منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم (10حلقات TV مفرغة)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم (10حلقات TV مفرغة)   22/08/16, 05:06 am

سلسلة آيات الـحــــج في القرآن الكريم
للشيخ/ صالح بن عـــــــــواد المغامسي
إمام وخطيب مسجد قباء بالمدينة النبوية
غـفــــــر الله له ولوالديــه وللمسلميـــن
======================
سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [1]
في القرآن الكريم آيات كثيرة تتكلم عن الحج وفضله وأشهره، ومن المناسب أن تشرح هذه الآيات حتى يعرف الناس ما هي أشهر الحج وما فضل العشر الأول من ذي الحجة.

ما هي أشهر الحج؟
الملقي: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى أولى حلقات برنامجكم هذا (آيات الحج في القرآن) والذي نسعد وإياكم فيه باستضافة الشيخ صالح بن عواد المغامسي الإمام والخطيب بمسجد قباء بالمدينة النبوية المطهرة، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ.

الموضوع الذي تم اختياره في هذا البرنامج هو آيات الحج في القرآن، وسيكون مسيرنا بإذن الله تعالى في هذا البرنامج وفقاً للأوقات التي نتحدث فيها حسب الاستطاعة، بحيث نختار الآيات المناسبة لليوم الذي نتحدث فيه.

أرى أن يكون الحديث في هذه الحلقة عن بداية هذا الموسم، خصوصاً أننا في أول أيام هذه العشر المباركة، نبدأ بقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.." [البقرة: 197] الآية.

الملاحظ فضيلة الشيخ في هذه الآية أن الله تعالى لم يحدد ما هي هذه الأشهر، بينما حدد في مواضع أخرى المواسم التي تحدث عنها كما في شهر رمضان: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" [البقرة: 185]، لماذا هنا اكتفى بقوله سبحانه وتعالى: (مَعْلُومَاتٌ) ولم يحدد هذه الأشهر؟

الشيخ:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد: ثم يقول الله وقوله الحق: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" [البقرة: 197]، والمعنى: وقت الحج أشهر معلومات، والسؤال عن عدم التحديد سؤال في محله؛ لأن الله جل وعلا ما عين هذه الأشهر وقوله تعالى في سورة البقرة أيضاً: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" [البقرة: 185] فعينه.

والفرق بين الأمرين أن العرب في جاهليتها لم تكن تعرف الصيام في شهر رمضان، فكان لزاماً أن يحدد ويبين ويفصل، أما الحج فإن العرب كانوا يعرفونه وإن كانوا يخلطون بالحج ما ليس منه، ويقولون: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، أي: أذنت بأن يكون معك، المهم أنه كانت لهم أخطاء وأغلاط شركية وغيرها في هذا الشأن؛ لهذا قال الله جل وعلا: (الحج أشهر معلومات) ولم يحددها، فهي معلومات أي مشهورات معروفات بين الناس، لا يكاد يجهلهن أحد، خاصة أولئك المخاطبين الأولين بالقرآن.

كلمة (أشهر) هنا جمع قلة، والقرآن إذا أتى بالأعداد من ثلاثة إلى ستة يأتي بجمع القلة كما في الآية هنا؛ لأن أشهر الحج ثلاثة، لكن عندما يأتي بأكثر يأتي بلفظ الشهور، قال الله جل وعلا: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا [التوبة: 36]، فلما كانت أكثر من تسعة قال (شهور).

وهنا قال جل وعلا:
((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) [البقرة: 197]، أي: معلومات عند الناس، ومع ذلك وقع الخلاف عند العلماء في تحديد هذه الأشهر، فذهب بعضهم وهو الإمام الكبير الشافعي رحمة الله عليه إلى أن أشهر الحج هي: شوال وذو القعدة، وهذا متفق عليه.

لكن الخلاف في ذي الحجة، هل هو شهر الحج بكامله، أو شهر الحج إلى يوم عشر، أو شهر الحج إلى يوم 9، فذهب الشافعي رحمه الله وبعض أهل العلم إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، أي: إلى تسع من ذي الحجة، والملحظ هنا ظاهر؛ لأنهم اعتبروا أن الحج يفوت بفوات عرفة، فلا يمكن أن يطلق على اليوم العاشر وما بعده أنه من أشهر الحج.

والذين قالوا إنه إلى عشر ذي الحجة قالوا:
إن الله جل وعلا سمى يوم العاشر من ذي الحجة، أسماه بالقرآن يوم الحج الأكبر؛ لأن أكثر أعمال الحج تقع فيه، فعلى هذا جعلوا اليوم العاشر منه، وهذا يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

وآخرون قالوا:
إن أشهر الحج ثلاثة، فعلى هذا يكون شهر ذي الحجة بكامله داخل في قول الله تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ"، قال الله جل وعلا في صدر هذه الآيات: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" [البقرة: 189]، فهذا يشعر أن جميع العام وقت للحج، فلما جاء قول الله جل وعلا: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" [البقرة: 197]، فمن العلماء من جعله تخصيصاً.

وظاهر الأمر عندي والله أعلم أنه ليس بتخصيص؛ لأن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ليس فيها نص، إنما هي إشعار، وهذه هي العلاقة بين الآيتين، فليس هناك تخصيص، لكن هناك توضيح لمعنى قول الله جل وعلا: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ).

الشيخ:
وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة متشابهة في الدين، مثلاً:
عرفة منسك عظيم من مناسك الحج، لكنه ليس من الحرم، بخلاف مزدلفة ومنى فهي من مناسك الحج ومشاعره العظام، لكنها أرض حرام، وهاهنا ذو القعدة وذو الحجة من أشهر الحج، وهي من الأشهر الحرم، وشوال ليس شهراً حراماً، لكنه من أشهر الحج بالاتفاق.

مداخلة:
في بعض الآيات قال تعالى: "مَعْدُودَاتٍ" [البقرة: 184]، وهنا: ((معلومات))، فما هو الفرق بين المعلوم والمعدود؟

الشيخ:
المعدود ما يمكن حصره وإن لم يكن مشتهراً، أما المعلوم ما يمكن حصره ويكون في الأصل مشتهراً معروفاً، والنحويون يقسمون المعارف ويجعلون أولها العلم، فالعلم الشيء المشهور، أما المعدود فقد يكون نكرة غير معروف، لكن الله جل وعلا جعل المعدودات في الأيام، وجعل المعلومات في الأشهر فقال: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" [البقرة: 197]، وقال: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ" [البقرة: 203]، فجعل المعدودات المقصود بها هنا أيام التشريق على الأظهر، والمعلومات كما بينا أشهر الحج.

فضل عشر ذي الحجة والعمل فيها:
مداخلة:
ما فضل هذه الأيام -العشر- بالنسبة لهذه الأشهر المباركة العظيمة؟

الشيخ:
أفضل الأيام عشر ذي الحجة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) هنا ينيخ المرء مطاياه.

فثمة فوائد لا تحصى: أولها:
أن الصحابة عندما قالوا: (ولا الجهاد في سبيل الله) يدل ظاهراً على أنه استقر في أذهانهم فضيلة الجهاد في سبيل الله، وإلا لم يوردوا هذا الإشكال، حتى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر تلك العشر الأيام قال: (ولا الجهاد في سبيل الله) ثم استدرك صلوات الله وسلام عليه فقال: (إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) هذا أمر.

الأمر الثاني:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أيام العمل الصالح فيهن) نلحظ أن الله جل وعلا لم يحدد عبادة معروفة في هذه الأيام حتى يكون الفضل ليس في العبادة، إنما الفضل في اليوم، فتصبح هذه الأيام وعاء لكل عمل صالح.

وعظمة هذه الأيام تتأكد إذا أخذنا بقول جماهير أهل السير والتاريخ والتفسير أنها هي الأيام التي زادها الله جل وعلا لموسى، فإن الله قال: "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" [الأعراف: 142]، فيصبح الميقات الأول لموسى شهر ذي القعدة، ثم زاده الله جل وعلا العشر من ذي الحجة، وعلى هذا فإن الله جل وعلا كلم موسى يوم النحر عند جبل الطور.

لكن القرآن عبر عن تلك العشر بالليال، فقال: "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" [الأعراف: 142] أي: بعشر ليال، هنا يأتي ملحظ ينبغي أن ينتبه إليه الناس، وهو أن المنافع قسمان: منافع دينية، ومنافع دنيوية، فالدنيوية يعبر عنها بالأيام؛ لأنها ترتبط بمرور الشمس، وأما المناسك والمنافع الدينية البحتة فإنه يعبر عنها بالليالي لأنها ترتبط بالأهلة، ومن ذلك دخول رمضان، وخروج رمضان، دخول ليلة العيد وما أشبه ذلك، فكله مرتبط بالقمر، وهذه قاعدة مطردة أن المنافع الدينية مرتبطة بالليالي، والمنافع الدنيوية مرتبطة بالأيام.

والمنافع الدنيوية مثل الزراعة، فالذين يحرثون ويبذرون ليس لهم علاقة بالقمر، بل بالشهور الشمسية الثابتة، لأن القمر يختلف.

الشيخ:
هنا أيام العمل الصالح كمطايا للعمل، لكن دخول هذه الأيام ومعرفة أولها وآخرها مرتبط بالقمر: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" [البقرة: 189]، فهي مواقيت للناس في أمورهم التعبدية، وإذا كانوا يربطون بها بعض المنافع الدنيوية فهذا لهم، لكن الأصل أن الليل الشرعي أشرف من النهار.

ولهذا أسرى الله بنبيه وعرج به ليلاً، ونجى لوطاً وبنتيه بالليل: "إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ" [القمر: 34].. "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ" [الشعراء: 52]، وفي الخبر الصحيح: (صلاة الرجل في جوف الليل الآخر).. (صلاة الليل مثنى مثنى).. تنزل الإله يكون بالليل، أقسم الله بالليل والنهار، فقدَّم الليل وقال: "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى" [الليل: 1-2]، فالمقصود أن الليل مطية عظيمة لصالح العبادات.

هنا تأتي مسألة أثارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه لما سئل عن الفرق ما بين هذه الأيام العشر التي نحن بصدد الحديث عنها، وبين العشر الأواخر من رمضان.

قال رحمه الله:
إن أفضل أيام العشر من ذي الحجة نهارها، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل، باعتبار ليلة القدر، وأعتقد أن هذا القول على إجماله صحيح، لكن يحتاج إلى نوع من التصويب في معنى أن ليست جميع ليالي شهر رمضان أفضل من عشر ذي الحجة، إلا الليلة التي فيها ليلة القدر، ومعلوم أن ليلة القدر ليلة واحدة، فمثلاً لو كانت في عام -على القول بالتنقل- ليلة إحدى وعشرين فلا يمكن أن نقول بعد ذلك إن بقية ليالي الشهر أفضل من عشر ذي الحجة، وقد جاء النص الصريح: (ما من أيام العمل الصالح فيهن) وبالاتفاق أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أيام) يدخل فيه اليوم والليلة.

أفضل الأيام العشر:
مداخلة: نزل الحديث في أفضل هذه الأيام، لكن هل نخصص في هذه العشر أياماً أفضل؟

الشيخ:
هذه الأيام تتفاوت فيها مزايا الشرع، كل امرئ بحسب حاله، بمعنى أن هذه الأيام مطايا للعمل الصالح، والناس يتفاوتون في العمل الصالح، فمن دلائل سماحة شرعنا أنه لا يخاطب فئة بعينها، ونحن قد نجد إنساناً عنده صبر على الطعام والشراب والصيام في حقه يسير، وقد يوجد آخر لا يستطيع ذلك، فلما قال -صلى الله عليه وسلم-: (العمل الصالح) فتح الأبواب للجميع، فمن لم يقدر على الصيام قدر على الذكر، ومن لم يقدر على الذكر قدر على الصدقات، ومن لم يقدر على الصدقات قدر على الصلاة في الليل، ومن لم يقدر على هذا وهذا قدر على بر الوالدين.

فكل عمل صالح اجتمع فيه أمران الموافقة للشرع والإخلاص في النية يسمى عملاً صالحاً، هذا كله إذا قدر أن يفعله المرء في هذه العشر العظام كان الأجر أعظم، ومعلوم أن العبادة تفضل أحياناً بزمانها، وتفضل أحياناً بمكانها، وتفضل أحياناً بفاعلها، وتعظم أيما إعظام بنية صاحبها، فنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء التهديد لهن بجعل العذاب ضعفين، لأن مكانتها ليست كمكانة غيرها: "لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ" [الأحزاب: 32].

وفي نفس الوقت البر منهن والعمل الصالح منهن ليس كغيرهن.
وكذلك جاء في أهل الكتاب: "أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ" [القصص: 54]، لأنهم آمنوا بمن قبل، وآمنوا بنبينا -صلى الله عليه وسلم-، وهذا فضل العمل بصاحبه.

وقد يفضل بزمانه كحالنا الذي نتكلم فيه، وهي العشر من ذي الحجة، وقد يفضل مكاناً كالعبادة في إحدى المكتين مكة أو المدينة، أو الصلاة في الروضة، أو ما نص الشرع على أن العمل فيه ذو صبغة وفضل وأجر كبير.

وقت الإمساك عن الشعر والظفر:
مداخلة: يتساءل البعض عن مسألة دخول الشهر لأنها ربما يتأخر الإعلام عنها أو يحصل فيها مشكلة، وبعض الناس يتساءل متى يبدأ في الإمساك عن شعره وظفره.

الشيخ:
يبدأ الإمساك إذا تحقق دخول الشهر، وهو لا يتحقق إلا بإحدى حالين، إما بتمام شهر ذي القعدة، وإما برؤية الهلال، والأصل تمام الشهر، فإذا تم الشهر إلا إذا ورد خبر من الجهات المسئولة المعنية بهذا الأمر، وأعلنت عن هذا، فبعد ذلك يبدأ الإنسان بالإمساك، فلا يمسك حتى يتبين له ذلك.

الحديث عن البيت الحرام يجر دائماً إلى قصة إبراهيم عليه السلام وإتيانه بولده إسماعيل وزوجه هاجر إلى مكة المكرمة، ثم ما حدث فيها من معجزات عظيمة وابتلاءات كبيرة، وكذلك يجر إلى قصة بنائه وبداية هذا البناء، ثم ما حدث له من حوادث كبرى لا تنسى على مدار الأزمان.
يتبع الحلقة الثانية إن شاء الله...




عدل سابقا من قبل أحمـــــد لبـــــن في 23/08/16, 10:36 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم (10حلقات TV مفرغة)   22/08/16, 05:16 am

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [2]
نبذة عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:
كنا بدأنا الحديث عن قول الله تبارك وتعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" [البقرة: 197]، ودائماً يرتبط بهذا الموضوع قصة عظيمة جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا وفي السنة النبوية المطهرة.

ففي قول الله تبارك وتعالى:
"وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا" [البقرة: 127] ارتبط اسم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالكعبة وبالبناء، فنبدأ الحديث عنهما عليهما الصلاة والسلام.

الشيخ:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أما الحديث عن هذين النبيين الكريمين فإبراهيم عليه الصلاة والسلام عرف بأنه أبو الأنبياء؛ لأن الله جل وعلا قال: "وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ" [العنكبوت: 27]، فحصر الله الأنبياء بعد خليل الله إبراهيم في ذريته: "قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" [البقرة: 124].

وإبراهيم عليه الصلاة والسلام تقرب إلى الله بأمور، أشهرها: أنه قدم جسده للنيران، وقدم ماله للضيفان، وقدم ولده للقربان، وفي كل هذه الثلاث كان يبتغي رضوان الرحمن؛ ولعل هذه الثلاث هي المقصودة بقول الله جل وعلا: "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ" [البقرة: 124].

فكلمات الله:
أوامره، فلما أتمهن على أكمل نحو وأعظم وجه قال له ربه: "إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا" [البقرة: 124]، والإمامة في الدين أمر عظيم تشرئب إليه الأعناق.

ومن ذريته صلوات ربي وسلامه عليه الابنان الكريمان: إسماعيل وإسحاق، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعوذ الحسنين -الحسن والحسين- ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ثم يقول: (إن أباكما يقصد خليل الله إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق).

أما إسماعيل فقد كان ابناً لإبراهيم عليه السلام، وإسماعيل أثنى الله جل وعلا عليه في سورة مريم بقوله: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا" [مريم: 54-55].

وهذه عبارات ثناء عظيمة جليلة من رب العالمين لهذا العبد الصالح إسماعيل بن إبراهيم، وكفى إسماعيل شرفاً أن الله أراد أن يكون من ذريته خليله وحبيبه نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يردد هذا كثيراً: (ارموا بني إسماعيل إن أباكم كان رامياً)، فالانتساب إلى إسماعيل -والد العرب المستعربة- شرف عظيم.

بيان نسبة العرب إلى يعرب بن قحطان:
ولما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ارموا بني إسماعيل) فإنه يدخل في ذلك العرب القحطانيون لكنه قال: (بني إسماعيل) من باب التغليب؛ لأنه إذا أطلق العرب فإنه يقال: إنهم من ذرية إسماعيل من باب التغليب، والعرب -كما لا يخفى- عرب عاربة وعرب مستعربة، وإسماعيل عليه السلام أخذ العربية من جرهم، والأصل أن العرب ينتسبون إلى يعرب بن قحطان، فلعله قال هذا من باب التغليب، وإلا فإنه قالها في المدينة وكان يخاطب بها الأنصار، والأنصار يمنيون بالاتفاق.

بناء إبراهيم عليه السلام للبيت
أول من بنى الكعبة هم الملائكة
المقدم: لفت نظري أيضاً في قوله تعالى: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ" [البقرة: 127] سؤال ربما يسوقنا للحديث عن بناء البيت، فقوله: (الْقَوَاعِدَ) كأنه يشعر أنها كانت موجودة؟

الشيخ:
وهذا لو ناقشناه نقاشاً عقلياً وقلنا: إن إبراهيم عليه السلام أول من بنى البيت.. بمعنى: أن البيت لم يمكن موجوداً أصلاً ولم يبن قبل إبراهيم فإنه ينجم عنه إشكال كبير، وهو: أن البيت إذا كان غير موجوداً قبل إبراهيم فمعناه أنه لم يحج قبل إبراهيم أحد، ويلزم من هذا لزوماً لا انفكاك منه: أن الأنبياء من نوح إلى إبراهيم لم يحجوا، وهذا بعيد جداً، مع ورود الآثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن صالحاً عليه السلام حج، وصالح عليه السلام بالاتفاق كان قبل إبراهيم، فعلى هذا لا يمكن أن يقال: إن البيت أول من وضع لبناته إبراهيم، ويظهر أن هذا صعب جداً لا يستقيم.

والذي يبدو أن أول من وضع البيت الملائكة، وضعته لآدم عليه السلام أهبط إلى الأرض؛ ولما كان هناك بيت في السماء تطوف به الملائكة بني هذا البيت ووضع لآدم؛ حتى يعبد الله جل وعلا فيه ويحج إليه؛ لأنه لو قلنا: إنه لم يكن هناك بيت قبل إبراهيم لقلنا: إن الحج لم يكن موجوداً قبل إبراهيم، وهذا بعيد.

وفي قول الله جل وعلا: (الْقَوَاعِدَ) إشارة إلى أن البيت كان موجوداً، ثم لعارض كالطوفان أو غير الطوفان تهدم؛ لأن بعض الفضلاء يقول: الطوفان أذهب معالمه، وهذا مقبول، ولكن ماذا نقول في الأنبياء الذين حجوا إليه بعد الطوفان إذا كان لا يعرف مكان البيت؟ فهذا القول صعب؛ لأن هؤلاء حجوا.

ولهذا فمن قواعد العلم العامة أنه عند تصدر الإخبار عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لابد من استصحاب جميع الأدلة، واستصحاب جميع النصوص التي تعنى بالقضية؛ حتى لا يصبح هناك خلل في الاستنباط؛ لأن الإنسان إذا أغفل نصاً نجم عن ذلك الخلل، وأصبح الاستقراء ناقصاً، وعلى هذا إذا كان جمع الأدلة ناقصاً، فبدهي أن تكون النتيجة ناقصة ولا تفي بالغرض، وجمع الأدلة ينجم عنه خبر حسن.

الترجيح في بناء البيت وبيان مزية إبراهيم في بنائه:
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن قصة بناء البيت بدأت من عهد آدم عليه السلام، هذا الذي يظهر، فالملائكة بنت البيت وضعته لآدم، وحج إليه آدم، وحج إليه الصالحون من عهد آدم إلى عهد نوح، ولما تبدلت الأرض شركاً بعث نوح، وحج نوح، وحج بعده الأنبياء -كصالح كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم ذهبت معالمه، فأمر الله الخليل أن يرفع القواعد.

فإذاً: مزية إبراهيم أنه لم يبن أحد غيره من البشر البيت.

هذا الذي يتحرر، والعلم عند الله، ولذا قال الله جل وعلا: "وَإِذْ يَرْفَعُ" [البقرة: 127]، ولم يقل: وإذ يضع، وكل أحد درس اللغة يعرف الفرق بين (يضع) و(يرفع)، فإن يرفع يشعر أن هذه القواعد موجودة: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ" [البقرة: 127] فرفع إبراهيم القواعد من البيت. وهنا تأتي أمور، فالله يقول في سورة الحج: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ" [الحج: 26].

إذاً: الذي حدد لإبراهيم مكان البيت رب العزة والجلال، ولكن البيت كان موجوداً وإنما دُلَّ عليه.

وأما كيف دُلَّ عليه فلا نعرف في ذلك أثراً مرفوعاً، لكن قال بعض العلماء: إن سحابة أظلت مكان البيت، وهذا ليس ببعيد.

وقال بعضهم:
جاءت ريح كنست المكان الذي حدد له البيت، والذي نحن على يقين منه أن الله جل وعلا هو الذي عين مكان البيت لإبراهيم عليه السلام، (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ).

ثم في إتيانه بإسماعيل وأمه إلى هذا المكان دليل على أنه كان يعرف أن المكان في مكة، لكن لا يعرف تحديد البيت، أمر بأن يضع إسماعيل في هذا المكان، وكان يعلم أن البيت هنا، بدليل أنه قال: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ" [إبراهيم: 37].

ومعلوم أن البيت لم يكن موجوداً؛ لأن إسماعيل بنى مع أبيه البيت بعد أن كبر، وإبراهيم قال هذه العبارة عندما كان إسماعيل رضيعاً مع أمه قبل أن تخرج زمزم، ولكنه كان يعلم أن البيت في ذلك الوادي، ولكن تحديد مكان البيت بالضبط كان متأخراً.

امتحان إبراهيم عليه السلام لينال شرف بناء البيت:
وإبراهيم علم أنه ما أتي به إلا ليبني البيت، لكنه لم يأته الأمر ببناء البيت، وإنما ابتلي؛ حتى ينال فضيلة أنه أول آدمي يبني البيت، وكان لا بد له من أن يتجاوز محنة حتى يقلد ذلك الوسام.

فأمر أن يأتي بابنه الوحيد وزوجته ويتركهما في هذا المكان، فأتى بهما، ثم توارى على قول المفسرين حتى لا يرونه، وحتى لا يتأثر، واستقبل مكان البيت فقال: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ" [إبراهيم: 37] ثم إنه عليه السلام رجع إلى الشام.

زيارة إبراهيم عليه السلام لولده إسماعيل في مكة:
ثم بعد أن كبر إسماعيل رجع إلى مكة لم يجد إسماعيل، وكانت هاجر قد ماتت، ووجد زوج إسماعيل، فسألها عن إسماعيل فقالت: ذهب يحتطب لنا، أو يبحث لنا عن رزق، -يعني: في شأن البيت- وسألها عن طعامهم، فشكت حالهم وأنهم في ضيق وكرب، فقال: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام وقولي له: غيَّر عتبة بابك، ورجع، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فسألها فأخبرته، فقال: هذا أبي وقد أمرني أن أفارقك، فطلقها وتزوج غيرها.

ثم جاء إبراهيم مرة أخرى ووافق أن إسماعيل لم يكن موجوداً فسأل زوجه، فحمدت الله وأثنت عليه، وهذا الثناء والحمد استعطف إبراهيم عليه السلام وأخرج مكنون دعائه وقال: (اللهم بارك لهم في اللحم والماء).

قال -صلى الله عليه وسلم- معقباً: (فلا يخلون أحد بهما في مكة إلا لم يضراه)، بمعنى: أن الإنسان إذا اقتصر على اللحم والماء في أي مكان في الدنيا يتأذى، لكنه إذا اقتصر على اللحم والماء في مكة لا يتأذى؛ لدعاء خليل الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (اللهم بارك لهما في اللحم والماء).

بيان أهمية التربية الحسنة:
ثم عاد إبراهيم ثالثة فوجد إسماعيل يبري نبلاً تحت دوحة، فاستلمه وقبله كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده، ثم قال له: أي بني! إن الله أمرني أن أبني له بيتاً -وأشار إلى أكمة في الأرض- فقال: يا أبت! أطع ربك، قال: أوتعينني؟

وفي هذا أدب حوار وأدب عرض وأدب تربية الأبناء على أن يقبلوا الأمر الشرعي؛ وهذه التربية نجم عنها أن إسماعيل عليه السلام لما قال له أبوه: "إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ" [الصافات: 102] كان جوابه: "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" [الصافات: 102] وهذه ينبغي لمن يفسر القرآن أن ينتبه إليها، قال: "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" [الصافات: 102] ولم يقل: يا أبت! افعل ما تريد؛ لأن إسماعيل أراد أن يعبد الله، ولم يرد في أصل الأمر أن يطيع أباه، وفرق بينهما.

وكثير من قادة الجيوش الآن يقتل جنودهم ويذبحون بأمر هؤلاء القادة، فهم يطيعون طاعة عسكرية عمياء كما يقال، لكنها ليست طاعة لله، ولكن إسماعيل عليه السلام كان مؤدباً في الجواب: "قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" [الصافات: 102] ولو كان الأمر لك كأنت فهذا يقبل الأخذ والعطاء، ولكن لما كان أمراً إلاهياً فإنه لا يقبل الأخذ والعطاء.

ونعود إلى الأمر، قال: أطع ربك، فبنيا البيت، فأخذا كما قال الله: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ" [البقرة: 127] وتقديم إبراهيم لأنه هو الذي يباشر، وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة: 127]، أي: يعينه، "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [البقرة: 127]، فتم بنيان البيت.

بيان كيفية التعامل مع قضايا الغيب وكون مكة وسط الأرض:
المقدم: أصحاب العلم الحديث دائماً يتحدثون أن الكعبة مركز الكون، وأنا لست في مجال التأييد أو الرفض لما يطرح حولها، وأن الله تعالى لما بنيت الكعبة أمر الكون أن يطوف حول الكعبة حتى سمى بعضهم الطائف بالطائف؛ لأنها كانت هي مركز بداية الطواف إلى غير ذلك من هذه القضايا، فما موقفنا من مثل هذه القضايا؟

الشيخ:
لم يرد دليل شرعي ظاهر يمكن الركون إليه في هذه المسألة، وبعض من تصدر لهذه الأمور يتكلم بعاطفته أكثر مما يتكلم عن دلائل علمية، ومعلوم أن الحديث في الغيب لا يعرف بالعقل ولا بالاستنباط، وإنما يعرف بالخبر الصحيح.

ومثل هذه الأمور التي سلفت ووقعت وكانت لا يمكن استنباطها؛ لأنه لابد في الاستدلال من خبر صحيح، ولكن بعضها قد يكون له قرائن وشواهد تقبل.

فليس بعيداً من أن تكون مكة وسط الأرض؛ لأن الله قال: "لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" [الشورى: 7] لكن أن نقول: إن الأرض تطوف حولها، فأظن هذا تكلفاً ما أنزل الله به من سلطان.

بيان بعض الأحداث التاريخية التي مر بها البيت:
المقدم: البيت مر عليه أحداث تاريخية كثيرة سواء قبل بنائه أو حتى بعد بنائه، وقد ذكرنا بعضها، فلو ذكرتم بعض الأحداث الأخرى؟

الشيخ:
البيت رمز الخلود وكعبة الإسلام
كم في الورى لك من جلال سامي
يهـــوي البنـــاء إذا تقــادم عهـده
وأراك خـالـــــدة عــــلى الأيـــام


حادثة أبرهة الأشرم:
أراد الله أن يبقى هذا البيت، وقد مرت به أحداث تاريخية عظيمة، منها: أنه مر بحادثة أبرهة، قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ" [الفيل: 1] ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ير أصحاب الفيل، ومع ذلك قال الله له: (أَلَمْ تَرَ)، فأنزل الله جل وعلا خطابه لنبيه منزلة الشيء المرئي.

وهذا من أعظم القرائن والأدلة على أن الله جل وعلا يحب أن يعرف عباده منه أنه صادق، وتصديق الله جل وعلا من أعظم القربات، قال تعالى: "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" [الزمر: 33].

وفي هذا الحدث عاقبهم الله وبالطير، وعندي هنا ملحظ مهم وهو: أن الله عذبهم بالطير، ولا يوجد أحد يوماً ما خوف أحداً من ذريته أو من قرابته أو من الناس بالطير، لكن لما كان البيت قد جعله الله للناس أمناً خوفهم الله من حيث يأمنون، فلو قابلتهم سباع البراري والوحوش الكواسر ربما خافوا منها وهربوا؛ لأنها مظنة القتل والهلاك، لكن أن تظلهم طير فلا يمكن أن تكون مظنة هلاك؛ لأنه لا أحد يخوف أحداً بالطير، وإنما يخوفه بالحيات والعقارب والوحوش.

فهم لما أتوا لبيت آمن وأرادوا أن يهدموه خوفهم الله من حيث يأمنون، هذا أجمل ما يمكن أن يقال.

والحديث له بقية إن شاء الله، وجزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل من حجاج بيته الحرام حجهم، وأن يعيدهم إلى أوطانهم سالمين غانمين.
يتبع الحلقة الثالثة إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم (10حلقات TV مفرغة)   22/08/16, 05:45 am

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [3]
شرَّف اللهُ عز وجل بيته الحرام وحماه وحرسه من كل مَنْ أراده بسوء، ويكفي في شرفه أن أضافه سبحانه إلى نفسه فيقال: بيت الله، وكيف لا يكون كذلك وهو قبلة المؤمنين يتجهون إليه من كل أنحاء الأرض.

الأحداث التي مرت بالبيت الحرام
إعادة قريش بناء البيت.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذكرنا أن هذا البيت شرفه الله جل وعلا منذ أن كان، ومن تشريف الله جل وعلا لهذا البيت أن أحاطه بحفظه، فصد عنه أبرهة، ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بركت ناقته في عام الحديبية قال بعض الصحابة: خلأت القصواء، أي: ناقته عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما خلأت القصواء وليس ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل).

وهذا كله فيه إشارة إلى البيت؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام بعدها: (والله لا يسألون شيئاً يعظمون به البيت إلا أعطيتهم إياه).

ونذكر هنا بعض الأحداث التاريخية التي صاحبت بناء البيت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل بعثته، فهنا أرادت قريش أن تعيد بناء البيت؛ كما في الأخبار المشهورة بعد أن جرفت السيول أكثره، فأرادوا هدم باقيه لتجديد البناء.

فيقال تاريخياً:
إن أول من بدأ بنقض أحجار البيت الوليد بن المغيرة، فقد أتى حافياً وقال: اللهم إنك تعلم أنا لا نريد به أذى، وانظر إلى أدبه مع البيت، ثم انظر إلى الكبر والحسد ماذا يصنعان؟ فإنه لما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبى أن يسجد لله، وكان رجلاً مقبولاً من قومه، وهذا هو الذي قال الله فيه: "ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا" [المدثر: 11].

فالمقصود:
أن قريشاً هدمت البيت؛ بسبب أن السيول جرفت أكثره، فاختارت طيب أموالها وبدأت في بناء البيت، لكن تلك الأموال الطيبة قصرت ولم تستوف تكلفة البناء، فبنوا القواعد الجنوبية على قواعد إبراهيم، وهما الركن اليماني والركن الذي فيه الحَجَر الأسود، وأما الركنان الشاميان فلم يستطيعوا بناءهما على قواعد إبراهيم، فأصبح ما يسمى الآن بحجر إسماعيل، وهو غير صحيح، فليس لإسماعيل علاقة به.

وهذا الحجر أصبح يدل على مكان البيت القديم أيام إبراهيم، هذا بناء قريش للكعبة، وهو نفس البناء الذي تدخل فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووضع الحجر فيه.

بناء عبد الله بن الزبير للبيت على قواعد إبراهيم
ثم لمَّا مَنَّ اللهُ على الأمة وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان عام الفتح قال عليه الصلاة والسلام لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين ولأدخلت فيها الحِجْر).

وأمهات المؤمنين قال الله لهن: "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ" [الأحزاب: 34]؛ لأنهن كن في بيت النبوة، فعائشة رضي الله عنها حفظت هذا الخبر، والإنسان -جبلة- يحب قرابته، ولما آل الأمر بالحجاز إلى عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أخبرته خالته عائشة بالخبر، فبدهي أن ينقض البيت ويدخل فيه ما يسمى الآن حِجْر إسماعيل ويجعل له بابين.

ثم قدر لعبد الله بن الزبير أن يُقتل على يد الحَجَّاج بن يوسف عامل بني أمية في الحجاز بأمر من عبد الملك بن مروان، وأخبار الحَجَّاج معروفة.

هدم الحَجَّاج بن يوسف للبيت:
لما آل الأمر للحَجَّاج تدخلت أصابع السياسة هنا، وكان كل يريد أن يضع من الآخر، ولم يكن الحَجَّاج مُحباً لعبد الله، ولو تركه لذكر في التاريخ وخلد فعل عبد الله بن الزبير، فهدم الكعبة وردها كما كانت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحتى الباب الثاني الذي فتحه عبد الله بن الزبير أعاد إقفاله، والآن الذي يأتي البيت مثلاً أيام الحج يجدها مرتفعة، وإذا تجاوز الحجر يجد رسم الباب واضحاً لو دقق واستصحب أصلاً أن هناك باباً موازياً للباب الأساسي إلا قليلاً، فيجد الباب واضحاً في البناء القديم.

استشارة أبي جعفر المنصور للإمام مالك في إعادة بناء البيت
فالمقصود: أن الحَجَّاج هدم الكعبة وأعاد بنائها كما كانت.

يقول المؤرخون:
فلما جاءت خلافة أبي جعفر المنصور المؤسس الثاني لدولة بني العباس أراد أن يهدم الكعبة، وقدر له أن يستشير العلماء، وهذه مصلحة كبرى بأن ولي الأمر يكون له تواصل بأهل العلم كما هو الحال في بلادنا، فبعث إلى مالك رحمه الله، فقال مالك: أخشى أن يكون بيت الله بعدك ألعوبة للملوك، هذا يزيد فيه وهذا ينقص منه، فدعه على ما هو عليه، فبقي البيت في ظاهره على ما هو عليه إلى يومنا هذا، وهذا أعظم ما يمكن أن يقال من أحداث تاريخية.

ومن الأحداث التاريخية التي مر بها البيت:
قضية القرامطة والحَجَرْ، ولكن نؤجل الحديث عن القرامطة والحجر حتى يأتي الحديث عن الحجر نفسه، لكن هذه مسيرة البيت وبنائه عبر التاريخ إلى يومنا هذا.

معنى إضافة البيت إلى الله عز وجل:
ونحن دائماً نسمع إضافة البيت إلى الله عز وجل، وحتى المساجد يقال لها: بيوت الله، وإذا قيل بيت الله على إطلاقه فينصرف إلى الكعبة، فالإضافة هنا: إضافة تشريف.

وحتى يتحرر الأمر نقول:
المساجد تضاف إلى الله تشريفاً وإلى غيره تعريفاً، بمعنى: أن إضافتها إلى الله تشريف لها، قال تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ" [النور: 36] وعندما نضيفها إلى غير الله فهو من باب أن نميز بعضها عن بعض، فمثلاً فلان إمام وخطيب مسجد قباء، فكلمة (مسجد) أضيفت إلى (قباء) وهو اسم موضع؛ ليميز مسجد قباء عن مسجد غيره.

وفي الحديث:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سابق إلى مسجد بني زريق، وصلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، وهو تمييز لهما عن غيرها.

فالإضافة هنا إلى غير الله إضافة تعريف، وإلى الله تبارك وتعالى إضافة تشريف، لكنه لا يوجد لله بيت على إطلاقه إلا الكعبة، أما المساجد فيقال تجوزاً إنها بيوت الله.

وليس لله بيت بمعنى أنه يجوز الطواف حوله إلا الكعبة.

وهو يوافق أو يوازي البيت المعمور الذي أقسم الله به في قوله: "وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ" [الطور: 1-4].

ويقول بعض أهل العلم:
أنه لو قُدِّرَ أن هذا البيت المعمور سقط لسقط على الكعبة، فالبيت المعمور مطاف أهل السماء، والكعبة مطاف أهل الأرض.

الربط بين العبادة والاستغفار:
المقدم:
يقول الله تعالى: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا" [البقرة: 127] ونلحظ أيضاً في كثير من العبادات التي جاءت في القرآن الربط بينها وبين الاستغفار أو الدعاء، حتى في أعمال الحج، قال تعالى: "فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ" [البقرة: 200]، "فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ" [البقرة: 198] فما الرابط بين العبادة والدعاء أو الاستغفار؟

الشيخ:
الرابط بينهما فيما يظهر إشعار العابد ألا يركن إلى العمل، وأن العمل مهما عظم وجل يحتاج إلى أن يقبله الله فيكون منه الدعاء والتضرع.

وليس بعد بناء البيت شيء عظيم حتى إن الله جل وعلا كافأ إبراهيم على هذا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رآه في ليلة المعراج قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، فالجزاء من جنس العمل، أي: لأنه بنى لله بيتاً في الأرض ورفع قواعده، وإن كان رفعه بأمر من الله.

لكن هذا الدعاء كأن العبد يقول لربه أنا لا أركن إلى عملي وإنما أركن إلى رحمتك وفضلك، فقبولك يا رب! للعمل من أعظم المنن علي بعد أن وفقتني للعمل، كما قال الله عن أهل الجنة إذا دخلوها: "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" [الأعراف: 43]، فإذا كان هذا في الجنة فمن باب أولى أن يكون في الدنيا.

والإنسان خاصة إذا قدر له أن يحج مع ولده أو يحج ابن مع أبيه فإنهما يتذكران خليل الله وابنه وهما يتضرعان إلى الله جل وعلا، وصحيح أننا لم نبن البيت ولكن لتلك المناسك والمشاعر والمواقف في ذلك المطاف أثر على القلب، فيقف هو وابنه مستقبلي القبلة فيقولان: "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [البقرة: 127] فيستحضران ويستصحبان فعل الخليل صلوات الله وسلامه عليه.

فإذا احتج علينا أحد وقال:
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، قلنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له ولد آنذاك، وسنن الأنبياء نص الله عليها في القرآن، ولا تحتاج منا إلى استصحاب رأي أحد، فهي حجة في نفسها، قال تعالى: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ" [الأنعام: 90].

فإذا كان هذا أمراً للنبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف بأتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-.

والمقصود:
أن الدعاء من أعظم ما ترفع به الأعمال، وبه تقبل: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [الشورى: 25].

إلى غيرها من الآيات التي تشعر أن الإنسان يكون قريباً من ربه إذا دعاه وتضرع إليه، وكلما كان ذلك في مكان فاضل وبقلب منكسر وبصوت خفي كان أدنى من ربه وأقرب إلى إجابة دعوته.

بيان سبب الإشارة إلى الإسلام عند ذكر إبراهيم عليه السلام:
وقال سبحانه وتعالى: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" [البقرة: 128] فالإشارة دائماً إلى الإسلام عند ذكر إبراهيم عليه السلام؛ لأن القضية قضية إسلام كامل لله، والله قال: "وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" [الأعراف: 126].

والذي يظهر أن (من) هنا تبعيضية، وأن إبراهيم يعلم أن من ذريته من لن يكون مسلماً، ومحال أن يكون جميع ذريته مسلمين، خاصة أنه في عصر متقدم.

ولهذا قالوا:
إن بعض الأدعية لا يحسن كل أحد أن يقولها، فمثلاً: إبراهيم عليه السلام قد علم بالوحي أن من ذريته من سيكون كافراً؛ لأنه قال: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" [البقرة: 124] فهذا إشعار أن هناك ظالمين سيكونون من ذريته.

فعندما ذكر الله جل وعلا في سورة إبراهيم دعاء إبراهيم: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي" [إبراهيم: 40] فهذا لا يحسن أن يقوله أي أحد؛ لأن قوله: (ومن ذريتي) بعضية، فإبراهيم علم من الله أن ليس كل ذريته سيصلي، ولكن نحن لم نعلم هذا من ربنا، هذا إذا قلنا: إن (من) هنا تبعيضية.

أما إذا قلنا:
إن (من) بيانية أو زائدة للتأكيد فالأمر واسع.

لكن نقول:
إن الاستسلام لله جل وعلا هو دين إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" [البقرة: 131-132]، والأمة المسلمة تدخل فيها، قال تعالى: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" [البقرة: 128]، ويدخل فيها كل مَنْ آمن بالله من ذرية إبراهيم إلى يوم القيامة.

ومن هنا نستطيع أن نقول:
إن من كان من ذرية إبراهيم على التوحيد مِمَّنْ جاء بعده إلى قيام الساعة حتى أتباع موسى وعيسى عليهما السلام كلهم مسلمون؛ لأن دين الأنبياء واحد.

هو دين رب العالميــن وشرعه وهو القديم وسيد الأديان
هو دين آدم والملائكة قبله هو دين نوح صاحب الطوفان
هو دين إبراهيــــــم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران
وبه فدى الله الذبيـــــح من البلى لما فداه بأعظم القربان
هو دين يحيى مع أبيــه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان
وكمال دين الله شـــــرع محمد صلى عليه منزل القرآن

فدين الأنبياء واحد، كما قال الله: "لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" [البقرة: 285]، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

بيان كون النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- سبباً لدعوة إبراهيم عليه السلام:

ثم جاء في معرض هذه الآية الدعوة بمحمد -صلى الله عليه وسلم-: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" [البقرة: 129].

وكما نعلم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول مفتخراً صلوات الله وسلامه عليه: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين رأت أن نوراً خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام) وبصرى من أرض الشام هي أول مدينة من مدن الشام دخلت في الإسلام في الفتوحات، وكأنها إشارة إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ورؤيا أمي حين رأت أن نوراً خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام).

وأما بشارة عيسى فليس بين عيسى والنبي -صلى الله عليه وسلم- نبي؛ ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم).

وأما دعوة إبراهيم فلأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شفقته على ابنه إسماعيل وذريته قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" [البقرة: 129]، أي: من العرب من ذرية إسماعيل: "يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة: 129] وهذه الدعوات من خليل الله إبراهيم تقبلها الله جل وعلا بقبول عظيم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (أنا دعوة أبي إبراهيم) وفي هذا استحباب الدعاء لمن يحب المرء ولذريته في المقام الأول، وهذا أمر عظيم جليل القدر عند الله تبارك وتعالى.

والإنسان إذا أكثر منه فقد يكون في ابنه أو حفيده أو في صديقه من ينفع الله جل وعلا به نفعاً عظيماً بدعاء ذلك الوالد.

ولكننا أحياناً نستهين بأمور عظمها الشرع، ويغيب عنا أحياناً أن نفقه فقه الشرع، وهذه الأمور عندما يقولها الله ليس المقصود منها إخباراً تاريخياً، فالقرآن ليس كتاب تاريخ، ولكن القرآن هدىً وموعظة وبشرى للناس.

وهذا الجد قبل أن يكون نبياً هو جد لنبينا -صلى الله عليه وسلم- فدعا أن يخرج الله من ذريته من هذه صفاته: تعليم الناس وتزكيتهم، فكان ما أراد بتوفيق الله جل وعلا له، فخرج نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا لما قابل عليه الصلاة والسلام إبراهيم عليه السلام في رحلة الإسراء والمعراج قال له إبراهيم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، مع أن غيره من الأنبياء باستثناء آدم كانوا يقولون: أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح، لكن إبراهيم ناداه بالنبوة؛ لأنه من ذريته، وإبراهيم يفتخر بابنه محمد -صلى الله عليه وسلم- أيما افتخار.

وقد كان عليه الصلاة والسلام يعرف قدر إبراهيم، فلما ذكر لواء الحمد قال: (كل الأنبياء يومئذ تحت لوائي، إبراهيم فمن دونه) فذكر إبراهيم، ومعلوم أن هذا يشعر بأن لإبراهيم مقاماً عظيماً عند الله، وكان إبراهيم يعلم ذلك: "قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا" [مريم: 47].

فإبراهيم كان يعلم يقيناً احتفاء الله به؛ ولهذا كان يتكئ على هذا الاحتفاء، فقال: "وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ" [الشعراء :84] وإلى الآن نحن في صلاتنا نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.

فالمقصود:
أن هذه الدعوات قبلها الرب تبارك وتعالى، فكان من ذرية إبراهيم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، والدعاء في المناسك يتأكد عند الوقوف على الصفا والوقوف على المروة، وبعد رمي الجمرة الوسطى، ورمي الجمرة الصغرى، وسيأتي الحديث عن ذلك في محله مفصلاً بإذن الله.
يتبع الحلقة الرابعة إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم (10حلقات TV مفرغة)   22/08/16, 06:10 am

سلسلة آيات الحج في القرآن الكريم [4]
من الآيات المتعلقة بالحج قوله تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ..)) وفيها معان عظيمة تتعلق ببناء البيت وتسمية مكة، ومعنى جعل البيت مباركاً وهدى للعالمين.

عَلِمَ إبراهيمُ عليه السلام أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- سيُبعث بكتاب:
الملقي:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم آيات الحج في القرآن الكريم.

نسعد في بداية هذه الحلقة بالترحيب بصاحب الفضيلة الشيخ: صالح بن عواد المغامسي إمام وخطيب مسجد قباء، فأهلاً ومرحباً بك يا شيخ صالح؟

وقبل أن نبدأ بذكر الآيات المتعلقة بهذه الحلقة، نذكر أننا توقفنا في الحلقة الماضية عند وعد وعدنا به، وهو السؤال عن قول الله تبارك وتعالى في معرض قصة إبراهيم ورفعه القواعد من البيت قال سبحانه على لسانه: "يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ" [البقرة: 129].

سؤالي:
هل كان إبراهيم عليه السلام يعلم أن هناك قرآناً سينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجعل من مزية هذا النبي أنه سيتلو عليهم هذه الآيات؟

الشيخ:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد:
أنبياء الله جل وعلا يعلمون قطعاً أنه لا حياة للناس إلا بالوحي، ولما كان إبراهيم قد أنزلت عليه صحف وكان ظاهر الآية يشعر بأن إبراهيم عليه السلام يعلم أن الله جل وعلا سيمن على نبيه -صلى الله عليه وسلم- بآيات من لدنه يكون بها حياة الناس.

ولهذا قال العلماء:
إن جبريل أوكلت إليه حياة القلوب، فهو الذي ينزل بالوحي، وميكال أوكلت إليه حياة الأبدان، فهو الذي ينزل بالقطر.

فظاهر الآية: "يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ" [البقرة: 129]، أن إبراهيم كان يعلم أن هناك آيات تنزل على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ربما لم يكن يعلم أن القرآن سيكون بهذا الوضع، وأنه معجزة لكنه لما كان قد أنزلت عليه صحف، علم أن أنبياء الله لابد لهم في الغالب من كتاب يهدون الناس به.

وصحف إبراهيم انقطعت فلا ذكر لها، ولا شهرة، ولا تعرف، لكن دل القرآن على بعضها: "أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى" [النجم: 36-39]، هذا معناه أن اللفظ: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، والآيات التي بعدها جاءت في صحف إبراهيم، وصحف موسى.

علاقة قوله: (إن أول بيت وضع للناس) بالآيات الأخرى:
الملقي:
في قول الله تبارك وتعالى وهو معرض حديثنا في هذه الحلقة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران: 96].

سؤالنا في البداية:
هل لهذه الآية علاقة بآيات أخرى في مواضع أخرى؟

الشيخ:
أنت تعلم أن القرآن ينظر إليه بمجموعه، وأن آياته يعضد بعضها بعضاً ويصدق بعضها بعضاً، وكذلك السنة، وقد أنزل الله جل وعلا على نبيه: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا" [البقرة: 144]، وهذا كان في المدينة، فلما ولى -صلى الله عليه وسلم- وجهه تجاه الكعبة نقم عليه اليهود.

هؤلاء اليهود قالوا:
لو كان محمد صادقاً في اتباعه لإبراهيم لكان ينبغي عليه أن يتولى أرض الشام، التي هي أرض المحشر، وأرض الأنبياء من قبله فأراد الله جل وعلا أن يجيبهم ويبين لهم حقيقة الأمر، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية في سورة آل عمران: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا" [آل عمران: 96]، يخبرهم جل وعلا أن أول بيت