منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 04:32 pm

الباب الحادي عشر
من تاريخ الأزهـــر
الأزهر جامعاً وجامعةً
- 1 -
أعرق الجامعات العلمية في العالم، فهي أطولها عمرا، وأجلها أثرا في تاريخ الفكر الإنساني، وفي تاريخ العقل العربي والإسلامي بل في تاريخ العلم وميراث الحضارة كافة.
والأزهر منذ نشأته حارس التراث العربي، وحامل مشعل الثقافة الإسلامية، والملاذ الذي تأوي إليه العلماء، وتهوي إليه أفئدة المسلمين في كل مكان، والضوء الذي ينير لهم الطريق، ويبصرهم سواء السبيل.

وللأزهر مكانته الخالدة في مصر والعالم الإسلامي جميعه، وآراؤه وفتاوى علمائه تقابل من كل مسلم في جميع الشعوب الإسلامية بالتقدير والإجلال والحب العميق.

ولم تقم في مصر الإسلامية جامعة علمية بالمعنى الصحيح قبل الأزهر، صاحب التاريخ الطويل، والذكريات المجيدة، والآثار العلمية والدينية والعقائدية.

وتاريخ العلم في الإسلام يرتبط بالمسجد ارتباطاً روحياً وثيقاً؛

فالمسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة، والجامع الأموي في دمشق، وجامع الفسطاط وجامع القيروان، ومسجد البصرة الجامع، ومسجد الزيتونة، ومسجد قرطبة الجامع، ومسجد القرويين بفاس، والأزهر، وسواها؛ كلها كانت مأوى الحلقات العلمية الجامعية في تاريخ الإسلام، والجامعة كذلك نسبة إلى الجامع بمعنى المسجد، وفي ذلك تفسير واضح لصلة المسجد بالثقافة، ولأهمية الثقافة في الإسلام.

- 2 -
والأزهر، أو جامع القاهرة، كما كان يقال، هذا المسجد الجامعي، قاهري البيئة، فاطمي التأسيسي، أنشأه جوهر العقلي قائد الخليفة المعز لدين اللّه الفاطمي، بعد قيام دولة الفاطميين في مصر بنحو عام، وقد شرع في بنائه يوم السبت لست بقين من جمادي الأولى سنة 359 ه‍- 970 م، ويذكر بعض المؤرخين أنه شرع في بنائه يوم السبت الرابع من رمضان من العام نفسه؛ وكمل بناؤه لسبع خلون من رمضان عام 361 ه‍- 22 يونيو 972 م.

وكان الغرض من إنشائه أن يكون رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية، ومنبراً للدعوة التي حملتها هذه الدولة الجديدة إلى مصر، وأطلق عليه اسم الأزهر نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب إليها الفاطميون، أو لأنه كان يحيط به قصور فخمة تسمى الزهراء، أو لأنه كان يظن أنه أكثر الجوامع فخامة ورواء، أو للتفاؤل بأنه سيكون أعظم المساجد ضياءً ونوراً.

وقد احتفل بافتتاحه في رمضان عام 361 ه‍، وأصبح مسجد الدولة الرسمي.

وقد حرص وزير المعز والعزيز يعقوب بن كلس على أن يقيما حلقة علمية في الأزهر، حيث كان يقرأ على الناس في مجلس خاص يوم الجمعة مصنفاته في الفقه الفاطمي، كما كان يجتمع يوم الثلاثاء بالفقهاء وجماعة المتكلمين وأهل الجدل.

وحرص الخليفة المعز الفاطمي كذلك على تكليف كبار العلماء بإقامة حلقات علمية في أروقة الأزهر لتدريس الفقه الفاطمي، وكان يمنحهم مرتبات شهرية، ومن ثم صار الأزهر جامعة علمية، وظهر ذلك جلياً واضحاً حينما بدأت حلقاته تتحول إلى دراسات جامعية علمية مستقرة، وذلك عام 378 ه‍- 988 م حيث استأذن ابن كلس الخليفة الفاطمي العزيز بالله (365 - 386 ه‍) في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة والدرس من كل جمعة يعين بعد الصلاة حتى العصر، وكان عددهم 37 فقيها.

وفي عام 380 ه‍- 990 م رتب المتصدرون لقراءة العلم بالأزهر؛ وبذلك استكمل الأزهر صبغته الجامعية، وأصبح معهدا جامعيا للعلم والتعليم والدراسة.

ومن هذا التاريخ بدأ الأزهر حياته العلمية الخصبة المنتجة.

واستمرت الحركة العلمية والدينية في الأزهر قوية مزدهرة طيلة العصر الفاطمي، ووقفت عليه الدولة الأوقاف الضخمة، وأحاطته برعايتها واهتمامها، وكان في مقدمة وأوائل أساتذته المدرسين فيه بنو النعمان قضاة مصر.

وأول درس ألقي في الأزهر كان في صفر 365 ه‍ في نهاية حكم المعز لدين الله، ألقاه قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان، حيث قرأ فيه مختصر أبيه في فقه آل البيت المسمى «الاقتصار» وحضره العلماء والأمراء، وأثبتت أسماء الحاضرين في سجل خاص أما دروس ابن كلس فبدأت في رمضان عام 369 ه‍، ولكن جهوده في سبيل تطوير الدراسة في الأزهر كانت سابقة على هذا التاريخ.

ولما أنشأ الحاكم الفاطمي دار العلم (دار الحكمة) لم تزدهر إلا قليلا، وبخاصة في عصر الحاكم نفسه.

وبقيت للأزهر منزلته العلمية الرفيعة، أو أنه قد حاضر فيه يوما من الأيام.

ويذكر المقريزي في خططه أن النساء كن يحضرن حلقات العلم في الجامع الأزهر [2: 226 الخطط للمقريزي].

وممن ألقى محاضراته في الأزهر:
المؤيد الشيرازي داعي الدعاة في عهد المستنصر الفاطمي، وأولى محاضراته فيه تقرؤها في كتاب «الأزهر في ألف عام» [1: 32].

ومن أوائل الكتب التي درست في الأزهر:
الاقتصار للنعمان القيرواني (363 ه‍)، وكان يدرسه ابنه علي بن النعمان؛ والرسالة الوزيرية التي ألفها ابن كلس.

وكان التدريس فيه يجري وفق المذهب الشيعي، وشدد على ذلك في باديء الأمر، حتى أنه في عام 381 ه‍ في عهد العزيز قبض على رجل وجد عنده كتاب «الموطأ» للإمام مالك، وجلد من أجل إحرازه [2: 157 الخطط للمقريزي].

وفي عام 416 ه‍ أمر الخليفة الفاطمي بتدريس كتاب «دعائم الإسلام».

ومن أساتذته في العصر الفاطمي كذلك:
العلامة الحوفي (ت: 430 ه‍) إمام العربية، وصاحب كتاب «إعراب القرآن»؛ وابن بايشاذ النحوي (469 ه‍) صاحب كتاب «المقدمة» و «شرح الجمل»؛ وابن القطاع اللغوي صاحب كتاب «الأفعال»، والمسبّحي الوزير الكاتب (420 ه‍)، والقضاعي (454 ه‍) وهو من أقطاب الحديث والفقه، وابن زولاق المؤرخ (387 ه‍)، وابن يونس المنجم (399 ه‍) وغيرهم.

- 3 -
كانت بيئة العلم في مصر قبل الأزهر تتركز في حلقات جامع عمرو، أوائل الأساتذة الذين درسوا فيه: عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن لهيعة، ثم الليث بن سعد، وعثمان بن سعيد المصري وهو أصحاب القراءات.

وكان للأمام الشافعي حلقة علمية فيه، يدرس فيها مذهبه، ويدوّن آراءه؛ وعلى يديه تخرج كثير من تلامذته الذين نشروا مذهبه، كالربيع بن سليمان، والمزني والبويطي، وغيرهم، ومن ثم أصبحت السيادة للمذهب الشافعي بعد أن كانت للمذهب المالكي، الذي كان أول من أدخله إلى مصر عثمان بن الحكم الجذامي (163 ه‍).

وقد تخرج أبو تمام (231 ه‍) في الأدب والشعر في حلقات مسجد عمرو العلمية، وكان ذو النون المصري (245 ه‍) ممن تخرج في حلقاته.

ولما أنشىء جامع ابن طولون عام 263 ه‍ في عهد أحمد بن طولون (252 - 270 ه‍) شارك هذا المسجد الجديد جامع عمرو في رفع مشاعل العلم والثقافة، وأملى الحديث فيه الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي، وصلى فيه القاضي بكار إماما، وخطب فيه أبو يعقوب البلحي.

وكان من أشهر العلماء قبيل انشاء الأزهر ممن كانوا يدرسون في جامع عمرو (المسجد العتيق) وفي المسجد الطولوني: أبو القاسم بن قرير، وتلميذه الكندي المؤرخ المشهور، وأبو القاسم بن طباطبا.

ولما وفد المتنبي إلى مصر عام 346 ه‍ كانت له حلقة في مسجد عمرو، وكانت من أحفل حلقات العلم والأدب والشعر واللغة.

ولما قام الأزهر في عاصمة مصر القاهرة بدأ بفرض سيادته العلمية على كل البيئات الثقافية في مصر، وتأكدت هذه السيادة كذلك على بيئات العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

-4 -
وانتهى العصر الفاطمي بعد أن بلغ الأزهر فيه قمة مجده العلمي.

ولم يكد العصر الأيوبي يبدأ حتى بدأت مكانة الأزهر الدينية تتعرض لضغط الحكام والأمراء، إذ كان الأيوبيون يحاولون القضاء على كل مظاهر التشيع في مصر، ولكن حلقات الأزهر العلمية الجامعية لم تتعرض لمثل ما تعرض له الأزهر جامعا ومسجداً فقد حولت عنه صلاة الجمعة وخطبتها إلى مسجد الحاكم، ولم تعد خطبة الجمعة إلى الأزهر إلا عام 665 ه‍ في عهد بيبرس، وظلت الشخصية العلمية للأزهر قوية.

وكان موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين الأيوبي يلقي دروساً في الرياضة والفلك والطب في الأزهر، وكذلك كان عبد اللطيف البغدادي يحاضر في الكلام والبيان والمنطق والطب.

وكان لابن الفارض حلقة صوفية فيه.

ومن أشهر علمائه في هذا العصر:
الإمام المنذري المحدث وكان يلقب بشيخ الإسلام، وابن أبي الإصبع، والقضطي الوزير، وغيرهم.

- 5 -
وفي عصر المماليك، ازدهرت حلقات الأزهر الجامعية، وقصده أعلام الفكر العربي لذلك الحين من أمثال السهروردي، وابن خلدون، وابن منظور، والفيروز أبادي، وغيرهم.

كما أمّة الطلاب من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، يقيمون حوله، ويقطنون في أروقته، ويجلسون في حلقاته، ويشاركون في نشاطه العلمي، وقد بلغ عددهم في أوائل القرن الثامن الهجري زهاء 750 طالباً.

ويقول عالم سوداني من خريجي الأزهر يمدح أحد ملوك الفونج في سنار، وهو السلطان بادي أبو دقن:
أيا راكبا يسري على متن ضامر ... إلى صاحب العلياء والجود والبر
ويطوي إليه شقة البعد والنوى ... ويقتحم الأوعار في المهمة القفر
وينهض من مصر وشاطىء نيلها ... وأزهرها المعمور بالعلم والذكر

ومن أشهر علمائه في ذلك الحين:
العز بن عبد السلام الإمام العالم الثائر، صاحب المواقف المجيدة في التاريخ الإسلامي، وابن هشام النحوي، وابن دقيق العيد، والسبكي، والسيوطي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وكذلك ازدان الأزهر بآلاف العلماء البارزين في علوم الدين والعربية والأدب، ومن بين من تخرج فيه في ذلك العهد: القلقشندي، والدميري، والمقريزي، وغيرهم.

واستكمل الأزهر سيره في العهد العثماني كذلك، محافظاً على تراثه، اللغة وعلومها، وعلى الآداب وفنونه، إلى دراساته الإسلامية العتيدة.

ومن كبار شيوخه في هذا العهد:
الإمام السنباطي (950 ه‍) ومواقفه في مقاومة طغيان الحكام خالدة، والإمام المهناوي (950 ه‍)، والعلامة البرماوي (1106 ه‍)، والشيخ الخرش المالكي أول شيخ للأزهر، ومن عهده صار منصب مشيخة الأزهر من أكبر المناصب العلمية في العالم الإسلامي، وتوفي عام 1101 ه‍. وخلفه البرماوي [1106 ه‍]، فالتشرتي (1120 ه‍)، فالقليني، فالشيخ محمد شثن (1133 ه‍)، فالشيخ الفيومي (1062 - 1137 ه‍)، فالشيخ عبد الله الشبراوي (1171 ه‍) وله شعر صوفي رفيع، فالشيخ الحفتي (1100 - 1181 ه‍)، وله شعر صوفي رمزي باللغة العربية واللغة الشعبية الدارجة؛ ثم الإمام السجيني (1182 ه‍)، فالدمنهوري (1192 ه‍).

وفي عصر الأتراك العثمانيين قاد الأزهر حركات التحرر الكبرى، ومن بينها:
ثورة الإمام الشيخ الدردير التي قادها عام (1200 ه‍- يناير 1786 م)، وثورة الإمام الشيخ عبد الله الشرقاوي عام 1209 ه‍- احترام الحاكم لإرادة المحكومين، وكسب من الثانية مبدأ آخر هو أن الأمة مصدر السلطات، وكانت بمثابة إعلان لحقوق الإنسان سبق به شعب مصر غيره من الشعوب، كما اعترف بذلك المؤرخون في الشرق والغرب.

وقد حمل علماء الأزهر وطلابه عبء الجهاد لتحرير مصر من الاحتلال الفرنسي منذ دخل جيش نابليون بلادنا فاتحاً.

كما قام الأزهر بثورة أخرى بقيادة عمر مكرم في صفر 1220 ه‍: 1805 م لإنهاء النفوذ التركي من مصر، وهي الثورة التي استغلها محمد علي، فحولها إلى مغانم شخصية له ولأسرته.

والثورة العرابية هي في الحقيقة ثورة قام بها أحد أبناء الأزهر وخريجيه، وهو الزعيم أحمد عرابي، ووقف علماء الأزهر معه يؤيدونه ويدعمون ثورته، ولكن خيانة توفيق جرت على الوطن الاحتلال الانجليزي البغيض.

وقامت ثورة شعبية بقيادة أزهري آخر هو سعد زغلول، وذلك في مارس من عام 1919، لإنهاء الاحتلال الانجليزي لمصر.

ومن أعظم حركات الإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث حركة الإمام محمد عبده، وهو من أجل شيوخ الأزهر، وأعظم علمائه.

ومن تلامذته:
محمد مصطفى المراغي، عبد المجيد سليم، محمد الأحمدي الظواهري، مصطفى عبد الرزاق، إبراهيم حمروش، محمد مأمون الشناوي، وهم من أشهر شيوخ الأزهر في العصر الحديث.

- 6 -
وقد أكد صبغة الأزهر الجامعية شيخان جليلان من كبار شيوخه في العصر الحديث هما:
الشيخ محمد الأحمدي الظواهري الذي أصدر قانون رقم 49 لسنة 1930 بإنشاء كليات جامعية في الأزهر، والشيخ مصطفى المراغي، الذي أصدر قانون رقم 26 لسنة 1936 بشأن إصلاح الأزهر وتأكيد الصبغة الجامعية له وإنشاء دراسات عليا فيه.

وكان أعظم حدث علمي في تاريخ الأزهر الحديث هو صدور قانون تطوير الأزهر المعروف بقانون رقم 103 لعام 1961، وبمقتضى هذا القانون قامت في الأزهر الجامعة العلمية الكبرى، تضم كليات إسلامية، وكليات علمية، وأخذت من القانون سند وجودها الرسمي، وإن كان لها من التاريخ سند وجودها الفعلي.

وكما تولى مشيخة الأزهر الشيخ حسن مأمون، وإدارة جامعة الأزهر الدكتور محمد البهي، والشيخ أحمد حسن الباقوري.

وحلقات الأزهر العلمية الجليلة تعيش اليوم كما كانت تعيش خلال الأجيال، لتحمل عن العالم الإسلامي رسالة الإسلام الروحية والدينية والثقافية، ولتؤديها ناصعة بيضاء كخيوط الفجر، مشرقة هادية كضوء الشمس، ومن هذه الحلقات تخرج زعماء العالم الإسلامي القديم، ويتخرج شباب المسلمين اليوم، لأن هذه الحلقات هي عن جدارة بمثابة مصنع يصنع الرجال والأبطال في كل عصر، وكل مكان من بلاد الإسلام والمسلمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 04:50 pm

الجامع الأزهر 1
=========
كان بناء (المسجد) أول ما يفكر فيه المسلمون عند إنشاء مدينة جديدة، أو استيلائهم على مدائن غيرهم، وقد وضع هذه السياسة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الذي كتب إلى ولاة الأمصار باتخاذ مساجد للجماعة في العاصمة.

وقد نفذت هذه السياسة في مصر منذ الفتح الإسلامي، حيث أسس عمرو بن العاص مدينة (الفسطاط) سنة 21 ه‍، وبنى فيها جامعة العتيق.

ولما جاء العباسيون أسس صالح بن العباسي مدينة (العسكر) سنة 133 ه‍، وبنى الفضل ابنه مسجد العسكر سنة 169 ه‍، وكان قد ولى مصر من قبل الخليفة المهدي على صلاتها وخراجها، فدخلها سلخ المحرم سنة 169 ه‍.

فلما استقل أحمد بن طولون بمصر بنى مدينة (القطائع) لتكون عاصمة لدولته سنة 256 ه‍، ثم أنشأ بها جامعه المشهور سنة 263 ه‍.
__________
1) الوعي الإسلامي-ذو الحجة 1388 ه‍.
__________
ولما استولى جوهر الصقلى قائد المعز لدين الله الفاطمي على مصر أسس (القاهرة وبنى بها (الجامع الأزهر) سنة 359 ه‍، فأنشىء الأزهر غداة ظفر الفاطميين بملك مصر، ومع قيام القاهرة العاصمة الجديدة 1، فكان الأزهر خير ما خلفه الفاطميون لمصر، بل وللعالم الإسلامي أجمع، فكان بيتا من بيوت اللّه، يعمر النفوس بالإيمان، ويهديها سواء السبيل، ثم صار جامعة دينية إسلامية كبرى، يؤمها طلاب العلم من جميع الأقطار الإسلامية، ويتخرج فيها العلماء والأئمة في جميع العلوم والفنون.

تاريخ إنشائه:
=======
وقد بدىء بإنشاء الأزهر في 24 من جمادي الأولى سنة 359 ه‍ (970 م)، وتم بناؤه في عامين وبضعة أشهر، وافتتح للصلاة في يوم الجمعة السابع، أو التاسع من رمضان سنة 361 ه‍ (972 م)، وسمى (بجامع القاهرة) اسم العاصمة الجديدة.

أما تسميته (بالجامع الأزهر) فقد جاءت متأخرة بعد إنشاء القصور الفاطمية في عهد العزيز بالله (365 - 386 ه‍) التي أطلق عليها اسم (القصورة الزاهرة) ومن ثم أطلق اسم (الجامع الأزهر)، أو أنه سمي (الجامع الأزهر) تفاؤلاً بما سيكون له من مستقبل زاهر، ومكانة سامية بازدهار العلوم فيه، وإن كان المرجح أن هذه التسمية مشتقة من لفظ (الزهراء) لقب السيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وزوج الإمام علي رضي اللّه عنه التي نسبت إليها الدولة الجديدة، وسميت باسمها، وقد ظل المسجد الجديد يُعرف (بجامع القاهرة، والجامع الأزهر) ثم تلاشى الاسم الأول مع الزمن وغلب عليه اسم (الجامع الأزهر) إلى اليوم.
__________
1) دخل جوهر مصر في يوم الثلاثاء 17 من شعبان سنة 358 ه‍، واختط مدينة القاهرة يوم السبت لست بقين من جمادي الآخرة سنة 359 ه‍ بعد عام من فتحه لمصر، وحينما انتقل إليها المعز لدين الله سنة 363 ه‍ أصبحت عاصمة الخلافة الفاطمية.
__________
والغرض منه:
=======
وكان الغرض من إنشائه أن يكون المسجد الرسمي للدولة في حاضرتها الجديدة، وليكون موطن الدعوة الشيعية، ورمز سيادة الدولة الروحية، وكانت له فوق ذلك أهمية رسمية خاصة، ففيه كان جلوس قاضي القضاة، وفيه مركز المحتسب العام، وفيه كان يعقد كثير من المجالس الخلاقية والقضائية.

فالجامع الأزهر عند إنشائه كانت له الصفة الدينية والرسمية كسائر المساجد الأخرى، غير أنه لم يلبث أن اتخذ له صفة أخرى هي الصفة (العلمية التعليمية)، وذلك عند ما فكر الخلفاء الفاطميون في نشر مذهبهم الجديد، عن طريق دروس تلقى في حلقاته، لأن جامع عمرو، وجامع ابن طولون قد جرت الدراسة فيهما، وفق تقاليد علمية، لا تساير تعاليم المذهب الشيعي الجديد فكان من المناسب أن يكون المسجد الجديد (الأزهر) هو المكان المختار، لنشر تعاليم مذهبهم، وأصبح (الجامع الأزهر) مدرسة علمية يتلقى فيها طلاب العلم ورواده الذين قصدوه من كل صوب مختلف العلوم والفنون، بجانب نشر دعوتهم، ومذهبهم الشيعي الجديد، وسبق الأزهر بصفته العلمية غيره من المساجد الأخرى، التي كانت تقوم إلى جانبه، وظل مدى قرون، ولا يزال مقصد طلاب العلم من كافة أرجاء العالم الإسلامي.

أول درس فيه:
========
وأول درس ألقي في (الجامع الأزهر) ألقاه قاضي القضاة (أبو الحسن علي بن النعمان) في صفر سنة 365 ه‍ في أواخر أيام المعز الفاطمي، قرأ فيه مختصر أبيه في فقه آل البيت المسمى (الاقتصار)، وحضر درسه في سجل تخليدا لهذا الحدث الجديد، ثم توالت حلقات بني النعمان، وقد أسهمت هذه الأسرة في نشر المذهب الشيعي، وخدمت الفاطميين في بث دعوتهم، ونشر مذهبهم في المغرب ومصر 1، وكانت في الواقع دروسا مذهبية خالصة أعدت للدعاية السياسية والمذهبية.

ابن كلس
=====
وفي رمضان سنة 369 ه‍ جلس (يعقوب بن كلس 2) وزير الخليفة العزيز بالله في الجامع الأزهر، وقرأ على الناس كتابا ألفه في الفقه الشيعي على مذهب الإسماعيلية، وتوالى جلوسه بعد ذلك لقراءته في الأزهر، وكان يحضر دروسه الفقهاء والقضاة، وكبار رجال الدولة، كما كانت له مجالس علم في داره، يجتمع فيها الفقهاء وغيرهم من أهل العلم والمعرفة في سائر العلوم والفنون.

ولم تقف جهود ابن كلس عند هذا الحد، فأراد أن يجعل (الجامع الأزهر) معهدا للدراسة المنظمة المنتظمة، فطلب من الخليفة العزيز بالله تعيين جماعة من الفقهاء للدرس والقراءة في أوقات منتظمة مستمرة وذلك سنة 378 ه‍، على أن تعقد حلقاتهم في الأزهر، وأن يجري عليهم الأرزاق، فاستحسن الخليفة الفكرة، وأجابه إلى ما طلب،

وكانوا نيفاً وثلاثين فقيهاً، فكانوا يحضرون في كل يوم جمعة للصلاة بالأزهر، ويأخذون في قراءة الفقه، ومدارسة الحكمة، وعقائد الدين إلى صلاة العصر.
__________
1) عميد هذه الأسرة هو: النعمان بن محمد الفقيه الشيعي المعروف (بأبي حنيفة النعمان) قدم القاهرة مع المعز وتوفى بها سنة 363 ه‍، وقد ولى القضاء بعده أبناؤه وأحفاده وأبناء اخوته. (انظر كتاب. التعليم في مصر في العصر الفاطمي الأول للأستاذ خطاب عطية علي، طبعة 1947 م، هامش 2 ص 105).
2) ابن كلس، هو أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، كان يهوديّا من أهل بغداد، اتصل بخدمة كافور الأخشيدي بمصر فأظهر خبرة وبراعة، ثم أسلم بعد ذلك فارتفعت مكانته في بلاط كافور، ونال حظوته، ثم أنه رحل إلى المغرب فرارا من وجه الوزير. أبي الفضل جعفر بن الفرات الذي استبد بالأمر في مصر بعد موت كافور، واتصل بالمعز فقر به وأكرمه، ثم وزر لابنه العزيز بالله، وكان يحظى عنده بمكانة ممتازة، فلما اعترته علة الموت عاده الخليفة العزيز بالله، ولما توفى سنة 380 ه‍ صلى عليه، وظهر الحزن في وجهه لفقده، وأمر بغلق الدواوين أياما بعده.
__________
وهكذا بدأت الدراسة في (الجامع الأزهر)، واتخذ منذ ذلك التاريخ صفته التعليمية، وقصده الطلاب من كل صوب، وأصبح به طلبة متفرغون للدراسة، وقد وفرت الدولة للمدرسين والطلاب ما يعينهم على الدراسة والتحصيل حتى لا تشغلهم مطالب الحياة، أو السعي وراء الرزق، فرتبت لهم الأرزاق والجرايات، وبنت لهم المساكن، وقدمت لهم الكسوة في كل عيد، ويسرت لهم سبل الركوب والانتقال احتراما لهم، وتقديرا لعلمهم، واستطاع (الأزهر) بما فيه من أساتذة رسميين، وطلاب منتسبين تجري عليهم جميعا الأرزاق الدائمة أن يكون معهدا للدرس، وأن يبدأ حياته العلمية الحافلة المديدة.

وكان الصبغة المذهبية هي الغالبة على الدراسة في الأزهر ولا سيما في أول عهده، لأنه كان مركزاً لمجالس الحكمة التي كان يعقدها الدعاة فيه، والتي كانت غايتها بث الدعوة الفاطمية، وتوطيد إمامتها، فكانت علوم الشيعة وفقه آل البيت تحتل من حلقاته الدينية المقام الأول، غير أن هذا لم يمنع من تدريس علوم الدين، واللغة وفروعها، وكان للعلوم الدينية بنوع خاص أوفر نصيب، كما كانت تدرس به علوم: الفلسفة، والمنطق، والطب، والرياضيات وإن كان ذلك في حدود ضيقة.

دار العلم أو دار الحكمة:
=============
ظل الجامع الأزهر المركز العلمي الرئيسي للثقافة الشيعية، والعلوم الدينية، والعربية، والكونية حتى ظهر له منافس خطير هو (دار العلم) التي أنشأها الخليفة الفاطمي الحاكم سنة 395 ه‍ 1.
__________
1) وقيل انشئت دار العلم سنة 400 ه‍، وقد عنى الخليفة الحاكم بها عناية بالغة، وألحق بها
__________
وقد انتزعت منه الكثير من رواده، وتفوقت عليه، وأثرت في سير الدراسة به، بسبب ما وجد بها من دراسات مختلفة للغة، والمنطق، والفلسفة، والطب والرياضيات في حرية وانطلاق، ولتشجيع الخليفة الحاكم لطلابها، غير أن ازدهار (دار العلم) كان قصيرا، لما انتابها من اضطرابات أخلت بالتعليم فيها، وبقي الأزهر ملاذا للعلوم الدينية، والعربية، ولم يقلل قيام (دار العلم) من شأنه كمعهد للقراءة، والدرس.

وبقيت الصفة (التعليمية) مميزة للجامع الأزهر طوال العصر الفاطمي، فزاد عدد طلابه وأساتذته، وكثرت أروقته، وحلقات التعليم به، ونمت الدراسة فيه وازدهرت، حتى بدأ يجتذب إليه الطلاب والعلماء من خارج مصر، واستطاع أن يكون (جامعة علمية) جليلة القدر، وأن يسدي إلى الدين واللغة أجل الخدمات على مر السنين، حتى غدا كعبة لقصاده من سائر الأقطار الإسلامية، كما قال المقريزي في خططه. «و لم يزل في هذا الجامع-الأزهر-منذ بني عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدتهم في هذه الأيام -سنة 818 ه‍- سبعمائة وخمسين رجلا ما بين عجم، وزيالعة -نسبة إلى زيلع- ومن أهل ريف مصر، ومغاربة ولكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن، ودراسته، وتلقينه، والاشتغال بأنواع العلوم، والفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، ومجالس الوعظ، وحلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله، والارتياح، وترويح النفس ما لا يجده في غيره، وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس، إعانة للمجاورين فيه على عبادة اللّه تعالى، وكل قليل تحمل إليه أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات لاسيما في المواسم.
__________
1) مكتبة نقل إليها من قصور الخلافة الكثير من الكتب في سائر العلوم والفنون، وكانت تعرف المكتبة، بدار الحكمة، فدار العلم كانت. مدرسة، ومكتبة، وكذا عرفت «بدار العلم حيناً، وبدار الحكمة حيناً آخر»، لأنها جمعت بين ما كانت تقوم به خزائن الحكمة كدور للكتب، وما كانت تقوم به دور العلم من تعليم، وظلت تؤدي رسالتها حتى زالت الدولة الفاطمية سنة 567 ه‍، على يد صلاح الدين الأيوبي فجعلها مدرسة سنية لدراسة المذهب الشافعي طبقا لسياسته في محاربة التشيع.
__________
في عهد الدولة الأيوبية:
=============
استمر الأزهر في أداء رسالته العلمية، يحمل مشعل المعرفة الوهاج، حتى غدا منار العلم وموئل العلماء طوال العهد الفاطمي، فلما قامت الدولة الأيوبية بدأ نجمه في الأفول، لأن السلطان صلاح الدين الأيوبي قد عمل منذ اللحظة التي استقل فيها بحكم مصر سنة 567 ه‍ على محاربة التشيع، ونشر المذهب السني، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر مركز الدعوة الشيعية أبطلها قاضي القضاة الشافعي في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، المسمى: (صدر الدين عبد الملك بن درباس)، لأن الشافعية لا يجيزون إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، وأقرها في جامع الحاكم، وبقي الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه نحو مائة عام، إلى أن أعيدت إليه في عهد المماليك (الظاهر بيبرس البندقداري) سنة 665 ه‍.

في أيام المماليك:
=========
غير أن هذه المحنة لم تؤثر فيه، فقد تابع حياته العلمية، ووجد في ظل المماليك الرعاية الكاملة، وبرزت صفته العلمية بروزا واضحا في عصرهم، وتمكن من المحافظة على التراث الإسلامي خلال المحنة التي حلت بالشرق الإسلامي من جراء الغزو المغولي، ثم ما أصيبت به معاهد العلم والمساجد في الأندلس، وبلاد المغرب من ذبول وضعف، مما جعله مقصد العلماء والطلاب من المشرق والمغرب، يجدون في رحابه الملجأ والملاذ، وغدت القاهرة -مقر الجامع الأزهر، وكرسي الخلافة الإسلامية- قلب العالم الإسلامي النابض، وأمل العروبة والإسلام، واعتبر عصر الممتاز، ومحافظته على التراث الإسلامي، وقيامه على أداء رسالته العلمية والتعليمية للمسلمين كافة، واحتلاله مركز الزعامة.

في عهد الأتراك:
=========
وأصل الأزهر سيره، يؤدي واجبه في خدمة الدين والثقافة بهمة فائقة، ونشاط كبير، حتى منيت البلاد بالفتح التركي العثماني سنة 923 ه‍ (1517 م) فحلت بالديار المصرية الكارثة، واغتصب السلطان سليم الأول خير ما فيها من تحف وآثار، وكتب نفيسة، وسلب البلاد عمالها وصناعها، وبعث بكل ذلك إلى القسطنطينية العاصمة.

وكان طبيعياً أن يصيب الأزهر ما أصاب البلاد من أضرار جسيمة، فاختفت من رحابه الصفوة الممتازة من علمائه الأعلام، وخفت صوته وانكمشت أهدافه وبرامجه الدراسية، واقتصرت الدراسة فيه على العلوم الدينية، والعربية، واختفت العلوم الرياضية، والفلسفية، والطبية وغيرها من سائر العلوم الكونية، وخيم عليه ركود طويل كاد يقضي عليه، ويخمد أنفاسه.

وحين جاءت الحملة الفرنسية:
================
وعلى غير انتظار احتل الفرنسيون الديار المصرية سنة 1213 ه‍ (1798 م) فأيقظت حملتهم الأزهر من سباته، ونبهته من غفوته، ووجد نفسه تحت ضغط الظروف والحوادث، تشارك في الحركة القومية بتعبئة قوى الكفاح الشعبي ضد المستعمر الجديد، وغرس الكراهية في النفوس ضد الفرنسيين، الدخلاء، فلعب دورا سياسيا خطيرا إبان الاحتلال الفرنسي، واحتل موضع القيادة الروحية، والزعامة السياسية في البلاد، فكانت يقظة قومية وطنية قبل أن تكون يقظة علمية، قادها كبار رجال الأزهر بزعامة شيخ الأزهر (الشيخ عبد الله الشرقاوي).

وثارت القاهرة مرتين في وجه الفرنسيين، ثم قتل (كليبر) نائب نابليون بيد (سليمان إلى الأزهر وازعجت هذه الأحداث الفرنسيين، فنزحوا عن البلاد نهائياً بتسليم الجنرال (مينو) في شهر ربيع الآخر سنة 1216 ه‍ (سبتمبر سنة 1801 م) بعد أن مكثوا بها ثلاث سنوات وبضعة أشهر، أرهقوا فيها أهل البلاد عامة من أمرهم عسرا، ونالوا من قداسة الجامع الأزهر وكرامة أهله.

في عهد محمد علي:
===========
فلما آل حكم الديار المصرية إلى «محمد علي» سنة 1220 ه‍ (1805 م) لم يجد الأزهر عطفاً من النهضة القومية في بادىء الأمر، ولم يحفظ سيد البلاد الجديد الجميل لعلماء الأزهر الذين ارتقى على أكتافهم إلى منصب الولاية، وابتدأ عهده بالاستيلاء على أملاك الأزهر الخاصة الواسعة، وفقد الأزهر بسبب اغتصاب أوقافه أهم موارده المالية.

ومع ذلك فإن رغبة محمد علي في الإصلاح، وفي إقامة بناء دولته الجديدة على أسس سليمة جعلته يرغب في الاسترشاد بالأفكار الأوروبية، فاتجه إلى إرسال البعوث العلمية إلى الخارج، فأنشأ في سنة 1242 ه‍ (1826 م) البعثة العلمية إلى باريس، واختار لها نخبة من أنجب طلاب الأزهر ليتلقوا العلم على أساليب جديدة 1.

فكانت هذه خطوة عملية نحو إصلاح الأزهر وإدخال أساليب البحث الحديث فيه، والاهتمام بالعلوم الحديثة التي كانت مهملة، غير أن الأزهر لم يستجب لهذه المحاولة، وظل متمسكا بأسلوبه القديم، كما عارض رجاله بشدة دعوة الزعيمين جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده في إصلاح الأزهر، وضاعت جهودهما في سبيل إصلاح الأزهر هباء، وإن كانت دعوتهما قد أثمرت في خارجه حيث وجدت استجابة من بعض شباب البلاد، ونشأ جيل من المفكرين الأحرار شارك فيما بعد في إصلاح الأزهر.
__________
1) من بين أعضاء هذه البعثة، رفاعة بك الطهطاوي الذي عُدَّ شيخ المترجمين، وإبراهيم بك النبراوي أحد نوابغ البعثة الطبية، وأحمد حسن الرشيدي بك من أكابر خريجي مدرسة الطب، والبعثات، وغيرهم كثير، كان لهم جميعا على النهضة المصرية فضل كبير.
__________
لم يَحُلْ جهود الأزهريين دون بذل عدة محاولات لإصلاح الأزهر بإصدار القوانين المنظمة له، فصدر أول قانون سنة 1288 ه‍ (1872 م) في عهد مشيخة الشيخ محمد العباسي المهدي، وأدخلت بمقتضاه عدة إصلاحات على مناهج الدراسة، ونظام الإدارة، ويقرر إدخال (امتحان الشهادة العالمية، وامتحان الطلاب الراغبين في الحصول عليها، أمام لجنة بعينها شيخ الجامع الأزهر من بين علمائه).

ثم في عهد مشيخة الشيخ سليم البشري صدر القانون رقم 10 لسنة 1911 م الذي يعتبر من أهم قوانين إصلاح الأزهر في حينه، وأكثرها عناية بمناهجه، وخطة الدراسة فيه، وبمقتضاه حددت اختصاصات شيخ الأزهر، وأنشىء مجلس الأزهر الأعلى، وجماعة كبار العلماء، وشيوخ المذاهب الأربعة، وأدخلت العلوم الحديثة فيه.

كما صدر في عهد مشيخة الشيخ محمد الأحمدي الظواهري المرسوم بقانون رقم 49 لسنة 1930 م، الخاص بإعادة تنظيم الجامع الأزهر، والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية، والذي حولت بموجبه الدراسة العالية بالأزهر (القسم العالي) إلى كليات ثلاث، وإلى إنشاء أقسام للتخصص في المادة، والمهنة بعد الحصول على الشهادة العالية من إحدى الكليات.

ولذا فإن هذا القانون يعتبر بحق أول خطوة رسمية في تمكين الجامع الأزهر من مسايرة التقدم العلمي والاجتماعي في العصر الحاضر في تزويد طلابه بما يجب أن يحيط به رجل الدين الحديث من العلوم ومن الاتجاهات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 05:03 pm

مشيخة الشيخ المراغي:
============
ثم كانت خطوة أوسع نحو الإصلاح على عهد مشيخة الشيخ محمد مصطفى المراغي الثانية (1935 - 1945 م) بصدور المرسوم بقانون رقم 26 لسنة 1936 م، وقد نجح هذا القانون في معالجة الكثير من الإصلاح في الأزهر، وفي النهوض بالأزهر إلى مستوى الجامعات الحديثة الكبرى، وقد أرفق الشيخ المراغي مشروع هذا القانون بمذكرة أوضح فيها وجهة نظره، وأنه يريد للأزهر أن يساير الحياة المعاصرة عن فهم وإدراك، كما أنه يريد بهذا الإصلاح أن يفي الأزهر بالأغراض التي تحقق آمال المسلمين فيه، وترجع به إلى عصوره الزاهرة من البحث العلمي السليم، والتفكير الحر، ودراسة الفنون التي تتفق مع طابعه القديم، وتطابق مقتضيات العصر، وتلبي رغباته، وأن يتصل بالنهضة الحديثة في الغرب عن طريق تعلم اللغات الأجنبية ليرد شبهات المضللين، ويدفع التهم الموجهة إلى الدين في كتابات الأجانب المغرضين، ويفيد من طريقة وضعهم للكتب، ومعالجتهم للمسائل العلمية، ونورد فيما يلي بعض فقرات من تلك المذكرة، فقد جاء فيها.

«. . ونحن إذ نحاول إصلاح الأزهر نريد أن نوجد طالباً يفهم مسائل العلم فهما صحيحا، ويفهم أغراضها، وصلتها بأدلتها، وصلتها بعضها ببعض، ويستطيع التطبيق على الجزئيات، ويستطيع الاستنباط والتدليل، ويستطيع فهم الكتب القديمة التي ألفت في العصور المختلفة في جميع الفنون الإسلامية،...،

وأحب أن توجد كتب في جمع الفنون الحديثة على أسلوب عربي صحيح مناسب لأذواق الأجيال الحاضرة، تهذب فيه المسائل على أحسن ما وصل إليه التحقيق العلمي، وأن تحيا الكتب القديمة الجيدة في الأسلوب والوضع،...، هذا الذي نحاوله بالتجديد. يجب-على ما أرى-أن يضعه الناس أمامهم، وأن يجدوا للوصول إليه،...

ولقد كان أسلافنا أشد الناس عناية بالعلم، فلم يمض الزمن القليل حتى أخذوا علم اليونان، وأدب الفرس، وحكمة الهند واستعانوا بذلك كله في تفسير القرآن، وفي وضع علم الكلام على الأسس التي نراها في مثل المواقف والمقاصد، واستعانوا به في تنظيم مسائل العلوم جميعها، فلم يخل علم من أثر الفلسفة والمنطق، ولقد كانت لهم محاولات جديرة بالإعجاب في ونظريات الفلسفة،...

وتغيرت نظريات الفلسفة، وحدثت نظريات أخرى، وكان من شأن هذا كله أن توجه على الأديان جملة، وعلى الإسلام خاصة حملات، وصار من الواجب الحتم على علماء المسلمين أن يحيطوا علما بكل ما يوجه إلى الأديان عامة، وإلى الإسلام خاصة من مطاعن، وأن يردوا تلك المطاعن التي توجه إلى الإسلام، ويذودوا عن عقيدتهم بأدلة ناصعة، وأسلوب مقنع ممتع، ليجنبوا المتعلمين تعليما مدنيا الشبه الزائفة، وليضموا إلى الإسلام أفرادا وشعوبا من الأمم التي تتطلع إلى الإسلام، وتبتغي الوقوف على خصائصه ومزاياه، وهذا لا يتم لهم على ما ينبغي إلا بالاتصال بغيرهم اتصالا علميا، وبتعرف اللغات الحية التي يكثر فيها الانتاج العلمي، والتي يتناول بها العلماء مسائل الإسلام، ومسائل اللغة العربية، لذلك وجب أن يكون لأهل الأزهر نصيب من هذه اللغات، وهنالك فائدة أخرى لتعلم اللغات، وهي أنها تساعد على معرفة طريقة وضع الكتب، وعلى معرفة الأسلوب الحديث في التأليف والتفكير، وطريقة عرض المسائل على أنظار المتعلمين... الخ..».

بهذا الإصلاح يكون الشيخ المراغي قد أتم ما بدأه الشيخ محمد عبده، وقد كرس الشيخ المراغي فترة السنوات العشر التي أعقبت صدور القانون رقم 26 لسنة 1936 م على تنفيذ هذه الإصلاحات حتى لقي ربه في الثاني والعشرين من أغسطس سنة 1945 م رحمه اللّه.

وقد تعاقب على كرسي مشيخة الجامع الأزهر بعد الشيخ المراغي عدد من جلة شيوخ الأزهر هم. الشيخ مصطفى عبد الرزاق، وكان مؤمنا بالإصلاحات التي أدخلها الشيخ المراغي، غير أن المنية قد عاجلته سنة 1947 م ثم الشيخ محمد مأمون الشناوي، والشيخ عبد المجيد سليم للمرة الأولى، والشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ عبد المجيد سليم للمرة الثانية، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ رقم 26 لسنة 1936 م، والقانون رقم 40 لسنة 1956 م، ثم القرار الجمهوري رقم 1525 لسنة 1959 م، وكلها تستهدف إصلاح الأزهر والنهوض به، والارتفاع بمستواه العلمي والمادي.


وهكذا تقلبت الأحوال بالأزهر من عسر ويسر، وذاق خلالها حلاوة العزة والقوة، ومرارة الوهن والضعف خلال فترة تجاوزت الألف عام من عمره المديد، ورغم الظروف والأحداث التي مرت به لم يقصر في أداء واجبه، وظل عامرا بالطلاب، زاخرا بالعلماء يؤدي رسالته العلمية والوطنية في ثقة واطمئنان، وأخيرا صدر القانون رقم 103 لسنة 1961 م بشأن إعادة تنظيم الأزهر، والهيئات التي يشملها في عهد الشيخ محمود شلتوت، وأصبح الجامع الأزهر لأول مرة بموجب هذا القانون (جامعة)، وأضيف إليه عدد من الكليات بجانب كلياته الثلاث السابقة، وأصبحت كليات (جامعة الأزهر) الجديدة اليوم هي، المعاملات والإدارة (التجارة) والبنات الإسلامية، والهندسة والصناعات، والطب، والزراعة، والتربية، وقد ترك الباب مفتوحا لإنشاء كليات أخرى -غير الكليات التسع- ومعاهد عالية طبقا لحاجة التطور ومسايرته.

وكان هذا التطور الجديد ضرورة تحتمها الحياة المعاصرة، وتقتضيها ظروف المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي الذين ينظرون إلى الأزهر على أنه من بين مقدساتهم، لجليل نفعه، وعظيم أثره في خدمة علوم الدين واللغة، وحفظ تراث الإسلام والعروبة.

وقد نوهت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 103 لسنة 1961 م بمكانة الأزهر، وما يرجى له من مستقبل، وبما يمكن أن يؤديه من خدمات جليلة في جميع أجراء العالم الإسلامي بعد إعداد أهله وفق أهداف هذا القانون، فقد جاء فيها: «. . . لقد قام الأزهر بدور عظيم في تاريخ العلم، وفي تاريخ الإسلام، وفي تاريخ العروبة، وفي تاريخ الكفاح القومي العصور، ووقف قلعة شامخة في وجه كل المحاولات لاستعبادنا، والسيطرة علينا، وتحطيم كياننا القومي والروحي»، «و كانت التقاليد العلمية في الأزهر أساسا للنظام الجامعي، والتقاليد الجامعية في كل بلاد الدنيا، فهو أقدم جامعة في العالم، وإن لم يكن اسمه بين أسماء جامعاتنا».

(و من علم الأزهر شع نور الإسلام في بلاد كثيرة من أفريقيا، ومن آسيا، وأزداد عدد المسلمين عشرات الملايين، وكانت بعوث الأمم المختلفة إلى الأزهر سببا لتوثيق علاقاتنا ببلاد كثيرة، وشعوب كثيرة منذ أقدم العصور إلى اليوم، وقد اكتسب اسم الأزهر بذلك قدسية، واكتسب المنتسبون إليه احتراما، وصار رأيه هو الرأي في كل ما يتعلق بالعقيدة والشريعة، وصار هو الجامعة الإسلامية الكبرى في الشرق والغرب، لا يطلب أحد علوم الإسلام إلا عن طريق الأزهر، ولا تتجه قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى معهد يفد إليه أولادهم للتزود من أسباب المعرفة غير الأزهر... الخ).

ثم تناولت المذكرة بالتفصيل المبادىء التي تحقق ما يهدف إليه القانون من إصلاح الأزهر حتى يعود إليه شبابه، وترتفع مكانته، وينهض برسالته في الداخل والخارج ويصبح ابن الأزهر قادرا على المشاركة بدور إيجابي نافع لمجتمعه خاصة، والمجتمع الإسلامي عامة، «و حتى يتوافر للأمة نوع من الخبرات التي تملك إلى جانب العقيدة الواعية كفاية عملية ومهنية وعلمية، تشارك في مجالات العلم والإنتاج في نفس الوقت الذي تدعو فيه إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة».

فالأزهر اليوم سيد جامعات الإسلام دون منازع، وإليه يرجع الفضل في صيانة الثقافة الإسلامية العربية في ظلمات العصر التركي العثماني بمصر، وفي مقدور الأزهر اليوم أن يشق طريقه في ظل هذا التطوير، وتلك الرعاية ويضيف إلى مآثره القديمة مجدا جديدا إذا جدد نفسه، وفهم رسالة الإسلام العلمية كما كان يفهمها سلفنا العظيم، حتى تتأكد زعامته، وتتألق مشاعل المعرفة من أرجائه، حتى يعم نورها أرجاء المعمورة، ذلك ما نرجوه، واللّه ولي التوفيق.

بين الأزهر وجامعة القرويين:
================
هناك التشابه بين الأزهر الذي قام بالقاهرة وجامع القرويين الذي قام بفاس في نقطة البداية. كل منهما قام على أنه مسجد، ثم أصبح بعد ذلك مسجدا جامعا لفترة من الفترات، ثم مقراً للدراسات الإسلامية والعربية.

وعند ما صار كل منهما مقرا للدراسات الإسلامية والعربية تناولت الدراسة فيهما جميع فروع المعرفة المختلفة التي يتكون منها التراث الإسلامي والعربي.

فبجانب علوم اللغة والفقه وعلوم التفسير والحديث والعلوم الأخرى الدينية كانت الطبيعة وكان الطب وكانت الرياضة وكانت الفلسفة، كل منها يكون جانبا من جوانب فروع المعرفة التي عنى بها الأزهر وجامع القرويين.

وكان لكل فرع من هذه الفروع علماء مبرزون هنا وهناك يرحل إليهم طلاب العلم ويقيمون لديهم فترة طويلة أو قصيرة للتلمذة عليهم في موضوع المعرفة والتعرف على منهجهم في البحث.

وكان من أشهر العلماء في الأزهر الأئمة العلماء:
ابن الحاجب، وخليل والخرشي، والزرقاني، والعدوي، والدرديري، والأمير، والبناني، وابن السبكي، وجلال والأسنوي، والأشموني، والصبان، والملوي، وابن الهيثم الذي وضع الأسس العلمية لنظريات نيوتن في علم الطبيعة.

وكان من أشهرهم في القرويين:
الأئمة العلماء الحافظ أحمد بن علي بن قاسم الزقاق، والمفتي محمد بن قاسم القصار، والفقيه أحمد بن محمد بن يوسف الصنهاجي، والمتكلم أبو عمرو السلالجي وهو من طبقة أبي المعالي الجويني في الشرق، والمحدث ابن رشيد السبتي والحافظ أبو العلاء العراقي، واللغوي ابن زاكور، والرياضي ابن البناء المراكشي، والطبيب أبو القاسم الوزير.

وكان هناك تشابه بين الأزهر وجامع القرويين في طريقة الدرس وفي منهاج البحث: فكانت هناك الحلقة، وكانت هناك المناقشة، وكانت هناك المحاضرة والتعقيب عليها، وكان أسلوب الدراسة في واقع أمره أسلوبا لتربية العقل، وتخطيط طريق التفكير والوصول إلى الحق في ذاته. وما كان للجامع الأزهر ولجامع القرويين من أسلوب في البحث إذ ذاك هو ما للجامعات المعاصرة اليوم في منهج البحث.

وهناك التشابه فيما طرأ على التعليم في كل منهما من تغيير وما أصابه من تقلبات، تبعا للعهود السياسية التي مرت على كل من القاهرة وفاس: فنجد تشابها في طابع التعليم أيام أن حكم الفاطميون في مصر والأدارسة في المغرب، وتشابها في طابع التعليم أيام حكم الأيوبيون بمصر والموحدون بالمغرب.

كما نجد تشابها في إطار المعرفة نفسه: اتسع فترة فشمل جميع الفروع المختلفة التي يضمها اسم التراث الإسلامي والعربي، وضاق في فترة أخرى فلم يشمل علوم الرياضة والطبيعة والطب والفلسفة.

وهناك تشابه كذلك بين الأزهر والقرويين فيما مر على التعليم في كل منهما من مراحل الإصلاح والتطور: سواء في طريقة التعليم أو في نظام الاختبار أو في تعدد المراحل أو في منهاج المواد، أو في تغيير الكتاب: بجانب نظام الحلقة في طريقة التدريس، ورتبت كتب التعليم على حسب ما بينها من اختلاف في الحجم وفي أسلوب التعبير، وعلى أية حال لم ينتقل التعليم في كل منهما طفرة ليساير الوضع الغربي سواء بسواء بسبب ما لكل منهما من طابع المحافظة على ما ورثناه من تراث روحي وفكري وعلمي، وما لهما من طابع التمسك بالقيم التي خلفها آباؤنا في حياتنا وتوارثناها جيلا بعد جيل. وربما كان لهذا الطابع الذي للأزهر وجامع القرويين على السواء دخل كبير في مقاومة الغزو الفكري، والغزو السياسي والاقتصادي للوطن العربي.

ويسوقنا من أجل ذلك الحديث عن وجه التشابه بين الأزهر وجامع القرويين في موقف كل منهما تجاه المستعمرين الغازين، وفيما قام به كل منهما من حمل راية الجهاد والكفاح ضد المستعمر الأجنبي، وفيما أصاب كلا منهما من نقمة المستعمر وعنته، وفيما سببه المستعمر لحملة التراث الإسلامي والعربي في كل منهما من أذى وأضرار مادية وأدبية في المجتمع العربي الخاص والعام، وفيما ضيقه من خناق على هؤلاء وأقامه من عقبات في سبيل سعيهم في الحياة، وفي الحصول على وضع في المجتمع يجعل منهم مواطنين لهم ما لمواطنيهم الآخرين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات.

وهناك التشابه بين الأزهر والقرويين في حفظ التراث الإسلامي والعربي وصيانته من التبديد والضياع، فلم تفتر عناية كل منهما عن رعاية حفظ القرآن الكريم ودرسه وتفهم معانيه ولم تفتر رعاية كل منهما عن نقل ما كان للأولين العرب والمسلمين إلى خلفائهم من بعد جيلا بعد جيل من أفهام في القرآن، ومن حلول لمشاكل الحياة ومن معارف كانت تدور في محيطهم الثقافي. وقد كانت صدور علماء وطلاب كل من الأزهر وجامع ألسنتهم تنطق بأسلوب كتاب اللّه، وهو الأسلوب العربي المبين، فحفظوا القرآن من التحريف، وحفظوا التفكير من الضياع.

وهناك التشابه بين الأزهر والقرويين في تأثر الأزهر بعلماء بغداد الذين وفدوا في عهد المماليك إلى القاهرة في سنة 656 ه‍ بعد سقوط بغداد، وفي تأثر القرويين بعلماء الأندلس الذين وفدوا إلى المغرب بعد سقوط الأندلس في القرن الرابع عشر الميلادي. وهناك التشابه في حركة الإصلاح القوية التي قام بها محمد عبده في الأزهر في نهاية القرن التاسع عشر والشيخ أبو شعيب الدكالي في القرويين في أوائل القرن العشرين.

وهناك التشابه بين الأزهر وجامع القرويين في تربية الحماس القومي، وننمية الروح الوطني، والقيام بالحركات المعبرة عن سخط الوطن وتكوين الرأي العام، والدفع إلى بقائه في النضال بين الدخلاء الغاضبين وبين أصحاب الوطن المعتدي عليهم.

كل هذه الأوجه من التشابه بين الأزهر وجامع القرويين تجعل لجامع القرويين في القاهرة صدى قويا لا يتضاءل ولا يضعف مهما فرق الاستعمار فيما مضى بين أجزاء الوطن الواحد ومهما حاول بأساليبه المختلفة أن يضعف من الصلات الثقافية والترابط الروحي بين فاس والقاهرة، ومهما حاول وبذل في وضع العقبات المادية والمعنوية في طريق لقاء العربي القاهري بالعربي المغربي.

وجامعة القرويين من أقدم جامعات العالم بعد الأزهر إذ أن مسجد القرويين لم يتحول إلى جامعة للتدريس إلا سنة 538، أما الأزهر فقد هيىء لتدريس الفقه والعلوم في الرابع الأخير من القرن الرابع الهجري.

وعلى ذلك تكون الجامعة الأزهرية أقدم جامعات العالم على الإطلاق وأكبر الفضل في نشر الإسلام الحنيف والحفاظ على تعاليمه السمحة وحماية لغة القرآن وآدابها والعمل على إثرائها في جميع فروع المعرفة...

بالإضافة إلى ما قامت به هذه الجامعات الإسلامية الكبرى من تزويد شعوبنا العربية خلال مراحل تطورها بالقادة والعلماء والمرشدين الروحيين طوال القرون الماضية.

وتاريخ جامعة القرويين بالذات يرتبط أوثق ارتباط بتاريخ مدينه «فاس» التي كانت منذ إنشائها عاصمة للدولة المغربية في عهد الآدارسة ومن خلفهم إلى مستهل القرن الهجري الحالي، حيث أخذ الاستعمار يتسلل إليها.

وقد سارت هذه الجامعة في تاريخها الطويل العامر، ككل كائن حي، تنهض وتنمو آنا، وتجمد وتتعثر آنا آخر... ولكن الأمر الذي لا يمكن أن ينكره أحد عليها، أنها ظلت -في كل الأحوال- تحمل علم الدراسات الإسلامية وما يتصل بها عن جدارة، في هذا الجزء الهام من وطننا العربي الكبير.

واستطاعت أن تثبت حقا أنها منارة الهدى والعرفان، وأساس الارتكاز الروحي عند المسلمين كافة في المغرب العربي.

والفصول الأولى لقصة إنشاء القرويين، تبدأ-كما يجمع المؤرخون- مع هجرة ثمانمائة عائلة أندلسية، تبعتها هجرة ثلاثة آلاف عربي من القيروان بتونس، إلى مدينة فاس، واتخاذهم لها وطنا ثانيا في أوائل القرن الثالث للهجرة.

وقد استقر المغتربون من الأندلس في شرقي المدينة بضاحية عرفت فيما بعد، باسم «عدوة الأندلسيين». أما المغتربون من القيروان، فقد استقر بهم المقام في الجهة المقابلة بضاحية على الضفة اليسرى كانت تسكنها القبائل، وسميت أيضا باسم «عدوة القرويين».

وكان بين المغتربين التونسيين رجل ورع، يعيش في بسطة من الرزق بسبب القيرواني»، وقد توفى عقب فترة وجيزة من وصوله إلى فاس، وخلف ثروة طائلة لابنته «فاطمة أم البنين» وشقيقتها «مريم».

وعقدت الشقيقتان العزم على إنفاق جزء كبير مما ورثتاه عن أبيهما في بناء مسجد يخلد اسم أسرتهما واسم البلاد التي نزحتا منها.

وكان من أهم الدوافع لهما على ذلك علمهما بحاجة الناس الملحة في كل «عدوة» من فاس إلى مساجد يؤدون فيها الصلاة، نظرا لضيق المسجدين القديمين القائمين فيها بالناس.

ولم يطل تفكير الشقيقتين، فشرعت «مريم» في بناء مسجد «الأندلس» في شرق المدينة.

وبدأت «فاطمة» في بناء مسجد «القرويين» في جنوبها.

وكان ذلك في يوم سبت - وهو يصادف غرة رمضان من سنة 245 الموافق 30 نوفمبر من سنة 859 وهو المسجد الذي عرف بعد ذلك باسم «جامعة القرويين».

ولقد كانت الطريقة التي سلكها البناءون في البناء أنهم التزموا أن يأخذوا كل حاجاتهم من الرمال والحجارة من نفس البقعة دون غيرها. كما أنهم عثروا على عين ماء غزيرة تجاور الموقع الذي اختير لإقامة المسجد.

وكان ذلك كله تحريا من المشرفين على البناء كي لا تدخل في بناء المسجد شبهة-على ما يقول «ابن أبي زرع» في كتاب «الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى». وظلت «فاطمة» صائمة منذ أن شرع في بنائه، إلى أن تم واكتمل وأقيمت فيه الصلاة.
وقرويين الأمس، ليست هي قرويين اليوم...

إذ لم تكن القرويين عند نشأتها الأولى، تشتمل إلا على أربع صحون وعلى محراب وفناء غرست فيه بعض الأشجار..

وحينما بنيت لم تكن بها حلقات للدرس كما أصبحت فيما بعد، بل كانت مجرد مسجد يحضره الناس الذين يؤدون الجزنائي» في كتابه «زهرة الآس في بناء مدينة فاس» -هي ضيق المساجد التي يصلي فيها أهل العدوة وافتقارهم إلى مسجد جامع يلم شعثهم ويجمع شملهم وتلقى من فوق منبره الخطبة الرسمية.

ولقد تطلب تزايد عدد السكان واتساع نطاق المدينة إدخال إصلاحات جمة على مباني القرويين القديمة واستحداث مبان وصحون جديدة ألحقت بها... فلم يكد ينقضي إلا نحو قرن حتى أصبحت مساحتها أربعة أضعاف ما كانت عليه بعد بنائها.

كما ذكر مؤلف كتاب «القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ فاس».

وكان من أوائل الذين لهم فضل السبق في إدخال هذه الإصلاحات على مسجد القرويين الخليفة عبد الرحمن الأموي الذي أسهم بمال كثير في تجديده، وكان شديد الشغف بالمباني والمنشآت، وكذلك السلطان علي بن يوسف بن تاشفين، وغيرهما من الأمراء الذين عملوا على توسعة رقعته بشراء الأملاك والأراضي المجاورة له وضمها إلى القرويين، حتى صار أعظم مسجد في أفريقيا الشمالية.

وبدأت مع حلول سنة 538 هجرية، تعقد فيه حلقات التدريس في علوم الفقه والشريعة على أيدي علماء أجلاء وفدوا من القيروان ونقلوا معهم جل العلوم الدينية، وإليهم يعزى الفضل في تحقيق هذه الخطوة التي تأخرت قرنين أو يزيد!

وتدور عجلة الأيام دوراتها السريعة ويزداد ازدهار القرويين في عهد المرابطين الذين بنوا فيها للعلم أمجاداً وصروحاً شامخة خلدها التاريخ.

واستطاعت الجامعة أن تخرج عظماء وعلماء أحالوا المغرب في مدى قصير من «دويلة» كانت تتهاوى من الضعف، وأمة يشيع فيها التأخر والجهالة، إلى دولة يحكمها دستور السماء الكريم الذي أنزل على محمد عليه السلام.

في أجيال مختلفة وظلت على مر القرون حصنا للعروبة والإسلام.

واجتذبت شهرتها التي طبقت الآفاق عددا كبيرا من العلماء الأجانب من أنحاء أوروبا ومنهم الرحالة «جريريتا» والبابا «سلفستر» الذي نقل الأرقام العربية إلى الغرب، كما نقل نظريات الفقه الإسلامي واستخدمها في تطوير القانون الروماني، وكثير غيرهم من العلماء الأوروبيين الذين توافدوا على مر السنين -على القرويين- للإفادة من خزانتها التاريخية المملوءة بالمؤلفات والكتب والمخطوطات النفيسة النادرة، في مختلف فروع العلوم والمعرفة، وأطلعوا العالم بعد عودتهم إلى بلادهم على الحضارة التي تغمر البلاد الإفريقية والمغرب العربي بنوع خاص!.

ولعل أزهر عهد تحقق فيه للقرويين ما كانت تصبو إليه من أسباب النمو والتقدم، كان عهد السلطان «أبي عنان المريني» ففيه أنشأت الجامعة أضخم مكتبة مزودة بالمخطوطات النادرة، وشيدت مساكن خاصة للطلاب الذين يردون عليها من أطراف البلاد، كما أجرى السلطان عليهم «جرايات» شهرية تكفيهم ليتفرغوا لطلب العلم...

كما كان للعلماء دور خاصة لسكناهم، وخدم معينون يوفرون لهم كل وسائل الراحة حتى يستطيعوا التوفر على أداء رسالتهم نحو طلابهم على أكمل وجه.

وكان علماء القرويين من أغنى طبقات الشعب، بسبب ما كان يسبغه عليهم الملوك من الهدايا وما يجرونه عليهم من الرواتب الضخمة!.

واستمرت جامعة القرويين تقوم بواجبها، في حرية تامة... إلى أن ابتلى المغرب بالاستعمار الفرنسي، وأوجس الفرنسيون منها خيفة...

أرادوا في مبدأ الأمر أن يوصدوا أبوابها أمام الطلاب، أو يحددوا عددهم، زاعمين أن في ذلك ترقية للبلاد... ولكنهم اصطدموا بمعارضة شديدة... إذ فطن «المولى يوسف» الجالس على عرش البلاد لغرض العلماء واتجاههم إلى بعث الحركة السلفية ومحاربة الجمود، وتطوير الدراسات لتساير روح العصر..

وكانت الخطوة الإيجابية لتحقيق ذلك الغرض، عند ما عين جلالة الملك محمد الخامس في سنة 1937، الأستاذ «محمد الفاسي»، وهو من علماء القرويين، ومن الذين استكملوا دراستهم في جامعة باريس، مديرا للقرويين فأدخل العلوم العصرية واللغات الأجنبية في مناهج التعليم، إلى جانب المواد الدينية، كما أنشأ قسما خاصا بالقرويين لتعليم الفتيات، وقد تخرجت فيه إلى الآن عشرات منهن يحملن شهادة «العالمية»!.

ويزدان تاريخ الحركة الوطنية في المغرب بأنصع الصفحات التي سجلها كفاح علماء القرويين وطلابها ضد القوى الاستعمارية... ودورها في تحرير المغرب يماثل تماما دور الأزهر الشريف في ثورة سنة 1919 وما بعدها...

وأصبحت اليوم تضم ألافا من الطلاب، فضلا عن فروعها التي تتمثل في المعاهد الدينية المنتشرة في أنحاء المغرب، سواء في «تطوان» أو «طنجة» أو «مراكش» أو منطقة «سوس».


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 05:18 pm

بين الزيتونة والأزهر
============
الزيتونة أزهر تونس، والزيتونيون أزهريون كما يقول الزيتونيون أنفسهم اعتزازا بالأزهر وكما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وأنفاس من الأزهر ما تزال تسري وتداخل جسم الزيتونة، وأخرى من الزيتونة ما تزال ترجع على الأزهر 1.

وجامع الزيتونة أقيم في أوائل القرن الثاني للهجرة على يد بانيه عبيد الله بن الحبحاب السلولي، وقد كان واليا على مصر، ومنها قدم إلى تونس، بعد أن استخلف ابنه أبا القاسم على مصر 2.

وكانت مدينة الفسطاط، دار ابن الحبحاب، وجامعها، جامع عمرو، الذي هو أبو الجامع الأزهر، قد كان ابن الحبحاب إمام محرابه، وخطيب منبره، فلا ضير أن ابن الحبحاب كان واقفا على تخطيط جامع الزيتونة بتونس، وفي ذهنه صورة جامع الفسطاط، وفي قلبه حنين إليه، واهتمام به، وحنين واهتمام بابنه أبي القاسم، وقد خلفه فيه.
__________
1) ص 85 التوجيه الاجتماعي في الإسلام-من مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية.

2) ابن خلدون 189 ج 4 بولاق.

__________
وكانت صحبة علي بن زياد التونسي لليث بن سعد، وروايته عنه بمصر، ثم انتصابه بجامع الزيتونة محدثا ومدرسا في منتصف القرن الثاني 1حلقة أولى في سلسلة من الاتصالات العلمية، ظهرت في مصر القديمة ثم امتدت إلى القاهرة وأزهرها، وارتبطت بها حلقات كان منها ما هو واضح إشعاعا، وأتم ظهورا.

فالإمام سحنون:
عبد السلام بن سعيد التنوخي 2، والقاضي أسد بن الفرات، بعد أن تخرجا بابن زياد في تونس بجامع الزيتونة، قد شدا الرحلة إلى مصر. فأخذا عن ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن الحكم، وتكونت بذلك المدونة، فكانت أصل المذهب المالكي، وانعكست الرحلة من القيروان على مصر، وتتابع العلماء من تونس والقيروان وغيرهما من البلاد الإفريقية، على الرحلة إلى مصر يسمعون ويهتفون، مثل: عبد الله بن أحمد التميمي، نسيب بني الأغلب، وحمد يس الأشعري، والقاضي عيسى بن مسكين، وجبلة بن حمود، وغيرهم من أهل القرن الثالث الذين أخذوا في مصر عن بني عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، وابن المواز، على ما فصله القاضي عياض في «المدارك» ومن بعده في كتب الطبقات.

وقامت الدولة العبيدية في أواخر القرن الثالث، وكان الاتصال بين علماء تونس وعلماء مصر، مقويا أهل السنة، ولا سيما المالكية بتونس وبمصر، وبدأ العبيديون يحاولون إغراء العلماء بموالاتهم.

نقل عياض في المدارك عن أبي الحسن القابسي:
«أن المعز الفاطمي أرسل قبل دخوله مصر إلى أبي إسحاق بن شعبان صلة من مائة مثقال وكتاباً، فقرض ابن شعبان من الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» وأحرق باقيه في الشمعة أمام الرسول. ورَدَّ المائة عليه.
__________
1) الديباج لابن فرحون ص 192 ط السعادة وأعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي ص 37.

2) الديباج 98 و160.

__________
وجاء القرن الرابع:
قرن أبي عثمان الحداد 1و ابن أبي زيد 2 والجبلياني 3و القابسي 4 وابن شبلون 5و ربيع القطان 6 وتأكدت الصلات بين مصر وتونس والقيروان بما كان بين ابن شعبان وابن أبي زيد، وبين التلباني المصري 7و أبي الحسن القابسي وبين أبي بكر الحويكي 8 وأبي الحسن القابسي أيضا، والتهبت نار الثورة بمدينة تونس، على العبيدين، وعلى أمير القيروان باديس الصنهاجي لموالاته إياهم وطاعتهم، وتولى أمر أهل تونس في ذلك صالح المدينة وعالمها وعابدها الشيخ محرز بن خلف الصديقي 9فكان لفقهاء مصر في وجه بني عبيد مثل ما كان لفقهاء تونس والقيروان، وأصبح القول المتردد على ألسنة المتفقهين في حلق جامع الزيتونة وجامع القيروان وجامع الفسطاط قولا متصادقا متجاوبا وكان بعضه صدى لبعض، فكانت حلقات أبي بكر بن نصر، أبي الذكر التمار، وأخيه مؤمل وابن الأسواني، وابن أبي حجرة القرطبي. في جامع الفسطاط بمصر القديمة، وقد ذكرها عياض في الطبقة الخامسة، صورة من حلقات أبي عثمان الحداد بالقيروان والشيخ محرز بن خلف والشيخ معاوية بن عتيق بتونس. وهكذا امتدت فكرة مقاومة الدعوة العبيدية، والامتناع عن مطاوعتها، من المغرب إلى المشرق، حتى بلغت البلاد الشامية.
__________
1) ترجمته في المدارك من أهل أفريقيا من الطبقة الرابعة وفي أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي.

2) المدارك أهل أفريقيا من الطبقة السادسة والديباج ص 136 ط السعادة وأعلام الفكر الإسلامي.
3) المدارك أهل أفريقيا الطبقة السادسة والديباج ص 86 ط السعادة.
4) المدارك أهل أفريقيا الطبقة السابعة والديباج ص 199 السعادة.
5) الديباج ص 158 ط السعادة.
6) المدارك أهل أفريقيا الطبقة الخامسة وشجرة النور 161.
7) المدارك أهل مصر من الطبقة الخامسة.
المرجع السابق.
9) المدارك أهل أفريقيا الطبقة الثامنة.

__________
ذكر عياض في المدارك ترجمة أبي بكر النابلسي، شهيد مصر سنة 364 ه‍: «كان شديدا على بني عبيد حين ملكوا مصر والشام ذامّا لهم، منفرا العامة منهم، قاليا لهم، ونقل عن الرقيق أن أبا بكر «كان يفتي في المحافل باستحلال دم من أتى من المغرب، ويستنفر الناس لقتالهم». يريد بني عبيد، ثم قال عياض: «و إنما سلك في هذا مسلك شيوخ القيروان في خروجهم عليهم.

ولم يستقر للفاطميين بسبب ذلك قرار، ففرضت ثورة تونس على خليفتهم المعز بن باديس الصنهاجي أن ينقض طاعتهم حتى فعل 1و تتابعت مظاهر التمرد عليهم، والاستخفاف بهم في مصر من ولاية العزيز بن المعز الفاطمي 2 ثم ولاية الحاكم واغتياله 3 بعد أن أعلن الرضوخ لقوة الأمة في الدفاع عن عقيدتها، وصلابتها في التمسك بسنتها فكتب سجله بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه، يطوي ما كان فيما مضى، فلا ينشر، ويعرض عما انقضى، فلا يذكر، ولا يقبل على ما مر وأدبر، من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية: أيام آبائنا 4. . .»

ثم كانت ولاية الظاهر الذي بدأت الدولة تتضعضع في مدته، إلى أن انتهى حكمهم الحقيقي في ولاية المستنصر واستبداد بدر الجمالي بأمرهم، وتلاشى سيادتهم في ظلمة العدوان الصليبي 5.

والروح التي كانت تعمر الزيتونة بتونس وجامع الفسطاط في مصر، هي الروح التي ملأت الأزهر وإن كانت السلطة التي أمرت ببنائه نابية عن تلك الروح؛ لنستنتج من ذلك كله: إن الإخاء قد كان تاما وثيقا بين جامع الزيتونة والجامع الأزهر من يوم أنشىء الأزهر، إخاء كان في الباطن والروح، وإن لم يبد في الظاهر والشكل، فيبقى الأزهر وفيا لروح العابدين العاكفين فيه، مزورّا عن روح الحاكمين المباهين به.
__________
1) المؤنس لابن أبي دينار ص 65 ط تونس الأولى.

2) خطط المقريزي ص 167 ج 2 وما بعدها ط المليجي بالقاهرة.
3) المقريزي ج 4 من ص 68 حتى ص 74 المليجي القاهرة.
4) ابن خلدون ص 60 ج 4 بولاق.
5) المقريزي ج 4 ص 49، ص 193 ط المليجي.

__________
وكذلك أقام بنو عبيد بالقاهرة ما أقاموا، وزال ملكهم عنها بعد استقراره فيها مائتي سنة وخمس سنين من دخول المعز إليها سنة 362 ه‍ إلى وفاة العاضد سنة 567 ه‍ فبقيت القاهرة بعدهم، وبقي جامعها الأزهري كما قال أبو العلاء:
تفنى الملوك ومصر بعد فقدهم مصر على العهد والإحساء إحساء وقام حكم السلطان صلاح الدين، وعاد التواصل والامتزاج بين الأزهر وجامع الزيتونة، وأنشئت المدارس الصلاحية والخوانق، وانتظمت الدراسة العلمية على الخطة الجامعة بين السنة والكلام والفقه والتصوف، وهي الخطة التي درج عليها، منذ القرن الرابع، الأشعري، والماتريدي، والباقلاني، وإمام الحرمين، والقشيري: يجمعون بين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجنيدي، وهي التي برزت واضحة مستعلنة في حكمة الغزالي وبخاصة في كتابه «إحياء علوم الدين».

وكانت المدارس التي أنشأها صلاح الدين في مصر على مثال المدرسة النظامية في بغداد، والمدارس التي أنشأها الملك العادل نور الدين في دمشق.

أما الذي أنشأه العبيديون بمصر فلم يكن يعدو مجالس مرتبة في الجامع الأزهر وجامع الفسطاط، وكان يظلها حكم الدولة، ويتحين لها اجتماع الناس يوم الجمعة 1 فعمرت المدارس، وتوافر فيها الشيوخ والطلاب، وانتظمت حلق العلم في جامع الفسطاط، وشاع الفقه على المذاهب الأربعة، وسارت الدراسة في العلوم على المناهج المتصلة بتلك المذاهب.

ولكن الجامع الأزهر قد اعتراه انطواء امتد إلى أواسط القرن السابع، فلم يكن لهذه الحركة العلمية فيه مجال. وطال كسوف الأزهر قرنا كاملا، إذ لم تقم فيه الجمعة إلا سنة 765 ه‍ أيام الملك الظاهر بيبرس وبدأ من
__________
1) المقريزي ج 4 ص 4، ص 193 المليجي.
__________
يومئذ يستعيد مجده، حتى انتظم أمره، وعلا شأنه في منتصف القرن الثامن على يد الأمير بشير الجامدار في عهد الناصر بن قلاوون 1.

أما في تونس ففي نحو عام 441 ه‍ جاء خطاب الخليفة العباسي من بغداد بتقليد المعز بن باديس ولاية أفريقية 2.

وأعقب ذلك زحف العرب الهلالية، فسقطت القيروان، وخربت، وجلا عنها المعز وآوى إلى المدينة.

وانتشر الاضطراب في البلاد، وقامت إمارات الطوائف:
في صفاقس، وسوسة، وقابس، وقفصة، وبنزرت، وطبرقة، والكفاف، وغيرها، أما مدينة تونس فقد خلعت طاعة المعز، وقرر أهلها الانضمام إلى ملك الفرع الصنهاجي الآخر الدي كانت عاصمته قلعة بني حماد، جنوبي بجاية، فتوجه وفد من مشيخة مدينة تونس إلى بجاية، ولقوا ملكها الناصر بن حماد، فولى بإشاراتهم على مدينة تونس أحد أبنائها وهو عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان 3 فقامت به في تونس دولة أساسها الشورى، وعمادها إسناد الأمر إلى أهل المدينة؛ لتدبير حمايتها من هجمات القبائل، ومن غزوات الولاة.

وعظم شأن بني خراسان، وسما مظهر ملكهم بتونس، وكان لعلمائها عندهم منزلة مرعية. فكان أهل تونس وبخاصة علماؤها، وهم أهل جامع الزيتونة، في منعة وظهور أمر، إلى أن مضى الثلث الأول من القرن السادس، إذ امتدت إليهم يد أمير بجاية، ثم كانت الطامة الكبرى باحتلال النصارى الترمانديين أصحاب صقلية السواحل الشرقية للبلاد الأفريقية، فتحركت الثورة من جديد، للاستعداد لمقاومة الاحتلال الأجنبي، وانعكست روح الثورة على المدينة.
__________
1) المقريزي أيضا ج 4 ص 53.

2) ابن خلدون ص 159 ج 6 بولاق.

__________
فتقاتل ربضاها:
الجنوبي ربض باب الجزيرة، والشمالي ربض باب السويقة إلى أن دخلها عبد المؤمن بن علي سنة 552 ه‍، ثم استنقذ جميع البلاد الساحلية من المغيرين الإفرنج، واستنقذ بقية البلاد من أمراء الطوائف، ووحد البلاد المغربية كلها في ملكه الذي امتد من الأندلس إلى حدود برقة 1.

وفي صدر القرن السابع كانت البلاد الإفريقية قد ازدهرت برد غارات الإفرانج النرمانديين، وصارت تونس عاصمة البلاد باستقرار الدولة الحفصية وصارت حلق الوعظ والتعليم القائمة بجامع الزيتونة مزدهرة وكذلك كان شأن مدينة القاهرة قبل ذلك بخمسين سنة تقريبا.

لما ردت عنها الغارات الصليبية، وقامت فيها الدولة الأيوبية، وصارت الحلق في الجامع الأزهر لا تختلف عن الحلق التي يقبلون عليها في جامع الفسطاط: كلها حلق سنية، لا شائبة فيها للأهواء، ترعاها الدولة، ويغشاها الناس غير مكرهين، ولا وجلين.

إلا أن هذا المعنى لم يظهر ظهوره التام في الجامع الأزهر، وإن ظهر حواليه، فلم يظهر في الأزهر بذاته إلا في منتصف القرن السابع لما جددت عمارته، وأقيمت فيه الجمعة على مذهب أهل السنة والجماعة، ورتبت فيه دروس الحديث والفقه 2.

فجامع الزيتونة لما قام الأزهر في منتصف القرن السابع برسالته العلمية السنية، قد كان قائما على تلك الرسالة نفسها، شديد الساعد في الاضطلاع بها فالتحمت بذلك الصلات بين الجامعين، وزاد في تأكيد اللحمة تشابه المناهج العلمية، وتقارب الأساليب التدريسية، والاتحاد في أكثر مواد الدراسة، والتفاضل المطرد بين شيوخ المعهدين: أخذا وعطاء.

فالمذهب المالكي بعد أن انقطع علماؤه من الديار المصرية، في أواخر القرن الرابع تحت حكم الفاطميين، بدأ يعاود منزلته في أواخر القرن السادس 3 بمن رحل إلى مصر من الأفارقة والأندلسيين والصقليين الذين رفعوا لواء المذهب المالكي فيها من جديد، مثل أبي محمد التونسي.
__________
1) ص 163 نفس الجزء.

2) المقريزي ص 52 ج 4 ط المليجي.
3) شجرة النور ص 93.

__________
ومحمد بن الفرح القروي الطليلي-و قد ذكرهما عياض في المدارك، ومثل أبي بكر الطرطوشي 1محمد بن مسلم الصقلي المازري 2 وابن الحكار العقلي 3و غيرهم.

فشاعت بذلك الكتب المغربية، ومناهج الدراسة الأفريقية والأندلسية، مثل المدونة، وتهذيبها، وكتب ابن أبي زيد، وكتب أبي الوليد الباجي، وانبعثت في أصول الدين وأصول الفقه طريقة الأشعري، والباقلاني وإمام الحرمين، والغزالي، والمازري، وتوصلت بذلك المذاهب السنية ولا سيما المذهبان المالكي والشافعي وكان لشيوع دعوة الغزالي إلى وصل التصوف بعلوم الشريعة، أثرها في تقريب المحدثين والفقهاء والمتكلمين من الصوفية، وتأثر هؤلاء بهؤلاء، تأثرا ظهر في طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني وانتشر في المغرب كله بأبي مدين وأصحابه، ثم تأصل بتونس في طريقة الشيخ أبي الحسن الشاذلي التي أوصلها هو أصحابه إلى مصر، وعم انتشارها من تونس ومن مصر غربا وشرقا.

فهذه الأسس هي التي كانت قوام طريقة التخرج في مصر وتونس على السواء، عليها مضى القرن السادس، وعليها سار القرن السابع حتى منتصفه لما قامت الدراسة في الجامع الأزهر، واستمرت-عليها مناهج الدراسة في الأزهر بقية القرن السابع والقرون بعده.

فكانت الدراسات بالأزهر وبالزيتونة طيلة هذه القرون، تسير على منهج واحد، وتعتمد مادة من الكتب مشتركة، وسندا من العلماء متحدا: فيهم المصريون، وفيهم الأفارقة وفيهم غير المصريين وغير الأفارقة: من الأندلسيين والمغاربة، أو من الشاميين والعراقيين والأعاجم وعلماء الروم.
__________
1) ترجمته في الديباج لابن فرحون ص 276 ط السعادة وفي وفيات الأعيان لابن خلكان «محمد».

2) ترجمته في نيل الابتهاج هامش الديباج ص 277 ط السعادة.
3) من شراح المدونة ترجمته في شجرة النور الزكية رقم 125.

__________
ففي فجر القرن السابع ظهرت المدارس بمصر 1 واتسع إليها نطاق التدريس بعد أن كان مقصورا على المساجد.

وكان إنشاء المدارس الأولى بمصر في الفسطاط حول جامع عمرو. فهنالك أنشئت المدرسة الصلاحية، والمدرسة القمحية فكان فيها مدارس أنشئت للفقهاء المالكية مثل القمحية، وكانت الدراسة فيها بالاعتماد على أمهات المذهب المالكي المشهورة: من كتب العراقيين والأفريقيين والأندلسيين، ومن بينها كتب ابن أبي زيد والقابسي والمازري وابن بشير وغيرهم من أبناء البلاء التونسية.

يشهد لذلك ما ذكره ابن فرحون في الديباج في ترجمة أبي محمد ابن شاس 2المتوفى سنة 610 ه‍ أنه كان مدرسا بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق، مع ما ورد في كتاب الجواهر الثمينة لابن شاس من اعتماد على ابن أبي زيد ويسميه الشيخ، وابن بشير ويسميه أبا الطاهر، والمازري ويسميه الإمام أبا عبد الله، زيادة على أمثال أبي الوليد الباجي، وابن رشد، وابن العربي، من الأندلسيين وعبد الوهاب والأبهري، وابن القصار، من العراقيين.

فلما ظهرت المدارس بتونس في أوائل القرن السابع، كانت الدروس فيها، وفي حلق جامع الزيتونة، سائرة على نفس ذلك المنهج، ومعتمدة نفس تلك الدواوين.

زيادة على ما كانت تتلافى فيه المناهج العلمية بين مصر وتونس، في الفنون الأخرى غير الفقه المالكي، من الحديث والأصول والتصوف، وفنون العربية، مما زاد له تأكد الصلات، وقوة الامتزاج، ورواج الأخذ والعطاء، طردا وعكسا، بين المركزين.
__________
1) المقريزي ج 4 ص 191 وما بعدها.

2) الديباج ص 40 السعادة بمصر.

__________
وظهر في ذلك القرن في مصر العلامة ابن دقيق العيد، والإمام عز الدين بن عبد السلام والحافظ المنذري، فصربت سمعتهم إلى تونس، وأخذ عنهم من رجال الزيتونة مشاهير منهم أبو يحيى بن جماعة التونسي أخذ عن ابن دقيق العيد 1و القاضي أبو القاسم بن زيتون أخذ عن المنذري وعن عز الدين بن عبد السلام 2 والقاضي عبد الحميد بن أبي الدنيا أخذ عن عز الدين بن عبد السلام 3.

وظهر في تلك الحقبة بتونس الإمام النحوي أبو الحسن بن عصفور، وظهر كتابه «المقرب» في النحو وكتابه «الممتع» في التصريف، وغيرها من كتبه فطار صيتها إلى مصر، وتلقاها عنه بتونس الشيخ أبو حيان، فروجها في مصر والتزمها وهو الذي اختصر المقرب 4.

ووفد على مصر الإمام الصوفي الشهير أبو الحسن الشاذلي بطريقته التي كان قد أسسها بتونس من أواخر القرن السادس وفيها ربى أصحابه، ولقن أحزابه وكان له مجلس بجامع الزيتونة، ثم تردد هو بنفسه على مصر وأخذ عنه فيها وصارت الأسكندرية المركز الثاني لطريقته واستقر بها خليفته أبو العباس المرسي، وعنه أخذها ابن عطاء الله وانتقل بها إلى مصر، واشتهرت الطريقة الشاذلية في مصر، وانتشرت منها انتشارها الشرقي كما انتشرت انتشارها الغربي من تونس 5.

وكذلك استمر هذا التواصل بين القاهرة وتونس يزيد ثباتا وتوثقا بابن الحاجب، والقرافي، وابن جماعة، إذ كان من الآخذين عليهم: ابن راشد، أخذ عن القرافي 6 وابن جابر الوادناشي، أخذ عن ابن جماعة 7و ناصر الدين الزواوي، أخذ عن ابن الحاجب.
الذي نشر مختصره الفرعي في أفريقيا والمغرب 8 وإبراهيم التنسي المطماطي، أخذ عن القرافي..
__________
1) شجرة النور الزكية رقم 714.

2) الديباج ص 99 ط السعادة القاهرة.
3) شجرة النور 45.
4) ترجمة أبي حيان في بغية الوعاة للسيوطي (محمد بن يوسف) وكذلك ترجمة ابن عصفور (علي بن مؤمن).
5) الدكتور عبد الحليم محمود الإمام أبو الحسن الشاذلي وطريقته.
6) نيل الابتهاج هامش الديباج ص 235 ط السعادة.
7) الديباج ص 312 ط السعادة.
شجرة النور 764 وابن خلدون ص 376 ج 1 بولاق.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 09:10 pm

وقابل ظهور هؤلاء بمصر أن ظهر بتونس أمثال ابن هارون الطائي، وابن الغماز، والتجاني وابن هارون الكناني، وابن عبد السلام، فاعتمدوا كتب المصريين ورووا عنهم، ورووا عن المتخرجين بهم، مثل ابن زيتون، وابن راشد.

وكان، في القرن السابع، والذي بعده، للرحالين المشاهير، الذين رحلوا من تونس إلى مصر أثر في إشاعة أسماء الأعلام من القطرين، كل في القطر الآخر ونعني بهؤلاء أمثال ابن جابر الوادناشي، صاحب الفهرس المفصل الممتع الذي يوجد مخطوطا بالأسكوريال، جمع فيه تراجم شيوخه والكتب التي أخذها عنهم، وأسانيدهم في تلك الكتب إلى مؤلفها، وبواسطته اتصل كثير من شيوخ مصر بالتونسيين، كما اتصل كثير من شيوخ تونس بالمصريين من طريقه مباشرة أو بواسطة 1 ابن رشيد الفهري السبتي المتوفى بفاس سنة 721، صاحب الرحلة الشهيرة التي شملت الأندلس والمغرب الأقصى والقطر الجزائري والقطر التونسي ومصر والشام والحرمين الشريفين، فاتسعت رواياته، وكثرت لقاءاته، وجمع أحاديث ذلك كله في رحلته الحافلة التي سماها «ملء العيبة بما جمع طول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة» 2.

وقد جمع في مشايخه أعلاما من التونسيين: مثل ابن هارون الطائي وابن زيتون، وأعلاما من المصريين: مثل الحافظ المنذري وابن دقيق العيد، وتواصلت بواسطته أسانيد هؤلاء، كما تلاقت فيه كثير من الأسانيد المغربية والأسانيد المشرقية، وخالد البلوري الذي رحل أواسط القرن الثامن بعد أن أقام بتونس، ودخل مصر، وجمع من أخبار مشيخته في القطرين، وأورد عنهم من فوائد العلوم ونكت الآداب ما طفحت به رحلته التي سماها «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق» وتوجد منها نسخ عديدة في مصر وفي تونس وغيرهما - مراجع أيضاً للمدرسين والقضاة والمفتين.
__________
1) ترجمته في الديباج ص 311 ط السعادة.

2) ترجم له المقري في أزهار الرياض أثناء ترجمة ابن الحكيم في الكلام علي ابن خميس أواخر الروضة الأولى: روضة الورد، وقال عن رحلته أنه جمع فيها من الفوائد الحديثة والفوائد الأدبية، كل قريبة وغريبة، وتوجد رحلة ابن رشيد منقوصة في الأسكوريال ويقوم على تحقيقها ودراستها وفهرستها ابنتا الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة.

__________
وفي القرن الثامن بلغ التواصل العلمي بين مصر وتونس أوجه، فتأكد اشتراك المشيخات، وتبادل الإفادة والاستفادة، وتناقل التأليف والروايات، واستمر ذلك ممتدا متسعا مغرقا في القرون الموالية. فكان ظهور الشيخ خليل بن إسحاق، الفقيه المالكي، في القرن الثامن، وبروز شرحه على مختصر ابن الحاجب، الذي سماه «التوضيح» ثم بروز مختصره الفقهي الجامع الذي نال إعجاب أهل المغرب، ممكنا لمصر منزلتها عند فقهاء المالكية بتونس، كما كان في كتاب التوضيح أثر ظاهر للمشيخة التونسية في اعتماده على شراح ابن الحاجب الزيتونيين: ابن عبد السلام وابن هارون، وابن وليد 1 وفي المختصر أثر واضح لمتقدمي الفقهاء الأفارقة، مثل: اللخمي، وابن يونس، والمطرزي، وهم ثلاثة من الأربعة الذين بني على اختياراتهم مختصر خليل، كما هو مبين في خطبته.

وما ظهر مختصر خليل حتى أقبل الناس عليه بالحفظ والدراسة، وتعليق الشروح ورسخت مكانته في دراسات جامع الزيتونة، رسوخا لم ينقطع بعد. وشرح مختصر خليل أول ما شرح، في مصر: شرحه القاضي بهرام الدميري 2: شرحيه الكبير والصغير، فاقترن الشرحان بالأصل في اتساع السعة، حتى أصبح بهرام يلقب بين جميع الكاتبين على مختصر خليل، من بعد، بلقب «الشارح» ودرس المختصر بتونس وجميع البلاد المغربية، فكان من أشهر من اعتنى به تدريسا وشرحا: العلامة ابن مرزوق الحفيد 3و هو تونسي زيتوني، بالطلب والمجاورة والتدريس.
__________
1) تراجمهم الثلاثة في شجرة النور 722، 731، 736.

2) ترجمته في نيل الابتهاج ص 101 هامش الديباج ط السعادة.
3) ترجمته في نيل الابتهاج أيضا ص 293.

__________
وتتابع عليه الشراح والدارسون والمعلقون من بعد، فكان من أصول كتب الدراسة بجامع الزيتونة، قرونا متتالية، ومرجع القضاء والفتوى الذي لا محيد عنه وكان حفظه متنا عن ظهر قلب شائعا بين الطلبة. وصارت شروحه التي صنفت من بعد بمصر.

وقابل ظهور خليل بمصر ظهور شيخ الزيتونة وإمامها: ابن عرفة بتونس 1 واشتهاره بتحقيق الفقه المالكي، نظراً ونقلاً، وتصنيفه المختصر الذي قال فيه الأبي: «ما وضع في الإسلام مثله لضبطه فيه المذهب مسائل وأقوالا مع زوائد مكملة والتنبيه على مواضع مشكلة وتعريف الحقائق الشرعية»: فكانت سمعة ابن عرفة وشهرة كتبه بالغة إلى مصر، ثم كانت رحلته بنفسه، وأخذ الكثيرين بمصر عنه، ومنهم الحافظ ابن حجر، ورحلة طلبته من بعده، وأخذهم عن المصريين، وأخذ المصريين عنهم، ذات أثر في وصل ما بين الطريقتين طريقة ابن عرفة، وطريقة خليل، وصلا ظهر بصورة جليلة في شرح ابن مرزوق على المختصر، إذ كثيراً ما اعتمد في شرح كلام خليل على استظهارات ابن عرفة.

كما ظهر الاتصال بين الطريقتين أيضا في كتاب الشامل للشيخ بهرام، كثيرا ما أشار إلى تحقيقات ابن عرفة، كما نبه على ذلك شراحه 2و من يومئذ أصبح لا يرى شرح لمختصر خليل، ولا حاشية على شرح له، إلا ومدار التحقيق على كلام ابن عرفة.

وهذا الذي حصل في الفقه المالكي، في القرن الثامن، من التواصل الأزهري الزيتوني قد حصل مثله أيضا في علوم العربية.

فقد ظهر بمصر، في ذلك القرن، إمام العربية: أثير الدين أبو حيان.
__________
1) ترجمته في الديباج ص 337 ونيل الابتهاج ص 274 ط السعادة وفي نيل الابتهاج أخذ ابن حجر عنه بنقل تصريح ابن حجر بذلك في أنباء الغمر.

2) الكامل على الشامل للسخاوي مخطوط.

__________
وقد مر ذكر أخذه عن ابن عصفور بتونس، وجمال الدين بن هشام، فأظهرا في علم النحو آثارهما الجليلة جمعاً وتحقيقاً وحسن تصنيف فكانا فرسي رهان في خدمة العربية مواصلة لطريق ابن مالك، واتقانا لأثره، وكان ما بينهما من كثرة المخالفة وتراد المباحث عتنا مع أبي حيان بابن عصفور، يضع مباحث ابن عصفور بينهما على بساط المجادلة.

واختصت كتب ابن هشام بالإقبال عليها، ولا سيما كتاب «مغنى اللبيب» فقد اشتهر وذاع صيته بالزيتونة منذ القرن الثامن، في حياة مؤلفه الذي يقول ابن خلدون عنه 1: «وصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفى فيه أحكام الإعراب فأتى من ذلك بشيء عجيب دل على قوة ملكته واطلاعه» فدخل «مغنى اللبيب» في كتب الدراسة بالزيتونة من أوائل القرن التاسع، درسه الحفيد ابن مرزوق، وكان قد تلقاه بمصر عن ابن المؤلف الشيخ محيى الدين بن هشام 2 واشتهرت دراسة المغنى والاعتماد عليه، وقد ألف الشيخ محمد الرصاع، في منتصف القرن التاسع كتابه في ترتيب آي مغنى اللبيب، فنوه فيه باشتهار كتب ابن هشام، ولا سيما المغنى، وتتابع العلماء على التسليم بعظيم قيمته من قديم، كما صرح بما يشهد لرواج كتب أبي حيان، وخصوصا تفسيره البحر المحيط، والاعتناء بما في جامع الزيتونة واعتماد المدرسين عليه وعلى الزمخشري في تفسير القرآن 3و كان ذلك في الوقت الذي يدرس فيه المغنى بالجامع الأزهر: فقد ذكر بدر الدين الدماميني في حاشيته على المغنى، المعروفة بالحواشي المصرية 4 أنه قرأ المغنى بالأزهر في مدة مائة وثلاثين يوما سنة 812 ه‍.
__________
1) ص 481 ج 1 بولاق.

2) نيل الابتهاج ص 297 هامش الديباج ط السعادة.
3) ذكر من ذلك بحثه مع شيخه ابن عقاب في درسه للتفسير سورة آل عمران قوله تعالى: شَهِدَ اَللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ والكتاب مخطوط.
4) مخطوط المكتبة العبدلية بتونس
.
__________
وكذلك كان القرن الثامن أيضا ظرفا للتواصل الأزهري الزيتوني في مجال العلوم العقلية والأدب فكانت شهرة آل السبكي، بمصر، حاملة أهل العلوم على الرغبة في الاتصال بهم، والأخذ عنهم كما ترى ذلك في رحلة خالد البلوي، وكانت شهرة ابن خلدون في تونس والمغرب، ثم رحلته إلى مصر، وتصدره للاقراء بالجامع الأزهر 1مهيأة لأخذ أعلام الأزهر عنه مثل ابن حجر والمقريزي والأقفهسي، وزائدة في ذيوع شهرته؛ وشهرة الزيتونة، وعلمائها بالمشرق.

وجاء القرن التاسع بأعلامه الذين علا بهم مجد الأزهر فكان للزيتونيين تطلع إليهم، واتصال بهم، فظهر الحافظ ابن حجر، الذي أخذ عن ابن عرفة وابن خلدون، فشدت إليه الرحلة من المشرق والمغرب وكان مدرس الأزهر وخطيبه.

وقد اتصل به من التونسيين الزيتونيين وأخذ عنه: أبو عبد الله التريكي 2 وأبو الحسن القلصادي 3الأندلسي الأصل، والكفيف ابن مرزوق 4 وهو كأبيه ابن مرزوق الحفيد، زيتوني بالطلب وظهر الجلال المحلي، والسراج البلقيني وغيرهما من الذين حفل بدروسهم وتآليفهم وإسنادهم القرن التاسع، فكان رجوع كثير من الزيتونيين إليهم، وأخذهم عنهم ملاقيا بينهم وبين أعلام الزيتونة من أهل أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع.

فقد أخذ الحفيد ابن مرزوق عن الجلال المحلي 5 وجمع بينه وبين ابن عرفة وأخذ القاضي ابن فرحون المدني، وهو تونسي الأصل 6 عن ابن عرفة في حجته 7 كما أخذ عن السراج البلقيني، واعتمده في مواضع كثيرة من كتابه «تبصير الحكام».
__________
1) ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي رقم 386 ص 145 ج 4 ط القدسي.

2) ترجمته في نيل الابتهاج ص 323 ط السعادة وشجرة النور 953.
3) نيل الابتهاج ص 209.
4) نيل الابتهاج.
5) نيل الابتهاج.
6) وفيات ابن قنفذ.
7) نيل الابتهاج 31.

__________
وخلف القرن التاسع لمطلع القرن العاشر الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي بمجده العالي في ذيوع التآليف الكثيرة المهمة، فتأثرت الدراسة في جامع الزيتونة في القرن العاشر باسمه تأثرا قويا امتد إلى القرون التالية، وحطت الرحال على كتبه، وثار تحقيق المباحث من رسالته، ودارت الروايات على أسانيده وتأثرت الدراسة الزيتونية في القرن العاشر، بأعلام القرن التاسع من الأزهريين وكتبهم، فشاع تفسير الجلالين، وكثير من كتب المحلي، ولا سيما شرحه على جمع الجوامع، وشرح العيني على البخاري، وكتب الشيخ خالد الأزهري، مثل التصريح وشرح الأجرومية، وقد ورد ذكرهما كلها في المشيخات والإجازات والتراجم، كما شاع التحديث في الإجازات بأسانيد شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري: آنا برواية التونسيين عن تلاميذه المصريين مثل رواية الشيخ أحمد بن إبراهيم الأندلسي عن الشيخ زين العابدين البكري عن أبيه عن الشيخ زكرياء.

وآنا برواية التونسيين عمن لقوا الشيخ زكرياء من الفاسيين مثل رواية الشيخ خروف عن سقين العاصمي، كما في كثير من الإجازات التونسية، والمغربية بعامة، بسند الشيخ عبد القادر الفاسي المشهور.

وظهر بالأزهر في القرن العاشر أيضا أمثال الناصر اللقاني، والبدر القرافي، والقسطلاني، وابن نجيم، فشاعت كتبهم بتونس في القرن نفسه، ولا سيما شرح القسطلاني على البخاري، وكتاب المواهب اللدنية له وشرح العلامة الشنشوري، خطيب الجامع الأزهر على متن الرحبية في الفرائض.

وكان من الذين طلعوا بتونس في أفق الزيتونة في القرن العاشر:
الشيخ محمد خروف والشيخ محمد مغوش.

أما الشيخ خروف فقد رحل إلى مصر، وأخذ عن الناصر اللقاني، والشمس اللقاني والشيخ أبي الحسن شارح الرسالة، بعد أن أخذ عن جماعة من التونسيين مثل الزنديري، وسليطن ومحمد مغوش وقد شاع الأخذ عن الشيخ خروف في الفاسية برواية أبي عبد الله القصاري وأبي المحاسن الفاسي وبواسطة خروف تتصل الأسانيد الفاسية بكثير من الشيوخ الأزهريين وكتبهم 1و أما الشيخ مغوش فقد نشأ بتونس وعظم شأنه فيها أواخر العهد الحفصي، ثم خرج إلى المشرق قبل منتصف القرن العاشر، واستقر بمصر، وتوفى فيها، وقد انتشرت سمعته العلمية، في المشرق والمغرب، وأخذ عنه المشارقة والمغاربة. ومن أشهر المصريين الذين أخذوا عنه شهاب الدين الخفاجي 2.

فهؤلاء هم الذين زادوا بتلاواتهم وكتبهم وأسانيدهم، في تقوية الصلة وكان انتظام القطرين المصري والتونسي، في سلك الخلافة العثمانية في هذا القرن، معينا على زيادة التواصل بين الأزهر والزيتونة، كما كان ظهور المذهب الحنفي في تونس، باستقرار النظام العثماني، مهيئاً لأسباب الاتصال بأعلام من فقهاء المذهب وأساتذته بالأزهر، وممهدا لانتشار كتبهم في تونس ودخولها في مناهج الدراسة مثل كتب ابن نجيم التي كان بعضها متابعة لدروسه بالأزهر مثل شرحه على المنار.

وكتب الشيخ حسن الشرنبلالي التي كانت كذلك ناشئة من دروسه في الأزهر.

وبذلك كان كثير من مدرسي الزيتونة في القرن الحادي عشر تلاميذ لأعلام الأزهر: الشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ عبد الباقي الزرقاني، وابنه الشيخ محمد، والشيخ الشبراخيتي، وشيخ الإسلام محمد الخرشي، فالشيخ المفتي محمد بن مصطفى كان تلميذ الشيخ إبراهيم اللقاني 3 والشيخ محمد بن شعبان قرأ على الشيخ إبراهيم اللقاني جوهرته في التوحيد...
__________
1) ترجمته في فهرس الفهارس ص 279 ط فاس وشجرة النور الزكية رقم 1061 والإسناد عنه في إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي.

2) أخباره في كتاب المؤنس لابن أبي دينار ص 154 ط تونس الأولى ترجمته في نيل الابتهاج ص 336 والشقائق النعمانية ص 52 ج 2 هامش وفيات الأعيان.
3) ذيل بدائر أهل الإيمان لحسين خوجه ص 77 تونس.

__________
بالجامع الأزهر 1 وهو الذي أقرأها بتونس، كما ذكر ذلك متلقيها عنه الشيخ محمد قويسم، في خاتمة كتابه: «سمط للآل» 2.

وكذلك الشيخ محمد زيتونة 3 والشيخ محمد الصفار 4 والشيخ محمد العواني 5 والشيخ أحمد برنار 6 والشيخ محمد سعادة 7 والسيد أحمد الشريف إمام دار الباشا 8 والشيخ علي النوري الصفاقسي إمام القراءات المشهور 9 والشيخ محمود مقديش الصفاقس 10 كانوا كلهم من تلاميذ أولئك الأعلام الأزهريين وبواسطتهم دخلت كتب هؤلاء الأئمة إلى تونس، وشاعت دراستها، ولاسيما شروح الشبراخيتي والزرقاني والخرشي على مختصر خليل وشرح الزرقاني على الموطأ، وشرحه على المواهب، وتوجد خطوط هؤلاء الشيوخ إلى الآن في المكاتب بتونس: ففي المكتبة العبدلية إجازة الشيخ إبراهيم اللقاني بخطه، وفي المكتبة العبدلية أيضا نسخة من شرح الأبي على صحيح مسلم بخطه أيضا كتبها سنة 1012 ه‍، وفي تونس نسخة بخط الشيخ إبراهيم من كتاب مغنى اللبيب لابن هشام، ونسخة من شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على المختصر هي أصله الذي بخطه.

وفي المكتبة العبدلية جزء من شرح المواهب اللدنية للشيخ محمد الزرقاني، كانت من أملاك الأمير حسين باشا وقد قوبلت بإذنه على نسخة منسوخة من أصل المؤلف، المكتوب بخطه، الذي قرأه بدرسه على طلبته بالأزهر في آخر عمود.
__________
1) الذيل ص 80.

2) مخطوط.
3) ذيل 134.
4) ذيل 120.
5) ذيل 100.
6) ذيل 140.
7) ذيل 161.
شجرة النور 1188.
9) شجرة النور 1255.
10) شجرة النور 1462.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17953
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر   06/02/17, 09:28 pm

وكذلك شاعت الرواية بأسانيد أعلام المحدثين بالأزهر في ذلك القرن: مثل أسانيد الشيخ الطولوني يروى بها الشيخ محمد زيتونة، وأسانيد الشيخ الشبراوي يروى بها السيد أحمد الشريف 1و الشيخ علي النوري 2.

وكان للعلامة التونسي محمد زيتونة رحلتان إلى مصر سنة 1114 ه‍ وسنة 1124 ه‍ خلفا صدىً بعيداً وأثراً حميداً، في توثيق الصلات بين علماء الأزهر وعلماء الزيتونة، بما عرف أهل الأزهر وعلماء الأسكندرية من فضله وعلمه، وما أظهر في دروسه ومجالسه، مما نال ثناءهم، وجلب اعتناءهم لاسيما درسه في تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء ليلة المعراج في رجب من سنة 1114 ه‍ بجامع تربانة بالأسكندرية، الدرس الذي نوه بذكره حسين خوجه في ذيل كتابه بشائر أهل الإيمان 3 وكان ممن أخذ عن الشيخ زيتونة من علماء مصر المحدث الشيخ أحمد الصباغ الأسكندري، صاحب الثبت المشهور.

وكثيرا ما تصدت رحاب الأزهر بطلب الفتوى، في حوادث تنزل بالبلاد التونسية، أو قضايا يدق محل النظر فيها، كما وقع سنة 1046 ه‍ في إمارة يوسف داي، أن وجه سؤال إلى علماء الأزهر في قضية حال تتعلق بتوريث زوجة شهد بطلاقها بعد موت الزوج، وكتب في (المسألة) رسالة الشيخ عمر بن علي الفكروني الأزهري، وهو تونسي الأصل، من مدينة سوسة، وكان قاضيا مالكيا بمصر شيخا لرواق المغاربة بالأزهر -ومن تلاميذ الشيخ سالم السنهوري.
__________
1) فهرس الفهارس ج 2 ص 79 ط فاس.

2) شجرة النور 1225.
3) ص 134 ط تونس.

__________
واتصلت سلاسل الرواية، والملاقاة، وتلقى الدروس، كامل القرن الثاني عشر، قوية نامية متتالية، وفيه شد كثير من التونسيين الرحلة إلى الأزهر لاستكمال تخرجهم فيه بالأساتذة الأعلام الذين كانت سمعتهم السائرة تجلب إليهم الشادين في طلب العلم من الآفاق، لا سيما وقد أثرت القرون الماضية في تشابه مناهج الدراسة، واتحاد الكتب التي يزاولها الدارسون، ويعتني بتقريرها والتعليق عليها المدرسون، والشراح، والمحشون، فمختصر خليل، وكتب القرافي، والبيضاوي، وكتب ابن هشام، وشرح الأشموني على الألفية، وكتب العضد، والتفتازاني، وكتب ابن حجر والسيوطي، والقاضي زكرياء، وأسانيد هؤلاء الثلاثة الأخيرين ذكرا، هي التي كان عليها مدار الدراية والرواية، على السواء، بمصر وبتونس، وعليها عكف الطلبة، وبها تخرج العلماء في المعهدين العظيمين: الأزهر والزيتونة.

ففي الوقت الذي أقبل فيه الشيخ محمد بن سعيد الحجري، الملقب بالنحم الثاني على جامع الزيتونة، آتيا من قرية أبي حجر، في الساحل الشرقي التونسي، كان اثنان من تلك البلاد الساحلية نفسها قد وفدا على الجامع الأزهر: وهما الشيخ محمد سعادة والشيخ عبد الرحمن بن جاد الله البناني.

أما الشيخ محمد سعادة فقد رجع إلى تونس مملوء الوطاب، متين الأسباب، من دروس الشيخ محمد الزرقاني، والشيخ أحمد الفقهيه، والشيخ عبد الرءوف البشبيشي، ومن أسانيد الشيخ علي الطولوني، والشيخ عبيد النمرسي 1.

وأما الشيخ البناني فقد أقام بمصر، وكان من أعظم علماء الأزهر وأكثرهم طلبة وأبعدهم شهرة، ناهيكم بشرحه على المحلي، وتقريراته على شرح التفتازاني على التلخيص.
__________
1) ترجمته في ذيل البشائر ص 160 ط تونس.
__________
ولقد كانت الكتب التي اعتنى بها كل واحد من هؤلاء الثلاثة: هي الكتب التي اعتنى بها بقيتهم في الزيتونة وفي الأزهر: الأشموني، ومختصر السعد، وتهذيب المنطق.

فقد كتب الشيخ أبي سعيد والشيخ سعادة كل منهما، حاشية علي الأشموني. أما حاشية الشيخ سعادة فكانت قبل حاشية الصبان، ولكنا لا نعرفها إلا ذكراً.

وأما الشيخ ابن سعيد، وحاشيته مشهورة مطبوعة، فقد كان تدريسه الأشموني بتونس، وكتابته «حاشيته عليه في مدة تدريس الشيخ الصبان الأشموني بالأزهر، ووضع حاشيته عليه، فقد أتم الصبان حاشيته سنة 93 وأتم ابن سعيد حاشيته سنة 97 وكان الاتصال بين الحلقتين، بتردد الطلبة محققا، حتى أن الشيخ ابن سعيد كثيرا ما يجاذب الشيخ الصبان أبحاثه، ويعرض طريقته، وزيادة على اعتماد كل منهما على حاشية الشيخ يوسف.

وتوجد بتونس كتب من ممتلكات الشيخ الصبان عليها خطة يقرب أن يكون هو -رحمه اللّه- مكن منها بعض طلبته وفي مكتبتنا نسخة من كتاب النكت للسيوطي عليها تمليك الصبان سنة 1187 وبقيت صلات الود وثيقة بين الشيخ ابن سعيد والشيخ البناني، والمراسلة بينهما متسقة وهما من قريتين متجاورتين (زينان، وبو حجر).

ففي ديوان الشيخ ابن سعيد الذي سماه «الفلك المشحون» 1 رسالة من الشيخ البناني إليه بمناسبة سفر والده الشيخ ابن سعيد للحج ومروره بمصر، يجيبه فيها عن طلبه نسخة من حاشيته على المحلي بأنه سيكتبها بيده ويوجهها إليه فيما بعد، إلى أغراض أخرى.

كل ذلك في أسلوب بليغ من خطاب المودة والتعظيم، وكذلك كان جواب ابن سعيد الذي تضمن، فيما تضمن من ثناء وتنويه استنجازا للوعد بإرسال حاشية المحلي.

وقد اشتهر اسم الشيخ ابن سعيد بمصر، واعتنى بكتبه، مع أنه لم يعمر طويلا، حتى أن الشيخ حسن العطار، في منتصف القرن الثاني عشر اعتمد على حاشيته على شرح الخبيصي على التهذيب وجاذبه كثيرا من مباحثها، في ما كتب هو أيضا على نفس الكتاب، كما صرح بذلك في خطبة حاشيته وفي ختامها.
__________
1) مخطوط مكتبتنا الماسورية.
__________
وقد طبعت الحاشيتان معا، كتابا واحدا، في بولاق سنة 1296، ولم يكن الراحلون إلى الأزهر من الزيتونيين في هذا القرن الثاني عشر محصورين في البناني وسعادة، بل غيرهما كثيرون.
منهم الشيخ محمد بن علي الغرياني 1 الطرابلسي الأصل الذي أخذ عن الشيخ محمد بن سالم الحفناوي، والسيد البليدي، والشيخ محمد العشماوي والشيخ أحمد العماري، وبعد زيارة -الحرمين الشريفين، والأخذ عن أعلام البلد الحرام أمثال الجمال الأخير الطبري، وتاج الدين القلعي، وابن عقيلة، رجع إلى الزيتونة وانتصب للتدريس وكان أستاذ الأساتذة وبه اتصلت رواية الزيتونة بالأزهريين، وعنه يروى بتلك الأسانيد الشيخ عمر المحجوب في إجازته شيخ الإسلام محمد بن الخوجه التي في ثبته 2، ومنهم الشيخ محمد بن حسين الهدة، صاحب الحاشية على شرح الورقات فقد أخذ عن الشيخ علي الصعيدي والسيد البليدي، والشيخ الدمنهوري.

وانتصب للتدريس بجامع الزيتونة 3، وكان يروي عن الشيخ الحفناوي وأجاز بسنده وعنه يروى به الشيخ عمر المحجوب كما في ثبت الشيخ ابن الخوجه أيضا.

ومنهم الشيخ إبراهيم بن علي شعيب الذي روى عن الحفناوي أيضا، وعنه روى الموطأ والصحيحان بذلك السند في جامع الزيتونة، روى عنه الشيخ حمودة إدريس، الذي حدث عنه الشيخ المحجوب، كما في إجازة الشيخ إسماعيل التميمي 4.
__________
1) ترجمته في فهرس الفهارس ص 252 ج 2.

2) مخطوط بمكتبتنا.
3) ترجمته في أخبار أبناء الزمان لابن أبي الضياف ج 2 ص 15 ط تونس.
4) ترجمة في ذيل البشائر ص 54.

__________
وزاد في قوة انجذاب الزيتونيين إلى الأزهر في هذا القرن الثاني عشر أن حفلت مصر بمقدم أسانيد في البلاد الشرقية بلغت سمعتهم عنان السماء، يعتبر في مقدمتهم شهرةً وعلواً مقام الحافظ محمد مرتضى الزبيدي فقد تسابق الناس للأخذ عنه، وتزاحموا على مجالس إملائه، حتى كان القاصدون إلى الحج - ولو من غير خاصة الطلبة يغتنمون إقامتهم بمصر عابرين لحضور مجالسه الجامعة ويكتب لهم الشهادة بالسماع، والإجازة، وبذلك شاعت الرواية عنه، وانتشر خطه في الإجازات والأثبات وكتب السنة المقروءة عليه.

ومن أخص تلاميذه من شيوخ الزيتونة الشيخ عمر بن المؤدب، والشيخ محمد بن حمودة الصفار، وأبناء الشيخ الغرياني، بل إن عامة طلبة جامع الزيتونة في ذلك العصر يعتبرون طلبة له، لأنه كتب في إجازته لأبناء الشيخ الغرياني: كذا أجزت لطلبة العلم الملازمين في حلقة دروس والدهم وسائر أحبابهم وأصحابهم ممن فيه أهلية التحمل لهذا العلم 1 وقد كان الشيخ مرتضى أخذ عن الشيخ الغرياني.

كما أخذ عن الشيخ أحمد بن عبد الله السوسي من علماء الزيتونة وعن هذا الاتصال المحكم بين الأزهر والزيتونة، في القرن الثاني عشر، تولدت صلات أشد إحكاما، وروابط أتم انتظاما، في القرن الثالث عشر؛ فقد استهل ذلك القرن وسمعة أعلام من الأزهريين قد ضربت ما بين المشرق والمغرب؛ بكتبهم القيمة التي شاعت في عصرهم وعم الإقبال عليها: مثل الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي، الذي عظمت شهرة دروسه وأسانيده وكتبه واعتمدت حواشيه، ولاسيما حاشيته على شرح الدردير على المختصر الخليلي، التي اعتمدها فقهاء الزيتونة، في الدروس والفتاوى والأحكام، وعلقوا عليها، وجاذبوا مؤلفها بحوثه ونقوله: وتحقيقاته فكان شيخ الإسلام أحمد بن حسين، والشيخ المفتي محمد الشاهد، وغيرهما من شيوخ المذهب المالكي في أواسط القرن الثالث عشر، يعتمدون كلام الشيخ الدسوقي، ويستندون إليه في فتاويهم وتحاريرهم، كما هو ثابت في الوثائق ومنقول في الأخبار وكان للطباعة في القرن الثالث عشر، ولا سيما في النصف الأخير منه، أثر في سرعة ايصال الكتب وبسط شهرتها فعرفت كتب الشيخ الخضري، والشيخ علي الصعيدي، والشيخ الباجوري، والشيخ العطار.
__________
1) بخطه في مكتبتنا.
__________
وشاعت في مناهج الدراسة الزيتونية فقوي بذلك تشابه المناهج بين الزيتونة والأزهر، حتى لم يبق فرق يذكر، لا في المناهج، ولا في صورة التكوين العلمي للخريجين. ففي الربع الأخير من القرن الماضي كان شيخ الإسلام سالم أبو حاجب 1يدرس الأشموني بجامع الزيتونة، درسا اشتهر وشدت له الرحال، وكان يتتبع حاشية الصبان.

ويكثر البحث فيها ويكتب بحوثه وتقريراته، أو يكتبها طلبته، وكان الشيخ الأنباني، في تلك الأيام نفسها، يدرس الأشموني بالجامع الأزهر، ويكتب على حاشية الصبان وكان بعض الطلبة يتردد بين الدرسين: مثل الشيخ مصطفى بن خليل، فكانت المباحث التي تثار في أحد الدرسين يبلغ صداها إلى الآخر حتى أنه لما طبعت تقريراته الشيخ الإنبابي على الصبان، قضى الشيخ سالم العجب من توارد الخواطر، حتى عدل عن طبع تقريراته، إذ أصبح غالبها مستغنى عنه بما طبع من تقريرات شيخ الإسلام المصري، سمعت ذلك من كثير من أساتذتنا تلاميذ الشيخ سالم، كما سمعت منه شيئا يرجع إلى هذا المعنى في أسلوب حديثه الفكه وهو في العقد العاشر من حياته رحمه اللّه وانتهى القرن الثالث عشر بما كان من الروابط موصولا بين الأزهر والزيتونة في ذات الفقيه الكبير الشيخ محمد عليش، الذي أخذ عن الشيخ محمود مقديش 2.
__________
1) شجرة النور 1689.

2) شجرة النور 1544.
3) شجرة النور 1559.

__________
وروى عن الشيخ محمد بن ملوكة 3 وعنه أخذ كثير من الزيتونيين منهم الشيخ مصطفى بن خليل وكثيراً ما كانت تعرض المسائل عن الحوادث والأحكام على الشيخ محمد عليش لأخذ فتواه فيها.

وقد كان من أجل الراجلين من الزيتونة إلى الأزهر في القرن الثالث عشر: الشيخ مصطفى بن خليل فقد كان أكمل تحصيله بالزيتونة وسمى عدلا بتونس، ثم سافر إلى مصر، فقرأ بالأزهر على الشيخ إبراهيم السقاء، والشيخ عليش، والشيخ الإنبابي، وأجازة الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الطهطاوي.

ويوجد نص إجازته له بخطه في دار الكتب المصرية، ثم رجع الشيخ مصطفى إلى تونس في أواخر القرن الثالث عشر، وسمي مدرسا من الطبقة العليا بجامع الزيتونة، وعلت منزلته، وأخذ عنه وتخرج به كثير من علماء النصف الأول من القرن الحاضر.

وإنه ليكفي لإظهار الامتزاج الذي اكتمل في القرن الماضي بين الأزهر والزيتونة الرجوع إلى قوانين التعليم في المعهدين، حتى يتبين أن الكتب التي تدرس في مراتب التعليم الثلاث: الابتدائية والمتوسطة، والعالية، إنما كانت متحدة بصفة غالبة، لا يستثنى من ذلك إلا عدد قليل جدا، على ما جاء في الفصول 3، 4، 5، من الأمر العالي الصادر بضبط قانون التعليم في جامع الزيتونة سنة 1262 مع مقارنتها بما أثبته المرحوم الشيخ منصور رجب من أسماء أشهر الكتب التي تدرس بالأزهر في كتابه: «الأزهر بين الماضي والحاضر» علاوة على أن الكتب التي كانت تدرس - بجامع الزيتونة وضبطها قانون 1292 وهي مائة وخمسون كتابا يوجد من بينها ستة وأربعون كتابا هي مصرية أزهرية وكذلك ارتبط القرن الحاضر بالقرن قبله، إذ انعقدت من القرنين أسباب امتدت من السابق منهما وشدت باللاحق».

نعم «كانت العروة الوثقى لا انفصام لها» الجمعية التي أنشأها السيد جمال الدين الأفغاني، بعد خروجه من مصر سنة 1299 الوثاق الذي شدت به الصلات المتينة بين رجال من علماء الأزهر، انتصبوا لقيادة في ذلك السبيل 1 فيهم الشيخ محمد بيرم، والشيخ محمد السنوسي، والشيخ أحمد الورباني، واستمر ذلك الاتصال يملأ قرننا الحاضر حركات متحدة المصادر، متشابهة المظاهر بين الأزهر والزيتونة وزار الشيخ محمد عبده تونس زيارته الأولى سنة 1302 وامتزج بعلمائها ثم عاد بعد عشرين سنة وألقى محاضرته القيمة «العلم لطرق التعليم» وكان لمجلة المنار رواج واسع في تونس وأثر قوي في إشاعة دعوة الشيخ محمد عبده الإصلاحية.

ولا نريد أن ندخل في صلة هذه الحركة بالأزهر: وما كان بين المنار والأزهر، مما كتب فيه صاحب المنار كتاباً خاصاً.

ولكننا نكتفي بأمرين هامين يتضح بهما ما كان لهذه الحركة من انتساب متين إلى الأزهر؛ يجعل انتشار دعوتها بتونس داخلاً في موضوعنا أولهما أن قوام مجلة المنار، وأعظم مادتها، إنما كان ما تنشره من تلخيص دروس الشيخ محمد عبده في تفسير القرآن العظيم، وهي دروس أزهرية كانت تلقى في الرواق العباسي، وثانيهما أن أهم ما تحدده المنار، من دعوة الشيخ محمد عبده، هي دعوته إلى إصلاح التعليم في الأزهر، وأقصى ما تقصد إلى تحقيقه هو أن يتولى الأستاذ الإمام أمر الأزهر، أو أن يكون مشاركا فيه مشاركة ذات نال، فكان من هنالك منشأ الأحداث التي شطرت الأزهر شطرين: بين مناصرين لدعوة الشيخ محمد عبده، ومعارضين لها.

وكان ذلك الانقسام ساريا إلى جامع الزيتونة فنشأت فيه حركة 2 فكرية قوية شطرت رجاله أيضا إلى شطرين بين أنصار دعوة الشيخ محمد عبده والمنار وخصومها، وجعلت أكثر الطلبة من شيعة مفتي الديار المصرية، ومطالبين بإصلاح التعليم الزيتوني على المبادىء التي طالب بها لإصلاح التعليم الأزهري.
__________
1) فهرس الفهارس ص 280 ج 1.

2) كتاب الحركة الفكرية والأدبية بتونس ص 43 ط معهد الدراسات العربية العليا بالقاهرة سنة 1956.

__________
وكانت حركات الطلبة في الأزهر مثالاً موجهاً لحركات الطلبة في الزيتونة فلما أضرب الطلبة في الأزهر سنة 1327 لم يتأخر الطلبة الزيتونيون أكثر من أربعة أشهر حتى ابتدأوا المظاهرات والاضرابات ودخلت بذلك الحياة الزيتونية، تبعا للحياة الأزهرية في طور جديد 1.

وإلى جانب هذا التواصل في الحركة الإصلاحية، كان جانب آخر من التواصل الزيتوني الأزهري يتمثل في ما كان متمثلا فيه من قبل من البحث العلمي والدراسة لقد استمر طلبة من الزيتونة يقصدون الأزهر، وآخرون من الأزهر يأتون الزيتونة وأصبحت الحياة النظامية في المعهدين تمهد لهؤلاء وهؤلاء سبيل الالتحاق بكل من المعهدين باعتبار ما بلغ إليه الطالب من درجة في المعهد الآخر.

وإن من أشهر الأزهريين الذين آووا إلى الزيتونة فاعتبرت له دراسته الأزهرية، وسمح له بذلك الاعتبار أن يتقدم إلى امتحان «التطويع» مباشرة بدون أن يتدرج في مراحل الدراسة العلامة المرحوم، شهيد حركة العلماء المسلمين في الجزائر الشيخ محمد العربي التبسي الذي تخرَّج بشهادة التطويع عقب رجوعه من الأزهر سنة 1340.

كما استمرت آثار الدروس الأزهرية العليا محل الاعتناء والإقبال من الأساتذة الزيتونيين، والرواية متصلة الأسانيد بينهم أيضاً.

فكان لشيخ الإسلام عبد الرحمن الشربيني في حياته، رواج عظيم لكتبه في الزيتونة حتى أن حاشيته على البناني على المحلي على جمع الجوامع كان يدرسها تدريساً شيخ شيوخ الزيتونة يومئذ أستاذنا شيخ الإسلام محمد بن يوسف فضلاً عن أعلام الزيتونة من تلاميذه مثل أستاذنا المحقق الشيخ محمد الصادق القاضي، كان ذلك والشيخ الشربيني حي، وقد علت سمعة تلك الحاشية، واهتم الناس بها، وأصبحت مناط البحث والتحليل، حتى أن اتقان تدريس المحلي كان يقاس في الزيتونة باتقان تحليل الشربيني وتأصل ذلك في مقايس دروس المناظرات التي يتقدم بها خريجو الزيتونة لنيل منصب التدريس من الطبقة الثانية.
__________
1) الحركة الفكرية ص 97.

__________
وكذلك كان مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت معتني بتحاريره وأسانيده متلقاة من أكفائه سناً ومقاماً -فقد اجتمع به الشيخ محمد بن يوسف في رحلته إلى مصر والشام سنة 1327 وروى عنه، وحدث بسنده وقد حدثني به -رضي اللّه عنه- في إجازته إياي المكتوبة بخطه سنة 1342 عن الشيخ عبد الرحمن الشربيني عن الشيخ إبراهيم السقا عن الشيخ الأمير الصغير عن الشيخ الأمير الكبير...

وأخذت سهولة المواصلات، وتيسير وسائل الحج تنمو بعد الحرب العالمية الأولى، فنمت معها الاتصالات الأزهرية الزيتونية وكثر سفر شيوخ الزيتونة للحج والعمرة، وكثرت بذلك زياراتهم للأزهر والتقاؤهم بعلمائه.

وحدثت بعد الحرب العالمية الثانية صور من التلاقي لم تكن تعرف من قبل، إذ نشأ التواصل الرسمي بين الجامعتين الأزهرية والزيتونية فيما ربطت المواصلات بين الشيخين على عهد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والشيخ مصطفى عبد الرازق، وما اتسق من صور التعاون الرسمي بين الجامعتين حتى أنه لما توفى شيخ الأزهر سنة 1367 أعلن شيخ جامع الزيتونة نعيه في الصحف ببلاغ رسمي، وعطلت الدروس في جميع المعاهد الزيتونية بالقطرين التونسي والجزائري وكذلك اتبع الأمر في المناسبات المشابهة.

ولم تزل مظاهر الاتصال تبرز فيما بين المعهدين متعاقبة فقد ولى الشيخ محمد الخضر حسين التونسي مشيخة الأزهر الشريف عام 1374 ه‍، ثم كانت زيارة الأستاذ مدير الجامعة الأزهرية الشيخ أحمد حسن الباقوري، والتف حوله علماء الزيتونة وعظموا مقدمه، وقد خطب في جامع الزيتونة وقد انتدب غير مرة أستاذاً زائراً للكلية الزيتونية المرحوم الشيخ منصور رجب الذي وافاه الأجل في مدينة تونس في ذي الحجة 1384 - 15 شيوخ الزيتونة صفوفاً بإمامة شيخهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قبل نقل جنازته إلى مصر.

وطالما اعتزت الكلية الزيتونية بتوالي زيارة الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود الذي كانت زيارته الأولى سنة 1382، وجلس تحت قبة جامع الزيتونة الأعظم. ثم ترادف فضيلته على الكلية وأبنائها حتى أصبحت مشيخته للزيتونيين لا تضيق عن مشيخته للأزهريين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الباب الحادي عشر: من تاريخ الأزهـــر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: الأزهر الشريف في ألف عام :: المجلد الثالث-
انتقل الى: