منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)   03/09/16, 11:37 pm


تحفة الأطباء
مـن كـلام خيـر الأنبيـاء
(صلى الله عليه وسلـم)
الأربعون الطبية
تأليف/ د. وسيم فتح الله
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
الباحث في القرآن والسنة
علي نايف الشحـــــــــود
غفر الله لهما ولوالديهما وللمسلمين
حقوق الطبع لكل مسلم
الطبعة الأولى
1436هـ - 2015م
===============
بسم الله الرحمن الرحيــم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإن الطب كما يقولون: علم يُعرف به أحوال الإِنسان البدنية والنفسية من صحة أو مرض، والوسائل الكفيلة بالمحافظة على صحته وهو ما يسمى بالطب الوقائي.

والوسائل اللازمة لإعادة الصحة إلى الإنسان، وإزالة المرض عنه بإذن الله تعالى، وهو ما يسمى بالطب العلاجي..

وهو نوعان:
طب نفسي، وطب عضوي أو بدني.

فالطب النفسي:
تُعالج به أمراض النفس من حيرة وقلق وهم وغم، وخوف غير عادي، إلى غير ذلك من الأمراض التي لا علاقة لها بأي عضو من أعضاء البدن، ويدخل في ذلك بعض أنواع الصرع التي لا علاقة لها بأي مرض عضوي، والتي لا حيلة للطب البشري في معالجتها كما اعترف بهذا أبقراط.

ويلجأ الطبُّ النفساني في علاج النَّفس إلى طريقتين:
الأولى:
الطريقة العلمية النفسية:
التي تعتمد على التحاليل والجلسات النفسية المعروفة.

والثانية:
الطريقة الروحية الدينية:
وتعتمد على وسيلتين أو علاجين كما في كتاب "الطب النبوي" لابن القيم.

الأولى:
إصلاح القلب عن طريق تقوية الإيمان والعقيدة، وتقوية الصلة بالله في الشدة والرخاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» رواه الترمذيُّ.
 
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ, كَذَا قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: "يَا غُلَامُ, أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِنَّ؟" قُلْتُ: بَلَى, يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ, تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ, قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ, فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا, وَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا, فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا وَالْيَقِينِ فَافْعَلْ, وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا, وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ, وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ, وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا".

فهل تعتقد أن إنساناً تغلب على نفسه كل هذه المعاني عقيدة وشعوراً ووجداناً فتملأها صلابة وقوة يمكن أن تجد الأمراض النفسية إلى نفسه سبيلاً، كلا، وقد اعترف بذلك المنصفون من علماء النفس الحديث.

وممن نادى بذلك (وليم جيمس) العالم الأمريكي فقال:
إن أعظم علاج للقلق ولا شك هو الإيمان، وقال: الرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف.

وقال كارل يونج المحلل النفساني:
"إن المرء المتدين حقاً لا يعاني قط مرضاً نفسياً" وأشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الأزمة التي يعاني منها الأوربيون في العصر الحديث إنما ترجع في أساسها إلى الفقر الروحي ومن هذا يتضح لنا أن من أهم وسائل الطب النفسي وقايةً وعلاجاً هو تقوية الإيمان والعقيدة واليقين.

أما العلاج النفسي الثاني في نظر الإِسلام:
في الأذكار والأدعية المأثورة، والرقى الصحيحة المشروعة بالآيات القرآنية والأذكار والأدعية النبوية، وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا لله رب العرش الكريم، لا إله إلاّ الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم".

فهذا ذكر نبوي مأثور لعلاج الإنسان من أزمته النفسية، وكشف همومه القلبية التي يعانيها، ثم هو بالاضافة إلى ذلك دعاء مستجاب لقضاء الحاجة التي تهم ذلك الإنسان، وتحقيقها له إن كانت خيراً، أو تعويضه بأحسن منها.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ».
 
ولكن هذه الأدعية والأذكار لا تعمل عملها في علاج النفس وشفائها إلاّ إذا اقترنت بالعلم بمعناها، واليقين بجدواها ولا شك أن هناك بعض الأعمال كالميكروبات الضارة وهي المعاصي والذنوب، فمن أراد سلامة نفسه من الأمراض النفسية فليجنبها المعاصي والذنوب.

قال بعض السلف:
مَنْ أراد عافية القلب فليترك الآثام.

أما الطب البشري:
فإن الإِسلام قد أثبته، ودعا إلى هذا الطب الذي يعتمد على علاج الجسم بالعقاقير المستخلصة من الأعشاب والمعادن وغيرها، ويدخل في ذلك الفيتامينات " وأشار النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى بعض الأدوية النافعة التي تعتبر أصولاً أساسية لجميع أنواع الأدوية الأخرى.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ" رَفَعَ الحَدِيثَ.

وإذا تصفحنا كتاب الطب من "صحيح البخاري" أو غيره من الصحاح نجد فيه أنواعاً من الأدوية النبوية المأثورة لعلاج الأبدان.

فمن ذلك:
العسل، والحجامة، والكي، وألبان الإِبل وأبوالها، والحمية، والحبة السوداء، والسعوط، والحجامة على الرأس من الشقيقة والصداع، والكحل بالإِثمد، والكمأة، ودواء ذات الجنب، وتجد فيه من الأدوية الروحية للجسم، رقية الحية والعقرب، والعين.

ومن الأدوية الروحية للجسم والنفس معاً الرقية بالمعوذات، وفاتحة الكتاب، واستخراج السحر إلى غير ذلك.

قال ابن القيم:
وَلَيْسَ طِبُّهُ (صلى الله عليه وسلم) كَطِبِّ الْأَطِبَّاءِ، فَإِنَّ طِبَّ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) مُتَيَقَّنٌ قَطْعِيٌّ إلَهِيٌّ، صَادِرٌ عَنِ الْوَحْيِ وَمِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ.

وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ وَظُنُونٌ وَتَجَارِبُ، وَلَا يُنْكَرُ عَدَمُ انْتِفَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْضَى بِطِبِّ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ إِنِّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَاعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ، وَكَمَالُ التَّلَقِّي لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ، فَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ -إِنْ لَمْ يُتَلَقَّ هَذَا التَّلَقِّيَ- لَمْ يَحْصُلْ بِهِ شِفَاءُ الصُّدُورِ مِنْ أَدْوَائِهَا، بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِمْ، وَأَيْنَ يَقَعُ طِبُّ الْأَبْدَانِ مِنْهُ فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ، كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَرْوَاحَ الطَّيِّبَةَ وَالْقُلُوبَ الْحَيَّةَ، فَإِعْرَاضُ النَّاسِ عَنْ طِبِّ النُّبُوَّةِ كَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الِاسْتِشْفَاءِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ فِي الدَّوَاءِ، وَلَكِنْ لِخُبْثِ الطَّبِيعَةِ، وَفَسَادِ الْمَحَلِّ وَعَدَمِ قَبُولِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ..

وقد عُني أئمة العلم والحديث من قديم الزمن بالطب النبوي، واهتم المحدثون برواية ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من ذلك وجمعه وتدوينه، فهذا مالك في "الموطأ" وأصحاب الكتب الستة قد خصصوا في صحاحهم كتباً وأبواباً خاصة بالطب النبوي ومن علماء الإِسلام من ألف كتباً خاصة بالطب النبوي منهم أبو بكر ابن السني، وابن أبي عاصم الذي سمى كتابه "كتاب الطب والأعراض" وعلاء الدين الكمال المتوفى سنة 720 هـ الذي ألّف "كتاب الأحكام النبوية في الصناعات الطبية".

وممَنْ ألف في الطب النبوي الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748 هـ وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعى المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ حيث ذكر في كتابه (زاد المعاد) بحثاً طويلاً في الطب النبوي، وقد أفرد بالطبع.

ولا شك أن التداوي لا ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، لأن الدواء أيضاً من قدر الله، ويدل على ذلك ما روي عَنْ أَبِي خِزَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ»".
 
وهذه الرسالة القيمة التي نقدم لها هي من أمتع الأربعينات في الطب الإسلامي... للدكتور وسيم فتح الله حفظه الله.

وقد قسمها لعدة أبواب...
وتحت كل باب عدداً من الأحاديث...
ثم ما يرشد إليه الباب..

ومما يؤخذ عليه:
1-    ذكر الآيات بغير تشكيل...
2-    ذكر الأحاديث بغير تشكيل ولا تخريج من المصدر الأساسي...
3-    عدم شرح الغريب للأحاديث...

وأما عملي فهو:
1-    ذكر الآيات من مصدرها الأساسي مُشَكَّلة.
2-    ذكر الأحاديث من مصادرها الأساسية والحكم عليها بما يناسبها.
3-    ذكر غريب الحديث...
4-    ذكر ما يستفاد من الأحاديث...

أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه ومحققه وقارئه وناشره في الدارين.
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحـــــود
شمال حمص المحررة في
20 رجــــــــب 1436هـ
الموافق 5/ 10 /2015م
==============
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أنزل عليه خيرَ كتبه، وأرسله بأكمل شرائعه، أنقذ به البشرية من الشقاء، وأقام الله تعالى به الملة العوجاء، بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفتح الله تعالى بدعوته أعيناً عُمياً وآذاناً صُمّاً وقلوباً غُلفاً، وجعل طاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) من طاعته، وجعل الذل والصَغار على مَنْ خالف أمره، مَنْ أقام سنته أقام الدين، ومَنْ رغب عنها كان من الخاسرين، ومَنْ خالف شرعه فهو الذميم السقيم، ومَنْ اتبعه جاء ربه يوم القيامة بقلب سليم.

فقد جاءت شريعته أكمل الشرائع السماوية، فلم تغادر شيئاً من مصالح العباد في العاجل والآجل إلا اشتملت عليه، ولم تترك شيئاً من مفاسد العباد إلا نهت عنه ونبهت عليه، فمن وافق شرعه فهو المؤمن السعيد، ومن خالف سنته فهو المنافق الطريد، فسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) شقيقة القرآن ومثيلته في الحجية والاعتبار، مَنْ أنكرها أنكر القرآن، ومَنْ عمل بها حقق القرآن، ومَنْ رام الهدى هاجراً لها ضل وغوى، ومَنْ زعم اقتصاره على القرآن دونها كان متبعاً للهوى.

وبعد؛
فلقد عمل جمعٌ من سلف هذه الأمة الصالحين من العلماء الأبرار على جمع أحاديث في أبواب شتى من الدين، تقريباً لسنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من عامة المسلمين، فمنهم من جمع في الجهاد أربعين حديثاً ومنهم من فعل في الزهد والأدب وفي أصول الدين وكلياته كأربعين الإمام النووي وغيره رحمة الله على الجميع.

ولقد رأيت باب الطب اليوم من أبواب العلم المادي التي افتتن بها كثيرٌ من الخلق؛ فبين مفرِطٍ في الروحانيات تاركٍ لما سخره الله تعالى من أسباب علاج البدن ورفع السقم، وبين مفرِّطٍ بما جاء في الهدي النبوي اغتراراً بما يراه من تطورٍ في العلم، ووجدت الدافع في قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
 
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» "ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنُّصْحُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ".

فعزمت على جمع نحواً من أربعين حديثاً من سنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) امتثالاً لأمر الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) في البلاغ، واقتداءً بثلة العلماء الذين سبقونا إلى مثل هذا الجمع في أبواب أخرى من الدين، واخترت هذه الأحاديث مما يتعلق بأصول وكليات الطب وبوبت لها بترجمة تبين مقصود الباب، ثم ذكرت من آيات الكتاب الحكيم ما يناسب موضوعها وموضع الشاهد منها، ثم ذكرت الحديث الشريف المتعلق بالباب، وذيلت كل باب بتلخيص أهم الفوائد المستخلصة منه، ليُعلم بذلك كله تكامل القرآن والسنة من جهة، وكمال الشريعة من جهة أخرى، حيث دلت على أصول كل ما يحتاج العباد في معاشهم وآخرتهم، وفصَّلَت فيما بابه التوقيف، وأجملت فيما بابه التوفيق وأطلقَت العنان للعبد المسلم يبحث فيه لاسيما ما يتعلق بأمور الدنيا الكونية، فتكامل بذلك الأمر الشرعي مع الأمر الكوني، كما قال الله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115].

وليعلم أن الشريعة المحمدية صالحة لكل زمان ومكان، وأن من يعارضون هذا هم من أولياء الشيطان، وأن من ينافحون عن سنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) هم أولياء الرحمن، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، آمين.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، وربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)   03/09/16, 11:58 pm

باب: إنما الأعمال بالنيات:
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163].

1. عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (رواه البخاري ومسلم).

2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:" بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَاكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ "،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».

ويؤخذ من الأحاديث ما يلي:
أ. شرطا قبول الأعمال عند الله تعالى إخلاص النية لله تعالى، وتجريد المتابعة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ب. الإحسان إلى كل حيوان محترم بحفظ حياته والإنسان من باب أولى، ويخرج من هذا العموم الحيوان والإنسان المأمور بقتله كالكلب العقور والكافر الحربي والمرتد.

باب: الصحة نعمةٌ وابتلاء:
وقوله تعالى:" {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، وقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 32].

3. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ" (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. الصحة نعمة متجددة من الله تعالى، والعبد محاسب على هذه النعمة من حيث شكرها واستعمالها في طاعة الله وعدم استعمالها في معصية الله عز وجل.

ب. شكر نعمة الصحة يكون بالقلب واللسان والجوارح؛ فشكر القلب باعتقاد أن الله تعالى هو وحده مانح الصحة، وشكر اللسان يكون بالإقرار بذلك والتلفظ به، وشكر الجوارح يكون بتسخير الصحة في الطاعة وصرفها عن المعصية.

باب: العقوبة بالمرض الذي لم يكن فيمن سلف:
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

4. عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أَوِ السَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدُ بِالْأَرْضِ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَاتِي الْأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخْرِجَنَّهُ الْفِرَارُ مِنْهُ» (صحيح مسلم).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. إن تغير حال الصحة إلى حال المرض قد يجري مجرى العقوبة على الإعلان بالفاحشة.

ب. إن الشريعة جاءت بمصالح العباد الدينية والدنيوية حيث نبهت على الوسائل الشرعية والكونية للوقاية من الأمراض الوبائية؛ فأما الشرعية فبترك المعاصي وأما الكونية فبالحجر الصحي.

فالشريعة الإسلامية هي الكاملة في حين أن الشرائع الوضعية لا تعتني إلا بالأسباب الكونية، ولهذا تبقى الشرائع الوضعية قاصرة عن تلبية حاجات الإنسان كاملة وتعجز عن تحقيق مصالحه الكلية.

ت. لن تتحقق حماية المجتمع من أمراض الرجز بمجرد البحث عن أسباب العلاج المادية كاللقاحات والأدوية، بل لا بد من الإنابة إلى الله عز وجل وإنكار الفواحش الظاهرة التي أورثت هذه الأسقام والوجاع.

ث. من الصور المعاصرة التي تندرج تحت هذا الحديث مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) الذي ظهر بعد استشراء فاحشة اللواط والإعلان بها وسن القوانين لحمايتها، ومن صورها تغير أنماط بعض الجراثيم المعروفة بحيث أصبحت معندةً على الأدوية المتداولة كما هو الحال في جرثومة السل، فعلى المجتمع أن يعتبر وينيب إلى الله تعالى.

ج. التنبيه على أن ما أصاب الأمم السابقة من الأسقام والأوجاع عقوبة على إعلانها بالفاحشة قد يصيبنا مثله إن سرنا على نهجهم في الإعلان بها.

ح. إن إنكار المنكر هو صمام الأمان للمجتمع، فبه ينجو المجتمع وبتركه يهلك المجتمع.

باب: حفظ الروح والبدن:
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78-79].

5. عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" (صحيح البخاري).

6. عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (صحيح البخاري).
 
ويؤخذ من الأحاديث ما يلي:
أ. نبهت الآيات على توحيد الربوبية والألوهية في حال الصحة والمرض؛ فالله تعالى هو وحده الرزاق الذي يطعم ويسقي العبد حفظاً لصحته وعافيته وهذا من آثار الربوبية، والله تعالى هو وحده الذي يشفي المريض فلا يتوجه العبد باعتقاد أو طلب الشفاء من غير الله تعالى وهذا هو مقتضى توحيد الألوهية.

ب. شرع الإسلام حفظ صحة الروح والبدن معاً ولم يغفل أحدهما لحساب الآخر، فدلت الشريعة على أسباب حفظ صحة الروح بالرقى والأذكار الشرعية، وأسباب حفظ البدن بتعاطي الأسباب المادية الكونية.

ت. حديث سعد أصلٌ في جواز التداوي قبل وقوع المرض وهو المعروف بالطب الوقائي في زماننا المعاصر، ويندرج تحت هذا الباب اليوم ما يعرف بالتطعيمات التي تعطى قبل وقوع المرض للوقاية، وكذلك إعطاء المضادات الحيوية وقائياً قبل الإجراءات الجراحية في حالات الخطورة العالية.

باب: الإرشاد إلى التداوي بالمباح:
وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].

7. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» (رواه البخاري).
 
8. عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ، سَأَلَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ -أَوْ كَرِهَ- أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (صحيح مسلم).
 
ويؤخذ من الأحاديث ما يلي:
أ. الشريعة الإسلامية حثت على التداوي حفظاً للأنفس، ونبهت على أن الله تعالى قد خلق لكل داء دواءً، وحثت بذلك على البحث والكشف عن هذه الأسباب الكونية التي سخرها الله تعالى لنا.

ب. التداوي تتناوله الأحكام الشرعية الخمسة الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام؛ وعلى المكلَّف الذي يتعاطى الطب أن يتعلم أحكام التطبيب حتى لا يقع في الحرام ولا يضيق عن المباح، ولا يفوت الواجب والمندوب.

ت. التنزيل المذكور في الآية من التنزيل الشرعي، أما التنزيل المذكور في حديث أبي هريرة هو التنزيل الكوني بمعنى الخلق؛ وهذا إرشاد للعباد كي يسعوا ويبحثوا عن هذه الأسباب استصلاحاً لأبدانهم في دار معاشهم كي يعملوا بذلك في طاعة الله عز وجل.

ث. حديث طارق بن سويد أصلٌ في تحريم التداوي بالمحرم، وهذا خارجٌ عن أحوال الضرورة، إذ الحديث فيمن يصنع الحرام للتداوي به ابتداءً.

ج. إن المصالح المعتبرة شرعاً هي المصالح التي جاء بها الشرع أو أقرها، وما سوى ذلك فليس بمصلحة معتبرة شرعاً ولا يؤخذ به.

باب: كمال التوكل بالصبر وترك أسباب العلاج:
وقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].

9. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (صحيح البخاري).
 
10. عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا". (صحيح البخاري).
 
11. عن عَائِشَةَ قَالَتْ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «أَنْ لاَ تَلُدُّونِي» فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي»، قُلْنَا كَرَاهِيَةَ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «لاَ يَبْقَى أَحَدٌ فِي البَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» (صحيح البخاري).
 
ويؤخذ من أحاديث الباب ما يلي:
أ. الاكتفاء بالله تعالى وطرح الأسباب الكونية المشهودة هو أعلى مراتب التوكل.

ب. إن الله تعالى يكافئ المحسن بجنس إحسانه؛ فمَنْ توكل على الله تاركاً الأسباب أدخله الله تعالى الجنة بغير حساب.

ت. العبد مخيَّر في تعاطي أو ترك العلاج، والتداوي ليس واجباً بل تتناوله الأحكام التكليفية الخمسة كما تقدم.

ث. من واجب الطبيب أن يعرض على المريض كل الخيارات المتعلقة بتعامله مع مرضه، بما في ذلك العلاج المحافظ.

ج. حرص الصحابيات على الستر، وواجب المريض والطبيب في السعي نحو ستر المريض في جميع أحوال مرضه.

ح. الصبر على البلاء بالمرض من أعظم أبواب الأجر.

خ. التمييز بين صرع الأخلاط وصرع الأرواح.

د. جواز الشهادة للمعيَّن بالجنة إذا نص الوحي على ذلك.

ذ. جواز استعمال الشواهد من أحوال المرضى لغرض التعليم.

ر. جواز اللجوء إلى أهل الدين والصلاح الأحياء وطلب الدعاء منهم للمريض.

ز. حق المريض في رفض العلاج.

س. حديث عائشة رضي الله عنها أصلٌ في مسائل الإذن الطبي.

ش. عدم جواز علاج المريض بدون إذن، فإن فعل فعليه الضمان أو التعزير أو كليهما.

باب: حرمة مباشرة قتل النفس
وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وحرمة اليأس من رحمة الله، وقوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

12. عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي هَذَا المَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ" (صحيح مسلم).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. حفظ النفس من المقاصد الشرعية الكلية الخمسة التي قصدت الشريعة المحافظة عليها.

ب. تحريم تعجيل الموت ولو في مرض شديد عضال أشرف به على الموت، ويدخل في هذا تحريم ما يسمى زوراً "بالقتل الرحيم"، وما يسمى "المساعدة على الانتحار" وهو كاسمه، وما يسمى "الموت القلبي المُحَدَّد" حيث تُرفع أجهزة التنفس عن المريض المعتمد –بعد الله تعالى- على جهاز التنفس عمداً بجوار غرفة العمليات الجراحية بحيث يموت نتيجة توقف التنفس ثم توقف القلب، وبمجرد حدوث ذلك يهرع به إلى غرفة العمليات لتقطيع أعضائه بغرض زراعتها عند آخرين.

ت. تحريم مباشرة السبب المفضي إلى الموت، ويتخرج عليه عدم جواز رفع أجهزة التنفس عن المريض المشرف على الموت أو المريض الذي تعتبر حياته غير مستقرة لأن رفعها يؤدي إلى مباشرة الموت وتسريعه، وهذا لا يعارض ما تقدم من جواز ترك التداوي لأن ترك التداوي ليس فيه مباشرة لسبب الموت وهو من تمام التوكل على الله، بخلاف رفع جهاز التنفس أو تعاطي ما يسرع الموت فإن فيه مباشرة القتل وهو من تمام اليأس والقنوط من رحمة الله.

باب: التحذير من الوقوع في الشرك عند التداوي:
وقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

13. عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (صحيح مسلم).
 
ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. الشرك أخطر داء على العقيدة، وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات عليه.

ب. جواز التداوي بالرقية الشرعية، وحرمة التداوي بالرقية الشركية.

ت. الحث على سؤال العلماء في أمور الدين والدنيا.

ث. الإنكار على من يتعاطى الشركيات بحجة العلاج ونحوه، وكذلك كل من يتعاطى المحرمات بحجة العلاج.

باب: إرشاد الوحي إلى أنواع التداوي:
وقوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69].

وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82].

14. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ" رَفَعَ الحَدِيثَ (رواه البخاري).
 
15. عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)» (رواه مسلم)، وأبي هو أبي بن كعب رضي الله عنه.

16. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً» (صحيح البخاري).
 
17. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى الطَّائِفِ جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: «ابْنُ أَبِي الْعَاصِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي قَالَ: «ذَاكَ الشَّيْطَانُ ادْنُهْ» فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي وَقَالَ: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ» فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «الْحَقْ بِعَمَلِكَ» قَالَ: فَقَالَ عُثْمَانُ: «فَلَعَمْرِي مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ» (سنن ابن ماجة).
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)   04/09/16, 12:24 am

18. عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا بِهِ لَمَمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): "اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا رَسُولُ اللهِ" قَالَ: فَبَرَأَ. فَأَهْدَتْ إِلَيْهِ كَبْشَيْنِ، وَشَيْئًا مِنْ أَقِطٍ، وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): "خُذِ الْأَقِطَ وَالسَّمْنَ وَأَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهَا الْآخَرَ" (أخرجه أحمد في مسنده).
 
وفي رواية عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) فِي سَفَرٍ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ ثَلاثًا عَجَبًا: نَزَلْنَا بِأَرْضٍ كَثِيرَةِ الشَّجَرِ يُقَالُ لَهُ: الأَشَّاءُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكِ الأَشَاتَيْنِ، فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِمَا، فَقُلْتُ لَهُمَا فَاجْتَمَعَتَا، فَقَامَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: مُرْهُمَا أَنْ تَفْتَرِقَا، فَأَمَرْتُهُمَا فَافْتَرَقَتَا، ثُمَّ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ هَذَا يُصْرَعُ فِي الشَّهْرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: أَدْنِيهِ، فَأَدْنَيْتُهُ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَقَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إِذَا رَجَعْتِ فَأَعْلِمِينِي مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) اسْتَقْبَلَتْهُ بِكَبْشَيْنِ، وَسَمْنٍ، وَأَقِطٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): خُذْ مِنْهَا أَحَدَ الْكَبْشَيْنِ قَالَ: فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأَيْنَا مِنْهُ ذَاكَ؟ قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ بَعِيرٌ فَرَأَى عَيْنَيْهِ تَسِيلانِ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْبَعِيرُ؟ قَالُوا: لآلِ فُلانٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَأَتَوْهُ، فَقَالَ: مَا لِهَذَا الْبَعِيرِ يَشْكُوكُمْ؟ قَالُوا: كَانَ نَاضِحًا لَنَا فَكَبِرَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْحَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): ذَرُوهُ فِي الإِبِلِ، فَتَرَكُوهُ".

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. حديث ابن عباس فيه دلالة على أقسام التداوي حيث نبه بشرطة المحجم على استفراغ الأذى، وبشربة العسل على تعديل الأخلاط الضارة، وبالنهي عن الكي على اجتناب الضرر، وبكية النار على حسم الجراحات، وهذه الأقسام لا تزال هي الممارسة في الطب اليوم؛ فاستفراغ الأذى بالفصد وغسل الكلى وتفجير القيح ونحوه كثير، ومعادلة الأخلاط الضارة بإعطاء مضادات الالتهاب والمضادات الحيوية والترياقات ونحوها، وأما النهي عن الكي فحيث لا يفيد لأن فيه أذى وضرراً، أما إذا احتيج إليه لغلبة نفعه على ضرره فمأذون به، وأنواع الكي الجراحي اليوم لا تخلو منه غرفة جراحية حيث يستعمل في كل الجراحات ونحوها، فكان هذا الحديث من جوامع كلم النبي (صلى الله عليه وسلم).

ب. النهي عن الكي في حديث ابن عباس ليس نهي تحريم بل نهي كراهة سواء أكان كراهة شرعية أم كراهة جِبلِّية، والدليل حديث جابر وفيه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كوى غيره، وفي رواية أنه أرسل أُبي إلى من يكويه، ولعل هذا تنبيه على أن لا يلجأ للكي إلا عند الحاجة والضرورة وأنه ليس لكل داء، والله أعلم.

ت. النهي والإذن بالكي يشير إلى أصل علاجي مهم وهو الموازنة بين المفاسد والفوائد المرجوة من أي علاج؛ فمتى غلب الضرر لم يجز تعاطي العلاج ومتى غلبت الفائدة جازت، والله أعلم.

ث. حديث أبي هريرة من معجزات النبوة، وفيه من الطب أصلٌ في العلاج بالترياق.

ج. تكلم بعض مَنْ لا خلاق له من المستشرقين وأذنابهم من بني جلدتنا على حديث الذباب، ولكن الله تعالى كشف من العلوم الكونية ما يؤيد به المعجزة النبوية والحجة الشرعية؛ حيث تبين في علم الأحياء الدقيقة أن بعض الأبواغ الفطرية الملتصقة ببطن الذباب تحتوي على مضادات حيوية قاتلة للجراثيم العالقة بالذباب، ولكن هذه المضادات لا تخرج إلا بانفجار هذه الأبواغ، وهذه الأبواغ لا تنفجر حتى تنغمس في وسط سائل يؤدي إلى تشربها بالماء وانتفاخها وانفجارها فإذا انفجرت تحرر المضاد الحيوي وقتل الجراثيم، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً والحمد لله رب العالمين.

ح. تعدد أقسام العلاج الواردة في الحديث ينبه على أن ما يرد في السنة من أسباب علاجية ليست عامة في كل الأمراض، بل كل علاج بحسب فائدته في دفع مرض ما، وما يرد في السنة من ذكر أنواع معينة من العلاج هو في الغالب من باب الدلالة والإرشاد إلى ما سخر الله تعالى لنا في هذا الكون، ومنه ما يرد بصيغة العموم ولكنه مخصص بالحس والتجرية والبيئة، فعلى المكلفين البحث والنظر في كيفية تطبيق هذه العلاجات في الأمراض الموافقة لها ليجمع بذلك بين الأسباب الشرعية والكونية، والله تعالى أعلم.

خ. يشير الحديثان الأخيران إلى أن الأمراض الجسدية قد تسببها عوارض روحانية بسبب تسلط الجن والشياطين على الإنسان، ومن الأعراض الجسدية الناجمة عن ذلك حالات الصرع والمس والتخييل الكاذب والضعف والحبس عن الشيء، وهذا كله من أنواع اعتداء الجن على الإنس وهو عدوان محرم.

د. يستفاد من حديث يعلى وحديث ابن عباس أن الصرع نوعان اصطلح عليهما أهل العلم باسم صرع الأخلاط وصرع الأرواح؛ ويراد بالأول ما نجم عن اضطراب في أخلاط الجسد ويمكن أن نسميه اليوم بالصرع عضوي المنشأ، وويراد بالثاني ما كان بتسلط الجن على الإنس ودخوله فيه كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، ويمكن أن نسميه اليوم بالصرع النفساني.

ذ. علاج أعراض تسلط الجن على الإنس بالرقية الشرعية وقد يحتاج إلى شيء من تعنيف الجسد يُقصد منه التضييق على الجني، وينبغي عدم المبالغة في هذا التعنيف.

ر. إن علاج مس الجن يجتمع فيه معنيان هما العلاج والحسبة؛ فالعلاج متوجه للمريض والحسبة متوجهة للجني الفاسق أو الكافر ويدل على هذا قوله (صلى الله عليه وسلم): "اخرج عدو الله إني رسول الله"، ويتجه على هذا المعنى أن يُفعل خالصاً لوجه الله ولا يمنع من قبول الهدية ولا يشترطها.

ز. جواز الطلب من الصالحين والعلماء الأحياء الرقية الشرعية لدفع عوارض المرض وتسلط الجن بالمس وأثر العين ونحو ذلك، وهذا يُقصد منه أمران أولهما التحقق من التزام الرقية الشرعية والبعد عن الرقية البدعية والشركية، وثانيهما التوسل بدعاء الصالحين الأحياء.

س. على المسلم ألا يبالغ في نسبة كل مرض وعارض إلى الشياطين والجن ولا يبالغ في نفي ذلك فينكره فيقع في تكذيب نصوص الشرع، ومما يعين المسلم على عدم الوقوع فريسة الوهم الشيطاني أن يلتزم بالأوراد والأذكار الشرعية التي تحميه من الجن وأذاهم. 

ش. على المسلم أن يحرص على تعاطي أسباب الخشوع في صلاته والعمل على طرد ما يصرفه عن ذلك.

باب: تقدير الله للأسباب:
وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

19. عن جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (رواه مسلم).
 
20. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ؟ فَقَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا» فَسَقَاهُ فَبَرَأَ" (البخاري ومسلم).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. القدر قدرة الله تعالى، ويشمل الإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء وكتابة ذلك في اللوح المحفوظ، وأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه لا يقع شيء في ملك الله إلا بعلمه وإذنه، وأن كل ما يقع فيه يقع موافقاً لعلم الله تعالى السابق.

ب. إن الله تعالى خلق الأسباب والمسببات وفق مقادير ونواميس كونية، فإذا حصل السبب الكوني حصل مسبَّبُه بإذن الله.

ت. حديث أبي سعيد فيه تنبيه على ضرورة مراعاة مقادير الأدوية والعلاج من حيث الجرعات والتكرار والمواظبة وإكمال الشوط العلاجي كله.

ث. يستفاد من حديث أبي سعيد أهمية العامل النفسي في تقبل المريض للعلاج وحصول أثره، وهذا مستفيض في عالم الطب.

ج. أهمية معرفة الطبيب بما يصفه من علاج كي يتمكن من تثبيت المريض على العلاج.

ح. يقين المؤمن بعلم الله تعالى وعدم تردده في ذلك ولو تأخرت النتائج.

باب: الإيمان بالقدَر لا ينافي الأخذ بالأسباب:
وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89].

21. عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ إِبِلِي، تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَاتِي البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟» (صحيح البخاري).

22. عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: «لاَ عَدْوَى».

قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ»
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «لاَ عَدْوَى» فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الإِبِلَ، تَكُونُ فِي الرِّمَالِ أَمْثَالَ الظِّبَاءِ، فَيَأْتِيهَا البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَتَجْرَبُ؟ قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ» (صحيح البخاري).
 
23. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ ". (أحمد).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. إثبات العدوى من وجه ونفيها من وجه؛ فالعدوى بمعنى إمكان انتقال السبب الممرض من مخلوق إلى آخر أمرٌ ثابت بالشرع والحس، وأما العدوى بمعنى أن يملك مخلوقٌ لمخلوقٍ ضراً بذاته فهذا ما نفاه الشرع وهو الذي كان يعتقده أهل الجاهلية أن أحداً من المخلوقين يملك الضرر للغير فنفاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تجريداً لعقيدة التوحيد.

ب. إثبات الأسباب ونفي استقلالها بالتأثير، فسبب الصَفَر –على قول– نوع من الحيات أو الديدان، وسبب التسمم ذيفانات الهوام، ولكن حقيقة التأثير لا يستقل به السبب وإنما يقع بإذن الله، فالله تعالى خالق السبب والمسبَّب، وإن شاء الله لم يقع المسبَّب مع وجود السبب كما في تعطيل إحراق النار إبراهيم عليه السلام.

ت. بطلان التسلسل أي امتداد حوادث لا أول لها، وهذا صريح بقوله (صلى الله عليه وسلم) (فمَنْ أعدى الأول)، وفيه الرد على الملاحدة القائلين بِقِدَم العالم.

ث. حثُّ الشريعة على اجتناب مخالطة المرضى أخذاً بأسباب الوقاية من سراية المرض دون أن يقدح ذلك في أصل التوكل، وأما ما تقدم من ترك أسباب العلاج بالكلية فذلك من تمام التوكل، والمكلف مخيَّرٌ ما بين هاتين الدرجتين ما لم يؤد إلى ضررٍ عام.

باب: الأخذ بالأسباب لا يغيِّر القدر بل هي من القدر:
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } [البقرة: 243].

وقوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].

24. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) المَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَبِلاَلٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ،
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ،

قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ»، قَالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا تَعْنِي مَاءً آجِنًا" (البخاري).

25. عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ دَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا، وَأَشْيَاءَ نَفْعَلُهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَا كَعْبُ، بَلْ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ" (صحيح ابن حبان).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُوعُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)، وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُوعُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ". (صحيح البخاري).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. إثبات الشريعة للأسباب الكونية ومنها ما يعرف بالأمراض المستوطنة.

ب. جواز العمل على استئصال الأمراض المستوطنة، وأن ذلك يكون بالأسباب الكونية والشرعية.

ت. إن ما سخره الله تعالى لنا من أسباب نتقي بها المرض والأذى هي من قدر الله تعالى، وليس في تعاطيها مراغمة لقدر الله تعالى.

ث. إن ما نأخذ به من أسباب لا يغير من الغيب المطلق والقدر السابق في علم الله تعالى

ج. نصوص الشريعة وسط بين نفاة القدر ونفاة الأسباب، فعقيدة الإسلام على إثبات القدر لله تعالى وعلى إثبات الأسباب الكونية التي خلقها تعالى لتحصيل مسبباتها، فمن أنكر القدر فما قدر الله حق قدره، ومن أنكر الأسباب أنكر خلق الله تعالى وحكمته فيما خلق.

باب: ضمان المتطبب الجاهل:
وقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

26. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ» (سنن أبي داود).
 
ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. حرمة ممارسة الطب للجاهل؛ وهذا يشمل الجاهل بالطب عموماً والجاهل بفروع الاختصاص الذي يتقحم ما لا علم له ولا خبرة له به.

ب. الإسلام قرر الضمان الطبي وهو تعويض المريض المتضرر نتيجة سوء الممارسة الطبية سواء أكان عن جهل أو خطأ.

ت. قوله (صلى الله عليه وسلم): "ولم يُعلم منه طب" فيه دلالة إلى اعتبار قول أهل الخبرة والفن في تحديد كفاءة الطبيب، وهذا من كمال الشريعة وعدلها، ويندرج تحت القاعدة الفقهية الكلية: العادة محكَّمة.

باب: جواز الإجارة والجعالة في الطب:
وقوله تعالى: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

27. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم)، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (صحيح البخاري).
 
ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. جواز الرقية بالقرآن الكريم.

ب. عرض النوازل على العالم للتثبت من الحكم الشرعي فيها.

ت. جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن الكريم.

ث. الظاهر من الحديث أن العلاج بالرقية يكون على سبيل الجعل فلا يستحق المعالج العوض إلا إذا تحقق الشفاء بإذن الله.

باب: حرمة المسلم حياً وميتاً:
وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

28. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) بِمِنًى: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" (صحيح البخاري).

29. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فِيهَا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» (صحيح البخاري).

وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلاَصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: «قَضَى النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) بِالْغُرَّةِ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) قَضَى بِهِ". (صحيح البخاري).

30. عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (أخرجه ابن حبان في صحيحه)، وفي لفظ حديث ابن ماجة وعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ فِي الْإِثْمِ».

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. حرمة انتهاك دم المسلم وبدنه وماله إلا بحق الإسلام.

ب. حياة الجنين حياة محترمة في كل مراحلها بلا قيد.

ت. الجراحة الطبية فيها هتك لحرمة دم المسلم فلا تجوز إلا في حال غلبة الظن بتحصيل مصلحة أكبر من الضرر الحاصل بالجراحة.

ث. حرمة إسقاط الجنين لأنه عدوان على حياةٍ محترمة، إلا إذا أُجري لاتقاء ضرر أكبر على الأم، لأن الجنين تابع للأم فلا يعود عليها بالضرر.

ج. ظاهر النصوص لا يفرق بين عمر الجنين وكون حرمته متعلقة بنفخ الروح، والأصل إبقاء العام على عمومه.

ح. حرمة المسلم وهو ميت كحرمته وهو حي، وهذا يشمل حرمة جسده كله وبعضه كأعضائه.

خ. يتخرج على أحاديث الباب حرمة اقتطاع عضو من المسلم سواء أكان حياً أم ميتاً، ولو لغرض نفع الغير لأن القاعدة أن الاضطرار لا يبطل حق الغير، أما إن كان اقتطاع العضو لضرورة متعلقة بنفس المريض كأن يكون عضواً منتناً يضر بقاؤه بباقي الجسد ويهدد حياته أو أن يقتطع العضو أو النسيج من مكان في الجسم ليزرع في مكان آخر في نفس المريض فهنا يجوز اقتطاع العضو إذا غلب الظن بتفويت الضرر الأكبر أو تحقيق المصلحة الأكبر لنفس المريض.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)   04/09/16, 09:31 pm

باب: وجوب حفظ العورات:
وقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} [النور: 30، 31]).

31. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» (صحيح مسلم).

32. عَنْ رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) نَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ القَتْلَى وَالجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ" (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الأحاديث ما يلي:
أ. حرمة النظر إلى عورة الأجنبي (أي غير المحرم) سواء أكان ذكراً أم أنثى.

ب. حرص الشريعة على سد ذرائع الفتنة والفاحشة.

ت. الشريعة تبنه بالأدنى على الأعلى فنبهت بحرمة إطلاع أفراد الجنس الواحد على عوراتهما فمن باب أولى إذا اختلف الجنس.

ث. التدرج في الكشف عن العورات عند الضرورة فيراعى في كشف عورة المرأة للعلاج الطبيبة المسلمة فإن عدمت فالطبيبة غير المسلمة فإن عدمت فالطبيب المسلم فإن عدم فالطبيب غير المسلم، والعكس بالنسبة للرجل المريض، ويراعى ألا يفضي ذلك إلى تفويت مصلحة المريض بتفويت الكفاءة المعتبرة.

ج. يمكن أن يؤخذ من الحديث جواز تمريض النساء للرجال عند أمن الفتنة ووجود الحاجة وسد ذرائع الفتنة.

ح. جواز كشف العورة للتطبيب المباح، وما أبيح لضرورة أو حاجة يقدر بقدرها.

باب: احتمال المفسدة الأقل درءاً للمفسدة الأكبر:
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173].

33. عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ، قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ ?،وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟»،قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) مِنْهُ فَأَكَلَهُ" (صحيح مسلم).

34. عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، يُحَدِّثُ سَعْدًا، عَنِ النبي (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا» (البخاري).

35. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الأحاديث ما يلي:
أ. الشريعة مبنية على مراعاة المصالح والمفاسد في العاجل والآجل.

ب. إذا اجتمعت مفسدتان احتمل أقلهما درءاً لأكبرهما.

ت. آيات الباب أصلٌ في تحريم الاعتداء على حرمات الله عز وجل وفي جواز تعاطي بعض المحرمات في حال الاضطرار في غير معصية.

ث. يمكن تخريج مسائل نقل الدم على مسألة إباحة الاغتذاء بالمحرم النجس كالميتة والدم بضوابطه.

ج. سفر المعصية لا يبيح المحرمات والرخص للمضطر، وعليه فإن إباحة المحرمات كالمخدرات من أجل العلاج أو التدخل الجراحي يستلزم مشروعية التدخل الجراحي  فلا تباح هذه المحرمات لأجل جراحةٍ محرَّمة كتغيير خَلق الله عز وجل.

ح. رحمة الشريعة بالعباد بتشريع مبدأ الحجر الصحي تغليباً لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

خ. الإيمان بأن الأخذ بالأسباب لا يغير من القدر، بل هو من القدر.

د. الإسلام أقر احتمال الضرر الخاص اتقاءً للضرر العام، وعوض الأفراد عما يصيبهم من ضرر خاص لمصلحة الجماعة، وهو النظام الوحيد الذي عوَّض المسلمين المتضررين بالموت نتيجة هذا الحجر وذلك بدرجة الشهادة.

باب: حفظ السر:
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لَأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8].

36. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ» (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. السر أمانة، والمسلم محاسب على تضييعها.

ب. يتأكد وجوب حفظ السر عندما يكون اطلاع المسلم عليه من قبل مهنته وعمله الذي يُطلعه على ما لا يطلع عليه عادةً.

ت. الحديث أصل في مسائل السر المهني الطبي.

باب: النصيحة للمريض:
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106].

37. عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا، فَأَتَانِي النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) يَعُودُنِي، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ، «فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ» فَإِذَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ " (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. على المسلم أن يستعد للموت ومن ذلك إعداد الوصية بما فيه صلاح دينه وصلاح أمور ورثته.

ب. واجب الطبيب في النصح للمريض والإخلاص له وذلك بإطلاعه على حقيقة مرضه وما يتوقع له حتى يتمكن من إصلاح أمور دينه ودنياه.

ت. مشروعية عيادة المغمى عليه.

ث. يستفاد من الحديث أن ما يسمى بموت الدماغ لا يعتبر موتاً شرعاً ووجه ذلك أن ميت الدماغ يدخل تحت عموم وصف المغمى عليه، وقد دل الحديث على مشروعية عيادة المغمى عليه بلا استثناء، والميت ليست له عيادة، فدل على أن ميت الدماغ لا تسري عليه أحكام الموت شرعاً حتى يتحقق موته قطعاً.

ج. مشروعية صب ماء الوضوء على المغمى عليه، ونفعه يكون بإذن الله تعالى، وويدخل في هذا قراءة القرآن على الماء وصبه أو سقيه للمريض والله أعلم.

ح. التوقف عن الفتيا بدون علم.

خ. استحباب سؤال العلماء والصالحين عن أحكام الشريعة في أحوال المكلف لاسيما مع دنو الأجل.

د. مشروعية الوصية في مرض الموت، ولا يُتجاوز فيها الثلث إلا أن يأذن الورثة.

باب: طهارة أهل الأعذار
وقوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 12].

38. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (صحيح البخاري).

39. عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ. فَقَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ». قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَاتَّخِذِي ثَوْبًا». فَقَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ». قَالَ لَهَا: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ، وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): «وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ».

40. عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ" (صحيح البخاري).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. وجوب تفقه المسلم في شؤون دينه لاسيما فيما يطرأ عليه من أحوال خاصة.

ب. الحياء المحمود لا يمنع من طلب العلم اللازم، والحياء المذموم ما منع من ذلك أو من قول الحق.

ت. على العالم الذي يفتي الناس أن يكون ملماً بأحوالهم مطلعاً على ما يتعلق بالفتيا من أمور الدنيا كالطب والتجارة والزراعة وإن احتاج سؤال أهل الخبرة وجب ذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ث. دأب إبليس التلبيس على عبادة المسلم بالوسواس تارة وبالشك تارة وبالأذى البدني تارة، فوجب الاحتراز من هذه العدو.

ج. دل الشرع على مراغمة إبليس بعكس مقصوده من صرف المسلم عن العبادة فالمستحاضة تصلي رغم جريان الدم، والمصلي لا ينصرف بالشك في طهارته وهكذا.

ح. نجاسة الدم، وأن الصلاة مع جريان الدم من جرح ونحوه هو من جنس صلاة أهل الأعذار.

خ. جواز تعاطي أسباب منع دم الاستحاضة ويدخل في هذا علاج الاضطرابات النزفية ونحوها.

د. جواز الجمع الصوري بين الصلوات في حالات المشقة والمرض.

ذ. صفة طهارة المستحاضة.

ر. يتخرج على حكم المستحاضة أحكام طهارة أهل الأعذار كمن به سلس بول أو غائط ومنه ما يوضع للمريض اليوم من قثاطر بولية أو فتحات صناعية في الأمعاء بحيث يوجد سلس الخارج النجس ونحوه وكذلك من به جرح نازف.

ز. يسر الشريعة وقاعدة المشقة تجلب التيسير.

س. أهمية الصلاة وعدم سقوطها بتعذر الطهارة على الوجه الكامل.

ش. التنبيه على أن ما يدخل اللبس والتشويش على المرأة في حيضها وعادتها هو من جنس عمل الشيطان وهذا مثل ما يوضع في الرحم لمنع الحمل كاللولب ونحوه وكذلك ما يسمى حبوب منع الحمل فهذه كلها تحدث اضطراباً في العادة تنقلب معه المميزة والمعتادة محيَّرةً محيِّرةً، والله المستعان.

ص. جواز الصلاة في المسجد إذا كان يحمل النجاسة بصورة يأمن معها تلويث المسجد وهذا كمن يحمل كيس البول أو الفضلات المتصل بالقثاطر أو الفتحات الصناعية، ويستفاد هذا من وضع الطست لجمع الدم وهي معتكفة في المسجد.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)   04/09/16, 09:36 pm

باب: عبادات أهل الرخص:
وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، وقوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

41. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ? عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (صحيح البخاري).

ويؤخذ من الحديث ما يلي:
أ. عدم سقوط الصلاة بالمرض طالما بقي مناط التكليف بها وهو العقل.

ب. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فما جاز تأخيره من العبادات كالصوم أفطر وقضاه، وما لم يجز تأخيره كالصلاة أداه على حاله على أفضل ما يطيق.

ت. حرمة تأخير الصلاة عن وقتها ووجهه أنه لو كان جائزاً لأمر الشرع بالانتظار حتى البرء من المرض ثم يؤدي الصلوات كاملة.

ث. المريض يصلي على أفضل حال يطيقها ويتدرج حتى في أثناء الصلاة فإن ضعف راعى ذلك وإن قوي راعى ذلك.

ج. وجوب سؤال المكلف عما يحتاجه في أمور دينه.

باب: في مرض الموت:
وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49].

42. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَبُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" (صحيح البخاري).

43. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (صحيح مسلم).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. تسليم المسلم لقضاء الله تعالى وعدم التقدم بين يدي الله تعالى باعتراض أو تسخط.

ب. عدم تمني الموت بل الدعاء إلى الله تعالى بتيسير ما هو أصلح للعبد.

ت. حرمة اليأس من رحمة الله لاسيما في الأمراض المزمنة المعضلة التي لا تبرأ .

ث. الموت مخلوق من مخلوقات الله وهو خاضع لقضاء الله تعالى وعلمه السابق ولا يقع إلا موافقاً لقدر الله تعالى.

ج. حقيقة الموت مفارقة الروح البدن، وعلامته تعطل الوظائف الحيوية في الجسد تعطلاً دائماً.

ح. يستفاد من حديث أم سلمة بطلان القول بأن من مات دماغه فقد مات شرعاً وحقيقةً بل لا يحكم بالموت إلا بتعطل كافة الوظائف الحيوية تعطلاً دائماً لأن هذه هي علامة قبض الروح.

خ. إغماض عيني الميت وإكرامه، وعلى العاملين في المشافي مراعاة حقوق الميت من التقبيل   والتلقين وإغماض العينين والإسراع في تدبير غسله وتكفينه ودفنه، ويجوز تأخير ذلك أو بعضه أو تركه لضرورة كما في الأمراض السارية التي تستلزم العزل الطبي ونحوه.

باب: الاسترجاع والصبر والاحتساب عند مصيبة الموت:
وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 - 157].

44. عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَاتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَاتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (صحيح مسلم).

45. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» وزاد مسلم، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ»، أَوْ قَالَ: «عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ» (صحيح البخاري).

46. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم): غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ» (صحيح البخاري).

ويؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي:
أ. مشروعية طلب وحضور الصالحين عند الميت.

ب. هذه الأحاديث أصل في العناية الروحية للميت وأهله وهذا جزء مهم مما يسمى اليوم بالعناية التلطيفية في الأمراض المعضلة المفضية للموت.

ت. جواز إظهار الحزن والدمع ضمن الضوابط الشرعية مع مراعاة تحريم التسخط والنوح واللطم ونحوه من أعمال الجاهلية.

ث. التلطف في إنكار المنكر، وتركه خشية وقوع المخالف في منكر أكبر.

ج. توقع وذكر الموت يعين على الصبر وعدم الوقوع في المحظور عند وقوعه، وعلى هذا قد يشرع تنبيه المريض أو أهله إلى قوة احتمال موته من مرضه الذي هو فيه مع التلطف في ذلك.

ح. يمكن إلحاق حالات موت الأطفال المتكرر بسبب بعض الأمراض الوراثية بحديث أبي سعيد وذلك من قبيل المشورة الوراثية حيث يُعلم الأبوين بعظم أجر مَنْ تحتسبت موت أطفالها وهذا مما يعين على طلب الولد ولو مع احتمال تكرار الأمراض الوراثية، والله أعلم.

هذا بفضل الله تعالى تمام ما قصدنا جمعه من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) في أصول الطب، وهي شافية كافية بفضل الله تعالى، لا تكاد تجد أمراً من أمور الطب إلا ويندرج تحتها إما على الإجمال أو على التفصيل، واعلم أيها المسلم المتابع للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن ما تركناه من الأحاديث أكثر بكثير مما ذكرناه، وإنما اقتصرنا على الأحاديث والسنن التي تؤصل للمبادئ العامة للطب، واقتصرنا على هذه الأحاديث ليسهل ضبطها وفهمها والعمل بها.

وأما تفاصيل الهدي النبوي في الطب فمبسوطة في مظانها من كتب الصحيح والسنن وأمثال مؤلفات ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، ونسأله سبحانه وتعالى كما وفقنا للعلم أن يوفقنا للعمل، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
----------------------------------
وكتب أفقر خلق الله وسيم فتح الله
3 من ذي الحجة 1427 للهجـــرة
الموافق 23 كانون الأول 2006م

وانتهت مراجعته في:
25 صفر 1428 للهجــرة
الموافق 14 آذار 2007م
===============
الفهــــــــــــرس العــــــــــام
باب: إنما الأعمال بالنيات:    7

باب: الصحة نعمةٌ وابتلاء:    8
باب: العقوبة بالمرض الذي لم يكن فيمن سلف: 9
باب: حفظ الروح والبدن:    10
باب: الإرشاد إلى التداوي بالمباح: 11
باب: كمال التوكل بالصبر وترك أسباب العلاج: 13
باب: حرمة مباشرة قتل النفس 16
باب: التحذير من الوقوع في الشرك عند التداوي: 17
باب: إرشاد الوحي إلى أنواع التداوي:    18
باب: تقدير الله للأسباب:    25
باب: الإيمان بالقدَر لا ينافي الأخذ بالأسباب: 27
باب: الأخذ بالأسباب لا يغيِّر القدر بل هي من القدر: 30
باب: ضمان المتطبب الجاهل:    34
باب: جواز الإجارة والجعالة في الطب:    35
باب: حرمة المسلم حياً وميتاً:    36
باب: وجوب حفظ العورات:    38
باب: احتمال المفسدة الأقل درءاً للمفسدة الأكبر: 39
باب: حفظ السر:    42
باب: النصيحة للمريض:    42
باب: طهارة أهل الأعذار:    43
باب: عبادات أهل الرخص: 48
باب: في مرض الموت:    49
باب: الاسترجاع والصبر والاحتساب عند مصيبة الموت: 51.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
تحفة الأطباء من كلام خير الأنبياء (صلى الله عليه وسلم)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: الأربعينيـات الحديثيـة-
انتقل الى: