منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 09:15 pm

الباب الثاني عشر
شخصيّات.. ومواقف
============
ابن السّبكى
=======
عرف تاريخ الثقافة العربية كثيرا من البيوتات العلمية التي استفاض العلم فيها، وكان إرثا طيبا يؤول إلى الأبناء فيما يؤول إليهم من عقار وحطام، فكان علم الأبناء امتدادا ناضجا لعلم الآباء. وقد صان هؤلاء الأبناء ذلك الموروث العلمي العظيم، وعملوا على إثرائه وإخصابه.

وبحسبنا في هذا المقام أن نذكر الامام أبا حاتم الرازي، محمد بن إدريس بن المنذر، المتوفي سنة 277 ه‍. وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفي سنة 327، من أئمة علم الجرح والتعديل. 

والإمام ضياء الدين خطيب الري، عمر بن الحسين بن الحسن، وابنه الفخر الرازي، محمد بن عمر، المتوفي سنة 606 ه‍ من فرسان علم الكلام.

على أنه لم يستعلن تأثير والد في ولده كما استعلن في تاريخ الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، المولود في سنة 683 ه‍ والمتوفى في سنة 756 ه‍. وولده العلامة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي، المولود في سنة 727 ه‍، والمتوفى في سنة 771 ه‍.

وقد أجمع المؤرخون على فضل الوالد وسعة علمه، فيقول عنه الذهبي - فيما ينقل عنه السبكي:
«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، كان صادقا ثبتا خيرا دينا، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقربها، والعربية ويحققها». ويكفي دليلا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية -على عنفه وشدته- ورد عليه في مسألتي الطلاق، وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وهما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. 

فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين:
 رافع الشقاق في مسألة الطلاق. 
والتحقيق في مسألة التعليق.

ورد عليه في الزيارة برسالة: 
شفاء السقام في زيارة خير الأنام. 
أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة. 

ويقول فيه ابن تيمية: 
«لقد برز هذا على أقرانه».
وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري - عصر الموسوعات العلمية، هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الاسلامي، والتي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.

وقد ولد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. 

ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا. 

فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد في الأزهر الشريف حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد.

وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد «طبقات الشافعية الكبرى» الشافعي - لكثير من المباحث الفقهية والفتاوي الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول. 

كما كان مصدرا أدبيا لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب.

وكان أيضا مرجعا أصيلا في جمع أشعار الشعراء.

على أن أهميته الكبرى بعد كل ذلك ترجع إلى أنه حفظ لنا كثيرا من النصوص التي ضاعت أصولها. كتاريخ نيسابور، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد اللّه، المعروف بابن البيع، المتوفى سنة 405 ه‍ وتاريخ مصر لابن يونس، عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة 347 ه‍، وغير هذين الكتابين كثير من هذه الأمهات التي عبث بها الزمان.

وقد عالج ابن السبكي في كتابه هذا ذلك المنهج العلمي، الذي عرف فيما بعد، ونسب إلى ابن خلدون، ذلك المنهج القائم على تمحيص الأخبار، والتنبه لما تفعله المعاصرة والعصبية في المذهب.

استمع إليه يقول في ترجمة أحمد بن صالح المصري، في الطبقة الثانية: «و مما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد، واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة، فجرحه لذلك». 

ولم تقف تلمذته للإمام الذهبي حائلا دون نقده مر النقد لمخالفته هذا المنهج القائم على الحيدة والتجرد، فيقول عنه: «و هو شيخنا ومعلمنا، غير أن الحق أحق أن يتبع، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه».

ولكن هذه الحياة العلمية المخلصة لم تشغل صاحبنا عن أن يلمس مظاهر الضعف والعسف التي استعلنت في الحكم المملوكي الجائر.

فظهرت دعواته الإصلاحية النقدية في كتابه القيم: «معيد النعم ومبيد فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة -مدرسا وخطيبا وقاضيا- أن يرى وبحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض، الذي نبتت فيه فكرة «تركي وفلاح».

والذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى، وتركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق ويقتاتون السهد.

وقد وضع ابن السبكي كتابه هذا ردا على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردت عليه» وأجابه عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة وصراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذا في طريقة نواب السلطان والقضاة والمدرسين ورجال الدين من العلماء والصوفية.

استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموما، فيقول: «وقد اعتبرت كثيراً من الأتراك يميلون إلى أول شاك، وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم» ثم يسخر من هؤلاء الأتراك وتعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «و أما أنك ترتكب ما نهى اللّه عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان، فلا واللّه لن يتقبله اللّه تعالى أبدا».

ثم يتكلم عن السلطان ويحدد اختصاصاته فيقول:
«إن اللّه لم يوله على المسلمين ليكون رئيسا آكلا شاربا مستريحا، بل لينصر الدين ويعلي الكلمة». 

وحين يتحدث عن العلماء والمفتين يأخذ على بعض هؤلاء وأولئك تعصبهم لمذاهبهم، وأضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطبا العلماء: «لو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكا وأحمد أحياء يرزقون لشددوا النكير عليكم وتبرأوا منكم فيما تفعلون» ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «و منهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها اللّه خيرا، تنكر المنكر وتتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تذكر لضعفة الايمان من الأمراء والعوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم.

الملاطفة وتسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقا، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات اللّه».

ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجا تربويا راشدا حين يقول:
«و حق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم أن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». 

وتتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة والإقطاع.

فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش وتحديد اختصاصاته يقول: «ومن قبائح ديوان الجيش الزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه».

وبعد... ألا تعتقد معي أيها القارىء الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، وكعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.

وكان طبيعيا بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم وأخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل ومصير أسرته للزوابع والأعاصير. 

فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» وتجري له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة.

ولكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ 

استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله.

وحصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، وصفح عمن قام عليه».

وبعد هذه الحياة الخصبة الزاخرة بالعلم والإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهجت عبر أربع وأربعين سنة.

وحق لابن السبكي أن يقول في زهو ورضا، في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «و أنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة».

توفي تاج الدين شهيدا بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق، في ذي الحجة.

خطب يوم الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعه، ومات ليلة الثلاثاء سابعه سنة 771 ه‍ ودفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة، بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:26 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 09:20 pm

الشيخ محمد الحفني شيخ الأزهر
=================
الشيخ 1 الإمام العلامة، أوحد زمانه علما وعملا، المشهود له بالتحقق والكمال، والمجمع على تقدمه في كل مجال أبو الأنوار شمس الدين محمد الحفني بن السيد سالم بن علي الحفناوي، الأزهري، الشافعي الخلوتي، الذي ينتسب إلى الإمام الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، وهو الثامن من الأئمة الكبار، الذين تولوا مشيخة الأزهر الشريف.

ولد رضي اللّه عنه على رأس سنة 1100 ه‍ بقرية حفنا التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، ونسب إليها، حتى صارت هذه النسبة علما عليه بالغلبة، وصار لا يذكر إلا بها.

نشأ بقريته، وحفظ بها من القرآن الكريم إلى سورة الشعراء، وكان أبوه وكيلا لأحد الأمراء، ويقطن بالقاهرة. 

مقر عمله، فأبقاه لديه. 

ولما أكمل حفظ القرآن الكريم، اشتغل بحفظ المتون: كألفية ابن مالك، والسلم، والجوهرة، وغيرها، ثم جاور بالأزهر الشريف وأخذ عن شيوخه العلم -وكلهم أئمة بنورهم ينجلي الظلام، وأقطاب ببركتهم يدرك المرام-.
__________
1) عن مجلة الأزهر الأستاذ أحمد نصار.
__________
منهم: محيي السنة الشيخ أحمد الخليفي، والشيخ أحمد الملوي، والشيخ محمد الديربي، والشيخ عبد الرءوف البشبيشي، والشيخ محمد السجاعي، والشيخ يوسف الملوي، والشيخ عبده الديوي، والشيخ محمد الصغير.

ومن أجَلّ شيوخه، الذين سمع منهم: 
شيخ المحدثين الشيخ محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت. 

أخذ عنه التفسير والحديث والإحياء للإمام الغزالي، وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه والموطأ والمعجم الكبير والأوسط والصغير للطبراني، وصحيح ابن حبان، والحلية للحافظ أبي نعيم، وغير ذلك.

واجتهد ولازم، حتى شهد له شيوخه جميعا بالتفوق، وأثنوا على دقة فهمه، ورجحان عقله، وسعة معرفته وأجازوه بالإفتاء والتدريس، وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره المبارك، فكان أمره عجبا يلفت النظر، لقصر هذه المدة، التي حفظ فيها القرآن، وأتم طلب العلم فصار أهلا للإفتاء والجلوس للتدريس، ولكن ابن العناية ملحوظ فأقرأ الكتب الدقيقة في حياة شيوخه، وشهد له معاصروه بالبراعة، والإجادة في الإفادة ولازم درسه أكثر طلبة العلم.

وكان إذ ذاك في ضيق من العيش. 

وفي ذلك يقول:
إني أقول لنفسي وهي ضيقة وقد أناخ عليها الدهر بالتعب
صبرا على شدة الأيام، إن لها وقتا وما الصبر إلا عند ذي الحسب

ولكن هذا الحال، لم يخرجه عن القناعة والرضا، ولم يبد منه أن لدنيا عنده قدراً.

فقد أنشد:
خبـــزٌ وماءٌ وظلٌ هو النَّعيم الأجَلُّ
جَحَدْتُ نِعْمَةُ رَبّي إنْ قُلْتُ إنّي مُقِلُّ

قد شق عليه، خوفاً من أن يشغله النسخ عن متابعة إقراء العلم، ولكنه لم يستمر طويلاً حتى أذن اللّه فجاءه الفرج وأقبلت الدنيا عليه، وصار رزقه فيضاً إلهياً، فاتجه بكليتيه إلى العلم وعقد الدروس، وقرأ جمع الجوامع للعلامة السبكي، والأشموني على الألفية ومختصر السعد، وحاشية حفيده عليه. 

وابن عبد الحق على البسملة، وغيرها.

واشتغل بعلم العروض، حتى برع فيه وأجاد نظما ونثرا، حتى عرف بالفصاحة، وجودة البيان، وكثيرا ما كان يرتجل الشعر.

فمن ذلك قوله:
أتطلبون رضائي الآن عن نفر قلوبهم بنفاق لم تزل مرضى
تجاهروا بقبيح الفسق، لا ربحوا إن كنت أرضى، فإن اللّه لا يرضى

ومن نثره: 
من رسالة لبعض تلاميذه في الطريق، وقد جمعت بين قوة الأسلوب وعذوبة اللفظ، وضمت إلى حسن التوجيه، نهجا عاليا في التربية والتهذيب.

قال فيها:
«. . ومن زاد عليك إقباله، وتوجهت إليك بالصدق آماله، فاصرف قلبك إليه، وعول في التربية عليه، ومن عنك بهواه صد، بعد أخذك عليه وثيق العهد، فدعه ولا تشغل به البال، وأنشده قول أستاذنا (أي السيد مصطفى البكري) لمن عن طريقنا قد مال:
ألم تدر أنا من قلانا سفاهة تركناه غب الوصل يعمى بصده
ومن صدعنا حسبه الصد والجفا وإن الردى أصماه من بعد بعده
ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته وأنا نكافيه على ترك حمده
وإنا غدا لما نعد محبنا واتباعنا لسنا نهم بعده
ومن أردت زجره للتربية وإرشاده، فليكن ذلك على انفراد، إذ هو أرجى لإسعاده، ولا تزجر بضرب ولا نهر بين الناس، فإن ذلك ربما أوقع وعليك بالرفق للإخوان، سيما أخوك فلان، فالخير لمن صاحب بإحسان، والأدب واللطف محمودان، والغلظة والحقد موبقان، فاصرح القال والقيل، واصفح الصفح الجميل، ولك ولكل من أخذ عنك أو حبك، منا ومن أهل سلسلة طريقتنا ما سرك، فابشر إن عملت بما أشرنا بكل خير، ومزيد الفتح، والمسير في السير».

وقد تخرَّج عليه غالب أهل عصره وطبقته، ومن دونهم: 
كأخيه الشيخ يوسف الحفناوي، والشيخ إسماعيل الغنيمي صاحب التآليف البديعة، والتحريرات الرفيعة، وشيخ الشيوخ على الصعيدي العدوي، والشيخ محمد الغيلاني، والشيخ محمد الزهار، وغيرهم، وكانت على مجالسه هيبة ووقار قلما يسأله أحد لجلالته.

ومن مؤلفاته المشهورة التي أتحف بها المكتبة العربية في كل علم وفن:
1 - الثمرة البهية في أسماء الصحابة البدرية: في التاريخ.
2 - حاشية على شرح الأشموني على الألفية: في النحو.
3 - حاشيته على شرح الهمزية لابن حجر الهيثمي: في الأدب.
4 - رسالة في التسبيح والتحميد: في الفضائل والآداب.
5 - رسالة في التقليد في الفروع: في أصول الفقه.
6 - رسالة في الأحاديث المتعلقة برؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم.
7 - حاشية على الجامع الصغير للسيوطي في جزءين: في الحديث.
8 - حاشية على شرح الشنشوري على الرحبية: في المواريث.
9 - حاشية على مختصر الشيخ التفتازاني.
10 - حاشية على شرح الحفيد على مختصر جده التفتازاني: في البلاغة.

وكان الشيخ الحفني، حسن السَّمت، مهيب الطلعة، معتدل القامة، لا بالطويل البائن ولا بالقصير، عظيم الهامة، كث اللحية أبيضها، مقوس الحاجبين، رحب الراحتين، سواء الظهر والبطن، أبيض اللون مشرب بحمرة، كأن على وجهه قنديلا من النور.

وكان كريم الطبع، جميل، السجايا لم يضبط عليه مكروه، على جانب عظيم من الحلم، ما جهل عليه أحد إلا قابل السيئة بالحسنة.

يعظم كل الناس، ويتمثل قائما لكل قادم، ويخاطب كل إنسان على قدر عقله، ويصغي لكلام كل متكلم ولو كان تافها، ولا يضجر إن أطال عليه، بل يظهر له المحبة، حتى يظن أنه أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه. 

وكان لا يعلق نفسه بشيء من الدنيا فلو سأله إنسان أعز حاجة عليه أعطاها له، كائنة ما كانت ويجد لذلك أنسا وانشراحا وإذا دعى أجاب، إلا أنه كان يعتذر من عدم حضور الولائم. لأنه يرى أنها غير مضبوطة بالأمور الشرعية.

وله صدقات وصلات خفية، وكان يتولى الصرف على بيوت كثير من أتباعه المنتسبين إليه ولا ينقطع ورود الواردين عليه ليلا ونهارا، وقد قيل إن راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الأردب. ويجتمع على مائدته ما لا يقل عن الأربعين.

ولما بلغ الثلاثين من عمره، كثر انقطاعه للعبادة.

وتهيأ للسلوك والاندماج في الطريق فأخذ عن الشيخ أحمد الشاذلي المعروف بالمقري وتلقى منه بعض الأحزاب والأوراد وكان يتردد على زاوية سيدي شاهين الخلوتي بسفح المقطم ويمكث فيها الليالي متحنثا.

وقد ذكر الشيخ حسن شمه: 
أنه كثيرا ما كان ينشد في الدياجي.
واسمح له بعلاقات علقن به لو اطلعت عليها كنت ترحمه

وقال: سمعته مرة ينشد من شعره:
لو فتشوا قلبي لا لفوا به سطرين قد خطا بلا كاتب
العلم والتوحيد في جانب وحب آل البيت في جانب

ولما قدم السيد مصطفى البكري عمدة أهل الطريقة الخلوتية من الشام سنة 1133 ه‍ اجتمع عليه وحصل بينهما الارتباط القلبي حال المشاهدة، فأخذ عليه العهد في أول لقاء، ثم اشتغل بالذكر والمجاهدة ولما علم السيد صدق حاله، وحسن فعاله، قدمه على خلفائه، وأولاه حسن ولائه، ودعاه بالأخ الصادق.

وفي سنة 1149 ه‍ حن إلى زيارة شيخه البكري، فسافر إلى القدس الشريف، وأقام عنده أربعة أشهر، عاد بعدها إلى القاهرة، وأدار مجالس الأذكار، بالليل والنهار، وأحيا طريق الخلوتية، المؤيدة بالشريعة الغراء، في الديار المصرية ولم، يزل أمره في ازدياد وانتشار حتى شاع ذكره وأقبل عليه الوافدون من كل فج، وصار الكبار والصغار، والرجال والنساء، يذكرون اللّه بطريقته، وأصبح قطب الوقت بحق، ولم يبق ولي من أهل عصره إلا أذعن له.


وكان من تلاميذه: 
شيخ القراء المحدثين، وصدر الفقهاء المتكلمين العابد الزاهد الشيخ محمد السمنودي المعروف بالمنير، وعلامة وقته الشيخ حسن الشبيني، والشيخ محمد السنهوري والشيخ محمد الزعيري، والشيخ خضر رسلان، والشيخ محمود الكردي.

والشيخ عبد اللّه الشرقاوي الذي تولى مشيخة الأزهر، والإمام الأوحد الشيخ محمد بدير، والشيخ محمد الهلباوي الشهير بالدمنهوري، والشيخ محمد السقا، والشيخ محمد الفشني، والشيخ عبد الكريم المسيري أحمد محمد الدرير العدوي، والشيخ حسن بن علي المكي المعروف بشمة.

قوم إذا جن الظلام عليهم قاموا هنالك سجدا وقياما

وللشيخ الحفني رضي اللّه عنه، كرامات وبشارات وخوارق وعادات يطول شرحها ذكر بعضها تلميذه الشيخ حسن شمه، الناظم الناثر في كتابه الذي ألفه في نسبه مناقبه وقد ضمنه مقامة في مدحه، أسماها: فيض المغني في مدح الحفني، جمع فيها سائر فنون الشعر، ولتلميذه العلامة الشيخ محمد الهلباوي الدمنهوري كذلك مؤلف في مناقبه.

ومن قصيدة له في مدحه:
سبحانك اللّه ما الحفني ذا بشر لكنه ملك قد جاء للبشر
محجب عن عيون الواصلين فما بال الخليين من سر ومن ثمر
هذا الفريد الذي نادى الرفاق به فسار كل أسير نحو مقدر
جلت محاسنه عن كل ما وصفوا فليس يحصرها لب من الغرر
وهو الذي ورثته الأنبيا رتبا فضلا من اللّه لا بالجد والسهر
علما وحلما وتوفيقا ومكرمة وحسن حال مع التسليم للقدر

وقد تولى مشيخة الأزهر في سنة 1171 ه‍ ومكث فيها حتى وافاه داعي السماء، بعد أن ملأ الدنيا نورا وبركة، قبل ظهر يوم السبت 27 ربيع الأول سنة 1181 ه‍، وصلى عليه في الأزهر يوم الأحد، في مشهد عظيم جدا ودفن بقرافة المجاورين القديمة مع أخيه العلامة الشيخ يوسف الحفناوي المتوفى سنة 1178 ه‍.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:27 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 09:24 pm

أزهريون خالدون
كانت للعلماء، في جميع عصور الإسلام، الريادة والقيادة: يرودون الحياة أمام الناس ويقدمون لهم ثمرة هذه الريادة من العلم والتجربة والثقافة والفضائل والتقوى. 

ويقودونهم -أفرادا وجماعات- إلى طريق الخير والفلاح، وفي بعض عصور التاريخ نجد لهؤلاء العلماء ريادة أخرى وقيادة للسياسة والثورة في سبيل رفع الظلم ورد العدوان. 

كان ذلك أوضح ما يكون الوضوح في مصر في القرن الثامن عشر، حين أفحش الظالمون في ظلمهم واعتدى المعتدون على وطنهم.

في هذا القرن كانت تقوم ثورات شعبية كثيرة يهب فيها أهل مصر لرد عدوان الظالمين-و عقابهم أيضا-و كان علماء الأزهر 1 يشاركون الشعب إحساسه وثورته، بل كثيرا ما كانوا يقودونه في ثورته، ويحرضونه.

الشيخ الدردير يقود ثورة:
وللشيخ أحمد الدردير -وكان مفتيا للمالكية ومن أكبر علماء عصره- في ذلك مواقف كريمة.
__________
1) الاستاذ محمود الشرقاوي عن مجلة الأزهر.
__________
نذكر بعضاً منها:
في يوم من أيام ربيع الأول من سنة 1200 ه‍ (يناير 1786 م) قام حسين بك شفت 1أحد كبار المماليك، ومعه طائفة من جنوده قاصدا منطقة الحسينية واقتحم دار رجل اسمه أحمد سالم الجزار، كان رئيسا على دراويش الشيخ البيومي، ونهب الأمير حسين دار هذا الشيخ.

وفي صباح اليوم التالي ثار جماعة من الحسينية، وخرجوا إلى الأزهر، وشكوا أمرهم إلى الشيخ أحمد الدردير، فشجعهم في ثورتهم، وغضب لهم وقال لهم: أنا معكم.

فقام الغاضبون إلى أبواب الأزهر فغلقوها، وصعدت طائفة منهم على المآذن يصيحون، ويدقون الطبول، وانتشر الناس في الأسواق وقد ظهر عليهم الغضب والتحفز، وأقفل التجار متاجرهم.

فلما رأى الشيخ الدردير ثورتهم هذه قال لهم: 
موعدنا غدا لنجمع الناس من أطراف المدينة، وبولاق ومصر القديمة، وأسير معكم إلى بيوت هؤلاء الأمراء ننهبها كما ينهبون بيوتنا، وسينصرنا اللّه عليهم، أو نموت شهداء. 

وبعد ساعات من النهار أرسل إبراهيم بك: شيخ البلد وكبير المماليك، نائبه، وأميرا آخر إلى الشيخ الدردير يرجوه أن يرسل إليه قائمة بجميع ما نهب من بيت الشيخ الجزار حتى يرده إليه.

وفي شهر جمادى الآخرة من السنة نفسها كان مولد السيد البدوي، في طنطا، وكان الشيخ الدردير في المولد، وجاء كاشف 2 الغربية، من قبل إبراهيم بك، ففرض على الناس مغارم ثقيلة، وأخذ إبلا لبعض الأعراب كانوا يبيعونها في المولد، فشكوا أمرهم إلى الشيخ، فأمر بعض أتباعه أن يذهبوا إلى الكاشف، فخشوا بطشه ولم يذهبوا، فركب الشيخ بنفسه ومعه بعض أتباعه، وكثير من العامة.

فلما أقبل على خيمة الكاشف ناداه فحضر إليه. 

وكلمه الشيخ، وهو على ظهر بغلته، وقال له: 
إنكم لا تخافون اللّه، واشتد عليه بالزجر والتأنيب. 
__________
1) يقول الجبرتي إن «شفت» معناها اليهودي والأرجح انها محرفة من كلمة «جفت» التركية. بهذا المعنى.
2) كاشف: حاكم.
__________
فلما رأى الناس ذلك خرجوا عن طورهم، وضربوا نائب الكاشف، وقامت فتنة بينهم وبين الجند ضرب فيها وأسر واحد من أتباع الشيخ، وذهب كاشف المنوفية وكاشف الغربية بعد ذلك يعتذران إلى الشيخ، ولما عاد إلى القاهرة قدم إبراهيم بك بنفسه إلى منزله معتذراً ومعه كبار المماليك.

الشيخ عباس ووقف المغاربة:
وقبل ذلك بعشر سنوات آلت بعض الأوقاف المحبوسة على طلبة العلم إلى طلبة المغاربة، ولكن واضع اليد جحد هذه الأيلولة وأبى أن يسلم الحق لأصحابه، ولجأ في ذلك إلى الأمير يوسف بك أمير الحج فنصره هذا على باطله، وأقام المغاربة دعواهم أمام القاضي فأثبت لهم حقهم، ولكن الأمر كبر على يوسف بك، وأبى أن يمتثل لحكم القضاء، بل أمر بالشيخ عباس -زعيم المطالبين بوقف المغاربة- أن يساق إلى السجن.

فلما ذهب رسل الأمير يوسف بك إلى الأزهر لأخذ الشيخ عباس طردهم الأزهريون وسبوهم ولم يمكنوهم منه، ثم قصدوا إلى الشيخ أحمد الدردير فأخبروه الخبر، فكتب الشيخ إلى يوسف بك ألا يتعرض لأهل العلم، وألا يعاند في حكم أصدره القاضي، وأرسل الشيخ كتابه هذا إلى يوسف بك مع شيخين اختارهما لذلك. 

فلما وصل الشيخان برسالة الدردير أمر يوسف بك بالقبض عليهما وزجرهما زجرا شديدا ثم سجنهما.

ووصل خبر ذلك إلى الشيخ الدردير، وأهل الأزهر، فاجتمعوا عند الصباح وأبطلوا دروس العلم، والأذان، والصلاة. 

وأقفلوا أبواب الجامع.

وجلس العلماء عند القبلة القديمة. 

وكان الأزهر يموج بالناس، فصعد الصغار منهم إلى المنارات والمآذن يكثرون من الدعاء على الأمراء. 

وشارك الشعب أهل الأزهر شعورهم بالسخط واحتجاجهم على الظلم، فغلقت الحوانيت والمتاجر، وعرف الأمراء ما جرى فأرسلوا إلى يوسف بك ليطلق سراح الشيخين، فأطلقهما، وأرسل شيخ البلد إبراهيم بك، رجاله إلى العلماء، فلم يستطع إرضاءهم، وجاء كبير آخر يطلب إلى الناس أن يفتحوا متاجرهم، وينصرفوا لشأنهم. 

فذهب إليه طلبة الأزهر، وجموع من الشعب بأيديهم العصى والمساوق، وضربوا أتباع هذا الكبير ورجموهم بالحجارة. فأطلق عليهم هو ورجاله الرصاص.

وقتل ثلاثة من الطلبة، وجرح بعض أفراد الشعب وخشى الأمراء بعد ذلك أن يتفاقم الخطب، وتزيد ثورة الشعب والعلماء اشتعالا، فأرسلوا في اليوم التالي كبيرا منهم، مع الشيخ السادات، وآخرين من الأمراء.

ورأوا من الحكمة ألا يذهبوا إلى الأزهر، في وسط هذه الفتنة فجلسوا في مسجد الأشرف، وأرسلوا إلى أهل الأزهر ومن معهم من الثائرين، أن طلباتهم أجيبت، فلم يقنعهم ذلك، ولم يتركوا أماكنهم. 

فلم ير إسماعيل بك، كبير الأمراء، بدا من أن يذهب بنفسه إليهم، فنزل مع الشيخ السادات، ولم يستطع أن يواجه الثائرين داخل الأزهر، فجلس مع السادات في مسجد المؤيد، وأرسلا إليهم كتابا تعهد فيه إسماعيل بك أن يجيب رغائبهم ويقبل جميع ما يطلبون، وقال: إن ضمينه في ذلك الشيخ السادات، وظل إسماعيل بك يراسل المتترسين داخل الأزهر يوما كاملا حتى استجابوا، وفتحوا أبواب الأزهر.

وكان مما شرطوه على إسماعيل بك ألا يمر الأغا، ولا الوالي، ولا المحتسب قريبا من الأزهر.

الشيخ السادات يقود الثورة:
كان الشيخ السادات، من أكبر الشيوخ مقاما، وأعظمهم شأنا، وأوسعهم جاها وثروة، وأعزهم منزلة لدى الناس، ولدى الأمراء على السواء.

ولكنه، مع اختيار نابليون له عضوا في الديوان، وزيارته له في بيته، كان من أكبر خصوم الفرنسيين، والمحرضين على الثورة عليهم.

فعند ما قامت ثورة القاهرة الأولى تبين أن زعيمها الأول هو الشيخ رده عن ذلك، مع يقينه من زعامته للثورة، وقال: إن قتل شيخ في مكانة السادات يضر أبلغ الضرر بمركز الفرنسيين، ويزيد في حقد المصريين وكراهتهم له.

ثم قامت ثورة القاهرة الثانية على الجنرال كليبر.

وكان السادات من المحرضين عليها. 

فجاءت فرصة كليبر لشفاء ما في نفسه من السادات.

وكان يذكر نصيحة نابليون فلم يقتله.

ولكنه أوقع به من العذاب والمهانة شيئا كثيرا. 

حيث فرض عليه ضريبة فادحة، قدرها مائة وخمسون ألف فرنك. 

فلما رفض أن يدفعها أمر بسجنه في القلعة. 

وكان ينام على التراب، ويمشون به على قدميه في شوارع القاهرة، ويضرب في صباح كل يوم خمس عشرة عصا، ومثلها في كل مساء وحبسوا أتباعه وخدمه.

وطلبوا زوجه وابنه فلم يجدوهما. 

فعذبوا خادما له عذابا شديدا حتى دل على مكانهما، فسجنوهما.

ووضعوا معه زوجته في سجن واحد، فكانوا يضربونه أمامها، وهي تبكي.

وهاجموا داره، ففتشوها ونهبوا ما كان فيها من مال ومتاع وحفروا أرضها للبحث عما فيها من سلاح ومال.

وجعلوا على بيته عشرين حارسا. 

وعندما أعادوا تشكيل «الديوان» 1 أخرجوه منه.

وبعد أن أنزلوه من القلعة عادوا فسجنوه فيها مرة أخرى خمسين يوما، ثم أخرجوه بعد أن أتم دفع ما فرضوا عليه، ولكنهم عادوا فصادروا جميع ممتلكاته وإقطاعياته -وكانت شيئا كثيرا- وحبسوا مرتباته وأوقافه وأوقاف زوجاته، وريع الأوقاف التي كانت محبوسة على زوجة أجداده.

وشرطوا عليه ألا يجتمع بالناس، وألا يخرج إلا بإذنهم، وأن يقتصد في نفقاته، وينقص عدد أتباعه وخدمه.
__________
1) عند ما دخل نابليون القاهرة ألف «الديوان» من طبقتين «العمومي» و «الخصوصي» وكان الأخير يتألف من كبار العلماء والتجار وأهل الرأي والمنزلة من المصريين. وكان رئيسه الشيخ عبد الله الشرقاوي ومن أبرز أعضائه الشيخ السادات.
__________
ويخاف منه الأتراك أيضا:
وعند ما قدمت الحملة التركية الإنجليزية لحرب الفرنسيين وإخراجهم من مصر، سنة 1801، وعلم الجنرال مينو، نائب نابليون وقائد الجيوش الفرنسية، أنها نزلت أبي قير في الأسكندرية، أمر، للمرة الرابعة، بالقبض على الشيخ السادات حتى لا يثير المصريين عليهم. 

وسجن في القلعة، وبقي فيها سجينا حتى بارح الفرنسيون مصر.

وقد مات ابن الشيخ السادات وهو في السجن فلم يسمحوا له بالخروج ليراه، بل أذنوا له بالسير في جنازته تحت الحراسة، ثم أعادوه إلى السجن.

ومن مواقف الشيخ السادات الوطنية الكريمة، أنه عند ما ضرت الحرب والحصار بالثائرين في القاهرة، التزم بالإنفاق على المحاربين والمجاهدين في المنطقة التي كان يقيم فيها، عند قناطر السباع.

ومات الشيخ السادات بعد ذلك في مارس سنة 1813 في عهد محمد على بعد أن عرف له الناس وسجل التاريخ هذه الشجاعة وهذا البذل.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:30 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 09:27 pm

الأزهري الشيخ سليمان الجوسقي
فرغ الشيخ سليمان الجوسقي 1 من صلاة الفجر في الجامع الأزهر على عادته في كل يوم، ولكنه في ذلك اليوم كان يبدو على غير عادته في كل شيء، فهو ساهم واجم يستغرقه تفكير عميق ثقيل، وهو في تفكيره منصرف عن كل شيء من حوله، حتى كان إخوانه يتلقونه بتحية الصباح فلا يجيبهم، وكان طلابه يكبون على يده يقبلونها فيلقيها إليهم في إغفال واستسلام كأنه لا يبالي شيئا من أمرهم.

ومضى الشيخ الجوسقي إلى حلقة الدرس وهو على هذه الحال، ساهم واجم، مستغرق في ذلك التفكير العميق الثقيل، ولقد أخذ مكانه في حلقة الدرس والطلاب يحفون به منصتين، ولكنه جلس صامتا واجما لم يتكلم بكلمة، ولم يعنه أن يسأل الطلاب فيما حققوا من مسائل الدرس أو صادفوا من مصاعبه كشأنه معهم في كل يوم.

وما كان الشيخ الجوسقي هكذا أبدا، ولا عرف طلابه عنه هذه الحال في يوم من الأيام، فقد كان شيخا مكفوف البصر، يتولى شئون طائفة العميان والتدريس لهم في الأزهر.
__________
1) مجلة الأزهر الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف.
__________
ولكنه لم يكن يرى في تلك المحنة حدا يعوقه عن أي شأن من شئون الحياة، فكان معروفا بين إخوانه بقوة الشكيمة والصرامة في الحق، يحرص كل الحرص على مصالح طائفته، ويبذل كل الجهد لاستخلاص حقوقهم، ولو أدى ذلك إلى الاعتماد على القوة، والالتحام في المعركة، وكان إلى جانب هذا متفتح النفس، يهش للدعابة، ويطيب له التبسط في الحديث مع طلابه ومريديه، ويعنيه أن يتحقق بنفسه شئونهم العامة، ومسائلهم الخاصة، ومن ثم كان طلابه يخشونه أشد الخشية، ويحبونه أعظم الحب، وكان إذا ما أقبل على الدرس في كل يوم بعد الصلاة الأولى أقبلوا عليه، فيفضون إليه بما في نفوسهم، ويسمعون منه بما يشير به عليهم، ثم يفرغون معه لدرس التفسير في كتاب اللّه الكريم، وما يزالون حتى ترتفع الشمس، ثم ينصرفون للاستعداد لدرس آخر.

ولكن الشيخ أقبل على طلابه في ذلك اليوم، وهو على تلك الحال التي لم يألفوها منه، ولم يعرفوها عنه، وأشفق الطلاب أن يكون قد نزل بشيخهم مكروه في نفسه أو في أسرته، فقال قائل منهم: لا بأس على مولانا الشيخ فيما نرى، فقد فات موعد الدرس وهو منصرف عنا!

قال الشيخ في صوت محتبس أجش: 
كيف وهذا هو اليأس يأخذ بنواصينا وأقدامنا، وهذا هو الكرب يشد على خناقنا شدا عنيفا، فليس لنا منه متنفس.

وفيم أنتم وهذا الدرس، وما هو إلا كلام تلو كونه بألسنتكم، وتخورون به خوار البقر، ولكنكم واللّه لا تحسونه بقلوبكم، ولا تعرفون فيه حق دينكم، وهل حسبتم أن الإسلام هو تلك الكلمات التي ترددونها وتناقشونها ثم تنصرفون بها إلى الناس، وكأنها تجارة كلامية، حسبكم من الربح فيها تلك الفضلات التي تقيم أودكم، وتمسك رمقكم، إذن فيا ضيعة الإسلام فيكم، ويا خسارته بكم، ولست أدرى أهي نهاية الزمان، أم أن اللّه مقيض لهذا الأمر من ينهض به ويبعثه بعثا جديدا في عقول هذه الأمة وقلوبها؟!

قال الطالب: 
وهل عرف شيخنا على أحد منا سوءا في دينه، أو تفريطا في حق من حقوقه؟!

قال الشيخ: 
وما ذا بقي هناك من حقوق دينكم؟ وأي أثر لذلك في نفوسكم؟ لقد جل الخطب حتى أوشك أن لا يبقى من هذا الدين بقية تتصل بأرواحكم، هؤلاء هم الفرنسيون الكفار قد وطأوا بلادكم فسكتم، ثم انتهبوا دوركم وأموالكم فأذعنتم، ثم انتهكوا حرماتكم وأعراضكم فرضيتم وصبرتم، وها هم أولاء -فيما عرفت- يعمدون إلى تغيير نظام المواريث في دينكم، فيجعلون حق الإرث كله للبنت وليس للولد منه شيء كما هو شرعهم، ومتى بطل جزء من الشريعة فإنها جميعها لابد صائرة إلى المسخ والزوال، وإنكم لصائرون غدا أرقاء في خدمة هؤلاء الفرنسيس الكفار، وبكم تكون نهاية هذا الدين، وزوال الملة، ونعوذ باللّه من هذا الزمان.

وسرت بين الطلاب همهمة وغمغمة، وارتفعت الصيحات استنكارا لتلك النازلة الساحقة التي حلت بالمسلمين في دارهم، ووقف بعض الطلاب يتكلمون، فمنهم من يلقي اللوم على أولئك المماليك الجبناء الذين فروا من مواجهة العدو وتركوا الشعب يتلظى في أتون المعركة، ومنهم من يعتب على دولة بني عثمان التي تركت الفرنسيين يصلون إلى فتح هذه الديار، ومنهم من يسب الخائنين والمارقين من أبناء الطوائف الدخيلة على البلاد لأنهم تعاونوا مع العدو ومكنوه من رقاب الشعب، ومنهم من يقول: إنه غضب اللّه على المسلمين جزاء ما فرطوا في دينهم، وحقوق ملتهم.

وعاد الشيخ الجوسقي يتكلم فقال: 
حسبكم يا أبنائي هذا الضجيج على غير طائل، إننا اليوم لسنا في مقام توزيع التبعات وليس من الحكمة أن نترك السفينة تهوي إلى القاع ونحن مشغولون بمعرفة الملوم في هذه الكارثة، وإنما الواجب أن نفزع لدفع النازلة التي حلت إذا بقي لنا أمر بعد ذلك، فحرام عليكم طعامكم وشرابكم، وحرام عليكم أن تقيموا على الضيم في وطنكم، وأن تجلسوا في هذا المكان باسم الإسلام والفرنسيون يصنعون بإسلامكم ما شاءوا أن يصنعوا.

قال قائل منهم: 
وما ذا في طاقتنا أن نصنع إزاء حرب الفرنسيين. 

وقد حرمنا نعمة البصر فما ندري إلى أين نسير، واللّه يقول: «ليس على الأعمى حرج».

ولم يكد الطالب بتم قولته حتى انفجر الشيخ كالبركان قائلا: 
ألا لعنة اللّه عليكم إن كان هذا هو مدى إدراككم ويقينكم، نعم لا حرج عليكم فيما هو من شئونكم الخاصة، ولكنكم اليوم إزاء كارثة حلت بدار الإسلام، وإنها لآخذة برقابكم جميعا، واللّه يقول: «فَإِنَّها لا تَعْمَى اَلْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ»، فانفروا إلى الناس في دورهم، وحيث هم في أعمالهم، وتفرقوا على أبواب الطرق والحارات، وقولوا لكل من لقيتم إنكم اليوم بين شقي الرحى، وإن الفرنسيين قد استباحوا حرماتكم، وأهانوا شرفكم، ونهبوا أموالكم، وبدلوا دينكم، فلا عزة لكم بين الأمم، ولا كرامة لكم عند ربكم إذا ما رضيتم بهذا الأمر فيكم.

ووقف الشيخ في انفعال وقوة، وأخذ يصرخ قائلا والدموع تنحدر على خديه: 
واللّه ما قام عمود هذا الدين إلا بالجهاد، ولا أزهرت شجرة الإسلام إلا بدماء الشهداء، ولقد خاض رسول اللّه الحرب حتى شج وجهه وكسرت رباعيته، وفي سبيل اللّه استشهد سادتنا من الصحابة والتابعين، فلعنة اللّه علينا إن كنا من القاعدين بعد اليوم.. 

ثم اندفع الشيخ واندفع معه طلابه إلى الخارج وهم يصيحون: إلى الجهاد والاستشهاد، إلى الموت في سبيل اللّه.. وكانت الثورة.

تحت وطأة ذلك الكابوس الفرنسي الذي جثم على قلبها فجأة، وكان الناس يغدون ويروحون وهم لا يدرون من أمرهم شيئا لليوم أو الغد، فما هي إلا ساعات من نهار حتى كانت القاهرة تغلي كالمرجل، وكان الناس يقفون فيها على قدم وساق متوثبين متحفزين لأمر له ما بعده، فقد تفرق شيوخ الأزهر وطلابه على أبواب الطرق، وتغلغلوا في الحارات والأزقة بحي الأزهر والحسينية، وراحوا يتحدثون إلى الناس بشأن هؤلاء الفرنسيين الذين استعمروا بلادهم ونهبوا أموالهم، واستباحوا حرماتهم، وأخذوا يذكرونهم بحق الدين في الجهاد والاستشهاد، وكأنها كانت الشرارة قد اندلعت في الهشيم، فإذا بالجموع تتداعى من كل ناحية، والصيحات ترتفع من كل جانب: إلى الجهاد، إلى الاستشهاد، النصر للإسلام.

واتصل الخبر بالسلطات الفرنسية، فركب الضابط «ديوي» على رأس قوة  كبيرة من الفرسان والجنود، ومر بشارع الغورية، وعطف على خط الصنادقية، ثم قصد إلى بيت القاضي فوجد جموعا كبيرة من المصريين وهم يصيحون ويتوعدون، فتراجع أمامهم وأراد أن يخرج من بين القصرين، ولكنهم أدركوه والتحموا به في معركة عنيفة أسفرت عن جرح «ديوي» بجراح بالغة وقتل أكثر فرسانه وجنوده، ولم يفلت القائد الفرنسي من براثنهم إلا بأعجوبة...

وأيقن أبناء القاهرة أن هذه المعركة ليست إلا بداية موقف حاسم بينهم وبين الفرنسيين، وأخذوا من وقتهم يستعدون لهذا الموقف، فرابطت الجموع عند الأطراف وعلى مداخل القاهرة عند باب الفتوح وباب النصر والبرقية وباب زويلة وباب الشعرية، وأقاموا المتاريس في كل مكان مفتوح للهجوم، وأخرجوا ما عندهم من السلاح والذخيرة، وباتوا الليل ساهرين منتظرين.

وأصبح الصباح، وكانت القوات الفرنسية قد أخذت أماكنها فوق تلال البرقية والقلعة، وهي مستعدة بالعتاد الكامل، والمدافع الثقيلة، ثم وتساقطت القنابل على الدور وفوق السكان، ولم يكن دوي القنابل مألوفا لعامة الشعب، فسار بينهم الفزع والرعب، ولكن المرابطين على المتاريس وقفوا ثابتين يدافعون في شجاعة وعناد، وأمضت القاهرة ليلة مظلمة لم تعهدها من قبل، فكنت لا تسمع في وسط ذلك الظلام الخانق الرهيب، إلا دوي القنابل وهي تتساقط في كل مكان، وإلا صيحات المجاهدين والمدافعين وهي تتجاوب بالثبات والإقدام، وطال الترقب، والفريقان يتبادلان الرمي والضرب، وأرسل الفرنسيون إلى شيوخ الأزهر أكثر من مرة لعلهم يتدخلون لتهدئة الثورة، ولكن المواطنين أصروا على الكفاح إلى آخر رمق من حياتهم.

واستمرت المعركة دائرة يومين وليلة وتساقط القتلى من الجانبين في الشوارع والطرقات وتهدمت الدور في كثير من المواقع، وبقي المواطنون في أماكنهم صامدين، يناضلون ويدافعون حتى فقدت الذخيرة منهم، فوقفوا عن الضرب والرمي، وانفتحت الأبواب أمام الفرنسيين، فانحدروا إلى القاهرة بخيلهم ورجلهم وهم يمعنون في الأهالي العزل قتلا وفتكا، وعاثوا في حي الأزهر جميعه، ثم اقتحموا الجامع الأزهر بخيولهم، واستباح أولئك الذين جاءوا يبشرون في الشرق بمبادىء الثورة الفرنسية ذلك الحرم المقدس، فربطوا فيه خيولهم، وشربوا فيه الخمور، وعاثوا بكل ما فيه من المصاحف والكتب والخزائن فسادا وتلفا وداسوها بنعالهم.

وأصبح الصباح في اليوم التالي، وكانت القوات الفرنسية كلها قد تجمعت في حي الأزهر وفي جميع الأحياء التي عضدت الثورة، وأخذوا ينهبون الدور ويبحثون عن السلاح في كل مكان، ثم أخذوا يبحثون عن الشيوخ الذين تزعموا الثورة واعتقلوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الوهاب الشبراوي، والشيخ يوسف المصيلحي، والشيخ إسماعيل بعض الوقت، ثم نقلوهم إلى القلعة..

وقصد الشيخ السادات ومعه بعض كبار المشايخ بالأزهر إلى القائد الفرنسي وطلبوا منه العفو عن الشيوخ المعتقلين فأمهلهم بعض الوقت، وفي كل يوم كانوا يذهبون إليه متشفعين فيمهلهم حتى يستقر الأمن، وبعد خمسة عشر يوما انكشفت الحقيقة في صنع الاستعماريين، فقد وجدت جثث الشيوخ الخمسة وراء سور القلعة، بعد أن قتلهم الفرنسيون ومثلوا بهم أشنع تمثيل، ذلك لأنهم ارتكبوا أشنع جرم في حق أبناء المدنية الفرنسية، فطالبوا بحق أمتهم في الحرية والحياة...




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:31 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 09:55 pm

رفاعة رافع الطهطاوي
*رفاعة رافع الطهطاوي.. ولد في ديسمبر سنة 1801 ببلدة طهطا محافظة جرجا ويختلف المؤرخون حول يوم مولده.

*كان والده تاجراً صغيراً توفي ورفاعة في سن الخامسة عشرة فرحل إلى القاهرة طلباً للعلم والتحق بالأزهر وقد كانت وسيلة سفره سفينة شراعية فاستغرقت الرحلة أسبوعين.

*في عام 1824 عين واعظاً وإماماً لإحدى فرق الجيش النظامي الذي أسسه محمد علي وكان قائداً لفرقة حسن المانسترلي «بك».

*سافر إلى فرنسا عام 1826 إماماً للبعثة التعليمية المصرية بباريس وتقرر له مرتب يوزباشي.. وحضر قيام الثورة الفرنسية ضد شارل العاشر سنة 1830.

*تأثر بالعلوم السياسية الفرنسية فترجم الدستور الفرنسي «دستور 1814» معلقاً على مواده بما يدل على فهم دستوري صحيح.

*عاد إلى مصر سنة 1831 فتولى منصب أستاذ ترجمة وتدريس اللغة الفرنسية بمدرسة الطب.

*في عام 1833 نقل من مدرسة الطب إلى المدفعية برتبة أميرلاي وعهد إليه بترجمة العلوم الهندسية والفنون الحربية.

*أنشأ مدرسة الألسن سنة 1836 بسراي الألفي بالأزبكية.

*في عام 1851 أرسله الخديو عباس الأول إلى السودان بعد أن أغلق مدرسة الألسن بحجة توليه إدارة مدرسة أنشئت بالسودان وكان القصد إبعاده.

*عاد من السودان عام 1854 بعد وفاة الخديو عباس وتقلب في عدة وظائف حتى أسندت إليه سنة 1855 وكالة المدرسة الحربية.

*أسس أول مدرسة لتعليم البنات سنة 1873.

*من أشهر كتبه.. «تخليص الإبريز في تلخيص باريس».

*توفي في 27 مايو سنة 1873.. ونشر نعيه بالوقائع السرية جريدة الدولة الرسمية.

إن أول صحفي في مصر 1 بل وفي العالم العربي كله، كان أزهريا وهو المرحوم الشيخ إسماعيل بن سعد الشهير بالخشاب قال عنه: (الفيكونت فيليب دي ترازي) في كتابه (تاريخ الصحافة العربية) عند حديثه عن البعثة العلمية التي رافقت حملة نابليون بونابرت إلى مصر أنها أحضرت معها مطبعة من باريس ثم يقول: (وأول عمل باشرته هذه البعثة العلمية أنها نشرت ثلاث جرائد في المطبعة المذكورة إحداها (الحوادث اليومية) كان يحررها إسماعيل بن سعد الخشاب وهي جدة الصحف في لغة الناطقين بالضاد).

ويقول عنه الجبرتي في كتابه التاريخي المعروف: 
(تولع السيد إسماعيل بحفظ القرآن ثم بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي
__________
1) مجلة الأزهر - الأستاذ محمد علي غريب.
__________
وغيره من أفاضل الوقت وأنجب في الفقه الشافعي والمعقول وتثقيف اللسان والفروع الفقهية الواجبة والفرائض.

إلى أن يقول: 
ولما رتب الفرانساوية ديوانا لقضايا المسلمين تعين المترجم في كتابة لتاريخ لحوادث الديوان، وما يقع فيه من ذلك اليوم.. لأن القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم وأماكن أحكامهم ثم يجمعون المتفرق في ملخص، يرفع في سجلهم، بعد أن يطبعوا منه نسخا عديدة يوزعونها في جميع الجيش. . . حتى لمن يكون منهم في غير المصر من قرى الأرياف، فتجد أخبار الأمس معلومة للجليل والحقير منهم.

فلما رتبوا ذلك الديوان، كما ذكر كان هو المتقيد برقم كل ما يصدر في المجلس: من أمر ونهي، أو خطاب أو جواب، أو خطأ أو صواب، وقرروا له في كل شهر سبعة آلاف ونصف فضة.

فلم يزل متقيدا في تلك الوظيفة مدة ولاية عبد الله جاك مينو، حتى ارتحلوا من الإقليم. 

ولقد جمع من سجلات الحوادث عدة كراريس ولا أدري ما فعل بها.

هذا هو إسماعيل الخشاب، أول صحفي عربي على الإطلاق، خرج من الأزهر إلى الصحافة، وكانت صحيفته صغيرة لا يقرؤها إلا القليلون.

ويجيىء من بعده المغفور له الشيخ (رفاعة رافع الطهطاوي) وهو المقصود بحديثنا وصاحب أكبر فضل على النهضة العلمية والأدبية والاجتماعية في مصر، ولقد ولد عام 1801 وتوفي عام 1873 وكانت مسقط رأسه مدينة (طهطا) في الصعيد ولقد نشأ في أسرة كانت من أهل اليسار ثم أخنى عليها الدهر فمضى والده في طلب الرزق إلى مدينة (قنا) وبعدها إلى مدينة (فرشوط).

وقد سافر إلى فرنسا ورأى حرية هناك جعلته يشعر بالطغيان الذي يعانيه أبناء وطنه مصر ورأى ما يمكن أن يقدمه الفكر الراجح من أساليب النشاط الإنساني في شتى مناحي الحياة، وفي فرنسا رأى الصناعة الزاخرة بالخير والنفع على الفرنسيين أجمعين فدعا إلى التصنيع في بلاده.

ولقد دعا رفاعة الطهطاوي، المصريين إلى الحفاظ على نعمة الحرية وإعلاء شأن الفكر وإنشاء المصانع لتنافس أمتهم أرقى شعوب العالم في الحضارة والمدنية، ولتعود إليها سيرتها الأولى في التقدم والازدهار.

وعاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر وكله شعلة من الوطنية المتأججة، فأشار على محمد علي بأن يصدر صحيفة «الوقائع المصرية» وتولى الشيخ رفاعة رياسة تحريرها وراح يكتب فيها المقالات التي تحث على استنهاض الهمم وبعث الشعور القومي وشحذ العزائم في سبيل خدمة الوطن.

وهي أقدم جريدة عربية على الإطلاق إذ لم تسبقها جريدة عربية أنشأها عربي في وطننا العربي الكبير.

وما صنعه رفاعة الطهطاوي لأمته يكثر إحصاؤه على المغرمين بالأرقام، فقد ترجم عشرات الكتب من الفرنسية إلى العربية وأودع ثمراتها عقول أولئك المتعطشين إلى العلم والمعرفة، وبارك اللّه في جهوده فألف وصنف، وكانت غاية جهاده أن يرتقي بأمته إلى المكان الذي رأى فيه فرنسا.

ولقد خلف رفاعة الطهطاوي وراءه ثروة أدبية ضخمة هي طراز لما يجب أن يقوم به الرائد العظيم نذكر منها: (خلاصة الإبريز) والديوان النفيس) و (التعريبات الشافية لمريد الجغرافية) و (جغرافية ملطبرون) و (قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر) و (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) و (التحفة المكتبية) و (مواقع الأفلاك في أخبار تليماك) و (مباهج الألباب المصرية في مناهج الألباب العصرية) و (مختصر معاهد التنصيص) و (المذاهب الأربعة) و (شرح لامية العرب) و (القانون المدني الإفرنجي) و (توفيق الجليل وتوثيق بني إسماعيل) و (هندسة ساسير) و (رسالة في الطب) و (جمال الأجرومية) و (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز).

وهكذا عاش رفاعة الطهطاوي حياته كلها خادما أمينا للدين وللعلم وللمعرفة باذلا غاية جهده في تحريك موجات الفكر في بحرنا الآدمي المتلاطم.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:33 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:02 pm

صورة عن الامام الشيخ محمد عبده
===================
نسبه ومولده ونشأته:
هو محمد بن عبده بن حسن خير الله، من أسرة مصرية ريفية متوسطة الثراء، في قرية من إقليم البحيرة بشمال مصر تسمى محلة نصر، وكان أبوه يشتغل بالزراعة شأنه شأن سكان الريف جميعا.

وولد له ابنه محمد في عام 1266 ه‍. ونشأ في أول الأمر مدللا ثائرا على وضعه الاجتماعي، فأبى أن يشارك أباه في عمله، وعزف عن التعليم في مكتب القرية على عادة أمثاله ولداته، وظل كذلك حتى بلغ العاشرة من عمره، واشتد القلق بوالده فأحضر له فقيها لازمه حتى حفظ القرآن الكريم.

وتعلم مبادىء القراءة والكتابة، ثم أرسل به إلى طنطا فجود القرآن وأحسن تلاوته، ثم ألحقه بمعهدها الديني. وقد بلغت سنة خمسة عشر عاما، ولكن محمدا لم يتفتح قلبه لطرق الدراسة حينذاك، ففر من معهده مرارا، وأبوه يحاوله ويعالجه، وهو يلج في العناد والإباء. وأخيرا نزل ضيفا على خال لأبيه في إحدى القرى المجاورة لبلدته، وكان عالما ذكيا استطاع أن ينفذ إلى قلبه، وأن يحبب إليه العلم والدراسة، فلقنه تفسير القرآن.

وقرأ عليه عدة كتب في الحديث من أشهرها موطأ الإمام مالك، ثم عاد بعد ذلك إلى معهده فأتم مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة لأنه المذهب الرسمي للحكومة وعليه القضاء والفتيا، وظل ينازع نفسه، ويغالب السأم والملال من الدراسات المعقدة والأساليب الملتوية، حتى حصل على شهادة العالمية في عام 1294 ه‍، وقد انتزعها انتزاعا بعد معارضة بعض العلماء في منحة إياها لجرأته وصراحته، وزرايته بنظم الأزهر وطريقة التدريس فيه في ذلك الوقت، واصطدامه ببعض شيوخه ومخالفتهم في كثير من الآراء والعقائد.

ثقافته وأساتذته:
كان الإمام ذكيا ألمعيا يتمتع بذهن متوقد، وفكر ثاقب، ونفس طلعة متحررة، لا تحب القيود، ولا تخضع لما تواضع عليه الناس، فمال إلى التزود بجميع أنواع الثقافات، وفتن بالعلوم العقلية واللسانية والأدبية، واستقى الدين من منابعه الأولى، ضاربا صفحا عما ابتدعه العلماء من مذاهب وعقائد، وما أدخلوه في الدين من بدع وأساطير وخرافات.

اقتنع الشيخ بانحراف العلماء عن سنة السلف، ومال إلى الدراسة الاستقلالية الحرة، وشغف بالتاريخ والمنطق والفلسفة الإسلامية، والرياضة والفلك، وتلمس السبل لفهم ما استعصى عليه، فاتصل وهو طالب بعالم فحل اسمه الشيخ حسن الطويل، ولازمه وأفاد منه، ووجد عنده ما افتقده عند غيره من العلماء فلم يظفر به، واتصل كذلك بجمال الدين الأفغاني منذ وفد علي مصر وأخذ عنه الأدب والتوحيد والمنطق وأصول الفقه والفلسفة وغير ذلك من العلوم-كما أخذ عنه آراءه في السياسة والاجتماع، وثورته على ظلم الحكام واستبداد الولاة، ودعوته إلى نظام شورى إسلامي يقضي على المطامع والنفعية والاستغلال.

بيئته وأثرها في حياته:
نشأ الشيخ في عصر يموج بالأحداث والأعاصير، وتتوالى فيه الكوارث بأغلال الدّين، ومكن للأجانب من التدخل في شئونها، والإشراف على مواردها ومنحهم امتيازات سيطروا بها على الوطنيين وانتشروا في المدن والقرى يبيعون الخمر والسموم، ويتعاملون بالربا، وتسقط الثروات في أيديهم كما تسقط أوراق الشجر أدركه الخريف، ثم كان عهد توفيق وقيام الثورة العرابية، واستعانة هذا الحاكم الخائن بالإنجليز ليحتلوا البلاد وينكلوا بقادتها وزعمائها، ويلقوا بهم في السجون والمعتقلات، ويقذفوا ببعضهم إلى خارج البلاد ليذوقوا مرارة النفي وألم البعاد والتشريد، وكان للشيخ دور بارز في مقاومة البغي والعدوان، وجاهد بقلمه ولسانه في صفوف الثورة، وأفتى بخلع الخديو فحكم عليه بالنفي، وقضى عدة سنوات بسوريا وفرنسا وتونس، ولقي من الشدائد والأهوال ما اللّه به عليم.

ولكن الإمام أفاد من هذا الكفاح، واكتسب خبرة بشئون الحياة لم تتهيأ لغيره من القادة والزعماء، ولم يكّف عن أداء رسالته الدينية والوطنية، فتولى التدريس بسوريا وتونس، واشترك مع جمال الدين الأفغاني في إنشاء صحيفة العروة الوثقى بفرنسا، وعاد من النفي أمر عودا وأصلب مكسرا، وكانت له بعد ذلك جولات وصولات.

تقلبه في مناصب الدولة:
تولى الشيخ عقب تخرجه في الأزهر دراسة التاريخ الإسلامي بدار العلوم، ودراسة اللغة العربية بمدرسة الألسن، ثم عزلته الحكومة من عمله مخافة انتشار آرائه وأفكاره بين التلاميذ، وقوة تأثيره في الأوساط الوطنية والشعبية، ثم اختير بعد ذلك لرياسة تحرير الوقائع المصرية، وبعد عودته من النفي أبعد عن التدريس، وعين قاضيا بالمحاكم الأهلية، وعضوا في مجلس الأزهر الأعلى، ثم اختير لمنصب الإفتاء وعضوية مجلس الأوقاف الأعلى، كما كان عضوا بمجلس الشورى، العربية التي أسست سنة 1318 ه‍، وإليه يرجع الفضل في نشاط هذه الجمعية وإحياء كثير من كتب الأدب والدين وغيرهما.

وطنيته ودعوته للحرية السياسية والفكرية:
عاش الشيخ طول حياته مجاهدا مكافحا، داعيا للتحرر الوطني، وإرساء قواعد الحكم الشورى، ومقاومة المحتلين وأذنابهم، وعمل على نشر الوعي القومي في نفوس النشء، وتحرير الفكر العربي من شوائب الجهالة، وتكوين مجتمع إسلامي يتعاون أبناؤه لإقامة وحدة تعمل على ترقية شئونهم السياسية والاجتماعية، وقد ألهب عواطف الوطنيين بقلمه ولسانه، وبث بذور الثورة على الطغيان التركي، وفساد أداة الحكم في مصر. ولو أن العرابيين استمعوا لنصحه، وتريثوا قليلا حتى يستكملوا عدتهم وعتادهم لبلغت الثورة هدفها، وآل حكم البلاد إلى بنيها، ونجت مصر من الاحتلال الإنجليزي الذي جثم على صدرها طويلا.

إصلاحاته وآراؤه.. والصراع بينه وبين علماء عصره:
كان الشيخ يرى أن إصلاح المجتمع الاسلامي يجب أن ينبع من الأزهر، وأن يكون علماء الدين هم رسل النهضة وقادة الإصلاح، ولكي يقوم الأزهر برسالته لا بد له من الخروج عن عزلته وجموده، وأن يوثق صلته بالشعب، ويجدد في نظمه وطرق التدريس فيه، ويطهر الدين من الشوائب والخرافات، وأن يعيد النظر في الآراء الاجتهادية التي أثبت العلم بطلانها، ويعالج المشاكل التي نبتت في العصور الحديثة ويبين حكم الدين فيها، وأن يعني بالتقويم الخلقي ومحاربة البدع والضلالات، والرد على ما أثاره خصوم الإسلام من شبه تتناول أصوله وفروعه، وأن يعد أبناءه للاضطلاع بوظائف الدولة، وتولى شئون القضاء والتدريس على النظم الحديثة.

لإصلاح الأزهر في النواحي الإدارية والعلمية، وأراد أن يجدد في منهج التدريس بطريقة عملية بارعة حببت إلى الناس طلب العلم، وغشى حلقته كثير من الأزهريين وغيرهم، كما درس التفسير والمنطق والحكمة والفلسفة وعلم الكلام بأسلوب بليغ وعبارات جزلة فياضة. وقوة في الدليل والترجيح بين الآراء، ونفي ما يثبت بطلانه وعدم جدواه.

وقد ثار بعض المتزمتين من الأزهريين والمتصوفة على الشيخ ورموه بالإلحاد والزندقة، والخروج عما تواضع عليه العلماء والمؤلفون. وأقاموا من حوله سياجا من الشك والشبهات، ولجوا في معارضته والطعن عليه، وهو صابر محتسب، يقابل أذاهم بالتسامح، ومعارضتهم بالحجج الدامغة والبراهين الواضحة. 

وإلى هذا يشير حافظ إبراهيم في رثائه للإمام إذ يقول:
وآذوك في دين الإله وأنكروا مكانك حتى سودوا الصفحات
رأيت الأذى في جانب اللّه لذة ورحت ولم تهمم لهم بشكاة
لقد كنت فيهم كوكبا في غياهب ومعرفة في أنفس نكرات
أبنت لنا التنزيل حكما وحكمة وفرقت بين النور والظلمات
ووفقت بين الدين والعلم والحجا فأطلعت نورا في ثلاث جهات
وقفت لهانوتو ورينان وقفة أمدك فيها الروح بالنفحات

وإنما كان غضب بعض الأزهريين عليه لأنه كشف عن جهلهم وعجزهم عن أداء رسالة الدين والعلم - كما كان غضب الصوفية عليه لأنه سلفه طرقهم وأوضح دجلهم وتضليلهم لعقول الناس، حتى أحالوا الدين إلى خرافات وأوهام لا تتصل به من قريب أو بعيد.

ويعد الأستاذ الإمام مجدد الأدب النثري في العصر الحديث، ومحرره من القيود التي أثقلته وجنت عليه في العصور الوسطى. 

جدد الشيخ في أسلوب النثر، وفي معانيه وموضوعاته، وامتازت كتابته بالوضوح الترتيب وسلامة التراكيب، والبراءة من الغريب والحشو والتوعر.

والمتأمل في أدبه يراه قد تنقل في أطوار عدة، فقد كان أول أمره يميل إلى السجع والتكلف والصنعة، وبعض المحسنات البديعية والمصطلحات العلمية. 

ويستعمل ألفاظا دخيلة من اللغات الأوروبية أو التركية، ثم أخذ يتحلل من قيود الصنعة شيئا فشيئا بعد تضلعه في الأدب العربي، والإكثار من قراءة الكتب القديمة، ثم سما وعذب ورق بعد دراسته اللغة الفرنسية والآداب الأوروبية الحديثة - وقد شاعت طريقته بين المتأدبين في هذا العصر فترسموا خطاه وساروا على نهجه.

مؤلفاته العلمية والأدبية:
لم تدع الأحداث السياسية والحركات الإصلاحية لدى الأستاذ الإمام متسعا من الوقت للإنتاج والتأليف، ولكنه استرق من وقته فترات ألف فيها رسالة التوحيد وتفسير جزء عم، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، وشرح نهج البلاغة، ومقامات البديع، وهو في جميع هذه الكتب محقق، واسع الأفق، عميق الفكرة، واضح الحجة، فخم العبارة، قوي الأسلوب.

ولم يعن الإمام بقرض الشعر مع كثرة حفظه له، واستشهاده به، ولم يسمع عنه سوى أبيات نسبت إليه، وزعم بعض المتصلين به أنه قالها وهو يستقبل الموت، وهي:
ولست أبالي أن يقال محمد أبلّ أو اكتظت عليه المآتم
ولكن دينا قد أردت صلاحه أحاذر أن تقضي عليه العمائم
فيا رب إن قدرت رجعي قريبة إلى عالم الأرواح وانفض خاتم
فبارك على الإسلام وارزقه مرشدا رشيدا يضيء النهج والليل قاتم

وإنما كانت عنايته منصرفة إلى النثر في جميع فنونه وأغراضه، وهذه نماذج منه:
1 - كتب في رسالة إخوانية إلى بعض أصدقائه، وفيها سجع متخير مقبول، قال: 
تناولت كتابك ولم يذكر مني ناسيا، ولم ينبه لذكرك لاهيا، فإني من يوم عرفتك لم يغب عني مثالك، ولا تزال تتمثل لي خلالك، ولو كشف لك من نفسك ما كشف لنا منها لفتنت بها، ولحق لك أن تتيه على الناس أجمعين، ولكن ستر اللّه عنك منها خير ما أودع لك فيها لتزينها بالتواضع، وتجملها بالوداعة، ولتسعى إلى ما لم يبلغه ساع، فتكون قدوة في علو الهمة، وبذل ما يعز على النفس من نفع الأمة، زادك اللّه من نعمه، وأوسع لك من فضله وكرمه، ومتعنى بصدق ولائك، وجعلك لي عونا على الحق الذي أدعو إليه، ولا أحيا إلا به وله. والسلام.

2 - وكتب إلى حافظ إبراهيم حين أهداه كتاب «البؤساء»، ومعه رسالة تقدير وإطراء، فقال: 
لو كان لي أن أشكرك لفن بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت من حولنا، وبسطته على القريب والبعيد من أبناء لغتنا.

زففت إلى العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية، سحرت قومها، وملكت فيهم يومها، ولا تزال تنبه منهم خامدا، وتهز فيهم جامدا، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماتته القسوة، وتقوم من نفوسهم ما أعذرت فيه الأسوة، كلمة أفاضها اللّه على رجل منهم فهدى إلى التقاطها رجلا منا، فجردها من ثوبها الغريب، وكساها حلة من نسج وجلاها للطالب، بعد ما أصلح من خلقها، وزان من معارفها، حتى ظهرت محببة للقلوب، رشيقة في مؤانسة البصائر، تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي من النفس في مكان الإلهام، فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.

3 - وكتب إلى أحد أصحابه وهو في السجن كتابا يفيض بالألم، استهله بقول الشاعر: 
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم ثم قال بعد قليل: رأيت نفس اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما، لا أرى إنسانا، ولا أسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا، أسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، هي ذات الكاتب، ذهب ذوو السلطان في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة، ويغشّوها بأغشية من معادن القوة، ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعين الناظرين.

وقال في آخره:
آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد خطبه للولاء، وما أغيره على حقوق الأولياء، وما أثبته على الوفاء، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم، هو الذي سر قلوبهم بالترقية، وملأها فرحا بالتقدم.

4 - ومن رسالة له إلى بعض علماء الشام حين هنأه بمنصب الإفتاء، قال: 
أما قومي فأبعدهم عني أشدهم قربا مني، وما أبعد الإنصاف منهم، يظنون بي الظنون، بل يتربصون بي ريب المنون، تسرعا منهم في الأحكام، وذهابا مع الأوهام، وولعا بكثرة الكلام، وتلذذا بلوك الملام، أدعو فلا يستجيبون، وأعمل فلا يهتدون، وأريهم مصالحهم فلا يبصرون، وأضع أيديهم عليها فلا يحسون بل يفرون إلى حيث يهلكون، شأنهم الصياح والعويل، والصخب والتهويل، حتى إذا جاء حين العمل صدق فيهم قول القائل:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

وأقول:
 ولا في الخير
وإنما مثلي فيهم مثل أخ جهله إخوته، أو أب عقته ذريته، أو ابن لم يحن عليه أبواه وعمومته، مع حاجة الجميع إليه، وقيام عمدهم عليه، يهدمون منافعهم بإيذائه، ولو شاءوا لاستبقوا باستبقائه، وهو يسعى ويدأب، ليطعم من يلهو ويلعب، على أني أحمد اللّه على الصبر، وسعة الصدر، إذا ضاق الأمر، وقوة العزم، وثبات الحلم، إذا اشتد الظلم، وإن كنت في خوف من حلول الأجل، قبل بلوغ الأمل... الخ.

5 - ومن أمثلة كتابته العلمية قوله في أحد فصول رسالة التوحيد:
جاء القرآن فنهج بالدين منهجا لم يكن عليه ما سبقه من الكتب المقدسة، منهجا يمكن لأهل الزمن الذي أنزل فيه ولمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه، فلم يقصر الاستدلال على نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة، بل جعل الدليل في حال النبي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته، ولو في مثل أقصر سورة منه، وقص علينا من صفات اللّه ما نعلم، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، ولكنه أقام الدعوى وبرهن، وحكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة، وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان على أنظار العقول، وطالبها بالإمعان فيها لتصل إلى اليقين بصحة ما ادعاه ودعا إليه، حتى أنه في سياق قصص أحوال السابقين.

كان يقرر أن للخلق سنة لا تغير، وقاعدة لا تتبدل فقال تعالى: سُنَّةَ اَللّهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللّهِ تَبْدِيلاً وصرح سبحانه إِنَّ اَللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، فِطْرَتَ اَللّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّهِ.

واعتضد بالدليل في باب الأدب فقال: 
(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل، وتقرر بين المسلمين كافة -إلا من لاثقة بعقله ولا بدينه- أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود اللّه وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحى به إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة، وكالتصديق بالرسالة نفسها، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل.

دفاع الشيخ عن الإسلام، وتفنيد مزاعم المبشرين:
شمر الشيخ عن ساعد الجد، وانبرى للمبشرين المسيحيين الذين تناولوا الإسلام بالطعن والتجريح، وسفهوا عقائد المسلمين، وحاولوا النيل من الرسول وصحبه، وشوهوا تعاليمه ومبادئه، ومن ورائهم جمعيات مزودة بالمال والمطابع والصحف، كي يزعزعوا يقين المسلمين في دينهم، ويصدوا عنه من أراد الدخول فيه من غير أهله-ومن بينهم رينان وهانوتو وإضرابهما، وأخذ يفند مزاعمهم، ويبطل حججهم ويبين أكاذيبهم وخدعهم، حتى صرعهم وفضحهم في المجال الدولي، وعرف العالم الإسلام على حقيقته، وقال بعض فلاسفتهم: إذا كان الإسلام كما يقول الشيخ محمد عبده فأحرى بنا جميعا أن ندخل فيه، ونستظل برايته.

كتب رحمة اللّه حين سخر هانوتو من تشريع الحج عند المسلمين، وكتب بعض الكاتبين مقالة يرد بها عليه ورأى الأستاذ الإمام أنها تحتاج إلى دعم وتوضيح فكتب يقول:
يكتب بعض أرباب الأقلام من المسلمين في حكمة الحج، ويقول:
إنه صلة بين المسلمين في جميع اقطار الأرض، ومن أفضل الوسائل للتعاون بينهم، فعليهم أن يستفيدوا منه - وهو كلام حق، لكن لا ينبغي أن يفهم على غير وجهه، فإن الغرض منه أن يذكر المسلمون ما بينهم من جامعة الدين، حتى يستعين بعضهم ببعض على إصلاح ما فسد من عقائدهم، أو أضل من أعمالهم، وفي مدافعة ما ينزل بهم من قحط أو ظلم أو بلاء، وهو معهود عند جميع الأمم التي تدين بدين واحد، خصوصا عند الأوربيين.

وكتب إلى الفيلسوف تولستوي حين حرمته الكنيسة لدعوته إلى التوحيد:
أيها الحكيم، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكنا لم نحرم التعارف مع روحك، لقد سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في أفقنا شموس من آرائك، ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، ونظرت نظرة في الدين مزقت حجب التقاليد، ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك إليه اللّه، ومجاهدا إسلاميا عظيما، وقد عاش مسلما صادقا، ومات وهو في صفوف المجاهدين المؤمنين

- وقد توفي رحمه اللّه في عام 1323 ه‍، 1905 م ولا يزال المصلحون يترسمون خطاه إلى اليوم.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:35 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:15 pm

الشيخ مصطفى عبد الرازق
1885 - 15 فبراير 1947
===============
ولد رحمه اللّه عام 1304 ه‍- 1885 م بأبي جرج من أعمال مديرية المنيا، وهو الابن الثاني من أولاد المرحوم حسن عبد الرازق (باشا)، وبعد أن أتم تعليمه الأولى حفظ القرآن الكريم وجوّده، ثم التحق لطلب العلم بالأزهر الشريف، وتخرج في سنة 1906، وحصل على شهادة العالمية من الدرجة الأولى بين زملائه الشافعية، وعين للتدريس في مدرسة القضاء الشرعي، وفي سنة 1909 سافر إلى فرنسا والتحق بجامعة السربون ليضم إلى ثقافة الشرق ثقافة الغرب.

وندبه مسيو لابيير لتدريس بعض المباحث الإسلامية بجامعة ليون، ثم عاد من فرنسا في أوائل الحرب الكبرى، وعين سكرتيرا لمجلس الأزهر، وكان ذلك في سنة 1916. 

وفي سنة 1921 عين مفتشا في المحاكم الشرعية، ثم عين سنة 1927 أستاذ للفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وظل في كرسي الأستاذية، حتى اختير في سنة 1938 وزيرا للأوقاف في وزارة محمد محمود (باشا) الثانية، اختير عدة مرات في وزارات مختلفة لتولي هذا المنصب، حتى انتقل المغفور له الشيخ المراغي شيخ الأزهر إلى جوار ربه، فاختير لهذا المنصب وهو وزير للأوقاف، وصدر الأمر بتعيينه شيخا للأزهر في 27 ديسمبر سنة خير مبعوث لمصر بين أبناء البلاد الإسلامية عند البيت الحرام، وتوفي في 15 فبراير سنة 1947.

ويقول عنه محمد فريد وجدي:
«كان الأستاذ الأكبر بشخصيته الممتازة، وسعة أفقه الثقافي، خير من يدرك آثار هذا العهد في حياة الأمم، وأصلح من يوكل إليه أمر التوفيق بينهما لمصلحة الدين والدنيا معا، فلا غرو إن ساور الهلع كل نفس تنتظر عهد الاستقرار والهدوء والتقدم، لم أر فيمن قابلت من القادة والأعلين، أكرم خلقا في غير استكانة، ولا أهدأ نفسا في غير وهن، ولا أكثر بشاشة في غير رخوة، من الشيخ مصطفى عبد الرازق.

وكل ذلك إلى حزم لا يعتوره لوث، واحتياط لا يشوبه تنطع، وأناة لا يفسدها فتور، وإدمان على العمل ينسى معها نفسه، وهي صفات كبار القادة، وعلية المصلحين، ممن خلقوا لمعالجة الشئون المعقدة، وحسم المنازعات الشائكة، والتوفيق بين المطالب المتنافرة، وهذه مواقف كما تقتضي مضاء العزيمة، تحتاج إلى هوادة الأناة، وكما تستدعي سرعة البت، لا بد لها من القدرة على إزالة الحوائل.

وقديما قالوا: 
رب عجلة أورثت ريثا، ورب إقدام جر إلى نكوص.

فكان بما حباه بارئه من هذه المواهب النادرة، كفاء المهمة التي وفق المسئولون في إسنادها إليه، وكنت لا أشك في أنه بما جبل عليه من حب الإصلاح، وما اتصف به من الصفات التي سردناها آنفا، سيصل إلى حل مشكلة الأزهر حلا حاسما، يعيش تحت نظامه آمنا شر العوادي، وفي منجاة من عوامل القلق والاضطراب.

ذلك أنه بما تضلع من إلمام بنظم الجامعات، وما حصل من علم بمقوماتها وحاجاتها، لتمضيته في صميمها سنين طوالا من حياته طالبا ومدرسا، يعرف من أسرار حياتها وبقائها وبواعث عللها وأعراضها، ما لا يعلمه إلا الأقلون، والأزهر لا يخرج عن جامعة قديمة في دور انتقال، تتفاعل لتتناسب والعهد الذي تعيش فيه، فهي في حاجة إلى أن تحصل على المقومات التي تؤاتيها بهذا التناسب، وهو لا ينحصر في زيادة ميزانيتها، ولا في تهذيب إلى ما هو إيجاد المجال الحيوي لخريجيها، وهو أمر لا يستطاع حله إلا بعد تمهيد الطريق إليه، ورفع العقبات دونه. 

والشيخ الراحل لما اتصف به من بعد النظر، وتخير الظروف، كان أجدر الناس بإصابة هذا الغرض البعيد، ولكن اللّه آثر له الدار الآخرة، فكان ما أراد، وترك الأمر لمن يخلفه، وللّه في ذلك حكمة، وهو يتولى الصالحين.

ومما هو جدير بالذكر أن جميع مدرسي الفلسفة في عهدنا الحاضر بجامعتي القاهرة والأسكندرية من تلاميذه، لم تنقطع صلتهم به، وقد أسندت إليه وزارة الأوقاف مرتين، ولما توفي الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي، وعز وجود من يملأ مكانه، أسندت المشيخة إليه في 27 من ديسمبر سنة 1945.

ومن مؤلفاته العديدة:
1 - ترجمة فرنسية لرسالة التوحيد تأليف الشيخ محمد عبده، وضعها بالاشتراك مع الأستاذ ميشيل، وحلاها هو بمقدمة طويلة.

2 - رسائل صغيرة بالفرنسية عن المرحوم الأثري الكبير بهجت بك، وعن معنى الإسلام ومعنى الدين في الإسلام.

3 - كتاب التمهيد لتاريخ الفلسفة.

4 - فيلسوف العرب والمعلم الثاني.

5 - الدين والوحي في الإسلام.

6 - الإمام الشافعي.

7 - الإمام محمد عبده، وهو مجموعة محاضرات ألقيت في الجامعة الشعبية سنة 1919، وكلها مؤلفات تعتبر غاية في الإفادة.

وله كتب لم تنشر، منها: 
مؤلف كبير في المنطق، وكتاب في التصوف، وفصول في الأدب تقع في مجلدين كبيرين، وكان رئيسا لمجلس إدارة الجمعية الخيرية، التي كان والده من مؤسسيها، وكان عضوا في مجمع اللغة العربية، والمجمع العالمي المصري.

وفي 27 مارس عام 1947 أقيمت حفلة لتأبينه في جامعة القاهرة، ألقى فيها لطفي السيد، وعبد العزيز فهمي، والدكتور حسين هيكل، ومنصور فهمي، وإبراهيم دسوقي أباظة، وطه حسين، وأمين الخولي، والعقاد وغيرهم كلمات وقصائد في الإشادة بمناقبه.

ومن كلمات الشيخ كلمة ألقاها بمناسبة اختياره رئيسا فخريا لجمعيات المحافظة على القرآن الكريم بعد وفاة الشيخ المراغي، قال فيها: القرآن مصقلة القلوب كما ورد في الحديث، وما أحوج قلوبنا إلى ما يصقلها، ويجلو منها الصدأ، والقرآن هدى ونور، فهل إلا القرآن لما يغشى العالم اليوم من ظلام وضلال؟

والقرآن من بعد هذا ثقاف للألسن، يقوم عوجها، ويصلح عجمتها، ويغذي من البلاغة مادتها، فمن عملى على تنشئة أطفالنا على حفظ القرآن وترتيله ومدارسته، فإنما يصلح القلوب، ويقوم الأخلاق، ويخدم العربية، وما أشرف ذلك مقصدا وأعظمه نفعا! 

ويتقاضانا الوفاء بمناسبة أول احتفال سنوي بعد وفاة الرئيس الفخري السابق رضي اللّه عنه أن نذكر مآثره الباقيات في خدمة القرآن الكريم: كان رحمه اللّه مسلما صادقا، وكان يحب القرآن حبا جما، وقد عنى في أكثر دروسه الدينية بالتفسير في أسلوب يلائم جلال كتاب اللّه، ويوطد أسباب فهمه لأذواق الأجيال الحاضرة، كما كان يصنع من قبل أستاذنا الإمام «الشيخ محمد عبده»، ووجه الأزهر إلى العناية بالدراسات العالمية لعلوم القرآن، وقد أنشأ معهد القراءات والتجويد، والمرجو أن يتابع الأزهر السير في هذه السبيل، فيقوي معهد القراءات ويكمله، وينشىء إلى جانبه دراسات عالية للحديث وعلومه، حتى يستوفي الأزهر جميع الوسائل التي تعده لأن يكون كعبة المسلمين في كل ما يتصل بالقرآن والحديث. . . وفي مجلة الأزهر دراسة عن الشيخ مصطفى عبد الرازق الشاعر 1
__________
1) عدد شعبان 1370.
__________
الأزهري يرد على إسماعيل باشا
=================
نشبت الحرب بين مصر والحبشة في عصر الخديو إسماعيل.. وعلى غير ما كان يتوقع الخديو توالت الهزائم على مصر وتواردت الأخبار كل يوم من ميادين المعارك تحمل إليه مزيدا من الأسى واليأس.. والخلاف الذي يدب بين قواده!!

وضاق صدر الخديو يوما بما يتلقاه من أنباء سيئة فاستدعى شريف باشا وركب معه محاولا أن يرفه عن نفسه.. 

وفجأة التفت الخديو إلى شريف باشا وقال له:
-ما ذا تصنع حينما تلم بك ملمة تريد أن تدفعها؟!

قال شريف باشا:
-يا أفندينا إن اللّه عودني إذا حاق بي شيء من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرأه لي علماء أطهار الأنفاس فيفرج اللّه عني!

انزاح الهم عن صدر الخديو واتسعت الابتسامة على وجهه.. فإذا كان الأمر كما يقول شريف باشا فبمقدوره أن يحول الهزائم إلى انتصارت دون أن يكلف خزانته شيئا!!

الأزهر وقتئذ وطلب منه أن يجمع له جمعا من العلماء الصالحين ليقوموا بتلاوة البخاري إمام القبلة القديمة في الجامع الأزهر بنية دفع الهزيمة عن مصر!

نفذ الشيخ العروسي أمر الخديو وجلس جمع العلماء، المختارين بعناية. . أمام القبلة يتلون البخاري أناء الليل والنهار، ولكن دون جدوى. . فالهزائم لم تتوقف ساعة واحدة. . وأخبارها تتوالى دون انقطاع!!

واستبد الغضب بالخديو فصحب شريف باشا إلى العلماء. . وقال لهم.
- إما أن هذا الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح فإن اللّه لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئا؟!

وجم العلماء ولم يجد أحدهم جوابا. . ووسط الصمت الرهيب الذي ساد المكان ارتفع صوت شيخ من آخر الصف موجها حديثه للخديو:
-منك يا إسماعيل. . فإنا روينا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللّه عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم»!

ركب الفزع وجوه المشايخ لهذه الجرأة من صاحبهم وتوقعوا عقابا صارما يشملهم جميعا. . إلا أن الخديو لم ينبس بكلمة وسارع بالانصراف هو وشريف باشا!

التف العلماء حول صاحبهم وأخذوا في تأنيبه ولومه. . وبينما هم كذلك أقبل شريف باشا يسأل عن الشيخ الذي رد على الخديو. . ثم صحبه معه وزملاؤه يودعونه وداع الذاهب إلى حتفه..

دخل شريف باشا ومعه الشيخ على الخديو في قصره فطلب من الشيخ أن يجلس على كرسي بجواره وقال له: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر، فأعاد العالم قوله وشرح للخديو حديث الرسول الكريم. .

فقال الخديو:
-و ما ذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟

قال الشيخ:
-يا أفنديا أليست المحاكم المختلطة قد فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الفجور برخصة، أليس الخمر مباحة. .

وأخذ يعدد للخديو أنواع المنكرات التي تجري دون أن ينكرها أحد. . ثم قال: فكيف تنتظر النصر من السماء؟!

قال الخديو:
-وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب وهذه مدينتهم؟!

-إذن فما ذنب البخاري وما حيلة العلماء؟!

قال الشيخ:
سكت الخديو وأطرق طويلا. . ثم قال له:
-صدقت. . صدقت. . عاد الشيخ إلى زملائه بعد أن يئسوا من لقائه في الدنيا، وقد رتب له الخديو مبلغا كبيرا يتقاضاه كل شهر!!!
وانتهت قصة الشيخ الذي حقق قول رسول اللّه: «لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه». .
أما التاريخ فلم ينته. . إنه ماض في طريقه يضع بصمته على مصير الشعوب!!




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 17/04/17, 10:37 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:27 pm

مفتي. . قبرص!
=========
عاش طالبا في الأزهر منذ سنوات وعاد هذا الشهر إلى القاهرة يحمل لقب مفتي قبرص.. خامس مفتي للأتراك رشح لمنصبه بالانتخاب في الجزيرة الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط.. 


عاد يحمل لقب دكتور في الشريعة الإسلامية من جامعة أنقرة. . 
دكتور مصطفى رفعت مصطفى 43 سنة، أحد الوجوه التي اشترك لأول مرة في القاهرة في المؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.


«بدأ التاريخ الإسلامي في قبرص أيام الخليفة عثمان بن عفان عند ما أرسل معاوية إلى الشام في حملة استولت على جزيرة قبرص عام 28 ه‍.


وكانت الحملة تضم السيدة أم حرم بنت ملحان خالة النبي في الرضاعة والتي كان النبي يجلها كثيرا ويعتبرها كأمه وكممرضة أولى في الإسلام كما جاء في الحديث النبوي الشريف وعند ما تقدم الجيش الإسلامي الذي فتح الجزيرة من سواحلها الجنوبية سقطت بنت ملحان من فوق فرسها وماتت على الفور ودفنت في المكان الذي توفيت فيه وأصبح ضريحها هذا منذ ذلك التاريخ البعيد مكانا مقدسا يحج إليه المسلمين ويتبركون به.


ثم جلب معاوية إلى الجزيرة 12 ألفا من في الجزيرة وبعد الأمويين جاء العباسيون والفاطميون والأيوبيون إلى أن جاءت دولة المماليك حيث فتحوا الجزيرة وأسروا ملكها وأخذوه معهم إلى مصر وبعد مدة أعادوه ملكا على الجزيرة عند ما تأكدوا من إخلاصه لهم وأصبح كل الملوك الذين حكموا بعده تابعين لأوامر المماليك في مصر حتى عام 571 عند ما استولى العثمانيون على قبرص وبقيت تحت حكمهم وإدارتهم أكثر من ثلاثة قرون».


وجميع الأتراك مسلمون في الجزيرة على مذهب السنية ويقيمون جميع شعائر الإسلام بل أن ركعات صلاتهم كثيرة فهي تضم الفروض والسنن المؤكدة والسنن غير المؤكدة فمثلا ركعات صلاة الجمعة 16 ركعة.


وأسماؤهم محمد وأحمد وإبراهيم ومصطفى وعائشة وأم كلثوم وفاطمة.


أكبر التزامات الأسرة التي تنجب أنثى أن تدخر من أجلها الكثير لتقدم بها عقد زواجها منزلا مستقلا وعربة لتنقلاتها مع زوجها. . 
والطفل يبدأ صلاته في سن الخامسة وصيام رمضان في السابعة. . المرأة غير محجبة لكنها لا تذهب إلى الجامع بل تصلي في بيتها. . صلواتهم ودعاؤهم باللغة العربية الفصحى وتحيتهم «السلام عليكم».


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:44 pm

مسيرة الألف عام
مجلة الاذاعة المصريّة 25/ 11 / 1972
========================
كل مسيرة تبدأ بخطوة.. كذلك بدأت رحلة الألف عام من 14 رمضان سنة 359 هجرية.. عند ما بدأ القائد جوهر الصقلي -بعد التمكين للفاطميين في مصر- من بناء الجامع الأزهر..
وهذه الألف سنة، ليست عمر المآذن والصحن والقباب فحسب، ولكنها عمر مصر أيضا، بكل ما تمثله من ريادة في مختلف نواحي الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية، وكمركز إشعاع يفيض بنوره الذي يصل إلى أركان الدنيا.


فقد امتزج تاريخ الأزهر امتزاجا عضويا بتاريخ «الشعب المصري» على توالي الحقب والقرون، بحيث يصعب الفصل بينهما. .


وشمخ الأزهر طوال حياته المديدة والعامرة. . بوصفه أقدم وأعظم جامعة في دنيا الإسلام، وكان أعتي المتاريس التي تصدت لكل احتلال طمع في مصر، ومعقلا من أهم معاقل القومية العربية، ثم ها هو يستجيب لدواعي التطور وأسبابه فيصبح جامعة عصرية. . تضم جنباته مختلف الكليات العلمية، وتستوعب مدرجاته طلابا من 65 دولة إسلامية. .


ولم يكن دور الأزهر، مقصورا منذ البداية، على إقامة الشعائر فقط، بل كجامعة إسلامية. . حملت لواء الفكر الإسلامي والإنساني، ومشعلا من المشاعل التي أضاءت للبشرية طريقها على امتداد القرون، ولمع في صحنه وأروقته. . كثير من الأسماء الخالدة. . التي أعطت وألهمت وغذت مسيرة الإسلام. . 


مثل «ابن الفارض». . و «ابن خلكان» و «البوصيري»، و «ابن دقمان» المؤرخ المصري، و «المقريزي» صاحب الخطط و «السيوفي» وله 500 مؤلف من بينها تاريخ الخلفاء، و «ابن إياس» المؤرخ المصري وتألق بجانب هؤلاء. . مفكرون جاءوا إلى مصر ليتلقوا العلم في الأزهر. . . مثل «ابن خلدون». . و «ابن بطوطة». . و «الجبرتي».


ولا شك أن الفكر المصري والإسلامي. . يدين بالكثير للأزهر. .
الذي تخرج فيه «ابن الهيثم» العالم الذي يشيد بفضله الأوروبيون خصوصا في الطبيعة وطب العيون. 


و «الشعراني» إمام المتصوفة في مصر، ومؤرخ!. . . «رفاعة الطهطاوي» مؤسس الفكر المصري الحديث. .


خصوصا في الترجمة والصحافة. و «الشيخ محمد عبده» و «عبد الله النديم» و «أحمد عرابي» زعيم الثورة العرابية. . و «سعد زغلول» قائد ثورة 1919. و «الدكتور طه حسين». . عميد الأدب العربي. . . و. . و. .


وفي رسالة الدكتوراه عن دور الأزهر في الحياة المصرية
أثناء الحملة الفرنسية التي كتبها د. مصطفى رمضان أبرز الباحث حركة علماء الأزهر قبل الحملة في مجالين: المعارضة الدستورية في الديوان العثماني، مما يدل على أن علماء الأزهر شاركوا في قضايا المجتمع، وقيادة علماء الأزهر للحركات الشعبية الثورية ضد الحكام الظالمين من العثمانيين والمماليك، وبذلك نظموا كفاح الشعب المصري قبل مجيء الحملة الفرنسية.


وأبرزت الرسالة شخصية الأزهر أثناء الحملة الفرنسية، وبروز الزعامة الشعبية في مجال الدفاع الداخلي، واستشهاد عدد كبير من زعماء الأزهر: وقد دبرت خطة لاغتيال كليبر قائد الحملة الفرنسية وكان المنفذ سليمان الحلبي، وهو من أبناء حلب بالشام.


وتتضمن الرسالة عدة نقاط أهمها:
إبراز دور الأزهر بعد الحملة الفرنسية حيث عاشت مصر في ظل عهد من الفوضى السياسية والاجتماعية وتعددت مراكز القوى في البلاد وحمل الأزهر لواء المعارضة وإظهار الكيان المصري مهما كان الثمن:


حارب الأزهر الابتزاز التركي للشعب.


- عارض علماء الأزهر سياسة الممالك في استغلال الشعب، وتزعموا حركة لطردهم من القاهرة سنة 1804.


-عند ما جاء «خورشيد» إلى الحكم، يدفعه جشع شديد لابتزاز الأموال، نظم الأزهر حركة ثورية بقيادة «عمر مكرم»، وحاصرت خورشيد بالقلعة 1805، وأجبرته على التخلي عن الحكم، وعينت «محمد علي» واليا على مصر، متوسمة فيه الحرص على مطالب الشعب. . 


ولكن «محمد علي» خان مبادىء الشعب وزعماءه، ولعب دورا في تصفية الزعامة الشعبية، بعد أن استفاد بها في المجالات الآتية: جمع الضرائب وخداع المماليك وعدم السماح لهم بدخول القاهرة.


مقاومة الحملة الانجليزية بقيادة فريزر عام 1807.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:46 pm

حوار بين العلماء والوالي
==============
في عام 189 جاء إلى مصر وال تركي جديد هو «أحمد باشا» المعروف بكور وزيرا وكان الوزير كما يقول الجبرتي من «أرباب الفضائل وله رغبة في العلوم الرياضية. . . 


وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت وهم الشيخ عبد الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ سالم النفراوي والشيخ سليمان المنصوري، فتكلم معهم وناقشهم وباحثهم ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا وقالوا: لا نعرف هذه العلوم فتعجب وسكت».


ويواصل الجبرتي رواية هذه الحادثة الهامة الطريفة معا «في الجزء الأول من عجائب الآثار ص 194، وقد نقل الدكتور حسين فوزي النجار هذه الفقرة عن الجبرتي في كتابه عن رفاعة الطهطاوي ص 9». . 


يقول الجبرتي:
إن الشيخ الشبراوي دخل على الباشا في يوم جمعة يحادثه كعادته فقال له الباشا: المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال له الشيخ هي يا  كما سمعتم معدن العلوم والمعارف: فقال وأين هي وأنتم أعظم سألتكم عن مطلوبي من العلوم فلم أجد عندكم منها شيئا، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل ونبذتم المقاصد.


فقال له: نحن لسنا أعظم علمائها وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفراض والمواريث كعلم الحساب والغيار فقال له: وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية بل هو من شروط صحة العبادة كالعلم بدخول الوقت واستقبال القبلة وأوقات الصوم والأهلة وغير ذلك.


فقال: نعم معرفة ذلك من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل. 


والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ذلك غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك، فقال: وأين البعض، فقال: موجودون في بيوتهم يسعى إليهم، ثم أخبره عن الشيخ الوالد «يقصد أباه الشيخ حسن الجبرتي» وعرفه عنه وأطنب في ذكره، فقال التمس منكم إرساله عندي، فقال يا مولانا إنه عظيم القدر وليس هو تحت أمري فقال: وكيف الطريق إلى حضوره؟ 


قال: تكتبون له ارسالية مع بعض خواصكم فلا يسعه الامتناع ففعل ذلك، وطلع إليه ولبى دعوته وسر برؤياه واغتبط به كثيرا وكان يتردد عليه يومين في الجمعة وهما السبت والأربعاء، وأدرك منه مأموله وواصله بالبر والإكرام الزائد».


ثم يقول الجبرتي بعد ذلك «و كان المرحوم الشيخ الشبراوي كلما تلاقى مع المرحوم الوالد يقول له: سترك اللّه كما سترتنا عند هذا الباشا فإنه لو لا وجودك كنا جميعا عنده حمير».


هذه هي القصة الواقعية التي يرويها الجبرتي عن مصر في منتصف باجتهاده الخاص أن يتعلم بعض أصول الرياضيات، أما بقية علماء مصر فلم يكونوا يعرفون أكثر من العلوم التي تدور حول اللغة والدين مثل الفقه والنحو وما إلى ذلك.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   10/02/17, 10:48 pm

الأزهر أكسفورد الشرق 1
==============
تذكرت الأزهر. . وأنا أطوف في أرجاء «أوكسفورد». . صور الأساقفة ذكرتني بشيوخ الأزهر الذين عاصروا الحملة الفرنسية، وسجنتهم الثورة الفرنسية في القلعة، وانتهز فنان الجيش المناسبة، فخلدهم في لوحات، قبيل إعدامهم أو جلدهم أو تغريمهم.


المدينة حول الجامعة، يعيش فيها الطلاب والأساتذة، ذكرتني بجو الأزهر في عصور سالفة. . يوم كان قلب القاهرة النابض يعيش فيه العلماء في منازل مستقلة، طابقها الأسفل مفتوح باستمرار للضيوف من العلماء أو الطلبة (المجاورين) يتجادلون ويتبادلون المعرفة والأحاجي. .


القاعات والخزائن والردهات، وبقايا مساكن الطلبة في القرون الماضية كلها منقولة عن أروقة الأزهر. .


«فأوكسفورد» التي قامت بعد الأزهر بقرنين. . إنما أنشئت على نظام الأزهر ووفق تقاليده، بل وبكتب مترجمة عن مؤلفات علماء الأزهر، بعد أن عاد الصليبيون من الشرق، وقد تعلموا عادتين: الاستحمام والعلم. . .


وحملوا أول ورقة كتابة إلى أوروبا من إنتاج مصانع الورق العربية!.
__________
1) جريدة النهضة الكويتية - عام 1973.
__________
فلم تكن «أوكسفورد» في البداية، إلا مكانا يلتقي فيه بعض العارفين، ببعض الراغبين في المعرفة ثم تطورت إلى جامعة لعلوم اللاهوت، تنقسم إلى أروقة لكل رواق «ماستر» أو «شيخ الرواق»، كما كان الحال في الأزهر، ويسكن فيها الطلبة الذين كان سنهم لا يزيد على 13 سنة عند الالتحاق. . وقد استمر نظام الأروقة حتى القرن الخامس عشر. .


ولكن الكليات كانت قد ظهرت منذ أواسط القرن ال‍ 13 بينما استمر نظام الأروقة في الأزهر إلى القرن العشرين.


وكان لكل رواق شيخ. . يضم الرواق أبناء جهة واحدة، فهناك رواق للمغاربة ورواق للشوام، وآخر للصعايدة. . وكان لكل رواق جراية (أي راتب) خاصة، يوقفها عليه الأمراء والأغنياء، ونفس النظام في «أوكسفورد». .


وكانت الجراية في الأزهر تدفع خبزا، وهي درجات: رغيفان للطالب المنتسب، والذي يتحقق انتسابه بحصوله على خزانة يضع فيها كتبه، وانتسابه إلى رواق ينام فيه، وجراية «أوتوزبير» (اسم مملوك) وهي أربعة أرغفة لا تعطى إلا لمن يجتاز امتحانا خاصا. . 


وجراية زينب هانم خمسة وعشرون رغيفا. . وتعطى للعلماء. . 


وكانت هناك جرايات نقدية بعضها يصل إلى ثلاثمائة جنيه في السنة، وأبطل الجراية الشيخ المراغي. .


وهذه الوقفيات، مكنت الأساتذة من التفرغ للعلم، والعيش مع الطلبة. . وكانت الدراسة حرة على أحدث النظم الجامعية الحالية، أو بمعنى أصح، كما نقلت النظم الجامعية المعاصرة عن الأزهر. .


فالأستاذ ذو الكرسي. . أو بتعبير العصر القديم: «من له عامود في الأزهر» هو الذي امتحنته لجنة من العلماء. . وأجازت له حق التدريس، ويتم الامتحان علنا أمام جمهور من الطلبة، وعلى يد لجنة من شيوخه. .


المسجد وبدأ في تلاوة درسه، وينضم لحلقته من يشاء من الطلبة الذين يحضرون ما يحلو لهم من دروس بلا تقييد. . ويتقدمون للامتحانات متى وجدوا في أنفسهم استعدادا. . وكانت تدرس في الأزهر شتى العلوم من الفقه إلى ضرب العود والكمان كما كان يفعل الشيخ العطار في مطلع القرن التاسع عشر. .


أبراج الكنائس التي يعتليها طلبة «أوكسفورد» في شهر مايو (أيار) من كل عام يتلون من فوقها صلاة لاتينية تمجد الثالوث المقدس. . ذكرتني بمآذن الأزهر التي كان يعتليها المجاورون (الطلبة) يتلون الابتهالات والمدائح النبوية في أيام الرضا. . 


ويكبرون في غير أوقات الصلاة، إذا ما نشب خلاف بين الأزهر وسلطات المدينة، أو قاد الأزهر ثورة الأهالي ضد استبداد السلطة. . تماما كمعارك طلاب «أوكسفورد» و «كمبريدج» مع سلطات المدينة منذ سبعة قرون. . لقد نشأت أوكسفورد في القرن الثاني عشر. . بينما وضع حجر الأساس في بناء الأزهر في نيسان (ابريل) 970 وتم بناؤه في حزيران (يونيو) 972، أي أنه أكمل ألف عام. . شهد فيها الفصل الدرامي من تاريخ حضارتنا. . تألقها. . فجمودها. . ثم انهيارها. .


ولا شك أن كل الذين قارنوا بين تاريخ الأزهر، و «أوكسفورد»، وعرفوا كيف قامت جامعات أوروبا الحديثة على غرار الأزهر ووفق نظمه، بل وبالمعرفة التي نقلتها أوروبا عن الأزهر.


يدركون أن أقدم كتاب في جامعة «أوكسفورد» مكتوب سنة 1379. .


وعند ما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر -وهي أكبر فصل في تاريخ الأزهر كمؤسسة قيادية- كان أحدث الكتب التي تدرس فيه قد كتبت حول هذا التاريخ!. . 


فالأزهر كان ذروة تألق حضارة بدأت رحلة الانهيار. . أما «أوكسفورد»، فكانت بداية حضارة جديدة في طريق النمو والازدهار. .


فنمت الجامعات مع المجتمع النامي من حولها.


عند ما بني الأزهر كانت الحضارة العربية قد امتلكت كل أسس المعرفة اللازمة لانطلاق الثورة الصناعية، لو لا أن هب على العالم الإسلامي اعصاران. . الحروب الصليبية، ثم الخراب المغولي. . فتحول المجتمع المدني المتحضر، إلى مجتمع عسكري خشن. . وتراجع العلماء ليحكم العسكر. . وحشدت موارد البلاد واستنزفت في القتال. . وأحرقت المدن والمزارع وكل آثار الحضارة على يد الفاتح المتقدم، أو المنهزم المنسحب..


وانتقلت شعلة الحضارة من الشرق المغزو، إلى الغرب الغازي وهناك افرخت ونمت، وتطورت إلى الحضارة الحديثة. .


وكان الثمن فادحا:
تخلفت مسيرة الحضارة العالمية، حوالي خمسة قرون، قضتها أوروبا في النقل الحذر المستريب للعلوم الإسلامية مع حصر المعرفة بها في دوائر خاصة. . ثم التوسع في الترجمة والدرس والفهم والتمثل وأخيرا التطور. . ولو استمرت شعلة الحضارة في النمو على شواطئنا، لما كانت هناك هذه الفجوة. .


كذلك اقترن النمو الحضاري الجديد بالاستعمار، ولو مضت حضارتنا في نموها لما كانت البشرية قد عرفت الاستعمار، ولا كان التخلف قد فرض على ثلاثة أرباع شعوب العالم، من أجل تقدم ورفاهية الربع. .


فحضارتنا لم تعرف الاستعمار، بل قامت مراكز المدنية والرفاهية في كل البلدان، وعلى قدم المساواة، ووفق إمكانات كل بلد، ولعل أقلها ألف عام. . بدايتها الأزهر. . الجامع الجامعة، والأصل في المسجد أنه جامعة. . ومن المسجد وفي المسجد ظهر ونبغ كل العلماء، ودرست كل العلوم. .


وإن كان الجيل المعاصر، يحفظ أسماء طلاب أوكسفورد وكمبريدج عن ظهر-قلب من اسحق نيوتن إلى سبنسر، وجون ميلتون. . فليسمحوا لنا في الذكرى الألفية للأزهر أن نقدم لهم أحد العلماء الذين درسوا فيه سنة (1038). . تعرفنا به كاتبة ألمانية هي الدكتورة «سيجريد هونكة» فتقول: «إن الحسن بن الهيثم توصل إلى نظرية في علم الضوء خاصة بالأشعة وانكسارها كانت نقطة تحول في أبحاث الطبيعة وبخاصة علم الضوء. . 


وهو الذي أثر في أوروبا تأثيرا بعيدا وعرفته باسم «الهزن» وكان أشهر الأساتذة العرب الذين أخذوا بيدها في هذا المضمار من البحوث. فقد وضع نظرية حول حركة الأفلاك. . وقد ظلت هذه النظرية تدرس بغير تعديل في أوروبا أربعة قرون، فوجدت مائدة في ألمانيا محفورة سنة 1428 عليها نظرية «الحسن» في حركة الأفلاك».


«و قد نقد الحسن سنة 1038 نظرية اقليدس وبطلميوس في علم الضوء، فقال: إن الأجسام المرئية هي التي يصدر منها شعاع الضوء فتراه العين وليس العكس». «و كانت هذه النظرية قفزة في علم الضوء. 


وهو مؤسس العلم التجريبي وليس روجيه بيكون أو باكوفون فرولام أو ليوناردو دهفينشي أو جاليليو. . وأصبح اسم الحسن بن الهيثم هو النجم الذي أضاء الطريق ومهد لقيام الأبحاث الحديثة بعد أن سبق أوروبا إليها». . . وهو الذي فسر خسوف الشمس والقمر، واكتشف أن القمر جسم مظلم بعكس النجوم، وهو أول من اخترع صندوقا للضوء يشبه آلة التصوير، وهو أول إنسان رأى صورة العالم مقلوبا من خلال مرور الصورة في جهازه العجيب. . وهو الذي فسر ارتفاع الطبقة الهوائية المحيطة بالكرة الأرضية. «و الجدير بالذكر أنه توصل إلى تحديدها بدقة، وعرف أنها خمسة عشر كيلومترا». .


«و فسر قوس قزح الذي عجز أرسطو عن تفسيره، واخترع أول نظارة للقراءة. . وحتى يومنا هذا تعرف في جامعات أوروبا المسألة المعقدة المتصلة بالإلمام بالطبيعة والرياضة معا والتي حلها الحسن بن الهيثم بمعادلة من الدرجة الرابعة أظهرت نبوغه الرياضي في الجبر. . إذ حسب البعد البؤري لمرآة مقعرة. . تعرف هذه المسألة باسم «مسألة الهزن» (الحسن)».


وكتابه المتضمن لهذه النظريات لا وجود له بالعربية، بل بقت ترجمته اللاتينية. . ضاع الأصل العربي مع ضياع الحضارة، ونفي العالم العربي وكتابه: «كتاب المناظر» إلى أوروبا حيث ساهم في بناء العلم الحديث.


وإذا كانت جامعة «أوكسفورد» قد بدأت مكتبتها بكتابين لا زالا مربوطين بالسلال إلى الآن كما كان وضعهما في القرن الثالث عشر. . فإن مكتبة الأزهر في القرن العاشر كان بها مليون وستمائة ألف كتاب. . ولكن الانهيار الحضاري جعل الخليفة يسدد مرتبات الجند والموظفين بالكتب. .


وكان «الفرنجة» يشترون هذه الكتب بالرطل، وينقلونها إلى كنائس وأديرة. . فجامعات أوروبا.


فالأزهر لم يبدأ بالفقه والنحو والعروض وحدهم كما يتصور البعض، بل كانت تدرس فيه كل علوم العصر، من علوم الدين والفلسفة والمنطق إلى الرياضيات والطب والهندسة والفلك. . واستمر الحال على ذلك رغم التدهور الحضاري. . ذلك أن الإسلام، بطبيعته، يحتم دراسة حد أدنى من العلوم التطبيقية، فنظام الميراث يحتم دراسة الحساب بل ويقود إلى الجبر وكذلك الزكاة، وضبط الكيل والميزان يفتح الباب لدراسة الأثقال والحجوم والروافع وخواص المواد التي تصنع منها. 


أوائل الشهور ودراسة حركة الشمس والظل لتحديد مواقيت الصلاة، وتحديد العدة، والقبلة. . كلها تحتم دراسة الفلك وتقسيم الزمن، وتفتح الباب لدراسات عن الجغرافيا والهندسة والطب، وقادت إلى اكتشاف البوصلة.


وقد تمركزت الزعامة الشعبية في العلماء، وكان الأزهر هو مركز القيادة الشعبية، وحلقة الوصل بين السلطة والعامة، وقائد مقاومة الجماهير ضد استبداد السلطة وانحرافها. . وقد سلمت السلطة بهذه المكانة لشيوخ الأزهر، والتفت الجماهير حول الشيوخ. . الذين قادوها في أكثر من معركة سجل منها تاريخ القرن الثامن عشر معارك تتعلق باستقلال الجامعة الأزهرية، فعند ما حاول السلطان والأمراء تعيين شيخ للأزهر من المذهب الحنفي، وهو المذهب الرسمي للدولة، رفض الشيوخ، لأن ذلك اعتداء على استقلال الأزهر، والعرف المقرر فيه أن يكون شيخ الأزهر شافعيا. .


وفشلت كل جهود الدولة في حماية مرشحها ومذهبها الرسمي، وانتصرت إرادة المشايخ. . وإذا كان عمدة «أوكسفورد» قد أحرق كل وثائق الملكية الخاصة بعلماء وطلبة جامعة «أوكسفورد» عام 1381. . فإن علماء الأزهر في ذلك التاريخ كانوا يملكون بيع سلطان مصر في المزاد العلني (حادثة العز بن عبد السلام). . 


وبعد ذلك بأربعة قرون (1735) حاول السلطان العثماني أن يعيد تنظيم الأوضاع المالية، بما يشكل اعتداء على الحقوق المكتسبة لبعض الفئات، وليس المشايخ منهم. 


فاعترض المشايخ وألغوا قرار السلطان معلنين أنه «ليس من حق السلطان تجاوز التشريعات لقائمة». وكان ذلك قبل سقوط الباستيل بنصف قرن وقبل أن يفكر عقل في لقارة الأوروبية بتحدي سلطة الملوك الإلهية.


وأخيرا قاد المشايخ ثورة فلاحين لانتزاع أول دستور مكتوب. . 1794. . في الوقت نفسه الذي كان العامة في فرنسا يبحثون هل دم لأمراء أزرق؟).


فعند ما جاء نابليون بأول احتلال غربي للوطن العربي. . كان الأزهر هو القلعة التي اصطدم بها، بعد انهيار المؤسسة العسكرية (المماليك)، وقاد الأزهر المقاومة العربية ضد الاحتلال الفرنسي، فكانت ثورة القاهرة الأولى، التي قادتها لجنة من مشايخ الأزهر بقيادة الشيخ السادات استطاعت أن تشكل تنظيما دقيقا يمتد من صحن الأزهر إلى أصغر قرية في الريف المصري، وهو تنظيم عجز العالم العربي عن تكرار مثله لأكثر من قرن بعد تنحي الأزهر. . 


وعرف نابليون، ممثل الثورة الفرنسية، خصمه الحقيقي، فصب هجومه على الأزهر، وضرب المسجد. . الجامعة. . القيادة. .
التراث. . التاريخ. . وأهم من ذلك أنه كان إمكانية المستقبل. . ضرب ذلك كله بالمدافع، واحتله الجنود ودخلته الخيل لأول مرة في تاريخه. . معلنة هزيمة الحضارة التي يمثلها. .


وأصدر نابليون أمره بأن «يباد كل من في الجامع»، ودخلت الجند المسجد: «و هم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين، والكتبة. ونهبوا ما وجدوه من المتاع، والأواني والقصاع، والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ورشقوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهعم داسوها، وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب، وكسروا آوانيه، وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه أخرجوه».


وأعدم نابليون ثمانين شيخا من قيادة الثورة. .


صحيح أن عدوان نابليون على الأزهر، قضى على كل آماله في الشرق، ولكنه أيضا كشف للأمة العربية أنها عزلاء، لا تستطيع حماية قيادتها، ومقدساتها. .


وأصبحت القضية مطروحة على النحو التالي: 
من وجهة نظر الاستعمار الغربي. . لا بد أن تتحطم قيادة الأزهر لكي تخضع الأمة العربية للاستعمار.


ومن وجهة نظر الأمة العربية، لا بد من حركة بعث قادرة على مواجهة الغرب الاستعماري.


وأدرك الاستعمار أن تحطيم الأزهر بالمدافع لا يجدي. . فبعد ضربه واحتلاله في الثورة الأولى، عاد ونظم ثورة القاهرة الثانية (1800)، وهي الثورة الكبرى المعروفة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   11/02/17, 07:43 am

الأزهر وأثره في الحياة الإنسانية
=================
إن الأزهر الشريف 1 يرجع في قيامه إلى ألف سنة مضت. وقام ليؤدي رسالة ويحتفظ بتراث. أما الرسالة فهي تنوير المسلمين بمبادىء الإسلام. 


وأما التراث الذي يحتفظ به فهو تراث المسلمين العقلي والروحي والأدبي على السواء.


وظل يقوم بهذه الرسالة ويحتفظ بهذا التراث طوال هذه المدة الطويلة التي مضت على قيامه. 


وقد مرت به أحداث، وعاصر ظروفا وخرج من هذه وتلك دون أن يفقد هذه الرسالة، ودون أن يبدد هذا التراث.


فهو مدرسة وسجل للتاريخ معاً. 


ترى في بحوثه ودراساته آثار المسلمين الذهنية، وتسمع من خلال هذه الآثار مبادىء الإسلام كما ذكرنا.


ولأنه قام لمهمة مرتبطة بالبحوث الإسلامية كان لا يحتك به من الأحداث إلا تلك التي تتصل بكيان الأمة الإسلامية والشعوب العربية، وفي مقدمة هذه الشعوب شعب الاقليم المصري.
__________
1) د. محمد البهي - مجلة قافلة الزيت.
__________
والتحول الذي طرأ على التوجيه فيه من أنه كان مدرسة لتعاليم الفاطميين ثم تغير الوضع فيه إلى أن يكون التوجيه الذي يباشره يتصل بتوجيه أهل السنة - هذا التحول لا يغير من مهمته الأصلية وهي العناية بنشر مبادىء الإسلام والاحتفاظ بتراث المسلمين العقلي والروحي. 


ولذا فمحاولة وضع هوة في تاريخه بين عهدين له، وإبراز مراحل تطوره على أنه كان لاتجاه معين انقلب إلى ضده فيما بعد-لا تقلل من شأن رسالته في واقع الأمر من حيث أنها رسالة الأمة الإسلامية والشعب العربي.


والأزهر بما له من هذا الماضي الطويل وبما وضع لنفسه من رسالة احتل في العالم الإسلامي منزلة كبيرة وخالدة في الوقت نفسه. 


وأصبح مركز تنوير المسلمين بمبادىء دينهم وأصبح أمر الاحتفاظ بالتراث الثقافي والروحي والأدبي للمسلمين مرتبطا ارتباطا قويا بمهمة الأزهر وبما يباشره من وظيفة ورسالة.


وإذا كان قد مرت على الأزهر أحداث تأثر بها وهي الأحداث التي تتصل بالوطن الإسلامي أو العربي، وإذا كانت هذه الأحداث قد غيرت من اتجاهه وتحول بسببها من جانب إلى جانب، فإن الشيء الذي يمكن الوقوف عنده في تاريخه هو سير الحركة العلمية وتغير طريقة البحث والدرس فيه. 


فحركة التأليف العربي التي وجدت في آخر القرن الأول الهجري وازدهرت في القرنين التاليين له مالت رويدا رويدا إلى الضعف من جانب والركود من جانب آخر، وكان للأحداث الخارجية وهي أحداث المغول والتتار في الشرق وأحداث الصليبيين من الغرب أثر آخر بجانب ما لضعف حركة التأليف وركود النشاط فيه. 


وهذا الأثر سواء أ كان عن طريق الأحداث الخارجية أم طريق العوامل الداخلية والمحلية هو تقوية روح التبعية للخصومات المذهبية وللمؤلفين فيما كتبوا في العهود المتأخرة في تاريخ التأليف العربي.


إشعاعه وفي بحوثه ونشر تعاليمه على قسط كبير من كتب أولئك المؤلفين الذين تأخر بهم الزمن في تاريخ التأليف وتأثروا بموجة الضعف والركود الداخلية والخارجية. 


ولأن مهمة الأزهر تتصل بالدين، أخذ خصيصة التقاليد وهي عدم قبوله لمبدأ التطور لا في الدين نفسه ولكن فيما صنعه الإنسان المسلم المفكر حول الدين وفيما سطره من آراء يخرج بها بعض أفكاره. 


وهنا كان تقبل الأزهر للخروج عن نطاق هذه الكتب التي تمثل ظاهرة الضعف والركود الفكري في تاريخ التأليف العربي أمرا ليس هينا، وإن تقبل مبدأ التغير والانتقال من عهد إلى عهد في التعرف على مبادىء الإسلام وآراء المسلمين فإنه يتقبلها في احتياط وفي بطء.


ومن ثم كانت مسايرة الأزهر -لا أقول لمبدأ التطور، وإنما أقول لفكرة الانتقال من عهد إلى عهد في تاريخ التأليف العربي، أي الانتقال من عهد الضعف والركود مثلا إلى عهد القوة والأصالة في العصور السابقة على هذا العهد- مسايرة تجمد تارة وتبطىء في سيرها تارة أخرى.


ومن هنا كان لتوجيهه أثر على الشعوب الإسلامية ينعكس في هذا الأثر ما يتلزمه هو في دائرة التوجيه من الركون إلى آراء معينة أو الوقوف في استمداد التعاليم الإسلامية من بعض مصادر التأليف في الحقبة الأخيرة.


وبمقدار ما يتحرك الأزهر في دائرة التأليف العربي الإسلامي بمقدار ما يكون لتوجيهه من أثر إيجابي أو سلبي.


والحركات الإصلاحية التي قامت فيه والتي باشرها بعض شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ محمد عبده لم تقصد إلى الخروج عن دائرة التراث الثقافي والروحي للمسلمين كلية. 


وإنما قصدت إلى شيء واحد هو محاولة الانتقال -كي يفهم الإسلام فهما صحيحا-من عهد الركود إلى عهد الإمامة والأصالة في تاريخ التأليف العربي الإسلامي. 


إذ أن تأليف المتقدمين من علماء المسلمين كان أقرب إلى أصول الإسلام وإلى التعبير عما يهدف إليه القرآن مما كان للمؤلفين المتأخرين.


وهذا معناه أن يكون للعالم الأزهري فرصة في اختيار الرأي من بين آراء المسلمين. 


كما تكون له فرصة عرض بعض آراء المسلمين اعتمادا على القرآن الكريم والسنة الصحيحة. 


وأي الآراء من بينها أقرب إلى روح القرآن والسنة الصحيحة هو أقواها وضوحا في التعبير عن رأي الإسلام وأكثرها قبولا للمسلم في حياته اليومية.


والنتيجة الحتمية لهذه الحركة الإصلاحية هي وضع العلماء في مواجهة القرآن وضعا مباشرا دون وسيط يلتزم رأيه وينفذ حكمه على أداء القرآن لأحكام اللّه وللطريق العملي الذي يسلكه المسلم. وهنا يكون مبدأ التوجيهات حقيقة واقعية يمارسها القادرون في فهم القرآن أو تحت ضوء القرآن وضوء السنة الصحيحة.


وبمقدار ما تعبر التعاليم التي يرسلها الأزهر إلى خارجه في نطاق الشعوب العربية والإسلامية بمقدار ما تتحقق روح الإسلام في حياة المسلمين. 


وروح الإسلام هي روح الإنسانية الصافية في معاملة المسلم للمسلم ومعاملة المسلم لغير المسلم من أهل الكتاب ومعاملة المسلم لمن ليس بذي دين أو لمنكر الدين والإيمان.


ومعاملة المسلم للمسلم -كما تملي روح الإسلام- هي معاملة الأخ للأخ والصديق للصديق ومعاملة الإنسان للإنسان في دائرة دفع الأذى والضرر وتحقيق السلم والرخاء العام. 


ومعاملة المسلم لغير المسلم ممن ليس بذي دين أو لمنكر الدين هي معاملة الإنسان لمن يتحدى خصائص الإنسانية ويتحدى علاقة السلم وتبادل النفع والرخاء بين الناس جميعا. 


إذ الذي ينكر الدين والإيمان باللّه ينكر على البشر أن يسلكوا طريق الحق، وسبيل الاستقامة وسبيل الإنسانية مذعنين لتوجيه القادر العليم مدبر الكون كله.


ينكر على البشر أن يطيعوا اللّه خشية منه، ويحرضهم في الوقت نفسه سمو الإنسان عن خالقه، أو بدعوى الاستجابة لوحي الطبيعة وما تمليه من توجيه وما ترسمه من قدر ومصير.


والإنسان مهما سما في تفكيره وإدراكه لا يصل إلى تحديد المنهج المستقيم تحديدا واضحا لا خلط فيه، أو تحديدا مستمرا صالحا لجماعة معينة فضلا عن أن يكون صالحا لجماعات وشعوب كثيرة. 


والطبيعة أن ترك الإنسان نفسه يطيع ما ترسمه من توجيه فإنها ستجعله يطيع دوما ما تمليه مظاهر الحس المختلفة وعندئذ يكون شأن الإنسان شأن الحيوان في تبعيته لما يحس وعدم ارتفاعه عن هذا الذي يحس للسيطرة عليه وتوجيهه.


ومن هنا كان أثر الأزهر الديني في توجيه المسلمين أثرا إيجابيا في علاقة المسلم بالمسلم، وفي علاقة المسلم بأهل الكتاب، وفي موقف المسلم من الالحاد والتحدي بإنكار الإيمان، ما يعبر في تعاليمه التي، ينشرها عن الإسلام في صفاء آرائه ووضوح هدفه.


أما الأثر الأدبي للأزهر ورسالته فهو خدمة الإنسانية وخدمة المستوى الفاضل لها. 


فالإسلام إذا سار المسلمون على مبادئه يكون من الدعائم القوية في تركيز خصائص الإنسانية في نفوس البشرية. 


فهو رسالة كرسالة اللّه فيما أوحاه إلى موسى وإلى عيسى عليهما السلام تساوق الطبيعة الإنسانية في أخص صفاتها ومقوماتها. 


وأخص هذه الصفات والمقومات التي تدعو إليها الرسالة الإلهية هي: المحبة، الأخوة، السلام. 


ولا شك أن هذه الغايات لا تتحق إلا إذا ارتفع الإنسان عن مستوى الخصومة ومستوى الحقد والضغينة بسبب التهالك على المادة أو بسبب الانطواء تحت مظاهر الحس التي يدعو إليها الالحاد، ويدعو إليها التحدي للإيمان.


والدين الإلهي لذلك ضرورة لضمان تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في حياة الإنسان. 


وإذا ما تحققت هذه الأهداف في حياة الإنسان أصبحت البشرية في أوضح مظاهرها حقيقة عملية، وبالتالي أصبح الشر أو الشقاء لا يكمن إلا في الخصومة وفي القلق والاضطراب والحيرة.


وليس من أسباب الخصومة والقلق والاضطراب والحيرة سوى تنافس الناس على ما في أيدي بعضهم بعضا، وهنا كان الطمع والجشع أمرا مكروها لذلك في كل رسالة إلهية. 


وكان البر والإحسان أمرا مطلوبا في كل رسالة إلهية.


إن رسالة الأزهر في تمكين السلام العالمي واستقرار النفوس البشرية وتوكيد الترابط الأخوي والإنساني ودفع شرور الالحاد وتحدي الإيمان باللّه، وهو لذلك ضرورة في حياة مجموعة الشعوب العربية والإسلامية كضرورة الدين نفسه في حياة الإنسانية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   11/02/17, 07:48 am

قرارات لمؤتمر البحوث الإسلاميّة
=================
في الدورة الثانية لمؤتمر مجمع البحوث الإسلامية الذي عقد بالأزهر واستمر شهراً كاملاً.. كانت هذه الدورة مقصورة على أعضاء المجمع في المؤتمر الذين عهد إليهم بدراسة صورة المجتمع الإسلامي. 


وانتهت الدراسات إلى حصر المشكلات التي تواجه المجتمع الإسلامي المعاصر تحت أربعة عناصر رئيسية هي: مقاومة العدو المشترك للإسلام والمسلمين.


وتجريد الإسلام مما علق به من الفضول والشوائب.


وتنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين على أساس إسلامي سليم والعمل على توحيد كلمة المسلمين ومحو أسباب التقاطع بينهم وإزالة أسباب الخلافات المذهبية.


وقد اتخذ المؤتمر أربعة قرارات هامة تدور حول هذه العناصر، وهي:
أولا: 
يقرر المؤتمر أن الاستعمار -سواء في البلاد التي لم تزل ترزح تحت نيره أو في البلاد التي جلى عنها مخلفا آثاره- هو الخطر الأول الذي يجب على المسلمين أفراداً وجماعات ودولاً أن يجاهدوه المستمرة حتى يتم تحرير المسلم قلباً وضميراً ووطناً ومعرفة، وأن كل تقصير في ذلك هو عصيان للّه -تعالى- وإثم كبير لأنه يقوي يد العدو على إنزال الأذى بالمسلمين.


وإن الصهيونية التي يحاول الاستعمار بعد أن تحطمت أسبابه الظاهرة أن يغلف بها أهدافه تحت ستار جديد، هي داء استعماري خبيث يستهدف به الاستعمار أن يتمكن بآثاره في حياة المسلمين لاستمرار سيطرته عليهم، ومن ثم كانت مجاهدتها فرضا كذلك على كل مسلم حيثما كان.. وكل تخلف عن ذلك عصيان للّه..


ثانيا: 
يقرر المؤتمر أن الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان للأحكام الشرعية، وأن الاجتهاد لاستنباط الأحكام منهما حق لكل من استكمل شروط الاجتهاد المقررة، كما أن السبيل لمراعاة المصالح ومواجهة الحوادث المتجددة هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك، فإن لم يكن في أحكامها ما يفي به فالاجتهاد الجماعي المذهبي، فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق.


ثالثا: 
أن موضوع الزكاة والموارد المالية في الإسلام وطرق الاستثمار وعلاقتها بالأفراد والمجتمعات وحقوق الملكية الخاصة والعامة، هي موضوعات الساعة لأنها ملتقى شعبتين من شعب الشريعة الإسلامية وهما العبادة والسلوك الاجتماعي.


ومن أجل ذلك يقرر المؤتمر أن تكون هذه الموضوعات محور نشاط المجمع في دورته المقبلة.


ويقرر المؤتمر، بعد الدراسة المستفيضة لموضوع الملكية، أن حق التملك والملكية الخاصة من الحقوق التي قررها الإسلام وكفل حمايتها..


وأن من حق أولياء الأمر في كل بلد ان يحدوا من حرية التملك بالقدر المشبوهة يجب أن ترد إلى ذويها أو إلى الدولة.. بل أن المال الطيب، إذا احتاجت المصلحة العامة إلى شيء منه، أخذ من صاحبه نظير قيمته يوم أخذه وأن تقدير المصلحة من حق أولياء الأمور..


رابعا: 
يقرر المؤتمر أن واقع المجتمع الإسلامي المعاصر يفرض على مجمع البحوث الإسلامية أن يلتمس الوسائل لتوثيق الصلة بين المسلمين في شتى بلادهم ليجمعهم كلمة ويوحدهم رئيساً وينظمهم للتعاون أفراداً وجماعات على ما فيه خيرهم وخير الإنسانية من غير إقليمية ولا مذهبية ولا تنازع.


كما يقرر أن استكمال المجمع لأجهزته اللازمة لنشر المبادىء الإسلامية وتجليتها أمر ضروري تجب المبادرة إليه لينهض المجتمع الإسلامي بمسئولياته التي يفرضها عليه واقعه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   11/02/17, 07:54 am

قصّة الأزهر الجامعي بعد عشرين عاماً 1
=====================
الأزهر القديم حافل بالذكريات المجيدة الخالدة المشهورة، التي فصل الحديث فيها المؤرخون والباحثون.


أما «أزهرنا» اليوم فلا حول ولا قوة إلا باللّه، فليس فيه من الأزهر القديم شبه، وليس بينه وبينه صلة، وهو حائر الرأي، متبعثر الخطى، كأنما يريد أن ينقض إشفاقاً على حملة تراثه، من جسامة المسئولية، وفداحة التبعة، وهول الحساب.. 


وأما «أزهرنا» في الغد، فأتخيله منارة مشرقة، وجامعة تعود إلى فهم رسالتها، وإلى أدائها، وإلى الجهاد مرة أخرى من أجل الإسلام والمسلمين وتقدم النهضة الفكرية، ومن أجل ازدهار حركة الأحياء والتجديد والإصلاح الديني.. 


وسيكون الفضل في ذلك راجعا إلى يقظة الرأي العام في الأزهر بعد سبات، وإلى انتباه الشباب فيه بعد غفلة، وإلى حرص الأمة والمسئولين على إصلاح الأزهر وتجديد معالم النهضة الدينية والعلمية في أروقته ومحاربيه.


سيكون الأزهر بعد عشرين عاماً جامعةً هيكلاً وروحاً ورسالةً، بعد أن كان في القديم جامعة بهيكله، وبعد أن كان في عصرنا الراهن جامعة اسماً فحسب. 
__________
1) ص 155 قصص من التاريخ للمؤلف.
__________
وستؤدي هذه الجامعة الأمانة العلمية والدينية الملقاة على كاهلها على خير الوجوه وأجلها، وستعود حلقات الدرس في الأزهر إلى نشاطها العلمي من جديد، منقحة ومحققة ومجددة مبتدعة، وسيحفل الأزهر آنذاك بعديد الأعلام من بنيه، الذين سيكونون خير سند لنهضته الفكرية والروحية.


وستمتلىء نفوس الأزهريين بعد عشرين عاماً بالعزة والكرامة، فلا تجد فيهم ضعيف الرأي، أو منافق اللسان، أو هدَّاماً يستر عيوبه بالحقد على الناس، أو أنانياً يسعى لنفسه ولو كان في ذلك الهلاك للجماعة..


وستقوى صلة الأزهر بالأمة، فتنزله منها منزلة الرائد الأمين، ويحلها من نفسه مكانة عزيزة بالتوجيه والإيثار والنصح، والدعوة إلى المثل العليا الكريمة التي يدعو إليها الإسلام الكريم.


أما مناهج الأزهر وكتبه وكنوزه القديمة فسينالها ثورة العصر الجديد، فتعود كنوزنا العلمية إلى التأثير في العقل العربي الحديث تأثيرا قويا نافعا، وتصبح مناهج الأزهر وكتبه ونظمه محققة لرسالته الجامعية الصحيحة..


وسيكون منصب «شيخ الأزهر» بالانتخاب من حملة الدكتوراه أو ما يعادلها من الأزهر، وسيعود لمنصب المشيخة سالف مجده وعظمته وهيمنته الروحية الكبيرة على العالم الإسلامي كافة، وستنال جماعة كبار العلماء ولجنة الإفتاء ومجلة الأزهر ومكتبته وأروقته ومعاهده وكلياته وبعوثه الإسلامية نصيبها من الإحياء والبعث والتجديد، وستسهم البعوث الإسلامية الأزهرية في ميادين النشاط الديني والعلمي بنصيب كبير، وستحمل مدرجات الأزهر أسماء الخالدين من أبنائه.. 


ويطلق على الكراسي العلمية المنشأة في كلياته كذلك أسماء الأعلام من علمائه.. 


وسنرى مدينة الأزهر الجامعية، واتحاد الأزهر الجامعي، وحفلات الذكرى الألفية لإنشاء الأزهر، واللغات الحية التي تدرس في جميع أقسامه وفروعه، وقلوبنا يملؤها البشر والفخر والإعجاب.


وسوف تقيم كليات الأزهر مواسم علمية وأدبية ضخمة، وسيعلن آنذاك عن رحلات لطلبة كليات الأزهر في البلاد العربية والإسلامية خلال إجازة نصف السنة وفي الإجازة الصيفية.


وسيكون في كلية اللغة العربية عدة كراسي علمية، للنقد الأدبي ومذاهب الأدب وأصول النحو والبلاغة واللغات السامية واللهجات القديمة والحديثة وسيتبعها معهد للصحافة، وتنطق باسمها مجلة علمية ضخمة، وسيعلن عن مناقشة رسالة للدكتوراه فيها آنذاك، عنوانها: «مذهب أدبي جديد» يبشر صاحبها فيها بالمثالية الأدبية. 


وفي كلية أصول الدين ستنشأ كراسي أخرى للفلسفة والتصوف الإسلامي وعلم الأخلاق الديني وعلم الاجتماع ومناهج الوعظ، وسواها. 


وسيعلن آنذاك عن مناقشة رسالة للدكتوراه فيها، موضوعها «فلسفة الشك بين ابن عربي وديكارت»، وعن مناقشة رسالة ثانية موضوعها «علم الاجتماع بين أرسطو والفارابي وابن خلدون وغوستاف لوبون» وسيعكف أحد طلبة الدكتوراة فيها آنذاك على كتابة رسالة عن «الذرة عند فلاسفة الإسلام».. 


وفي كلية الشريعة ستنشأ كذلك كراسي علمية جديدة لأصول الاجتهاد والقانون «المقارن» والشريعة الإسلامية ومذاهب المجتهدين وسواها، وسيعلن عن قيام طلبة الدكتوراة في الكلية بنشر مجموعات القوانين الجنائية والمدنية والاقتصادية والقانون الدولي في الشريعة الإسلامية، وستناقش رسالة للدكتوراه عنوانها أصول مذهبي الأوزاعي والليث بن سعد.. 


وستتبادل الجامعات في الشرق والغرب رسائل الأزهر العلمية.


ومن أهم حركات التجديد في الأزهر توطيد النظام الجامعي ورفع مستوى الكادر الجامعي في كلياته وتبادل الأساتذة بين الأزهر وشتى جامعات العالم، وستقوم الدول الإسلامية بعبء الأموال اللازمة للبعوث الإسلامية الأزهرية، وسيتولى الأزهر الإشراف على المساجد العالم الإسلامي، وستعلن جامعة «هارفرد» عن قدوم أستاذ أزهري زائر فيها لتدريس «أصول التشريع الإسلامي وأثرها في نشأة علم الاجتماع وفي الحضارة العالمية».


ويومذاك سيكون للأزهر معاهد علمية ثقافية في الخرطوم وإشبيلية والقدس وكراتشي وبغداد ولندن وبرلين وباريس ونيويورك، وسترسل ثلاثون بعثة علمية لشتى جامعات الغرب.. 
وستستعين جامعة إيران وجامعة موسكو وبرلين ولندن والسوربون وجامعات الهند والصين وباكستان وسواها بأساتذة من الأزهر. 


ومن أهم ما سنراه في الأزهر بعد عشرين عاما تبادل الطلاب بين كلية اللغة وكليات الآداب في مصر والغرب، وبين كليات الشريعة وكليات الحقوق، وبين كلية أصول الدين وكليات الفلسفة في العرب، وكذلك اعتراف الجامعات في العالم بشهادات الأزهر العلمية، وسيدرس الطب العربي القديم في الأزهر، وسيباح لخريجي كلية أصول الدين فتح «عيادات» نفسية للطب النفسي العلاجي. 


وسيكون لخريجي الأزهر دخول الكلية الحربية عاماً واحداً يمنحون بعده رتبة عسكرية ويعملون في الجيش في شتى وحداته، وسيكون القائد العام للجيش المصري آنذاك أزهري التعليم، وسينشىء الأزهر كلية الجامعية للفتاة المصرية.. 
وستنال المعاهد الابتدائية حظها من الرعاية والتجديد والإصلاح، ويباح تبادل الطلاب بين الأزهر والمدارس الابتدائية والثانوية، وسيوحد الزي بين الأزهر والجامعات المصرية.


ويومئذ سيكون الأزهر الصرح الإسلامي الأكبر في البلاد الإسلامية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 07:37 am

الأزهر حصن العربية
===========
يعني الأزهر فيما 1 يعني المعقل الذي حفظ الثقافة العربية ألف سنة ونيفا، يسهر عليها ويزيد فيها وينفق منها على طلاب المعرفة في الشرق والغرب، على حين دمر الجهل والكفر حصونها في بغداد والأندلس.

ويعني الأزهر فيما يعني، الحصن الذي اعتصمت به اللغة العربية من عدوان الشعوبية والعامية والتركية حين استعجم اللسان واستترك السلطان وفشت الجهالة، وضعفت الخلافة وعز الناصر وذل الأهل.

ويعني الأزهر فيما يعني القبلة الثانية التي يوجه المسلمون في جميع أقطار الأرض قلوبهم إليها يتلمسون على هداها الطريق إلى الحق والسبيل إلى اللّه.

ويعني الأزهر فيما يعني الملاذ للشعب المظلوم كلما عسفه الطغيان وبغي عليه الحكم فيأوي منه إلى ركن شديد وحام قادر.

ويعني الأزهر فيما يعني الجامعة العالمية التي يؤمها الطلاب من كل أرض ومن كل جنس ومن كل لون ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لا يبغون من وراء ذلك مالاً ولا جاهاً ولا شهرة.
__________
1) محلة الأزهر -عدد رمضان 1380ه‍- احمد حسن الزيات.
__________
ويعني الأزهر فيما يعني الخانقاة التي آوت العباد والزهاد والوعاظ وحفظة القرآن وحملة البركة.

ويعني الأزهر فيما يعني القاعدة الروحية التي كان يخشاها المستعمرون فحاولوا سراً وعلناً أن يدمروها ليتقوها، فلما استيأسوا من تدميرها أو إضعاف تأثيرها سالموها ونافقوها ثم جهدوا أن يستميلوها ليستغلوها.

ويعني الأزهر فيما يعني، الصرح الوطني الذي أجج الثورات على الفساد، وخرّج القيادات للجهاد، وقام من نهضة العرب الحديثة مقام الرأس واليد، يمدها بالروح ويرفدها بالقوة.

ثار على الغزو الفرنسي بقيادة ستة من علمائه، وثار على الطغيان التركي بقيادة شيخه عبد الله الشرقاوي، وثار على الظلم الخديو بقيادة ابنه أحمد عرابي، وثار على الاحتلال البريطاني بقيادة ابنه سعد زغلول.

كل أولئك يعنيه لفظ الأزهر، وأكثر من أولئك يلازم معنى الأزهر، ولكني بسبيل الحديث عن نصيب اللغة العربية من فضل الأزهر فلا أخوض في حديث غيره.

إن فضل الأزهر على اللغة العربية مستمد من فضل القرآن الكريم عليها؛ وبعض فضله أنه كسبها عذوبة في اللفظ ورقة في التركيب ودقة في الأداء وقوة في المنطق وثروة في المعانى. 


وكان سبباً في استحداث العلوم الشرعية والأدبية التي حفظت مادتها بالقواعد وفي المعجمات، ووسعت دائرتها بالألفاظ والمصطلحات، كالنحو والصرف والاشتقاق لدفع اللحن عنه، والمعاني والبيان والبديع لتقرير الإعجاز فيه، وعلى اللغة والأدب لتفسير غريبه وتوضيح مشكله، والحديث والأصول والفقه والتفسير لاستنباط أحكام الشرع منه، وهو الذي مكان.
وحفظها أربعة عشر قرنا إلا قليلا لا تفسد ولا تجمد ولا تتغير مصداقا لقول اللّه تعالى: «إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ» وحفظ القرآن يستلزم حفظ لغته، والناظر في تاريخ الأديان السماوية والأرضية لا يجد دينا حملته لغته التي أنزل بها أو كتب فيها إلى أقصى الشرق وأقصى الغرب في مدى 1380 سنة ثم بقيت محافظة على قوتها وجدتها ووحدتها وطبيعتها إلا دين الإسلام ولغة العرب، أما سائر الأديان فلا تقرأ كتبها الأصلية إلا في لغة البلد الذي ظهرت فيه.

فإذا نقلت إلى بلد آخر عن طريق الدعوة قرئت مترجمة إلى لغته، واختص بمعرفة الأصل طائفة قليلة من رجال ذلك الدين، فمدونة الأسفار البوذية المسماة بالسلات الثلاث لا يقرأها أتباع هذه الملة في الصين واليابان إلا منقولة إلى الصينية واليابانية، والتوراة والإنجيل -وهما كتابان منزلان- لا يقرآن في العالم المسيحي إلا في لغة كل قطر من أقطاره.

لذلك ظل تأثيرهما في الآداب الأخرى ضئيلا حتى ترجما إلى اللاتينية والتوتونية القديمة فظهر أثرهما قويا في الآداب الأوروبية.

وليس كذلك الحال في القرآن، فإن المسلمين اعتقدوا بحق أن لغته جزء من حقيقة الإسلام، لأنها كانت ترجمانا لوحي اللّه ولغة لكتابه ومعجزة لرسوله ولسانا لدعوته، ثم هذبها النبي الكريم بحديثه ونشرها الدين بانتشاره وخلدها القرآن بخلوده.

فالقرآن لا يسمى قرآنا إلا فيها، والصلاة لا تكون صلاة إلا بها، لذلك سارعوا إلى تعلمها والتكلم بها والتأليف فيها والتعصب لها والدفاع عنها والدعوة إليها حتى حلت محل الفارسية في العراق والرومية في الشام والقبطية في مصر والبربرية في المغرب، وأصبحت في عصر بني العباس وهو عصرها الذهبي لغة الدين والأدب والعلم والسياسة والإدارة والحضارة في أكثر الدنيا القديمة.

وأصبح المسلم على اختلاف جنسه ينتقل من قطر إلى قطر في عالمه الإسلامي كما ينتقل من بلد إلى بلد في وطنه الأصلي، لا يجد مشقة في التفاهم، ولا صعوبة في التعامل، ولا شدة دعاءهم في المسجد، ونظامهم في البيت، ومنهاجهم في العمل، ودستورهم في الحكومة، فسري هدية منهم مسرى الروح، وجري وحية فيهم مجرى الطبع، وأثر في ألسنتهم وأفئدتهم وأنظمتهم تأثيرا لم يؤثره كتاب سماوي آخر في أهله.

ومن هنا كانت ثقافة الإسلام قائمة على ركنين أساسيين هما الدين بعلومه المختلفة واللغة بفنونها المعروفة، وهذان الركنان يشد احدهما الآخر ويمسكه، فالإسلام بغير العربية ينبهم ويضمحل، والعربية من غير الإسلام تنكمش وتزول، واللغات السامية مدينة ببقائها للدين، فلولا اليهودية ما بقيت العبرية، ولولا المسيحية ما بقيت السريانية، ولولا الإسلام ما بقيت العربية.

ولكن الفرق بين بقاء العربية وبقاء العبرية والسريانية هو الفرق بين الروح والذماء أو بين العين والأثر.

والأزهر وهو وارث النبوة وحامي العقيدة وناشر الدعوة لا يمكن أن تقوم رسالته إلا على هذين الركنين، وقد أداها بتأييد اللّه وتوفيقه تأدية أحلته من العالم الإسلامي كله محل الزعامة.

على أن فضله على علوم القرآن وعلوم اللسان قد يشاركه فيه بالكثير أو بالقليل طائفة من المدارس والجوامع أنشأها السلاطين في القاهرة ودمشق وحلب وبغداد والنجف وقرطبة والقيروان والزيتونة، كالناصرية والقمحية والصلاحية والمؤيدية والمنصورية والشيخونية والظاهرية والكاملية والنظامية؛ ولكن هذه المدارس التي عفى على أكثرها الزمن لم تستطع في حياتها منفردة أو مجتمعة أن ت (اول الأزهر فضله الخالد على اللغة العربية في بقائها لسانا للعلم ورباطا للمسلمين إلى اليوم.

تحيفت الخطوب السود لغة القرآن في محنتين أشفت فيهما على الموت لولا أن تداركها اللّه بفضله: محنة الغزو المغولي في منتصف القرن السابع حين انتكث فتل العباسيين في العراق بتنافس الفرس والترك، وتحارب الشيعة والسنة، وذهاب جلال الخلافة من النفوس، فقوص هولاكو عرشها سنة 656 ه‍، وتضعضع أمر الأمويين في البربر والموالي على ملكهم وتقسيمه بينهم إلى دويلات سهل على الفرنج ازدرادها قطعة قطعة حتى ابتلعوها لقمة سائغة سنة 898 ه‍..

ودالت دولة الفاطميين في مصر والشام فوقعتا في أيدي الأيوبيين، ثم صارتا إلى المماليك وظلتا تحت سلطانهم حتى دخلتا في حكم الأتراك العثمانيين سنة 923ه‍، فأتى على العرب ستون وخمسمائة عام لم يكن لهم فيها سلطان ولا ملك، فأصبحت ديارهم وآثارهم نهبا مقسما بين المغول والترك والفرس والجركس ثم الأسبان بعد قليل.

وكان أكثر هؤلاء الأعجام وحشيين أميين فخربوا الدور وهتكوا الخدور وفجعوا اللغة وآدابها وعلومها بتحريق المكاتب وتعطيل المدارس وتقويض المراصد وتقتيل العلماء.

ناهيكم بما فعله التتار في بخاري وبغداد، والصليبيون بالشام، والإفرنج بالأندلس، فلو أن الزمان عفى على اللغة العربية وألحقها بأخواتها السامية لما كان ذلك خارقا لطبيعة الأشياء ولا بدعا في منطق التاريخ، ولكنها بقيت على الرغم من هذه الخطوب لسانا للدين والعلم، ولغة للحكومة والأمة في بلاد المغرب ومصر والشام وبلاد العرب والجزيرة، ولولا نعرة الترك وعصبية الفرس لكانت لغة المسلمين كافة.

والفضل في بقائها بعد إدبار الزمان والسلطان عن أبنائها، إنما كان لهذا الأزهر الجليل الذي اختصه اللّه بمزايا تميز بها على غيره، منها صبغته العربية الخالصة بحكم نشأته وبيئته، وموقعه الوسط بين الشرقين الأدنى والأوسط، فكان ملتقى المسلمين من هنا ومن هناك، ومنها قربه من الحجاز فكان طريق الحجاج والرحالين من علماء إفريقية والأندلس.

ومنها تخريجه طائفة كبيرة من أعلام الفقه وأعيان الأدب جمعوا شتات اللغة والعلوم والآداب في أسفار أشبه بدوائر المعارف، ومنها مكانته التي بلغت من قلوب المسلمين والحاكمين مبلغ القداسة وكان لها أثر بالغ في حل بعض المشكلات السياسية والاجتماعية، ومنها كفايته الأساتذة والطلاب مؤونة العيش بأن كفل لهم الغذاء والكساء والمأوى والكتاب، ومنها إيواؤه الناجين بحياتهم ودينهم وعلمهم وأدبهم وكتبهم اكتسحوا خراسان والفرس والعراق، فكان من مهاجرة هؤلاء العلماء من الشرق والغرب إلى القاهرة من البحث والابتكار ما كان لمهاجرة علماء المسيحية من القسطنطينية إلى روما من البعث والازدهار.

ومنها مناصرة الأيوبيين له بالمال والتعضيد؛ لأنهم وإن كانوا أكرادا قد تكلموا بلغة العرب وتأدبوا بأدب العرب ونبغ من بينهم الشاعر والعالم والمؤرخ، كالملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء، والملك الأفضل علي بن صلاح الدين، وكان هذا الملك ضعيف الرأي كثير الغفلة فغلبه عمه العادل أبو بكر وأخوه العزيز عثمان على ملك الشام ومصر، فكتب إلى الخليفة الناصر العباسي كتابا يشكو إليه فيه ذلك وقد بدأه ببيتين من الشعر أجاد في نظمهما كل الإجادة وهما:
مولاي إن أبا بكر وصاحبه عثمان
قد أخذا بالسيف حق علي
فانظر إلى حرف هذا الاسم كيف
لقي من الأواخر ما لاقى من الأول


يريد بأبي بكر عمه، وبعثمان أخاه، وبعلي نفسه.

فأجابه الخليفة الناصر بقوله:
وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا بالصدق يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا علياً حقه إذ لم يكن بعد النبي له بيثرب ناصر
فاصبر فإن غداً عليه حسابهم وأبشر فناصرك الإمام الناصر


والجزالة ظاهرة في شعر الملك الكردي ظهور الركاكة في شعر الخليفة العربي!.

كذلك أقول في المماليك فقد أيدوه وأمدوه؛ لأنهم اتخذوا مصر وطنا، والإسلام دينا، والعربية لغة، وكان من بينهم شعراء عالجوا القريض وأجادوه كالسلطان الغوري.

هؤلاء المماليك قد عضدوا العلماء وقربوا الأدباء، وشدوا أزر المعلمين والمؤلفين، حتى خرّج الأزهر في ظلمهم أولئك الأئمة الذين استودع اللّه صدورهم ذخائر الكتب، وأخرجوها للناس: كجمال الدين بن منظور، وجمال الدين بن هشام، وشمس الدين النويري، وابن فضل الله العمري، وشمس الدين الذهبي، والحافظ بن حجر العسقلاني، وأبي العباس القلقشندي، وتقي الدين المقريزي، وبدر الدين العيني، وسراج الدين البلقيني، وبدر الدين الدماميني وشمس الدين السخاوي، وكمال الدين الدميري، وجلال الدين السيوطي، وتقي الدين الدميري، وجلال الدين السيوطي، وتقي الدين القشيري المعروف بابن دقيق العيد.

لهذه المزايا انتهت إلى الأزهر في القرون الثلاثة السابع والثامن والتاسع زعامة الثقافة في جميع البلاد العربية والإسلامية، فحفظ وجود اللغة، ورفع سقوط الأدب، وجمع شمل العلم، ولولاه لانقطع ما بين الأدبين القديم والحديث.

أما المحنة الأخرى التي امتحنت بها العربية وكان للأزهر الفضل في وقايتها وسلامتها فهي محنة الغزو التركي في أوائل القرن العاشر حين استولى السلطان سليم على مصر والشام سنة 923ه‍ فأصبحت الخلافة عثمانية لا عباسية، وعاصمة الإسلام القسطنطينية لا القاهرة، واللغة الرسمية التركية لا العربية.

ومكث الغازي سليم في مصر بعد الغزو ثمانية أشهر سلبها فيها أنفس أعلاقها من الكتب والتحف والآثار لنوابغ الفنانين والمؤلفين الذين تخرجوا في الأزهر وأنتجوا في مصر مدى القرون الثلاثة التي سبقت الغزو العثماني، وأخذ الغزاة يغلبون لغتهم على اللغة العربية في الدواوين، ويطاردونها في المدارس، حتى كانوا يعلمون قواعد اللغة العربية باللغة التركية في الشام والعراق!

ففشا في اللغة العامي والدخيل، وذهبت أساليبها من النظم والنثر، وخيم الظلم والظلام على النفوس فخمدت القرائع، وضعفت رغبة الحكام في العلم، وانقطعت أسباب الطلب له، واستطاع الترك أن يترّكوا كل شيء في مصر من سياسة وإدارة وتعليم وجيش إلا الأزهر، فقد راعهم أبوابه خاشعين يلتمسون منه العون على ما ينجم من أحداث، والرأي فيما يشكل من الأمور.

والسلطان سليم نفسه قد زاره مرارا فصلى فيه وتبرك به، ومن قبل قد غزا الأزهر بلاد الأتراك بعلمه وأدبه وكتبه فعرب طائفة منهم تعلموا العربية وتكلموا بها وألفوا فيها كالفيروز أبادي وأبي السعود والفناري وملا خسرو والجامي والخيالي وخوجه زادة وملا مسكين وملا لطفي وحاجي خليفة وطاشكيري زاده وابن كمال باشا وكان سلاطين العثمانيين أنفسهم يدرسون العربي وآدابها كما كانوا يدرسون التركية وآدابها.

ومنهم من قرض الشعر العربي ورواه كالسلطان أحمد الأول فقد رووا له قصيدة غزلية مطلعها.

ظبي يصول ولا وصول إليه جرح الفؤاد بصارمي لحظيه

ولم تضعف عناية علماء الترك بالعربية إلا في عهد السلطان محمود الثاني وابنه السلطان عبد المجيد الأول حين أحيا اللغة التركية وقربا مواردها وبسطا قواعدها وسمياها اللغة العثمانية. 


فأنتم ترون أن اللغة العربية قد أتى عليها ستة قرون قضتها بين الاحتضار والموت، ثلاثة منها في العصر المغولي، وثلاثة أخرى في العصر العثماني، أمحت فيها من الهند وخراسان والعراق وبلاد الروم والأندلس، وبقيت في الأقطار العربية بقاء المريض أشرف على الموت ولم يبق منه إلا رمق ذلك الرمق هو الذي كفله الأزهر وتعهده فغذاه وقواه ورعاه، حتى إذا انجاب عن مصر قتام الحكم العثماني وأراد اللّه لشمس الحضارة أن تشرق مرة أخرى على وادي النيل زايل اللغة الوهن وسرت فيها الحياة، ففي الأزهر كان ملاذها وغياثها، وفي الأزهر كان بقاؤها وانبعاثها.

كان الأزهر بعد انتهاء تلك الغمرة باحتلال نابليون، وابتداء هذه النهضة باستقلال محمد علي، قائد الشعب في الكفاح ورائد الحكومة الشرقاوي، ومحمد المهدي وسليمان الفيومي، وحسن العطار.

وتجلت ريادته في طلابه النجباء الذين أرسلوا إلى أوروبا ليستفيدوا ويستزيدوا، كإبراهيم النبراوي، وأحمد حسن الرشيدي، ومحمد علي البقلي، ورفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وتلك يد أخرى لهذا المعهد الجليل على اللغة العربية، ساعدها على النهوض، كما حماها من قبل دون السقوط.

هاتان هما المحنتان اللتان عانتهما العربية في عهدين متواليين، ثم جعل اللّه نجاتها منهما بفضل الأزهر حفظا لكتابه وصونا لدينه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 09:02 am

وهناك محنة ثالثة تجتازها اللغة اليوم وتوشك أن تبلبل اللسان وتعطل القرآن وتقطع الدين عن أصله، وتفصل العربي عن أهله، وتهبط بالأدب من جبل الوحي وهيكل عطارد حيث الترفع والسمو والنبل، إلى حضيض المادية حيث التسفل والتبذل والفحش.

تلك هي محنة الإباحية اللغوية التي تغلب العامية على الفصحى، وتؤثر أدب العامة على أدب الخاصة، وتفضل الموضوع المثير على الموضوع المنير، وتريد أن يكتب الكاتب وينظم الشاعر كما يشاء، لا يتقيد بقاعدة من نحو ولا قياس من صرف ولا نظام من بلاغة ولا وزن من عروض ولا مثال من خلق.

ولهذه المحنة أو المشكلة أصلان:
الاستعمار والجهل.

أما الاستعمار:
فلأنه رأى أن الرابطة بين المسلمين على اختلاف أقطارهم وتباعد ديارهم هي الدين واللغة، وما دامت أمة محمد روحا واحدا بالإسلام، ولسانا واحدا بالعربية، فإن استغلالها موقوت وإن طال، وإن استقلالها آت وإن تأخر، لذلك سعت فرنسا سعيها الدائب في الجزائر لفتنة البربر عن دينهم بإصدار الظهير المعروف، وقطع العرب عن لغتهم بطردها من المدارس والدواوين.

ولكن دين اللّه كان أقوى من ظهير فرنسا، ولغة المصحف كانت أمضى من لغة السيف.

واكتفت انجلترا على عادتها من الدهاء والكياسة بمحاربة الفصحى ومبشريها ومستشرقيها؛ لأن اللغات العامية تختلف في البلاد العربية اختلافا شديدا يكاد يجعل من كل لهجة منها لغة مستقلة.

وإذا انهزمت أمامها اللغة المشتركة وهي الفصحى استحال التفاهم وضعفت العقيدة وانقطعت الصلة وتفرقت الوحدة وتبددت القوة واستطاع المستعمر أن يلتقمها لقمة لقمة فلا يغص ولا يشجى.

ولكن هذه الدعوة فشلت بضعف الاستعمار في الشرق، وقوة الوعي في العرب.

وأما الجهل:
وهو الأصل الآخر لمحنة اللغة العربية فقد خلف الاستعمار في هذه الدعوة المجرمة، والمراد بالجهل جهل أبناء العربية بها، وعزوفهم عن علومها وأدبها، وهو جناية المدرسة المدنية الحديثة، فقد فشلت بعد طول الزمن وكثرة التجارب في تخريج القارىء الذي يقرأ بفهم، والكاتب الذي يكتب عن علم، والمفكر الذي يفكر عن أصالة، وليس أدل على هذا الفشل من أن الطالب يتعلم النحو عشر سنين دأبا ثم لا يستطيع بعد ذلك أن يعبر عن فكره تعبيرا صحيحا لا بلسانه ولا بقلمه، فإذا دفعه استعداده الأدبي إلى الكتابة آثر العامية على الفصحى ودعا إلى التحلل من القواعد والقيود ليجعل الفوضى نظاما والخطأ مذهبا والعجز شركة.

كانت علوم العربية تدرس في الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي وفيما يجري على منهجه من معاهد لبنان وسورية والعراق والمغرب دراسة عميقة تمكن الطالب المجتهد المستعد من فهم ما يقرأ وفقه ما يعلم وتعليل ما ينقد وتحليل ما يذوق.

فإذا اتصل النظر بالعمل واقترن الحكم بالتطبيق وصادف ذلك استعدادا في المتعلم ظهر الكاتب الذي يكتب فيجيد، والشاعر الذي ينظم فيبدع، والناقد الذي يحكم فيصيب، أما إذا فتر الاجتهاد وضعف الاستعداد ظهر الأديب العالم الذي يهيء الوسائل ويقرب المناهل ويوجه المواهب ويسدد الخطى، ومن هاتين الفئتين تستمد الحركة الأدبية عناصرها الحيوية فتقوى لتزدهر وتنمو لتنتشر وتسمو لتخلد.

وكان من خريجي هذا المنهج القديم أولئك الأدباء الأصلاء الذين حفظوا تراث اللغة وجددوا شباب الأدب وأسسوا هذه النهضة الأدبية يزال من هذه الطبقة الكريمة فئة قليلة في أقطار العروبة تستبطن لغتها وتتعمق أدبها وتعرف لماذا تكتب الجملة على وضع دون آخر، فإذا خلا المجتمع بعد أجل طويل أو قصير فهل يخلف من بعدهم خلف يحملون أمانة اللغة ويبلغون رسالة الأدب؟

الجواب عن هذا السؤال عند الأزهر وحده؛ فهو بحكم طبيعته وعلة وجوده معتصم اللغة ومنجاها في الماضي والمستقبل، أما المعاهد الأخرى فكل شيء فيها يبعث على التشاؤم: منهج تطبيقي يكاد يخلو من القواعد، وتعليم سطحي مقتضب لا هدف له إلا اجتياز الامتحان العام بأية وسيلة، فالمطولات تختصر، والمختصرات تختزل، فلا يبقى بعد ذلك في ذاكرة الطالب إلا رموز على معان عائمة غائمة لا هي مستقرة ولا هي واضحة.

ذلكم إلى زهادة في الجدي النافع من ثقافة اللسان والقلم تقعد النشء عن تعمق الأصول وتقصى الفروع، وتقنعهم بالقدر الذي ينقلهم من سنة إلى سنة أو من شهادة إلى شهادة، فإذا ما تخرج الناشىء بهذا الحظ المنكود من اللغة وكان في نفسه ميل إلى الأدب، وفي طبعه استعداد للكتابة، انصرف عن كنوز الأدب العربي، لأن مفاتيحها ليست عنده، وأقبل على روائع الأدب الغربي يحاكيها ويستوحيها حتى إذا امتلأ ذهنه وفاض شعوره وأراد أن ينتج شيئا يفيد الناس وجد في نفسه الملكة التي تخلق وفي حسه الصورة التي تمتع، ولكنه لا يجد في لسانه اللغة التي تعبر، ولا في قلبه الأسلوب الذي يؤثر، فيضيق ويسخط ويثور، ويزعم أن قواعد اللغة غصة لا تساغ، وأن إعراب الكلمة عقبة لا تذلل، ثم يتطرف فيدعو إلى إطلاق الحرية للكاتب فيكتب كما يشاء.

تلك حال المتخرج الأديب بطبعه أما المتخرج العادي فإنه يعود أميا كما بدأ، لا يقرأ إذا قرأ إلا السهل، ولا يطلب هذا السهل إلا في قصة عامية تخدر الشعور، أو في مجلة فكاهية تنبه الشهوة، حتى نشأ من راط القراء في هذا الطلب، إفراط الكتاب الخفاف في عرض الأدب الذي لا ينفع، أو الأدب الماجن الذي لا يرفع، ذلكم إلى طغيان الأدب الأوروبي بمذاهبه ونزعاته وترهاته على عقول النائين الذين ثقفوا هذه الثقافة الأدبية الهشة ففتنتهم عن أدبهم وصرفتهم عن تاريخهم.

فالمتفرنسون منهم يعرفون هوجو ولا يعرفون المتنبي، ويدرسون فولتير ولا يدرسون الجاحظ، ويقرءون لا مرتين ولا يقرءون البديع، ومن هنا نشأت هذه التبعية التي فرضها الشباب على أدبنا لأدب الغرب، فأساليبهم الكتابية اليوم هي أساليب الكتابة في الغرب، ومذاهبهم الأدبية هي مذاهب الأدب في الغرب، ومقاييسهم النقدية هي مقاييس النقد في الغرب.

حتى الرمزية وهي بنت الأفق الغائم والنفس المعقدة واللسان المغمغم يريدون أن تتبناها العربية بنت الصحراء المكشوفة والشمس المشرقة والطبع الصريح، وحتى الوجودة وهي بنت الخلق المنحل والذوق المنحرف والغريزة الحرة، يحاولون أن تتقبلها العربية لغة الرسالة الإلهية التي كرمت الإنسان وفصلته من سائر الحيوان بحدود من الدين والخلق لا يتعداها وهو عاقل، ولا يتحداها وهو مؤمن.

ليس الأمر في الأدب كالأمر في العلم، الأدب للنفس والعلم للناس، الأدب مواطن والعلم لا وطن له؛ الأدب روح في الجسد ودم في العروق يكون شخصية الفرد فيحيا مستقلا بنفسه، ويبرز شخصية الشعب فيحيا متميزا بأفراده، الأدب جنس ولغة وذوق وبيئة وعقلية وعقيدة وتاريخ وتقاليد. والعلم شيء غير أولئك كله، فإذا جاز طبعا أن نأخذ من غيرنا ما يكمل نقصنا من العلم، فلا يجوز قطعا أن نأخذ من هذا الغير ما يمثل أنفسنا من الأدب.

إن دراسة العربية على النهج الصحيح المنتج بعد المدرسة لا يكلف المتأدبين من الجهد والزمن أكثر مما تكلفهم دراسة الفرنسية والإنجليزية، ولكنهم في عصر السرعة يطلبون القريب ويتوخون السهل ويتخطفون العلم ويتعجلون الإنتاج، ثم يحقدون على من يلزمونهم التأني ويجشمونهم الدرس ويقولون لهم إن أحدا لا يعرف في تاريخ الآداب من يعد في لغته كاتبا أو شاعرا أو قصاصا أو مؤلفا، وهو لا يعرف من قواعدها الأساسية ما يقيم لسانه وقلمه، وإذا كان الناس يقرءون الصحيفة أو الكتاب ولا يقعون فيها على الخطأ الذي يفضح المستور ويكشف الغش فالفضل لأولئك الجنود المجهولين من الأزهريين الذين يرابطون ليل نهار في دور الصحافة والنشر ويسمونهم المصححين؛ فإنهم يمرون بأقلامهم الحمر على المعوج فيستقيم، وعلى المعجم فيعرب، وعلى الركيك فيقوى.

لا بأس أن ييسر النحو والصرف والبلاغة على الطلاب: ولكن البأس كله في المدى الذي بلغه هذا التيسير، لا بأس أن نخفف على غير المتخصصين من عبء التقديرات والتعليلات التي فلسف بها النحاة النحو، ومن حفظ وجوه الإعراب التي بقيت في اللغة أثرا لاختلاف اللهجات في الجاهلية فهو شت القواعد وجعلت كل خطأ صوابا وكل صواب خطأ، ولكن البأس كله في أن تجرد علوم العربية من خصائص القوة والخصوبة والبراعة لتصبح أشبه بالهيكل العظمي، فيه الخفة والبساطة والشكل، وليس فيه العضل والعصب والروح.

إن ما يبقى من هذا المنقوص بعد النسيان، لا تحيا به لغة ولا يبقى عليه أدب، فإذا استطاع يوما أن يجيز امتحانا أو ينيل شهادة فلن يستطيع أبدا أن يخرج أمثال من خرجهم الأزهر بشيوخه وكتبه، كمحمد عبده، وسعد زغلول، والمنفلوطي، والبشري، وطه حسين، ولا أمثال من خرجتهم دار العلوم كشاويش، والمهدي، والخضري والسكندري والجارم ولا أمثال من خرجتهم مدرسة القضاء الشرعي. كأحمد أمين وعزام والخولي. ولا أمثال من خرجتهم دار المعلمين العليا، كالمازني وشكري وأبو حديد.

ولا أمثال من خرجتهم كتب الأزهر كالعقاد، والرافعي، وشوقي، وحافظ في مصر.

وكالبستانيين واليازجيين والشدياق ومطران والخوري في لبنان.


وكالمغربي والشهابي، وجبري، والطنطاوي، في سوريا. 


وكالرصافي، والزهاوي وكاشف الغطاء، والشبيبي، والأثري في العراق.

وكالنشاشيبي والسكاكيني في فلسطين.

إني أدعو إلى التوفيق بين الفصحى والعامية، ومذهبي في مجمع اللغة العربية إمداد الفصحى بما تزخر به العامية من ألفاظ الحضارة وتراكيبها التي دخلت في الحياة العامة حتى تضيق مسافة الخلف بين اللهجتين وينتهي بهما الأمر بفضل الصحافة والإذاعة والتعليم إلى لغة واحدة عامة فيها من الفصحى السلامة والجزالة والبلاغة والسمو، وفيها من العامية الدقة والطبيعية والحيوية والتجدد والوضوح.

أما أن تكون لغتنا كلغة الهمج لا تقوم على قواعد، ولا تجري على أنظمة، ولا تشعرنا بجمال، ولا تحفزنا لكمال، ولا تربطنا بماض، ولا تصلنا بمستقبل، ولا تجمعنا في وحدة، فذلك مذهب لا يقول به رجل وهو جاد، ودعوة لا يستجيب لها إنسان وهو عاقل.

فإذا تركنا الأمور تجري كما تجري انتهت بنا إلى تغلب العامية لأن أساليبها غالبة على السمع، وقواعدها جارية على الطبع، فلا يحتاج تحصيلها إلى كتاب ومعلم ومدرسة، وإنما يحتاج إلى بواب وخادم وشارع وتغلب الأساليب العامية معناه كما قلت فصل الأدب عن الدين وقطع الحاضر عن الماضي وتوهين الصلات بين العرب.

وفي يقيني أن أمر العربية لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله: فقه أسرارها كل الفقه، وفهم قواعدها أدق الفهم، وحفظ أدبها أشد الحفظ، وذلك يستلزم الجهد والجد في إعداد المعلم، والعلم والخبرة في وضع المنهج، والمنطق والذوق في تأليف الكتاب، والكتاب الأزهري الذي تخرجنا عليه وما زلنا نرجع إليه كنز من المعارف لا يعوزه إلا سهولة مأخوذة وحسن تنسيقه وجمال عرضه، فالفرق بينه وبين الكتاب الحديث في العرض كالفرق بين حانوت من حوانيت العطارة في الغورية، وبيت من بيوت التجارة في قصر النيل، قد يكون في الحانوت القديم ما ليس في المتجر الحديث من السلع التواجر والطرف النوادر؛ ولكن اختفاءها في ركن غير ظاهر، وعرضها في معرض غير لائق، يضعف الأزهرية عرضا جميلا مشوقا في الدروس والمحاضرات والمذكرات والكتب كان ذلك عسيا أن يدنى قطوفها من الطلاب على غير مؤونة ولا كد ذهن.

إن رسالة الأزهر قائمة كما قلت على ركنين من دين ولغة، ولكن الأمر في تأديته إياها جد مختلف. الدين كامل لأنه من عمل اللّه، واللغة ناقصة لأنها من عمل الإنسان، والكامل الإلهى لا يتأثر بالمكان ولا بتغير بالزمان ولا يضيق بالحضارة ولا يبرم بالعلم، فهو جديد أبدا، صالح أبدا، ثابت أبدا. أما الناقص فهو عرضة للفساد والجمود والتخلف، وموضع للزيادة والتجديد والتطور، لذلك كان الاجتهاد في اللغة وعلومها أمرا تحتمه الضرورة وتقتضيه الطبيعة؛ لأن اللغة لا يمكن أن تثبت ثبوت الدين، ولا أن تستقل استقلال الحي، فهي ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والأغراض لا تنتهي، والمعاني لا تنفذ، والناس لا يستطيعون أن يظلوا خرسا، وهم يرون الأغراض تتجدد والمعاني تتولد، والحضارة ترميهم كل يوم بمخترع، والعلوم تطالبهم كل حين بمصطلح، ولا علة لهذا الخرس إلا أن البدو المحصورين في حدود الزمان والمكان لم يتنبأوا بحدوث هذه الأشياء، ولم يضعوا لها ما يناسبها من الأسماء.

نشأ من إنكار حق الوضع اللغوي على المولدين وحصره فيمن يعتد بعربيتهم من عرب الأمصار حتى آخر المائة الثانية، أو أعراب البوادي حتى آخر المائة الرابعة، أن طغت اللغة العامية طغيانا جارفا حصر اللغة الفصحى في طبقات العلماء والأدباء والشعراء والكتاب يكتبون بها للملوك، ويؤلفون فيها للخاصة، وسيطرت على حياة الأمة في شئونها العامة وأغراضها المختلفة؛ لأن العامية حرة تنبو على القيد، وطبيعية تنفر من الصنعة، فهي تقبل من كل إنسان، وتستمد من كل لغة، وتصوغ على كل قياس. والناس في سبيل التفاهم يؤثرون السهل، ويستعملون الشائع، ويتناولون القريب.

المحتومة لجمود اللغة اندراسها بتغلب لهجاتها العامية عليها وحلولها محلها، وقد تنبه مجمع اللغة العربية لهذا الخطر فقرر فيما قرر استجابة لاقتراح عرضته، فتح باب الوضع اللغوي للمحدثين بوسائله المعروفة من الاشتقاق والتجوز والارتجال، وإطلاق القياس ليشمل ما قيس من قبل وما لم يقس.

وتحرير السماع من قيود الزمان والمكان ليشمل ما يسمع اليوم من طوائف المجتمع كالبنائين والنجارين وغيرهم من أرباب الحرف والصناعات، واعتماد الألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ القديمة، وعلى هذه المبادىء وغيرها وضع معجمه الوسيط الذي سيظهر قريبا.

أما الاجتهاد في الدين فقد فتحت أبوابه أول الأمر لمن تجهز بجهازه واعتد له بعدته، حتى إذا زخر الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه مدى عصوره بالآراء المحكمة والوجوه المحيطة، وجد فيه المسلمون جوابا شافيا عن كل سؤال يخطر على الذهن، وحلا جامعا لكل إشكال يعرض في المجتمع، وحكما عادلا في كل قضية ترفع إلى القضاء، فاستغنوا بغزارته وإحاطته عن الاجتهاد فيه، وانصرفوا إلى اجتهاد من نوع آخر هو الاجتهاد في اختيار الرأي المناسب، وترجيح الحكم الموفق.
جاء في كتاب الولاة والقضاة للكندي أن قاضيا شافعي المذهب كان بمصر في عصر الإمام الطحاوي وكان يتخير لأحكامه ما يرى أنه يحقق العدل من آراء الأئمة ولا يتقيد بمذهب من المذاهب، وكان مرضي الأحكام لم يستطع أحد أن يطعن عليه في دينه ولا في خلقه ولا في حكمه.

سأل هذا القاضي الإمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الوقائع فقال الطحاوي: أتسألني عن رأيي أو عن رأي أبي حنيفة؟ قال القاضي: ولم هذا السؤال؟ قال الطحاوي ظننتك تحسبني مقلدا فقال القاضي: لا يقلد إلا عصبي أو غبي.

هذه الثروة الفقهية الضخمة لم يحجبها عن الناس إلا أسلوب التأليف القديم، واليوم وقد تطورت المدينة وتغيرت العقلية ينبغي أن يطابق التعليم والكتاب مقتضيات العصر. هذه هي المحنة الثالثة التي تعانيها اللغة العربية اليوم.

وهي لا تختلف عن سابقتيها إلا في أن موقف الأزهر منها يجب أن يكون إيجابيا: يقابل العمل بالعمل، ويرد الكيد بالكيد، ويقاوم الدعاية بالدعاية، ويقف بالمرصاد لكل من يسول له جهله أو هواه أن يبعث بلغة الإسلام، ويوهن رابطة العرب.

والأزهريون الذي حملوا أمانة اللّه، وبلغوا رسالة نبيه أكثر من عشرة قرون يستطيعون أن يدرءوا خطر هذه الإباحية عن اللغة والدين متى صدقوا الجهاد وذكروا أنهم جند اللّه يرمي بهم العدو في كل وقت وفي كل أرض وعلى أية صورة، فيعيشون للموت كالجنود، ويعملون للحياة كالقادة، ويعزفون عن الدنيا كالرسل، واللّه سبحانه وتعالى قد ضمن للعربية بقاء البيان ببقاء القرآن وعلى أيدي أبناء الأزهر -المؤمنين برسالته- صدق اللّه وعده، إن اللّه لهو خير الصادقين؟


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 09:09 am

الأزهر من بعيد.. ومن قريب
================
كتب محمد زكي عبد القادر في يومياته في الأخبار عام 1961م يقول:
الأزهر عزيز عليّ جداً، لا لأنه منارة الإسلام والمسلمين عبر قرون طويلة فحسب، ولكن لأنه اقترن بصباي، فقد كان عمي طالباً في الأزهر وكنت تلميذاً بالمدارس الثانوية أقيم معه ويرعى شئوني وأنا وهو مغتربان في القاهرة لطلب العلم..

وكنت لهذا ألتمسه في فناء الأزهر، وأراه يشهد الدروس، فأجلس معه أستمع فلا أفهم ولكنني أعجب لطول الدرس وطول الأناة ويشوقني أن أرى الشيخ يلقي ما يلقي ويسأل من وقت إلى آخر:
ظاهر.. ظاهر.. فيسمع همهمة تقول: ظاهر ياسي الشيخ..

وكنت أغشى الأزهر في بعض الامسيات حين أكره وحدتي في مسكني، فيقول عمي: لا عليك.. هات كتبك واجلس معنا ذاكر دروسك.. وكنت في سن صغيرة أخشى فيها الوحدة، فأوثر أن أحمل كتبي، وآخذ مقعدي كما كان يفعل طلاب الأزهر حينئذ، جالسين على الحصر الممدودة، ومن فوقهم قناديل بيضاء جميلة، ترسل نوراً كليلاً، يجتمع مع الأصوات الأخرى.

فإذا الأزهر كله خلية نحل لا تكف عن الهمهمة، بل ما يشبه الضجيج.. وكان كلاهما يحول بيني وبين أن يأخذني النوم الذي كان يطاردني إذا آثرت أن أبقى في البيت.

وفرغت من دراستي الثانوية، والتحقت بكلية الحقوق، وعمي يرعاني، وصلتي بالأزهر لا تنقطع، أغشاه لكي أقرأ وأدرس، وأغشاه لكي أجلس إلى زملاء عمي من طلاب الأزهر، وأنصت أحيانا إلى ما يقرأون فلا أفهم شيئاً أيضاً على الرغم من أنني حينئذ كنت قد بلغت من الفهم والدرس ما أفضي بي إلى الدراسة الجامعية..

ومرت الأيام وتخرَّجت، وافترقت الحظوظ بيني وبين من عرفت من طلاب الأزهر، ولكن صورة الأزهر ظلت خيالا يلازمني طوال حياتي، وقرأت ما قرأت ووعيت ما وعيت وأدركت من تاريخ الأزهر الكثير، واقترنت القراءة عنه بالصورة التي كابدتها وعرفتها وثبتت في خيالي، وكنت أزوره بين الوقت والآخر.

صحيح أن الفترات بين زياراتي كانت متباعدة، ولكنني كنت أزوره لكي تظل صورة هذا المسجد العتيق العريق الأمين حية في خاطري وقد اقترنت في حياتي بمطلع صباي، وقرأت تاريخه منعما متأملا، وقارنت بين مراحل تاريخه والمرحلة التي كان يعيش فيها، فوجدت الفرق الكبير بين الصورتين..

كان الأزهر فيما مضى ومنذ إنشائه إلى تاريخه الوسيط منارة العلوم الدينية والدنيوية، كان ينبوع المعرفة في الطب والفلك والهندسة والكيمياء والجغرافيا إلى جانب المعرفة في علوم الدين. كان يقدم للوطن والإسلام خلاصة الرجال الذين رفعوا ذكره ورفعوا عنه العدوان..

كان المنارة التي تشع المعرفة بكل أنواعها في العالم الإسلامي والعالم العربي، ثم شاءت ظروف الحكم والسياسة وقهر الشعب أن ترد الأزهر على دراسة الدين وفصلته أو كادت عن شئون الدنيا المتطورة من حوله.

وليس هذا في شيء من الدين ولا هو في شيء من الإسلام، فالدين لا يفرق بين شئون الدين والدنيا، والإسلام منذ وجد منهج للحياة، ومشاركة خالصة في سعادة الإنسان في الدنيا بحسبانه عضوا في جماعة متطورة لا بد أن يأخذ حظه من العلم والحضارة والتقدم المادي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 09:28 am

الأزهر الخالد
=======
تمهيد:
الأزهر هو أعرق الجامعات العلمية في العالم، فهو أطولها عمراً وأجلها أثراً في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، بل في تاريخ العلم كله.

والأزهر طوال عصور التاريخ حارس التراث العربي وحامل مشعل الثقافة الدينية، والملاذ الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين من كل مكان، والضوء الذي ينير لهم الطريق ويبصرهم سواء السبيل.

وللأزهر مكانة كبرى في مصر والعالم الإسلامي جميعه، وآراؤه فتاوي علمائه تقابل من كل مسلم في العالم الاسلامي بمزيد من التقدير والإجلال والطاعة.

ولم تقم في مصر جامعة علمية بالمعنى الصحيح قبل الأزهر، الذي له تاريخ طويل وذكريات مجيدة وآثار علمية ودينية عديدة.

من تاريخ الأزهر:
=========
أنشأ الجامع الأزهر جوهر الصقلى قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه بعد فتحه مصر بنحو عام، وقد شرع في بنائه يوم السبت لست جمادي الأولى سنة 359ه‍ - 970م، ويذكر بعض المؤرخين أنه شرع في بنائه في يوم السبت الرابع من شهر رمضان في العام نفسه.

وقد كمل بناؤه لسبع خلون من شهر رمضان سنة 361ه‍ - 22 يونيو سنة 972م، وكان الغرض من إنشائه أن يكون رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية -ومنبرا للدعوة التي حملتها هذه الدولة الجديدة إلى مصر.

وقد أطلق على هذا المسجد اسم الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب إليها الفاطميون، أو لأنه كان يحيط به قصور فخمة تسمى بالقصور الزهراء، أو لأنه كان يظن أن هذا الجامع أكثر الجوامع فخامة ورواء، أو للتفاؤل بأنه سيكون أعظم المساجد ضياء ونورا..

وقد احتفل بافتتاحه في أول جمعة من رمضان عام 361ه‍.

وأصبح هذا الجامع مسجد الدولة الرسمي، وقد حرص وزير المعز يعقوب بن كلس على أن يقيم حفلة علمية في الأزهر، حيث كان يقرأ على الناس في مجلس خاص يوم الجمعة مصنفاته في الفقه الفاطمي، كما كان يجتمع يوم الثلاثاء بالفقهاء وجماعة لمتكلمين وأهل الجدل، وحرص الخليفة كذلك على تكليف كبار العلماء بإقامة حلقات علمية في أروقة الأزهر لتدريس الفقه الفاطمي، وكان يمنحهم مرتبات شهرية.

ولهذا صار الأزهر جامعة علمية، وظهر ذلك جليا حينما بدأت حلقاته تتحول إلى دراسة جامعية علمية مستقرة.

وذلك عام 378ه ‍- 988م حينما استأذن ابن كلس الخليفة العزيز باللّه في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة والدرس في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر، وكان عددهم 37 فقيهاً.

وفي عام 380 ه‍ رتب المتصدون لقراءة العلم بالأزهر... وبذلك صار الأزهر معهدا جامعيا للعلم والتعليم والدراسة.

ومن هذا التاريخ يبدأ الأزهر حياته العلمية الجامعية الصحيحة.

الفاطميين الذين وقفوا عليه الوقوف وأحاطوه بالرعاية، وكان في مقدمة الأساتذة المدرسين في الأزهر بنو النعمان قضاة مصر.

ولما قامت الدولة الأيوبية في مصر عام 567ه‍ـ على يدي مؤسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي، محا من مصر المذهب الفاطمي وأحل محله المذهب السني، وغالى الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة وأفتوا بإبطال إقامة الجمعة في الأزهر..، فلبثت معطلة فيه نحو مائة عام، فقضى الأزهر هذه المدة في ركود طويل، وقد ظلت حلقات الدراسة فيه على الرغم من ذلك مستمرة دون أن تحظى هذه الحلقات في ذلك العصر بكثير من رعاية الدولة.

وفي عام 665ه‍ أعيد افتتاح الأزهر لصلاة الجمعة في عهد بيبرس الذي شجع العلم فيه هو ولأمراء والقواد، ووقفوا عليه الأوقاف الطائلة...

واستمر الأزهر يؤدي واجبه الديني والعلمي في عهد المماليك وعهد الدولة العثمانية وعهد النهضة المصرية الحديثة.

وأول شيخ تولى مشيخة الأزهر كما يحدثنا التاريخ هو الشيخ الخراشي المالكي المتوفى عام 1101ه‍ وتولى بعده الكثير من مشايخ الأزهر حتى بلغوا حتى اليوم 41 شيخا آخرهم شيخ الأزهر الحالي الشيخ عبد الرحمن تاج.

وفي عهد محمد علي وأسرته انتقصت أوقاف الأزهر وحقوقه، ولكنه ظل يؤدي واجبه العلمي والديني بنشاط كبير.

ومن الأزهر كان طلبة البعوث الذين بعث بهم محمد علي إلى أوروبا وعادوا إلى مصر ينشرون العلم والمعرفة والنهضة في كل مكان، وكانت جل المدارس التي أنشأها محمد علي تأخذ طلبتها من طلبة الأزهر الشريف، ولما أنشئت دار العلوم عام 1871م ومدرسة القضاء الشرعي عام 1907م استمدتا طلبتهما من الأزهر.

وكان مدرسو الدين واللغة ومعاهدها من خريجي الأزهر الشريف، وكذلك كان طلبة مدرسة المعلمين الأولية وأساتذتها.

وقد قام لأزهر بنشاط كبير، وأسهم بنصيب ضخم من الجهاد الوطني في جميع المواقف القومية الوطنية فهو الذي قاوم الاحتلال الفرنسي لمصر وهو الذي أذكى لهيب الثورة العرابية، وهو الذي غذي ثورة عام 1919م، وله في كل موقف وطني جهاد مذكور مشكور.

ومنذ آخر القرن التاسع عشر إلى عصرنا وضعت قوانين منظمة لشئون الأزهر. ومن أشهر هذه القوانين قانون عام 1930م بإصلاح الأزهر الشريف، وآخر هذه القوانين قانون عام 1936م الذي يسير الأزهر عليه اليوم في نظامه الجامعي والعلمي، وفي تقسيمه إلى معاهد وكليات 1.

فضل الأزهر على العلوم والآداب:
===-==============
الأزهر بيت العلم العتيق ومثابة الثقافة الإسلامية، حمل لواء المعرفة في مصر وفي الشرق الإسلامي قرونا متصلة وحفظ التراث الإسلامي في الدين واللغة والعلوم ونشره على الآفاق طيلة ألف سنة أو يزيد.

وقد تخرج فيه أفواج من العلماء خلال عصور التاريخ ممن انتشروا في بقاع الأرض وحملوا معهم مشاعل المعرفة والثقافة التي تزودوا بها في الأزهر فأضاءوا الأرض علما ونورا ورشادا.

ولا يزال الأزهر حتى اليوم كعبة العلوم والآداب ومعقد آمال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

والأزهر هو الذي حفظ العلوم الإسلامية واللغة العربية من الضياع والاندثار وهو الذي حفظ للأدب العربي، في شتى بلاد العروبة، رونقه وبهاءه. وقد تخرج فيه العديد من العلماء والأدباء والكتاب والخطباء والشعراء في كل عصر وكل جيل.
__________
1) راجع الأزهر في ألف عام- 3 أجزاء-تأليف محمد خفاجي.
__________
أثر الأزهر في التوجيه الديني:
================
والأزهر منذ أنشىء حتى اليوم هو الذي يتولى قيادة الحركة الدينية في العالم الإسلامي، وآراء شيوخه في الحجة القوية التي يقابلها المسلمون في شتى بقاع الأرض بالطاعة والامتثال والقبول.

وقد خرَّج الأزهر الكثير من رجال الدين منذ أنشىء إلى اليوم، وخريجوه هم الذين تولوا قيادة الحركة الدينية في كل مكان من بلاد العالم الإسلامي.

وفي الأزهر هيئة كبار العلماء التي أنشئت بمقتضى قانون عام 1911م، وفيه كذلك لجنة للفتوى عام 1937م، وهاتان الهيئتان لهما أثر كبير في التوجيه الديني في العالم الاسلامي.

ومن أعلام الأزهر وأئمته في التوجيه الديني الإمام محمد عبده (1266ه ‍- 1905م) وله فضل كبير في الإصلاح الديني وفي إصلاح الأزهر.

ومن أعلامه كذلك محمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق وسواهما، ممن قادوا الحركة الدينية ووجهوها توجيها قويا في العالم الاسلامي كافة.

والأزهر بحق قائد الحركة الدينية في العالم الإسلامي قاطبة.

مكانة الأزهر في العالم الإسلامي:
==================
ولقد ورث الأزهر الحديث ميراثا روحيا وثقافيا ضخما جليلا عن الأزهر القديم، ورث عنه الرسالة الدينية التي قام منذ أن أنشىء لحمل أمانتها، والتي أخذها بكلتا يديه ليؤديها إلى العالم شعلة مضيئة هادية، ومثلا رفيعا، ومذهبا فكريا قادرا على قيادة الحياة والبشرية جميعا إلى السلام والإخاء والأمن والرفاهية.

وورث عنه الرسالة الثقافية التي جاهد من أجلها أجيالا طوالا، والتي قامت عليها أروقته ومحاريبه وقبابه ومآذنه الشم، ودأبت على الكفاح في سبيلها حلقاته الطاهرة، التي تجمع فيها شباب المسلمين -من شتى الأقطار والشعوب- على كلمة الحق والتقوى والمعرفة، استجابة لأمر اللّه، وتحقيقا لفكرة الإسلام، وسعيا وراء الحقيقة التي هي أكبر محرر للأمم، والجماعات والأفراد. من أغلال الجهل والجمود والتأخر.

وعاشت حلقات الأزهر الجليلة طويلا خلال هذه الأجيال، وهي نحمل عن العالم الإسلامي رسالة الإسلام الروحية والدينية والثقافية، وتؤديها ناصعة بيضاء كخيوط الفجر، مشرقة هادية كضوء الشمس، ومن هذه الحلقات تخرج زعماء العالم الاسلامي في القديم، وكانت عن جدارة بمثابة مصنع يصنع الرجال والأبطال، ممن قادوا الشعوب الإسلامية إلى النهضة، والحضارة والعزة، مما جعل للأزهر مكانة كبرى في العالم الإسلامي.

مواقف خالدة للأزهر:
===========
ولا ننس أن الأزهر قد قاد في القديم ثورتين كبيرتين تعدان من أسبق الثورات الدستورية العالمية، قاد إحداهما عام 1200ه‍-يناير 1786م الشيخ الدردير، وقاد الأخرى عام 1209ه‍- 1795م شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ عبد اللّه الشرقاوي، وكسب الشعب المصري من الثورة الأولى مبدأ دستوريا جليلا هو وجوب احترام الحاكم لإرادة المحكومين، وكسب من الثانية مبدأ آخر هو أن الأمة مصدر السلطان، وكانت بمثابة إعلان لحقوق الإنسان، ووثيقة فريدة من الشعوب، كما اعترف بذلك المؤرخون من العرب والغرب.

وقد حمل علماء الأزهر عبء الجهاد لتحرير مصر من الاحتلال الفرنسي منذ دخل جيش نابليون أرض الوطن فاتحا.

ولا ننس كذلك أن الأزهر قام بثورة ثالثة في صفر عام 1220ه‍ - 1805م لانهاء النفوذ التركي من مصر، ولكن دجالا سياسيا بارعا يتدفق في أعصابه الدم التركي استطاع بدهائه أن يحول المعركة إلى مغانم شخصية له ولأسرته التي حكمت مصر نحو قرن ونصف من الزمان.

وكان قائد الثورة المصرية الرابعة كذلك أزهريا صميما، هو الزعيم الوطني القائد «أحمد عرابي» الذي قاد الثورة العرابية للقضاء على نفوذ المستعمرين من الأتراك والمستغلين من الإنجليز.

كما كان زعيم الثورة الشعبية الخامسة أزهريا صميما هو المرحوم سعد زغلول، الذي كان يعمل للقضاء على الاستعمار الإنجليزي وتحرير شعب مصر من أغلاله.

ولا ننس كذلك أن قادة ثورة مصر الأحرار تتلمذوا على شيخ أزهري ورع زاهد متصوف كان رائدا روحيا لهم هو الشيخ محمد الأودن من علماء الأزهر المعاصرين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 09:30 am

الأزهر والتجديد:
=========
ولقد تطورت البيئة الثقافية في الأزهر في العصر الحديث: بتأثير الحضارة الفكرية الغربية، وبفضل لفيف من علمائه الأعلام الخالدين.

ومن الحق أن الأزهر منذ بدأ القرن التاسع عشر كان يتطلع إلى ثقافة الغرب وحضارته في شيء من الفتور والكراهية، إيمانا بقومية المسلمين السياسية والفكرية والثقافية، ولكنه لم يجحد فكرة السعي إلى النهضة، أو الإيمان بالتطور: فسافر بعض أبنائه في بعثات حكومية إلى باريس ولندن وسواهما من عواصم الغرب، وكان من أشهرهم رفاعة الطهطاوي.

وتطلع بعض علماءه في أواخر القرن التاسع عشر إلى معرفة بعض اللغات الغربية لدراسة أصول حضارة الغرب الحديثة الفكرية والثقافية، وللرد على ما يثيره بعض الغربيين حول الإسلام من شبهات، وكان في مقدمة هؤلاء الإمام محمد عبده، الذي كان أكبر رائد أزهري للفكر المصري في العصر الحديث.

ولقد نهض شيوخ الأزهر منذ أواخر القرن التاسع عشر بعبء إصلاح البيئة الثقافية داخل الأزهر، وبعث روح التجديد والحياة في حلقات الأزهر العلمية، لتكون على صلة بينابيع الفكر الحديثة المتدفقة.

وفي الحق أن الأزهر المحافظ المتمسك بتقاليده وشعائره ونظمه وحياته الثقافية كان أرجح كفة من عوامل التجديد، وتيارات الجديد.

ومنذ أكثر من ربع قرن من الزمان، أو بالتحديد في مايو سنة 1928 تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي وهو تلميذ من تلامذة الإمام محمد عبده، ولكنه ما لبث أن استقال منها في أكتوبر سنة 1929، وخلفه الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، ثم عاد الشيخ المراغي إلى المشيخة في 26 أبريل سنة 1935، وظل فيها إلى أن توفي في 22 أغسطس 1945.

وعلى يد الشيخ الظواهري تحول الأزهر إلى جامعة علمية لها كليات ثلاث: هي الشريعة واللغة وأصول الدين، وفيها أقسام للدراسات العليا ذات نظام علمي جامعي، ولكن أثر ذلك لم يظهر إلا في عهد الشيخ المراغي وعلى يديه وبتشجيعه ورعايته، فكان يشرف هو ومعاونوه من شيوخ الكليات الأزهرية على نظم هذه الدراسات، ويشترك في امتحاناتها ومناقشات رسائلها، ويرعى خريجي هذه الأقسام ويضعهم في منازلهم العلمية في كليات الأزهر، وبذلك صار الأزهر يخضع في حياته الثقافية الجديدة للنظم الجامعية الصحيحة.

هذا عدا ما صنع الشيخ من تقدير للكفايات العلمية، ورعاية للبحث الثقافي الحر في داخل الأزهر، فصنع بذلك نهضة ثقافية جديرة بالتأمل والتقدير.

الأزهر الخالد
=======
الأزهر جامعة الإسلام العريقة، ومنارته الهادية، وسيظل النور متألقا منه إلى قيام الساعة.

ومن عجب أن تقوم في مصر دعوة إلحادية ترمي إلى إلغاء التعليم الديني بحجة توحيد التعليم، أوقل إلى إلغاء المعاهد الإبتدائية والثانوية الأزهرية، والتي تمثل ثلثي بناء الأزهر العالمي، ونحو 80 في المائة من طلبة الأزهر الشريف.

ونحن نسائل هؤلاء الداعين إلى توحيد التعليم:
هل ألغت فرنسا أو انجلترا أو أمريكا التعليم الديني في بلادها؟
كلا... وهل ألغت هذه الشعوب التعليم الديني في المستعمرات التي تحكمها؟

كلا... وهل ألغت فرنسا المعاهد الابتدائية والثانوية لجامعة الزيتونة الدينية في تونس بحجة توحيد التعليم؟

كلا... إن هذا الموقف الذي يقفه طه حسين من الأزهر يدلنا على سخف شديد وتفاهة واضحة.

فطه حسين هو سفير فرنسا الثقافي في الشرق الأوسط، وهو الذي تعامل عام 1947 مع وكالة يهودية وأصدر لها مجلة الكاتب المصري، وحشد لها الأقلام ليكونوا جميعا عمالا وأجراء لدى الوكالة اليهودية في مصر.

وفي الحق أن نقول:
إن الأزهر ليس ملكا لمصر وحدها، بل كذلك ملك للعالم الإسلامي كله، وقد شارك العالم الاسلامي الأزهر في الدفاع عن الأزهر ومقوماته، وأيدت الجماعات الإسلامية في كل مكان الأزهر لا يتعلم كما يتعلم الناس، يفوته أو ينسى أنه في عام 1951 كان وهو وزير للمعارف يصرح في وفود الأزهر بأن الأزهر هو المكان الأول الذي تحيا فيه علوم الدين والعربية، وينسى كذلك ما كتبه في مناسبات عديدة في تمجيد الأزهر وثقافته.

والدكتور لطفي السيد لا يمكن أن يكون متعصبا للأزهر، وله كلمة في التنويه بالأزهر وثقافة بمناسبة ترؤسه لجنة مناقشة رسائل العالمية من درجة أستاذ عام 1944، وقد قال في كلمته هذه: أحمد اللّه أن أصبح الأزهر اليوم في مستوى علمي رفيع، وصرنا نتحدث فيه في الفلسفة القديمة، ويتحدث أصحاب الرسائل العلمية من خريجيه عن (الإله عند أرسطو) وإنها لنهضة تبشر بالخير كل الخير بإذن اللّه، وكلمته مسجلة في الجزء الثاني من كتاب (المنتخبات) لعميد الجيل الدكتور لطفي السيد.

وشهادة الدكتور منصور فهمي وأمين الخولى وسواهم للأزهر، لا يمكن أن تحمل على أي لون من العصبية، وقد كان هؤلاء وسواهم ممن أسهموا في أعمال مناقشة رسائل خريجي أقسام العالمية من درجة أستاذ في الأزهر الشريف.

على أن مناهج الأزهر اليوم متخمة بالعلوم الحديثة في شتى مراحل التعليم فيه، وهذه العلوم من الكثرة إلى حد أن صرنا نشكو من أنها أصبحت تستأثر بوقت الطالب الأزهري، وتضعف مستواه في العلوم الدينية والعربية.

وإنا لنرجو أن تزداد الثقة بالأزهر يوما بعد يوم، وما ذلك على اللّه بعزيز، وإنه لم يجن على الأزهر إلا تدخل السياسة قديما في شئونه، ونرجو للأزهر اليوم كل عزة وكرامة، ونهضة وتقدم، في شتى جوانب نشاطه الروحي والفكري والثقافي.

الدكتور طه حسين والازهر
==============
يرى د. طه أن إغلاق ثلثي الأزهر إصلاح له.. وأن إبعاد 90 في المائة من طلاب الأزهر عن معهدهم الذي ينهلون منه الثقافة الإسلامية الصحيحة يجب أن يكون هو الخطوة الثانية التي تخطوها مصر في عهد ثوارها.

والدكتور طه لم يدع في يوم من الأيام إلى إلغاء جامعة من جامعاتنا اكتفاء بأخواتها، وهو الذي حارب إدماج أقسام اللغة العربية في آداب الجامعات الثلاث في قسم واحد.

وفي عهده في وزارة المعارف كان يشجع إنشاء المدارس الأجنبية والخاصة والحرة، ولم يزعم أن من مبادىء الإصلاح إدماج هذه المدارس أو الجامعات بعضها في بعض، فكيف به يقف من الأزهر هذا الموقف العابث الذي لا يتصور طه نفسه خطره على نفسه وعلى مصر وعلى العالم العربي والإسلامي.

ولو كان الدكتور طه يحرص على سمعة الفكر المصري المعاصر حقا لما لجأ إلى هذا المنطق السوفسطائي العجيب الذي يجعل به الحق باطلا والباطل حقا، ويظن أن الناس قد صدقوا هذا المنطق المقلوب.

وأنا أزعم أن الدكتور طه سوفسطائيا وإنما هو يحاول أن يلجأ إلى منطق السوفسطائيين ليقنع الناس برأيه لغرض في نفسه. 


وأشهد أن فرنسا الاستعمارية لم تحاول في يوم من الأيام أن تغلق الأقسام الابتدائية والثانوية من جامعة الزيتونة الدينية في تونس، بدعوى توحيد التعليم، أو باسم إصلاح الزيتونة، والتعليم الابتدائي والثانوي في الأزهر -و هو الذي تجمع مناهجه بين ثقافات وزارة المعارف وعلوم الدين واللغة على أوسع نطاق- ليس هو الذي تعمل الدولة على تصفيته لأن الشعب نفسه، والدولة نفسها، لا ترى فيه إلا الخير كل الخير لمصر وللعالم الإسلامي كافة.

ولو قدر الغي التعليم الابتدائي والثانوي من الأزهر لما استطاع مثل الدكتور طه أن يتعلم وأن يسمع به الناس.

والشعوب الإسلامية كافة ترسل أبناءها إلى الأقسام الابتدائية والثانوية في الأزهر، فماذا يريد الدكتور طه لأبناء هذه الشعوب الإسلامية بعد إغلاق المعاهد الأزهرية الابتدائية والثانوية، أظنه سيحاول أن يشرع لهذه الشعوب، كما يحاول اليوم أن يشرع لمصر ولشعب مصر ولثورة مصر.

وفي البلاد الإسلامية معاهد ابتدائية وثانوية على غرار الأزهر، وبعضها تتبع الأزهر، فماذا تصنع يا دكتور طه بهذه المعاهد بعد إغلاق مثيلاتها من الأزهر في مصر؟.

وأنت تعلم أن مثل هذه المعاهد هي الوسيلة الوحيدة لتعليم الثقافة الإسلامية والعربية في بعض الشعوب المسلمة التي يحكمها الاستعمار.

ويعمل جاهدا على أن يحطم فيها كل مقوماتها لتظل فريسة في أنيابه إلى الآن.

وما رأيك يا دكتور طه وأنت تدعو إلى تعليم الشعب في أن هذه الأقسام الابتدائية والثانوية هي التي كان يلجأ إليها أبناء الشعب ليتعلموا ويتثقفوا، ثم هي الوسيلة الوحيدة للتعليم لدى أغلبية الريف الذين لا يؤمنون إلا بالأزهر وثقافته.

والدكتور طه لا يجهل أن هذا التعليم الديني قد قام تحقيقا لمشيئة أهل مصر الإسلامية، ووقف عليه المسلمون في مصر وغيرها أوقافا طائلة، ولا يزالون يمدونه بالعون والرعاية في مصر الإسلامية وفي غيرها من الشعوب المسلمة، وأنه هو الذي تحققت فيه مجانية التعليم وديمقراطيته وظروف تكافؤ الفرص أمام الشباب الإسلامي لا اليوم فحسب، ولا الأمس فقط، بل طيلة ألف عام أو يزيد.

والدكتور طه يدعو إلى توحيد التعليم تحت راية وزارة المعارف وجعل كليات الأزهر معاهد للتخصص في الثقافة الإسلامية، وكيف يتخصص أصول الفقه وعلوم أصول الدين وفلسفة العربية في كتاب سيبوية وغيره، وفلسفة اللغة في الخصائص والمخصص وغيرهما.

والدكتور طه يقول: إنه يحب أن يشارك الأزهريون في كل ميدان، فيكون منهم مهندسون وأطباء وسوى ذلك، وأنا أحب أن يشرح الدكتور للناس ذلك، فلقد أحب ألا يكون هناك تعليم ابتدائي أو ثانوي خاضع للأزهر، ثم فرض أن حامل التوجيهية سوف يدخل كليات الأزهر ليتخصص في الدين واللغة، فمتى يكون مهندسا أو طبيبا؟

أيكون ذلك وهو يحمل التوجيهية فقط، أم سوف يكون كذلك بعد تخرجه من الأزهر؟ أليس هذا هو عين سوفسطائية الدكتور طه، التي ينعتها بلقب التجديد واسم المنطق.

والدكتور طه، يعلم أن حامل التوجيهية لن يدخل الأزهر لأنه لا يستطيع أن يدرس بعد التوجيهية علوم الأزهر وثقافته.

أرح نفسك يا دكتور من هذا الالتواء والتعقيد والتكلف البغيض، ادع في الناس إلى إغلاق الأزهر لا لذنب جناه الأزهر ولكن لأنه لم يستطع أن يؤمن بمنطقك بأفكارك.

ثم لأن له تاريخا مضيئا، ومنزلة كريمة في العالم الإسلامي منذ عشرة قرون.

إي واللّه عشرة قرون كاملة، حقق الأزهر فيها لمصر العزة والكرامة ومعاني القومية الصحيحة ورباها على الحرية، وتعشق الثورة والإيمان بمصر، مصر الخالدة العزيزة وظل فيها معقل القومية، وملاذ الفكر الحر المتوثب المنطق إلى أهدافه النبيلة في الحياة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 08:51 pm

الأزهر في القرن العشرين 1
================
من روح مصر، ومن ضميرها الوطني، وكفاحها القومي، انبثق فجر الحرية والثورة والكرامة والعزة والاستقلال لمصر الخالدة، مصر التي تقهر الأحداث، والتي تسلم أبناؤها الثائرون أمانة الوطن المفدي، بعد أجيال طويلة ملؤها النضال في سبيل الشعب: حريته وعزته وكرامته.
__________
1) محاضرة القيتها في هيئة التحرير عام 1955.
__________
وفي هذا المجال نذكر الأزهر، الأزهر العريق في التاريخ، في المجد، في الجهاد، والذي عرفت له مصر أروع الأعمال، وسجلت الأيام له أمجد الصفحات في تاريخنا القومي والوطني.


وعند ما نريد الحديث عن «رسالة الأزهر في القرن العشرين» لا بد أن نشير إلى تاريخ الأزهر في الكفاح الوطني، لأنه جزء لا يتجزأ من تاريخه الثقافي والديني، ومن رسالته التي حملها خلال العصور والأجيال، بل من تاريخ بلادنا التي حملت رسالة الثقافة والحضارة، وألهمت الإنسانية أرفع معاني النهضة والتقدم والحياة.


وفي هذه السبيل نذكر الشيخ الإمام الدردير رضوان اللّه عليه، وتذكر كفاحه من أجل مصر وشعبها الحر الأبي، ففي عام 1200ه‍: 1786م أعلن علماء الأزهر الشريف الثورة ضد الأمراء من المماليك، لإسرافهم في فرض الضرائب، ونهب أموال الشعب، وكانت الثورة بقيادة الشيخ الدردير، الذي بادر فأعلن تصريحه الخالد المأثور: سنثور مع الشعب، وننهب بيوت المماليك كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا اللّه عليهم».


وجاء الأمراء يعتذرون للإمام الزعيم، ولم يقبل الشيخ اعتذارهم حتى ألزمهم بميثاق وطني مكتوب، أعلن فيه لأول مرة حقوق الإنسان قبل ميلاد الثورة الفرنسية بسنوات ثلاث، ونص فيه على حرية الشعب، وعدم جواز فرض ضرائب إلا بإرادته، وعلى أن الأمة مصدر السلطان.


ونذكر كذلك الشيخ الإمام عبد اللّه الشرقاوي، وجهاده من أجل مصر. على المماليك، وأجمعوا على مقاومة أمرائهم بالقوة إلى أن يستجيبوا لمطالب الشعب، وكان قائد هذه الثورة هو الإمام الشيخ عبد اللّه الشرقاوي شيخ الأزهر أيام ذاك، وكان مجلس الثورة يعقد في الأزهر، وأعضاؤه هم:


الشيخ الشرقاوي والشيخ البكري، والشيخ الأمير، والسيد عمر مكرم، ولم تنته الثورة إلا بعد اعتذار أمراء المماليك، وبعد أن أصدر أعضاء مجلس قيادة الثورة وثيقة وقعوا عليها وألزموا الأمراء بالتوقيع كذلك عليها، وكانت إعلاناً وطنياً جليلاً لحقوق الشعب، حيث تضمنت ما يلي:


1 - ألا تفرض ضريبة إلا إذا أقرها مندوبو الأمة.
2 - أن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم.
3 - ألا تمتد يد ذي سلطان إلى فرد من أفراد الأمة إلا بالحق والشرع.


وعند ما دخلت الحملة الفرنسية مصر نبعت ثورة القاهرة الأولى من الأزهر الشريف عام 1213ه‍ - 1798م، وكان مجلس الثورة مكونا من كبار علماء الأزهر آنذاك؛ ورئيسه هو الشيخ السادات؛ وكان يعقد اجتماعاته في الأزهر. 


وقد بطش نابليون بالثوار الأحرار، وأغلق الأزهر، وأعدم ثلاثة عشر عالما من أبر علمائه بوطنهم ودينهم.


وكذلك قامت ثورة القاهرة الثانية عام 1214ه ‍-1800م من قلب الأزهر، وكانت بزعامة الشيخ الأزهري والسيد الوطني عمر مكرم نقيب الأشراف في مصر، وقد أخمدت هذه الثورة بقوة وعنف، وقبض على زعمائها، ونكل بهم تنكيلاً شديداً.


وفي عام 1220ه‍ - 1805م أعلن علماء الأزهر الثورة على الوالي التركي خورشيد باشا»، وأجمعوا على عزله، وكتبوا للخليفة العثماني يومذاك، عند ما ذكره أحد قواد الأتراك بالآية الكريمة: «أَطِيعُوا اَللّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»؛ فرد عليه عمر مكرم في عزة وإباء: أولو الأمر هم العلماء وحماة الشريعة والسلطان العادل.


ولما ولي محمد على حكم مصر استبد بالحكم، وتنكر للشعب، وبطش بالحريات، وأسرف في فرض الضرائب، وخان العهد الذي عاهد عليه العلماء بأن يحكم بالعدل والشريعة، فاجتمع في الأزهر الشريف مجلس وطني من العلماء، في أواسط جمادى الأولى 1224ه‍ -أول يوليو 1809م لمقاومة محمد علي حتى يخضع لمشيئة الشعب في عدم فرض ضرائب جديدة، وإلغاء الضرائب المستحدثة، ورفض السيد عمر مكرم زعيم العلماء التوقيع على ميزانية محمد علي السنوية، وقال كلمة خالدة مأثورة: «إن هذا الحاكم -يريد محمد علي- محتال، وإذا تمكن فسيصعب إزالته، فلنحاربه من الآن.


وأسرع محمد علي فخلع السيد عمر مكرم من نقابة الأشراف، ونفاه إلى دمياط، وقد ألقى السيد عمر مكرم تصريحا عقب إبلاغه بصنيع محمد علي معه، جاء فيه: «إني راغب عن منصب النقابة، زاهد فيه، فليس فيه إلا التعب. 


وأما النفي فهو غاية مطلوبي، حتى لا أكون مسئولا أمام اللّه عن ظلم يقع على الشعب، وإني لا أريد إلا أن أعيش في بلدة لا تدين لحكم محمد علي». 


وظل السيد عمر مكرم منفيا في دمياط وطنطا حتى توفاه اللّه عام 1237ه‍ - 1822م.


ولسنا ننسى الثورة العرابية وزعيمها الأزهري المصري القائد: أحمد عرابي، وكيف وقف علماء الأزهر وراءه صفا موحدا، يدعون الشعب إلى الجهاد تحت رايته، وأصدروا فتوى شرعية بمروق الخديوي توفيق عن الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده. وأعلنوا في المؤتمر الوطني عزل توفيق، ووقف أوامره وتكليف عرابي بالدفاع عن البلاد، وأن يبلغ المجلس الوطني هذه القرارات إلى السلطان.


وقد نكل الإنجليز وتوفيق بعد ذلك بعلماء الأزهر تنكيلا شديدا.


واستمر شيوخه لا يبالون بالحكام من أسرة محمد علي، ولهم في ذلك مواقف مشهورة، حتى قامت الثورة المصرية عام 1919. 


فنبعت من قلب الأزهر، واشتعلت شرارتها في صحته، وانبثق من منبره ومحرابه فجر الحرية لشعبنا المجيد الذي نال ما تمناه بفضل كفاحه الطويل العتيد.


ولا ننس موقف الشيوخ الثلاثة: عبد المجيد سليم ومأمون الشناوي وإبراهيم حمروش، من سياسة القصر وعبثه بقوانين الأزهر واستقلاله وحريته، وكيف أصدروا بيانا مطبوعا موجها إلى العالم الإسلامي، ينددون فيه بفاروق ورئيس ديوانه ورئيس وزرائه، ويسجلون عليهم في صراحة تدخلهم في شئون الأزهر وعبثهم بقوانينه. 


وللشيخ عبد المجيد سليم عند ما هدده رئيس الديوان بالخطر كلمة مأثورة خالدة: ما دمت أتردد بين بيتي والمسجد فلا خطر بإذن اللّه، وله كلمة أخرى ندد فيها بفاروق وعبثه ومجونه عند ما أقام في كابري لاهيا عابثا، قالها الشيخ وأعلنها وسارت مسير الأمثال، وهي: «تقتير هنا وإسراف هناك».


هذه قطرة من كفاح الأزهر وأدائه لرسالته، وللأمانة الملقاة على كواهل علمائه نحو الشعب. 


وهي تصور لنا في وضوح روح الأزهر وجوهره وسر خلوده وبقائه شاهق الذرى على مر الأجيال، راسخا يرسل الضوء والنور والهدى إلى كل مكان رسوخ الجبال الراسيات. 


وهل هناك أروع من أن يصدر شيخ معمم فتوي ببيع أمراء المماليك الأتراك ليصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، لأن حكم الرق سار عليهم، وهم أرقاء لسادتهم من أبناء مصر، لأن السلطان اشتراهم من مال الدولة، ولا يزال حكم الرق مستصحبا عليهم. 


وكان من جملة هؤلاء الأمراء نائب السلطنة، وكلهم أصحاب حكم، وسلطان ونفوذ وجاه، وكان ذلك في منتصف القرن السابع الهجري، وبعد منتصف القرن الثاني عشر الإمام هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضوان اللّه عليه.


وبعد فإن رسالة الأزهر في القرن العشرين تشمل الرسالة الدينية الكبرى، والرسالة الثقافية والأدبية، ورسالته الوطنية والاجتماعية.


فمن صميم رسالته الدينية:
1 - إنشاء المراكز الإسلامية في دول أوروبا وأمريكا والشرق الأقصى وأفريقيا لنشر رسالة الإسلام وتعاليمه الصحيحة.


2 - وتلخيص رسالة الإسلام في مؤلفات حديثة، ونشرها بجميع اللغات العالمية.


3 - ومحاربة المادية والمذاهب الهدامة الوافدة علينا من أوروبا وأمريكا والدعوة إلى الروحية السامية المهذبة، وإذاعتها بين جميع الطبقات.


4 - والعمل على إنماء الأخوة الدينية والروحية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونشر رسالة التقدم الروحي والديني في البلاد الإسلامية.


5 - وإذاعة مبادىء الإسلام وأصوله الرفيعة الصالحة لقيادة الإنسانية بين مختلف الجماعات والطبقات، وإحياء الشعور الديني وتنمية روح التدين بين الأفراد والشعوب.


ومن صميم رسالة الأزهر الثقافية والأدبية:
1 - نشر التراث القديم في شتى العلوم الإسلامية نشراً علمياً حديثاً.


2 - ووضع مؤلفات حديثة في جميع فروع الثقافة، وتناول مشكلاتنا العامة والخاصة بالدراسة والبحث على ضوء الدين.


3 - وإقامة معاهد دينية في جميع مدن مصر والعواصم العربية والإسلامية لتعميم الثقافة الدينية الصحيحة.


4 - وترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة دقيقة إلى شتى اللغات.


5 - والنظر إلى مناهج الأزهر وعلومه وكتبه الدراسية نظرة جدية جديدة تتفق وحياتنا الفكرية ومطالبنا الروحية.


6 - ودعم التقاليد الجامعية الصحيحة في الأزهر مما يتفق وتقاليده القديمة الموروثة، وتعزيز النظام العلمي الجامعي فيه، وإقرار نظام الدراسات العليا فيه على أسس جامعية رفيعة.


7 - وإنشاء أقسام جديدة في كليات الأزهر لدراسة اللغات والآداب الأوروبية الحديثة، وأهم المذاهب الروحية والفكرية المعاصرة.


8 - وتنمية التعاون الثقافي بين الأزهر ومختلف المعاهد والجامعات في الشرق والغرب.


9 - وكذلك نشر الثقافة العربية والأدبية، وإخراج أمهات كتب اللغة ومصادر الأدب إخراجاً علمياً منظماً.


10 - وتنظيم المواسم الثقافية والأدبية لزيادة ثقافة الشباب، والارتفاع بمستواهم الفكري.


ومن صميم رسالة الأزهر الوطنية والاجتماعية.
1 - العمل على بعث الروح الثوري في الشعب.


2 - ومشاركة الدولة في التوجيه الاجتماعي والوطني في صفوف الأمة.


3 - والمعاونة في محو الأمية، وفي نشر الأمن، وإذاعة الوئام بين الناس، وفي خلق روح التضحية والقومية والإيثار والعدل وحب تحمل المسئولية في نفوس الشباب.


إلى غير ذلك من صميم رسالة الأزهر التي هي جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام ديننا الكريم.


ومن المؤسف حقا أن تكون القوانين في الأزهر رجعية عتيقة بالية إلى الحد الذي يحول بين الكثير من الشباب والتعليم الديني، وأن تهمل أمور الشباب فيه إهمالا خطيرا فلا يلقون رعاية ولا توجيها خارج حجرات الدراسة. 


ولا يتمتعون برحلات علمية منظمة، ولا بنواد رياضية صغيرة أو كبيرة، ولا باتحاد منظم يرعى شئونهم إلى غير ذلك من شتى ألوان التقصير الذي نشكو منه ونطالب بتلافيه.


ويحضرني هنا رأي قديم للمرحوم مصطفى صادق الرافعي، إذ قال:
إنه لا ضير على الأزهر أن تعاونه الشعوب والحكومات الإسلامية بالمال والنفقة الواسعة؛ ليسير قدما نحو أداء رسالته كاملة غير منقوصة في خدمة الشعوب العربية والإسلامية، وإنه لا ضير عليه كذلك من منح ألقاب علمية للمفكرين المسلمين في كل مكان، فإن في ذلك زيادة لنفوذه الديني والروحي في شتى أنحاء العالم الإسلامي.


وبعد فلقد اجتمعت كلمة مصر والأزهريين على النهوض بهذا المعهد العتيق، ورفعه إلى الأمام بيد قوية وعقل فتي، وروح وثاب، ونحن لا ننسى موقف الثورة منا؛ ورعايتها للأزهر وسط المحن والشدائد والدعوات الإلحادية السافرة، فلقادة الثورة وأبطالها الشكر والتقدير على تصريحاتهم القوية النبيلة التي أعزوا بها من شأن الأزهر، ودافعوا فيها عن حضارة الإسلام ومعهده العتيق.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   14/02/17, 10:31 pm

الأزهر في القرن العشرين 1
=================
من روح مصر، ومن ضميرها الوطني، وكفاحها القومي، انبثق فجر الحرية والثورة والكرامة والعزة والاستقلال لمصر الخالدة، مصر التي تقهر الأحداث، والتي تسلَّم أبناؤها الثائرون أمانة الوطن المُفدَّي، بعد أجيال طويلة ملؤها النضال في سبيل الشعب: حريته وعزته وكرامته.
__________
1) محاضرة القيتها في هيئة التحرير عام 1955.
---------------
وفي هذا المجال نذكر الأزهر، الأزهر العريق في التاريخ، في المجد، في الجهاد، والذي عرفت له مصر أروع الأعمال، وسجلت الأيام له أمجد الصفحات في تاريخنا القومي والوطني.


وعند ما نريد الحديث عن «رسالة الأزهر في القرن العشرين» لابد أن نشير إلى تاريخ الأزهر في الكفاح الوطني، لأنه جزء لا يتجزأ من تاريخه الثقافي والديني، ومن رسالته التي حملها خلال العصور والأجيال، بل من تاريخ بلادنا التي حملت رسالة الثقافة والحضارة، وألهمت الإنسانية أرفع معاني النهضة والتقدم والحياة.


وفي هذه السبيل نذكر الشيخ الإمام الدردير رضوان اللّه عليه، وتذكر كفاحه من أجل مصر وشعبها الحر الأبي، ففي عام 1200 ه‍: 1786 م أعلن علماء الأزهر الشريف الثورة ضد الأمراء من المماليك، لإسرافهم في فرض الضرائب، ونهب أموال الشعب، وكانت الثورة بقيادة الشيخ الدردير، الذي بادر فأعلن تصريحه الخالد المأثور: سنثور مع الشعب، وننهب بيوت المماليك كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا اللّه عليهم».


وجاء الأمراء يعتذرون للإمام الزعيم، ولم يقبل الشيخ اعتذارهم حتى ألزمهم بميثاق وطني مكتوب، أعلن فيه لأول مرة حقوق الإنسان قبل ميلاد الثورة الفرنسية بسنوات ثلاث، ونص فيه على حرية الشعب، وعدم جواز فرض ضرائب إلا بإرادته، وعلى أن الأمة مصدر السلطان.


ونذكر كذلك الشيخ الإمام عبد اللّه الشرقاوي، وجهاده من أجل مصر على المماليك، وأجمعوا على مقاومة أمرائهم بالقوة إلى أن يستجيبوا لمطالب الشعب، وكان قائد هذه الثورة هو الإمام الشيخ عبد اللّه الشرقاوي شيخ الأزهر أيام ذاك، وكان مجلس الثورة يعقد في الأزهر، وأعضاؤه هم: الشيخ الشرقاوي: والشيخ البكري، والشيخ الأمير، والسيد عمر مكرم.


ولم تنته الثورة إلا بعد اعتذار أمراء المماليك، وبعد أن أصدر أعضاء مجلس قيادة الثورة وثيقة وقعوا عليها وألزموا الأمراء بالتوقيع كذلك عليها، وكانت إعلاناً وطنياً جليلاً لحقوق الشعب، حيث تضمنت ما يلي:
1 - ألا تفرض ضريبة إلا إذا أقرها مندوبو الأمة.
2 - أن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم.
3 - ألا تمتد يد ذي سلطان إلى فرد من أفراد الأمة إلا بالحق والشرع.


وعند ما دخلت الحملة الفرنسية مصر نبعت ثورة القاهرة الأولى من الأزهر الشريف عام 1213ه‍ - 1798م، وكان مجلس الثورة مكونا من كبار علماء الأزهر آنذاك؛ ورئيسه هو الشيخ السادات؛ وكان يعقد اجتماعاته في الأزهر. 


وقد بطش نابليون بالثوار الأحرار، وأغلق الأزهر، وأعدم ثلاثة عشر عالما من أبر علمائه بوطنهم ودينهم.


وكذلك قامت ثورة القاهرة الثانية عام 1214ه‍ - 1800م من قلب الأزهر، وكانت بزعامة الشيخ الأزهري والسيد الوطني عمر مكرم نقيب الأشراف في مصر، وقد أخمدت هذه الثورة بقوة وعنف، وقبض على زعمائها، ونكَّل بهم تنكيلاً شديداً.


وفي عام 1220ه‍ - 1805م أعلن علماء الأزهر الثورة على الوالي التركي خورشيد باشا»، وأجمعوا على عزله، وكتبوا للخليفة العثماني يومذاك، عند ما ذكره أحد قواد الأتراك بالآية الكريمة: «أَطِيعُوا اَللّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ»؛ فرد عليه عمر مكرم في عزة وإباء: أولو الأمر هم العلماء وحماة الشريعة والسلطان العادل.


ولما ولي محمد على حكم مصر استبد بالحكم، وتنكر للشعب، وبطش بالحريات، وأسرف في فرض الضرائب، وخان العهد الذي عاهد عليه العلماء بأن يحكم بالعدل والشريعة، فاجتمع في الأزهر الشريف مجلس وطني من العلماء، في أواسط جمادى الأولى 1224ه‍ - أول يوليو 1809م لمقاومة محمد علي حتى يخضع لمشيئة الشعب في عدم فرض ضرائب جديدة، وإلغاء الضرائب المستحدثة.


ورفض السيد عمر مكرم زعيم العلماء التوقيع على ميزانية محمد علي السنوية، وقال كلمة خالدة مأثورة: «إن هذا الحاكم -يريد محمد علي- محتال، وإذا تمكن فسيصعب إزالته، فلنحاربه من الآن، وأسرع محمد علي فخلع السيد عمر مكرم من نقابة الأشراف، ونفاه إلى دمياط، وقد ألقى السيد عمر مكرم تصريحا عقب إبلاغه بصنيع محمد علي معه، جاء فيه: «إني راغب عن منصب النقابة، زاهد فيه، فليس فيه إلا التعب. 


وأما النفي فهو غاية مطلوبي، حتى لا أكون مسئولا أمام اللّه عن ظلم يقع على الشعب، وإني لا أريد إلا أن أعيش في بلدة لا تدين لحكم محمد علي». 


وظل السيد عمر مكرم منفياً في دمياط وطنطا حتى توفَّاه اللّه عام 1237ه‍ - 1822م.


ولسنا ننسى الثورة العرابية وزعيمها الأزهري المصري القائد: أحمد عرابي، وكيف وقف علماء الأزهر وراءه صفاً موحداً، يدعون الشعب إلى الجهاد تحت رايته، وأصدروا فتوى شرعية بمروق الخديوي توفيق عن الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده. 


وأعلنوا في المؤتمر الوطني عزل توفيق، ووقف أوامره وتكليف عرابي بالدفاع عن البلاد، وأن يبلغ المجلس الوطني هذه القرارات إلى السلطان.


وقد نكَّل الإنجليز وتوفيق بعد ذلك بعلماء الأزهر تنكيلاً شديداً.


واستمر شيوخه لا يبالون بالحكام من أسرة محمد علي، ولهم في ذلك مواقف مشهورة، حتى قامت الثورة المصرية عام 1919. 
فنبعت من قلب الأزهر، واشتعلت شرارتها في صحته، وانبثق من منبره ومحرابه فجر الحرية لشعبنا المجيد الذي نال ما تمناه بفضل كفاحه الطويل العتيد.


ولا ننس موقف الشيوخ الثلاثة: عبد المجيد سليم ومأمون الشناوي وإبراهيم حمروش، من سياسة القصر وعبثه بقوانين الأزهر واستقلاله وحريته، وكيف أصدروا بيانا مطبوعا موجها إلى العالم الإسلامي، ينددون فيه بفاروق ورئيس ديوانه ورئيس وزرائه، ويسجلون عليهم في صراحة تدخلهم في شئون الأزهر وعبثهم بقوانينه. 


وللشيخ عبد المجيد سليم عند ما هدده رئيس الديوان بالخطر كلمة مأثورة خالدة: ما دمت أتردد بين بيتي والمسجد فلا خطر بإذن اللّه، وله كلمة أخرى ندد فيها بفاروق وعبثه ومجونه عند ما أقام في كابري لاهيا عابثا، قالها الشيخ وأعلنها وسارت مسير الأمثال، وهي: «تقتير هنا وإسراف هناك».


هذه قطرة من كفاح الأزهر وأدائه لرسالته، وللأمانة الملقاة على كواهل علمائه نحو الشعب. 


وهي تصور لنا في وضوح روح الأزهر وجوهره وسر خلوده وبقائه شاهق الذرى على مر الأجيال، راسخا يرسل الضوء والنور والهدى إلى كل مكان رسوخ الجبال الراسيات. 


وهل هناك أروع من أن يصدر شيخ معمم فتوي ببيع أمراء المماليك الأتراك ليصرف ثمنهم في مصالح المسلمين، لأن حكم الرق سار عليهم، وهم أرقاء لسادتهم من أبناء مصر، لأن السلطان اشتراهم من مال الدولة، ولا يزال حكم الرق مستصحباً عليهم. 


وكان من جملة هؤلاء الأمراء نائب السلطنة، وكلهم أصحاب حكم، وسلطان ونفوذ وجاه، وكان ذلك في منتصف القرن السابع الهجري، وبعد منتصف القرن الثاني عشر الإمام هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام رضوان اللّه عليه.


وبعد فإن رسالة الأزهر في القرن العشرين تشمل الرسالة الدينية الكبرى، والرسالة الثقافية والأدبية، ورسالته الوطنية والاجتماعية.


فمن صميم رسالته الدينية:
1 - إنشاء المراكز الإسلامية في دول أوروبا وأمريكا والشرق الأقصى وأفريقيا لنشر رسالة الإسلام وتعاليمه الصحيحة.


2 - وتلخيص رسالة الإسلام في مؤلفات حديثة، ونشرها بجميع اللغات العالمية.


3 - ومحاربة المادية والمذاهب الهدامة الوافدة علينا من أوروبا وأمريكا والدعوة إلى الروحية السامية المهذبة، وإذاعتها بين جميع الطبقات.


4 - والعمل على إنماء الأخوة الدينية والروحية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونشر رسالة التقدم الروحي والديني في البلاد الإسلامية.


5 - وإذاعة مبادىء الإسلام وأصوله الرفيعة الصالحة لقيادة الإنسانية بين مختلف الجماعات والطبقات، وإحياء الشعور الديني وتنمية روح التدين بين الأفراد والشعوب.


ومن صميم رسالة الأزهر الثقافية والأدبية:
1 - نشر التراث القديم في شتى العلوم الإسلامية نشراً علمياً حديثاً.


2 - ووضع مؤلفات حديثة في جميع فروع الثقافة، وتناول مشكلاتنا العامة والخاصة بالدراسة والبحث على ضوء الدين.


3 - وإقامة معاهد دينية في جميع مدن مصر والعواصم العربية والإسلامية لتعميم الثقافة الدينية الصحيحة.


4 - وترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة دقيقة إلى شتى اللغات.


5 - والنظر إلى مناهج الأزهر وعلومه وكتبه الدراسية نظرة جدية جديدة تتفق وحياتنا الفكرية ومطالبنا الروحية.


6 - ودعم التقاليد الجامعية الصحيحة في الأزهر مما يتفق وتقاليده القديمة الموروثة، وتعزيز النظام العلمي الجامعي فيه، وإقرار نظام الدراسات العليا فيه على أسس جامعية رفيعة.


7 - وإنشاء أقسام جديدة في كليات الأزهر لدراسة اللغات والآداب الأوروبية الحديثة، وأهم المذاهب الروحية والفكرية المعاصرة.


8 - وتنمية التعاون الثقافي بين الأزهر ومختلف المعاهد والجامعات في الشرق والغرب.


9 - وكذلك نشر الثقافة العربية والأدبية، وإخراج أمهات كتب اللغة ومصادر الأدب إخراجاً علمياً منظماً.


10 - وتنظيم المواسم الثقافية والأدبية لزيادة ثقافة الشباب، والارتفاع بمستواهم الفكري.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:13 am

ومن صميم رسالة الأزهر الوطنية والاجتماعية:
1 - العمل على بعث الروح الثوري في الشعب.
2 - ومشاركة الدولة في التوجيه الاجتماعي والوطني في صفوف الأمة.
3 - والمعاونة في محو الأمية، وفي نشر الأمن، وإذاعة الوئام بين الناس، وفي خلق روح التضحية والقومية والإيثار والعدل وحب تحمل المسئولية في نفوس الشباب.
إلى غير ذلك من صميم رسالة الأزهر التي هي جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام ديننا الكريم.


ومن المؤسف حقا أن تكون القوانين في الأزهر رجعية عتيقة بالية إلى الحد الذي يحول بين الكثير من الشباب والتعليم الديني، وأن تهمل أمور الشباب فيه إهمالا خطيرا فلا يلقون رعاية ولا توجيها خارج حجرات الدراسة. 


ولا يتمتعون برحلات علمية منظمة، ولا بنواد رياضية صغيرة أو كبيرة، ولا باتحاد منظم يرعى شئونهم إلى غير ذلك من شتى ألوان التقصير الذي نشكو منه ونطالب بتلافيه.


ويحضرني هنا رأي قديم للمرحوم مصطفى صادق الرافعي، إذ قال:
إنه لا ضير على الأزهر أن تعاونه الشعوب والحكومات الإسلامية بالمال والنفقة الواسعة؛ ليسير قدما نحو أداء رسالته كاملة غير منقوصة في خدمة الشعوب العربية والإسلامية، وإنه لا ضير عليه كذلك من منح ألقاب علمية للمفكرين المسلمين في كل مكان، فإن في ذلك زيادة لنفوذه الديني والروحي في شتى أنحاء العالم الإسلامي.


وبعد فلقد اجتمعت كلمة مصر والأزهريين على النهوض بهذا المعهد العتيق، ورفعه إلى الأمام بيد قوية وعقل فتي، وروح وثاب، ونحن لا ننسى موقف الثورة منا؛ ورعايتها للأزهر وسط المحن والشدائد والدعوات الإلحادية السافرة، فلقادة الثورة وأبطالها الشكر والتقدير على تصريحاتهم القوية النبيلة التي أعزوا بها من شأن الأزهر، ودافعوا فيها عن حضارة الإسلام ومعهده العتيق.


ومنذ اليوم سيساند الأزهر الثورة وتساند الثورة الأزهر لخلق مصر الناهضة الحرة الأبية، ولإعزاز الدين والإسلام والوطن.


الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي
=================
فقدت مصر والعالم الإسلامي في مارس 1969 عالماً من أجل علماء الأزهر.. هو فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي عضو جماعة كبار العلماء ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر، انتقل للرفيق الأعلى عن 73 عاماً.. قضاها في سبيل نشر لواء العلم والدين.. 


كان آخر من تولى منصب شيخ مذهب الحنابلة بالأزهر.. وآخر بحوثه التي أعدها بحثا من المقدس وبحثا عن الجهاد في سبيل اللّه.. وآخر كتاب -ما زال تحت الطبع- هو كتاب الوحي ويقع في 300 صفحة وسيصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكان قد أتمه قبل وفاته بساعات.


تخرَّج الشيخ السبكي في الأزهر الشريف عام 1925 وعين فور تخرجه مدرساً بمعهد الزقازيق الديني، ثم نقل أستاذاً بكلية الشريعة عام 1935.


وفي نفس العام عين عضوا بلجنة الفتوى حين كان الإمام الراحل الشيخ المراغي شيخا للأزهر وتولى رئاسة اللجنة منذ خمس سنوات.. واختير مفتشاً عاماً للعلوم الدينية والعربية بالأزهر سنة 1947، وفي عام 1951 عاد إلى منصبه أستاذا بكلية الشريعة وظل بها حتى أحيل للمعاش عام 1959، وقضى 44 عاما في خدمة العلم والدين، وجند نفسه لتفسير الدين كما أنزله اللّه.


اتسع نشاط لجنة الفتوى في عهده وأصبحت تتلقى الفتاوى وترد عليهم.. وكان للشيخ السبكي مكانة في مقدمة العلماء الدارسين في علوم الدين واللغة.. وعين شيخاً لمذهب الحنابلة بالأزهر وهو آخر من تولى هذا المنصب وفي عام 1954 عين مديراً لمجلة الأزهر وعضوا في جماعة نشر الثقافة بالأزهر.


وفي السنوات الأخيرة عين رئيسا للجنة إحياء التراث الإسلامي والعربي وعضوا بلجنتي الخبراء وموسوعة عبد الناصر للفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.


وقبيل وفاته بأيام راجع فيلماً تليفزيونياً عن الإسلام سجله تليفزيون النمسا وأعد مادته العلمية فضيلة الشيخ عبد الحكيم سرور مدير الشئون العامة بالأزهر. 


وشاهد الشيخ السبكي -رحمه اللّه- الفيلم في عرض خاص وأشاد بجودته، وسيترجم الفيلم إلى مختلف اللغات، ويعرض في أنحاء العالم.


ترك سجلاً حافلاً من التراث الإسلامي.. في مقدمته كتب نغمات القرآن، ورياض القرآن، وفي ظلال الكعبة والهجرة النبوية، كما ترك عدداً كبيراً من المقالات في منبر الإسلام ولواء الإسلام والوعي الإسلامي ومجلة الأزهر والشبان المسلمين، والعديد من الأحاديث المسجلة بالتليفزيون والإذاعة.. في برامج نور على نور، ورحاب الإيمان، ورأي الدين.


وأبناؤه هم المهندس حباب المعيد بهندسة جامعة الأزهر والدكتور عادل بالقصر العيني وهاني ووفاء بطب قصر العيني جامعة القاهرة.


لقد عاش الشيخ السبكي عالماً ومعلماً وسيظل مثلاً أعلى يذكره بنوه وتلاميذه وعارفو فضله -بالتقدير والوفاء- في أرجاء العالم الإسلامي..


ماذا حدث؟ في 14 اغسطس عام 1859.. ما ذا حدث؟:
استنكر رجال الأزهر الأمر الصادر بالسماح بإقامة «الحانات» بالقاهرة وكتبوا عريضة ضمنوها استنكارهم ورفعوها إلى جناب الباب العالي.. وجاء بالعريضة أن عدد الحانات بالقاهرة بلغ 12 حانة مما ينذر بالخطر الوبيل على سمعة الدين.


نشاط أزهري
=======
عن نشاط الدعاة الأزهريين نشرت مجلة ليبيا الحديثة في عددها الصادر في 1/ 4 / 1969 حوارا بينها وبين رئيس المركز الإسلامي في بريطانيا الشيخ محمد إبراهيم الجيوشي -الدكتور فيما بعد- جاء فيه: بدأت معه الحديث عن موضوع رسالة الدكتوراه التي يعد لها في جامعة لندن.. 


موضوع شيق وجديد لم يطرقه أحد من قبل، هو البحث عن آثار مفكر إسلامي متصوف كان له أثر بعيد في الفكر الإسلامي وخاصة في التصوف.. وله بذلك منهج انصرف به عن كل شيوخ التصوف.. 


فمن المعروف أن شيوخ الصوفية يعتمدون في نقل أفكارهم وآرائهم على تلاميذهم ومريديهم ثم ينقلها هؤلاء إلى أتباعهم وهكذا.. إلا أن الشيخ الحكيم الترمذي -موضوع البحث- لم يسلك هذا المسلك بل وضع أفكاره وآراءه في كتب ورسائل بلغت أكثر من سنتين كتابا لا يزال معظمها مخطوطا ولم يطبع منها إلا حوالي أربعة كتب.. 


وشعرت بأن الشيخ محمد إبراهيم الجيوشي المدير المساعد للمركز الإسلامي بلندن سيغوص في أعماق هذه الكتب وتلك الدراسات الصوفية.. وأنا لا أزال أشعر بغمرة السعادة بعد أن أديت صلاة العيد في المركز الإسلامي بلندن الذي يتجمع فيه أكثر من المسلمين على اختلاف أجناسهم وجنسياتهم.. تراهم من الهند وباكستان وأفغانستان والملايو إلى آخر قطر عربي وكأنهم في حج صغير..


-قلت لفضيلة الشيخ الجيوشي ما هي قصة المركز الإسلامي بلندن..
فكرت انجلترا خلال الحرب العالمية الثانية أن تقوم بعمل تربط به أواصر الصلة بينها وبين العالم الإسلامي فقامت بتقديم هذا المركز إلى الحكومة المصرية في ذلك الوقت ليبني عليه مسجد للمسلمين.. 


وفي نظير ذلك قدمت الحكومة المصرية للجالية البريطانية في القاهرة قطعة أرض لتقام عليها كنيسة لهم.. بنيت الكنيسة عام 1945 ولم يبن المسجد حتى الآن.. 


اعترضت بلدية لندن على المئذنة في بادىء الأمر ثم على شكل البناء بحجة أنه لا يتناسب مع الأبنية المجاورة بعد أن حذفنا من نموذج البناء الأول المئذنة ولا تزال القضية معلقة حتى الآن!.


-ما هو عدد المسلمين في بريطانيا ومراكز تجمعهم ونشاطهم؟..
اعتقد أن عددهم يبلغ حوالي مليون أو أكثر منهم سبعون ألفا في مدينة لندن والباقي موزع في كل أنحاء الجزر البريطانية وأغلب المسلمين من الهند والباكستان حيث يشكلون 95 بالمائة من الجالية الإسلامية واليمنيون من أكثر المسلمين العرب واذكر أنه كان يتزعمهم في مدينة كارديف رجل متدين هو الشيخ عبد اللّه الحكيم وكان له نشاط ديني واسع حتى أنه أصدر صحيفة عربية ومطبعة عربية طبعت له العديد من المؤلفات ثم توقفت الجريدة عن الصدور بعد وفاة هذا الرجل الذي بنى مسجدا في مدينة كارديف يسمى مسجد نور الإسلام.


-ما هو نشاط المركز الإسلامي هنا؟..
ينقسم نشاطنا إلى ثلاثة أقسام رئيسية.
1 - قسم ديني
2 - قسم ثقافي
3 - قسم اجتماعي.


القسم الديني - يتمثل في إقامة الصلوات وخاصة صلاة الجمعة التي يحضرها حوالي خمسمائة رجل وتلقى الخطبة باللغتين العربية والانجليزية ويبدو هذا النشاط ملحوظا في شهر رمضان المبارك حيث تقام صلاة التراويح كل ليلة وإلى جانب ذلك الاحتفال بالمناسبات الرسمية كالعيد النبوي الشريف، والهجرة وغزوة بدر وفتح مكة المكرمة وليلة القدر وليلة الاسراء... الخ. 


وفي كل ذلك نحرص على ربط المسلمين ببعضهم وربط هذه الأحداث بتاريخنا المعاصر.. وفي الأعياد تجمع الزكاة وتوزع على المحتاجين إن وجدوا ولكن الذي اتبع في العيد الماضي أن الجانب الأكبر منها صرف للمنظمات الفدائية وفكرنا أن نصرف الجانب الآخر لهذه المنظمات أيضا لأنه في نظرنا أحق الوجوه إلا أن مجلس المركز الأعلى رأى أن يأخذ رأي مشيخة الأزهر في هذا.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:15 am

القسم الثقافي - يتلخص في تعليم اللغة العربية لِمَنْ يرغب من المسلمين.. وعندنا في المركز الإسلامي فصل لتدريس اللغة العربية مرتين كل أسبوع والدراسة فيه مجانية للجميع وهناك فصل آخر لتعليم تلاوة القرآن الكريم تلاوة صحيحة.. 


بجانب هذا توجد محاضرات شهرية ينظمها المركز يوم السبت الأخير من كل شهر عن موضوع إسلامي يلقيه أحد المحاضرين ثم يتبعه مناسبة عامة.. وهناك نقطة مهمة هي أن كثيرا من الكنائس والمدارس والكليات والنوادي والجمعيات المختلفة في بريطانيا تطلب منا محدثين يحدثونهم عن الإسلام فنبعث إليهم بمتحدثين يجيدون اللغة الإنجليزية ولهم اطلاع واسع بالثقافة الإسلامية ولم تكن هذه الظاهرة موجودة من قبل بهذه الصورة التي تزداد يوما بعد يوم فالناس في شوق لمعرفة حقيقة أشهر فيها أبحاث تتعلق بالفكر الإسلامي العربي..


القسم الاجتماعي - ونشاطه واسع يشمل عقود الزواج واعتناق الدين الإسلامي ومشاكل المسلمين ومعظمها نابع من البيئة التي يعيشون فيها والتي تخالف بيئتهم الأصلية كالطعام والشراب ومعاملة الناس وتربية أطفالهم تربية إسلامية في مجتمع اضطروا لأسباب مختلفة أن يعيشوا فيه.. 


وكثيرا ما تتصل بنا المستشفيات وتبلغنا بأن مريضا أو مريضة مسلمة ترفض أن تأكل أكلة معينة فنذهب إلى المستشفى ونوضح لهم ما ينبغي عدم أكله والواقع أنهم يستجيبون لمثل هذه التعاليم. 
كذلك فإننا نقوم بزيارة بعض السجناء المسلمين ونبين لإدارة السجن أوقات الصلاة وما هو محرم على المسلم أكله أو ما شابه ذلك ويشكروننا على ذلك.. وبصورة عامة فإن هذا القسم بالإضافة إلى كل ذلك ينظم الصلة بيننا وبين الجاليات الإسلامية في الجزر البريطانية.


المرأة في الأزهر
==========
التحقت فاطمة الحلفاوية من بلدة «الكمايشة» مركز تلا منوفية قد التحقت بالأزهر في سنة 1302ه‍.


وقطعت في معهد طنطا مراحل التعليم كلها -ولما حاولت الحصول على الشهادة «العالمية» أخفقت في الامتحان أمام لجنة كان رئيسها المرحوم الشيخ دسوقي العربي «طه حسين حين أراد الحصول على العالمية».


وفي سنة 1304ه‍ انتسبت بمعهد طنطا السيدة «فاطمة الغنامية» وهي من مدينة طنطا، وفي نفس العام التحقت سيدة أخرى اسمها فاطمة «العوضية» من بلدة طمبول الكبرى مركز السنبلاوين وجاء ذلك كله في سجلات الأزهر الشريف.


عميد الأدب العربي في الأزهر
==================
دخل الدكتور طه حسين الأزهر يوم الاثنين 12 أكتوبر بعد غياب طال 37 عاماً دخل يتكلم اللغة الفرنسية ويقدم لشيخ الأزهر مستر رودلف سالات مدير الشئون الثقافية بهيئة اليونسكو. 
ويسترجع مع الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر ذكريات الماضي القريب والبعيد.


وقبل أن يغادر طه حسين المعهد الذي تلقى فيه دروسه الأولى قال له شيخ الأزهر!.


-إن عليك حقاً للأزهر.. إن خدمته واجبة عليك لقد وضع الأزهر أساس حياتك العلمية وحان الأوان لترد الدين.


لقد دام اللقاء ساعة جرى خلالها حديث في الدين والعلم.. والذكريات.. ولم يحضر هذا الحديث سوى صحفي واحد هو حنفي عاشور سكرتير عام التحرير بالجمهورية.


قال الدكتور طه حسين للأستاذ الأكبر: «إنني أحب زيارة الأحرار والارتباط بهم وأقصد من الحرية، حرية الفكر وحرية المعرفة، الحرية الموصلة إلى السمو في الهدف والنبل في الغاية والتي تحقق آمال الناس جميعا فيما يهدفون إليه، أملا يبنى ولا يهدم، ويعلي ويرفع ولا يخفض.


جئت في صحبة المستر رادولف سالات ليقدم إليكم تحية هيئة اليونسكو جميعا مقدرين لكم جهودكم في إثارة الوعي الديني المنظم الذي يجمع ولا يفرق، وإنه ليقدر هو والهيئة أن الأزهر أقدم جامعات العالم وهو مصدر من مصادر الإشعاع العالمي فهو جدير بالتقدير ولذا رأى أنه من الواجب عليه أن يزور الأزهر جميعاً ممثلاً في شخصكم».


وقال الأستاذ الأكبر للدكتور طه حسين:
إننا نضع يدنا في يدك وفي يد كل محب لإعلاء شأن العقل الإنساني حتى نتمكن جميعا بيد واحدة، وتماسك واحد، أن نخوض غمار الحياة الحرة الرتيبة، وأنا أعتقد أن أول مَنْ يُقَدِّر الأزهر ويُقَدِّر جهاده إنما هو هيئة اليونسكو ونعتقد أيضاً أن توجيه العالم إلى الخير إنما هو إلى الأزهر.. إلى كل هيئة تنشد العلم وتسعى إلى المعرفة ومن بينها هيئة اليونسكو، وذلك مما يركز الأمن والاستقرار في ربوع العالم ويمنع من وقوع مثل هذه المذابح الدامية التي تقع دائماً صراعاً بين الحق والباطل وبين الحرية والاستعباد وأنا أرى أنه لا يصح أن تقف الهيئات العالمية على حد البحث العلمي الجامد، وإنما يجب عليها أن تعمل دائما لتوطيد أركان الأمن وتركيز السلام، فإنه لا يجوز أن نستخدم النعم التي أنعم اللّه بها علينا من عقول مفكرة وآراء سديدة وقوة في الإدراك، لا يجوز أن نستغل هذه أو نوجهها إلى الشر وإلى إثارة الخواطر وتحطيم القوى، وذلك كله إنما يكون عن طريق التعارف الذي يبعث على الحب والتآلف فإن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف...


ثم التفت الأستاذ الأكبر إلى الدكتور طه حسين وقال:
لعلكم تذكرون يا أخي الدكتور أن الأزهر خطا خطوة واسعة في سبيل التقريب بين المذاهب جميعا، خطا هذه الخطوة حتى في التقريب بين أهل السنة والشيعة، وكلية الشريعة الآن تدرس الفقه المقارن بين المذاهب الأربعة وبين غيرها من المذاهب الأخرى، وأنا حريص على الطلاب ويدرك العلماء الأصول ويقدروا المراجع، وأنا شخصيا أرى ذلك.. 


أي ليس في الدين ما يلزم بمذهب معين، فكل الأئمة صح عنهم «إذا صح الحديث فهو مذهبي» وأنا حريص على أن يكون مرجعنا الكتاب والسنة نستقى منهما ونأخذ عنهما وننهل من منهلهما العذب، على أن كل ما يخالف هذا الأصل ويخالف الكتاب والسنة نرده ولا نقبله، وأبو حنيفة يا دكتور يقول: إن من لم يعرف من أين أتينا برأينا لا يصح أن يقلدنا، ولقد سمعنا في أوقات كثيرة أن ابن تيمية ضال مضل ونفر المرجفون الناس من مذهبه ولكن تكشف لهم الأمر فعرفوا أنه هاد ومهد.


ثم تطرَّق الحديث إلى الذكريات.. فسأل الأستاذ الأكبر الدكتور طه حسين: أتذكر يا دكتور الموضوع الذي أسقطوك فيه في الشهادة العالمية؟


فأجاب الدكتور طه: نعم، أنه المطلق والمقيد.


ثم سأله الأستاذ الأكبر: كم سنة قضيتها في الأزهر؟


قال الدكتور طه: أنا دخلت الأزهر سنة 1902، وتركته سنة 1912، وبقيت فيه عشر سنوات، أنا أحب الأزهر وأؤمن بأنه المشعل القوي والقوي جدا الذي ينير للعالم الطريق المستقيم، وأحب فيه العلم والمعرفة وأكره التزمت، أنا أذكر يا فضيلة الشيخ يوم إن كنت طالبا وكان معي ثلاثة من الزملاء وكنت أحضر النحو على الشيخ أبو النجا وكنت حريصا على النقاش العلمي ولكن ذلك الشيخ لم يعجبه ذلك وكأنني قد أفرطت في النقاش فطردنا من الدرس وأقسم ألا يدرس ونحن في الفصل فامتثلنا وتركناه ورحنا نحضر على الشيخ عبد المعطي الشرشيمي في زاوية العميان، وكان ما كان..


ثم عاد الدكتور حسين بالذكريات إلى الماضي البعيد فقال موجها حديثه إلى الأستاذ الأكبر: أتذكر فضيلتكم يوم أن جلسنا سويا أنا وفضيلتكم والأستاذ علي عبد الرازق وأخذنا نبحث فيما يجب علينا للشريعة الإسلامية وللعقل البشري فاتفقنا يوم ذاك على أن يكتب الأستاذ علي عبد الرازق في العقيدة وتكتبون في الشريعة وأكتب أنا في تاريخ التشريع؟.


فرد الأستاذ الأكبر وقال: إنه لمن حسن الحظ أن تجيئوا اليوم وقد انتهت المطبعة من طبع كتابي في العقيدة والشريعة تحت عنوان «الإسلام عقيدة وشريعة».


فقال الدكتور طه حسين: وقد كتبت أنا أيضا في قسم التاريخ كتابا باسم «مرآة الإسلام» ولا زلنا في انتظار ما يكتبه الأستاذ علي عبد الرازق.


مضى من الوقت نصف ساعة والمسترسلات والدكتور تقي والأستاذ عبد الحكيم سرور وأنا نستمع في سعادة إلى الحديث الذي يدور بين الرجلين الفاضلين ثم قال المستر سالات -باللغة الفرنسية طبعا- وقام بالترجمة الدكتور طه حسين.. 


قال للأستاذ: إنني لأستحيى أن أذكر النسبة بين عمر اليونسكو وعمر الأزهر المديد وبين عملها وعمل الأزهر المجيد، واليونسكو وإن كانت مؤلفة من جميع دول العالم فإنني أعتقد أن قدرتها على نشر السلام في الأرض أقل بكثير من الأزهر ولكننا نطمع في الكثير من الأزهر وخاصة في عهدكم الذي يؤمن المصلحون برسالتكم فيه.


ثم قال الأستاذ الأكبر موجها كلامه للدكتور طه حسين: إن عليك حقا للأزهر وهذا الحق كذلك على كل من تتلمذ في الأزهر وأخذ من الأزهريين، وإذن فخدمة الأزهر -إن شاء اللّه- سيصل بمعونة اللّه ومعونة لإخواني المصلحين إلى جمع كلمة المسلمين ورجال الإنسانية على كلمة واحدة وهدف واحد.


قال الأستاذ الأكبر: إن الجمهورية العربية معنية كل العناية بأمر هذه ضمت خمسين جنسية من مختلف الجنسيات الإسلامية ليتفقهوا في دينهم ويتعرفوا إلى نواحي الاجتماع والتعاون والديمقراطية الصحيحة في إسلامهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وليكونوا رسائل حية لجمهوريتنا يربطون بيننا وبين إخواننا في جميع الدول وهؤلاء يعد لهم الآن منهاج دراسي يتفق وطبيعتهم ويحقق الرباط بيننا وبين دولهم ويساعدنا ويساعدهم على تحقيق رسالة الإسلام، ولقد وفد إلى الأزهر في هذه الآونة أحد المسلمين الأمريكان ليدرس في الأزهر، وقد أمرت له بمنحة شهرية.


أدعو اللّه لهذا ولغيره أن يكون جهاده وتعلمه في سبيل العلم.. في سبيل الربط الحر المتين بين دول الأرض بما ينشر السلام ويحققه.


ثم استطرد الأستاذ الأكبر قائلا: إن مشيخة الأزهر تدعوك يا دكتور طه والمستر سالات والدكتور تقي، تدعوكم من الآن لزيارة هذه المدينة المعدة على أحدث النظم في العالم..


ثم سأل المستر سالات: لما ذا لا تترجمون كتب فضيلتكم إلى اللغات الأخرى؟


فأجاب الأستاذ الأكبر: إنني أعدكم بترجمتها..


فتدخل الدكتور طه حسين في الحديث وقال: إنني أتمنى لو ترجمت إلى الأسبانية واذكر بهذه المناسبة أنني عند ما كنت وزيرا للمعارف أرسلت بعثة إلى اسبانيا فاشترك الأزهر بواحد وكنت أود أن لو انتفع به الأزهر وهو الآن أستاذا في كلية دار العلوم.


وبعد ساعة.. انتهى حديث شيخ الأزهر وطه حسين والمستر سالات.. انتهى حديثهم عن حرية الفكر.. الحرية التي توصل إلى السمو في الهدف وتحقق آمال الناس جميعا فيما يهدفون إليه.. 
الحرية التي تأبى توجيه العلم إلى الشر وتحطيم القوى.. الحرية التي تهدف إلى التعارف الحر على أساس العلم لا على أساس السياسة..


وانصرف الضيوف الثلاثة.. وأحسست بأنهم خرجوا بشيء جديد عن الأزهر.. أقدم جامعات لعالم واحد المصادر الكبرى للإشعاع العالمي..


كانوا يسيرون إلى الباب الخارجي وكأنهم يحاولون الخطو إلى الوراء.. ليتحدثوا من جديد.. عن حرية الفكر.. وحرية المعرفة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:17 am

محمد عبد المنعم خفاجي 1
-أديباً-
===============
- 1 - 
عَالِمٌ يخطو إلى السبعين، في صدره عزيمة الشباب، وعلى ظهره أعباء سنين طوال، قضاها مجاهداً مكافحاً في سبيل خدمة الثقافة والأدب، وعلى تجاعيد وجهه تلوح سمات المحتد وعراقة الأصل وطيبة النفس والتصميم على مواصلة الكفاح في رحلة شاقة إلى المجد، والإعتماد على النفس دون محاولة للاستعانة بجاه أحد أو بنفوذه.


ومن وراء ذلك كله مؤلفات ينوء بحملها جلد إنسان، وذكر ذائع في كل مكان من أرجاء العالم العربي والإسلامي، واعتزاز من كثير من المفكرين به وبأدبه.


وقد كتب عنه من المقالات ما لا يمكن حصره، ونشرت عنه دراسات عديدة من أهمها:
1 - كتاب صورة من الفكر المعاصر تأليف الأستاذ فكري أبو النصر.


2 - كتاب من رواد الأدب المعاصر تأليف الأستاذ حليم متري.
__________
1) ص 34 ج‍ 4 صور من الأدب الحديث - مكتبة الأنجلو بالقاهرة.
---------------
3 - الكتاب العربي.
وعنه كتبت تراجم في كتب عديدة من أمثال: الأزهر في ألف عام، وبنو خفاجة وتاريخهم السياسي والأدبي، ونشر كثير من شعره في كتاب «مع الشعراء المعاصرين» وفي ديوانه «أحلام الشباب».


- 2 - 
ويمكننا أن نتعرف إلى المذهب الأدبي عند أديبنا في كتبه، مما يمكن تلخيصه فيما يلي:
1 - يؤمن أديبنا بضررة الملكة الأدبية والموهبة الذاتية كأساس لبناء الأديب من الجانب الفني والثقافي، ومن ثم نجده يحيل كل الخصائص الذاتية التي تميز أديبا عن أديب إلى أثر هذه المواهب.


2 - ويرى أن الثقافة الأدبية الحديثة للأديب يجب -فوق تناولها لجميع الثقافات الممكنة- أن تتناول التعرف إلى جميع الثقافات الأدبية القديمة والحديثة والمعاصرة عند جميع الشعوب، ومن ثم يحرص على الاتصال بروائع الآداب الأوروبية المترجمة، ويرى وجوب التعاون والإخاء الأدبي بين الأدب العربي وهذه الآداب. 
كما يرى وجوب دراسة الآداب الشرقية عامة والعربية خاصة عند جميع الشعوب التي يتصل تاريخنا بتاريخها وحياتنا بحياتها ومن أجل ذلك أسهم في نشر كثير من الآثار الأدبية القديمة والمعاصرة لأدباء من أبناء مصر والبلاد العربية. 


وبحثه عن الشعر السوداني المعاصر الذي نشره في كتابه «قصص من التاريخ» يعد بحثاً جامعاً أصيلاً جديداً.


3 - وأديبنا يرى أن الأدب لا بد أن يخدم هدفا اجتماعيا أو قوميا أو الأدب المعاصر يشيد بروائع الآثار الواقعية في الأدب والشعر (راجع مقدمة كتابه قصص من التاريخ).


4 - وهو مع ذلك يرى أن الأدب المعاصر تنقصه الملكة والذوق البلاغي، كما أن الأدب القديم كان ينقصه الاتجاه والمذهب والرسالة، ومن أجل ذلك فهو يبشر بأدب جديد تتجلى فيه خصائص الأدبين أكثر وضوحا عما هي عليه الآن.


ومن صور آرائه في الأدب الحديث ما كتبه في مقدمة كتابه «قصص من التاريخ» بعنوان (الأدب والحياة) قال:
«الأدب لم يعد اليوم ترفاً وفناً خالصاً، وتصاوير مزخرفة منمقة وبلاغة أدبية محضة، ولم يعد يقصد للترفيه والتسلية وقطع الوقت، وليس الأدب مقصورا على إثارة الشهوات الجنسية كسبا لجمهور القراء الفارغين التافهين، وليس بخورا يحرق في مواكب الطغاة تمجيداً وتسبيحاً بحمدهم، ولا دعاية تنشر لتضليل الرأي العام وإلهائه وكسبه بجانب الديمقراطية أو غيرها، فلم يعد لأمثال هذه الآداب بيننا قيمة، ولم يعد القارىء المثقف يؤمن بمثل هذا الأدب الأجوف، ولم تعد أحكام النقد وقفا على طائفة من الكتاب والنقاد المضللين، الذين ساروا في كل ركب، ومشوا تحت لواء كل موكب، ووقفوا حياتهم على الدعاية لسياسة الغرب باسم الصداقة والأحلاف والديمقراطية في الشرق العربي.


ونحن نبدأ عهداً أدبياً جديداً نحطم فيه هذه الأصنام الزائقة، وهذه الأقلام الجوفاء، وهذه الأغراض التي تاجرت بحريتنا الفكرية والأدبية، وأخضعت الأدب لأهواء السياسة ومشيئتها، وأثرت على حساب الأدباء المساكين.


الفكر وضاقت ذراعا بمواهب الشباب من الأدباء فقبرتها، وسخرت الأقلام للتسبيح بحمدها بين الناس.


أصبح الأدب يدعو إلى الحرية والكرامة والحياة الطيبة للأفراد والجماعات والشعوب، الحرية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والكرامة التي تدع الإنسان مؤمنا بأنه لم يخلق عبدا لإنسان، وإنما خلق إنسانا يشعر بكرامته الإنسانية وقيمته في المجتمع، والحياة الطيبة التي تتكافأ فيها الفرص، وتتساوى فيها المواهب، ويجد فيها كل إنسان له عملاً لائقاً، وعيشاً شريفاً، ومستوىً مادياً مناسباً وعناية واحدة من الحاكمين، والتي تنعدم فيها الفروق بين الناس، وتقل فيها المشكلات أمام الفرد، فلا يضطر إلى الانتحار لأنه لا يجد الخبز لنفسه وأولاده، ولا يعيش متسولا عالة على الناس ولا يقعد به المرض أو الجهل عن أن يعيش وأن تحفظ عليه كرامته في وطنه.. 


يجب أن يكون الأدب اليوم صدى الحياة المدوي، وصوتها المجلجل في كل سمع، ولسانها المعبر عن آمال الإنسانية وآلامها وأفراحها وأحزانها وسعادتها وشقائها، وأن يعبر في وضوح عن حياتنا التي نحياها: حياة الفلاح في حقله، وحياة العامل في مصنعه، وحياة الموظف في وظيفته، وحياة الفتاة التي نادينا بحريتها، وحطمنا الأغلال دونها، ثم لم نعمل شيئا في سبيلها، لتستطيع الاحتفاظ بحريتها الطبيعية التي تحميها لها الحياة، فلم نساعدها على العمل الشريف ولا على الزواج المناسب، وعلى حياة الأسرة الهادئة، وتركناها وحدها في الميدان، تقضي حياتها محرومة من الزوج السعيد الصالح، والأولاد الذين تتشوق في لهفة إليهم.


والوضوح والبساطة والجمال والصدق هي الخصائص الأدبية الأولى، والعناصر الفنية الأساسية لكل أدب جميل بليغ. 


ولكن خلود هذا الأدب وذيوعه يتوقف فوق ذلك على مضمونه وعلى أن يكون الأدب إنساني النزعة، رفيع الهدف والغاية، يعمل مساعدا لنواميس الحياة على التقدم والنهضة والازدهار».


-3 - 
والعوامل الثقافية التي أثرت في عقلية أديبنا، يمكن تلخيصها فيما يلي:
1 - العامل الأول: ثقافة الأسرة، وهي أسرة تنتمي إلى أصول عربية قديمة بسط صاحبنا تاريخها في كتاب خرج منه حتى الآن تسعة أجزاء - ومن هذه الأسرة أعلام قديمة وحديثة ومعاصرة من الأدباء والعلماء والشعراء والكتاب، وهو كتاب «بنو خفاجة».


2 - العامل الثاني: ثقافة في الأزهر الذي عاش فيه تلميذا من سنة 1927 إلى 1946 حيث تخرج من كلية اللغة العربية يحمل شهادة «العالمية من درجة أستاذ في البلاغة والأدب، وتعادل الدكتوراه حرف (أ) من الجامعات المصرية- وتخول لحاملها التدريس في كليات الأزهر وكليات الجامعات المصرية، وكانت الرسالة التي قدمها هي «ابن المعتز وتراثه في الأدب والنقد والبيان» وهي مطبوعة.


3 - العامل الثالث: مطالعاته الشخصية في الأدب قديمه وحديثه ويقول لنا: إنه حتى تخرجه طالع ما لا يقل عن خمسة آلاف كتاب في الأدب عدا الكتب الثقافية الأخرى.


4 - اتصاله الوثيق بالبيئات والمدارس والمذاهب الأدبية المعاصرة، ودراساته في كلية اللغة لتلاميذه.


5 - الاستعداد الشخصي والملكات الذاتية، التي تكون لصاحبها أفكارا ثقافية وأدبية خاصة متميزة.


6 - اتصاله المباشر بالبيئات الثقافية الأجنبية وكان لعمله في الليسيه الفرنسية مدرسا بها أثر ما في حياته، وكذلك اتصاله بالعديد من العناصر والبيئات الثقافية.


-4 - 
ومؤلفات الخفاجي تنقسم إلى عدة مجموعات:
1 - فالأولى طائفة من المؤلفات في الدين، ومن بينها: الإسلام دين الإنسانية الخالد، الإسلام وحقوق الإنسان، الإسلام رسالة الإصلاح والحرية، مبادىء الإسلام الخالدة (بالاشتراك)، من ماضي الإسلام وحاضره (بالاشتراك)، الذكر الحكيم، مأثورات نبوية.


2 - والثانية كتب في التاريخ ومن بينها: بنو خفاجة وتاريخهم السياسي والأدبي وهو في تسعة أجزاء، الأزهر في ألف عام وهو في ثلاثة أجزاء، قصة التصوف في مصر، الصوفي المجدد.


3 - كتب في النقد ومن بينها: مذاهب الأدب، فصول في النقد، موقف النقاد من الشعر الجاهلي، وحدة القصيدة في الشعر العربي، حكومة القاضي الجرجاني في النقد الأدبي.


4 - كتب في التاريخ الأدبي القديم والحديث والمعاصر، ومن بينها:
الحياة الأدبية في العصر الجاهلي، الحياة الأدبية بعد ظهور الإسلام، الحياة الأدبية في العصر العباسي، والحياة الأدبية في الأندلس والعصر العباسي الثاني، والحياة الأدبية بعد سقوط بغداد في عصر بني أمية، والحياة الأدبية الأدب العربي بين الجاهلية والإسلام، الأدب العربي في ظلال الأمويين والعباسيين، وهما (بالاشتراك)، والأدب العربي وتاريخه وهو في أربعة أجزاء (بالاشتراك).


وقصة الأدب في مصر، في خمسة أجزاء، قصة الأدب في الأندلس في خمسة أجزاء، قصة الأدب المعاصر في أربعة أجزاء، قصة الأدب في الحجاز بالاشتراك مع الأديب الحجازي عبد اللّه عبد الجبار وسيقع في عدة أجزاء، صور من الأدب الحديث في أربعة أجزاء.


5 - كتب في تاريخ أعلام الأدب العربي، ومن بينها: ابن المعتز وأثره في الأدب والنقد والبيان، رائد الشعر الحديث في جزءين، أعلام الأدب في عصر بني أمية في جزءين، أشعار الشعراء الستة الجاهليين، أعلام الأدب العربي (بالاشتراك)، الشعراء الجاهليون، مع الشعراء المعاصرين. أبو عثمان الجاحظ.


6 - كتب في الأدب ومن بينها: فصول في الأدب، من بلاغة العرب وهما بالاشتراك، نداء الحياة، التشبيه في شعر ابن المعتز وابن الرومي، وغيرها.


7 - كتب في البلاغة العربية ومن بينها: الإيضاح في البلاغة في ستة أجزاء وعبد القاهر وأثره في البلاغة العربية، والبلاغة العربية.


8 - كتب في اللغة العربية وهي عديدة.


9 - كتب قديمة نشرها الخفاجي وحققها وهي عديدة كذلك، ومن بينها: البديع لابن المعتز، فحولة الشعراء للأصمعي، قواعد الشعر لثعلب.


ورسائل ابن المعتز، إعجاز القرآن للباقلاني، فصيح ثعلب، مقامات الحريري بشرح الشريشي، وغيرها.


وللخفاجي مقدمات لكتب كثير من الأدباء المعاصرين، وممن كتبوا عنه: الدكتور أحمد زكي أبو شادي، والناقد مصطفى السحرتي. روكس العزيزي. عبد اللّه زكريا الأنصاري. عبد اللّه عبد الجبار. محمد سعيد العامودي. وديع فلسطين. حسن جاد. حليم متري. أحمد الزين صاحب مجلة العرقان بلبنان. الشيخ محمود النواوي. كامل أمين. محمد فوزي العنتيل. رضوان إبراهيم. إبراهيم الواعظ من أدباء العراق. عبد المسيح حداد. أحمد الشرباصي. كامل السوافيري. فكري أبو النصر. جميلة العلايلي. أبو الوفا التفتازاني. أبو السعود الجهني، وغيرهم.


-5 - 
ومن شعر الخفاجي قصيدته «الشهداء»:
بطولتهم لكل فتى نشيد وذكر فدائهم أبدا جديد
ومجد جهادهم في الدهر باق يضن به على الدهر الخلود
شباب للعلا ثاروا غضابا تناديهم وقد ثاروا الجدود
مشيئة مصر أن تحيوا كراما فذودوا عن حقوق الشرق ذودوا
حياة العز أو موت زؤام ولا يجدي التردد والقعود
دعاهم للعلا داع فهبوا جنود في نضالهم أسود
فما يلهيهم في الروع وعد ولا يثني عزائمهم وعيد
أباة والأبي يعيش حرا كأن مضاءه القدر العيد
يثور على الحديد فلا حديد ويزأر في القيود فلا قيود
وينهض للعظائم في جلال ويفعل ما يريد كما يريد
لمصر حياتهم كانت فداء وشعب تلك غايته يسود
هم الشهداء قد ضحوا كراما فكل بين واديه شهيد
ويوم فدائهم للمجد ذكرى ويوم جهادهم للشرق عيد
هم الكرماء قد بروا وجادوا ويحيى ذكرهم بر وجود
قبورهم تفوح شذا وعطرا وتجفوها الأزاهر والورود
وفي البيداء تخشع في جلال ويخشع من جلالتها الوجود
كسى الشهداء تلك البيد مجدا تشيد بذكره أرض وبيد
وليس لما بنى الشهداء مثل وليس لتضحياتهم نديد
ويهتف باسمهم شعب أبى تكاد الأرض إذ غضبوا تميد
عزيز أمسه الماضي كريم طريف مجده الباقي تليد


- 6 - 
ويقول الشاعر المصري كامل أمين، من قصيدة له وجهها إلى الخفاجي:
يا أخا الخير «يا خفاجة» والخير شباب الندى وروح الحياة
كل أرض نما بها البر روح ألبسته الحياة ثوب النبات
قد عهدناك يا أخي تعبر الناس فتسعى بهم كسعي الفرات
تبعث اليأس القنوط من الآمال كبعث الحياة بعد الممات
يا أخي أين يوم كنت ألاقيك وكلي مجرح من كفاحي
لم أجد في الحياة لما تمزقت سواك أمرا يداوي جراحي
كنت أجتاز زحمة الناس كالبيد خوت لم تفض بغير الصياح
ضحلة البر والتعاون تجتر الشحاح الندى بها من شحاح
كم أرتني الخطوب من صور الناس زيوفا قد فتحت عينيا
رب خدن طننته ملء كفي نفض الخطب من يديه يديا
كان كالشوك لا نبات ولا ظل وإن كان كالنبات نديا
فإذا فزت من تجارب دنياك بحر كسبت بالحر دنيا
يا أخي كيف مد سحرك في الليل فمد الصباح بين بيانك
ريشة الساحر الصناع بكفيك وسحر البيان تحت لسانك
وخيال الحديث يجذب كاللحن فماذا عزفته في كمانك
الكمان الذي استحال يراعا هز داود فيه من ألحانك


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:19 am

- 7 - 
وفي قرية صغيرة قديمة من أعمال مركز المنصورة، تسمى «تلبانة»، الريف، وبين الفلاحين المكدودين المرهقين الذين يعيشون فيه عيشة تجمع إلى البساطة سذاجة التفكير، وإجهاد العيش، وشظف الحياة.


وفي إبان الحرب العالمية الكبرى، وما تلاها من أحداث الثورة الوطنية المصرية عام 1915 ولد ونشأ الخفاجي.. تنطبع في ذهنه صور من كفاح الحياة والإنسانية ومن جهاد مصر في سبيل حريتها وآمالها، هذا الجهاد الذي ظل أمدا طويلا شغل المصريين كافة، وموضع تفكيرهم، وألهم المقعد الناصب لهم في حياتهم المعاصرة.


ولم يترك الخفاجي القرية إلا في أثناء دراسته، وظل وفيا لها ولأهلها الأبرياء البسطاء طول حياته.


وهذا الميلاد وما صاحبه وتلاه من أحداث في حياة الخفاجي يصوره في قصيدة ساحرة له عنوانها «يوم الميلاد» جاء فيها:
يوم ميلادي حمده صيغ لي اسما وارتدت في سناه روحي جسما
ورأيت الوجود طفلا صغيرا يستطيب الدنيا رضاعاه ونوما
ويحب الحياة مهدا وثيرا وأبا صاغه الحنان وأما
ونشيدا وأغنيات عذابا تملأ الغرفة لصغيرة نغما
ومناغاة إخوتي لي في المهد وقبلات تشبع المهد لثما
والسماء الزرقاء تسحر عيني فأحصى النجوم نجما فنجما
وأرى كل ما أشاهد حلما وأرى صادق الحقيقة وهما


ومنها:
ما أنا؟ صورة لجد وجد وكتاب عنهم ينبىء علما
أنا مرآة صورت كل ما طاف بوهم الحياة وهما وحلما
أنا أغنية تلحنها البيئة رمزا على الحياة ووسما
أنا قيثارة العصور ولحن ربما بالحياة زادك فهما
ونشيد فم الخلود يغنيه أمانا على الزمان وسلما
بين نجد وفي العراق ومصر عاش قومي يأبون ذلا وضيما
ملكوا الملك شيدوا العرش ساسوا الناس بالعدل والشجاعة حزما
أنصت التاريخ القديم إليهم ولهم طالما أشار وأومى
فزعت بغداد وأتراك بغداد لقوم لم يقبلوا قط ظلما
ثم أضحى المجد التليد حطاما والجلال القديم أصبح وهما
وعيون التاريخ تهزأ بالدهر الوفي الذي تحول خصما
بين أرض الريف الجميلة نشئت وشمت الحياة صحوا وغيما
وحملت الأعباء طفلا صغيرا وحسمت الأمور بالحزم حسما
وبنيت المستقبل الضخم صرحا ودعمت البناء وحدي دعما


ومنها:
يا لذكرى الميلاد عودي وعودي فالرجاء البعيد بالوصل هما
املأي العيش بهجة وسرورا طالما ذقته شجونا وهما
أنطقي الدهر، أسمعي الدهري لحني والليالي فطالما كن صما
أنا أحيا على الرجاء وأسعى لأنال المنى كفاحا ورغما
أنا ما أبتغي يجل عن الوصف وجل ما أرتجي أن يسمى
أنا أحيي التاريخ مجدا وجاها وأعيد الأيام يوما فيوما


- 8 - 
إن الخفاجي لم يكن وحدة في الحياة، إن تاريخ قومه يمتد إلى أكثر من ألف وخمسمائة عام.


فهو من سلالة عربية عريقة، أرَّخ لها في كتابه «بنو خفاجة وتاريخهم السياسي والأدبي»، والخفاجيون قبيلة عربية حجازية كبيرة نشأت في العصر الجاهلي وزاد نفوذها، وهم من العقليين العامريين القيسيين، فروع القبيلة بعد الإسلام وهاجرت سلالات منها إلى الشام ومصر والعراق والمغرب والأندلس، ومنهم أعلام خالدون في كل مكان.


ولا ننسى الشاعر الأموي توبة الخفاجي العربي الحجازي، والأمير ابن سنان الخفاجي الحلبي المتوفى عام 466 ه‍، والشهاب الخفاجي المصري المتوفى عام 1069 ه‍، وابن خفاجة الأندلسي الشاعر المشهور، وغيرهم.


ومن الخفاجيين أسر حاكمة في حلب في القرن الخامس الهجري، وفي العراق في القرن الرابع إلى السابع الهجري، وكانت ولاياتهم في الناصرية بقرب الكوفة وكان يتولاها منهم بعد أمير، وكانوا في شبه استقلال داخلي عن الخلافة العباسية.


إن هذا الماضي العريق يحمله الخفاجي في قلبه ودمه وأعصابه ويقف مزودا منه بإيمان راسخ، وعبقرية حادة، وقوة ضخمة تعاونه على كفاحه في الحياة.


وحفظ الخفاجي القرآن الكريم وتعلم مبادىء وأطرافاً من الثقافة الأولى في مكتب القرية أو المدرسة الأولى التي كان يتعلم فيها الشباب في ريف مصر إلى عهد قريب.


وفي عام 1927 رحل إلى مدينة الزقازيق يتلقى ثقافته الإبتدائية والثانوية في معهدها الكبير، الذي تخرَّج منه عام 1936، وبين هذين التاريخين قصة كفاح طويل ليس هنا في هذا الكتاب مجال تسجيلها، إنما موضعه في كتاب مفصل آخر.


ومن أهم ما ظهر على الخفاجي في هذه الفترة الاتجاه الوطني الذي دفعه إلى الكفاح في سبيل وطنه في الأزمات السياسية التي مرت بمصر منذ عام 1934، وكان رئيس اتحاد طلبة أبناء الشرقية في مدينة الزقازيق، وكان هذا الاتحاد قوة كبيرة سياسية في هذه الفترة، والخفاجي وأصدقاء له هم الذين كونوه، وكانت مؤتمراته الوطنية تنشر الجهاد المصرية، وفي شتى الصحف في هذه الفترة.


ومن أهم ما يلاحظه الخفاجي على الثقافة المصرية في هذه الفترة انعدام التوجيه وضعف تربية الملكات، وإهمال شئون الطالب النفسية والعقلية إهمالا كبيرا. 


وقد جاهد الخفاجي في أزمة الأزهر عام 1935 مع زملائه جهادا طويلا.


والتحق الخفاجي بعد مرحلة الثانوي بكلية اللغة العربية بالقاهرة وهي إحدى كليات الأزهر الشريف وبدأ دراسته فيها في أول أكتوبر عام 1936، وفي اليوم الثاني من أكتوبر من هذا العام توفي والده، وبعد ذلك بعشرين عاما أي في يوم الخميس 27 جمادى الثانية 1375 ه‍ - 9 فبراير 1956 توفيت والدته.


وفي خلال هذه الفترة اشترك الخفاجي في الحركة الوطنية؛ وتابع دراسته وعمل أحيانا في الصحافة في جريدة السياسة والدستور، وفي صحف أخرى، وكتب المقالات والبحوث والدراسات في شتى الصحف والمجلات.


وكان قيام الحرب العالمية الثانية في هذه الفترة عام 1939 أهم حدث عالمي تأثر به الشباب العربي أيما تأثر، بل تأثر به شباب العالم قاطبة.


وفي هذه الفترة تأثر بآراء عالمين، ومفكرين كبيرين من رجال الفكر والثقافة والإصلاح، هما الأستاذ الأكبر الشيخ إبراهيم حمروش شيخ الأزهر فيما بعد، والأستاذ الكبير الشيخ محمد عرفة عضو جماعة العلماء بالأزهر.


وكان الأستاذ الأكبر الشيخ حمروش عميد كلية اللغة آنذاك وكان بعقله الواسع وأفق تفكيره البعيد وثقافته العلمية العريقة أرفع مثال لطلاب كليته، يستمدون منه القدوة ويحتذون حذوه في الفهم والتفكير والبلاغة، ومن ثم تأثر بآرائه التجديدية العلمية تأثراً خاصاً.


وتخرَّج الخفاجي في يوليو عام 1940 من كلية اللغة يحمل شهادته العالية.


والتحق بأقسام الدراسات العليا في كلية اللغة العربية في أكتوبر عام 1940 في قسم البلاغة والأدب، فعكف في خلال الأحداث العالمية التي صاحبت الحرب العظمى، وفي أحداث مصر القومية التي امتدت من هذا التاريخ، وفي خلال أزمات الأزهر التي كانت نتيجة للصراع بين الحكومة والقصر والتي كان الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي مظهرا لكثير من صور الحرب الخفية في هذه المعركة.


في هذه الظروف عكف الخفاجي على دراساته العليا إلى أن تخرج عام 1945 يحمل شهادة النجاح في الامتحان التمهيدي لشهادة العالمية من درجة أستاذ.


ثم قدَّم رسالته الجامعية «ابن المعتز وتراثه في الأدب والنقد البيان» ونوقش فيها في أكتوبر عام 1946، ونال بها بتفوق شهادة العالمية من درجة أستاذ في الأدب والبلاغة من كلية اللغة العربية وهي أرقى شهادات الأزهر الجامعية وتعادل الدكتوراه الممتازة حرف (أ).


ومن الجدير بالذكر أن الخفاجي قدم للكلية مع رسالته المخطوطة ثلاثة كتب له مطبوعة عن ابن المعتز في جوانب تخدم موضوع رسالته وهذه أول مرة يقدم فيها باحث رسالة علمية مخطوطة ومعها ثلاثة كتب تخدم رسالته وفي موضوعها.


وكان هذا الجهد الأدبي موضع تنويه الأدباء والعلماء والصحف في حينه.


ولا ننسى أن نقول: إن الخفاجي أمضى مع عمله الضخم هذا سنوات طوالا يشغل وظيفة أستاذا في الليسيه فرانسيه فرع شبرا.


وقد ترك بعد حصوله على شهادة العالمية من درجة أستاذ وظيفته في الليسيه ليتولى أستاذية البلاغة في معهد أسيوط الكبير الذي عمل فيه من نوفمبر عام 1946 حتى أكتوبر عام 1947، ثم في معهد الزقازيق الذي كان طالبا فيه من قبل، والذي عمل فيه من عام 1947 إلى عام 1948.


وانتقل الخفاجي في 17 أغسطس عام 1948 إلى كلية اللغة العربية مدرسا للأدب والنقد والبلاغة فيها، وهو اليوم أستاذ فيها.


ومن الطريف أن نذكر أن الخفاجي متزوج من عام 1948 وله ولد هو ماجد خفاجي، وتوفيت له بنت كان اسمها «وفاء خفاجي».


وهو عضو في شتى الهيئات العلمية والأدبية في مصر والعالم.


وله العديد من المؤلفات، وهو من أكبر دعاة التجديد والإصلاح والوحدة العربية، ومن أكبر الثائرين على النظم السياسية الجائرة السائدة في كثير من شعوب العالم العربي المتخلفة عن ركب الحياة والحضارة وعن مبادىء الإسلام الكريمة.


- 9 - 
ومن صور مقالات الخفاجي كلمة كتبها بعنوان «أيام المجد»:
أيام عشتها وكأني عشت بها الدهر كله، فقد جمعت المجد من أطرافه، واهتزت خلالها النفس هزة الفرح والإعجاب.


أيام ويا لها من أيام، لقد حسدت عليها نفسي، وحسدت الجيل الذي أعيش به، وحسدت وطني مصر لأن تاريخه احتواها، ولأن العالم كله قد اهتز إعجابا به وبها.


أيام ويا لها من أيام، فلو قدمت اليوم لما كان قد بقي لي من أمنية في الحياة أتمناها لي ولوطني المجيد.


فأولاها: أيام الثورة الوطنية عام 1919 في مصر، وقد شاهدتها في قريتي الخضراء طفلاً صغيراً. 


وشاهدت المظاهرات الوطنية التي كان يقوم بها أهالي القرية وأنا بينهم في شوارع قريتي الصغيرة وحاراتها يهتفون للوطن بالحرية والاستقلال، وللانجليز بالدمار والهلاك، ويطالبون بحرية الوطن العزيز: مصر وطن الأحرار والمجد والتاريخ، وكم كان يسعدني وأنا طفل صغير أن أخرج مع جموع الفلاحين نحمل الهراوات والعصى ونستقبل بها السيارات الوافدة على طريق القرية، فإذا كان فيها أجانب استوقفناهم وطالبنا منهم أن ينزلوا معنا نحن الثائرين، ويهتفوا معنا بحرية مصر واستقلالها وسقوط انجلترا والاستعمار.


وثانيتها: أيام ثورة مصر الكبرى في معركة القنال، حيث قامت المعركة في أرض القتال بين قوات البوليس المصري وجيوش الاحتلال، وضرب المصريون فيها أروع الأمثال وأمجد صفحات البطولة التي دونها التاريخ، وعرفها الزمن وقد انتقم الانجليز لهذه الثورة الوطنية الجليلة الخالدة بأيدي الخوتة المصريين في ذلك الحين، وعلى رأسهم صاحب العرش فاروق بن فؤاد، فأحرقوا القاهرة وكتبوا الحريات، وأعلنوا الأحكام العرفية، وأقالوا الوزارة الدستورية القائمة آنذاك وصبوا على البلاد سوط عذاب، ومع ذلك فقد صمدت مصر في وجه الأحداث صمود الجبال والأبطال.


وثالثها: أيام الثورة المصرية القومية الكبرى، ثورة التحرر والتحرير في 23 يوليو 1952، حيث استيقظت في صباح هذا اليوم الجميل، فشاهدت جيش الوطن قد احتل مرافق القاهرة: وأقام حكما جديدا في البلاد، قضى على الخونة والفساد والإقطاع وسماسرة الحكم، وأخذ يصنع البلاد، ويكون فيها جيشا قويا، يحمي حرية الوطن واستقلاله.


نوفمبر من هذا العام، حيث تآمرت انجلترا وفرنسا ومعهما عدوتنا إسرائيل التي يحركها الإستعمار كما يشاء، وغزوا بقواتهم منطقة سينا، ثم انهالت الطائرات والقنابل تدمر مدن مصر ومنشآتها وفق ما يشاء الأعداء، وصمدت مصر والمصريون صمود الأبطال.


وقامت المعركة في بور سعيد، هذه المعركة الخالدة التي كتب فيها المصريون أروع الصفحات طول عصور تاريخهم المجيد، والتي سار فيها القتال من شارع إلى شارع، ومن منزل إلى منزل، ووقف جيش مصر وشعبها في بور سعيد يصدون العدوان، ويقامون جنود الامبراطورتين العجوزتين ومعهم جنود إسرائيل من مجرمي الحرب، ومن الهابطين من الجو، والصاعدين من البحر. 


وتتبع الوطن المصري أنباء القتال أولا بأول؛ وساعة بساعة، ووقفوا حول المذياع يسمعون وصف المعركة.


وينصتون لأنبائها، يزدهيهم الفخر والكبرياء والمجد والعظمة لبطولة جيشهم النادرة، وعظمة الشعب المصري الكامنة المتوارثة خلال الأحقاب والأجيال، وكأن مجرمي الحرب إيدن وموليه أرادا أن ينتقمان من مصر لتأميمها قناة السويس في 26 يوليو 1956 فرصدوا لها الأساطيل الجيوش والطائرات.
ولكن مجرم الحرب إيدن، ومجرم الحرب موليه، ومعهما تابعهما بن غوريون هزموا وانتصرت مصر في معركة بور سعيد وقاوم المصريون في أرض المعركة وثبتوا ثبات الجبال، واحتمى إيدن وموليه بقرار هيئة الأمم المتحدة الذي نص على وجوب وقف القتال في الساعة الثانية صباح الأربعاء 7 نوفمبر عام 1956.


وهل أنسى الأسبوع الأول للحرب، وكانت غارات طائرات الأعداء مستمرة على القاهرة كل دقيقة، حيث لا يجد أحد متنفسا يأخذ فيه لحظة هادئة متمتعا بنعمة الأمن والتفكير والتحرر من الخوف، وكنا في نطفىء الأنوار منذ دخول الليل، وتتقطع الطرق، وتتوالى صفارات الانذار كل دقيقة، ونسمع أزيز المدافع وأصوات القنابل في كل مكان، وكانت طائرات العدو تتهاوى كأنها الورق أمام مدافع مصر وبسالة أبنائها. 


لم نكن نجد دقيقة واحدة نخلو فيها إلى أنفسنا للتفكير أو التأمل أو القراءة أو الاستمتاع بالطعام، وكانت المعسكرات تنتظم شباب مصر وشيوخها من المتطوعين للدفاع عن وطنهم الأكبر، وكنا نتساءل بأي حق يبيح مجرما الحرب إيدن وموليه لأنفسهما حق غزو الشعوب التي خلقها اللّه حرة طليقة من كل قيد، وفشل إيدن وفشل موليه ومعهما بن غوريون، نعم فشلوا في تحطيم الروح المعنوية في شعب مصر أو في تحطيم المقاومة الشعبية في وطني مصر وانسحب المعتدون من بور سعيد مكرهين في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1956.


أيام كلها مجد وذكريات خالدة، كتبت فيها مصر صفحات رائعة من المجد، والمجد لمصر ولشعبها الحر الأبي، وللعرب الأحرار الميامين.


- 10 - 
ومن صور نثر الخفاجي هذه القطعة وهي بعنوان «يا وطني».
يا وطني الخالد: لك المجد ولك أمجد صفحات التاريخ.


يا وطني، يا مصر يا أم الحضارة. ومهد المدنية، ومعلمة الشعوب، لك العزة والثناء، ولك الحرية والفداء، ولك العظمة والكبرياء.


يا وطني: لقد كتبت اليوم أروع أعمال البطولة في دفاعك المجيد عن بور سعيد، مما شهد به العالم، وسجلته الأحداث، لقد قاتل شعبك البرابرة الغزاة أن أرض مصر حرام على المستعمرين، وأنها أمنع من العقاب، ما دام شباب مصر وشيوخها حريصين على أن يفتدوها بالمهج والأرواح.


يا وطني: لقد وقفت خلال عصور التاريخ ضد الغزاة الفاتحين مقاتلا باسلا، ومحاربا صلبا، فطردت الهكسوس والفرس واليونان والرومان من أرضك، وطردت الصليبيين والتتار من ثراك الطاهر، وأقمت بسواعد أبنائك حضارات مشرقة، وامبراطوريات مصرية ضخمة انحنى لها التاريخ، وهتف بذكرها الزمان.


يا وطني: بيد أحمد ورمسيس، وبيد عمرو بن العاص وصلاح الدين، وبيبرس وبرقوق، وعرابي وجمال: رفعت أعرق لواء، وأمجد راية، وأرفع شعار للحرية والمجد والعظمة والجلال والقوة.


يا وطني: إن الامبراطورية المصرية في عهد عمرو بن العاص وخلفائه، ثم عهد المعز وذريته، ثم في عهد صلاح الدين الأيوبي وسلالته، ثم في عهد المماليك، ثم في القرن التاسع عشر: كانت من أعظم الأعمال في التاريخ، وكانت رمزا وعزة ومنارة للإسلام والمسلمين، وكهفا تأوي إليه الحضارة والثقافة الإسلامية.


يا وطني الخالد: لقد وقف الإنجليز في القرنين التاسع عشر والعشرين لنهضتك وحريتك ومجدك بالمرصاد، فقضوا على الأسطول المصري في نافارين، وقضوا على الجيش المصري وحرموه ثمرة انتصاراته الحربية العظيمة في عهد محمد علي، ونهبوا امبراطورية مصر بسياسة الخداع والتضليل، ثم صفوا بقاياها في عهد إسماعيل، ثم ورثوها في عهد توفيق بعد الاحتلال، ولكنهم وشرفك وكفاح أبنائك ونضال الأبي لن يتمكنوا من هزيمة مصر سياسيا ولا حربيا في عهد الأحرار.


بمجدك وتاريخك، وبأبطالك وأبنائك، وبثورة شعبك الأبي، وبثراك الطاهر، سنقاوم الغزاة، وسننتصر على الغزاة، والنصر لنا بفضل اللّه، وبسواعد شعبنا العريق.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:20 am

لو أن للدين رجالاً:
===========
الإسلام هو المنهج الذي وضعه اللّه لهداية البشر كي يصلوا بالسير عليه إلى شرف الدنيا وكرامة الآخرة.


وقد استهدف هذا المنهج أعلى الأهداف وأسمى الغايات.. فمن هذه الأهداف 1 - تحرير النفس 2 - تنمية الذات 3 - تكوين أمة 4 - تحقيق السلام.


تحرير النفس:
من الأهداف الأولى للإسلام تقوية الصلة باللّه عن طريق الإيمان والصلاة والذكر والشكر والدعاء والعبادة والطاعة. 


ومتى قويت الصلة باللّه تحررت النفس من معوقات التقدم نحو الخير والحق والكمال والجمال.. 1


ويتمثل هذا التحرر فيما يلي:
1 - التحرر من الخضوع للطغاة والمستبدين.
2 - والتحرر من الخوف والقلق والاضطراب.
3 - والتحرر من القيم الزائفة، قيمة الجاه والمال والنسب.
__________
1) كلمة للشيخ سيد سابق الداعية الإسلامي.
---------------
4 - والتحرر من الهوى والشهوة والمتاع الزائل.
5 - والتحرر من الجهالة والضلالة وفي هذا يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: «احفظ اللّه يحفظك.. احفظ اللّه تجده أمامك.. إذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك».


تنمية الذات:
والإسلام يعطي الأهمية القصوى لتنمية الذات وتكوين الشخصية فهي حجر الزاوية في بناء المجتمع القوي الرشيد.


وتنمية الذات ثمرة التربية العقلية وتقوية الإرادة وتزكية النفس.


(أ) فالتربية العقلية قوامها الاستزادة من العلم والحكمة والتطلع إلى المعرفة والثقافة والتفكير في ملكوت السموات والأرض والسياحة في دنيا اللّه الفسيحة.


وغاية هذه التربية:
تعميق جذور الإيمان وترسيخها حتى يصل الإنسان إلى درجة اليقين عن طريق الحجة والبرهان.


الكشف عن سنن اللّه في الكون كي يستخدمها في ترقية حياته.
فتح الميادين أمام العقل كي يكشف ويخترع ويبدع ويصل إلى الكمال المنشود.


(ب) وتقوية الإرادة بتعويدها الصبر والثبات واحتمال المشاق واقتحام الصعاب رغبة في الوصول إلى معالي الأمور وتطلعا إلى تحقيق جلائل الأعمال.


وفي الحديث الصحيح يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: «إن اللّه يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها».


إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم


(ج‍) وتزكية النفس تتم بتخليصها من الهوى وكبت الشهوات الدنيئة وتصفيتها من الرياء والنفاق والأثرة والأنانية والحقد والحسد وغرس العواطف الكريمة والمشاعر النبيلة.


ويحتاج الإنسان كي يصل إلى هذا المستوى الرفيع إلى ما يلي.
1 - الأمل والعمل.. يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: «ليس الإيمان بالتمنّي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، وأن قوماً غرَّتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحن نُحْسِنُ الظَّنَّ باللّه وكَذَبُوا، لو احسنوا الظَّنَّ لأحسنوا العمل».


2 - اليقظة والحرص على الإصلاح والتقدم والترقي.. يقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن باللّه ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قُل قدَّر اللّهُ وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشَّيطان».


3 - مجاهدة النفس وتحدي المغريات والمثيرات والوقوف منها كالطود الشامخ أمام العواصف الهوج قال تعالى: "فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى". ومتى تزكَّت النفس كان الإنسان جديراً بوصف الإنسانية.


تكوين الأمة:
=======
والإسلام يحرص على إيجاد كيان قوي وأمة قادرة تستطيع إحقاق الحق وإبطال الباطل وتأديب الطغاة وتطهير الأرض من الشر والظلم والفساد، ومن أجل ذلك دعا إلى كل ما من شأنه أن يجمع القلب إلى القلب ويضم الصف إلى الصف حتى يكونوا كما وصفوا في الحديث «كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا» و «كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».


فدعا إلى التآخي والاتحاد وإلى التعاون والتضامن وإلى المودة والمحبة إلى العطف والرحمة وإلى التضحية والإيثار وإلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإلى الحرية والمساواة وإلى كفالة المحتاج ورعاية المعوز. «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».


تحقيق السلام:
والإسلام يعرف أن الناس وأن اتفقوا في بعض النواحي فإن هناك عوامل تفسدهم وتجعل الفرق بينهم بعيدا والبون شاسعا، فالتربية الفاسدة والتقليد الأعمى والتعصب الذميم والجهل الممقوت، كل ذلك يمنع كثيرا من الناس من الخضوع للحق والسير وفق منهج الصواب. 


قال تعالى: 
"وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ".


والإسلام وهو يقرر هذه السنة الاجتماعية يجعل السلام هو العلاقة بين المسلمين وغيرهم من المخالفين ما لم يقع ظلم أو اعتداء. 


«المسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن مَنْ أمِنَهُ الناسُ على دمائهم وأموالهم».


والسلام إنما يتحقق بإقامة العدل وإعطاء كل ذي حق حقه والمحافظة عن دينه ولونه وجنسه ولغته ومركزه الاجتماعي.


فالإنسان أهل للتكريم من حيث كونه إنساناً. 


قال تعالى: 
"وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ اَلطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً".


مرَّت جنازة رجل من الكافرين على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام لها، فقالوا: يا رسول اللّه إنها كافر، فقال: «أو ليست نفساً؟».


وهكذا يعمل الإسلام على تحرير النفس وتربية الفرد وتكوين الأمة وتحقيق السلام ليأخذ البشر طريقه إلى التقدم الصحيح والكمال المنشود.


"قد جاءكم من اللّه نور وكتاب مبين يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم".


وما أصدق ما قيل: 
يا له من دين لو أنَّ لهُ رجالاً.


الشيخ محمود شلتوت
============
توفي رحمه اللّه في 10 ديسمبر 1963 ففقدت مصر عظيما من عظمائها وعالما تفقه في مختلف نواحي الحياة الدينية والاجتماعية كان بصيرا بالأحكام الشرعية الملائمة لحاجات الناس ومقتضيات العصر ومفسرا الم بكتاب اللّه وسنن الكون وعالما اجتماعيا يعرف أمراض المجتمع ووسائل علاجها.


في عام 1928 بدأ الشيخ شلتوت ينشر مقالاته في الصحف محاربا الروتين وداعيا إلى إصلاح الأزهر وتطويره حتى عام 1931 حين تعارضت أراؤه الإصلاحية مع المشرفين على سياسة الأزهر في ذلك الوقت حتى انتهى الأمر إلى فصله وبعد الفصل. لم يهدأ أو ييأس بل تابع نقده ونشر أفكاره واشتغل بالمحاماة والبحوث العلمية خلال أربع سنوات حتى أعيد إلى الأزهر وكيلا لكلية الشريعة ثم مفتشا بالمعاهد الدينية.


ومنذ تولى الشيخ شلتوت أمر الأزهر أعاد النظر في تنظيم المناهج وأدخل الدراسات القانونية في كلية الشريعة لتتم المقارنة بين دراسة الفقه الإسلامي والقوانين المعاصرة وأدخل فقه الشيعة مما كان له أكبر الأثر في التقريب بين جماعات المسلمين في أنحاء العالم.


وتقديراً للشيخ شلتوت منحته جامعة شيلي الدكتوراه الفخرية عام 1958.. كما منحته جامعة جاكارتا الدكتوراه الفخرية عام 1960.


وكان المسلمون في يوغوسلافيا واليابان والجزائر وروسيا وألمانيا وإيطاليا قد وجَّهُوا إليه الدعوة لزيارة المسلمين فيها وتفقد أحوالهم.


ولقد أجمع العلماء وأهل الرأي أن التوفيق قد حالف الأزهر عند ما ولي أمره الشيخ شلتوت فوجد فيه مفكراً وعالماً من اليقظة الفكرية والدراية العلمية ما يمكنه من القيام بدوره.


قبل أن تصعد روحه إلى بارئها بدقائق.. جلس يتحدث إلى زواره عن الإسراء والمعراج ثم توقف قليلا وتبين للحاضرين أنه يعاني أزمة طارئة وحاول الأطباء انقاذه وسارعوا بأنابيب الأوكسجين ليساعدوه على التنفس ولكن روحه كانت قد صعدت إلى بارئها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   15/02/17, 12:48 am

أعلام معاصرون
==========
الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد
رائد مدرسة التحقيق العلمي
======================
يُمَثّل الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد جيلاً كاملاً من الكفاح العلمي الكبير، حتى ليعد رائداً عظيماً لمدرسة التحقيق العلمي، سار على ضوئه المحققون، وشراح كتب التراث الإسلامي العربي.

وقد تتلمذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد على جيل الرواد الإسلاميين الكبار، الذين ازدانت بهم الحياة المصرية في أوائل القرن العشرين، وكانوا دعامة النهضة العربية والأدبية في العالم العربي كافة.

وقد تخرَّج الشيخ محمد محيي الدين من الأزهر الشريف عام 1347ه‍ الموافق 1925م يحمل شهادة العالمية أعلى شهاداته العلمية آنذاك، وكان نجاحه بل تفوقه يومئذ مثار الدهشة، فقد جاء الأول على أقرانه من فحول العلماء.

وشغل في هذه الحقبة الطويلة الكثير من المناصب العلمية الرفيعة:
أستاذاً بالأزهر، فأستاذاً بكلية اللغة العربية، فمفتشاً عاماً بالمعاهد الدينية، فوكيلاً لكلية اللغة، فأستاذاً بكلية أصول الدين، فرئيساً لمفتشي العلوم الدينية والعربية بالأزهر، فعميداً لكلية اللغة العربية، فعضواً بالمجمع اللغوي، وعضواً بلجنة الفتوى بالأزهر، وعضواً في الإسلامية، وفي كثير من الهيئات العلمية، ولا ننسى أنه اختير عام 1940 للسفر للسودان؛ ليشارك في تأسيس مدرسة الحقوق العليا في الخرطوم، وقد قام حينذاك بمهمته خير قيام، وكان مضرب المثل في علو المنزلة وسمو المكانة بين السودانيين والمصريين على السواء.

ومثل الأزهر في كثير من المؤتمرات الثقافية واللغوية والأدبية، ووجه الثقافة فيه الوجهة الرفيعة العميقة، التي أثرت في بناء الجيل الحاضر تأثيراً كبيراً.

ويمثل الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد أفكارا لغوية، لها منهجها ودقتها وعمقها، فهو يرى ضرورة تربية الحس اللغوي، لينتهي بصاحبه إلى الذوق الأدبي، ويبدأ بالكلمة لينتهي إلى الأسلوب فالأدب نفسه، ودور الكلمة في الأدب دور كبير، وأثرها في بناء العمل الأدبي ضخم وجليل.

والشيخ محمد محيي الدين يقف دائما في مجال الريادة:
فهو أول من فكر في تأليف كتب دينية مزدانة بالمناسب للأطفال، فألف خمسة أجزاء: اثنين للبنين، واثنين للبنات، وكتابا مشتركا، وقد ذاعت هذه الكتب آنذاك، حتى كان المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام يذكر أنه شاهد لها ترجمات بالفارسية وبالتركية.

وهو من أول من عنى بكتب التراث وتحقيقها تحقيقاً علمياً دقيقاً، مما يتجلى لنا فيما حقق من أمهات كتب التراث في الأدب والنقد والبلاغة واللغة والنحو والصرف، ولذلك يعد بحق شيخ العلماء المحققين.

وهو أشهر شارح ومفسر لكتب القدماء في مختلف فنون العلم، وقد سهل بذلك على الجيل المعاصر قراءة هذه المصادر، والإفادة منها على: (شرح ابن عقيل) بالحروف البارزة ليقرأه المكفوفون، ونحن نشكر لها هذا العمل العلمي والإنساني معا.

وإذا عدنا إلى الأعمال العلمية لهذا العالم الجليل من أعلامنا المعاصرين نجدها تنقسم ثلاثة أقسام.

القسم الأول: دراسات أدبية ولغوية وإسلامية ألفها، وكانت مثلا لرصانة العلماء، وعمق البحث، ودقة التأليف، ومنها:
1 - دراسة كبيرة له عن المتنبي ونقد شعره، نشرها في مجلة الأزهر تباعاً، وتُعَدُّ من أهم المراجع عن أبي الطيب وشعره.

2 - دراسة عن الفكر الإسلامي عند الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق، وقد نشرت في مجلة (الكتاب) التي كانت تصدر عن (دار المعارف) عدد: نوفمبر 1945م.

3 - تصريف الأفعال: وهو كتاب مشهور لم يؤلف مثله حقاً، ويعد مكملاً لمنهج القدماء في دراسة الأفعال، وطبع عدة طبعات، وكان مرجعاً علمياً للأساتذة والطلبة في كليات اللغة ودار العلوم والآداب.

4 - أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية - المعاملات الشرعية - الأحوال الشخصية - أصول الفقه. 

وهي كتب أربعة مشهورة، كانت تدرس في كليات الحقوق وأصول الدين، وفي مدرسة الحقوق العليا في الخرطوم، وطبعت عدة طبعات.


القسم الثاني: كتب من أمهات التراث في مختلف العلوم، حققها عالمنا الجليل تحقيقا علميا دقيقا، عنى فيها عناية فائقة بتقويم النص، وضبط مشكله، وشرح غريبه، ومنها:
سيرة ابن هشام - الموازنة للآمدي - يتيمة الدهر للثعالبي - العمدة لابن للحصري - فوات الوفيات لابن شاكر - معاهد التنصيص للعباسي - مروج الذهب للمسعودي - مقالات الإسلاميين للأشعري، وغير ذلك مما يضيق المجال عن حصره. 
ومما تلقاه قراء العربية في كل مكان بالتقدير والإعجاب، إذ رأوا فيه طاقة علمية فريدة، واتخذوا منه عمدة المصادر لجميع طلاب الجامعات في العالم الإسلامي العربي.

القسم الثالث: كتب من التراث شرحها شرحا وافيا، وذلل صعوباتها للباحثين، وأضاف إليها الكثير من الدراسات.. ومنها أهم كتب الثقافة العربية: كشرحه للأجرومية الذي خرج بعنوان: (التحفة السنية)، وظل إلى اليوم يدرس في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، وطبع أكثر من خمس وعشرين طبعة. 
وكشرحه للأزهرية وشرحه على: (شرح قطر الندى لابن هشام) الذي طبعه ثلاث عشرة طبعة. 

وكشرحه على: (شرح شذور الذهب) لابن هشام.

وشرحه على: (شرح ابن عقيل) في أربعة أجزاء كبار، وطبع خمس عشرة طبعة.

وشرحه على: (أوضح المسالك) لابن هشام، ويقع في أربعة أجزاء ضخام، وطبع نحو عشر طبعات.

وشرحه على: (المفصل) للزمخشري، وهو من أصول اللغة العربية. 

وشرحه على: (شرح الأشموني على ألفية ابن مالك) ويقع في أربعة أجزاء كبيرة، وهو يطبع الآن للمرة الثالثة.

وشرحه على كتاب: (الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين) في جزأين كبيرين، ويدرسه المستشرق الفرنسي بلاشير لطلابه بالسوربون، مؤثرا لهذه الطبعة على الطبعة الأوروبية.

وكشرحه على: (متن التلخيص في البلاغة) وطبع عدة طبعات.

وقد تتلمذت على عالمنا الجليل أجيال عديدة من الشباب، وفي مقدمتهم أساتذة وعمداء كثير من الكليات الدينية واللغوية والأدبية في مصر والسودان والعالم العربي، ومنهم جمهرة من كبار رجالات الدولة العربي.. وما أكثر تلاميذه في الشرق والغرب، وجميع المستشرقين في العالم يولون بحوثه وتحقيقاته عناية فائقة، واهتماماً كبيراً.

وقد توفي -رحمه اللّه- في شهر المحرم سنة 1393ه‍ الموافق مارس 1973 عن نيف وسبعين عاماً.. أجزل اللّه له الثواب كفاء ما قدم لدينه ولغة كتابه الحكيم ولتراث العربية وآدابها من جهود خالدة على مرور الأيام.

الشيخ عبد السميع شبانة
==============
أحد علماء الأزهر الذين شاركوا في تحقيق رسالته والنهوض بطلابه، تخرج على يديه الآف العلماء من أبناء العالم الإسلامي.

كان -رحمه اللّه- يعطي جهده كله لخدمة العلم والعلماء وكان بيته منتدى يجتمع فيه طلاب العلم من كل جنس لينهلوا من فيض علمه الغزير.. يستوضحونه ما أبهم عليهم وينتفعون بما يدور في مجلسه من مسائل علمية سواء ما يتصل منها بالعلوم الدينية أو العربية..

فلم يكن -رحمه اللّه- يقف عند حدود تخصصه في النحو أو الصرف بل جاوز ذلك إلى العلوم الشرعية فكان حجة فيها يأتي إليه الناس يستفتونه في أنور دينهم فيرشدهم إلى الحق والهدى.. كان فقيها في علم المواريث وقد صدرت له الآف الفتاوى التي كانت تستند عليها المجالس العرفية في حل المنازعات بين الأسر والأفراد.

ولد رحمه اللّه في 12 يناير سنة 1903 في بلدة فرسيس من محافظة الشرقية.. وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، ألحقه والده بالأزهر الشريف والمساجد المحيطة به حتى حصل على الشهادة العالمية ونال إجازة التخصص القديم التي تعادل درجة الدكتوراه سنة 1932.

بدأ دوره في الدعوة إلى اللّه وتبصير الناس بأمور دينهم بعد أن عين أستاذا في معهد الزقازيق فكان يتنقل بين قرى محافظة الشرقية ومدنها يخطب في الناس ويبين لهم الحق من الباطل فلم يكن يمضي أسبوع من غير أن يشترك في ندوة دينية أو يلقي عظاته التي كان يقبل الناس عليها.

وفي الوقت نفسه كان أحرص ما يكون على أهل بلدته فكان يعقد لهم مجالس العلم ويساعد أبناءهم في دراستهم حتى عرفت قريته (فرسيس) بأنها بلد العلم حيث كان أبناؤها يعرفون مسائل الدين وكل ما يتصل بالعبادات والمعاملات بسبب تعليم الشيخ لهم..
 
وكان يتخرَّج من الأزهر منها في كل عام أكثر من ثلاثين عالماً وهي القرية الصغيرة التي لا يتجاوز تعدادها في هذا الوقت ألفي نسمة..

واختارته مشيخة الأزهر للتدريس في كلية اللغة العربية سنة 1939 لمكانته العلمية.

ألَّف الكتب الكثيرة في النحو والصرف وقد أعيد طبعها مرات كثيرة وأسهم في تطوير كلية اللغة العربية وأحدث تغييراً شاملاً في دراسة النحو والصرف بها مما كان له أثره النافع على المتخرجين منها.

وبقي رحمه اللّه مشرفاً على قسم اللغويات بكلية اللغة العربية رافضاً كل المناصب التي يتهافت عليها الجميع، حتى توفى -رحمه اللّه- في 21 مايو سنة 1968.. ففقد العالم الإسلامي بموته عالماً ورعاً..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   22/04/17, 09:22 pm

الشيخ محمد الطنطـاوي
=============
منذ خمسة عشر عاما أخرج الشيخ محمد الطنطاوي المدرس بكلية اللغة العربية كتابه المشهور «نشأة النحو»، الذي كان له أثره في نفسي وعقلي بل عند علماء العربية وثقاتها جميعا.

وأشهد أني فرحت بالكتاب فرحا كبيرا ظهر فيما كتبته عن الكتاب من نقد آنذاك، ولست أدري رأي النقاد فيما كتبته، ولكنه كان وجهة نظري يفي هذا السفر النفيس حقه.

ومما جاء في هذه الكلمة:
«لمنزلة النحو من الدين والعربية، ومن التراث الإسلامي العظيم، ومن لغة الشرق ولسانه، ولتجديد النشاط العلمي في مدارس النحو الحديثة، ولأداء واجب كبير لعلماء العربية الراحلين وشيوخها السالفين الأمجاد، وحرصا على خدمة اللغة وطلابها.. لهذا كله ألف الأستاذ الجليل محمد الطنطاوي رسالته: نشأة النحو فجأت سفرا جليلا وأثرا خطيرا في الناحية التاريخية لعلم قواعد العربية.

ومما يجعل لهذا السفر الحافل مكانة عظيمة بين كتب العربية ومؤلفاتها أنه الحلقة المفقودة لكتب طبقات النحاة التي ألف فيها العلماء من قرون، وأنه أثر فريد في بابه ونوعه، فلم يظهر في مدارس النحو الحديثة في مصر والشرق العربي كتاب قبله في النواحي التاريخية لمدارس العربية ورجالها ومؤلفاتها في القديم والحديث..

وقد كتب الأستاذ فصول كتابه بلغة جمعت بين بلاغة الآداء وجمال الأسلوب وجزالة التراكيب، والنقد التحليلي التاريخي لأطوار علم العربية ومذاهبه ومدارسه ورجالاته، وفي الكتاب فصول عظيمة الأهمية في أسباب تدوين القواعد العربية، وعن الرجل الذي ذهب بشرف وضعها وتدوينها، وعن نشأة النحو وأطواره في مراحله المختلفة، وعن حياة شيخ العربية الأول أبي الأسود الدؤلي، وعن مدرسة النحو الأولى بالبصرة، ورجالها، ومدرسة الكوفة التي نشأت بعد ذلك ورجالها، ويبين المؤلف نزعات مذهبي النحو بالبصرة والكوفة، والمناظرات التي قامت بين رجالهما، ويحلل أسباب الخلاف بين مدرسة البصرة والكوفة، والبواعث التي دعت إلى نسوء كل مدرسة واستقلالها، والعناصر التي بنيت عليها، والاتجاهات التي اتجهت إليها والمسائل العلمية التي اختلفت فيها، وآثار هذا الخلاف العلمي، ويعقد الموازنات بينهما..

 ثم يتكلم عن مدارس النحو التي قامت ببغداد وفارس ومصر والشام والأندلس، ومنهج كل مدرسة وعلمائها وآثارها.. كل هذا في أسلوب قوي دقيق وبحث علمي عميق.

والكتاب وهو يعرض علينا النحو من أول نشأته إلى العصر الحديث يمتاز عن كتب الطبقات القديمة بسعة البحث وكثرة التفصيل، ودراسة مدارس النحو القديمة دراسة مستفيضة، ويمتاز عن كتب المستشرقين بنفوذ مؤلفه إلى أعماق العربية وأسرارها ووقوفه على أطوارها».

ولم يكن كتاب «نشأة النحو» هو الصلة الفكرية بيننا وبين الشيخ، ولكنه كثيرا ما جلسنا في دروسه ومحاضراته في كلية اللغة معجبين نتلقف طرائفه، ويسحرنا بشمائله وتواضعه وعلمه، بل كان لي كذلك حظ التلمذة عليه منذ أكثر من ربع قرن، وكان يدرس لنا علوم البلاغة في الفرقة الثالثة من القسم الابتدائي، وكان له كتاب ألفه في هذا المجال، وسماه «نفحة الريحان في علم البيان»، وكان الكتاب يحوي مباحث كثيرة دقيقة، ولكنه لم ينح فيه هذا المنحى التجديدي الممتع الذي لمسناه فيما بعد في «نشأة النحو».

وللشيخ الطنطاوي عدا ذلك كتابه «تصريف الأسماء»، الذي أشهد أنه يجب دراسته في أقسام الدراسات العليا لا في الفصول الدراسية في الكلية نفسها. . وله كذلك مقالات كان ينشرها في مجلة «رسالة الإسلام» التي تصدرها دار التقريب، والتي لا يطلع عليها أحد، وما كان أجدره أن ينشر هذه المقالات في كتاب ليتسنى للناس أن يقفوا على علم الرجل وسعة إطلاعه. .

أما حياة الشيخ فبسيطة بساطة نفسه وأخلاقه، ولكنها حياة كبيرة بمغزاها وأثرها:
ولد الشيخ في 7 سبتمبر 1895 ببلدة أكوة الحضة مركز تلا منوفية من أسرة متدينة محافظة تعيش في الريف عيشة الهدوء والاستقامة، ومهد له والده السبيل إلى التعليم الديني، فأدخله مكتب القرية لحفظ القرآن الكريم، وحفظ كتاب اللّه، وأخذ يتلقى تجويده على يد فقيه من فقهاء القرية، ثم بعث به والده إلى الجامع الأحمدي في طنطا عام 1327 ه‍ 1909 في أول عهده بالنظام، فانتسب إلى الشعبة الأولى على مذهب الإمام مالك، واستمر في التعليم يحوطه التوفيق حتى نال الابتدائية عام 1331 ه‍ - 1913 م، ثم تزوج إتباعا لسنة الريف في الحرص على الزواج المبكر، واستمر يوالي كفاحه العلمي حتى كان في طليعة الناجحين في الشهادة الثانوية عام 1335 ه‍- 1917.

وفي القسم العالي بسنواته الأربع دأب في التحصيل، وجد في الإطلاع. وثابر على الدراسة حتى فاز في النهاية بنيل شهادة العالمية النظامية عام 1342، 1923 م. ثم أنشيء قسم التخصص وافتتح في يناير 1924، فتقدم إليه والتحق بشعبة «النحو والصرف والوضع» واجتاز مراحله الثلاث بتفوق، وفي السنة الأخيرة حازت رسالته في الإعلال تقدير أساتذته ولجنة الامتحان كذلك.

ولما عقد الشيخ المراغي عام 1928 لسابقة بين خريجي التخصص للتعيين في وظائف التدريس بالأزهر ومعاهده كان حظ الشيخ فيها حظا طيبا، فعين مدرسا في معهد الزقازيق الديني في اليوم السابع والعشرين من ربيع الثاني عام 1347 ه‍، 11 أكتوبر 1928، وبعد قليل توفى والده يوم الثلاثاء 19 رجب 1247 ه‍- 21 ديسمبر 1928، ولكنه مات وهو قرير العين بابنه الشيخ المدرس في الأزهر الشريف، ومكث أربع سنوات في معهد الزقازيق كان فيها محل تقدير شيوخ المعهد وأساتذته وطلابه ومفتشي الأزهر الشريف، ومن ثم انتقل منها إلى كلية اللغة العربية عام 1933 مدرسا، وظل فيها إلى أن توفاه اللّه إلى رحمته عام 1955.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   22/04/17, 09:45 pm

الشيخ عبد الجليل عيسى
==============
من جديد، وبعد مرور خمسة وسبعين عاما، على وفاة الإمام محمد عبده، طيب اللّه ثراه؛ تنتفض هذه المدرسة العجيبة، مدرسة الإمام محمد عبده عن رائد من أعلامها، يتلقى من يدي الرئيس محمد أنور السادات، في عيد الثقافة، جائزة الدولة التقديرية، إكبارا وتقديرا من الدولة لعلمه، ولما أسداه فكره إلى جيلنا المعاصر من آثار جليلة.

إن تفسيره الشيخ عبد الجليل عيسى للقرآن الكريم يسير على منهج الأستاذ الإمام، من موضوعية ونفاذ بصيرة، وعقلية أصيلة تزن كل شيء، وتحكم في عمق على الآثار والمرويات والمأثورات.

وكتابه «اجتهاد الرسول» يحمل طابع الإمام العقلي في كتابه المشهور «رسالة التوحيد»، فهو قبس من جذوة الفكر العلمي، التي أنار بها الإمام محمد عبده الطريق لجيله، وللأجيال التي خلفته.

والشيخ عبد الجليل عيسى هذا الأزهري النابغة، عاش حياته نضالا ورأيا وعملا، من أجل أن يكون للعالم صوت في مجتمعه، وعمل دائب في خدمة وطنه، وجهاد متصل من أجل كلمة الحق تقال في كل وقت وكل مكان.

وانتماؤه العربي والإسلامي عزز في نفسه الشعور بأصالة تراثنا، وبعظمة الماضي وجلاله، ويمجد الأزهر العلمي العريق؛ وكانت هذه الانتماءات كلها هي مكونات شخصيته.

وفي ظل ما يقرب من قرن كامل عاشه ويعيشه عالمنا الجليل، كانت الأحداث الكبرى في تاريخ وطننا، التي شارك فيها الشيخ بقلمه وروحه ونضاله.

توفى رحمه اللّه عام 1981.

كان أحد علماء الأزهر الذين وقفوا على أسرار الشريعة الإسلامية، وملكوا ناصية اللغة العربية والبيان في العصر الحديث-عرفته شيخا لمعهد شبين الكوم الديني الذي أنشيء في عهد الإمام المراغي -رحمه اللّه- وقد اختاره أول شيخ له، لأنه كان موضع ثقته، وأحد تلاميذه المقربين إليه وكان للشيخ عبد الجليل في قلوبنا مكانة كبيرة من التقدير والاحترام والحب والاعزاز، لأنه وضع نصب عينيه النهوض بهذا المعهد الديني، ولأنه كان له مزيد من الهيبة والسطوة.

ولحرصه الشديد على مصلحتنا، وظهورنا بمظهر الطالب الأزهري المثالي الذي يحرص على عزته وكرامته، وفي سبيل ذلك كان لا يسمح لأحد بدخول المعهد إلا إذا كان يلبس الزي الأزهري كاملا، وإذا نمى إليه أن أحدنا لا يظهر في الخارج بصورة سلوكية مشرفة، قام بفصله من المعهد مدة ولا يسمح له بالحضور إلا بعد تعهد من ولى أمره بضمان سلوكه واستقامته، وذلك بعد أن يتحرى الأمر، وقد انعكس علينا هذا جدا واستقامة، وتفوقا في العلم واخلاق.

والشيخ عبد الجليل من الرعيل الأزهري الأول الذي اشترك في المظاهرات وقاد مع زعماء الأزهر ثورة 1919 ضد الانجليز وكان يحدثنا بذلك فخورا، لينقل إلينا شرارة الوطنية-و كان معروفا عنه أنه أشد تلاميذ المراغي إخلاصا، حيث ترسم خطاه في ميادين إصلاح الأزهر وتطويره تطويرا يساير سمة العصر العلمية، مع الاحتفاظ بعناصر التراث الأصيل للأزهر وكان للشيخ قلم موهوب في كتابة الموضوعات المتعددة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   22/04/17, 09:50 pm

الشيخ محمد سعاد جـلال 
==============
توفي رحمه اللّه في يونيو عام 1983، وكان علما من أعلام الشريعة الإسلامية وأستاذا جليلا في كلية الشريعة الإسلامية.

قال عنه زميله الدكتور الشيخ عبد الجليل شلبي:
عرفت «الشيخ محمد سعاد جلال» منذ أكثر من نصف قرن عرفته أول ما جئت إلى القاهرة طالبا في كلية اللغة العربية سنة 1937، وكان هو في السنة الثالثة في كلية الشريعة وكانت الكليتان في مبنى واحد، فتعارفنا بلحظة، وتآلفنا في لحظة، ثم مضت الأيام تزيد مودتنا قوة، وتكسو تآلفنا إخاء وإعزازا.

والتحق الشيخ محمد سعاد عقب تخرجه بتخصص المادة، ليدرس الفقه الإسلامي وأصوله، وكان هذا التخصص يستغرق نحو سبعة أعوام، وكان طلابه يختلفون في درجاتهم العقلية ويتباينون فيما يحصلون من علمه تباينا واسعا، فقد كان الأزهر حديث عهد بالدراسات العليا، وكانت دراسته تقوم على درس الكتاب لا على درس الموضوع، وقليلون من أبناء هذا القسم بنوا أنفسهم بأنفسهم وكما كان يقول المرحوم أحمد أمين: إن من ينبغ من أبناء الأزهر لم ينبغ بمنهجه وتوجيهه ولكن نبغ على الرغم من منهجه وتوجيهه، وكان الشيخ محمد سعاد من هؤلاء.

وعدا الناحية العلمية، أو لعله بسببها، كان نزوعا إلى الخير ونفع الناس بما لديه، وكانت موهبته الخطابية مما يساعده على بث علمه وإذاعة أفكاره وهي أيضا مما هيأ نمو مدرسته وكثرة تلاميذه، كان وهو لا يزال في هذا التخصص يخطب يوم الجمعة في مسجد الخازنداره بشبرا وذهب وزير الأوقاف يومئذ ليصلي في هذا المسجد، وربما جذبه إليه اسم الشيخ محمد سعاد، فأعجبه حديثه فقرر له علاوة استثنائية تقديرا لكفائته وعلمه، وبعد أن أنهى الشيخ دراسته كان يخطب ثانيا في مسجد المحكمة بمصر الجديدة ثم المسجد قاهر التتار فمسجد عمر مكرم بالقاهرة وكان يتطوع بإلقاء الدروس الدينية فيها، فكان له بها مدرسة ثانية، بعد مدرسته في كلية الشريعة.

وكان من لباقته في دروسه أنه يوازن بين قانون الشريعة والقوانين الوضعية، ويوازن بين مجتمعاتنا والمجتمع الإسلامي في حذق وحسن تصوير، وهو مع هذا يتحاشى الاحتكاك بتيارات السياسة، ولكن كانت تلميحاته أبلغ من تصريحات الآخرين، وكان تلاميذه في كلية الشريعة يحبون درسه ويقدرون تفكيره، وهم الآن في شتى المعاهد والمدارس داخل القطر وخارجه يشعرون بدينهم له.

ثم انضم إلى هاتين المدرستين حديثه «قرآن وسنة»، وبه أضاف إلى تلاميذه تلاميذ لا يعرفهم ولم يروه، ولكنهم أحبوه على البعد، وعرفوه من غير أن يلقوه.
ومات الشيخ محمد سعاد جلال، فشيعت جنازته في غير حشد، ففي ذمة اللّه وذمة التاريخ.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   22/04/17, 10:20 pm

الدكتور أحمد الشرباصـي 
===============
من مواليد بلدة البجلات مركز دكرنس، مديرية الدقهلية، وتاريخ ميلاده 17 نوفمبر سنة 1918.

تخرج من كلية اللغة العربية سنة 1943، وكان ترتيبه «الأول» بين المتخرجين كما كان «الأول» بين زملائه في سنوات الدراسة بالكلية.

نال شهادة العالمية والتخصص في التدريس سنة 1945، وكان ترتيبه «الأول» بين الحاصلين على هذه الشهادة.

كانت هذه أول مرة يجمع فيها متخرج بين «الأولية» في الشهادة العالية و «الأولية» في التخصص.

اشتغل مدرسا في وزارة المعارف مدة، ثم نقل مدرسا في معهد الزقازيق، فمعهد القاهرة فمعهد سوهاج، فمعهد القاهرة، واختير أمينا للجنة الفتوى بالأزهر.

ألف ما يزيد على العشرين كتابا في مباحث الدين والتاريخ والأدب والاجتماع، ومن هذه الكتب: حركة الكشف، محاولة، بين صديقين، سيرة السيدة زينب، واجب الشاب العربي، المحفوظات الأزهرية، لمحات عن أبي بكر، محاضرات الثلاثاء، صلوات على الشاطىء، أمين الأمة أبو عبيدة، عائد من الباكستان، مذكرات واعظ أسير، النيل في ضوء القرآن من أجل فلسطين، في رحاب الصوفية، غربة الإسلام، أيام الكويت، القصاص في الإسلام، في عالم المكفوفين، الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز.

أذاع سلسلة أحاديث في الراديو عن الدين وصلته بالحياة، كان يقصد فيها دائما إلى تزكية المجتمع بالمبادىء الدينية الفعالة في إصلاح الحياة والأحياء.

 ومن هذه الأحاديث سلسلة «الإسلام والشباب» وسلسلة «آداب المجتمع في الإسلام» وسلسلة «الإسلام ومنهج الاستقامة» وسلسلة «آدب السنة في بناء الأسرة».

اشترك ببحوثه ومناقشاته وآرائه في مؤتمرات كثيرة، مثل: مؤتمر الشعوب الإسلامية بالباكستان، ومؤتمر العلماء بالباكستان، والمؤتمر الإسلامي بالقدس، ومؤتمر الخريجين العرب بالقدس، والمؤتمر الرياضي بالقاهرة.

ونظم عدة مؤتمرات إسلامية واجتماعية وقومية في دار المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين.

نال دبلوم الدراسات اللغوية والأدبية من معهد الدراسات العربية العليا سنة 1955، وكان ترتيبه الأول»، وكان مجموع درجاته أكبر من أي مجموع في جميع شعب المعهد المذكور.

يعرف اللغة الانجليزية، وتقدم أكثر من مرة قبل قيام الثورة في مصر لبعثة خارجية علمية، وحيل بينه وبين ذلك بسبب خطبه ومقالاته التي كان يقاوم فيها الفساد الماضي والطغيان البائد.

دعا منذ عشرين عاما إلى إدخال نظام الكشافة في الأزهر، وألف في ذلك كتابا، وخطب وكتب عن ذلك مرارا، كما دعا حينئذ وبعد ذلك إلى نشر التربية الرياضية في الأزهر والمعاهد.

ألقى سلسلة من المحاضرات في عدة مواسم دراسية على مبعوثي البلاد العربية إلى «المركز النموذجي لتوجيه المكفوفين بالزيتون»، وهؤلاء المبعوثون يأتون للتخصص في شئون المكفوفين وتوجيههم، وألف كتابه «في عالم المكفوفين» الذي نال جائزة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية سنة 1956.

رحل رحلات علمية واجتماعية وإسلامية إلى: فلسطين والأردن، ولبنان، وسوريا، والكويت، والباكستان، واليونان، وتركيا، وله بحوث ودراسات عن هذه البلاد، وتكررت رحلاته إلى أكثر هذه البلاد.

كان مبعوثا علميا للأزهر الشريف في الكويت عام 1952 - 1953.

وألف كتابا عن الكويت وشئونها المختلفة في قرابة خمسمائة صفحة.

اختير لألقاء محاضرات عن الشريعة الإسلامية على طلبة معهد الخدمة الاجتماعية في مستوى جامعي منذ أول سنة 1957 الدراسية.

قام بمهمة الرائد العام لجمعيات الشبان المسلمين منذ عهد بعيد، وكان ينظم محاضرات: «أحاديث الاثنين» ومحاضرات «مواسم التفسير»، كما يشارك بمحاضراته وكلماته في أعمال الشبان المسلمين المختلفة، وينشر بحوثا في مجلتها منذ سنوات، وله محاضرات في جمعيات كثيرة إسلامية واجتماعية وقومية ورياضية، وهو عضو في كثير من هذه الجمعيات.

أسندت إليه أمانة الفتوى في الأزهر الشريف بالإضافة إلى عمله في التدريس بالأزهر.

دعاه رئيس الجمهورية أكثر من مرة للخطابة في الأزهر الشريف في مناسبات تاريخية مشهورة، مثل يوم معركة القتال، ويوم الوحدة بين مصر وسوريا، ويوم الجمعة الأخيرة من رمضان ويوم عيد الفطر، وغيرها.

كلفته رياسة الجمهورية عن طريق الاتحاد القومي برحلة إلى سورية قبيل إعلان الاستفتاء على الوحدة بين مصر وسورية في مطلع سنة 1958، وألقى هناك عشرات الخطب والمحاضرات في مختلف المدن السورية حثا على الوحدة وتعريفا بالعروبة والإسلام.

دعاه الرئيس شكري القوتلي إلى إلقاء خطبة تاريخية في المسجد الأموي بدمشق يوم الاستفتاء على الوحدة، وقد أذيعت هذه الخطبة بالراديو، ثم نشرت ونوهت بها الصحف كثيرا.

اختارته وزارة الشئون الاجتماعية والعمل سنة 1955 عضوا في اللجنة التي وضعت مناهج الدراسة لقسم الدراسات الاجتماعية لطلبة الكليات الأزهرية.

منذ سنة 1940 وهو يقوم بالخطابة الدينية المصطبغة بالصبغة الاجتماعية، وقد تنقل بين مسجد المنيرة، ومسجد الشامية، والجامع الأزهر، ومسجد الرفاعي، وغيره من المساجد.

ألف جملة مسرحيات إسلامية وتاريخية، مثل أكثرها على مسارح:
جمعية الشبان المسلمين، ودار الأوبرا، وحديقة الأزبكية، والغرفة التجارية، وغيرها.

اشترك في موضوع فيلم «خالد بن الوليد» بوضع المعلومات التاريخية والحوار وشارك في السيناريو.

كتب وخطب كثيرا في الدعوة إلى التقريب بين الدين والفن وشعاره هو: إذا تدين رجل الفن وتفنن رجل الدين التقيا في منتصف الطريق لخدمة العقيدة الإسلامية السليمة والفن القويم».

اختارته إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة في اكتوبر سنة 1958 ليكون رائدا لبعثة الضباط الأندونيسية المكونة من قادة التربية الروحية التي قدمت لدراسة الشئون الإسلامية والروحية والأخلاقية للانتفاع بها في تعبئة الروح المعنوية بالجيش الأندونيسي.

وكانت له صلاته المستمرة بالقضايا العامة للبلاد العربية والإسلامية.

كتب كثيرا في إصلاح الأزهر لأداء رسالته الكبرى في مصر والعالم الإسلامي.

وكانت كتاباته ومحاضراته-فوق اتجاهها الاسلامي والعربي-و قد حصل على الدكتوراه في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية عام 1967 تتّسم دائما بالنزعة الإنسانية.

توفي إلى رحمة اللّه عام 1980.

كتب إليّ عام 1958 من دمشق يقول:
أخي البحاثة الدءوب الأستاذ الجليل محمد عبد المنعم خفاجي:
سلام اللّه عليك ورحمته وبركاته.
أكتب لك هذه الرسالة من دمشق الفيحاء بعد أن قضيت أسبوعا في هذا الشطر الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، وقد جلنا في أنحاء هذا الإقليم الكريم فزرنا طرطوس وقدموس واللاذقية وحلب وحماة ومعرة النعمان (بلد أبي العلاء) وحمص وغيرها، وألقيت في كل بلدة من هذه البلاد أكثر من خطب عن الوحدة والعروبة والإسلام ومقومات هذه الأمة المؤمنة، وقد سعدنا في اليوم التالي لوصولنا بمقابلة الرجل العظيم الرئيس شكري القوتلي، وخطبت أمامه، وأهديت إليه نسخة من كتابي «الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز» لأنه كان مصري المولد وتولى الخلافة في الشام وجمع في خلافته بين مصر وسوريا وغيرهما من بلاد العروبة والإسلام.

وقد تفضل الرجل المجاهد فتقبل الهدية وعلق عليها بأنها أحسن هدية يتلقاها لأنها تذكرة بالزهد والورع والعدالة.. ثم رد على خطبتي بخطبة جليلة قيدنا خلاصتها، وكان ذلك كله في القصر الجمهوري السوري.

وقد طلب مني أثناء خطبته أن ألقي خطبة الجمعة يوم الاستفتاء 21 فبراير 1958 في المسجد الأموي الجليل لكي تذاع بالمذياع وليسمعها ألوف المصلين بالمسجد، وقد استحببت لذلك، وجعلت خطبتي دائرة حول معاني الوحدة وثمرات الاتحاد، وقد ذكرت فيها أيضا عمر بن عبد العزيز وضربت بعض الأمثلة من حياته، وكان لها والحمد للّه أثر طيب حميد كما ذكر لي الناس هنا وهناك.

دمشق الآن يا أخي في بحر لجى من الفرح والسرور والبهجة. .

المظاهرات في كل مكان، الهتاف يملأ الآذان. . الرجال والنساء، الشيوخ والشباب، الطلاب والطالبات. . الجميع يصفقون ويهتفون. .

إنك لا تستطيع أن تفرق مبلغ هذا الشعور الجارف الفياض إلا إذا رأيته بعينيك. . .

إننا الآن بين أشقائنا وأحبائنا، وفي بلادنا. . . البلد واحد، والقائد واحد، والوجهة واحدة. . . نصر اللّه كلمة الأمة، وأعز بها شأن الحق والعدل، وثبتها في طريق اليقين والإيمان. . .
تحياتي لك ولأهلك ولكل أحبائك، وإلى لقاء قريب، وسلام اللّه عليك ورحمته.
دمشق في 22/ 2 / 1958
أحمد الشرباصي.

وكتب عنه صديقه محمد رجب البيومي يقول:
أصدر للأستاذ أحمد الشرباصي كتابه القيم: «في عالم المكفوفين».. والكتاب كما يراه كثير من الناقدين مجهودا علميا إنسانيا، فلا غرابة إذا أخذ نصيبه من ثناء المنصفين!!. . .

ويقول زميله د. رجب البيومي عنه:
رجعت بذاكرتي إلى الوراء، أيام كنت طالبا بالنسة الأولى بمعهد دمياط الديني، وقد سبقني في التخرج فيه زميلي أحمد الشرباصي، تاركا خلفه ثناء مستطابا، تفيض به ألسنة المدرسين في المعهد، وآراء الأدباء، خارج الدراسة، من أندية السمر، ونزهات الراحة، ودهشت كثيرا حين علمت أن الطالب المتخرج في المعهد الابتدائي قد أصدر كتابا أدبيا في موضوع توجيهي تحت عنوان: «حركة الكشف»، ولم يكن الكتاب مقالات متناثرة في موضوعات متفرقة، تزدحم بها الأساليب الإنشائية والخيالات البعيدة.

كما نلاحظ دائما في إنتاج الشداة من الناشئين، والطامحين من المراهقين؛ ولكنه كان كتابا هادفا يسعى إلى غرض، ويدور حول فكرة، فاجتمعت له الأصالة والجدة مع التوجيه الدافع، والحرص الغيور،. .

وقد انتقل الإعجاب بهذا الكتاب إلى الدوائر الأدبية في القاهرة، فأفردت له مجلة الرسالة (عدد 10 يناير سنة 1938) صفحة خاصة تحدث فيها الأستاذ محمد سعيد العريان عن الكتاب وصاحبه، فقال فيما قال:
«ها هو ذا أزهري فتي يضرب المثل لإخوانه الأزهريين في الفتوة الرحيمة، التي تعمل للإنسانية. . . يا له من فتى متمرد؛ لا. . . لا تسموه متمردا، إنه يعرف ما عليه من تبعات الرجولة في غد، فأعد للغد عدته، فلا عليه إن كان هو وحده الفتى الكشاف من الأزهر الكبير وروافده. . إني لفخور به»!!. . .

وأخذنا حينئذ نطالع مقالات أسبوعية يفاجئنا بها الشرباصي في مجلات مختلفة، وكان عجيبا أن تصدر «السياسة الاسبوعية» (في 9 يوليو سنة 1939) عددا خاصا عن ذكرى الإمام محمد عبده، يتحدث به منصور فهمي وجاد المولى وأمين الخولي ومحرم والجارم وغيرهم من أدباء الصف الأول، ثم يكون للفتى الناشىء بهذا العدد مقالان اثنان لا مقال واحد (ص 18، وص 30).

شيء رائع حقا، ونشاط حميد مشكور دفع بالأستاذ فليكس فارس -وهو يومئذ في طليعة كتاب الرسالة الشيوخ- أن يسجل تقديره في تقريظ مشجع يقول فيه (الرسالة، عدد 6 فبراير سنة 1939):
«إن المؤلف يذهب في محاولته ذهاب من رسخت عقيدته متعالية عن تردد المحاولين، وإن العبقرية العربية تنتبه في هذا الجيل الذي سيقدم ليحل محلنا على الذروة نحن النازلين منها إلى الأغوار. لقد ولدت اقلامنا أقلاما خيرا منها».

وثناء فواح كهذا الثناء تعبق به مجلة الرسالة الارستقراطية جدير بالتقدير والاعتبار. . .

مضت الأيام والشرباصي لا يني عن رسالته الأدبية، بل يزاحم الأدباء إنتاجا وتأليفا على طراءة العمر ولدونة اليفاع، وكان لابد لهذا النشاط المتوثب أن يخرج للناس كتابا ثالثا تحت عنوان: «بين صديقين»؛ وكان لابد لجمهرة المنصفين من الأدباء أن يسابقوا إلى تكريمه وتشجيعه، فهيأت جمعية الشبان المسلمين ساحتها مساء الأربعاء 28 نوفمبر سنة 1940م لحفلة تكريمية ساهرة خطب بها كبار الأساتذة ونوابغ الأدباء، وقد أظهر الوفاء دلائله الصادقة في نفوس كريمة تحتفل بالنشاط الدائب، وتبارك الجهد الموصول؛ وأنت تدرك كفاح الكاتب الناشىء حين تسمع زميله الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف يتحدث عنه، فيقول 1: «لقد كنت أتلقى بريد الرسالة فأجد الشرباصي في اليوم الواحد كاتبا في (المكشوف) اللبنانية و (الحديث) الحلبية و (التفيض) العراقية و (المجلة) الدمشقية»!!. .. وهذه الحقيقة المائلة تنطق بنشاط حافل، تمده الموهبة، وينمية الإطلاع!!. .

وقد آثرت أن أستشهد بالنصوص ليعلم هذا المبتسم عن ريبة واتهام أنني لا أبارك وحدي جهود أديب طامح، فإذا كان لا بد من الابتسام فليوجه إلى جميع من يستمعون القول فيحبون أحسنه، ويهتفون بقائله: مرحى مرحى فقد سلكت الطريق!!. . .

وإذا كان لنا أن نحكم على إنتاج الكاتب، فإننا نلاحظ أنه من مبدأ أمره قد احتفل بالأدب العربي دراسة وتحليلا، فقرأ وحفظ وناقش، وأعد نفسه ليكون أستاذا في الأدب العربي وحده، فهو غاية يهدف إليها، ولم يدر أن الأيام ستجعل هذه الغاية وسيلة إلى هدف أسمى ومطلب أحب، تلك هي الدعاية للإسلام ونصرة الحق الصريح!. .

لقد أكب الشرباصي على دراسة الأدب في مختلف عصوره، فأفاد إفادة غزيرة، ولا زالت أبحاثه الأدبية ترتفع إلى قمة عالية.

وقد قرأت له سلسلة عن «الخطابة في الأندلس» بمجلة الأزهر، فشاهدت من أصالة الرأي وبراعة الاستنتاج وطرافة النقاش ما أعجب وأمتع؛ بل أذكر أن أحد أساتذة العراق المرموقين قد كتب مؤلفا تحت عنوان: «بعث الشعر الجاهلي» فانبرى الشرباصي لنقضه في مجلة المقتطف، وأبدى من غزارة المادة وقوة العارضة ما جعل الدكتور المؤلف في حرج وضيق، ولو تفرغ أحمد للأدب وحده لرأينا مجهودا حافلا تنشرح به الصدور!!. . .

ولكن الأستاذ يتعرض في نقده الأدبي إلى مأزق ضيق يكابد منه تبريحا أي تبريح!. . . فهو يحرص على التشجيع والتنويه، وتدفعه المجاملة أحيانا إلى إهمال حقوق النقد الصريح، وكثيرا ما تقرأ له بحثا أدبيا عن كتاب معاصر أو شاعر صاحب، فلا ترضى عمّا يشيع فيه من تنويه وتقدير. . . فإذا اضطر الكاتب إلى النقد ساقه في ثوب حريري ناعم. . .

وقد تخلو إليه فيحدثك عن بعض المآخذ التي رآها ولكنه تحامل على نفسه فأغفلها؛ وتلك حال تذكرني بشاعر العربية الابتداعي خليل مطران، فقد كانت له في الشعر رسالة ناهضة مجددة، ولكن قيود المجتمع وقوانين المجاملة قد دفعته -في ضيق منه- إلى النظم السطحي في حفلات الأعراس ومواقف التأبين، والخلق السمح يجد حرجا شديدا في مغاضبة الناس، فتكون المأزمة الضائعة للإنتاج الأدبي وصاحبه المسكين.

لقد قرأت في كتاب «أيام الكويت» بحوثا أدبية عن شعراء مقلدين لم يتصلوا بالنهضة الفكرية الحديثة؛ والأستاذ المؤلف ينظر إليهم بعين الرضا الكليلة عن العيب؛ فكنت أقول في نفسي: أرضى الناقد عن فطمهم التقليدي فهتف بأصحابه مع الهاتفين، أم أنه احتقر الموازين الجديدة للشعر الحديث؟!. . .

ولم يطل التساؤل، فقد قرأت للأستاذ بحثا استعراضيا عن كتاب «الشعر بعد شوقي» للدكتور محمد مندور، فوجدت الكاتب يتفق معي في الاتجاه!!. . وينحى باللائمة على ذوي الهمود من الجامدين، وإذ ذاك تصورت الحرب النفسية التي قاساها الشرباصي ليوائم بين الرأي الصريح والخلق السمح الحليم!!. . .

على أن أحمد في مجاملته للزملاء لا يتهاون قيد شعرة مع كبار الأساتذة من الأدباء، وقد تعرض لغضب صاحب مجلة أدبية لامعة، حين نشر نقدا أدبيا لبعض آرائه بمجلة الثقافة سنة 1940 م، كما أغضب الأستاذ أحمد أمين حين انحاز مجاهرة إلى تأييد غريمه الدكتور زكي مبارك في هجومه على صاحب الجناية الأدبية!. . .

ومع مناصرته لزكي مبارك فقد وقف الشرباصي الطالب الشاب موقف الناصح المرشد من دكتور نابغة نقاد، إذ يقول له على صفحات الرسالة (عدد 16 اكتوبر سنة 1939 م):
«أي صديقي الدكتور، قد انتهى لغو الصيف، وجاء جد الشتاء، فلا تكسل ولا تنم، على أني أرجو أن تتحاشى ما يسبق إليه قلمك من عبارات تنال من شخصية الأستاذ أحمد أمين وتجرح شعوره» فأي توجيه ذاك؟!. . .

وقد كان التحاق الشرباصي بكلية اللغة العربية بالقاهرة نقطة تحول كبير في إنتاجه واتجاهه، وكان المظنون به أن يتوسع في الدراسة الأدبية وحدها، ولكنه وجد بالقاهرة مجالا للنشاط الإسلامي عن طريق المحاضرة والمناظرة والخطابة، فانفرجت دائرة كفاحه إلى حيث تتسع وتمتد، ورصد نفسه إلى خدمة الفكرة الإسلامية بالقلم واللسان!!.

وصاحب اللسان البليغ لا يرى في أسلوبه الخطابي ضرورة لقيود المقال المركز، ومن هنا سرت عدوى اللسان إلى القلم في كتابة الشرباصي، فقد تجد بها تفصيلا وإطنابا لا يرضيان صاحب المنطق المحدد؛ ولكن الشرباصي يتعمد الإثارة الانفعالية في نفوس القراء، إذ يهمه أن يجتذبهم إلى فكرته مستعملا شتى ضروب التأثير، من منطق عقلي، أو مهيج عاطفي، أو حافز وجداني؛ وإذا قرن القارىء شخصية الداعية بشخصية الكاتب في بعض مؤلفات الشرباصي فقد أراح واستراح!!. . .

اقرأ مثلا كتب الرجل:
1 - النيل في ضوء القرآن.

2 - واجب الشاب العربي.
3 - أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
4 - صلوات على الشاطىء. . .


فستجد المنطق العقلي سابحا في أمواج التأثير الوجداني، ولهذه الطريقة حسناتها في استنهاض الهمم وحفز البواعث، وإن كانت لا تسلم من نقد يؤكدة عقل منهجي محدود. .

لقد أصدر الكاتب مؤلفا صغيرا عن السيدة زينب، كما أصدرت السيدة بنت الشاطىء مؤلفا عنها، وصاحبة السيرة رضي اللّه عنها ذات مجال محدود لا يسمح بكتاب خاص، فماذا صنع الكاتبان؟!. .

لقد لجأت الدكتورة الجامعية إلى الأساطير والأخيلة تنسج فيها خيوط البحث التاريخي، ولم أعجب بهذا المنهج، فنقدته نقدا صريحا بالسنة العشرين من مجلة الرسالة سنة 1952 م.

أما الشرباصي فقد هدف إلى العاطفة الدينية يستثيرها استيثارا حبيبا، وقد عالج مشاكل دينية واجتماعية تتصل بالموالد والأذكار والصلوات، فجاء بحثه نميرا مستطابا ينعش الروح المؤمنة، ويرضي الوجدان الصافي، ولكنه لا يخرج عن مجال التأثير الخطابي إلى مجال التأمل والاستنباط؛ وفائدة القارىء في المجال الأول محتومة مفروضة، فقد زاد إيمانا، ورسخ عقيدة، وصفا نبعا وأخلاقا، وذلك ثراء أي ثراء.

هذا وقد فرغ الكاتب إلى البحث العلمي الديني في بعض مؤلفاته القوية مثل: «القصاص في الإسلام»، و «محاضرات الثلاثاء».

ولن يضيره في شيء أن يعرض بحوثه الدقيقة النافعة في ثوب رائق واضح، فالحقيقة العلمية لا ينتقص معدنها أسلوب مشرق واستطراد نافع، وإنما يضيرها أن يتشعب بها القول في متاهة لا تحد، وهذان الكتابان من النفاسة جوهرا، والوضوح أسلوبا، والتحديد منطقا، في مستوى رفيع، وإذا اكتمل للمؤلف كل ذلك فقد نجح وأفاد. . .

يقول فضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف في معرض الحديث عن «محاضرات الثلاثاء» في «منبر الشرق» عدد أول فبراير سنة 1952:
«من عادتي ألا أكتب عن كتاب إلا بعد أن أقرأ أكثر مباحثه على الأقل، فإن استمالني لمتابعة القراءة فيه بغزارة مادته، وطلاوة عبارته، وجودة معانيه مضيت فيه إلى نهايته. . .

 وقد أهداني فضيلة الأستاذ أحمد الشرباصي كتابه: «محاضرات الثلاثاء» وأنا أعلم أنه رجل موهوب، ازدان علمه بتقواه، وأسلوبه بالأدب الرفيع، وقلمه بالسلاسة والرواء، فعكفت على قراءته كعادتي فوجدت فيه طلبتي» الخ. . .

وإذن فقد أصبح الاتجاه الإسلامي للداعية الأديب محور الحديث في الخطابة، ومجال القلم في التأليف. . .
وقد سافر بحافز من هذا الاتجاه إلى ممالك الإسلامية كثيرة، وصادف محنا وعقابا جمة، ولكنه لم يترك تجاربه تهرب من الذاكرة هروبا لا رجعة منه، بل أفرد لها كتبا خاصة من إنتاجه مثل: «أيام الكويت» و «عائد من الباكستان» و «مذكرات واعظ أسير». . .

وقد سلك في كتابته مسلكا يلتزمه الكثيرون، فهو يدون الحوادث اليومية مجزأة متصلة، تتماوج في سلسلة متعاقبة، يوما وراء يوم، وأذكر أني كتبت إليه في رسالة خاصة نقدا لهذه الطريقة، إذ أرى أن الأوفق أن تمتزج هذه اليوميات، لتتداخل في أبوبا عامة، تتخذ لها عناوين دالة موحية. . .

وكنت أعتقد أن هذا المنهج لا يختلف فيه اثنان، ولكني وجدت من كبار الأدباء من يعدل إلى طريقة الأستاذ الشرباصي منددا بما أشرت إليه، فقد كتب الدكتور محمد عوض محمد بالرسالة (العدد السابع من السنة الأولى) ينقد كتاب: «جولة في ربوع أفريقية» للرحالة محمد ثابت، فيفضل أن يكتب المؤلف مذكرات يومية أثناء السياحة، يصف فيها حركاته وسكناته، وما مر به من الحوادث وكل شيء رآه، وبديهي أن ذلك لا يتضح بجلاء في الأبواب الكلية كما أريد، ولكل وجهة هو موليها. . .

وقد لاحظت أن أفكار الكاتب في نشأته الأولى لم تتبدل في شبابه المكتمل، بل أكسبها الزمن عراقة وأصالة دون أن يميل بها إلى استئصال وإبادة.

ولتوضيح ذلك:
قرأت للشرباصي على سبيل المثال - ثلاثة فصول مختلفة عن الأستاذ الإمام محمد عبده، وقد كتبت في فترات مختلفة، تبتدىء من سنة 1938 وتنتهي سنة 1956 م، فلاحظت أن الروح التي تغمر مقال «محاولة» هي نفسها التي تترقرق في مقال «محاضرات الثلاثاء»، وهي نفسها أيضا تتوهج ببزوغ في مقال أخير نشر بالعام الماضي في مجلة الأزهر سنة 1375 ه‍. .

ولا عجب إذا أكثر الشرباصي من الحديث عن الإمام المصلح، فهو مثل يحتذيه من ناحية، وعالم أزهري كبير له رحمة الماسة من ناحية ثانية!!. . .

لقد أصبح توفيق الشرباصي في محاضراته المتتالية حديث الكثيرين، فكيف إذا ضمت إليه مؤلفاته التي تتقاطر متتابعة دون انقطاع، وقد يجمع المؤلف الواحد منها ضروبا في القول تتباعد مصادر ومراجع، وتتحد هدفا وغاية.

وتلك حقيقة سجلها الأستاذ محمود تيمور حين قال عن كتاب «في عالم المكفوفين» بالرابطة الإسلامية، عدد 16 أبريل سنة 1956 م:
«و أكبر ظني أيها الصديق أنك ستشق بكتابك هذا على من يريدون إلحاقه بفن من فنون التأليف، فإنهم يحارون فيه. . . إن ألحقوه بالعلم فهو ذاك، لما حوى من دراسة وتحقيق، وإن وصلوه بالتاريخ فله منه نصيب موفور، وإن درجوه بالاجتماع فما ظلمون، وإن عدوه كتابا في الأخلاق فليس هو منها ببعيد».

هذه شهادة منصفة، وهي بعد تحقيق لنبوءة الأستاذ أحمد شفيع السيد -الأستاذ بكلية اللغة العربية- حين سجل إعجابه -من أمد بعيد- بتلميذه الطالب أحمد الشرباصي.

فقال عنه من قصيدة عامرة تنطق بسماحة الأستاذ وتقدير التلميذ:
قبس من الإصلاح لاح بصيصه سيزيده كر المدى إشعالا
وإذا رأيت الفجر يبسم ضوؤه فارقب لأنوار الضحى إقبالا
البحر ما ذا كان؟ كان جداولا والبدر ماذا كان؟ كان هلالا

__________
1) كتاب تكريم الشباب، ص 23.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   22/04/17, 11:43 pm

الدكتور الخفاجي
محمد عبد المنعم خفاجي -عالماً-
=================
في قرية صغيرة قديمة من أعمال مركز المنصورة، تسمى «تلبانة»، ولد الخفاجي في 22 يوليو عام 1915 بين أحضان الطبيعة الجميلة في الريف، وبين الفلاحين المكدودين المرهقين الذين يعيشون فيه عيشة تجمع إلى البساطة سذاجة التفكير، واجهاد العيش، وشظف الحياة.

وفي أبان الحرب العالمية الكبرى، وما تلاها من أحداث الثورة الوطنية المصرية عام 1915 ولد ونشأ الخفاجي.

تنطبع في ذهنه صور من كفاح الحياة والإنسانية ومن جهاد مصر في سبيل حريتها وآمالها، هذا الجهاد الذي ظل أمدا طويلا شغل المصريين كافة، وموضع تفكيرهم، وألهم المقعد الناصب لهم في حياتهم المعاصرة.

ولم يترك الخفاجي القرية إلا في أثناء دراسته، وظل وفيا لها ولأهلها الأبرياء البسطاء طول حياته، وهذا الميلاد وما صاحبه وتلاه من أحداث في حياة الخفاجي يصوره في قصيدة ساحرة له عنوانها «يوم الميلاد».

والخفاجي لم يكن وحدة في الحياة، إن تاريخ قومه يمتد إلى أكثر من ألف وخمسمائة عام.

فهو من سلالة عربية عريقة، ارخ لها في كتابه «بنو خفاجة وتاريخهم السياسى والأدبي»، والخفاجيون قبيلة عربية حجازية كبيرة نشأت في العصر الجاهلي وزاد نفوذها وهم من العقيليين العامريين القيميين، وقد تعددت فروع القبيلة بعد الإسلام وهاجرت سلالات منها إلى الشام ومصر والعراق والمغرب والأندلس، ومنهم أعلام خالدون في كل مكان، ولا ننسى الشاعر الأموي توبة الخفاجي للعربي الحجازي، والأمير ابن سنان الخفاجي الحلبي المتوفى عام 466 ه‍، والشهاب الخفاجي المصري المتوفى عام 1069 ه‍، وابن خفاجة الأندلسي المشبور، وغيرهم.

ومن الخفاجيين أسر حاكمة في حلب في القرن الخامس الهجري، وفي العراق في القرن الرابع إلى السابع الهجري، وكانت ولاياتهم في الناصرية بقرب الكوفة وكان يتولاها منهم بعد أمير، وكانوا في شبه استقلال داخلي عن الخلافة العباسية.

إن هذا الماضي العريق يحمله الخفاجي في قلبه ودمه وأعصابه ويقف مزودا منه بإيمان راسخ، وعبقرية حادة وقوة ضخمة تعاوند على كفاحه في الحية.

وحفظ الخفاجي القرآن الكريم وتعلم مبادىء وأطرافا من الثقافة الأولى في مكتب القرية أو المدرسة الأولى التي كان يتعلم فيها الشباب في ريف مصر إلى عهد قريب.

وفي عام 1927 رحل إلى مدينة الزقازيق يتلقى ثقافته الابتدائية والثانوية في معهدها الكبير، الذي تخرج منه عام 1936، وبين هذين التاريخين قصة كفاح طويل.

ومن أهم ما ظهر على الخفاجي في هذه الفترة الاتجاه الوطني الذي دفعه إلى الكفاح في سبيل وطنه في الأزمات السياسية التي مرت بمصر منذ عام 1934، وكان رئيس اتحاد طلبة أبناء الشرقية في مدينة الزقازيق، وكان هذا الاتحاد قوة كبيرة سياسية في هذه الفترة، والخفاجي وأصدقاء له هم الذين كونوه، وكانت مؤتمراته الوطنية تنشر في الصفحة الأولى في جريدة الجهاد المصرية، وفي شتى الصحف في هذه الفترة.

ومن أهم ما يلاحظه الخفاجي على الثقافة المصرية في هذه الفترة انعدام التوجيه وضعف تربية الملكات، وإهمال شئون الطالب النفسية والعقلية إهمالا كبيرا. وقد جاهد الخفاجي في أزمة الأزهر عام 1935 مع زملائه جهادا طويلا.

التحق الخفاجي بعد مرحلة الثانوي بكلية اللغة العربية بالقاهرة وهي إحدى كليات الأزهر الشريف وبدأ دراسته فيها في أول اكتوبر عام 1936، وفي اليوم الثاني من أكتوبر من هذا العام توفي والده، وبعد ذلك بعشرين عاما أي في يوم الخميس 27 جمادى الثانية 1375ه‍ - 9 فبراير 1956م، توفيت والدته وتخرج الخفاجي من كلية اللغة عام 1940، حيث كان في طليعة المتفوقين في جميع مراحل الدراسة فيها.

وفي خلال هذه الفترة اشترك الخفاجي في الحركة الوطنية، وتابع دراسته، وعمل أحيانا في الصحافة في جريدة السياسة وفي صحف أخرى، وكتب المقالات والبحوث والدراسات في شتى الصحف والمجلات.

وكان قيام الحرب العالمية الثانية في هذه الفترة عام 1939 أهم حدث عالمي تأثر به الشباب العربي أيما تأثر، بل تأثر به شباب العالم قاطبة.

وكان الخفاجي المتنقل بين القرية والعاصمة صورة للشباب المصري المكافح في سبيل وطنه وفي سبيل قومية بلاده وفي سبيل الثقافة التي حمل لواءها بقوة.

وفي هذه الفترة تأثر بآراء عالمين مفكرين كبيرين في الفكر والثقافة والإصلاح، هما الأستاذ الأكبر الشيخ إبراهيم حمروش شيخ الأزهر فيما بعد، والأستاذ الكبير الشيخ محمد عرفة عضو جماعة العلماء بالأزهر، كما كان للإمام محمد عبده صداه العميق في نفسه.

وكان الأستاذ الأكبر الشيخ حمروش عبيد كلية اللغة آنذاك وكان بعقله الواسع وأفق تفكيره البعيد وثقافته العلمية العريقة أرفع مثال لطلاب كليته، يستمدون منه القدوة، ويحتذون حذوه في الفهم والتفكير.

وكان الأستاذ الكبير محمد عرفة أستاذا للخفاجي في الفلسفة والبالغة، ومن ثم بآرائه التجديدية العلمية تأشرا خاصا.

وتخرج الخفاجي في يوليو عام 1940 من كلية اللغة يحمل شهادته العالية.

والتحق الخفاجي بأقسام الدراسات العليا في كلية اللغة العربية في أكتوبر عام 1940 في قسم البلاغة والأدب، فعكف في خلال الأحداث العالمية التي صاحبت الحرب العظمى، وفي خلال أحداث مصر القومية التي امتدت من هذا التاريخ، وفي خلال أزمات الأزهر التي كانت نتيجة للصراع بين الحكومة والقصر، والتي كان الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي مظهرا لكثير من صور الحرب الخفية في هذه المعركة، في هذه الظروف عكف الخفاجي على دراساته العليا، إلى أن تخرج عام 1944 يحمل شهادة النجاح في الامتحان التمهيدي لشهادة العالمية من درجة أستاذ.

ثم قدم رسالته الجامعية «ابن المعتز وتراثه في الأدب والنقد والبيان» ونوقش فيها في أكتوبر عام 1946، ونال بها بتفوق شهادة العالمية من درجة أستاذ في الأدب والبلاغة من كلية اللغة العربية وهي أرقى شهادات الأزهر الجامعية وتعادل الدكتوراه الممتازة حرف (أ).

ومن الجدير بالذكر أن الخفاجي قدم للكلية مع رسالته المخطوطة ثلاثة كتب له مطبوعة عن ابن المعتز في جوانب تخدم موضوع رسالته وهذه أول مرة يقدم فيها باحث رسالة علمية مخطوطة ومعها ثلاثة كتب تخدم رسالته وفي موضوعها.

وكان هذا الجهد الأدبي موضع تنويه الأدباء والعلماء والصحف في حينه، ولا ننسى أن نقول: أن الخفاجي أمضى مع عمله الضخم هذا سنوات طوالا يشغل وظيفة أستاذ في الليسيه فرانسيه فرع شبرا.

وقد ترك بعد حصوله على شهادة العالمية من درجة أستاذ وظيفته في الليسيه ليتولى أستاذية البلاغة في معهد أسيوط الكبير الذي عمل فيه من نوفمبر عام 1946 حتى أكتوبر عام 1947، ثم في معهد الزقازيق الذي كان طالبا فيه من قبل، والذي عمل فيه من عام 1947 إلى عام 1948.

وانتقل الخفاجي في 17 أغسطس عام 1948 إلى كلية اللغة العربية مدرسا للأدب والنقد والبلاغة فيها، ولا يزال حتى اليوم يتولى هذا المنصب فيها.

ومن الطريف أن نذكر أن الخفاجي متزوج من عام 1948 وله ولد هو ماجد خفاجي، وتوفيت له بنت كان اسمها «وفاء خفاجي».

وهو كذلك رئيس رابطة الأدب الحديث في القاهرة، وعضو في شتى الهيئات العلمية والأدبية في مصر والعالم. وقد اختير عضوا في اتحاد أبناء الدقهلية وهو من أكبر دعاة التجديد والإصلاح والتعاون والقومية العربية.

ولا أنسى أن أنوه بكفاح الخفاجي في سبيل إصلاح الأزهر، منذ التحاقه بقسم الدراسات العليا حتى اليوم، وفي هذا السبيل ناضل كل شيوخ الأزهر، وطالبهم بالإصلاح والتجديد والبناء.

وأنوه كذلك بكفاحه في سبيل الأدب الذي أنفق عليه كل ما يملك من مال، ثم بكفاحه من أجل وطنه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، وكفاحه من أجل الثقافة قد لا يصل إليه كفاح آخر.

عمل في كلية اللغة العربية بالقاهرة مدرسا فأستاذا مساعدا فأستاذ فرئيس قسم الأدب والنقد، ثم اختير عميدا لكلية اللغة بأسيوط، ثم عاد إلى القاهرة أستاذا متفرغا يدرس لطلابه في الدراسات العليا علوم الأدب والنقد.

والعوامل الثقافية التي أثرت في عقلية أديبنا يمكن تلخيصها فيما يلي:
1 - العامل الأول: ثقافة الأسرة وهي أسرة تنتمي إلى أصول عربية قديمة بسط صاحبها تاريخها في كتاب خرج منه حتى الآن تسعة أجزاء-و من هذه الأسرة أعلام قديمة وحديثة ومعاصرة من الأدباء والعلماء والشعراء والكتاب، وقد بسط صاحبنا تاريخهم في كتابه «بنو خفاجة».

2 - العامل الثاني: ثقافته في الأزهر الذي عاش فيه تلميذا من سنة 1927 إلى 1946 حيث تخرج من كلية اللغة العربية يحمل شهادة «العالمية من درجة أستاذ في البلاغة والأدب» وتعادل الدكتوراه حرف (أ) من الجامعات المصرية-و تخول لحاملها التدريس في كليات الأزهر وكليات الجامعات المصرية، وكانت الرسالة التي قدمها هي كما قدمنا «ابن المعتز وتراثه في الأدب والنقد والبيان» وهي مطبوعة.
3 - العامل الثالث: مطالعاته الشخصية في الأدب قديمة وحديثة، ويقول لنا: إنه حتى تخرجه طالع ما لا يقل عن خمسة آلاف كتاب في الأدب عدا الكتب الثقافية الأخرى.
4 - اتصاله الوثيق بالبيئات والمدارس والمذاهب الأدبية المعاصرة، ودراساته في كلية اللغة لتلاميذه.
5 - الاستعداد الشخصي والملكات الذاتية، التي تكون لصاحبها أفكارا ثقافية وأدبية خاصة متميزة.
6 - اتصاله المباشر بالبيئات الثقافية والأجنبية التي كان لعمله في الليسيه الفرنسية مدرسا أثر ما في حياته، وكذلك اتصاله بالعديد من العناصر والبيئات الثقافية.

يؤمن أديبنا الخفاجي بضرورة الملكة الأدبية والموهبة الذاتية كأساس لبناء الأديب من الجانب الفني والثقافي، ومن ثم نجده يحيل كل الخصائص الذاتية التي تميز أديبا عن أديب إلى أثر هذه المواهب.

ويرى أن الثقافة الأدبية الحديثة للأدب يجب -فوق تناولها لجميع الثقافات الممكنة- أن تتناول التعرف إلى جميع الثقافات الأدبية القديمة والحديثة والمعاصرة عند جميع الشعوب، ومن ثم يحرص على الاتصال بروائع الآداب الأوروبية المترجمة ويرى وجوب التعاون والإخاء الأدبي بين الأدب العربي وهذه الآداب، كما يرى وجوب دراسة الآداب الشرقية عامة والعربية خاصة عند جميع الشعوب التي يتصل تاريخنا بتاريخها وحياتنا بحياتها.

ويرى أن الأدب لا بد أن يخدم هدفا اجتماعيا أو قوميا أو انسانيا وإلا فقد جزءا كبيرا من مقوماته ومن أجل ذلك نراه في كتابته عن الأدب المعاصر يشيد بروائع الآثار الواقعية في الأدب والشعر (راجع مقدمة قصص من التاريخ).

وهو مع ذلك يرى أن الأدب المعاصر تنقصه الملكة والذوق البلاغي كما أن الأدب القديم كان ينقصه الاتجاه والمذهب والرسالة ومن أجل ذلك فهو يبشر بأدب جديد تتجلى فيه خصائص الأدبين أكثر وضوحا عما هي عليه الآن.

ويقول عنه الدكتور أحمد زكي أبو شادي رائد مدرسة أبوللو:
الخفاجي ظاهرة فذة شائقة في الوراثة والإطلاع والاستقراء والإنتاج فهو سبط الأديب الكبير الشيخ نافع الخفاجي وهو من أسرة بني خفاجة التي تنتمي إلى أصول عربية «قديمة»، ومنها الأمراء الخفاجيون في إقليم الكوفة والأمراء الخفاجيون بحلب، ومنهم الأمير ابن سنان الخفاجي الحلبي، ومن أشهر النابغين في مصر من الخفاجيين الشهاب الخفاجي المصري.

وهذا الرجل يحمل أعلى شهادات الأزهر العلمية وهي «شهادة الأستاذية في الأدب والبلاغة» التي تعادل (الدكتوراه) من الجامعات السامقة كالسوربون مثلاه والذي أخرج حتى الآن نحو ستين كتابا في فنون الأدب. ومن العسير أن يختار المرء كتابا من كتبه للعرض في مجال الحديث عن الأدب العربي، نظرا لكثرتها وتنوعها متناولة جميع فروع الأدب.

والأستاذ خفاجي ليس لغويا ولا أديبا فحسب، بل هو شاعر أيضا، شأنه في ذلك شأن الدكتور طه حسين، وذلك -إلى جانب ثقافته الواسعة التي تلتهم كل معرفة ميسورة- كان طابع كتابته شعريا جميلا مع الحرص على الدقة العلمية في الوقت ذاته.

ولذلك نالت تصانيفه احتراما عاما في جميع الأوساط الأدبية ببلاد الغرب وفي دوائر الاستشراق.
(من حديث اذيع في صوت أمريكا عام 1953).

ويقول عنه الأستاذ روكس العزيزي:
«الأستاذ الخفاجي واحد من هؤلاء الأفذاذ الذين وقفوا على ماضي الأدب العربي وقوف فهم وتعمق ودراسة ورافقوا جديده فكانوا من خيرة مجدديه، لأن فكرته في التجديد فكرة نيرة حاذقة.

لذا جاءت أحكامه محكمة تتميز بالالمعية فهو يجمع بين دقة العالم، صفاء ذهن الباحث، وقدرة الكاتب المجيد وروح الشاعر المرهفة الحساسة، ويضاف إلى هذا أنه أستاذ في معهد كان وما زال أمينا على تراث هذه الأمة الأدبي والفكري.

وقال الناقد مصطفى السحرتي في الخفاجي (ص: 75 من رواد الأدب المعاصر لحليم متري):
أصدق تعريف بالخفاجي أنه هاديء ثائر معا، حريص على الإصلاح والجهر برأيه حتى في أدق الظروف والمناسبات وله في ذلك مواقف عديدة في الأزهر وفي خارج الأزهر على السواء، وهو رائد في الأدب والشعر والنقد والتاريخ والتصوف كما هو رائد في علوم الدين.

وقال عنه الدكتور سعاد جلال الأستاذ بجامعة الأزهر:
الخفاجي عرفته المجامع العلمية والأدبية باحثا مدققا مبرزا، فيه الكثير من تواضع العلماء، وتبريز الباحثين والمفكرين، مما يصوره أدبه وإنتاجه وتآليفه، التي هي آثار أدبية يعتز بها أدبنا المعاصر، والتي ستبقى خالدة على الأيام.

وقال الدكتور عبد المنعم النمر فيه:
إنني أطالب مجلس الفنون والآداب بإعادة طبع موسوعات الدكتور الخفاجي كي يعم النفع بها وأطالب النفع بها وأطالب إدارة الأزهر بإخلائه من العمل ليضاعف الإنتاج وبهذا نكون قد كرمنا الرجل حقا ووضعناه في مكانه.

وقال عنه الأديب الحجازي الكبير الأستاذ عبد الله الجبار:
إن الأدب العربي ليفخر بنتاج الخفاجي الأدبي والعلمي المتصل المستمر على مرور الأيام.

وقال الأديب الحجازي الكبير أحمد عبد الغفور عطار (ص: 4 مقدمة كتاب الخفاجي «الإسلام دين الإنسانية الخالد»:
الخفاجي أحد أعلام العلماء الذين خرجهم الأزهر، ويفخر بهم، وهو أعجوبة من الأعاجيب، فهو قد ألف وصنف العديد من الكتب وكتب مئات الفصول والرسائل.

ولئن كنا ندهش عند ما تقرأ أن الكندي وابن سينا والسيوطي وغيرهم من أقطاب العلماء الذين ألفوا كتبا ورسائل تسد بالمئات فإن هذا الدهش سيزول عند ما نجد عالما معاصرا مشغولا بالتدريس والأندية والجمعيات الأدبية والعلمية ومشغولا بكثير من أعمال هذه الحضارة وهذا المجتمع المضطرب يستطيع -مع كل مشاغله- أن يخرج لنا العديد من المؤلفات.

بينها من الكتب ما يتجاوز عدد صفحاته الآلاف. . إنه أديب متمكن، وشاعر مبدع، وعالم كبير.

وقال فيه الشاعر الكبير محمود غنيم:
هتفوا بذكر أغر نابه عمرو بن يجر في نيابه
إن لم يكنه في حقي‍ قته فبينهما مشابه
لا في ملامح وجهه بل في توفره ودابه
حبيت فيه طالبا للعلم أمعن في طلابه
بل كاتبا في الأفق حلا ق غير وإن عن شهابه
أن ينسب سفر إلي‍ه تاه فخرا بامتسابه
فندفق الأسلوب نح‍ سبه غيرا في أنسابه
في لفه قلم لعا ب النحل قصر عن لعابه
أسفاره منهلة كالغيث تهطل من سحابه
أناره نست علي‍ ه وجردته من نقابه
كالطيب في الاخفاق ين‍ فخ ريحه رغم احتجابه
السيف سيف مصلبا أو مستكا في قرابه

وقال فيه الشاعر الكبير الدكتور حسن جاد:
حيو الأديب الذكيا والعالم الألمعيا
رب اليراع المجلسي رسائلا ودويا
ومن يهز. . خطيبا ويستثر النديا
فما يمل دءوبا ولا يكل مضيا
فقل لمن كرموه رمتم مراما عصيا
حوى الفنون جميعا فليس ينقص شيئا
وشق كل طريق من ذا يصد الأتيا؟
وطبق الشرق ذكرا وشهوة ودويا
حتى شاى كل ميت وبذ من كان حيا
ولم يدع للسيوطي في الكتب ذكرا بقيا
أخا الصبا وصديقي أفديك خلا وفيا
مؤلفاتك شتى وما برحت فتيا
الدين جليت فيه كتابه القدسيا
وكم خدمت احتسابا حديثه النبويا
وكم سهرت لتحيي تاريخنا العربيا
تكسو البيان جديدا من الثيات بهيا
وانهض إلى المجد واصعد إلى مدار الثريا
واللّه حسبك حصنا مكافئا ووليا


وقال فيه الشاعر كامل أمين:
يا أخا الخير، يا خفاجة، والخير شباب الندى وروح الحياة كل أرض نما بها البر روح ألبسته الحياة ثوب النبات، قد عهدناك يا أخي تعبر الناس فتسعى بهم كسعي الفرات تبعث البائس القنوط من الآمال كبعث الحياة بعد الممات.

يا أخي كيف مد سحرك في الليل فمد الصباح بين بيانك ريشة الساحر الصناع بكفيك وسحر البيان تحت لسانك وخيال الحديث يجذب كاللحن فإذا عزفته في كمانك الكمان الذي استحال يراعا عز داود فيه من ألحانك.

وقالت فيه الشاعرة جليلة رضا:
إنه كالفجر في سناه الوليد ذائم الخلق، دائم التجديد وهو الحق والفضيلة والصدق ونور الإيمان والتوحيد وهو العلم والبلاغة والفصحى ورمز الإجلال والتمجيد وهو كالطفل في سماحته الحلوة في قلبه الشفيف الودود وهو كالوحش إن غزا الكتب استأسد وانقض فوقها كالأسود وهو في مجلس التشاحن والبغض كوجه السماء بعد الرعود بسمة كالندى ووجه صبوح واتضاع في عزة وصمود فإذا هم بالحديث فأطراق العذارى وحكمة ابن الرشيد قلم عاشق وطرس عشيق وبيان يفي بكل الوعود هكذا بذرع الوجود خفاجي بين بحث وفكرة وجهود فهو فخر الكتاب في عصرنا الحاضر رمز البقاء والتخليد وأبو المجد والعلا للخفاجيين من قبل ومن قديم الجدود.

وقال الشاعر محمود الماحي فيه:
إني أكرم همة لم يؤتها بشر بعصر قد نسى كتابه
ولسان مقتدر عليم بسارع مستصغر رغم الشقاء عذابه
في هذه الدنيا التي من هولها سئم الأديب وعودها الخلابة
يجري وراء سرابها وسرابها يجري بلا أمل يريد سرابه
يا أيها القلم السخي بعلمه درر الحجا وقلائد منسابه
لا جف منك ومدادك الغالي ولا فارقت قلبا مبديا إعجابه

وقال عنه الشاعر أحمد أبو المجد عيسى:
هذا الذي هام بالأسفار يكتبها حبات عقد بديع جد مؤتلق
لك الأنامل كم صاغت لنا أدبا به شغلنا عن الأجيال والحدق
لك الطرائف من علم ومن أدب سارت مسير ضياء الشمس في الأفق
وأنت للجيل أستاذ تعلمه بما يحليك من علم ومن خلق
ونلت بالعلم جاها أنت كاسبه ولم تتله بتزييف ولا ملق
وكم رفعت أديبا كان في ظلم كأنما عاش تحت الأرض في نفق
ونحن حولك إن كنا ذوي أدب فالطير تهفو لفيض الجدول الغدق
والصادح العبقري اللحن يسعده أن يستجيب إلى بستانه العبق
يكفيك أنك في الأقطار جامعة تزود الفكر بالأضواء والالق


وقال عنه الشاعر إبراهيم شعراوي:
خفاجي، هاتف ينساب طهرا بأعماقي ويسكب في نشوه
فاهتف والنداء يهز نفسي خفاجي لفظة كالشهد حلوه
أبي يا فرس الآداب إني لأبصر فيك ميدانا وصهوه
إذا ما سأرجع الناس يوما إلى العليا بتصميم وقوه
لكنت كشعلة بين الدياجي تسير أمام هذا الجمع خطوه


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   23/04/17, 12:00 am

أبو الجامعات في الشرق والغرب
قلعة حضارية في تاريخ مصر الإسلامية
========================
هذا البناء الشامخ، والمسجد العريق القائم في نهاية شارع الأزهر بالقاهرة، والمجاور لميدان الحسين، والذي رفع قبابه جوهر الصقلى، قائد جيش فتح مصر في عهد المعز الفاطمي - هو جامعة الجامعات، ومعهد العلم في عاصمة مصر قاهرة المعز الخالدة، وهو حقا قلعة حضارية في تاريخ مصر الإسلامية طوال ألف عام أو يزيد.. إنه الأزهر أبو الجامعات في الشرق والعرب.

وشيخ معاهد العلم في مختلف أرجاء العالم. وإذا كان مسجد القرويين قد أنشىء في فاس عام 245ه‍ 859م، فإنه لم يتحول إلى جامعة إلا في زمن متأخر جدا، بينما صار الجامع الأزهر جامعة إسلامية بعد إنشائه بسنوات، وصار مقصد الطلاب والأساتذة من أنحاء الدنيا، وقام برسالة ثقافية كبيرة طيلة ألف عام، مما لم يحدث في تاريخ أية جامعة من الجامعات في الشرق ولا في الغرب.

وكان إنشاء الأزهر وقيام الحلقات العلمية الجامعية فيه بعد إنشائه مباشرة وحتى اليوم، معجزة المعجزات في تاريخ الثقافة الإسلامية.

والأزهر هو أبو الجامعات الدينية، في عالم الإسلام، وهو الذي يمدها بالتوجيه والخبرة، وبالخطط العلمية المدروسة، وبالمناهج والأساتذة، وعلى نمطه قامت مختلف الجامعات الاسلامية الحديثة في أنحاء العالم الاسلامي، وصار هو الصورة المشرقة لكل الجامعات وهو الذي يلخص تاريخ الحضارة الإسلامية كلها طوال ألف عام.

إنه روح هذه الحضارة، والمعبر عنها والمترجم لثقافاتها. وهو موئل العربية وملاذها الأمين. منذ قيامه إلى اليوم وقد سمي الأزهر لأنه كان محاطا بقصور زاهرة في رأي، أو لأنه كان أكبر الجوامع على الاطلاق رواء وجلالا وفخامة في رأي، أو لأنه ينتسب إلى الفاطمية وإلى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رأي آخر، أو للتفاؤل بما سيكون له من المكانة والجلال والازدهار العلمي في تاريخ الثقافة الاسلامية.

وقد شرع المعز الفاطمي منذ تولى الحكم في دولة الفاطميين في المغرب في بناء دولة واسعة، وامبراطورية ضخمة لآل البيت في وسط العالم الإسلامي، ومن ثم امتد بصره إلى مصر، وشرع في التمهيد لفتحها، ونشط الدعاة الفاطميون في الدعوة لآل البيت في أنحاء مصر كلها، ثم عين قائده جوهرا قائدا لجيش الفتح، فخرج من القيروان بجيش ضخم في 14 من ربيع الأول عام 357ه‍ فبراير 969م، فاستولى على الأسكندرية، ثم واصل زحفه إلى الجيزة، فدخلها في 11، من شعبان عام 358هـ ‍- يوليو 969م، وفي اليوم التالي دخل جوهر الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية الأولى آنذاك.

ومكث جوهر في شمالي الفسطاط ثمانية أيام استراحت فيها جنوده بعد عبورهم النيل من الجيزة إلى الفسطاط وأخذ جوهر في وضع أساس عاصمة جديدة لمصر الفاطمية، فوضع أساسها في يوم الثلاثاء 17 من شعبان 358ه‍ 7 يوليو 969م كما ورد في خطط المقريزي (ج‍ 2 ص 204)، ووضع أساس القصر الفاطمي الكبير - الشرقي في اليوم التالي ليكون مقر الخليفة الفاطمي المعز لدين اللّه.

وفي يوم السبت 24 من جمادى الأولى عام 359 ه‍- 12 من أبريل 970 م شرع القائد جوهر في بناء الجامع الأزهر إلى جانب القصر الكبير- الخطط ج‍ 3 ص 373 - وظل البناء عامين (970 - 972 م)، وتم البناء وأقيمت الصلاة فيه لأول مرة في السابع من رمضان عام 361 ه‍- 22 من يونيو عام 972 م ولم يلبث ان صار هذا المسجد هو المسجد الرسمي لدولة الفاطميين، وبعد تسعة أشهر من افتتاحه أخذ الناس يتلقون فيه عقائد المذهب الفاطمي.

وكانوا يجتمعون كل يوم جمعة فيما بين صلاة الظهر وصلاة العصر، وعلى رأسهم الوزير أبو يعقوب قاضي الخندق (خطط المقريزي ج- 5 ص 49) ومنذ عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي بنيت الأروقة حول الأزهر، وصارت جزءا منه، وفرشت بما يلزم من الفرش، وصارت مساكن يقيم بها الطلاب، وفي مقدمتهم الطلاب الوافدون على الأزهر من أنحاء العالم الإسلامي ومن شتى مدن مصر الفاطمية.

وكان نظام الحلقات الذي كان متبعا في تلك الحقبة من الزمن هو النظام الوحيد للدراسة في الجامع الأزهر، وهو أساس الحياة العلمية والثقافية في مصر.

وكان لكل مذهب من المذاهب الأربعة عمود معين من عمد الجامع لا يجلس فيه إلا أهل هذا المذهب، وكان شيخ المذهب حريصا على أن تكون حلقته العلمية بجوار هذا العمود، وكان من عادته في أثناء إلقاء الدروس أن يجلس على الأرض بجوار العمود مستقبلا القبلة، ثم صار أخيرا يجلس على كرسي من الخشب أو الجريد، وصارت تلك الكراسي من أخص امتيازات كبار العلماء فيه، ومن ذلك أخذت الجامعات نظام الأساتذة ذوي الكراسي، وكان الطلبة يجلسون حول أستاذهم على هيئة حلقة ولكل طالب مكان في الحلقة لا يتعداه.

وكان في الحلقة طالب من أنبه طلابها يكلفه الأستاذ بإعادة درسه على زملائه وبقراءة الموضوع العلمي للدرس في مختلف مصادره، وسمي هذا الطالب معيدا، وعن الأزهر أخذت الجامعات نظام المعيدين أيضا.

وكانت طريقة التعليم إذ ذاك هي أن يبدأ الشيخ درسه بالبسملة والحمد للّه والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم يلخص موضوع درسه، ثم يقرأ النصوص التي كتبت حوله في مختلف المصادر، ويقوم الطلاب بسؤال أستاذهم في كل ما غمض عليهم، ويستمر الحوار والمناقشة والأسئلة والإجابة عنها طول الدرس بين الأستاذ وطلبته!

ولا ننسى أنه بعد انتهاء الدولة الفاطمية، وتولى صلاح الدين الأيوبي حكم مصر عام 567 ه‍. أفتاه قاضيه صدر الدين بن عبد الملك بن درباس الشافعي بامتناع اقامة خطبتين في بلد واحد كما هو مذهب الإمام الشافعي، فأبطل صلاح الدين الخطبة والتدريس في الجامع الأزهر، وأقر الخطبة في الجامع الحاكمي بحجة أنه أوسع، ثم أعيدت إلى الأزهر الدراسة، وكان أول ما درس به من مذاهب أهل السنة مذهب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، ثم درست المذاهب الأخرى على التتابع، فلما تولى الملك الظاهر بيبرس حكم مصر عام 658 ه‍ لم يلبث أن أعاد الخطبة الى الجامع الأزهر عام 665هـ ‍- 1266 - 1267م.

وزاد بيبرس في بناء الجامع وشجع العلم والتعليم فيه، وأقام الأمير عز الدين أيدمر الحلى احتفالا رسميا عظيما في الجامع الأزهر، ابتهاجا بعودة الخطبة إليه، كما أقام احتفالا عظيما آخر في داره حضرهما رجال الدولة وقادتها، وكان هذا الأمير يجاور الأزهر بسكناه، وتبرع له الكثير من ماله الخاص، وجمع له الكثير من التبرعات من الدولة ومن الأمراء، وأخذ في ترميم مبانيه، وفي عمارته.

ولقى الأزهر من عناية الشعب الشيء الكثير فعاد الى حلقاته العلمية الازدهار والجلال، وبخاصة بعد أن دمر المغول في غزواتهم كل معاهد العلم في العالم الاسلامي، وبعد أن قضى الاسبانيون على المدارس الإسلامية في الأندلس، ولم يبق في العالم الإسلامي على رسالة العلم والثقافة وبناء الحضارة غير الأزهر الشريف.

ولما فتح سليم الأول العثماني مصر، أخذ يظهر التودد إلى العلماء، والرعاية للأزهر، ويكثر من زيارته والصلاة فيه، وأمر بتلاوة القرآن به، وتصدق على فقراء طلابه.

وفي عام 1004 ه‍- 1595 م جدد الأزهر وإلى مصر العثماني الشريف محمد باشا في عهد السلطان العثماني محمد الثالث، ورتب لطلبته الفقراء طعاما يجهز لهم كل يوم، فكان ذلك حافزا كبيرا على زيادة الاقبال عليه.

ولم يكن للأزهر قانون معين، حتى عام، 1288هـ ‍- 1872م، ففي هذا العام، وفي عهد شيخه الشيخ محمد العباسي وضع قانون للتدريس في الأزهر صدر به مرسوم خديوي بتاريخ 22 من ذي القعدة عام 1287ه‍ - 3 فبراير 1872م.

ونص فيه على ما يلي:
1 - أن يكون الحصول على شهادة العالمية بامتحان يجري على يد لجنة من العلماء يختارهم شيخ الجامع.

2 - أن يقسم العلماء إلى درجات ثلاث: أولى وثانية وثالثة.
3 - أن تكون العلوم التي يمتحن فيها الطلاب هي: الفقه-الأصول- التوحيد-الحديث-التفسير- النحو - الصرف - البلاغة - المنطق.


ولم يكن يسمح بدخول الامتحان إلا لستة من الطلاب، فإذا ازداد العدد يرجح منهم من امتاز بالشهرة أو بكبر السن.

وفي عام 1312 ه‍- 1895 م في عهد الخديو عباس الثاني وضع قانون جديد للأزهر، ألف بمقتضاه مجلس لإدارة الأزهر من أكابر شيوخه الممثلين للمذاهب الأربعة، ومن ممثل للحكومة.

ولا ننسى أن أقدم أساتذة الأزهر كان هو القاضي أبو الحسن علي بن النعمان (- 374 ه‍) فهو أول أستاذ ألقى درسا في الأزهر-ثم تلاه أخوه القاضي محمد بن النعمان (- 389هـ ‍- 999م) ثم ابنه الحسين بن النعمان قاضي الحاكم بأمر اللّه الفاطمي.

ومن أساتذته أبو عبد اللّه القضاعي الفقيه والمؤرخ (454ه‍ - 1062م) وكان هو سفير المستنصر باللّه الفاطمي إلى قيصرة القسطنطينية «تيودورا» لعقد صلح بين مصر والامبراطورية الرومانية الشرقية، ومن كتبه «المختار في ذكر الخطط والآثار».

ومن الأساتذة كذلك الأمير المختار عز الملك محمد المشهور بالمسبحي (420ه‍ - 1029م) وهو من أقطاب العلماء ومشهوريهم وله كتاب بعنوان «أخبار مصر وفضائلها».

ومنهم كذلك الشاطبي (538 - 590ه‍ -1194م) إمام القراءات في عصره.

وممن قام بالتدريس في الأزهر المؤرخ عبد اللطيف البغدادي (- 629 ه‍)، وقد قدم على مصر عام 589ه‍ - 1193م، وتولى التدريس بالأزهر أعواما عدة، في مواد الكلام والبيان والمنطق، كما ألقى بعض دروسه الطبية في حلقات خاصة.

وكذلك الشاعر الشيخ الصوفي الكبير شرف الدين عمر بن الفارض (- 632 ه‍- 1234 م)، وابن خلكان شمس الدين (- 680 ه‍- 1281 م) الذي وفد على القاهرة عام 637 ه‍- 1239 م.

وكذلك ابن هشام أمام العربية في مصر (-646 ه‍)، وشيخ المؤرخين ابن خلدون (- 808 ه‍- 1406 ه‍).، ولما قدم ابن بطوطة إلى مصر عام 726 ه‍- 1325 م زار الأزهر، وتعرف بعلمائه وذكر بعضهم، ومنهم: قوام الدين الكرماني-شرف الدين الزواوي المالكي-شمس الدين الأصبهاني (راجع الرحلة لابن بطوطة ص 25).

وكذلك ممن درسوا في الأزهر ابن حبان الغرناطي العالم اللغوي المشهور، حيث كان يلقي دروسه فيه.

وكذلك المؤرخ المشهور تقي الدين المقريزي.

ومنذ أواخر القرن الثامن قلما نجد شيخا مشهورا أو أستاذا كبيرا، لم يأخذ مجلسه في الأزهر، وبحسبنا أن ابن خلدون شيخ المؤرخين اتخذ حلقة علمية له فيه، وكان تدريسه في الأزهر وجلوسه في حلقاته العلمية، حدثا علميا كبيرا.

وممن درسوا فيه كذلك: تلميذ ابن خلدون المؤرخ المشهور العلامة المغربي محمد تقي الدين الفاسي (- 842 ه‍).

ومن شيوخه كذلك: الإمام شهاب الدين بن عبد الحق السنباطي (- 950 ه‍- 1543 م)، والشيخ الخرشي المالكي شيخ الجامع الأزهر (- 1101 ه‍- 1689 م)، والشيخ إبراهيم بن محمد البرماوي (- 1106 ه‍- 1695 م) وكان من شيوخ الأزهر الشريف، والشيخ حسن بن علي الجبرتي (- 1116 ه‍- 1704 م) وهو جد المؤرخ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي.

ومنهم كذلك العلامة المغربي شهاب الدين المقري (-1041 ه‍- 1633 م) وقد وفد على مصر عام 1027 ه‍-1618 م ومنذ ذلك التاريخ لازم التدريس في الجامع الأزهر، وأقبل على حلقته العلمية الأساتذة والطلاب.

ومنهم كذلك الشيخ الإمام الصوفي عبد الغني النابلسي الذي زار مصر عام 1105 ه‍، والذي تصدر حلقة علمية من حلقاته، وكذلك مرتضى الزبيدي اليمني صاحب شرح القاموس، وكان من كبار العلماء في الحديث واللغة والأدب، وكتابه «تاج العروس من جواهر القاموس» مشهور، وقد ترجم له تلميذه الجبرتي في تاريخه (2 ص 208 - 220 عجائب الآثار للجبرتي).

ومن أعلام شيوخه ومدرسيه الإمام محمد عبده (- 1905 م) مفتي مصر، ومصلح الأزهر، ومنشىء مكتبته، وواضع أهم قوانينه.

وكان يلقي دروسه في التفسير فيه في الرواق العباسي.

وممن تخرجوا فيه أو درسوا فيه طائفة كبيرة من أعلام نهضة مصر، ومنهم الزعيم أحمد عرابي، وسعد زغلول، وعبد اللّه فكري باشا (1889م)، والمنفلوطي (1924م)، والشيخ محمد شاكر (1939م)، والشيخ عبد العزيز البشري (1943م)، والشيخ أحمد الزين، ود. زكي مبارك (1952م)، وطه حسين، وأحمد حسن الزيات، وغيرهم.

ومن أعلام المتخرجين فيه كذلك: الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري (1888م) والشيخ حسين المرصفي (1889م)، والشيخ حمزة فتح اللّه (1918م)، والشيخ سيد المرصفي (1931)، وغيرهم.

وقد تولى مشيخة الجامع الأزهر منذ العصر العثماني إلى اليوم ثمانية وأربعون شيخا، أولهم الشيخ محمد بن عبد اللّه الخرشي المالكي المتوفى في 17 من ذي الحجة عام 1101 ه‍.

ومنهم: الشيخ البرماوي (-1106 ه‍) والنشرتي (-1120 ه‍)، والشيخ عبد اللّه الشبراوي أمام الصوفية في عصره (1092 - 1171 ه‍) ومنهم الشيخ عبد اللّه الشرقاوي الشافعي (1150 - 1227 ه‍: 1737 - 1812 م) والشيخ حسن العطار (- 1250 ه‍)، والشيخ مصطفى العروسي، والشيخ محمد العباسي المهدي، والشيخ محمد الإنبابي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ عبد الرحمن النواوي، والشيخ سليم البشري المتوفى في 17 من أكتوبر عام 1917 م، والشيخ أبو الفضل الجيزاوي ثم الشيخ المراغي، والشيخ الأحمدي الظواهري، والشيخ المراغي للمرة الثانية حتى توفي عام 1945، ثم الشيخ مصطفى عبد الرازق (- 1948)، فالشيخ مأمون الشناوي، فالشيخ إبراهيم حمروش، فالشيخ عبد المجيد سليم، فالشيخ محمد الخضر حسين، فالشيخ عبد الرحمن تاج، فالشيخ محمود شلتوت، فالشيخ حسن مأمون، فالشيخ محمد الفحام، فالشيخ عبد الحليم محمود، فالشيخ محمد عبد الرحمن بيصار شيخه الذي تولى مشيخة الأزهر.

ولا ننسى ثورات الأزهر الوطنية، ثورة الشيخ الدردير التي وضعت أول ميثاق لحقوق الإنسان، وثورة الشيخ عبد اللّه الشرقاوي التي ألزمت الحكام المماليك بالعدالة في معاملة الشعب، ثم ثورة عرابي، وثورة عام 1919، وهما اللتان أيدهما الأزهر وشارك فيهما مشاركة فعالة..

ولا ننسى كذلك ثورة القاهرة الأولى والثانية التي قام بها الأزهر من أجل تحرير مصر من الاحتلال الفرنسي.

وبعد، فهذا هو الأزهر، وهذا هو تاريخه الحافل، في بناء الثقافة والفكر والحضارة في مصر الإسلامية، بل في العالم الإسلامي كافة. ولا يزال الأزهر يتصدر حتى اليوم الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي.

وسوف تحتفل مصر الخالدة بالعيد الألفي للأزهر بعد شهور قليلة، لتقدم باسمها وباسم العالم الإسلامي لهذه الجامعة العريقة كل عرفان بالفضل، وتقدير للصنيع، على ما قام به طوال ألف عام من بناء للفكر وللوطن وللإنسان.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   23/04/17, 12:06 am

ترجمة القرآن الكريم
=============
اقترح شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات العالمية وتقدم بها مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة المعارف وأن يقرر مجلس الوزراء المصري الاعتماد اللازم لذلك المشروع الجليل.

وذلك في خطاب بعث به الشيخ المراغي إلى رئيس مجلس الوزراء في مصر.

وقد ناقش المشروع كثير من الناس، وكتب الشيخ محمد سليمان القاضي الشرعي كتابا بعنوان «حدث الأحداث في الإسلام الإقدام على ترجمة القرآن»، وأخرج محمد مصطفى الشاطر كتابه «الرد على مشروع ترجمة القرآن الكريم».

فأصدرت جماعة كبار العلماء في الأزهر الشريف فتوى بإجازة ترجمة معاني القرآن الكريم، وقع عليها الأعضاء، وهم:
- محمود الديناري شيخ معهد طنطا.
- عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.
- إبراهيم حمروش شيخ كلية اللغة.
- محمد مأمون الشناوي شيخ كلية الشريعة.
- عبد المجيد سليم مفتي مصر.
- محمد عبد اللطيف الفحام وكيل الأزهر.
- دسوقي عبد اللّه العربي.
- يوسف الدجوي.
- محمد سبيع الذهبي شيخ الحنابلة.
- أحمد الدلبشاني.
- عبد المعطي الشرشيمي.
- عبد الرحمن قراعة.
- أحمد نصر.
- محمد الشافعي الظواهري.

وبعد ذلك أصدر مجلس الوزراء قرارا بالموافقة على ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسمية في جلسته المنعقدة في 16 أبريل 1936.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني عشر: شخصيّات.. ومواقف   23/04/17, 12:16 am

شيخ جامعة الأزهر الحالي
الدكتور محمد السعدي عوض فرهود
=====================
عَلَمٌ من أعلام الأزهر المعاصرين، وشيخٌ جليلٌ من كبار شيوخه.

ولد بمدينة الزرقا بمحافظة دمياط في أول يناير سنة 1923.

وحصل على الابتدائية الأزهرية من معهد دمياط سنة 1939.

وعلى الثانوية من معهد الزقازيق الأزهري سنة 1944.

وتخرج في كلية اللغة العربية سنة 1948.

وحصل على دبلوم معهد التربية العالي للمعلمين سنة 1950.

ودبلوم الدراسات العليا للمعلمين سنة 1954.

ودورة الصحافة المدرسية سنة 1956.

ودبلوم معهد الدراسات العربية العالية في الدراسات الأدبية واللغوية سنة 1956 م.

والماجستير بتقدير ممتاز في الدراسات الأدبية سنة 1958.

والدكتوراه في الأدب العربي الحديث سنة 1967 بمرتبة الشرف الأولى.

بدأ وظيفته مدرسا بمدرسة سوهاج الثانوية سنة 1950.


ثم اختير للتدريس بالمدارس النموذجية سنة 1954.


وهو أول مدرس للغة