا شكرا للنِّعمة التي أسداها الله عليه في تركيب هذه العظام وسلامتها حتى تم خلقه سويَّا قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ).

وإذا أدَّى شكر هذه النِّعمة زحزحه الله عن النَّار كما ورد في صحيح مسلم، ودلَّ الحديث على أنَّ شكر النِّعمة وأداء الصَّدقة يكون بالذِّكر ويكون بكل كلمة طيِّبة ومعروف إلى الناس وكف الأذى عنهم وخطى إلى المسجد كما ورد في الصَّحيحين.

وفيه دليل على أنَّ مفهوم الصَّدقة في الشَّرع غير مقتصر على المال بل يشمل الخير المعنوي سواء كان لازما أو متعديا فمن كان فقيرا لا يستطيع الصَّدقة بالمال تصدَّق بكل كلام طيِّب معروف وإحسان وهذا يدلَّ على كمال حكمة الشَّريعة وسماحتها وصلاحها للخلق.

قال ابن رجب: (فالصَّدقة تطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسان حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم وقد كان بعض السَّلف ينكر ذلك ويقول إنما الصَّدقة ممن يطلب جزاءها وأجرها والصحيح خلاف ذلك وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في قصر الصَّلاة في السَّفر: صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته خرَّجه مسلم).

وفيه دليل على أنَّ ركعتي الضُّحي تجزئ في شكر النِّعمة عن جميع الصَّدقات لأن في الصَّلاة استعمال كل الأعضاء في العبادة فتكفي في شكر سلامة الأعضاء كلها فمن أدَّاها كان شاكرا في يومه وقد دلَّت النصوص على تأكُّد استحباب صلاة الضُّحى وقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بها فينبغي على المؤمن ألاَّ يفرط بهذا الفضل العظيم.
 

الحديث الثاني والعشرون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للهِ تَعَالَى مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ ، فإذا وَجَدُوا قَوْمَاً يَذْكُرُونَ اللهَ تعالى ، تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ – وَهُوَ أعْلَم - : مَا يقولُ عِبَادي ؟ قَالَ : يقولون : يُسَبِّحُونَكَ ، ويُكبِّرُونَكَ ، وَيَحْمَدُونَكَ ، ويُمَجِّدُونَكَ ، فيقول : هَلْ رَأَوْنِي ؟ فيقولونَ : لا واللهِ مَا رَأَوْكَ . فيقولُ : كَيْفَ لَوْ رَأوْني ؟! قَالَ : يقُولُونَ : لَوْ رَأوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً ، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً ، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً . فَيقُولُ : فماذا يَسْألونَ ؟ قَالَ : يقُولُونَ : يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ . قَالَ : يقولُ : وَهل رَأَوْها ؟ قَالَ : يقولون : لا واللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا . قَالَ : يقول : فَكيفَ لَوْ رَأوْهَا ؟ قَالَ : يقولون : لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً ، وأشدَّ لَهَا طَلَباً ، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً . قَالَ : فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ قَالَ : يقولون : يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ ؛ قَالَ : فيقولُ : وَهَلْ رَأوْهَا ؟ قَالَ : يقولون : لا واللهِ مَا رَأوْهَا . فيقولُ : كَيْفَ لَوْ رَأوْهَا ؟! قَالَ : يقولون : لَوْ رَأوْهَا كانوا أشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً ، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً . قَالَ : فيقولُ : فَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم ، قَالَ : يقولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ : فِيهم فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ ، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ ، قَالَ : هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على شرف مجالس الذِّكر وأنَّ هناك ملائكة خلقهم الله ووكَّلهم بوظيفة التماس الذِّكر طوَّافين في الأرض يبحثون عن أهل الذِّكر فإذا وجدوهم أخبروا غيرهم وحثُّوهم على اغتنام هذا الفضل.

وفيه دليل على أنَّ الملائكة تحفُّ أهل الذِّكر بأجنحتها من مجلسهم إلى بلوغ السَّماء الدنيا وهذا يدلُّ على فضلهم، ودلَّ الحديثُّ على أنَّ الله جل جلاله يسأل الملائكة عما يقولون وهو أعلم بهم وهذا يدلُّ على فضلهم.

وفيه دليل على فضل الأذكار من التَّسبيح والتَّكبير والتَّحميد والتَّمجيد لأنَّهم نالوا هذا الفضل بهذا الذِّكر، وفيه دليل على فضل العبادة والذِّكر في الغيب فالمؤمن يعبد ربه ويذكره ليقينه بوجوده وتفرده بالرُّبوبية والألوهية وكمال تصديقه بوعده ووعيده وثوابه وعذابه وهذا ما يميزه عن الكافر والمنافق وشدة الإقبال على العمل الصالح والاشتياق إلى لقاء الله يدل على كمال اليقين وقوَّة البصيرة.

وفيه دليل على أنَّ أعظم مراد المؤمن في الدُّنيا وأكبر أمنية وأهم سؤل هو دخول الجنَّة والنَّجاة من النَّار ولذلك كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يكثر من سؤال الجنَّة والاستعاذة من النَّار وفي الصَّحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: (كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

وفي الحديث دليل على أنَّ ملازمة مجالس الذِّكر واحتساب الأجر في ذلك سبب لغفران الذُّنوب والتَّعرض لرحمة الله، ودلَّ الحديث على أنَّ من جلس في مجالس الذِّكر لا يقصد الانتفاع بالذّكر وإنما جلس ليصيب حاجة من الدُّنيا أنَّ رحمة الله ومغفرته تشمله بسبب بركة عمل الصَّالحين ومجاورته لهم وفي هذا ترغيب للغافل في حضور مجالس الخير فلعلَّه يسمع كلمة تفتح مغاليق قلبه وتنقله من الظُّلمة إلى النُّور وتجعله من أهل السَّعادة.


الحديث الثالث والعشرون
عَنْ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إذَا رَأى أحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أوْ مَالِهِ أوْ أخِيِهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بالبَرَكَة فَإنَّ العَيْنَ حَقٌّ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَالليلَةِ.

دلَّ الحديث على فضل ذكر الله عند رؤية ما يعجب العين فيستحبُّ للمؤمن إذا رأى شيئا حسنا يعجب نفسه أن يبرِّك فيقول بارك الله فيه أو بارك عليه لتحلَّ البركة فيه ويحميه من العين والسُّوء وهذا عام في كل شيئ في الإنسان والحيوان والمتاع والمركب والبيت وكل ما يعجب النفس ويسر الناظر قال ابن القيم في الزاد: (وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليرفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: ألا برَّكت عليه، ومما يدفع إصابة العين قول ما شاء الله لا قوَّة إلاَّ بالله.

 روى هشام بن عروة عن أبيه أنَّه كان إذا رأى شيئا يعجبه قال: ما شاء الله لا قوَّة إلاَّ بالله)، وقال تعالى: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه).  قال بعض السَّلف: (من أعجبه شيء من ماله أو ولده فليقل ما شاء الله لا قوَّة إلاَّ بالله).

وينبغي للمؤمن أن يحصِّن نفسه وأهله من العين لما ورد في النَّسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ من عين الجان وعين الإنس فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك).
 

الحديث الرابع والعشرون
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إلهَ إلاَّ أنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وأبُوءُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ، فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ . مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي ، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا ، فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ ، فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

دلَّ الحديث على فضل هذا الذِّكر واستحبابه في الصَّباح والمساء، وهذا الذِّكر من أجمع وأتمِّ الاستغفار وسمَّي سيِّد الاستغفار لاشتماله على أصول معاني التَّوبة والإنابة والافتقار والاخلاص والشُّكر.

وقد اشتمل سيِّد الاستغفار على ست جمل تحتوي على معاني جليلة:
أمَّا الأولى:
فهي الإقرار بأنَّ الله متفرد في الربوبيَّة والألوهيَّة وهذا مقام التَّوحيد.

والثَّانية:
الإقرار بالعهد الذي أخذه الله على عباده من عبادته والقيام بحقِّه وهذا مقام الوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
والثَّالثة:
الإستعاذة من شرِّ الذُّنوب التي يزيِّنها الشَّيطان والهوى وهذا مقام الإلتجاء والاعتصام بالله.

الرَّابعة:
الاعتراف بنعمة الخالق وهذا مقام الشُّكر.

الخامسة:
الاعتراف بالذَّنب والتَّقصير وهذا مقام النَّدم من التَّفريط في حق الله.

السَّادسة:
طلب المغفرة والاعتراف بأنَّ الغفران حقٌّ تفرَّد به الله وهذا مقام التَّوبة والحاصل أنَّ هذا الذِّكر عظيم من استحضر معناه وواظب على ذكره حصل في قلبه انكسار وإنابة وحياء من المنعم قال ابن تيمية: (فجمع في قوله صلى الله عليه وسلم (أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) مشاهدة المنَّة ومطالعة عيب النفس والعمل.
فمشاهدة المنَّة توجب له المحبة والحمد والشُّكر لولي النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النَّفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتَّوبة في كل وقت وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً).

وفيه دليل على أنَّ من قال هذا الذِّكر جازما بمعناه في الصُّبح فمات قبل المساء دخل الجنَّة ومن قاله في المساء فمات قبل الصُّبح دخل الجنَّة.

وفيه دليل على فضل المواظبة على أذكار الصَّباح والمساء، وفيه دليل على أنَّ فضل دخول الجنَّة والنَّجاة من النار الذي رتَّبه الشارع على قول الأذكار لا تحصل لقائلها إلاَّ إذا كان جازما بمعناها عاملا بمقتضاها أمَّا من قالها وهو شاكٌّ فيها أو غير مؤمن بها فلا تنفعه في الآخرة.


الحديث الخامس والعشرون
عَنْ سَعدِ بنِ أَبِي وقاصٍ رضي الله عنه قَالَ: كنا عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (أيعجزُ أحَدُكُمْ أنْ يَكْسِبَ في كلِّ يومٍ ألْفَ حَسَنَةٍ !) فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسائِهِ : كَيْفَ يَكْسِبُ ألفَ حَسَنَةٍ ؟ قَالَ : (يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ ألفُ خَطِيئَةٍ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل التَّسبيح وأنَّ من سبَّح الله مائة تسبيحة أعطاه الله ألف حسنة أو حطَّ عنه ألف سيِّئة وهذا يدلُّ على أنَّ التَّسبيحة بعشر حسنات وهذا من الذِّكر المطلق الذي لا يقيَّد بوقت فيستحبُّ الإكثار منه والحرص على فضله.

والتَّسبيح معناه تنزيه الله وتبرئته من كل عيب ونقص تنزيه يراد منه تعظيم جلال الله فالمؤمن ينزِّه الله جل جلاله عن الصَّاحبة والوالد والولد والشَّريك والنِّد والضد والجهل والعجز والضَّلال والنِّسيان والسِّنة والنَّوم والموت والعبث والباطل والبخل والظلم وغير ذلك من النَّقائص قال يزيد بن الأصم: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (لا إله إلاَّ الله نعرفها: لا إله غيره ، والحمد لله نعرفها: أن النَّعم كلَّها منه وهو المحمود عليها ، والله أكبر نعرفها: لا شي أكبر منه فما سبحان الله ؟ قال: كلمة رضيها الله عزَّ وجل لنفسه وأمر بها ملائكته وفزع لها الأخيار من خلقه).

قال ابن تيمية: (والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له فإن التَّسبيح يقتضي التَّنزيه والتَّعظيم والتَّعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده).


الحديث السادس والعشرون
عَنْ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ : بِسْمِ الله ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، لَمْ يَضُرَّهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل هذا الذِّكر واستحبابه قبيل ابتداء الجماع بين الزوجين ويكره الذِّكر حال الجماع وقد فسر برواية أبي داود: (لو أنَّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله).

وفيه دليل على أنَّ من قال بسم الله اللهم جنِّبنا الشَّيطان وجنِّب الشَّيطان ما رزقتنا ثم كتب له ولد بسبب هذا الجماع لم يتسلَّط الشَّيطان على الولد حين ولادته في عقله وبدنه فلا يحصل له أذى ومكروه فينبغي للمؤمن المحافظة على هذا الذِّكر ليحفظ الله الولد من ضرر الشَّيطان.

وفيه دليل على أنَّ الشَّيطان ملازم للإنسان يشاركه في الاستمتاع بملذاته فإذا ذكر الله هرب وانكفأ شره قال تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ).

قال مجاهد: (إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان).

وفيه دليل على أثر البسملة والدُّعاء في طرد الشَّيطان وحلول البركة فينبغي للمؤمن المواظبة على التَّسمية والاستعاذة والدُّعاء في سائر الأحوال.              
 

الحديث السابع والعشرون
عَنْ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ فَقُلْتُ آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على استحباب هذا الذِّكر عند النَّوم وهو من جوامع أذكار النَّوم لما اشتمل عليه من العبادات القلبيَّة التي توثِّق صلة العبد بربِّه.

وقوله: (أسلمت وجهي لله) هو إخلاص العمل لله قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ).  قال سعيد بن جبير: (بلى من أسلم) أخلص ، (وجهه) قال: دينه ، (وهو محسن) أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (فوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك) هو حسن التوكُّل على الله والاستعانة به ومن توكَّل على الله كفاه قال تعالى: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ). قال ابن كثير: (وأتوكل على الله وأستعينه).

وقوله: (رغبة ورهبة إليك) هو مقام الرجاء ومقام الخوف والمؤمن قلبه بين الرَّجاء والخوف راغب في رحمة الله وثوابه وراهب من غضب الله وعذابه قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا).

قوله: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) هو الهرب من عقوبة الله إلى عفوه ومن غضب الله إلى رحمته ومن فرَّ إلى الله انقطع قلبه عن الخلائق قال تعالى: (وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ).

وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: (أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك).

فالله إذا خفت منه هربت إليه والمخلوق إذا خفت منه هربت منه.

وقوله: (آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنيبك الذي أرسلت) هو الإيمان بنزول القرآن وثبوت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وفيه دليل على استحباب الوضوء عند النَّوم ليختم المؤمن ليلته بالطهارة الظَّاهرة ويجمع معها طهارة القلب بهذا الذِّكر من البراءة من الشِّرك والنِّفاق وحول النَّفس فيكون متطهِّرا في الظَّاهر والباطن قال مجاهد: (قال لي ابن عباس رضي الله عنه: لا تبيتنَّ إلا على وضوء فإنَّ الأرواح تبعث على ما قبضت عليه).

ولا حرج على المؤمن ولو كان جُنبا المبيت من غير طهارة ولكن يستحبُّ للجنب أن يغسل فرجه ويتوضأ قبل النَّوم ولا يلزمه.

وفيه دليل على استحباب الاضطجاع على الشِّق الأيمن في ابتداء النَّوم وهذه الهيئة مستحبَّة وليست بواجبة فإن نام على ظهره أو على الشِّق الأيسر أو على بطنه جاز بلا كراهة ولا يصحُّ الحديث في النَّهي عن النَّوم على البطن.

وفي الحديث دليل على مشروعية المواظبة على الألفاظ النبوية في الأذكار الشرعية وعدم تغييرها لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم استدرك على البراء حين غيَّر اللفظ وأرشده للصَّواب ولا يشرع لأحد أن يحدث ذكرا ويستحبَّه سواء كان مطلقا أو مقيدا.

وفيه دليل على استحباب تأخير هذا الذِّكر إلى آخر الكلام قبل النَّوم، ودلَّ الحديث على أنَّ من قال هذا الذِّكر ثم مات في منامه مات على فطرة الإسلام ومن مات على الإسلام دخل الجنَّة وهذا يدلُّ على عظم فضله وهنيئا لمن مات على الإسلام ولم يغيِّر دينه قبل الممات قال تعالى: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
 

الحديث الثامن والعشرون
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

دلَّ الحديث على استحباب التَّسمية قبل البدء بالطَّعام والشَّراب ليبارك الله في طعامه ويمنع منه الشَّيطان ولا يشرع التَّسمية عند كلِّ لقمة إنما المشروع في أوَّله، ودلَّ أيضا على أنَّ المؤمن إذا نسي التَّسمية في أوَّل الأكل ثم ذكر أثناء طعامه فليقل بسم الله في أوله وآخره فإذا ذكر بعد فراغه من الأكل فلا يسمِّي ولا شيئ عليه لأن التَّسمية غير واجبة لأنَّه ذكر فات محلَّه وينبغي على المؤمن أن يحرص على الإتيان بالتَّسمية عند الأكل ولا يفرِّط حتى لا يفوته الأجر ولا تنزع البركة من طعامه.

والتَّسمية لها فضل عظيم يستحبُّ البدء بها في كل أمر مهمٍّ وقد شرعت عند الطَّعام والذَّبح ودخول الخلاء ودخول البيت وعند الجماع وعند تلاوة القرآن ومجالس الذِّكر وافتتاح الرَّسائل والكتب وعند الوضوء وعند ركوب الدَّابة وعند إطفاء المصباح وتغطية الإناء وغلق الأبواب وعند الاستشفاء ومعناها بسم الله أفعل هذا الأمر فأذكر اسم الله العظيم في ابتداء فعلي ليبارك الله لي في هذا الفعل ويتمَّه لي ويطرد عني الشَّيطان والأفضل الاقتصار على اللفظ الوارد بسم الله وعدم الزيادة عليه فإن زاد الرَّحمن الرَّحيم فحسن قال ابن تيمية: (وإذا قال عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنا فإنَّه أكمل بخلاف الذبح فإنه قد قيل إنَّ ذلك لا يناسب).

ومراده أن ذكر الرَّحمن الرَّحيم لا يناسب المقام لأنَّ الذَّبح فيه تعذيب فلا يناسب ذكر الرَّحمة ولم يصب من قال الزِّيادة عند الطَّعام بدعة.
 

الحديث التاسع والعشرون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل الحمد وأنَّ من آداب الأكل أن يقول المؤمن بعد فراغه من الأكل والشرب الحمد لله وهذا ذكر مستحبٌّ وليس بواجب ولا يستحبُّ قوله بعد كلِّ لقمة.

وقد ورد في السُّنة صيغ متنوِّعة في حمد الله بعد الفراغ من الطعام فيستحبُّ التنويع فيها وإن اقتصر على قول الحمد لله فحسن وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة: (أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا).

ومعناه أنَّ الله كافي الخلق وغير متروك لشدَّة الحاجة إليه ولا يستغني عنه الخلق طرفة عين وهو مستغن عن كل أحد فهو المنعم المتفضِّل المحمود على كل حال قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).

وفي الحديث دليل على أنَّ الحمد في الطعام والشَّراب سبب لرضا الله والله جل جلاله يشكر عباده ويثيب بالكثير على القليل.

وقد ورد فضل عظيم للحمد واستحبَّه الشارع في كثير من المواطن عند الأكل والنَّوم والاستيقاظ والعطاس ولبس الثوب الجديد وركوب الدَّابة وصلاة التهجُّد وعند ابتداء الخطبة والموعظة وعند فقد الولد وعند رؤية المبتلى.

قال ابن القيم: (فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبِّه وإجلاله وتعظيمه)، والحمد يتضمَّن إقرار العبد بغنى الله وكماله وافتقاره إلى هدايته ونعمه فقلبه موقن أنَّ المنعم والمتفضِّل هو الله جل جلاله وقال الحسن: (ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها).

ومراده أنَّ الحمد نعمة دينيَّة وهي أفضل من النِّعم الدُّنيوية قال ابن رجب: (فإنَّ النِّعم الدُّنيوية إن لم يقترن بها الشُّكر كانت بليَّة كما قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، فإذا وفَّق الله عبده للشُّكر على نعمه الدُّنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النِّعمة خيرا من تلك النِّعم وأحبُّ إلى الله عزَّ وجل منها فإنَّ الله يحب المحامد). 


الحديث الثلاثون
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على أنَّ من ذكر الله عند دخوله للبيت لم يبت معه الشَّيطان وأعوانه في بيته وإذا لم يذكر الله بات معه الشَّيطان وأعوانه وقد روي في سنن أبي داود ذكر دخول المنزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربِّنا توكَّلنا ثم ليسلِّم على أهله).

وفيه دليل على أنَّه إذا ذكر الله على الطَّعام لم يشاركه الشَّيطان في طعامه ولم ينتفع به وإذا لم يذكر الله شاركه في طعامه.

وفيه دليل على استحباب الذِّكر عند الدُّخول للمنزل وعند الطَّعام، وفيه دليل على أنَّ الذِّكر يبارك في الشيئ ويطرد عنه الشَّياطين ويقي من الشُّرور. 


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر   20/03/17, 08:14 am

الحديث الحادي والثلاثون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ، في يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل سبحان الله وبحمده وأنَّ من قالها مائة مرة غفرت سيِّئاته وإن كانت كثيرة بقدر الرَّغوة التي تعلو البحر فهذا الذِّكر يكفر الصَّغائر أمَّا الكبائر فلا تكفَّر إلا بالتَّوبة قال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا).

وفي رواية مسلم دليل على أنَّ هذا الذِّكر من أذكار الصَّباح والمساء فيستحب المواظبة عليه بعد صلاة الصُّبح وصلاة العصر قال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).

والتَّحميد أفضل من التَّسبيح قال ابن رجب: (وبكل حال فالتَّسبيح دون التَّحميد في الفضل كما جاء صريحاً في حديث علي وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو والرجل من بني سليم أنَّ التَّسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه وسبب ذلك أنَّ التَّحميد إثبات المحامد كلِّها لله فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلِّها والتَّسبيح هو تنزيه الله عن النَّقائص والعيوب والآفات والإثبات أكمل من السَّلب ولهذا لم يرد التَّسبيح مجرداً لكن مقروناً بما يدلُّ على إثبات الكمال فتارة يقرن بالحمد كقول: سبحان الله وبحمده وسبحان الله والحمد لله وتارة باسم من الأسماء الدَّالة على العظمة والجلال كقوله: سبحان الله العظيم).
 

الحديث الثاني والثلاثون
عَنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها: (أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ قَالَ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ عَلَى مَكَانِكُمَا فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَه حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل هذا الذِّكر عند النَّوم. وفيه دليل على أنَّ ملازمة الذِّكر يعين المرأة على القيام بخدمة الزَّوج وشؤون المنزل ويسهِّل لها الأمور ويعين المؤمن على القيام بأعمال الدُّنيا ومصاعبها لأنَّه يشرح الخاطر ويبارك في الوقت ويقوِّي القلب ويصلح النيَّة ولذلك ورد في القرآن أنَّ ذكر الله يثبِّت المؤمنين في القتال وينصرهم على عدوهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

وفيه دليل على وجوب خدمة المرأة زوجها بالمعروف والمرأة الصَّالحة تحتسب الأجر في طاعة زوجها لتنال رضا ربها وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يأمر زوجاته بخدمته وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: (كنت أخدم الزبير خدمة البيت كلِّه وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحتشُّ له وأقوم عليه).
وقال ابن تيمية: (وتجب خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال فخدمة البدويَّة ليست كخدمة القرويَّة وخدمة القويَّة ليست كخدمة الضعيفة).
 

الحديث الثالث والثلاثون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ). رواه مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على كراهة تشبيه البيت بالمقابر بهجران الذِّكر والطَّاعة فيها لأنَّ المقابر انقطع فيها العمل وإذا عطِّلت البيوت عن العمل الصَّالح صارت كالمقابر وصار أصحابها كالموتى وهذا يدلُّ على استحباب إعمار البيت بذكر الله من صلاة وتلاوة وتسبيح ودعاء ولذلك كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يواظب على فعل نوافل الصَّلاة في بيته وكان يقوم الليل فيه وإعمار البيوت بالطاعة والذِّكر له أثر حسن في صلاح الأهل والعيال.

وفيه دليل على أنَّ تلاوة سورة البقرة في البيت تطرد الشَّياطبن ويفرون منها وهذا يدلُّ على عظم بركة سورة البقرة ولا يحصل هذا الفضل إلا بقراءة السُّورة كاملة أما قراءة بعضها فلا يحصل به المقصود ولا يشترط في القراءة أن تكون متَّصلة فلو قرأ بعضها ثم أتمَّها في نفس اليوم صدق عليه أنَّه قرأها ولا دليل على تكرارها ثلاثا أو أسبوعا لأنَّ الشَّارع لم يؤقتها ولكن يقرأها كلما احتاج لذلك أو تيسَّر له.
 

الحديث الرابع والثلاثون
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا ، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

دلَّ الحديث على استحباب التَّكبير عند صعود مرتفع وإنما شرع التَّكبير لمناسبة المحلِّ فإنَّ الإنسان إذا صعد تعاظم في نفسه فناسب أن يذكر أن الله أكبر وأعظم من كل شيئ ولا يتعاظمه شيئ.

ودلَّ على استحباب التَّسبيح عند النُّزول وإنما شرع التَّسبيح لتنزيه الله لأنَّ النُّزول سفول يقتضي النَّقص فناسب تنزيه الله عن النَّقص والشارع يختار الذِّكر على حسب مناسبة المحل ولذلك يقول المصلي سبحان ربي العظيم حال الرُّكوع وسبحان ربي الأعلى حال السُّجود ويقول الخارج من الخلاء غفرانك ليتطهَّر من الأذى المعنوي كما تطهَّر من الأذى الحسِّي.

وهذا الذِّكر مستحبٌّ في السَّفر خارج المنازل أما الصُّعود والنُّزول في البنيان فلا يشرع لأنَّه لم ينقل لنا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فعله في الحضر.

والسُّنة خفض الصَّوت بالذِّكر وعدم رفع الصَّوت به لما ورد في الصَّحيحين أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال للصَّحابة رضي الله عنهم لما رفعوا أصواتهم بالذِّكر: (يا أيُّها الناس اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنَّه معكم إنَّه سميع قريب).

أما التَّلبية في المناسك والتَّكبير في العيدين وأيام العشر وأيام التَّشريق فقد ورد الجهر بها وقال ابن رجب في الأذكار أدبار الصلوات: (وذكر عن أحمد نصوصا تدلُّ على أنَّه كان يجهر ببعص الذِّكر ويسر الدُّعاء وهذا هو الأظهر وأنَّه لا يختصُّ ذلك بالإمام فإنَّ حديث ابن عباس هذا ظاهره يدلُّ على جهر المأمومين أيضاً)، وينبغي للمؤمن أن يتَّبع السُّنة فيجهر في مواطن الجهر ويخفي في مواطن الإخفاء.
 

الحديث الخامس والثلاثون
عَنْ زَيدِ بنِ أَرْقَم رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ). رَوَاهُ أَحْمَدُ.

دلَّ الحديث على أنَّ بيت الخلاء موضع قضاء الحاجة مكان تأوي إليه الشَّياطين لأنَّها تحبُّ الأماكن الخبيثة والرَّوائح الخبيثة وتكره الأماكن الطيِّبة والرَّوائح الطيِّبة قال ابن القيم: (والأرواح الخبيثة تأنس بالرَّوائح الخبيثة وتألف أماكن القاذورات).

والملائكة بالعكس تكره الأماكن النَّجسة والرَّوائح الخبيثة وتحب الأماكن الطَّاهرة والروائح الطيِّبة ولذلك ينبغي على المؤمن أن يحرص على الطَّهارة والرَّوائح الطيبة في بدنه وثوبه وبيته.

وفيه دليل على استحباب هذا الذِّكر قبل دخول الخلاء وهو استعاذة من شرِّ ذكور الشَّياطين وإناثها وهذا عام سواء كان في البنيان أو في الصَّحراء.

وفيه دليل على كراهة ذكر الله في بيت الخلاء والمراد موضع قضاء الحاجة أما المغتسل المنفصل فلا يكره الذِّكر فيه ويلحق بالخلاء كل مكان نجس كالمزبلة وإنما كره تنزيها وتعظيما لله ويحرم تلاوة القرآن في بيت الخلاء قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).

وينبغي للمؤمن ألاَّ يطيل المكث في الخلاء ويكون متحفِّظا من الشَّياطين، وفيه دليل على مشروعية الاستعاذة من الشَّياطين في الأماكن المهجورة والفلوات والجبال وعند حصول ما يوجب القلق والخوف منها وعند حضورها ولذلك شرعت الاستعاذة في كثير من المواطن وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشَّياطين قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ)، فاستعاذ من وساوسهم وحضورهم لأنَّهم إذا حضروا وسوسوا.   
 

الحديث السادس والثلاثون
عَنْ خَولَةَ بنتِ حَكِيمٍ رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل ذكر النُّزول في الفلاة وأنَّ من قاله موقنا به حصَّنه الله وحفظه من شرور المخلوقات حتى ينتقل من هذا الموضع فينبغي للمؤمن إذا نزل سهلا أو جبلا أو واديا أو بحرا في حضر أو سفر أن يبادر بالإتيان بهذا الذِّكر ليكون في حفظ الله ورعايته.

ومعناه أعتصم وألتجأ وألوذ بكلام الله الذي لا يلحقه نقص ولا عيب من كل شر مخلوق وهذا عام في الإنس والجن والدَّواب والهوام والرِّيح.

والاستعاذة عبادة لا تصرف إلاَّ لله لأنَّه المستحق للتَّعظيم والقادر على الحفظ ومن استعاذ بغير الله فقد أشرك شركا أكبر قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا). قال ابن عباس رضي الله عنه: (كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما).

وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الشُّرور وأسبابها ولهذا ورد في الصَّحيحين أنَّه كان يستعيذ في صلاته من عذاب القبر وفتنة المسيح الدَّجال وفتنة المحيا والممات والمأثم والمغرم.

وفيه دليل على أنَّ القرآن الذي تكلَّم به الله صفة من صفاته وليس بمخلوق لأنَّ الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز أمَّا صفات الله فيجوز الاستعاذة بها كما يجوز القسم بها.
 

الحديث السابع والثلاثون
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ ّرَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

هذا الحديث يدلُّ على فضل الصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأنَّ من صلَّى على النَّبِيِّ صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشر صلوات وقد شرَّف الله تعالى نبيه وخصَّه بذلك وأمر عباده بالصَّلاة عليه فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

والصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى ومن الملائكة والمؤمنين الدُّعاء له بذلك فإذا سأل المؤمن ربَّه بأن يثني على نبيِّه في الملأ الأعلى رحمه الله عشر رحمات.

والصَّلاة على النَّبِيِّ من أجلِّ الأذكار وعلامة على محبة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وسبب للمغفرة والرَّحمة وكثرة الثَّواب وانشراح الصَّدر وتفريج الهمِّ وإجابة الدُّعاء وحصول شفاعة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وتستحبُّ في سائر الأحوال وتتأكدُّ عند الأذان وبعد التشهُّد في الصَّلاة وصلاة الجنازة وقبل الدُّعاء وعند ذكره ويوم الجمعة.

وتحصل الصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بأي صيغة تدلُّ عليها سواء كانت مختصرة أو تامَّة وأفضلها الصَّلاة الإبراهيميَّة الواردة في الصَّحيحين ولا يشترط في صحَّتها الصَّلاة على الآل لأنَّ هذا من الكمال ولأنَّ القرآن اقتصر على لفظ الصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أمَّا داخل الصَّلاة فالمستحبُّ الصَّلاة الإبراهيميَّة ولا تجب الصَّلاة على الآل على الصَّحيح وشعار أهل السُّنة الصَّلاة على النَّبِيِّ والآل والأصحاب أمَّا الرَّافضة فشعارهم البراءة من الأصحاب ويجوز الصلاة على غير النَّبِيِّ ليس على سبيل الدوام قال ابن تيمية: (وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنَّه لا بأس بذلك لأنَّ عليَّ بن أبى طالب رضي الله عنه قال لعمر بن الخطَّاب: صلى الله عليك وهذا القول أصحّ وأولى ولكن إفراد واحد من الصَّحابة والقرابة كعليِّ أو غيره بالصَّلاة عليه دون غيره مضاهاة للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بحيث يجعل ذلك شعارا معروفا باسمه هذا هو البدعة).

وينبغي على المؤمن أن يتَّبع السُّنة في هذا الباب ويجتنب الصيغ المحدثة في الصَّلاة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التي ابتدعها الغلاة في محبته وتشتمل على كثير من المخالفات العقديَّة.     


الحديث الثامن والثلاثون
عَنْ أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

دلَّ الحديث على فضل وشرف قراءة القرآن لأنَّه كلام الله وأنَّه يشفع لقارئه يوم القيامة ويحاج عنه عند الحساب وهذا الفضل عامُّ لكل قارئ سواء كان حافظا للقرآن أم لا ويشترط لدخوله في هذا الفضل أن يكون مواظبا للقراءة وعاملا بالقرآن يحلُّ حلاله ويحرمُّ حرامه ويؤمن بمتشابهه ويعمل بمحكمه وقد ورد هذا الشَّرط في حديث النَّواس بن سمعان الوارد في صحيح مسلم أمَّا الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به فليس من أهل القرآن ولا ينفعه القرآن بل يكون حجة عليه يوم القيامة والعياذ بالله والقرآن إنما أنزل ليتلى ويتبرَّك بشفائه ويعمل به ولم ينزل ليعلَّق للزينة في البيوت ويقرأ في مجالس العزاء وفي المقابر ويتَّخذ تلاوته وسيلة لكسب الرزق وكلُّ هذا من البدع التي أحدثها الخلف.

وقد ورد في جامع التِّرمذي فضل عظيم لقراءة القرآن وأنَّ كلَّ من قرأ حرفا من القرآن فله عشر حسنات.
وورد في الصَّحيحين أن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شبَّه المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأُترجَّه طيِّبة الطَّعم والرَّائحة والمؤمن الذي يهجر القرآن بالتَّمرة طيِّبة الطَّعم ولا رائحة لها والمنافق الذي يقرأ القرآن بالرَّيحانة طيبة الرَّائحة ولا طعم لها والمنافق الذي يهجر القرآن بالحنضلة طعمها مر ولا رائحة لها فاحرص على أن تكون كالأُترجَّة ولا تكون كالتَّمرة.

ولا تشترط الطَّهارة لقراءة القرآن وإنما تشترط وتلزم عند مسِّ المصحف إلا الجنب فلا يحلُّ له قراءة القرآن مطلقا حتَّى يغتسل لما ورد في جامع الترمذي.


الحديث التاسع والثلاثون
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمعتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (وَاللهِ إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إلَيْهِ فِي اليَومِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

دلَّ الحديث على فضل المداومة على الاستغفار في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة وورد أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر مائة مرة كما في صحيح مسلم فيستحب للمؤمن أن يداوم على الاستغفار في سائر أحواله لشدة الحاجة إليه لأنَّ القلب يصدأ بالغفلة عن ذكر الله والإيمان يخلق والشَّيطان يزيِّن المعاصي والنَّفس تتَّبع الهوى والعبد يخطئ في الليل والنَّهار ويتأكَّد الاستغفار في أربعة مواطن بعد الفريضة ووقت السَّحر وعند اقتراف الذنب وعند الوقوع في الغفلة قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

والاستغفار دعاء مشتمل على ذكر الله ومعناه طلب المغفرة من الله وأوضح ابن القيِّم أن الاستغفار نوعان: استغفار مفرد كقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا).

وهو يتضمن التَّوبة مع طلب المغفرة من الله وهو محو الذَّنب وإزالة أثره ووقاية شرِّه، واستغفار مقرون بالتَّوبة كقوله تعالى: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ).

وعند اقترانهما فالاستغفار يدلُّ على طلب وقاية شرِّ ما مضى والتَّوبة تدلُّ على الرجوع وطلب وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيئِّات أعماله فهَاهُنا ذنبان ذنب قد مضى فالاستغفار منه طلب وقاية شرِّه وذنب يخاف وقوعه فالتَّوبة العزم على أن لا يفعله.

والاستغفار له أثر عظيم في صلاح العبد وسعادته واستقامة أحواله وتخلصه من الآثام والشُّرور والفتن ويقوِّي صلة العبد بربه ويجدِّد العهد مع الله ويحقِّق عبوديته لأنَّ حقيقته يقول المؤمن أنا عبدك يا ربي قد أذنبت وقصَّرت في حقِّك فاغفر لي ذنبي واسترني وتجاوز عنِّي قالت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا).

وقيل للحسن البصري: (ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ودَّ الشَّيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملُّوا من الاستغفار).


الحديث الأربعون
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

دلَّ الحديث على فضل هاتين الجملتين العظيمتين سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقد اشتملت على تنزيه الرب والثَّناء عليه وتمجيده ومع كونهما خفيفتان في نطق اللسان إلا أنهما حبيبتان للرَّحمن ولذلك اصطفى الله لملائكته سبحان الله بحمده كما ورد في صحيح مسلم وهما ثقيلتان في الميزان وهذا يدلُّ على كثرة ثوابهما.

ومن تأمل النُّصوص الواردة في فضل الذِّكر وشرفه وعظيم جزائه وكثرة أنواعه وفضائله وترغيب الشَّارع للمؤمن في كثرة الذِّكر علم أن مقصود الشَّارع أن يبقى المؤمن ذاكرا لربه بلسانه في غالب أحواله متَّصلا قلبه بالله بعيدا عن الغفلة والإصرار على الذنوب متحصِّنا من الشَّياطين زاهدا في حقيقة الدُّنيا مستحضراً لأحوال الآخرة وهذا هو ثمرة الذِّكر وغايته التي مَن هُدي إليها وعمل بها كان من الفائزين والفالحين يوم القيامة.

وينبغي على المؤمن في مقام الذِّكر أن يراعي ويعتني بأربعة أمور الأولُّ الإكثار من الذكر المطلق والثَّاني الاجتهاد والحرص على الإتيان بالأذكار المقيدة في وقتها أو سببها والثَّالث أن يشتغل بالذِّكر الفاضل إلا إذا ترجَّح المفضول لمصلحة عارضة والرَّابع أن يكون متَّبعا للسُّنة حريصا على ضبط الألفاظ الشَّرعيَّة مجتنبا الألفاظ البدعيَّة وإذا اجتهد في تحقيق ذلك واتقى الله ما استطاع لم يكن من الغافلين والله المسدِّد والهادي إلى سواء السَّبيل.


تمَّ الكتاب
والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات والصَّلاة والسَّلام على سيِّد البريَّات نبينا محمد وعلى آله وأزواجه الطَّاهرات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الأَربَعُوْنَ فِيْ فَضْلِ الذِّكْر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: الأربعينيـات الحديثيـة-
انتقل الى: