منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 دروس رمضانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: دروس رمضانية   15/06/16, 04:04 am

دروس رمضانية
تأليف فضيلة الشيخ: سلمان بن فهد العودة
المشــــرف العام على موقع الإسلام اليوم
======================
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
الوقفات التي بين يديك جاءت ضمن سلسلة "الدروس العلمية العامة"، التي ألقيتها -بحمد الله- في الجامع الكبير ببريدة.

وهي تحمل الأرقام (7) و(8) و(9)، وأُلقيت في مقتبل شهر رمضان من عام 1410هـ. وقد تم تفريغها وتصحيحها، وتقديمها للطباعة قبيل شهر رمضان من عام 1411هـ؛ رجاء أن ينتفع بها المسلمون في كل مكان في هذا الشهر الكريم.

وإنني على قناعة أن هذه الجموع الغفيرة التي تؤمُّ المساجد طيلة الشهر الكريم؛ لسماع الذكر وأداء الصلاة من الرجال والنساء لها على علماء الإسلام ودعاته حق كبير.

ومن أول حقوقهم:
أن توفر بين أيديهم الكتب المتنوعة في الوعظ والإرشاد، والتي تناسب الطبقات والمستويات كافة، وتعالج شتى الموضوعات.

إن أي كتاب يؤلَّف ويُطبعَ قد يقرؤه ألف أو عشرة آلاف، ولكن كتابًا يؤلف لمثل ذلك الغرض يسمعه في المساجد مئـات الآلاف، ومن نوعيات مختلفة، قد لا يكونون من قُرَّاء الكتب، ولا من مستمعي الدروس والمحاضرات والأشرطة.

فأين أنتم عن هذا يا دعاة الإسلام؟!

إنه ليس كثيرًا على مثل هذا العمل النبيل أن يتفرغ له عدد من طلبة العلم، حتى يتمُّوه وينجزوه، وريثما يظهر كتاب كهذا، رأيت من المناسب المشاركة في هذه الوقفات التي قد تصلح للقراءة بعد صلاة العصر، وربما قبل صلاة العشاء، وإن كانت متفاوتة في الطُّول والقِصَر؛ فإن بإمكان الإمام أو المحدث أو القارئ أن يجزِّئها ويقسمها بالطريقة المناسبة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده.

وأسألك -أخي القارئ الحبيب- أن تخصَّني منك بدعوة صادقة بظهر الغيب؛ علَّ الله يكتب بها نجاتي ونجاتك، وتخص الإخوة الذين سهروا على تصحيح الكتاب وتخريجه، ومراجعته وطباعته وتوزيعه، -جزاهم الله خيرًا-.

اللهم اجعل رمضان قادمًا علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
27/ 7/ 1411هـ
===========
الوقفة الأولى: كتب عليكم الصيام
===========
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلى الذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلكُمْ تَتقون أياماً مَعدُودات فَمًنْ كَانَ مِنْكُمْ مريضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ مِنْ أيامٍ أُخَر) [البقرة: 183، 184].

هذه الآية أصل في وجوب صيام رمضان؛ ولذلك أجمع أهل العلم كافة على أنه يجب على كل مسلم أن يصوم شهر رمضان، ومن أنكر وجوبه أو جحده فهو كالمرتد، إلا أن يكون جاهلاً، حديثَ عهد بإسلام، فإنه يُعلَّم –حينئذ-، فإن أصر على الإنكار فهو كافر، يُقْتلُ مرتدًا لأنه جحد أمرًا ثبت وجوبه بنصَّ القرآن، كما يدل على ذلك قولـه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُم) أي: فرض وأوجب عليكم.

وفي قوله جلّ وعلا: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِنْ قَبْلِكُم) تسلية للمؤمنين، وإشعار لهم بأن الله: (قد فرض هذا الأمر على من كان قبلهم من الأمم الكتابية، وفي ذلك تخفيف على نفوس المؤمنين من وطأة الصوم، فإن المسلم إذا عرف أن هذا درب سلكه قبله الصالحون من الأنبياء وأتباعهم؛ فإنه يفرح بذلك ويخف عليه لا يستثقله.

ثم قال تعالى: (لَعَلَكُمْ تَتَقُون)، إيماءً إلى الحكمة في مشروعية الصيام، وهي تحقيق التقوى لله من قِبَل الصائم.

ثم قال: (أيّاماً مَعْدُوداتٍ)، فهي أيام قليلة بالقياس إلى أيام السنة، شهر واحد فقط، ليس في صيامه عبء ثقيل على الصائمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:11 am

الوقفة الثانية
الناس في استقبالهم لرمضان
===============
إن الناس في استقبالهم لرمضان على صنفين:
الصنف الأول:
الذين يفرحون بهذا الشهر، ويسرون لقدومه.


وذلك لأسباب:
أولاً:
أنهم عودوا أنفسهم على الصيام، ووطنوها على تحمله، ولهذا جاء في السنة النبوية استحباب صيام أيام كثيرة: كصيام الاثنين، والخميس، وأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده، وصيام شعبان…، وغير ذلك من أنواع الصيام المستحب، الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ ليعتادوا الصوم، ويتزودوا من التقوى.

وأثر ذلك واضح في الواقع؛ فإنك تجد الذي يصوم النفل -أيام البيض على الأقل- لا يستثقل صيام رمضان؛ بل هو عنده أمر طبعيّ، لا كلفة فيه ولا عناء، وأما الذي لا يصوم شيئًا من النافلة، فإن رمضان يكون عليه ثقيلاً شاقًا.

ولقد كان السلف مثالاً رائعًا في الحرص على النوافل، وروي عنهم في ذلك قصص عجيبة.

ومن ذلك:
أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات؛ لاستقبال رمضان –كما يصنع كثير من الناس اليوم-، فلما رأت الجارية ذلك منهم، قالت: لماذا تصنعون ذلك؛ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟! -واللهِ- لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم، ورجعت إلى سيدها الأول.

وكان لدى الحسن بن صالح جارية، فاشتراها منه بعضهم، فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد، قامت تصيح في الدار: يا قوم، الصلاة.. الصلاة، فقاموا فزعين، وسألوها: هل طلع الفجر؟ فقالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟! فلما أصبحت رجعت إلى الحسن بن صالح، وقالت له: لقد بعتني إلى قوم سوء؛ لا يصلون إلا الفريضة، ولا يصومون إلا الفريضة؛ فردني، فردّها.

ثانيًا:
أنهم يعلمون أن الامتناع عن اللذات في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن امتناع الصائم عن الأكل، والشرب، والجماع، وسائر المفطَّرات في نهار رمضان طاعةً لله -سبحانه وتعالى- يكون سببًا في حصوله على ألوان الملذات الخالدة في الجنة، فَلِقُوَّة يقين المتقين بذلك؛ يفرحون بقدوم هذا الشهر الكريم.

وعلى النقيض من ذلك حال المنغمسين في الملذات المحرمة في هذه الدنيا؛ فإن انغماسهم فيها يكون سببًا في حرمانهم منها يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، إلا أن يتوب"(1).

وإنما يحرم من شربها يوم القيامة -وإن دخل الجنة-؛ عقابًا له على تمتعه بخمر الدنيا، وهي محرمة عليه، وفي حديث آخر: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"(2).

ثالثًا:
أنهم يدركون أن هذا الشهر من أعظم مواسم الطاعات، والتنافس في القربات، ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى يجري فيه من الأجور مالا يجري في غيره من الشهور، فلا غرو أن يفرحوا بقدومه فرح المشتاق بقدوم حبيبه الغائب، أو أعظم من ذلك، هذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال شهر رمضان.

الصنف الثاني:
الذين يستثقلون هذا الشهر، ويستعظمون مشقته، فإذا نزل بهم فهو كالضيف الثقيل، يعدون ساعاته وأيامه ولياليه، منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم يمضي منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وهؤلاء إنما استثقلوا هذا الشهر الكريم، وتطلعوا إلى انقضائه.

لأسباب منها:
أولاً:
أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات: من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغيرها، فضلاً عن مقارفتهم للذَّات المحرمة، فوجدوا في هذا الشهر مانعًا وقيدًا يحبسهم عن شهواتهم، ويحول بينهم وبين ملاذّهم؛ فاستثقلوه.

ثانيًا:
أنهم قوم عظم تقصيرهم في الطاعات، حتى إن منهم من قد يفرط في الفرائض والواجبات، فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض الطاعات، فترى بعض المفرطين المقصرين الناكفين، يترددون في هذا الشهر على المساجد، ويشهدون الجمع والجماعات، ويواظبون على الصيام والصلاة كل يوم؛ فبسبب هذا الالتزام الذي لم يألفوه ولم يتـوطنوا عليه؛ اسـتعظموا حِمْلَ هذا الشهر.

ومما يناسب إيراده هنا:

ما ذكره ابن رجب وغيره، أن غلامًا سفيهًا، لما أقبل عليه رمضان ضاق به ذرعًا، وأخذ ينشد:
دعاني شهر الصوم -لا كان من شهر- *** ولا صمت شهرًا بعده آخـر الدهـر
فلــو كـان يعديني الأنـام بقـوة *** على الشهر لاستعديت قومي على الشهر


ومن ذلك ما يتماجن به بعض الشعراء كقول أحدهم عن الخمر:

رمضـان ولّـى هاتـها يـا ساقي  *** رمضـان ولّـى هاتـها يـا ساقي

وهكذا حال المسرفين الذين يستثقلون رمضان؛ لأنهم سيفارقون ما ألفوا من الشهوات، ويلتزمون ببعض العبادات، هذا مع ضعف يقينهم بما أعده الله -تبارك وتعالى- للمؤمنين، وعدم استحضارهم لفضل هذا الشهر، وما فيه من الأجور العظيمة، فلا عجب ألا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بهذا الضيف الكريم ما يجده الصادقون المؤمنون.
==================
(1)     رواه البخاري (5575)، ومسلم (2003) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)     رواه البخاري (5832)، ومسلم (73 20) من حديث أنس رضي الله عنه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:19 am

الوقفة الثالثة
من معاني الصيام
=========
للصيام معانٍ ومقاصد عظيمة، لو تأملناها وتفكرنا فيها مليًّا لطال عجبنا منها:

المعنى الأول:
أن الصوم مرتبط بالإيمان الحق بالله جل وعلا؛ ولذلك جاء أن الصوم عبادة السر، لأن الإنسان بإمكانه ألاّ يصوم إن شاء، سواء بأن يتناول مأكولاً أو مشروبًا، أو بمجرد فقد النية، وإن أمسك طوال النهار.

إذن فالصوم عبادة قلبية سرية بين العبد وربه، فإن امتناع العبد عن المفطرات على الرغم من استطاعته الوصول إليها خفية دليل على استشعاره اليقيني لاطلاع الله تعالى على سرائره وخفاياه، وفي ذلك -بلا ريب- تربية لقوة الإيمان بالله -جل وعلا- وهذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه.

انظر إلى الوضوء والغسل، اللذينِ يتطهر بهما العبد من الأحداث، فإن فيهما دلالة على إيمان العبد بأن الله تعالى رقيب عليه؛ مما يحمله على أداء تلك الأمانة السرية بينه وبين ربه، ولو أتى إلى الصلاة بدون طهور لما علم الناس بذلك.

انظر إلى الصلاة، ألا ترى أن المصلي يقرأ في قيامه الفاتحـة، وفي ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، وفي جلوسه بين السجدتين يقول: رب اغفر لي، وفي التشهد يقول: التحيات لله.. الخ.

وكل هذا يقوله سرًا لا يسمعه مجاوره الملتصق به، أتراه لو لم يكن مؤمنًا بعلم الله تعالى بهمسات لسانه، وخواطر ذهنه، ووساوس قلبه، أتراه يدعو ويذكر الله سبحانه وتعالى في صلاته بهذه السرية، التي لا يطّلع عليها إلا ربه –سبحانه-: (وَإنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7].

المعنى الثاني:
أن الصيام يربَّي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، حيث يتخلى عن بعض الأمور الدنيوية؛ تطلعًا إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب؛ لأن مقياسه الذي يقيس به الربح والخسارة مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان؛ انتظارًا للجزاء الحسن يوم القيامة، وفي ذلك توطين لقلب الصائم على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض، والإخلاد إليها.

هذا مع ما له في الصـوم من النعيم، والحياة الطيبـة في الدنيـا: من صحـة البدن، وفرح القلب بالطـاعة، والسعادة، وانشراح الصدر بالإيمان.

أما أصحاب المقاييس المادية الدنيوية، فإنهم ينظرون إلى الجانب الدنيوي القريب في الصوم؛ فلا يرونه إلا حرماناً من لذة الأكل والشرب والوقاع، التي تحصل بها سعادة للنفس، وتلبية لحاجات الجسد.

ولا ينظر هؤلاء إلى الجانب الأخروي، الذي يمثل الجزاء الحقيقي، والخلود الصحيح؛ مما يعدم أو يضعف في قلوبهم التطلع إلى الآخرة وما فيها من النعيم.

المعنى الثالث:
أن في الصيام تحقيقًا للاستسلام والعبودية لله جل وعلا؛ إذ الصوم يربي المسلم على العبودية الحقة، فإذا جاء الليل أكل وشرب؛ امتثالاً لقول ربه الكريم: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) [البقرة: 187]؛ ولهذا كان مستحبًا أن يأكل الصائم عند الإفطار وعند السحور، وكره الوصال، فالأكل -حينئذ- عبادة لله.

وإذا طلع الفجر أمسك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلى الَّيْلِ} [البقرة: 187].

وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره ربه تعالى بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق وشهوات وأمزجة، وإنما هي طاعة لله تعالى، وتنفيذ لأمره.

وإن العبودية لله سبحانه لهي الحرية الحقيقية، وكمال الحرية في كمال العبودية له تعالى.

ولذلك قال عياض -رحمه الله-:
ومــما زادني شرفــًا وتيهـا *** وكدت بأخمصـي أطــــأ الثريـا
دخولي تحت قولك:"يا عبادي" *** وأن صيَّرت أحمد لي نبيا


ويقول الآخر:
أطعتُ مطامعي؛ فاستعبدتْــني *** ولو أني قنعـتُ لكنـت حـرَّا

وهذا المعنى متحقق في الصلاة والحج وغيرهما، فالعبد في صلاته حينًا يقف، وحينًا يركع، وحينًا يسجد، وحينًا يقعد؛ لأن هذا هو أمر الله ومراده، فيحقق المصلي العبودية بامتثاله.

وفي حجه لا ينهى عن الأكل والشرب، لكنه ينهى عن محظورات أخرى يجب على المحُرِم تجنُّبها: من جماع، ودواعيه، ومن تغطية الرأس، والطيب، وتقليم الأظافر، وقص الشعر.. فيجب عليه تجنبها؛ لأن الله تعالى أراد منه ذلك.

ولو امتنع عن شيء لم يمنعه الله منه -كالأكل والشرب-، معتقدًا أن ذلك لأجل الإحرام لكان مبتدعًا، كما أنه لو فعل شيئًا من محظورات الإحرام كان مخطئًا.

فإذا انتهى إحرامه كان مطالبًا بأن يحلق رأسه أو يقصره، وأن يغتسل ويتزين ويتطيب ويقلم أظفاره (ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم) [الحج: 29].

هكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لله تعالى، بحيث يأمره بالشيء؛ فيمتثل، ويأمره بضده؛ فيمتثل، سواء أدرك الحكمة أو لم يدركها.

المعنى الرابع: أن الصوم تربية للمجتمع:
وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم؛ فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي، يلتقي عليه الجميع.

إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئًا من الكلفة، بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل، لا كلفة فيه، ولا مشقة؛ للسبب الذي سلف ذكره، حيث إن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صيامًا، وإن دخل البيت وجد أهله صيامًا، وإن ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صيامًا..

وهكذا، فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه؛ فيكون ذلك عونًا له، ومنسيًا له ما قد يجده من المشقة؛ ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها، إما لمرض أو لغيره، نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان؛ لأن المجتمع من حولهم مفطرون، يأكلون ويشربون، وهم مضطرون لمخالطتهم.

إذن، فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته، يخفف عليه أمر الصوم، ويعينه على تحمله بيسر وسهولة، وهذا الأمر ملحوظ، حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع، حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلـب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك تربية للمجتمع بجملته.

ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية، لا مناص من وقوعه في المجتمع، وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك مَن سَرَق، ومَن شرب الخمر، ومَن زنا..

فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو: أن تعلن المنكرات ويجاهر بها؛ فيتلوث المجتمع العام، ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي؛ لأن المجتمع يضغط عليه، ويثنيه عن غايته.

فتربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح، ولعل من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستسرون بالعصيان، وترى الكفار لا يعلنون الأكل والشرب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:24 am

الوقفة الرابعة
مع فضائل الصيام
=========
للصيام عدة فضائل منها:
**أن الصيام جُنة (1) من النار، كما روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم جنة يستجن بها العبد من النار" (2)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا" (3).

فإذا كان صوم يوم واحد يباعد وجه الصائم عن النار سبعين عامًا؛ فما بالك بصوم شهر رمضان كله، أو صوم ثلاثة أيام من كل شهر نافلة، أو غير ذلك من أنواع الصيام المشروع؟! إنه لفضل عظيم..

والصوم جنة من الشهوات، فقد جاء في حديث ابن مسعود -المتفق عليه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (4)، فأرشد صلى الله عليه وسلم الشاب الذي لا يستطيـع الزواج أن يستعين بالصوم على إطفاء أجيج الشهوة؛ لأن الصوم يجأ الشهوة ويقطعها.

وإن كثيرًا من الشباب اليوم يشتكون من الشهوة، التي يثيرها ما شاع في هذا العصر بخاصة؛ من نساء يتبرجن في الأسواق، ومجلات هابطة في المكتبات والمحلات ، وغير ذلك من الفتن التي تلاحق الشباب في الطائرة، وفي الشارع، وفي المستشفى.. وغيره، والشاب مجبول على ما ركّب الله تعالى فيه من الشهوة الغريزية، التي تتحرك عند وجود ما يثيرها، وبخاصة إذا اجتمع مع ذلك ضعف الوازع الديني..

فإلى هؤلاء الشباب نهدي هذه النصيحة النبوية:
"ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".

ولقد ثبت بالتجربة جدوى هذا الطب النبوي، الذي يمثل دواءً ناجعًا لما يكابده الشباب من الشبق (5)، ويغني عن غيره من الأدوية المادية.

**أن الصوم سبيل إلى الجنة، فقد روى النسائي -بسند صحيح- عن أبي أمامه رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به قال: "عليك بالصيام؛ فإنه لا مثل له" (6).

فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه لا شيء يقرب العبد من الله، ويباعده من عذابه كالصيام.

بل أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن في الجنة بابًا خاصًا بالصائمين، كما في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد" (7).

ونلاحظ أن اسم هذا الباب يتناسب مع صفة الصائم الذي يصيبه العطش من أثر الصيام.

**أن الصيام يشفع لصاحبه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيـام والقرآن يشفعـان للعبد يوم القيامـة، يقول الصيام: أي ربَّ، منعته الطعـام والشهوات بالنهار؛ فشفَّعني فيه، ويقول القـرآن: منعتـه النـوم بالليل، فشفعـني فيه. قال: فيشفعان" (8).

فالصوم يتمثل يوم القيامة شيئًا حسيًا، ينطق ويشفع لصاحبه، سواء كان صوم فرض أو صوم نفل.

**أن الصوم كفارة ومغفرة للذنوب، فإن الحسنات تُكَفَّرُ السيئات، قال الله تعالى: {إنَّ الحَسَنات يُذْهِبْنَ السَّيئِاتِ} [هود: 114]، والصوم فيه من الحسنات الشيء الكثير.

وفي تكفير الصوم للذنوب وردت أحاديث عدة، منها حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها: الصلاة والصيام والصدقة" (9)، أي أن كل ما يبدر من العبد من أخطاء في حق أهله؛ بكلمة نابية، أو تقصير، ومن أخطاء في حق جيرانه: كل ذلك وما أشبهه من الصغائر تكفرها الصلاة والصوم والصدقة.

وفي الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (10)، أي: إيماناً بالله سبحانه وتعالى واحتسابًا للأجر الذي أعدّه الله -تبارك وتعالى- للصائمين.

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتَنَبَ الكبائر" (11)؛ فصوم رمضان سبب لمغفرة الذنوب التي بينه وبين رمضان الذي سبقه، إذا اجتنبت كبائر الذنوب؛ فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة -كما هو مذهب جمهور علماء السلف-، ولذلك قال الله تعالـى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِرْ عَنكُمْ سَيِئَاتِكُم مُدْخَلاً كَرِيمًا) [النساء: 31].

**أن الصوم سبب للسعادة في الدارين، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه" (12).

أما فرحته عند فطره فهي نموذج للسعادة واللذة التي يجدها المؤمن في الدنيا؛ بسبب طاعته وتقواه لمولاه سبحانه وتعالى، وهي السعادة الحقيقية.

وفرحته عند فطره تأتي من جهتين:
الأولى: أن الله تعالى أباح له الأكل والشرب في تلك اللحظة، والنفس -بلا شك- مجبولة على حب الأكل والشرب؛ ولذلك تعبدنا الله -تبارك وتعالى- بالإمساك عنهما.

الثانية: سرورًا بما وفقه الله -تعالى- إليه من إتمام صيام ذلك اليوم، وإكمال تلك العبادة، وهذا أسمى وأعلى من فرحه بإباحة الطعام له.

**أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، وخلوف فمه هو: الرائحة التي تنبعث من المعدة -عند خلوها من الطعام- عن طريق الفم، وهي رائحة مكروهة عند الخلق، لكنها محبوبة عند الخالق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في الحديث المتفق عليه-: "والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله مـن ريـح المسك " (13).

وفي هذا دليل على أنه لا بأس من أن يستاك الصائم بعد الزوال؛ بل هو أمر مستحب -على القول الراجح الصحيح- في المواضع التي يستحب فيها السواك في كل حال: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول المنـزل، وعند الاستيقاظ من النوم… إلى غير ذلك من المواضع؛ لأن هذا الخلوف ليس من الفم، وإنما هو من المعدة.

وكما أن خلوف فم الصائم المكروه لدى المخلوقين أطيب عند الله –سبحانه- من ريح المسك؛ فكذلك دم الشهيد يوم القيامة له رائحة المسك، مع أن الدم -من حيث هو- مستقذر؛ بل هو نجس عند أكثر الفقهاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما مِن مكلوم (14) يُكْلَم في الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يَدمى، اللون لون دم، والريحُ ريح مسك" (15).

وهكذا فإن ما قد يكون مكروهًا للبشر يكون محبوباً عند الله؛ لأنه من آثار التقرب إليه؛ ولهذا كان بكاء المذنبين، وانطراحهم بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ من أعظم القربات إليه، وربما كان في كثير من الأحيان خيرًا من كثير من العبادات والطاعات التي يدلُّ بها العبد، ويستعظمها في نفسه، وقد يزهى بها، بخلاف المنكسرين الباكين، المحسين بتقصيرهم -وإن كانوا مذنبين-.

وليس شيء أعظم من الدعاء؛ لأن الدعاء يتحقق فيه انكسار العبد وذله، وخضوعه بين يدي ربه، ويظهر فيه فقره، وحاجته إلى فضلـه، وبخاصة حـين يكـون العبـد مضطـرًا: {أَمَّن يُجيبُ المُضْطرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} [النمل: 62].
=====================
(1)     الجُنّة: السترة. لسان العرب (13/94).

(2)     أخرجه أحمد (14840) من حديث جابر رضي الله عنه. وأورده الهيثمي في المجمع (3/180) وقال: إسناده حسن اهـ، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (1452).
(3)     أخرجه البخاري (2840)، ومسلم (1153) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)     البخاري (5065)، ومسلم (1400) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(5)     الشَّبقَ: شدة الشهوة.
(6)     أخرجه عبد الرزاق (7899)، وابن أبي شيبة (8895)، وأحمد (21773)، والنسائي (2221)، وابن خزيمة (1893)، وابن حبان (3425)، والحاكم (1533) والبيهقي (8263)، والطبراني في الكبير (7463)، والبيهقي في شعب الإيمان (3893)من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/181): رجال أحمد رجال الصحيح. اهـ وقد صححه الحاكم.
(7)     البخاري (1896)، ومسلم (1152) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
(8)     أخرجه ابن المبارك في الزهد (385)، وأحمد (6589)، والحاكم (2036)، والبيهقي في شعب الإيمان (1994)وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي في المجمع (10/381): إسناد أحمد حسن على ضعف في ابن لهيعة وقد وثق اهـ.
(9)     البخاري (525)، ومسلم (144) من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
(10)     البخاري (38)، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(11)     أخرجه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(12)     أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(13)     أخرجه البخاري (1904) ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(14)     المكلوم: الذي فيه جراح، والكَلْم: الجراحة. مختار الصحاح (ص240).
(15)     رواه البخاري (5533) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:31 am

الوقفة الخامسة
من فضائل شهر رمضان
==============
بعد أن تحدثنا عن فضائل الصوم -فرضًا كان أو نفلاً- نقف هنا مع فضائل الشهر الكريم:

**فهو شهر القرآن:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) [البقرة: 185].

وقوله: (أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) يحتمل عدة معان:
فقد يكون المراد إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

وقد يكون المقصود أن إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ابتدأ في شهر رمضان؛ ذلك أن القرآن نزل أول ما نزل في ليلة تقابل ليلة القدر، وليلة القدر من رمضان.

وقيل: إن معنى قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ) أي: الذي أنزل القرآن في مدحه، والثناء عليه، وبيان فضله، وإيجاب صيامه، وأقوى هذه المعاني هو الأول، والمعنى الثاني قريب منه.

**وهو شهر الصبر:
فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات تجليه في الصوم، حيث يحبس المسلم نفسه: عن الأكل، والشرب، والجماع وغيره في النهار طوال شهر كامل؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، وجزاء الصبر الجنة، كما يقول الله تعالى: (إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

**وفيه تغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفد الشياطين ومردة الجن:
كما جاء في الحديث المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" (1) وفي لفظ: "وسلسلت الشياطين" (2)، أي جعلوا في الأصفاد والسلاسل؛ فلا يَصِلون في رمضان إلى ما كانوا يَصِلون إليه في غيره، ولذلك تجد أن وسوسة الشيطان، وكيده، وتلبيسه على الناس في رمضان أقل منه في غيره، بل إن الشيطان يخاف من رمضان كما يخاف من الأذان والإقامة؛ فيوليَّ عند سماعهما.

ولعل من المُشَاهَد الملحوظ أنه إذا أقبل رمضان بدأ العصاة يستعدون للتوبة، وكثيرًا ما يسأل بعض الناس قبيل رمضان أسئلة تدل على استعدادهم للتوبة؛ وعزمهم عليها، فيقول أحدهم: أنا عندي مظلمة؛ فكيف أتخلص منها؟ ويقول آخر: أنا أقع في المعصية الفلانية؛ فكيف أتوب منها؟ ويقول غيره: أنا أقصر في الطاعة الفلانية؛ فكيف أحافظ عليها؟ وهكذا يتأهبون للتوبة قبل رمضان، فالشيطان يخاف من قدوم رمضان وقربه، حيث يضعف كيده وتأثيره، فما بالك إذا دخل رمضان، وسلسل الشيطان، وصفد بالأغلال، فلا يستطيع إغواء الناس إلا في أقل القليل من الذنوب.

على أن هناك نفوسًا شريرة؛ شديدة التقبل لوسوسة الشيطان، فهي -حتى حين يضعف تأثير الشيطان في رمضان- يكون فيها شر في ذاتها، فتستمر على ما كانت عليه من معصية وإسراف.

**وفى هذا الشهر ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، (لَيْلَةُ الْقْدرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ اجب تَنَـزَّلُ المَلئِكَةُ وَالرُّوحُ فيِهَا بإِذْنِ رَبِهِم مِنْ كُلِ أَمْرٍ احب سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 3- 5].

وقد حسب بعض أهل العلم ألف شهر، فوجدوها تزيد على ثلاث وثمانين سنة، وفي موطأ الإمام مالك -بسند مرسل-: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله -أو ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، خير من ألف شهر" (3).

وإنه لفضل عظيم أن يدرك العبد ليلة القدر؛ فيكون قد أدرك فضل ثلاث وثمانين سنة أو أكثر.

**وفيه دعاء مستجاب، فقد ورد عن جابر رضي الله عنه -بسند جيد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لٍلهِ في كل يوم وليلة عُتَقَاءَ من النار في شهر رمضان، وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب" (4)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما– أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– قال: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد" (5)، فليحرص العبد عند إفطاره على التضرع إلى الله تعالى بجوامع الدعاء.
========================
(1)     أخرجه البخاري (1898)، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.

(2)     البخاري (1899)، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.
(3)     أخرجه مالك (698) مرسلاً، قال ابن عبد البر في التمهيد (24/373): لا أعلم هذا الحديث يروى مسندًا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه خارج الموطأ مرسلاً ولا مسندًا، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكامًا، ولا بنى عليها في كتابه ولا في موطئه حكمًا.اهـ.
(4)     أخرجه البزار في مسنده، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/149) وقال: رجاله ثقات.اهـ، وأخرج أحمد (7401)مرفوعًا: "إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة" وقد أشار الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (7/203) إلى أن هذا مقيد بشهر رمضان.
(5)     أخرجه ابن ماجه (1753) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (636): إسناد صحيح رجاله ثقات.اهـ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:38 am

الوقفة السادسة
مع بعض أحكام الصيام
=============
إن الكلام عن أحكام الصيام يطول، ولكن لا بأس بالحديث عن أبرزها باختصار:

أولاً: ما يثبت به دخول رمضان:
يثبت دخوله إما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، أو برؤية هلال رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" (1)، وفي لفظ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (2).

ولا يثبت بغير ذلك، ولهذا لا يعتمد -مثلاً- على الرؤيا. ومن طريف ما يُروى -هنا- أن العراقي ذكر في (طرح التثريب) أن القاضي حسين -وهو من فقهاء الشافعية- جاءه رجل فقال له: أنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: إن الليلة من رمضان، فقال القاضي حسين: "إن الذي تزعم أنك رأيته في المنام رآه الصحابة في اليقظة، وقال لهم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته".

ولا يجوز -على الراجح- أن يصوم المسلم آخر يوم من شعبان، احتياطًا لرمضان، وأما من صام ذلك اليوم لأنه يوافق يومًا كان يصومه؛ فلا حرج، كأن يصومه لأنه يوافق يوم الاثنين أو الخميس؛ أو لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوافق يوم صومه آخر شعبان، أو غير ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (3).

ثانيا: النية:
لابد من تبييت النية في صوم الفرض؛ لما روت حفصة -رضي الله عنها-، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (4).

أما صيام النفل فلا يجب فيه تبييت النية من الليل؛ بل يجوز بنية من الليل أو النهار، فلو نوى المرء صوم النافلة بعد طلوع الشمس -مثلاً- فصومه صحيح.

وهنا تنبيهان حول تبييت النية:
الأول:
أن بعض الناس يوسوسون في النية، والوسوسة في النية من أخطر أنواع الوسواس؛ فترى بعضهم يتكلفون ويشككون في تبييتهم لنية الصيام، وهذا كله من تلبيس إبليس الذي يجب ألا يلتفت إليه الصائمون، فإن المسلم بمجرد دخول رمضان يستقر في نفسه أنه سيصوم رمضان كله، وهذا يكفي.

الثاني:
أن الليل يشمل جميع المدة التي قبل طلوع الفجر، فلو نام أحد من الليل بدون أن يعلم أن تلك الليلة من رمضان، ثم استيقظ قبل طلوع الفجر ببضع دقائق، وعلم أن الليلة من رمضان، فتناول ما تيسر، ثم أمسك؛ لكان ذلك كافيًا، وليس المقصود بتبييت النية أنه يلزمه أن ينام، وقد نوى أنه سوف يصوم.

ثالثًا: السحور:
أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالسحور، كما في الحديث المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تسحروا، فإن في السحور بركةً" (5)، وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" (6).

فاليهود والنصارى -فيما يظهر- لا يتسحرون؛ ومخالفةً لهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يتسحروا، فينبغي الحرص على السحور ولو على شربة من ماء، إن لم يجد المسلم غيرها.

رابعًا: الإفطار:
يستحب تعجيل الفطر، وتأخير السحور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في الحديث المتفق عليه-: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (7)، وجاء من طرق عن العباس رضي الله عنه وغيره: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحـور" (8).

وفي صحيح مسلم أن عائشة -رضي الله عنها- سُئلت عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار، ويؤخر الصلاة؛ أيهما أفضل؟ فقالت: "عن الذي يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم" (9).

فيستحب للصائم أن يبادر بالفطر بمجرد ما يتيقن غروب الشمس، وأن يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد حَسَا حَسَوَاتٍ (10) من ماء، كما روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يُفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء" (11).

ويستحب أن يقول عند الإفطار: "ذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" (12).

هذا أصح ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء عند الإفطار، ولا يثبت في أدعية الإفطار غيره، لكن للصائم أن يدعو عند فطره بما شاء من خيري الدنيا والآخرة .

خامسًا: المفطَّرات:
ومن أحكام الصيام ما يتعلق بالمفطرات التي تفسد الصوم، وهي:
3،2،1 - الأكل والشرب والجماع:
إذا تعمد الصائم شيئًا منها، من غير إكراه ولا نسيان، فإنه يفسد صومه بنص القرآن، وإجماع أهل العلم، قال الله تعالى: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالْئـنَ باشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كتَبَ الله ُلَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيَطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفجـْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى الَّيل} [البقرة: 187].

فمن أفطر بالأكل أو الشرب عمدًا فعليه التوبة والاستغفار، وأن يقضي يومًا مكان يومه الذي أفسد صومه فيه، وليس عليه كفارة، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم.

وأما من أفطر بالجِمَاع فإن عليه أربعة أمور:
الأول: أن يمسك بقية اليوم؛ لأن هذا فطر غيرمشروع، فليس له أن يأكل أو يشرب حتى تغرب الشمس.

الثاني: أن عليه التوبة؛ لأنه ارتكب إثمًا عظيمًا يُوجِب التوبة والإنابة.

الثالث: أن يقضي اليوم الذي جَامَعَ فيه.

الرابع: أن عليه الكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه الكفارة.

4 - القيء عمـدًا:
وهو أن يتعمد المـرء إفراغ ما في معدته، إما بإدخال إصبعـه في فمه، أو بشـم شيء يهيج المعدة، أو بغير ذلك، فإذا بدر من الصائم هذا العمل؛ فقد فسـد صومه، وعليه قضاء يومه ذلك.

وأما من غلبه القيء بدون إرادة منه أو تعمد، فصومه صحيح ولا قضاء عليه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه (13) القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدًا فليقض" (14) رواه أبو داود والترمذي، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه (حقيقة الصيام) أنه حديث صحيح (15).

6،5 - الحيض والنفاس:
فإن المرأة إذا حاضت أو نفست؛ فإنه لا يصح منها الصوم بالإجماع، فقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (16).

هذه هي المفطرات المشهورة، ويدخل فيها ما كان في معنى أحدها، فالإبر المغذية التي يستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب تفطر الصائم؛ لأنها في معنى الأكل والشرب.

والاستمناء يفطر؛ لأنه في معنى الجماع، وهكذا كل ما كان في معنى شيء من المفطرات.
======================
(1)     رواه البخاري (1900)، ومسلم (1080) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

(2)     البخاري (1909)، ومسلم (1081) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)     رواه البخاري (1914)، ومسلم (1082) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)     أخرجه مالك (637)، وأحمد (25918)، والدارمي (1698)،وأبو داود(2454)، والترمذي (730)، والنسائي في المجتبى (2331)، وفـي الكبرى (2642)، وابن ماجـه (1700)، والدارقطني (2/172)، والطبراني في الكبير(367)، وابن خزيمة (1933)، والبيهقي في الكبرى (7696) عن حفصة رضي الله عنها. قال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (202): فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوفًا.اهـ ورجح وقفه النسائي في الكبرى (2642).
(5)     البخاري (1923)، ومسلم (1095) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6)     مسلم (1096) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(7)     البخاري (1957)، ومسلم (1098) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(8)     أخرجه أحمد (20805) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد(3/154): فيه سليمان بن أبي عثمان قال أبو حاتم مجهول. اهـ، وقد رمز لحسن الحديث السيوطي في الجامع الصغير (13240)، وصحح الشيخ الألباني قوله سبحانه وتعالى: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر" في صحيح الجامع (7284)، لورود شواهد تقويه، وحكم بالضعف على لفظة: "وأخروا السحور" انظر ضعيف الجامع (6212). قال ابن عبد البر: أخبار تعجيل الفطر وتأخير السحور متواترة.اهـ نقلا عن فيض القدير للمناوي (13240).
(9)     أخرجه مسلم (1099) عن أبي عطية الهمْدَاني.
(10)     تجرع جرعة بعد جرعة. المعجم الوسيط (1/181).
(11)     رواه أحمد (12265)، وأبو داود (2356)، والترمذي (696)، والدارقطني (23)، والحاكم (1575)، والضياء في المختارة (1585) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وقد صححه الدارقطني وكذلك الحاكم وقال: على شرط مسلم.
(12)     رواه أبو داود (2357)، والدارقطني (24)، والحاكم (1536)، والبيهقي في الكبرى (7922)، وفي شعب الإيمان (3902) من حديث عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-، وقال الدارقطني: إسناده حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
(13)     ذرعه: غلبه. المعجم الوسيط (1/322).
(14)     أخرجه ابن أبي شيبة (9188)، وأحمد (1008)، وأبو داود (2380)، والترمذي (720)، وابن ماجه (1676)، ابن الجارود (385)، وابن خزيمة (1960)، وابن حبان (3518)، والحاكم (1557) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال الترمذي: حديث حسن غريب.اهـ، وقال الدارقطني: رواته ثقات اهـ، قال المناوي في فيض القدير (1118): ذكر الترمذي أنه سأل عنه البخاري فقال: لا أراه محفوظاً، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده وأنكره أحمد، وقال الدارمي: زعم أهل البصرة أن هشاماً وهم فيه. اهـ
(15)     انظر حقيقة الصيام ص 13 وما بعدها.
(16)     أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:46 am

الوقفة السابعة
رُخَصُ الصـوم
========
ثمة رخص عديدة امتن الله بها على الصائمين؛ رفعًا للحرج والمشقة عن العباد، منها:

أولاً:
من أكل أو شرب ناسيًا، وهو صائم؛ فصومه صحيح، ولا قضاء عليه، وهذا هو الراجح عند جمهور العلماء، خلافًا لمالك -رحمه الله-، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه " (1).

لكن يجب عليه إذا تذكر وفي فمه شيء أن يلفظه، وكذلك يجب على الذي يراه وهو يأكل أن يذكِّره أنه في نهار رمضان؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى.

ثانيًا:
أن من أصبح جنبًا من جماع أو احتلام في الليل؛ فإنه يصوم ولا شيء عليه، ويغتسل بعد ذلك، أي أنه يصح أن ينوي الصيام وهو جنب، خلافًا لما أفتى به أبو هريرة رضي الله عنه في أول الأمر، فإن هذا كان أول الأمر ثم نسخ.

ثالثًا:
السواك بعد الزوال: فإنه مرخص فيه للصائم بعد الزوال، بل هو مستحب في المواضع التي يستحب فيها في سائر الأحوال، وسيأتي حديث مستقل عن هذا الأمر (2).

رابعًا:
المضمضة والاستنشاق، ينبغي ألا يبالغ فيهما؛ خشية أن يصل شيء من الماء إلى حلقه؛ فيفطر بذلك. ففي حديث لقيط بن صبرة صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (3)، وفي بعض الروايات: "وبالِغْ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (4).

خامسًا:
جواز الفطر في نهار رمضان للمسافر، وهو أفضل من الصوم إن كان الصوم يشق عليه، حتى لو كان سفره في الطائرة، أو في سيارة مريحة، أو نحو ذلك.
================
(1)     البخاري (6669)، ومسلم (1155).

(2)     انظر ص 91 فما بعدها.
(3)     أخرجه أحمد (15946)، والدارمي (705)، وأبو داود (2366)، والترمذي (788)، والنسائي (144)، وابن ماجه (407) من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(4)     أخرجه الدولابي في جزء من حديث الثوري كما في نصب الراية (1/16)، وتلخيص الحبير (1/81) وغيرهما.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:51 am

الوقفة الثامنة
أخطاء الصائمين
=========
لا ريب أن الصائمين من خير عباد الله تعالى، ولكن ثمة أخطاء يقع فيها بعض الصائمين، فلابد من التنبيه إليها، والتحذير منها.
 
فمن ذلك:
أولاً:
أن بعض الناس يقبلون على العبادة في رمضان، ويدعونها في غيره، فترى المساجد تمتلئ في رمضان فقط، بل إن من المحزن أن تراها تمتلئ في وقت المغرب بالذات بشكل أكبر، ويكون ذلك في اليوم الأول أبرز منه في اليوم الثاني، ولا يزال الناس يتناقصون، حتى يكون آخر شهر رمضان مثل غيره من الشهور تقريبًا.

وهذا أمر خطير، وظاهرة مرضية، كأن هذا الصنف لا يعرفون الله إلا في رمضان- والعياذ بالله-.

فيجب على الدعاة، والوُعَّاظ، وأئمة المساجد؛ أن يستغلوا فرصة خروج أولئك الناس من بيوتهم إلى المساجد؛ لينبهوهم إلى خطورة هذا العمل، وفداحة أمر التهاون بالصلاة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (1).

ثانيًا:
أن بعض الناس يصومون عن: الأكل، والشرب، والجماع، وغيره من المفطرات، ولا يصومون عن أشياء محرمة: كالغيبة، والنميمة، وقول الزور، وشهادة الزور، والكذب، والسب، والشتم، والغش، والاعتداء… وغير ذلك من المخالفات القولية أو الفعلية.

وهذا لا شك أنه انتكاس في مفهوم الصيام؛ لأن الصوم تربية للصائم، فليس من المعقول أن يربيك الله على الإمساك عن بعض المباح، ثم لا تمسك عن المحرمات.

ولقد قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (2) ولقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصائم يفطر بارتكابه لشيء من هذه المحرمات؛ من غيبة ونميمة وغيرها، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، وقد احتجوا بحديث المرأتين اللتين غلبهما الصيام، فعن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا، وأن رجلاً قال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه، أو سكت، ثم عاد وقال: يا نبي الله، إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا، قال: ادعهما، قال: فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحًا أو دمًا وصديدًا ولحمًا، حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط (3) وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس" (4).

لكن هذا الحديث ضعيف، والصحيح أن الصائم لا يفطر بالغيبة والنميمة ونحوها، لكنه قد ارتكب جرمًا عظيمًا، وخالف مقاصد الصيام.

ثالثًا:
أن بعض المتحدثين عن فضائل الصيام، يركزون في حديثهم على الفوائد الدنيوية للصوم؛ كالفوائد الصحية -مثلاً-، وينسون أو يقصرون في تنبيه الناس إلى الجانب الأخروي في الصيام، وأنه عبادة لله تعالى حتى لو فرض أنه كان غير صحي؛ ولهذا فإن المؤمن يخوض المعارك وقد تذهب روحه فيها؛ لأن ذلك طاعة وعبادة لله تعالى.

إذن فليس المقصود الأول من الصوم أن يصح الجسد، ويسلم من الآفات، أو أن يحصل الصائم على منفعة عاجلة، وإنما المقصود التعبد لله تعالى، وتأتي الفوائد الدنيوية تبعًا.

رابعًا:
سوء الخلق: فبعض الصائمين يبدو سيئ الخلق؛ بسبب امتناعه عن الأكل والشرب، فتراه قاسيًا فظًا غليظًا على أهله، وعلى الناس الذين يعاملهم ويحتك بهم، يستعمل الألفاظ النابية، ويتصرف تصرفات متشنجة، وهذا خلاف ما يجب أن يكون عليه الصائم من حسن الخلق الذي أوصاه به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: "الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" (5).

فما بال بعض الناس إذا صام اشتدت أعصابه، وطار صوابه، وطفق يرمي بالعبارات الجافية القاسية أهلَه وأولاده، وجيرانه وزملاءه ومعامليه، وربما كان في غير حال الصوم هادئًا وديعًا، خلوقًا لطيفًا!!

خامسًا:
أن بعض الصائمين يتخذ رمضان فرصة للكسل والخمول، في حين أن المسلمين الأوائل كانوا على عكس ذلك، فكثير من المعارك الإسلامية الشهيرة كانت في رمضان.

وبعض الذين يجعلون رمضان فرصة للإكثار من النوم ويحتجون بأحاديث ضعيفة، مثل حديث: "نوم الصائم عبادة" (6)، وعلى فرض صحته فإنه لا يدل على مرادهم، فإن الذي ينبغي للصائم هو أن يغتنم رمضان للاستزادة من العمل الصالح بهمة ونشاط.

سادسًا:
التوسع في المآكل والمشارب، فإن كثيرًا من الناس يستعدون لاستقبال شهر رمضان بألوان المطعومات والمشروبات، مما قد لا يعرفونه في غير رمضان، وهذا -بلا ريب- ينافي الحكمة من مشروعية الصيام، (فقد جعله الله للقلب والروح فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله للحلم والصبر فجعلوه للغضب والطيش، جعله الله للسكينة والوقار فجلعوه شهر السباب والشجار، جعله الله ليغيروا فيه من صفات أنفسهم فما غيروا إلا مواعيد أكلهم، جعله الله تهذيباً للغني الطاعم، ومواساة للبائس المحروم فجعلوه معرضاً لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد حسرة الفقير! فلعل المسلمين يصومون الصيام الذي يعدهم لتقوى الله كما أمر القرآن حتى يخرجوا من رمضان مطهرين مغفوري الذنوب) (7).
====================
(1)     أخرجه أحمد (22428)، والترمذي (2621)، والنسائي (463)، وابن ماجه (1079) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

(2)     أخرجه البخاري (1903) من حديث أبي هريرة
(3)     دم عبيط: طرِيّ. المعجم الوسيط (2/602).
(4)     أخرجه الطيالسي (2107)، وأحمد (23141)، والروياني (729) والبيهقي في شعب الإيمان (6722)، من حديث شيخٍ عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 171): فيه رجل لم يسم.اهـ
(5)     أخرجه البخاري (2216)، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)     أخرجه ابن صاعد في مسند ابن أبي أوفى (43)، والبيهقي في شعب الإيمان (3937، 393،3939) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. قال المناوي في فيض القدير (12740): قال البيهقي فيه معروف بن حسان ضعيف، وسليمان بن عمر النخعي أضعف منه. اهـ، وقال الحافظ العراقي: فيه سليمان النخعي أحد الكذابين اهـ وأقول: فيه أيضاً عبد الملك بن عمير أورده الذهبي في الضعفاء، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن معين: مختلط، وقال أبو حاتم: ليس بحافظ. اهـ، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (5/83) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والسهمي في تاريخ جرجان (1/370) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وانظر ضعيف الجامع (5972).
(7)     العبادة في الإسلام للقرضاوي ص 279،280.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:56 am

الوقفة التاسعة
مع بعض الأحاديث الضعيفـة
===============
هناك عدة أحاديث يتداولها الناس في رمضان، وهي ضعيفة لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها:

**حديث: "نوم الصائم عبادة" (1) الذي سلف ذكره قريبًا، وقد رواه ابن منده عن ابن عمر، ورواه البيهقي عن عبد الله بين أبي أوفى، وهو ضعيف، ضعفه الحافظ العراقي في تعليقه على كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي.

**حديث: "من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يجزه صيام الدهر كله ولو صامه" (2).

هذا حديث مشهور على الألسنة، وقد ذكره البخاري تعليقًا، ورواه الأربعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أبي المطوّس عن أبيه عن أبي هريرة، وهو حديث ضعيف، فيه ثلاث علل: فأبو المطوّس هذا مجهول، وفيه احتمال الانقطاع بينه وبين أبي هريرة، وفيه كذلك اضطراب.

**حديث: "صوموا تصحوا" (3)، رواه ابن عدي، والطبراني في معجمه الأوسط، وهو حديث ضعيف، بل لعله ضعيف جدًا.

**حديث سلمان الفارسي الطويل المشهور، الذي كثيرًا ما قرأه أئمة المساجد على المصلين في مطلع رمضان من بعض كتـب الوعظ والفضائل، وهو ما روي عن سلمان –رضي الله عنه– قال: (خطبنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم– في آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة، كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء". قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة) (4).

وهو حديث ضعيف، في سنده علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، وكذلك نقل غيره تضعيفه عن أئمة آخرين.
======================
(1)     تقدم تخريجه قريبًا.

(2)     أخرجه ابن أبي شيبة (9783)، وعبد الرزاق (7475)، وأحمد (9730)، والدارمي (1714)، وذكره البخاري (2/683) تعليقًا بصيغة تفيد التمريض، وأبوداود (2396)، والترمذي (723)، وابن ماجه (1672)، والبيهقي في الكبرى (7854) من حديث أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال المناوي في فيض القدير (12240): فيه أبو المُطوِّس يزيد بن المُطوِّس تفرد به، قال الترمذي في العلل عن البخاري: لا أعرف له غيره، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا، وقال القرطبي:حديث ضعيف لا يحتج بمثله وقد صحَّت الأحاديث بخلافه، وقال الدميري: ضعيف، وإن علقه البخاري، وسكت عليه أبو داود، وممن جزم بضعفه: البغوي، وقال ابن حجر: فيه اضطراب قال الذهبي في الكبائر: هذا لم يثبت. اهـ
(3)     أخرجه ابن عدي في الكامل (2/357) من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس، ونهشل بن سعيد قال فيه إسحاق: كذاب، وقال النسائي: متروك الحديث. وأخرجه الطبراني في الأوسط(8312) من طريق زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد ذكر العقيلي هذا الحديث في ترجمة زهير في الضعفاء (549) وقال: لا يتابع عليه إلا من وجه فيه لين.اهـ وذكره السيوطي في الجامع الصغير (7944) وعزاه لأبي نعيم وابن السني في كتاب الطب النبوي لهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال العراقي: كلاهما سنده ضعيف.اهـ
(4)     أخرجه ابن خزيمه ( 1887) والمحاملي في أماليه (293) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3608) وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث سلمان الفارسي –رضي الله عنه- قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (1436): حديث ضعيف اهـ.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 05:03 am

الوقفة العاشرة
مع قول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ)
===============================
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (1).

وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (2).

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (3).

وقد أمر الله تعالى بتلاوة كتابه، وبيَّن أن هذا هو دأب الصالحين الصادقين، فقال سبحانه: (إِنَّ الذَّيِنَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرَّا وَعَلانِيَة ًيَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [ فاطر: 29، 30].

فقراءة القرآن هي التجارة الرابحة التي لا تبور، وذلك في جميع الدهور، وعلى مدى الأيام والشهور، لكنَّ لها في رمضان شأنًا أعظم وآكد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزيد عنايته بالقرآن في رمضان.

وذلك لأسباب:
السبب الأول:

أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فإن الليلة التي نزل فيها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الَّذي خَلَقْ، خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُكَ الأَكْرَمُ، الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق: 1- 4] كانت في شهر رمضان.

وقصة نزول جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (4)، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينـزع (5) إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَكُ، فقال: اقرأ، قـال: ما أنا بقارئ (6)، قال: فأخذني فغطني (7) حتى بلغ مني الجهد (8)، ثم أرسلني (9) فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الذي خَلَقْ، خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُكَ الأَكْرَمُ) [العلق: 1 – 3].

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- فقال: زمَّلوني زمَّلوني (10)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلاّ، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ (11)، وتكسب المعدوم (12)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أومخرجيَّ هم؟" قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب (13) ورقة أن تُوفَّي، وفتر الوحي" (14).

هذه الحادثة كانت في رمضان، كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي، فيما نقله ابن الجوزي في كتابه "زاد المسير في علم التفسير" (15) عند تفسير قول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْءَان} [البقرة: 185]، أي: ابتدأ إنزاله فيه.

ويحتمل أيضًا أن يكون هذا هو معنى قول الله تعالى: (إنَّا أَنزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) [الدخان: 3]، وقوله تبارك وتعالى: (إنَّا أَنزَلْناهُ في ليلة القَدْرِ) [القدر: 1] إلى آخر السورة، ذلك أن ليلة القدر من رمضان.

السبب الثاني:
أن رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وكما أطبق السلف على أن القرآن فُصِل من اللوح المحفوظ، وأُنزِل إلى بيت العزة في سماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم كان ينـزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نجومًا بحسب الوقائع والأحوال، كما هو معروف في أسباب النـزول.

وقد نقل هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، كواثلة بن الأسقع، وعائشة -رضي الله عنهما-، وجاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفًا.

ونُقِلَ –أيضًا- أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- لما قتل أبوه -وكان ذلك في رمضان سنة 40هـ- قام فخطب الناس وقال: "لقد قتلتم رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ورفع فيها عيسى إلى السماء، وقتل فيها يوشع بن نون، وتيب على بني إسرائيل".

والآثار في ذلك عن السلف كثيرة جدًا، وخلاصتها ما تقدم من أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، التي هي من رمضان.

السبب الثالث:
أن جبريل كان يأتيه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيدارسه القرآن كل ليلة، كما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" (16).

وفي العام الذي توفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عارضه جبريلُ القرآنَ مرتين (17).

إذن، فقد كان رمضان بالذات مخصصًا لتدارس القرآن بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم في كل سنة، بحيث يتم في كل رمضان مراجعة ما أُنزل من القرآن فيقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل يستمع إليه، ومن خلال المعارضة يتم إثبات ما أمر الله تعالى بإثباته، ونسخ ما أمر بنسخه (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ) [الرعد: 39].

كما أنه قد يتم –أيضًا- شرح معاني القرآن، وتدارسها بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد أخذ أهل العلم من ذلك:
مشروعية ختم القران في رمضان؛ لأن جبريل والنبي عليهما صلوات الله وسلامه، كانا يُنْهِيَان في كل رمضان ما سبق نزوله من القرآن، وفي آخر سنة أنهياه مرتين بالمدارسة والمعارضة -كما تقدم-، فهذا دليل على أنه يستحب للمسلم أن يقرأ القرآن الكريم كاملاً في رمضان مرة أو أكثر؛ بل إن السُّنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة، وإن استطاع ففي كل أسبوع مرة بل إن استطاع ففي كل ثلاث ليال مرة، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (18).

ولذلك كان السلف يخصصون جزءًا كبيرًا من وقتهم في رمضان لقراءة القرآن، حتى قال الزهري -رحمه الله-: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام.

وكان الإمام مالك -رحمه الله- إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف.

إذن، ففي رمضان أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وفيه ابتدأ إنزال القرآن على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيه كان جبريل يدارسه القرآن ويعارضه إياه؛ ولهذه الأسباب مجتمعة لابد أن تكون عناية المسلم بالقرآن مضاعفة في هذا الشهر الكريم، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين من بعده.

وحول موضوع العناية بالقران أود أن أشير إلى ملحوظات جوهرية:
الملحوظة الأولى:
أن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته، فَيَهُذُّ (19) الواحد منهم القرآن هَذَّ الشَّعر، بدون تدبر، ولا خشوع، ولا ترقيق للقلب، ولا وقوف عند المعاني؛ بل همه الوصول إلى آخر السورة أو آخر الجزء، أو آخر المصحف.

ولا شك أن القرآن ليس لهذا أُنزل؛ فإن الله تعالى يقول في هـذا الكتاب الكريم نفسه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَتِـهِ) [ص: 29]، وقال تعالى: (بوَرَتّلِ القُرْآنَ تَرْتيِلاً) [المزمل: 4]، وقال تعالى: (فَبِأيّ حَديث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 185، المرسلات:50].

(فَبِأيِ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَءَاياتِهِ يُؤْمِنُونَ) [الجاثية: 6].

فمن الخطأ أن يحمل أحدَنَا الحماسُ إذا سمع بعض الآثار عن السلف التي تفيد أنهم يختمون القرآن كل يومين مرة، أو كل يوم مرة؛ فيقول: لابد أن أقتدي بهم، ويمضي يهذُّ القرآن هذًّا، غير متمعَّن ولا متدبر، ولا مراعٍ لأحكام التجويد، أو مخارج الحروف الصحيحة.

إن كون العبد يقرأ بعضًا من القرآن: جزءًا، أو حزبًا، أو سورة -بتدبر وتفكر- خير من أن يختم القرآن كاملاً بدون أن يعي شيئًا منه.

وقد ثبت -في الموطأ- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه أخذ في تحصيل سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (20).

وهل كان ابن عمر -رضي الله عنهما- محتاجًا أن يمكث ثماني سنين ليستظهر سورة البقرة؟ كلا، فإن صبيان الكتاب يحفظون القرآن كله في سنة أو سنتين، ولكنه رضي الله عنه استغرق ثماني سنين في سورة البقرة: يحفظها، ويتعلم معانيها، وأحكامها، وناسخها، ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ويقف عند ما ورد فيها… إلى غير ذلك، وهذا الذي جعله يفني في ضبطها هذا الوقت الطويل.

الملحوظة الثانية:
أن هناك عادات شكلية في قراءة القرآن في بعض البلاد والبيئات، ففي بعض البيئات المصرية -مثلاً- عادة تسمى (المساهر) وكانت موجودة في الماضي بخاصة، ولعلها اندثرت، وهي أن يجلس الناس في شهر رمضان خاصة بعد صلاة التراويح إلى السحور في بيت أحد ذوي اليسار والغنى، فيستأجر لهم قارئًا يقرأ عليهم من كتاب الله، ويرفع الحاضرون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية قائلين: الله.. الله، أو: الله يكرمك، ربنا يكرمك.

ولا شك أن هذا العمل مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم من عدة جهات، منها:
أولاً:
أن قراءة القرآن بالأجر لا أصل لها، وهذا الذي يقرأ القرآن بالأجرة المادية ليس له ثواب عند الله تعالى، مادام قصدُه هذه الأجرة الدنيوية.

ثانيًا:
أن جمع الناس بهذه الطريقة لا تتم به الفائدة، وَلأَنْ يقرأ الإنسان وحده؛ ليتدبر ويتمعن ويخشع خير من اجتماع على زعق (21) وضجيج وأصوات، ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الذي يذكر الله خاليًا فيبكي، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ورجل ذكر الله خاليًا؛ ففاضت عيناه" (22).

ثالثًا:
أن رفع الأصوات عند قراءة القرآن ليس من سمت المؤمنين، بل هو منكر لا يجوز؛ لأن فيه سوء أدب مع كلام الله تعالى، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، ولا أصحابه -رضوان الله عليهم-، وإنما كان هديه صلى الله عليه وسلم حسن التأدب مع القرآن، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليَّ. قال: قلت: أقرأُ عليك، وعليك أُنزِلَ؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت (النساء)، حتى إذا بلغت: (فَكَيْفَ إذَا جئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41]. قال لي: كُفّ أو أمْسِكْ. فرأيت عينيه تذرفان" (23).

هذا هو الخشوع، والتأثر والاعتبار، وهذا هو الأدب الواجب مع القرآن، فصلى الله وسلم على معلم الناس الخير.

الملحوظة الثالثة:
حول ما يسمى (الختمة)، والمراد بها: قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، ثم الدعاء المعروف عند إتمام القرآن الكريم.

والناس في هذه القضية طرفان ووسط:

فمنهم من يقول:
إن هذه بدعة، ولا يفصَّل.

ومنهم من يقول:
إنها سنة، ويعمل بها بدون تفصيل أيضًا.

والذي أراه صوابًا أنه لابد من التفصيل في ذلك، كما يلي:
أولاً: إتمام القرآن الكريم -في صلاة التراويح والقيام- مشروع كما سبق.

ثانيًا: الدعاء عند ختم القرآن الكريم –أيضًا- مشروع، فقد ثبت من حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد وأبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤا القرآن، وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح (24)، يتعجلونه ولا يتأجلونه" (25) أي يتعجلوه أجره.

ومن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عند أحمد والطبراني: "من قرأ القرآن فليسأل الله به..." (26).

وفي سنن الدارمي بسند جيد أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن الكريم جمع أهل بيته فدعا بهم (27).

إذن، فالدعاء عند ختم القرآن مستحب.

ثالثًا: هذا الدعاء -الذي يقال عند ختم القرآن- إن كان في صلاة فينبغي أن يكون في صلاة الوِتْر، سواء في التراويح أو في القيام؛ وذلك لأن الوتر هو الموضع الذي ثبت شرعًا أنه مكان الدعاء، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقنت في وتره، وعلَّم الحسن -كما في سنن الترمذي بسند حسن- أن يقول في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" (28).

إذن، فالسنة أن يكون الدعاء في الوتر، سواء كان ذلك قبل الركوع أو بعده، فكلاهما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أكثر دعائه بعد الركوع (29).

رابعًا:
هذا الدعاء لا مانع من إطالته بمناسبة ختم القرآن، وإضافة أدعية تتعلق بالقرآن الكريم، مثل ما يقول بعض الأئمة: اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصَّتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل القرآن لنا شفيعًا… إلى غير ذلك من هذه الأدعية، وهذه ملاءمة جيدة.

أما الدعاء الشائع عند الناس، الذي يبدأ بقولهم: "صدق الله العظيم الذي لم يزل عليمًا قديرًا، صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً، صدق الله العظيم، وبلَّغ رسولُه الكريم، ونحن على ما قال ربنا من الشاهدين، ولما أوجب وأنزل غير جاحدين.." إلخ؛ فهذا لا أصل له، والأولى تجنُّبه، وبخاصة أنه انتشر عند الناس، حتى ظنه بعضهم من السنن، فلو تركه أحد لأنكروا عليه، وقالوا: خالفْتَ السنة.

ولا ريب أن مما يدخل في المنع أن بعض الناس يزيد في دعاء ختم القرآن مواعظ تتعلق بذكر القبر، وما يقع فيه من عذاب، والصراط، والبعث، والجزاء، والحساب، والجنة والنار وما يقع فيهما.

ولا شك أن هذا ليس محله؛ بل هذا من الاعتداء المنهي عنه، وربما أوصل بعضهم إلى بطلان صلاته؛ لأن هناك من يحول الدعاء إلى موعظة وتذكير.

إذن، فالتفصيل في مسألة الختمة أمر جيد، وهو قول وسط بين المانعين بإطلاق أو المجيزين بإطلاق.

على أن الأمر لا ينبغي التشديد فيه -فيما يبدو-، فحتى الذين يقرؤون دعاء الختمة في غير الوتر -أي يقرؤونه في صلاة ثنائية من التراويح- يقولون: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر" (30)، كما ثبت ذلك عنه مرات، بل ثبت عنه القنوت في غير صلاة الفجر: في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء (31)، في أحاديث عديدة، فيقول هؤلاء: هذا من هذا.

وإن كانت العبادات ليس فيها مجال للقياس، وإنما مبناها على النص والتوقيف.
====================
(1)     رواه الترمذي (2910) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

(2)     رواه مسلم (804) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(3)     رواه البخاري (4937)، ومسلم (798) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)     فلق الصبح: ضياؤه .
(5)     ينـزع: يرجع. لسان العرب (8/351).
(6)     ما أنا بقارئ: لا أعرف القراءة ولا أحسنها.
(7)     فغطَّني: ضمني وعصرني حتى حبس نفسي. لسان العرب (7/362).
(8)     الجهد: غاية وُسعي. لسان العرب (3/133).
(9)     أرسلني: أطلقني. لسان العرب (11/283).
(10)     زملوني: لفوني وغطوني لسان العرب (11/311).
(11)     تحمل الكلَّ: تقوم بشأن من لا يستقل بأمره، كاليتيم ونحوه. مختار الصحاح (1/240).
(12)     تكسب المعدوم: تتبرع بالمال لمن عدمه. لسان العرب (12/393).
(13)     لم ينشب: لم يلبث. لسان العرب (1/757).
(14)     البخاري (4)، ومسلم (160) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(15)     انظر زاد المسير (1/187) ط المكتب الإسلامي 1407هـ.
(16)     البخاري (6)، ومسلم (2308) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(17)     أخرجه البخاري (2624)، ومسلم (2450) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(18)     انظر البخاري (5052)، ومسلم (1159)، والترمذي (2949)، وأبو داود (1390).
(19)     الهذّ: سرعة القراءة. لسان العرب (3/517).
(20)     الموطأ (479).
(21)     الزَّعْقَ: الصياح. المعجم الوسيط (1/408).
(22)     البخاري (660)، ومسلم (1031) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(23)     البخاري (4582)، ومسلم (800) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(24)     إقامة القِدْح: القِدْح هو السهم قبل أن يراش، وقوله: إقامة القدح كناية عن أنهم يصلحون ألفاظه وكلماته، ويتكلفون في إقامة مخارجه وصفاته. انظر عون المعبود (3/42).
(25)     أخرجه أحمد (14441)، وأبوداود (830)، وأبو يعلى (2197)، والبيهقي في شعب الإيمان (2645) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (1167).
(26)     أخرجه ابن أبي شيبة (30002)، وأحمد (19384)، والترمذي (2917)، والبزار (3553)، (370)، والروياني (81)، والطبراني في الكبير (370)، والبيهقي في شعب الإيمان (2628) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث حسن ليس إسناده بذاك. اهـ، وقد حسنه السيوطي في الجامع الصغير (11413)، والألباني في صحيح الجامع (6467).
(27)     سنن الدارمي (3473،3474) من حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه.
(28)     أخرجه أحمد (1178)، والدارمي (1591)، وأبوداود (1425)، والترمذي (464)، والنسائي (1745)، وابن ماجه (1178) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه . قال الترمذي: حديث حسن.
(29)     انظر البخاري (1001)، ومسلم (677).
(31)     انظر البخاري (1001)، ومسلم (677).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الحادية عشرة: مع القيـام   23/06/16, 04:19 am

الوقفة الحادية عشرة
مـع القيــــــــــــــــام
===========
كما أن رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (يا أيُّها المُزَّمِلُ قُمْ الَّيْلَ إلاّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً وَرَتّلِ القُرْءَان تَرْتِيلاً إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) [المزمل: 1-5 ].

ويقول سبحانه في صفة عباده المحسنين: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّيْلِ مَا يَهُجَعُونَ وبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: 17، 18].

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (1).

وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفَلَ (2) الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما اسْتَبَنْتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: "يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" (3)، إذن، ففضل قيام الليل –عمومًا- فضل عظيم، بدلالة تلك النصوص.

وفي قيام رمضان خاصة يقول النبي صلى الله عليه وسلم ،كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه" (4).

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه في رمضان، كما في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا؛ فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال: " أما بعد، فإنه لم يخفَ عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" (5).

وروى أهل السنن بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا شيئًا منه، حتى بقي سبع ليال، فقام بنا ليلة السابعة حتى مضى نحو من ثلث الليل، ثم كانت الليلة السادسة التي تليها، فلم يقمها، حتى كانت الخامسة التي تليها، ثم قام بنا حتى مضى نحو من شطر الليل. فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا (6) بقية ليلتنا هذه. فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ فإنه يعدل قيام ليلة، ثم كانت الرابعة التي تليها، فلم يقمها، حتى كانت الثالثة التي تليها، قال: فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس، قال: فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور. قال: ثم لم يقم بنا شيئًا من بقية الشهر" (7).

وحول قيام رمضان لنا عدة تنبيهات:
— التنبيه الأول: حول عدد صلاة التراويح:
فالناس مختلفون اختلافًا كبيرًا في عددها من إحدى عشرة ركعة إلى تسع وأربعين ركعة، وما بين هذين العددين، والذي يعنينا في هذا المقام أمور، منها:


أولاً: كم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أصح ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما رواه الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" (8). لكنه صلى الله عليه وسلم كان يطيلها ويحسنها، كما ذكرت عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث نفسه.


ثانياً: ما الذي فعله الصحابة ؟
لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم زال الخوف أن تفرض صلاة التراويح؛ فأمر عمر رضي الله عنه المسلمين أن يجتمعوا على الصلاة، حيث دخل المسجد فوجدهم أوزاعًا (9): يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرجل والرجلان والرهط..؛ فرأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد، فأمر أبي بن كعب وتميم بن أوس الداري رضي الله عنهما أن يصليا بالناس. فكم- يا ترى- صليا بالناس؟
ورد في ذلك روايتان كلتاهما صحيحة، وهما من طريق السائب بن يزيد.
الرواية الأولى: أن عمر رضي الله عنه أمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة.
والرواية الثانية: أن تميم بن أوس الداري وأبي بن كعب -رضي الله عنهما - صليا بالناس إحدى وعشرين، وفي رواية ثلاثًا وعشرين ركعة.
أما رواية إحدى عشرة فهي في موطأ مالك (10)، وسندها صحيح.
وأما رواية إحدى وعشرين فهي في مصنف عبد الرزاق (11)، وسندها صحيح أيضًا.
وأما رواية ثلاث وعشرين فهي في سنن البيهقي (12)، وسندها صحيح كذلك.


فما الموقف من ذلك؟
بعض أهل العلم حكموا على رواية إحدى وعشرين وثلاث وعشرين بالشذوذ.
ولكن لا داعي للحكم بالشذوذ ما دام الجمع ممكنًا، فنجمع بينها بما جمع به الحافظ ابن حجر -رحمه الله- حيث قال: "إنه يحمل على التنوع والتعدد بحسب الأحوال وحاجة الناس، فأحيانًا كانوا يصلون إحدى عشرة، وأحيانًا إحدى وعشرين، وأحيانًا ثلاثا وعشرين، بحسب نشاط الناس وقوتهم. فإن صلوا إحدى عشرة أطالوا حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام".
وإن صلوا ثلاثًا وعشرين خففوها، بحيث لا يشق ذلك على الناس. وهذا جمع حسن.

وانقدح في نفسي جمع آخر لعله يكون معقولاً أيضًا، وهو أن عمر رضي الله عنه أمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة -وهذا لم تختلف فيه الروايات-، ولكن أبيًّا وتميمًا -رضي الله عنهما- صليا بالناس إحدى وعشرين أو ثلاثًا وعشرين؛ فالأمر من عمر بإحدى عشرة، والفعل منهما كان بإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وذلك قد يكون بناء على أمر عرض لهما، رَأَيَا فيه أن المصلحة أن يصليا إحدى وعشرين أو ثلاثا وعشرين؛ لحاجة الناس إلى ذلك، كأن يكون الناس يستطيلون القيام والركوع والسجود وغيره حينما يصلون إحدى عشرة ركعة، فرأوا أن تكون الصلاة إحدى وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين ركعة، يخففون فيها القيام، والركوع، والسجود؛ ليكون أمكنَ لهم في العبادة. وهذا الجمع ممكن أيضًا، وبذلك تأتلف النصوص.

وسواء صلَّى الناس إحدى عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين؛ فإن الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه لا تجوز الزيادة في التراويح على إحدى عشرة ركعة؛ قول ضعيف جدًا، لا ينبغي الالتفات إليه، لسببين:


الأول:
لأن الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن صلاة الليل؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "مثنى مثنى.." (13) وهذا الأعرابي ما كان يعرف صفة صلاة الليل، فضلاً عن أن يعرف عددها، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: مثنى مثنى أي: تسلم من كل ركعتين، ولم يحدد له في ذلك عددًا محدودًا؛ بل أطلق الأمر.

الثاني:
أن النوافل المطلقة جائزة على الإطلاق ليلاً ونهارًا، إلا في أوقات النهي، فلو صلى الإنسان قبل الظهر، أو بعد الظهر، أو بعد المغرب، أو بعد العشاء، أو في الضحى ما تيسر له: ركعتين، أو أربعًا، أو عشرًا، أو عشرين؛ فلا بأس، فهذه نوافل مطلقة، وجماهير الأمة -بما فيهم الأئمة الأربعة- على أنها لا تُحدَّ بعدد لا تجوز الزيادة عليه، وإن كان منهم من يقول: إن هناك عددًا أفضل من عدد آخر.
 
— التنبيه الثاني:
أن الصلاة عمومًا -بما في ذلك النافلة- إنما شرعت؛ لتهذيب النفوس، وتصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والحسد والبغضاء، وجعلها متآخية متحابة متقاربة، وهذا من أعظم مقاصد العبادات، وهذا أمر ملحوظ؛ فإن العبد إذا أقبل على صلاته رقَّ قلبه، وسمت نفسه، فكيف يجوز أو يسوغ شرعًا أو عقلاً أن يكون هذا الأمر الذي شرع لهذه المقاصد السامية مجالاً للخصام والتنافر والتباغض بين بعض طلبة العلم، حينما يسوِّدون الصفحات الكثيرة خصامًا في صلاة التراويح، وهجومًا على بعض، وردًّا على بعض، وتشهيرًا ببعض؟! كما قد يقع ذلك - أيضًا- من العامة في المساجد إذا دخل رمضان، فهم بين قائل للإمام: صلَّ إحدى عشرة، وقائل: صلَّ عشرين، وقائل: خفف الصلاة، وقائل: أسرع فيها، وقائل: أبطئ.. وهكذا يختلفون على الإمام، وتتحول العبادة التي شرعها الله تعالى لتهذيب الأمة أفرادًا ومجتمعات، ولجمع الكلمة؛ تتحول في هذا الزمان إلى ميدان لأضداد مقاصدها، فنسأل الله أن يرد الأمة إلى الفقه في دينه، والاجتماع عليه.
إن جمع الكلمة، وسلامة القلب، وطهارة النفس، من مقاصد الشرع المُجمع عليها عند جميع المسلمين، أما عدد الركعات فمن المختلف فيه، فكيف نقدِّم العناية بالمختلف فيه على العناية بالمجمع عليه؟


— التنبيه الثالث:
أن من المهم التوسعة في هذه الأمور على الناس، فإننا نعلم من هدي الإسلام أنه دين يسر وسماحة، ومن نماذج ذلك ما جاء في الحديث المتفق عليه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج". فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج". فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" (14).

فكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسعة على أمته، وهذا المسلك نجد علماء أهل السنة يسلكونه عبر العصور، وهكذا يجب علينا في هذا العصر أن نبتعد عن المشقة على الناس في صلاة التراويح وفي غيرها، ومن الابتعاد عن المشقة أن يراعي الإمام حال المأمومين، فإن كان يشق عليهم، -مثلاً- أن يصلي بهم عشرين ركعة؛ فليصل بهم عشرًا، وهذا أوفق وأقرب للسنة.
وإن كان أكثرهم اعتادوا على عشرين ركعة، وهي أخف عليهم من عشر يطول الوقوف فيها؛ فليصل بهم عشرين ولا حرج، إذ ليس ثمة حدٌّ لصلاة التراويح، وإنما الذي تجب مراعاته أن تكون مَثْنى مَثْنى.

فالحاصل أنه ينبغي مراعاة حال الناس في شأن صلاة التراويح كما تبيَّن، وإن كان الأصل أن يكون العامة تبعًا لعلمائهم وأئمتهم، وطلاب العلم منهم، وليس الأصل أن يفرض العامة على الإمام عدد صلاة التراويح، وإنما يراعى حالهـم؛ إزالة للمشـقة، ودفعًا للخلاف بين المصلين.
===================
 (1)     مسلم (1163) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)     انجفل: أسرع. المعجم الوسيط (1/132).
(3)     أخرجه الترمذي (2485) من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال الترمذي: حديث صحيح.
(4)     البخاري (37)، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)     البخاري (924)، ومسلم (761) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6)     لو نفلتنا: لو أعطيتنا قيام بقية الليل وزدتنا إياه؛ كان أحسن.
(7)     أخرجه الدارمي (1777)، الترمذي (806)، وأبو داود (1375)، والنسائي (1364)، وابن ماجه (1327)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(8)     البخاري (2013)، ومسلم (738) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(9)     أوزاع: متفرقون غير مجتمعين على إمام واحد. لسان العرب (8/391)، النهاية (5/180).
(10)     أخرجه مالك في الموطأ (248)، والفريابي في كتاب الصيام (174)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/293)والبيهقي في السنن الكبرى (4392).
(11)     مصنف عبد الرزاق (7730) من طريق محمد بن يوسف الكندي عن السائب بن يزيد.
(12)     سنن البيهقي (3270) من حديث مالك عن يزيد بن رومان.
(13)     رواه البخاري (472)، ومسلم (749) من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-.
(14)     أخرجه البخاري (83)، ومسلم (1306) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه. وأخرجه البخاري (84)، ومسلم (1307) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثانية عشرة: رمضان شهر الجهاد   23/06/16, 04:26 am


الوقفة الثانية عشرة

رمضان شهر الجهاد
 
  الجهاد ذروة سنام الإسلام، وفضله جدّ عظيم، كما جاء ذلك في عدة نصوص من الكتاب والسنة، كالحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة مئة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (1).

ولقد كان شهر رمضان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح هو شهر الجهاد، فإن أعظم معركتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانتا في هذا الشهر الكريم، شهر الجهاد والتضحيات والهمم.

أولاهما:
معركة بدر الكبرى، التي كانت فرقانًا فرق الله تعالى به بين عهد الذل والاستضعاف وعهد العزة والتمكين للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولأنها كانت فرقانًا وفيصلاً ومنعطفًا خطيرًا في مسيرة الدعوة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر يرفع يديه إلى السماء، ويبتهل إلى الله سبحانه وتعالى حتى سقط رداؤه عن منكبيه وهو يقول: "اللهم نصرَك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض" حتى أشفق أبو بكر على الرسول صلى الله عليه وسلم فالتزمه ووضـع رداءه على منكبيه، وقال: يا رسول الله، كفاك مناشدتَك ربَّك، فإن الله تعالى منجِزٌ لك ما وعد (2).


فنصر الله -جل وعلا- رسوله صلى الله عليه وسلم نصرًا مؤزرًا في تلك المعركة الحاسمة: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ ببَدْرٍ وَأنتُم ْأذِلَّة فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [آل عمران: 123].

الثانية:
 فتح مكة، وهي –أيضًا- من أخطر وأهم المعارك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مكة كانت مركز الجزيرة العربية، ومكان الحج والعمرة، ومهوى أفئدة الناس من كل مكان.


وكانت الوثنية مسيطرة عليها على مدى ثماني سنوات بعد هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى لقد منع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية من دخولها وأداء العمرة، فلما دخلها فاتحًا في السنة الثامنة دانت له الجزيرة كلها؛ ولهذا جاءت الوفود في السنة التالية مباشرة (التاسعة) من أنحاء الجزيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام.

ولذلك يصح أن يقال: إن فتح مكة هو الوقت الذي زالت فيه غربة الإسلام، وأصبح عزيزًا في أرجاء الجزيرة العربية، وسقطت سلطة الوثنية فيها.

والتاريخ الإسلامي مليء بالمعارك العظيمة التي كانت في رمضان، منها -مثلاً- معركة (عين جالوت) (3)، التي نصر الله فيها المسلمين، بقيادة المماليك على التتار؛ فانكسرت شوكتهم، وانحسر مدهم، ولم تقم لهم بعدها قائمة.

والحديث عن الجهاد في رمضان يحتَّم علينا الوقوف عند أمرين لابد من إبرازهما:
الأول:
 أن كثيرًا من المسلمين اليوم انعكست هذه المفهومات في نفوسهم؛ فلم يعد رمضان عندهم شهر الجهاد والعمل والتضحية، وإنما أصبح شهر الكسل والبطالة وفضول النوم، وهذا -بلا ريب- خطأ كبير، وانتكاس خطير، فالواجب أن يصحح هؤلاء الناس نظرتهم، ويسعوا لإحياء الجهاد في ذلك الشهر خاصة، وفي سائر الأوقات عامة.


والجهاد باب واسع يدخل تحته أعمال كثيرة: فهو يكون بالسلاح، ويكون بالمال، ويكون باللسان: أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وتعليمًا للخير، ونشرًا للدعوة… إلى غير ذلك من سبل الجهاد.

الثاني:
أننا نعلم أن كثيرًا من المسلمين الآن يحملون السلاح، مدافعين عن الحوزة (4)، ومنافحين عن الملة، يحدث هذا في فلسطين، وكشمير، وبلاد إسـلامية أخرى.


وفي جميع هذه البلاد التي ذكرت توجد طوائف من أهل السنة والجماعة المشهود لهم بسلامة المعتقد، وبالورع والصلاح والتقوى، يقاتلون عدوًا كافرًا خاسرًا، يهوديًا أو نصرانيًا أو شيوعيًا، أو غير ذلك.

وهؤلاء المجاهدون في أمسِّ الحاجة إلى أن يكون إخوانهم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها معهم بالدعاء، وبالنصرة بالمال، وبغيره من الوسائل التي يملكونها قبل أن يحل بغيرهم ما حل بهم، والله المستعان.
=======================
 (1)     البخاري (2790) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)     أخرجه مسلم (1763) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(3)     مكان بالشام وقعت فيه المعركة المشهورة بين الملك المظفر سيف الدين قطز والتتار في رمضان عام 658هـ. انظر البداية والنهاية (13-218-225).
(4)     الحوزة: الناحية: لسان العرب (5/342). صحيح.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثالثة عشرة: رمضان شهر الإنفاق   23/06/16, 05:13 am

الوقفة الثالثة عشرة:
رمضان شهر الإنفاق
============
النفقة -عمومًا- من أسباب القرب إلى الله تعالى ودخول الجنة، وهي لا تُنْقِص مال المنفق، بل تزيده كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" (1).

وإنها لفرصة ثمينة أن ينال العبد الأجر العظيم، بصدقة لا تنقص ماله، بل تزيده.

وفي شأن الصدقة والإنفاق وردت أحاديث صحيحة كثيرة، يتبين بها أنها من أعظم أبواب دخول الجنة.

 وإليك شيئًا منها:
عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاثة أُقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر -أو كلمة نحوها-، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا؛ فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته؛ فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم ، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا؛ فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته؛ فوِزْرهما سواء" (2).

وفي ذلك دلالة على أن نية المؤمن الصادقة أن ينفق في سبيل الله، أو يعمل أي عمل من الصالحات؛ تبلغه منازل العاملين، ولكن بشرط أن تكون نية صادقة، لا أمنية كاذبة، كما هو حال بعض الأشقياء الذين يتمنون أن يرزقهم الله، ولو رزقهم لكفروا: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَاتنَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِيَن ، فَلَمَّا ءَاتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرَضُونَ ، فَأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً في قُلُوِبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ) [التوبة: 75-77].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة (3)، فإذا شرجة (4) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (5) فقال له: يا عبدالله، ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان -لاسمك-، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه" (6).

هكذا بارك الله لهذا الرجل، ووسع عليه رزقه، وكفاه مؤونة زرعه، حتى وكل ملكًا بالسحابة يقول لها: اسقي حديقة فلان.. اسقي حديقة فلان. يخصها دون غيرها.

وفي الحديث المتفق عليه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة" (7).

وفي الحديث الآخر المتفق عليه -أيضًا- أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: "أيها الناس تصدقوا" . فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار" (8).

فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الصدقة من أعظم أسباب الوقاية من النار، ولو كانت باليسير.

والصدقة دليل على صدق إيمان العبد؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم -في حديث الحارث الأشعري الذي رواه مسلم-: "والصدقة برهان" (9)؛ لأن النفس مجبولة على حب المال، فإذا تغلب العبد على نفسه وأنفق المال في سبيل الله؛ كان ذلك برهانًا على أنه يقدم مرضاة الله ومحبوباته على محبوبات نفسه. (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9، والتغابن: 160].

والأحاديث الواردة في الصدقة كثيرة جدًا.

لكن ثمة أمرًا ينبغي أن يحرص المتصدق عليه، وهو أن تكون صدقته سرًّا بقدر الإمكان، فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني بسند حسن -كما يقول الدمياطي في (المتجر الرابح)- عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر" (10).

وإن من الخطأ أن يتصدق الرجل بمئة ألف ريال أو خمس مئة ألف ريال، أو مليون ريال؛ من أجل أن يكتب اسمه في الجريدة، أو يكتب في دفتر التبرعات، أو يذكر عنه أنه المحسن الكبير فلان.

اللهم إلا أن يكون قصده من ذلك حث الناس، وتشجيعهم على الصدقة والبذل؛ فإن هذا مقصد حسن.

أما الذي يقصد الرياء والسمعة فصدقته خسارة في الدنيا، ووبال في الآخرة -والعياذ بالله-.

إذن، فالحاصل أن فضل الصدقة عظيم، وثوابها عند الله جزيل، فينبغي للمؤمن أن يحرص على الإكثار منها دائمًا، وفي رمضان خاصةً ينبغي أن يضاعف العبد إنفاقه في وجوه الخير؛ اقتداءً بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

- وإنما كان جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان خاصة مضاعفًا؛ لأسباب ثلاثة:
الأول:
لمناسبة رمضان، فإنه شهر تضاعف فيه الحسنات، وترفع الدرجات، فيتقرب العباد إلى مولاهم بكثرة الأعمال الصالحات.

الثاني:
لكثرة قراءته صلى الله عليه وسلم للقرآن في رمضان، والقرآن فيه آيات كثيرة تحثُّ على الإنفاق في سبيل الله، والتقلل من الدنيا، والزهد فيها، والإقبال على الآخرة، فيكون في ذلك تحريك لقلب القارئ نحو الإنفاق في سبيل الله تعالى.

وحريٌّ بكل من يقرأ القرآن أن يكثر من الصدقة في سبيل الله.

الثالث:
لأنه صلى الله عليه وسلم كان يلقى جبريل في كل ليلة من رمضان، ولقاؤه إياه هو من مجالسة الصالحين، ومجالسة الصالحين تزيد في الإيمان، وتحث الإنسان على الطاعات، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في رمضان.

- والحديث عن جوده صلى الله عليه وسلم يطول، فهو -حقًا- أجود الناس، وأنواع جوده لا تنحصر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً إِلاّ أَلاّ يجد، حتى إنه ربما سأله رجل ثوبه الذي عليه؛ فيدخل بيته ويخرج وقد خلع الثوب، فيعطيه السائل (11).

ويعطي صلى الله عليه وسلم عطاءَ من لا يخشى الفقر، فقد حدث أن أعطى غنمًا بين جبلين (12).

وربما اشترى الشيء، ودفع ثمنه، ثم رده على بائعه وأبقى عنده الثمن (13)، وربما اشترى فأعطى الثمن وزيادة.

وربما اقترض شيئًا فرده بأحسن منه. وكان يقبل الهدية ويثيب عليها أكثر منها (14).

وكان -عليه صلوات الله وسلامه- يفرح بأن يعطي أكثر من فرح الآخذ بما يأخذ، حتى إنه ليصدق عليه -وحده- قول الأول:
تـراه إذا ما جئتَـه متهلِّـلاً كأنك تُعطيه الذي أنتَ سائله

هذا غيض من فيض من فنون جوده صلى الله عليه وسلم، التي تتأبى على الحصر والإحصاء.

والكلام عن الصدقة والإنفاق يجرنا إلى إلقاء الأضواء على مصارف مهمة لها:

أحدها:
المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعَامِلينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ والْغَارِمِينَ وَفِي سَبَيلِ اللِه) [التوبة: 60].

فالمجاهدون في سبيل الله من الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة.

ولا ريب أن هذا المصرف من أعظم مصارف الزكاة في هذا العصر خاصة.

الثاني:
الفقراء والمحتاجون، وبخاصة الشباب وطلاب العلم، ممن قد يكون فقيرًا، أو معسرًا، أو يريد الزواج ولا يجد ما يكفي لتحقيقه، وفي الزواج من الإعفاف، وإحصان الفرج، والإعانة على طلب العلم، وإكمال شطر الدين، وسائر المصالح ما لا يخفى.

الثالث:
جمعيات البر الخيرية الموثوقة؛ لأن هذه الجمعيات تتحرى وتبحث عن المحتاجين، وتفتح ملفات للأسر الفقيرة، وتجري لها رواتب شهرية، فلا بأس أن يوكلهم المرء على إنفاق صدقته على المستحقين ما دام القائمون عليها من الموثوق بدينهم وأماناتهم.

إن إعانة الفقراء والمحتاجين والضعفاء، والبحث عنهم في البيوت القديمة والأحياء الشعبية، وأحيانًا في الأكواخ والعشش؛ من أجلِّ الأعمال وأفضلها عند الله، وأعظمها في القربى والزلفى لديه.

وإنه لعمل كبير أن يقوم تاجر أو محسن بتفقد أهل حارته، والبحث عن المحتاجين منهم، ومدهم بما يستطيع دون منّ ولا أذى، ولا رياء ولا سمعة.

ثم إذا أعطى الغني محتاجًا فليغنه بعطائه، يعطيه ما يكفيه وولده وأسرته لفترة كافية، أو يستطيع أن يؤمن به حاجاته الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيراً وَأعظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20].
===================
(1)     أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)     أخرجه أحمد (2325)، الترمذي (2325)، وابن ماجه (4228)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(3)     حرة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت. المعجم الوسيط (1/172).
(4)     شرجة: مسيل الماء من الهضاب ونحوها إلى السهل والجمع (شِرَاج). المعجم الوسيط (1/496).
(5)     المِسْحَاة: المِجْرَفة من الحديد، وهي من السحو وهو: الكشف والإزالة. لسان العرب (2/598).
(6)     أخرجه مسلم (2984) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7)     أخرجه البخاري (7512)، ومسلم (1016) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(8)     البخاري (1462)، ومسلم (80) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(9)     أخرجه مسلم (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
(10)     أخرجه الطبراني في الكبير (8014) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/115) وقال: إسناده حسن. أخرجه البخاري (2093) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(11)     أخرجه مسلم (2312) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(12) كما في قصة جمل جابر المشهورة التي أخرجها البخاري(2861)، ومسلم(715) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(13)     أخرجه البخاري (2585) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(14)     البيت لزهير بن أبي سلمى خزانة الأدب (1/423)، وبعضهم عزاه لأسماء بن خارجة في مدح عبد الله بن الزبير لما أطلق سراح أم الحكم. انظر الأغاني (14/221).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الرابعة عشرة: رمضان شهر التوبة   23/06/16, 05:20 am

الوقفة الرابعة عشرة
رمضان شهر التوبة
===========
في رمضان يعود العباد إلى ربهم تعالى، ويقلعون عن الآثام.

وذلك لسببين: أولهما:
جود الله تعالى على عباده، وصفحه وعفوه عنهم في هذا الشهر الكريم، حتى إنه صح أن لله تعالى في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار (1).

ثانيهما:
أن الشياطين تصفد وتسلسل إذا جاء رمضان، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنة (2)؛ فيكون العباد قريبين من ربهم.

فرمضان فرصة ثمينة ليتوب فيها العبد، وإن لم يتب فيه فليت شعري متى يتوب؟!

وللتوبة شروط ستة لابد من توافرها؛ لكي تكون التوبة صحيحة صادقة.

وهي بإيجاز: أولاً:
الإخلاص لله تعالى، بحيث تكون لوجه الله، لا يشوبها مقصد دنيوي.

ثانيًا:
أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم ويغرغر؛ فإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.

ثالثًا:
الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدعي العبد التوبة وهو مقيم على معصيته.

رابعًا:
الندم على ما مضى، وكم من تائب أكل الندم قلبه أكلاً؛ ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الندم توبة" (3).

خامسًا:
العزم على عدم العود إلى الذنب.

سادسًا:
إن كان الذنب يتعلق بحقوق المخلوقين وجب رد حقوقهم إليهم، والتحلل منهم، من مال، أو عرض، أو غيرهما.
=======================
(1)     أخرجه أحمد (9213)، والدارمي (691) الترمذى (682)، والنسائي (2104)، وابن ماجه (1642) من حديث أبي هريرة رضي اللع عنه، وأصله في الصحيحين.

(2)     أخرجه البخاري (1898)، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)     أخرجه أحمد (3558)، وابن ماجه (4252)، وأبو يعلى (5081)، وابن حبان (612)، والحاكم (7612)، والبيهقي (10/154) من حديث عبد الله بن مسعود رضي اللع عنه، قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1251): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.اهـ، وللحديث طرق عن غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الخامسة عشرة: رمضان شهر الدعاء   23/06/16, 05:28 am

الوقفة الخامسة عشرة

رمضان شهر الدعاء
===========
الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وذلك في كل حين، وبخاصة في رمضان، كما تقدم معنا أن لكل مسلم دعوة مستجابة في رمضان، فينبغي للمسـلم الاجتهاد في الدعاء، مع تحـري أسباب الإجابة.

ومجمل تلك الأسباب خمسة، هي:
الأول:
اختيار الزمان الفاضل، وذلك في وقت السحر، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، وعند إفطار الصائم.

الثاني:
اختيـار المكـان الفاضل، كالمساجد، ومكة، والمدينة، وغيرها.

الثالث:
حال الداعي، كأن يكون مسافرًا؛ فإن المسافر مستجاب الدعوة، أو أبًا يدعو لولده، أو صائمًا، أو مقاتلاً؛ فإن الدعاء عند التحام الصفين مستجاب، أو مظلومًا؛ فإن دعوة المظلوم لا ترد، بل يرفعها الله تعالى فوق السحـاب ويقـول: "وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعـد حين" (1)، أو يكون الداعي مضطرًا، وحقيقة الاضطرار: أن ينقطع العبد من جميع الأسباب، ويتوجه بكل رجائه إلى الله وحده، ويفوض أمره إليه تفويضًا تامًا، قال الله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل: 62].

فينبغي أن يكون الداعي على حال من الانكسار والاضطرار، والإخبات والانقطاع من الأمل في غير الله، وألا يكون دعاؤه على سبيل التجربة غير الواثقة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ" (2).

وقد جاء هذا الحديث بإسنـادين يقوي أحدهما الآخر فهو حديث حسن.

الرابع:
صفة الدعاء، فيحرص الداعي على الالتزام بآداب الدعاء من وضوء، واستقبال للقبلة، ورفع لليدين، وتكرير للدعاء ثلاثًا، واختيار لجوامع الدعاء، وإطابة للمطعم، وتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وألا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم، وغير ذلك من الآداب النبوية.

وفي هذا المقام أود أن أنبه إلى خطأ يقع فيه كثير من الناس عندما يدعون، وهو الاعتداء في الدعاء؛ ومنه:
أولاً:
أن يفصَّل الداعي في دعائه تفصيلاً لا لزوم له، كما يقول بعض الناس اليوم في دعائهم: "اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأعمامنا وعماتنا".. ويمضي يعدد أقاربه، ثم ينتقل إلى تفصيـل الدعاء لجيرانه، ثم لزملائه..

وهكذا يسـتغرق وقتًا ليس باليسير في هذه التفاصيل، وكان يُغنِيه أن يقول: اللهم اغفر لنا، ولأقاربنا، ولأحبابنـا.. بهـذا الإجمال. ورحمـة الله واسعة.

ثانيًا:
أن يدعو الداعي اللهَ بأسـماء لم ترد عن الرسـول صلى الله عليه وسلم ؛ كقـول بعض الداعين: يا غفران، يا سـلطان، فإنهمـا ليسـا من أسماء الله - جل وعلا-.

ثالثًا:
المبالغة في رفع الصوت بالدعاء، وقد انتشر ذلك في زماننا بخاصة؛ لوجود مكبرات الصوت، فربما سمعت الذي يدعو في شرق المدينة وأنت في غربها، وهذا لا يليق، فإن كان الداعي إمامًا يدعو والناس يؤمَّنون وراءه؛ فليكن رفعه لصوته بقدر ما يسمعه المصلون، ولا داعي للتزيد في رفع الصوت؛ فإنه اعتداء وباب إلى الرياء.

وإن كان الداعي وحده يدعو لنفسه فليكن دعاؤه سرًا، كما قال تعالى -حاكيًا عن زكريا-: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّا) [مريم: 2، 3]، والعبادة كلما كانت سرًّا كانت أقرب إلى الصدق والقبول.

الخامس:
زوال المانع، فإن هناك أمورًا تمنع من إجابة الدعاء، منها أكل الحرام: سواء عن طريق الربا، أو الغش، أو تنفيق السلعة بالحلف الكاذب، أو أكل مال اليتيم، أو غير ذلك، ففي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربَّ يا ربَّ. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذَّي بالحرام، فأنىَّ يستجاب لذلك (3)؟!

ومن الموانع ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما جاء في حديثٍ رُوِيَ من عدة طـرق أن الله –تعالى- يقـول: "يا أيها النـاس، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبـل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم " (4).

فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنفسهم، ولأولادهم، ولأهلهم، ولجيرانهم، ولأقاربهم، ولعامة المجتمع؛ عاقبهم الله -جل وعلا- بحرمانهم من إجابة الدعاء.
====================
(1)     أخرجه أحمد (9450)، الترمذي (3598)، وابن ماجه (1752)، وابن خزيمة (1901)، وابن حبان (874) من حديث أبي مُدلة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن. قال المناوي في فيض القدير (6339): فيه مقال طويل.اهـ، وأخرجه الطبراني في الكبير (3718) من حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/152) وقال: فيه من لم أعرفه. اهـ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (3374): لا بأس بإسناده في المتابعات.اهـ، وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (117).

(2)     أخرجه الترمذي (3479)، والحاكم (1817)، والطبراني في الأوسط (5109) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ، وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد أهل البصرة.اهـ وأخرجه أحمد (6617) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/148) وقال : إسناده حسن.
(3)     أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)     أخرجه أحمد (24727) وابن ماجه (4004)، وابن حبان (290)، والبيهقي (10/93) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (7/266) وقال: فيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. اهـ وقال العراقي في تخريج الإحياء (2 /308) وفي إسناده لين وله شواهد من حديث أبي هريرة عند البزار والطبراني ومن حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط ومن حديث حذيفة عند الترمذي والبيهقي. اهـ وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (3235).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة السادسة عشرة: مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان   23/06/16, 10:30 pm

الوقفة السادسة عشرة
مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان
========================
حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها عبر ودروس، ومثال حي للقدوة الحسنى، في رمضان وغيره من شهور السنة. فلنلمح إلى شيء من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان باختصار.

-    كان النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر يصوم يوم عاشوراء قبل أن يفرض عليه صيام رمضان، وذلك حين قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا اليوم الذي تصومونه"؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه؛ فصامه موسى شكرًا؛ فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فنحن أحق وأَوْلى بموسى منكم". فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه (1).
-   
وقال جماعة من العلماء: إنه كان واجبًا. وفي الصحيحين من حديث الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها- قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائمًا؛ فليتم صومه. ومن كان أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه" أي يمسك بقية يومه.

فكنا بعد ذلك نصومه، ونُصَوِّمُ صبياننا الصغار منهم -إن شاء الله- ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن (2)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار (3).

- فلما فُرِضَ رمضان كان صوم عاشوراء سُنَّة؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه (4).

وأول ما فرض رمضان كان على التخيير: إن شاء المسلم صام، وإن شاء أفطر وأطعم، حتى أنزلت: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [البقرة: 185]؛ فألزم الناس بالصيام (5).

ولكن كان غير جائز لمن نام من الليـل أن يأكـل إذا استيقـظ، فإذا أفطر عند المغرب ثم نام بعد العشاء، فليس له أن يأكل لو استيقظ ليلاً.

روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطـار، فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا! ولكن أَنطلِقُ فأطلبُ لك. وكان يومَهُ يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك. فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم (6)، فنـزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187]؛ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْودِ) [البقرة: 187].

-    وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات، أولها في السنة الثانية، التي كان فرضه فيها.

وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في هذا الشهر من العبادة، حتى إنه ربما واصل الصيام يومين أو ثلاثة؛ تفرغًا للعبادة. ولما واصل أصحابه نهاهم، وقال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني" (7).

وقد تكلم الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) عن هذا الحديث بالتفصيل، وبين معنى قوله يطعمني ربي ويسقيني، فليرجع إليه من شاء (8).

وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في رمضان من قراءة القرآن -كما سبق بيان ذلك-.

- وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر، وتأخير السحور، فإنه كان يفطر قبل صلاة المغرب، ثم يصلي. وكان يتسحر فلا يكون بين سحوره وصلاة الفجر إلا وقت يسير (9).

-    وسافر صلى الله عليه وسلم في رمضان عدة أسفار، منها سفره لغزوة بدر، وسفره لفتح مكة، وكان صلى الله عليه وسلم ربما صام في سفره، وربما أفطر، ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا في سفر في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (10).

وفي السنن عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر" (11).

وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال: "أولئك العصاة. أولئك العصاة" (12).

- وكان صلى الله عليه وسلم يزداد جودًا في رمضان - كما تقدم بيان ذلك-.

-    ومن الأحكام التي بيَّنها صلى الله عليه وسلم بفعله أنه كان يدركه الفجر وهو جنب، ثم يغتسل ويصوم (13).
========================
(1)     رواه البخاري (2004)، ومسلم (1130) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)     العهن: الصوف المصبوغ ألوانًا، وقيل: الصوف مطلقًا. لسان العرب (13/297)، المعجم الوسيط (2/658).
(3)     أخرجه البخاري (1960)، ومسلم (1136) من حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها.
(4)     أخرجه البخاري (3831)، ومسلم (1125) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5)     أخرجه البخاري (4507) ومسلم (1145) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
(6)     أخرجه البخاري (1915) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(7)     أخرجه البخاري (1956)، ومسلم (1103) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8)     انظر زاد المعاد (2/ 32) وما بعدها.
(9)     انظر صحيح البخاري (575)، ومسلم (1097) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(10)     أخرجه البخاري (1945)، ومسلم (1122) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
(11)     أخرجه النسائي (2345) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في إسناده جعفر بن أبي المغيرة، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، وقال ابن منده : ليس بالقوي في سعيد بن جبير.
(12)     أخرجه مسلم (1114) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(13)     البخاري (1926)، ومسلم (1109) من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة السابعة عشرة: السواك في رمضان   23/06/16, 11:47 pm

الوقفة السابعة عشرة
السواك في رمضان
===========
سبق التعرض لقضية السواك بإيجاز، ولا بأس بإفرادها هنا بحديث مستقل.

فأقول:
السواك مشروع في كل وقت، وبخاصة في المواضع التي ورد النص عليها.

وهي ستة:
الأول: عند الصلاة.
الثاني: عند الوضوء.
الثالث: عند دخول المنـزل.
الرابع: عند الاستيقاظ من النوم.
الخامس: عند قراءة القران.
السادس: عند تغيُّر رائحة الفم.

وأدلة ذلك كثيرة، منها حديث أبي هريرة في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (1)، وفي الموطأ:"لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسـواك مع كل وضوء" (2).

ومنها قول عائشة -رضي الله عنها- لما سئلت: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: "بالسواك" (3).

ومنها حديث حذيفة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوصُ (4) فاه بالسواك" (5).

ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (6).

إلى غير ذلك من النصوص.

فينبغي للمسلم أن يتعاهد السواك في كل حين، وبخاصة في هذه المواضع الستة، وذلك في رمضان وفي غيره، فإن القول الصحيح أن السواك مشروع للصائم قبل الزوال وبعد الزوال، تمامًا كالمفطر؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "عند كل صلاة"، "عند كل وضوء" يشمل ما قبل الزوال وما بعده.

أما حديث عليّ: "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي" (7) فهو حديث ضعيف جدًا، وأما حديث: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم" (8) فهو -أيضًا- حديث ضعيف.
==========================
(1)     البخاري (887)، ومسلم (252) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)     أخرجه مالك (148) وهذا لفظه، والبخاري (887)، ومسـلم (252) من حديـث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)     أخرجه مسلم (253) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)     يشوص: يدلك، وينظف. المعجم الوسيط (1/519).
(5)     أخرجه البخارى (246)، ومسلم (255) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(6)     أحمد (23683)، والدارمي (684)، والنسائي (5)من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح.
(7)     أخرجه البزار (2137)، والدارقطني (8)، والطبراني (2696)، والبيهقي (8121) من حديث كيسان عن يزيد بن بلال عن علي رضي الله عنه. قال الدارقطني: كيسان هو ابن عمرو القصاب غير قوي، ويزيد غير معروف.اهـ، ونقل المناوي في فيض القدير (1592) عن العراقي قال في شرح الترمذي: حديث ضعيف جداً، وفي تخريج الهداية فيه كيسان القصاب ضعيف جداً . وقال ابن حجر: فيه كيسان ضعيف عندهم.اهـ.
(8)     أخرجـه عبد الرزاق (7479) والحميدي (141)،وابن أبي شـيبة (9148)، وأحمد (15251)، والبخاري تعليقًا (2/682)، وأبو داود (2364)، والترمذي (725)، والبزار (3813)، وأبو يعلى (7193)، والدارقطني (2/202) والضياء في المختارة (200) من حديث عمر بن ربيعة العنزي رضي الله عنه . قال الترمذي : حديث حسن والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري (1/39): وصله أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والدارقطني وغيرهم من طريق عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف.اهـ وقال في تغليق التعليق (3/159): وأما إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل فعلق حديثه بصيغة التمريض للين فيه، قال ابن معين ضعيف وقال البخاري منكر الحديث.اهـ.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثامنة عشرة: وقت المسلم في رمضان   23/06/16, 11:55 pm

الوقفة الثامنة عشرة
وقت المسلم في رمضان
==============
وقت المسلم -عمومًا- ثمين، وهو في رمضان -بالذات- أثمن وأغلى


ولذلك وجب التنبيه إلى بعض الأمور المتعلقة بقضاء الوقت في هذا الشهر:
الأول:
أن بعض الناس يسهرون الليل كله في رمضان، وهذا خطأ، فلابد أن يجعل الشخص لنفسه جزءًا من الليل ينام فيه؛ لأن نوم الليل ليس كنوم النهار، وإن ساعة أو ساعتين ينامهما المرء في الليل لَتُعوَّضَانِ بدنه كثيرًا من الراحة في غيره.

الثاني:
أنه ينبغي للمسلم أن يستغل وقته في رمضان في قراءة القرآن، فيقرأ في المصحف، ويقرأ عن ظهر قلب، في المسجد، وفي البيت، وفي السيارة، وفي غير ذلك من المواضع الممكنة.

ويحرص على أن يختم القرآن -إن أمكن- كل ثلاثة أيام، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أيام، أو على الأقل أن يختمه مرة في شهر رمضان كله، مع أن في ذلك تفريطًا واضحًا.

الثالث:
ضرورة تجنب مجالس اللغو، فإن بعض الشباب يجتمعون بعد التراويح على سهرات دورية، يتبادلون فيها الأحاديث، وربما كثر في مجالسهم اللغو، والهزل، والضحك، بل ربما وقعوا في الغيبة والنميمة، وقول الزور... ونحوه، وهذا كله لا يليق بالمسلم في كل حين، وفي هذا الشهر على وجه الخصوص، وإنه لحرمان أن يعمل العبد شيئًا من الحسنات، ثم ينبري لإتلافها بالمعاصي والآثام.

الرابع:
أن بعض الشباب يعدّون رمضان فرصة للعب واللهو، فترى مجموعات منهم يذهبون بعد صلاة العشاء، أو بعد التراويح ليلعبوا الكرة، ويضيَّعوا فيها ليلهم كله حتى وقت السحور، وربما كان فرح بعضهم برمضان من أجل هذه الفرصة، وتراهم مستعدين بالأنوار الكاشفة وغيرها من الأسباب.

ولست - بكلامي هذا - أريد أن أمنع من ممارسة الرياضة، إذا كانت بالقدر المعقول، لكنني لا أشك أن قضاء الليل كله في اللعب إهمال وتفريط، وتضييع للوقت.

وإن نوم العبد في الليل أفضل من حال أولئك الشباب، الذين يقضون ليلهم فيما لا فائدة فيه، سواء في لعب الكرة، أو مشاهدة التلفاز الذي يكون فيه من صور النساء، والموسيقى والغناء، والمسلسلات الهدامة؛ مالا ينبغي لحريص على وقته الثمين أن يضيعه فيه، فيخسر أجرًا، ويحمل وِزْرًا.

الخامس:
أن كثيرًا من الشباب يقضون معظم نهارهم في النوم؛ وذلك بسبب سوء ترتيبهم لبرنامجهم اليومي، وتفريطهم في الاستزادة من الخير في هذا الموسم الجليل.

وهذه مشكلة عظيمة، يجب على المسلمين تلافيها، فلئن كان الشخص محتاجًا أن يقضي جزءًا من النهار في العمل أو الدراسة؛ فلابد أن يخصص جزءًا من الليل للنوم؛ حتى يستطيع أن يحضر الصلوات مع الجماعة، ويجعل في نهاره وقتًا لتلاوة القرآن، ولغير ذلك من القربات.

وإن من المؤسف أن ترى بعض الموظفين، ينامون في وقت العمل، وبعض الطلاب، ينامون في وقت الدراسة.

فهل الراتب الذي يتقاضاه الموظف من أجل أن ينام على مكتبه، أو من أجل أن يخدم المراجعين، ويسعى في مصالح المسلمين؟!

لا شك أنه من أجل القيام بما كُلَّف به من أعمال، فلا يجوز له أن ينام في وقت عمله.

وإن كان الكثير من الموظفين- بحمد الله- على درجة من الشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب، وحسن معاملة المسلمين في كل وقت، وفي شهر رمضان خاصة، ولكن هذا لا يمنع من التنبيه على خطأ طائفة قليلة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة التاسعة عشرة: المرأة في رمضان   24/06/16, 12:07 am

الوقفة التاسعة عشرة
المرأة في رمضان
==========
"النساء شقائق الرجال" (1)، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما ثبت للرجال ثبت للنساء، إلا بدليل، فيجب عليهن الصيام، ويستحب لهن الإكثار من تلاوة كتاب الله، والإنفاق في سبيل الله، وقيام الليل، والاجتهاد في الدعاء، وغير ذلك من القربات والطاعات.

بيد أن ثمة أمورًا خاصة بالنساء في رمضان، لعلنا نبين أهمها في هذه الوقفة.

ومن ذلك: أولاً:
أن الحائض والنفساء لا تصلي ولا تصوم، ولكنها تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، كما ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي سبق إيراده، وهو قولها: "كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (2).

ومن الأمور التي قد تخفى على بعض النساء في موضوع الحيض ما يتعلق باستخدام بعضهن لحبوب منع العادة في رمضان، وهذه الحبوب -وإن كنت لا أنصح باستخدامها؛ لأنها تضر في كثير من الحالات- يستعملها بعضهن؛ رغبة في الصلاة والصيام مع المسلمين، أو لأنها تريد أن تعتمر في رمضان، ودورتها تضطرب في رمضان، فتأتيها يومًا، وتذهب يومًا، فتسعى باستعمالها لهذه الأسباب إلى تنظيم العادة، والسلامة من الحرج.

فربما يظن بعضهن أنه يجب عليها قضاء الأيام التي توقفت فيها عنها العادة بسبب هذه الحبوب، ويسأل كثير منهن عن ذلك.

والصواب أنه لا قضاء عليها في هذه الحال.

ثانيًا:
كثير من النساء يرتدن المساجد من أجل صلاة التراويح، وهذا أمر لا بأس به، وإن كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل، لكن على كل حال إن جاءت إلى المسجد؛ لأنها لا تجيد التلاوة، أو ليكون وجود الجماعة أنشط لها ؛ فلا بأس بذلك، لكن عليها إذا خرجت إلى المسجد أن تخرج إليه بصفة شرعية، فلا يجوز لها أن تخرج وهي متعطرة، أو متجملة.

ولا يجوز أن يخضعن بالقول؛ درءًا للفتنة، ولا أن ترفع صوتها في المسجد؛ فإن ذلك أمر مذموم، وفيه إيذاء للمصلين.

كما يجب عليها إذا خرجت إلى المسجد ألا تغفل عن صبيانها، فقد يتعرضون إذا غفلت عنهم للخطر، من دعس سيارة، أو اختطاف، أوغير ذلك.

وربما يكون بين الصبيان في أثناء لعبهم شباب أكبر منهم سنًا، فقد يفسدهم بعض الخبثاء من أولئك الكبار، إما بإيقاعهم في التدخين، أو في المخدرات، أو الفاحشة، أو غير ذلك من المفاسد.

فمن الخطأ أن تشتغل الأم بنافلة عن فريضة، فإن رعاية أطفالها، والمحافظة عليهم في أخلاقهم وأرواحهم؛ واجبة عليها وعلى أبيهم كذلك.

ثالثًا:
من الأخطاء التي ينبغي تحذير المرأة منها دائمًا، وفي رمضان خاصة: الغِيْبة، فإن الغيبة ذنب عظيم، وإثم كبير، بل لقد ذكر القرطبي أن الإجماع قائم على أن الغيبة من كبائر الذنوب، وقد قال الله تعالى: (أَيحُبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهُتُمُوهُ) [الحجرات: 12].

رابعًا:
 أن فرصة وجود المرأة في المسجد حَرِيّةٌ بأن يستثمرها الدعاة والمصلحون في إثارة موضوعات تخص المرأة؛ من أحكام، أو آداب، أو توجيهات، أو مواعظ، فإن النساء قلَّما تصل إليهن المواعظ، وخروجهن في رمضان أمر معروف، فينبغى استغلاله بحيث يكون الحديث موجهًا إليهن، ولو في بعض الأيام على الأقل.
================
(1)     أخرجه أحمد (25663)، وأبوداود (237)، والترمذي (113)، وابن ماجه (612)، وأبويعلى (4694) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث أصله في صحيح مسلم (311) بدون زيادة "النساء شقائق الرجال"، وقد صحح هذه الزيادة الألباني في صحيح الجامع الصغير (1983).

(2)     أخرجه البخاري (335)، ومسلم (335) من حديث عائشة رضي الله عنها.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة العشرون: العُمْــــرَة   24/06/16, 02:06 pm

الوقفة العشرون
العمـــــــــــــــرة
=========
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (1).

وهذا الفضل العظيم للعمرة عامٌّ في كل حين، وأما في رمضان فإن فضلها يتضاعف؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان: "ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -زوجها- له ناضحان (2)، حج على أحدهما، والأخر نسقي عليه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة، أو قال: حجة معي" (3).

ويا له من فوز أن تكون كمن حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف معه بعرفة، وبات معه بمزدلفة، وأفاض بصحبته إلى منى، وطاف بجواره وسعى -كما هو المفهوم من ظاهر هذا الحديث-.

وإن مما يثلج الصدر أن نرى إقبال المسلمين على العمرة في هذا الشهر الفاضل، لكن هناك أخطاء يقع فيها بعض الناس في هذا الباب، فلا مناص من التنبيه إليها..

 وهي:
منها: أن بعض المعتمرين يهملون أهليهم الذين استرعاهم الله إياهم، فقد يسافر الأب والأم إلى مكة للعمرة، ويتركان أولادهما -من أجل الدراسة- في بلدهم، فيقضي الوالدان نصف رمضان أو أكثر في مكة، والأولاد طوال هذه المدة بدون رقيب، وقد يكونون من الصغار الذين لا يدركون، أو من المراهقين الذين يخشى أن ينـزلقوا في مزالق كبيرة -ذكورًا أو إناثًا-؛ بسبب استفزاز شياطين الجن والإنس لهم.

وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول!

وقد يحدث الخطأ بصورة أخرى، وهي أن كثيرًا من الناس يسافرون بأهليهم إلى مكة، ثم يعتكف الأب في الحرم، أو يقضي غالب وقته فيه، ويغفل تمامًا عن مراقبة أبنائه وبناته، تاركًا لهم الحبل على الغارب؛ فينتج عن ذلك من المساوئ ما يندى له الجبين.

ومن مظاهر ذلك
ما رأيناه -ورآه غيرنا- في أطهر بقعة من التبرج، وتضييع الحشمة لدى بعض البنات.

حقًا، إن اصطحاب الأبناء إلى البلد الحرام أمر طيب، فيه تربية لهم، وتمكين لهم من إدراك فضيلة الزمان والمكان، ومضاعفة الحسنات، فإذا كان الأب رجلاً حازمًا يستطيع أن يحافظ على رعيته فحبذا ذاك، وأما إن كان عاجزًا عن رعايتهم ومراقبتهم، وضبط تصرفاتهم؛ فليبقَ في بيته؛ طلبًا للسلامة من الفساد والضرر البالغ، الذي قد يلحق برعيته؛ فيرجع بوزرهم بدلاً من الرجوع بالثواب المضاعف.

ومنها:
أن بعضًا من أئمة المساجد، ومن المصلحين: الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، والوعاظ، والموجهين؛ يتركون ثغورهم ويؤمون مكة؛ ليعتمروا ويقضوا العشر الأواخر هناك، ولا ريب أن من كان مرتبطًا بإمامة أو وعظ أو وظيفة يحتاج إليها المسلمون؛ فإن الأوجب في حقه أن يبقى على ثغره؛ فإن في ذلك من تحصيل المصالح المتعدية خيرًا كثيرًا.

وإن أبى إلا الذهاب للعمرة؛ فليكن ذلك في مدة وجيزة يومًا أو يومين، يعود بعدها إلى مكانه؛ فإن من غير الحسن أن تخلو المساجد وغيرها من الوعاظ والمرشدين، والأئمة المؤثرين في هذا الزمان الفاضل -وخاصة العشر الأواخر-، فلينتبه الحريصون على الخير لذلك، ولينظروا إلى الأمور بميزان عادل.
=====================
(1) أخرجه البخاري (1773)، ومسلم (1349) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) الناضح: البعير، الذي يستقى عليه الماء. لسان العرب (2/619).
(3) أخرجه البخاري (1782)، ومسلم (1256) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(4) انظر المدونة الكبرى (1/237).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الحادية والعشرون: الاعتكاف   24/06/16, 02:53 pm

الوقفة الحادية والعشرون
الاعتكـــــــــــــــــــــــــاف
==============
وهو لزوم المسجد بنية مخصوصة؛ لطاعة الله تعالى، وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم، قال الإمام أحمد -فيما رواه عنه أبو داود-: "لا أعلم عن أحد من العلماء إلا أنه مسنون"، ونقل عن الإمام مالك أنه قال: "تأملت أمر الاعتكاف، وما ورد فيه، وكيف أن المسلمين تركوه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتركه؛ فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم"، وقال -رحمه الله-: "ولم أعلم عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن" (1)، وما قاله الإمام مالك متعقب، فإنه قد نقل عن جماعات من السلف أنهم كانوا يعتكفون.

وقال الزهري -رحمه الله-: "عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله" (2).

سرُّ الاعتكاف:
إن في العبادات من الأسرار والحكم الشيء الكثير، ذلك أن المدار في الأعمال على القلب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (3).

وأكثر ما يفسد القلب الملهيات، والشواغل التي تصرفه عن الإقبال على الله؛ من شهوات المطاعم، والمشارب، والمناكح، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول الصحبة...، وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب، وتفسد جمعيَّته على طاعة الله، فشرع الله تعالى قربات تحمي القلب من غائلة تلك الصوارف، كالصيام -مثلاً-، الصيام الذي يمنع الإنسان من الطعام والشراب والجماع في النهار؛ فينعكس ذلك الامتناع عن فضول هذه الملذات على القلب، فيقوى في سَيْره إلى الله، وينعتق من أغلال الشهوات التي تصرف المرء عن الآخرة إلى الدنيا.

على أن هذا الامتناع عن رغبات النفس في حال الصيام امتناع معتدل، ليس فيه ما في الأديان الأخرى والمذاهب الأرضية الباطلة من الغلو، كما هو حال الذين يصومون شهرًا كاملاً ليله مع نهاره، أو يمنعون أنفسهم من الأكل والشرب والنوم عدة أيام -وربما على مدى شهور-، أو يدفنون أنفسهم في الأرض، أو يفعلون غير ذلك من صور الجور على الجسد، والغلو في منعه من رغباته.

هذا كله ليس في الإسلام، وإنما فيه صيام معتدل تحصل به تربية الجسد، وحماية القلب وتقويته، من دون إفراط أو تجاوز.

وكما أن الصيام درع للقلب يقيه مغبة صـوارف الشهوة: من فضول الطعام، والشراب، والنكاح؛ فكذلك الاعتكاف، ينطوي على سر عظيم، وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة؛ فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال؛ فيصير شأنها شأن التُّخمَة بالمطعومات لدى الإنسان.

كما قال الشاعر:
عدوُّك مِن صَديقكَ مُسْتَفاد  فلا تَسْتَكثِرَنَّ من الصِّحَابِ
فإن الـدَّاء أَكْثـرُ ما تَـرَاه  يَكُون مِنَ الطعامِ أو الشَّرابِ


وفي الاعتكاف - أيضًا - حماية للقلب من جرائر فضول الكلام؛ لأن المرء غالبًا يعتكف وحده، فيقبل على الله تعالى بالقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء.. ونحو ذلك.

وفيه –كذلك- حماية من كثرة النوم؛ فإن العبد إنما اعتكف في المسجد؛ ليتفرغ للتقرب إلى الله، بأنواع من العبادات، ولم يلزم المسجد لينام.

ولا ريب أن نجاح العبد في التخلص من فضول الصحبة، والكلام، والنوم؛ يسهم في دفع القلب نحو الإقبال على الله تعالى، وحمايته من ضد ذلك.

الجمع بين الصوم والاعتكاف:
لا ريب أن اجتماع أسباب تربية القلب بالإعراض عن الصوارف عن الطاعة أدعى للإقبال على الله تعالى، والتوجه إليه بانقطاع وإخبات؛ ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف، حتى قال الإمام ابن القيم- رحمه الله-: "ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرًا قط؛ بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم" (4).

ولم يذكـر الله -سبحـانه- الاعتكاف إلا مع الصـوم، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم.

فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: "أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية" (5) اهـ.

واشتراط الصوم في الاعتكاف نُقِل عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهما-، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة، واختلف النقل في ذلك عن أحمد والشافعي.

وأما قول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرًا قط"؛ ففيه بعض النظر، فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال (6)، ولم يثبت أنه كان صائمًا في هذه الأيام التي اعتكفها، ولا أنه كان مفطرًا؛ فالأصح أن الصوم مستحب للمعتكف، وليس شرطًا لصحته.

مع النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه:
اعتكف صلى الله عليه وسلم في العشر الأواسط؛ يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأواخر فاعتكفها .

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين؛ يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، ثم إنه أقام في شهر، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد رضي الله عنه: مُطِرْنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد (7) في مصلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت إليه، وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل ماء وطينًا" (8)؛ فتحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته.

ثم حافظ صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف في العشر الأواخر، كما في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده (9).

وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يومًا (10)، أي: العشر الأواسط والعشر الأواخر جميعًا.


وذلك لعدة أسباب: أولها:
أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين (11)؛ فناسب أن يعتكف عشرين يومًا؛ حتى يتمكن من معارضة القرآن كله مرتين.

ثانيها:
أنه صلى الله عليه وسلم أراد مضاعفة العمل الصالح، والاستزادة من الطاعات؛ لإحساسه صلى الله عليه وسلم بدنو أجله، كما فهم ذلك من قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوَّابَاً) [النصر: 1- 3] فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإكثار من التسبيح والاستغفار في آخر عمره، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم، فقد كان يكثر في ركوعه وسجوده من قول: "سبحانك اللهم، وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن (12).

ثالثها:
أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك شكرًا لله -تعالى- على ما أنعم به عليه من الأعمال الصالحة: من الجهاد، والتعليم، والصيام، والقيام…، وما آتاه من الفضل: من إنزال القرآن عليه، ورفع ذكره…، وغير ذلك مما امتن الله تعالى به عليه.

هذه- والله أعلم- أبرز الأسباب التي جعلته صلى الله عليه وسلم يعتكف عشرين يومًا في العام الذي قبض فيه.

وكان صلى الله عليه وسلم يدخل معتكفه قبل غروب الشمس، فإذا أراد -مثلاً- أن يعتكف العشر الأواسط دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين.

أما ما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم دخل معتكفه (13)، فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد بعد صلاة الفجر، فقد كان يعتكف في مكان مخصص لذلك، كما ورد في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية (14).

وكان صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه وهو معتكف في المسجد إلى عائشة -رضي الله عنها- وهي في حجرتها، فتغسله وترجَّله (15)، وهي حائض -كما جاء في الصحيحين (16)-، وفي مسند أحمد أنه كان يتكئ على عتبة باب غرفتها، ثم يخرج رأسه، فترجله (17).

وفي ذلك دليل على أن إخراج المعتكِفِ بعض جسده من المعتَكَف لا بأس به، كأن يخرج يده أو رجله أو رأسه، كما أن الحائض لو أدخلت يدها أو رجلها -مثلاً- في المسجد فلا بأس؛ لأن هذا لا يعدُّ دخولاً في المسجد.

ومن فوائد هذا الحديث -أيضًا- أن المعتكَفِ لا حرج عليه أن يتنظف، ويتطيب، ويغسل رأسه، ويسرحه، فكل هذا لا يخل بالاعتكاف.

ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه (18) فضرب؛ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: آلبِرَّ تُرِدْن؟، فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال"(19).

ومعنى قوله: "آلبر تردن"؟ أي: هل الدافع لهذا العمل هو إرادة البر، أو الغيرة والحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

والأظهر -والله أعلم- أن اعتكافه صلى الله عليه وسلم في شوال من تلك السنة بدأ بعد يوم العيد، أي في الثاني من شوال، هذا هو الأظهر، ويحتمل أن يكون بدأ من يوم العيد، فإن صح ذلك فهو دليل على أن الاعتكاف لا يشترط معه الصوم؛ لأن يوم العيد لا يصام.

ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان -أيضًا- أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "على رِسْلِكُما (20)، إنما هي صفية بنت حُيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكبر عليهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم . وفي لفظ: يجري من الإنسان مجرى الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا. وفي لفظ: شرًا"(21).

فمن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على صدق إيمان هذين الأنصاريين، وخشيته أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئًا؛ فيشكّا في الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك كفرًا، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة؛ بَيَّن صلى الله عليه وسلم الأمر، وقطع الشك، ودفع الوسواس، فأخبرهما أنها صفية -رضي الله عنها-، وهي زوجته.

هذه القصـة مما وقع له في اعتكـافه صلى الله عليه وسلم وفيهـا من الدروس ما هو جدير بالتفصيـل، لولا خشية الاستطراد عن الموضوع الذي نحن بصدده.

ملحوظات حول الاعتكاف: الأولى:
أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى.

والصواب
أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تُصلّى فيه الفروض الخمسة، قال الله تعالى: (وَلاَ تُباشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدْ) [البقرة: 187]؛ فدل عموم قوله (في الْمَسَاجِدْ): على أنه جائز في كل مسجد. ويستحب أن يكون في مسجد جامع؛ حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة.

وأما حديث:
"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"(22)؛ فهو -على القول بصحته- مؤول، بمعنى أن أكمل ما يكون الاعتكاف في هذه المساجد -كما قال أهل العلم-، وقد انقدح في ذهني تأويل آخر للحديث، وهو أن يكون المراد أن من نذر أن يعتكف في مسجد يحتاج إلى سفر للوصول إليه، فإنه لا يسافر إلا أن يكون نذر الاعتكاف في شيء من المساجد الثلاثة.

فلو نذر أحد أن يعتكف مثلاً في مسجد (جُوَاثَى) (23)- وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة المنورة، ولا يزال معروفًا في الأحساء اليوم لو نذر أن يعتكف فيه، فإنه لا يجوز أن يشدُّ الرَّحْل، ويسافر إليه؛ ليعتكف فيه، ولكن يعوض ذلك بأن يعتكف في أحد مساجد بلده، أو يسافر إلى أحد المساجد الثلاثة، ويعتكف فيه.

وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام وجب عليه الوفاء بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام.

ولكن لو نذر -مثلاً- أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام أفضل، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.

فالخلاصة أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة": لا اعتكاف ينذر ويسافر إليه، وأن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وقد أجمع الأئمة -خاصة الأئمة الأربعة- على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، وإنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله عنه وواحد أو اثنين من السلف.

الثانية:
أن بعض الناس يعدون الاعتكاف فرصة للخلوة ببعض أصحابهم وأحبابهم، وتجاذب أطراف الحديث معهم، وهذا ليس بجيد.

حقًا أنه لا حرج في أن يعتكف جماعة معًا في مسجد، فقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معه، حتى لقد كانت إحداهن معتكفةً معه، وهي مستحاضة ترى الدم وهي في المسجد (24)، فلا حرج أن يعتكف الشخص مع صاحبه أو قريبه أو حبيبه أو صديقه، ولكن الحرج في أن يكون الاعتكاف فرصة للسمر والسهر، والقيل والقال، وما شابه ذلك.

ولذلك قال الإمام ابن القيم -بعدما أشار إلى ما يفعله بعض الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم-، قال: "فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون "(25).

الثالثة:
أن بعض الناس يترك عمله، ووظيفته وواجبه المكلف به؛ لكي يعتكف، وهذا تصرف غير سليم؛ إذ ليس من العدل أن يترك المرء واجبًا ليؤدي سنة، فيجب على من ترك عمله الوظيفي واعتكف، أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله.
==========================
(1)     انظر المدونة الكبرى (1/237).

(2)     ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/285) وعزاه لابن المنذر.
(3)     أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(4)     أخرجه أبو داود (2473) عن عائشة -رضي الله عنها- وإسناده جيد.
(5)     زاد المعاد (2/87، 88).
(6)     أخرجه البخاري (2033)، ومسلم (1173) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(7)     وَكف المسجد: قطر ماء المطر من سقفه.
(8)     أخرجه البخاري (2018)، ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(9)     أخرجه البخاري (2026)، ومسلم (1172) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(10)     أخرجه البخاري (2044) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(11)     أخرجه البخاري (3624)، ومسلم (2450) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(12)     أخرجه البخاري (817) ومسلم (484) من حديث عائشة رضي الله عنه.
(13)     أخرجه البخاري (2033) ومسلم (1173) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(14)     أخرجه مسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(15)     ترجله: تسوي شعره وتزينه وتسرحـه. لسـان العـرب (11/270)، المعجـم الوسيـط (1/344).
(16)     البخاري (301 ،2301)، 19261)، ومسلم (316) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(17)     أخرجه أحمد (25804) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(18)     الخِبَاءُ من الأَبنية: ما يكون من وَبَر، أو صوف، أو شَعَر. القاموس المحيط (1/1650).
(19)     أخرجه البخارى (2033) ومسلم (1173) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(20)     على رسلكما: أي : اتّئدا ولا تعْجلا.
(21)     أخرجه البخاري (2035) ومسلم (2175) من حديث أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها-.
(22)     أخرجه عبد الرزاق (8016)، وابن أبي شيبة (9669)، وسعيد بن منصور ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (1181)، والفاكهي في أخبار مكة (1334)، والطبراني (9511)، الإسماعيلي في معجمه (336)،و الطحاوي في مشكل الآثار (4/20)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (15/81) عن حذيفة رضي الله عنه. قال الذهبي: صحيح غريب عال.
(23)     جُوَاثَى: اسم مدينة أو حصن بالبحرين. لسان العرب (2/129)، معجم ما استعجم (1/401).
(24)     أخرجه البخاري (309) من حديث عائشة - رضي الله عنها-.
(25)     زاد المعاد (2/ 90).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثانية والعشرون: العشر الأواخر   24/06/16, 06:38 pm

الوقفة الثانية والعشرون
العشــــر الأواخـــــــــر
============
كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، مالا يجتهد في غيرها (1).

 ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها- كما سبق-، ويتحرَّى ليلة القدر خلالها (2).

وفي الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها-: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر " أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشَدَّ مِئْزره" (3). زاد مسلم: "وَجَدَّ، وشد مِئْزَره".

قولها "وشد مئزره": كناية عن الاستعداد للعبادة، والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد، ومعناه التشمير في العبادات، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت له وتفرغت. وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء، وترك الجماع، وهذا هو الأقرب، فإن هذه كناية معروفة عند العرب.

كما قال الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
دون النساء ولو باتت بأطهار


وقولها: "أحيا الليل": أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها.

وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- الآخر: "لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرًا كاملاً قط غير رمضان (4).

فيحمل قولها: "أحيا الليل" على أنه يقوم أغلب الليل، أو يكون المعنى أنه: يقوم الليل كله، لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما، فيكون المراد أنه يحصي معظم الليل.

وقولها: "وأيقظ أهله" أي: أيقظ أزواجه للقيام. ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في سائر السنة، لكن كان يوقظهم لقيام بعض الليل، ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال:"سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟! ماذا أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحب الحجرات؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة" (5)، وفيه كذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم يوقظ عائشة - رضي الله عنها - إذا أراد أن يوتر (6)، لكن إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان كان أبرز منه في سائر السَّنَةِ.
====================
(1)     أخرجه البخاري (2024)، ومسلم (1175) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)     البخاري (2016) ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد لخدري رضي الله عنه.
(3)     البخاري (2024) ومسلم (1174) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)     أخرجه البخاري (1969)، ومسلم (746)، والنسائي (1641) وهذا لفظه من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5)     أخرجه البخارى (1126) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(6)     أخرجه البخارى (997)، ومسلم (512) من حديث عائشة رضي الله عنها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثالثة والعشرون: ليلة القــدر   24/06/16, 11:15 pm

الوقفة الثالثة والعشرون
ليلة القــــــــــــــــــــدر
=============
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (حم وَالْكِتبِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرين فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِندِنَا إنَّا كُنَّا مُرْسِلين رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الدخان: ا- 6].

أنزل القرآن الكريم في تلك الليلة التي وصفها رب العالمين بأنها "مباركة"، وقد صح عن جماعة من السلف: منهم ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم...؛ أن الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي ليلة القدر.

(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ): أي تقدر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والحاج والداج (1)، والعزيز والذليل، والجدب والقحط، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة.

والمقصود بكتابة مقادير الخلائق في ليلة القدر -والله أعلم- أنها: تنقل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الرجل يُرَى يفرش الفرش، ويزرع الزرع، وإنه لفي الأموات"، أي أنه كتب في ليلة القدر أنه من الأموات، وقيل: إن المعنى أن المقادير تبين في هذه الليلة للملائكة.

وفي سورة القدر يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الليلة العظيمة: (إنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مٍنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَلُ الملائِكَةُ وَالْرُّوحُ فيِها بإِذْنِ رَبِهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: ا- 5].

فسماها الله تعالى ليلة القدر؛ وذلك لعظيم قدرها، وجلالة مكانتها عند الله -جل وعلا-، ولكثرة مغفرة الذنوب، وستر العيوب فيها، فهي ليلة المغفرة، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه" (2).

وقيل:
إنها سميت ليلة القدر؛ لأن المقادير تُقَدَّر وتكتب فيها.

وقال الخليل بن أحمد:
إنما سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة، من (القدر) وهو التضييق، قال تعالى: {وَأَمّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16] أي: ضيق عليه رزقه.

قال تعالى:
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 2] تنويهًا بشأنها، وإظهارًا لعظمتها: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } [القدر: 3]، أي: خير مما يزيد على ثلاث وثمانين سنة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- وهذا فضل عظيم لا يقدر قدره إلا رب العالمين -تبارك وتعالى-.

* تحري ليلة القدر:
يستحب تحريها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه خاصةً، وفي الأوتار منها بالذات، أي ليالي: إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان" (3).

وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" (4).

فهي في الأوتار أحرى وأرجى إذن.

وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامترضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى (5) رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة (6).

أي في الأوتار.

وفي هذا الحديث دليل على شؤم الخصام والتنازع، وبخاصة في الدين، وأنه سبب في رفع الخير وخفائه.

وليلة القدر في السبع الأواخر أرجى؛ ولذلك جاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر" (7).

وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد، ومن حديث معاوية رضي الله عنه عند أبي داود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" (8).

وكونها ليلة سبع وعشرين هو مذهب أكثر الصحابة وجمهور العلماء، حتى إن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين (9).

وأخرج ابن أبي شيبة عن زر أنه سئل عن ليلة القدر ، فقال : كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم– لا يشكّون أنها ليلة سبع وعشرين (10).

ومن الأمور التي استنبط منها أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين: أن كلمة "فيها" من قوله تعالى: (تَنَـزَّلُ المْلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) [القدر: 4] هي الكلمة السابعة والعشرون من سورة القدر.

وبعض العلماء استدلوا على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين بطريقة حسابية، وذلك أن كلمة "ليلة القدر"، تسعة أحرف، وقد ذكرت في السورة ثلاث مرات، فبِضرْب التسعة في الثلاث تكون النتيجة سبعًا وعشرين.

وهذا ليس عليه دليل شرعي، فلا حاجة لمثل هذه الحسابات، فبين أيدينا من الأدلة الشرعية ما يغنينا.

ومما يرجح أنها ليلة سبع وعشرين ما ورد: من أن رجلاً رآها ليلة سبع وعشرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها" (11).

لكن كونها ليلة سبع وعشرين أمر غالب -والله أعلم- وليس دائمًا، فقد تكون -أحيانًا- ليلة إحدى وعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي سبق ذكره، وهو حديث متفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد صبيحة إحدى وعشرين في ماء وطين (12).

* ومما يتعلق بليلة القدر أنه يستحب فيها الإكثار من الدعاء، وبخاصة الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة -رضي الله عنها- حين قالت: "يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعف عني" (13).

* العلامات التي تعرف بها ليلة القدر:
العلامة الأولى:
ثبت في صحيح مسلم من حديث أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها (14).

العلامة الثانية:
ثبت من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عند ابن خزيمة، ورواه الطيالسي في مسنده، وسنده صحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ليلة القدر ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها صفيقة حمراء" (15).

العلامة الثالثة:
ثبت عند الطبراني بسند حسن من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ليلة القدر ليلة بَلْجَة (16)، لا حارة ولا باردة، لا يرمى فيها بنجم (17)" (18).

هذه ثلاثة أحاديث صحيحة في بيان العلامات الدالة على ليلة القدر.

وهناك حديث رواه أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وسنده صحيح، إلا ما يخشى من انقطاعه، لكن يشهد له ما سبق، وهو حديث طويل وعجيب، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنها: "صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمَى به فيها، حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" (19).

وقد ذكر بعض أهل العلم علامات أخرى، لا أصل لها، وليست بصحيحة، وإنما أذكرها؛ لأنبه إلى عدم صحتها.

ذكر الطبري أن قومًا قالوا: إن من علاماتها أن الأشجار تسقط حتى تصل إلى الأرض، ثم تعود إلى أوضاعها الأصلية.

وهذا لا يصح.

وذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وهذا لا يصح.

وذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها، وهذا لا يصح.

وذكر آخرون أن الأنوار تكون في كل مكان، حتى في الأماكن المظلمة، في تلك الليلة، وهذا لا يصح.

* ونختم الحديث عن ليلة القدر بالأمرين التاليين:
الأول:
ينبغي أن يعلم أنه لا يلزم أن يعلم من أدرك ليلة القدر أنه أدركها، وإنما العبرة بالاجتهاد والإخلاص، سواء علم بها أو لم يعلم.

وقد يكون من الذين لم يعلموا بها، لكنهم اجتهدوا في العبادة والخشوع، والبكاء والدعاء؛ قد يكون مِنْهم مَنْ هم أفضل عند الله تعالى، وأعظم درجة ومنـزلة ممن عرفوا تلك الليلة.

الثاني:
أن ليلة القدر ليست خاصة بهذه الأمة على الراجح، بل هي عامة لهذه الأمة، وللأمم السابقة، فقد روى النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت؟ قـال صلى الله عليه وسلم: "كلا، بل هي باقية".

وهذا الحديث أصح من الحديث الذي رواه مالك في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري أعمار أمته، فكأنه تقالَّها، فأعطي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر -وقد تقدم ذكر هذا الحديث- (20).

وعلى فرض صحة هذا الحديث فهو قابل للتأويل، وأما حديث أبي ذر رضي الله عنه فهو صريح في أن ليلة القدر تكون مع الأنبياء.

ومما يقوي ذلك قول الله تعالى: (إِنَّا أنـزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1].

فمن المعلوم أن القرآن يوم أُنْزِل، أُنزِلْ بالنبوة على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قبل ذلك نبيًا، حتى تكون تلك الليلة ليلة القدر في حقه.
==================
(1)     يقـال: ما حـج، ولكن دَجَّ: لم يقصـد النسك؛ بل قصـد التجارة. المعجم الوسيط (1/281،280).

(2)     أخرجه البخاري (1901)، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)     أخرجه البخاري (2017)، ومسلم (1169) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)     أخرجه البخاري (2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)     تلاحى: تخاصم وتنازع. لسان العرب (15/242)، والنهاية (4/243).
(6)     البخاري (49) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(7)     رواه البخاري (2015) ومسلم (1165) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(8)     أخرجه أحمد (4793) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وإسناده صحيح، أخرجه أبو داود (1386) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وهذا لفظه.
(9)     رواه مسلم (762) عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
(10)     انظر هذه الروايات وغيرها في الدُّر المنثور تفسير سورة القدر.
(11)     البخاري (2015)، ومسلم (1165) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(12)     البخاري (2036) ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(13)     أحمد (24969)، والترمذى (3513) وابن ماجه (3850) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(14)     مسلم (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
(15)     أخرجه ابن خزيمة (2192) والطيالسى (2680) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (5475).
(16)     لا يرمي فيها بنجم: لا ترسل فيها الشهب.
(17)     رواه الطبرانى في الكبير (139) عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5472).
(18)     أخرجه أحمد (22259) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/175) وقال: رجاله ثقات.اهـ لكن: في إسناده خالد بن معدان، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة عابد يرسل كثيرًا.اهـ وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لم يصح سماعه من عبادة بن الصامت.اهـ وقوله: ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ، أي لا يخرج معها صبيحة ليلة القدر خصوصًا، ذلك أن العادة في كل يوم أن تطلع الشمس بين قرني شيطان كما في صحيح البخاري (3099) وصحيح مسلم (829).
(19)     انظر ص 45.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الرابعة والعشرون: مع العيــد   25/06/16, 12:01 am

الوقفة الرابعة والعشرون
مــــــــــع العيـــــــــــــد
============
العيد اسم لكل ما يعتاد، والأعياد شعارات توجد لدى كل الأمم، سواء أكانت كتابية أم وثنية أم غير ذلك؛ ذلك أن إقامة الأعياد ترتبط بفطرة، طبع الناس عليها، فكل الناس يحبون أن تكون لهم مناسبات فرح يظهرون فيها السرور، ويتذكرون الماضي.

وأعياد الأمم الكافرة ترتبط بأمور دنيوية، مثل قيام دولة، أو سقوطها، أو تنصيب حاكم، أو تتويجه، أو زواجه، أو بحلول مناسبة زمانية كفصل الربيع، أو غير ذلك.

ولليهود أعيادهم، وللنصارى أعيادهم الخاصة بهم، فمن أعياد النصارى العيد الذي يكون في الخميس الذي يزعمون أن المائدة أنزلت فيه على عيسى عليه السلام ؛ وكذلك عيد ميلاد عيسى، وعيد رأس السنة (الكريزمس)، وعيد الشكر، وعيد العطاء…

ويحتفلون بها الآن في جميع البلاد الأوربية والأمريكية وغيرها من البلاد التي للنصرانية فيها ظهور؛ وإن لم تكن نصرانية في الأصل، وقد يشاركهم بعض المنتسبين إلى الإسلام من حولهم عن جهل، أو عن نفاق.

وللمجوس –كذلك- أعيادهم الخاصة بهم، مثل عيد المهرجان، وعيد النيروز، وغيرهما.

وللرافضة –أيضًا- أعيادهم، مثل عيد الغدير الذي يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع فيه عليًا رضي الله عنه بالخلافة، وبايع فيه الأئمة الاثني عشر من بعده، وللرافضة في هذا العيد مصنفات كثيرة، حتى إن منها كتابًا اسمه "يوم الغدير" يقع في عشرات المجلدات.

أما المسلمون فليس لهم إلا عيدان:
عيد الفطر، وعيد الأضحى.

ففي سنن أبي داود والنسائي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال صلى الله عليه وسلم: "كان لكم يومان تلعبون فيهما. وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى" (1).

ولذلك قال الشاعر:
عيدانِ عند أولي النُّهى لا ثالث *** لهما لمن يبغي السلامة في غدِ
الفطر والأضحى، وكلُّ زيادة *** فيها خروجٌ عَنْ سَبِيل محمـدِ


قال ذلك ردًّا على الشاعر الذي أضاف عيدًا ثالثًا، هو عيد مولد محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:
المسلمون ثلاثةٌ أعيادهــم *** الفطر والأضحى وعيد المولِدِ
فإذا انتهت أعيادهم فسرورهم *** لا ينتهي أبـدًا بحـبّ محمـدِ


وهذان العيدان اللذان شرعهما الله للمسلمين هما من شعائر الإسلام التي ينبغي إحياؤها، وإدراك مقاصدها، واستشعار معانيها.

* أحكام العيد:
أولاً:
يحرم صوم يومي العيدين؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر(2).

ثانيًا:
يستحب الخروج للصلاة، للرجال والنساء، لقول أم عطية -رضي الله عنها-: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق (3) والحُيَّض، وذوات الخدور (4)، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين (5).

فما دامت الحُيَّض والعواتق، وذوات الخدور قد أُمِرن أن يخرجن لصلاة العيد؛ فلا شك أن من الأولى أن يؤمر الرجال شيبًا وشبابًا بالخروج لها، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخروج لصلاة العيد؛ لهذا الحديث، ولغيره من الأدلة؛ كقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحً مَنْ تَزَكَّى وَذكَرَ اسْمَ رَبِهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14- 15].

قال بعضهم:
المقصود في هذه الآية صلاة العيد.

ثالثًا:
من أحكام العيد أن الصلاة فيه قبل الخطبة، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى قبل الخطبة (6).

رابعًا:
يستحب للإمام أن يكبر في الصلاة سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، فقد ثبت هذا عن جماعة من الصحابة، والتابعين؛ كعمر (7)، وعثمان (8)، وعلي (9)، وأبي هريرة (10)، وابن عباس (11)، وأبي سعيد الخدري (12)، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وغيرهم.

وقد ورد في ذلك أحـاديث عدة عن رسـول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (13)، ومن طريق كثير بن عبد الله المزني عن عمرو بن عوف رضي الله عنه (14).

لكن كل تلك الأحاديث المرفوعة لا تصح.

وإنما ثبت ذلك في آثار موقوفة.

ويجوز أن يكبر الإمام أربع تكبيرات في الركعة الأولى، وأربعًا في الثانية، فقد ثبت هذا عن جماعة من السلف، منهم ابن مسعود رضي الله عنه، كما رواه عن الفريابي وغيره.

وهو مذهب الأحناف.

خامسًا:
يستحب أن يقرأ الإمام في صلاة العيد بـ"ق" و"اقتربت الساعة"، كما في صحيح مسلم أن عمر رضي الله عنه سأل أبا واقدٍ الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهمـا بـ (ق وَالْقرْآنِ الْمَجِيدِ) [ق: 1]، و(اقْتَرَبَت السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: 1] (15).

وأكثر ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بـ "سبح" و"الغاشية" كما كان يقرأ بهما في الجمعة (16).

سادسًا:
لا نافلة قبل صلاة العيد ولا بعدها، كما روى الستة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم العيد، فصلى ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما (17).

إلا إن صلى الناس العيد في المسجد فلابد –حينئذ- من صلاة ركعتين تحية للمسجد.

* آداب العيد:
أولاً:
الاغتسال قبل الخروج للصلاة، فقد صحَّ في الموطأ وغيره أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (18)، وصح عن السائب بن يزيد، وسعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قال: "سُنَّة العيد ثلاث: المشي، والاغتسال، والأكل قبل الخروج".

هذا من كلام سعيد بن جبير، ولعله أخذ ذلك عن بعض الصحابة، وذكر النووي -رحمه الله- اتفاق العلماء على استحباب الاغتسال لصلاة العيد.

والمعنى الذي يستحب بسببه الاغتسال للجمعة وغيرها من الاجتماعات العامة موجود في العيد، بل لعله في العيد أوضح.

ثانيًا:
ألا يخرج في عيد الفطر إلى الصلاة حتى يأكل تمرات؛ لما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات (19).

وإنما استحب الأكل قبل الخروج مبالغة في النهي عن الصوم في ذلك اليوم.

وأما في عيد الأضحى فإن المستحب هو ألا يأكل إلا بعد الصلاة من أضحيته.

ثالثًا:
التكبير في يوم العيد، قال الله تعالى: (وَلتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبرواْ اللهَ عَلَى ما هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185].

وقد نقل عن ابن عمر -رضي الله عنهما- من طرق، وبأسانيد صحيحة، عند البيهقي وابن أبي شيبة؛ أنه كان يكبَّـر إذا خرج من بيته إلى المصلّى (20).

ولقد كان التكبير من حين الخروج من البيت إلى المصلى، وإلى دخول الإمام أمرًا مشهورًا جدًا عند السلف.

وقد نقله جماعة من المصنفين، كابن أبي شيبة، وعبدالرزاق، والفريابي في كتاب (أحكام العيدين)، عن جماعة من السلف.

ومن ذلك أن نافع بن جبير كان يكبر، ويتعجب من عدم تكبير الناس فيقول: "ألا تكبَّرون؟!" وكان محمد بن شهاب الزهري يقول: "كان الناس يكبرون منذ يخرجون من بيوتهم، حتى يأتوا المصلى وحتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا" (21).

فالخلاصة:
أنه يشرع أن يكبر المسلم من حين خروجه من منـزله إلى أن يدخل الإمام.

رابعًا:
من آداب العيد التهنئة التي يتبادلها الناس فيما بينهم، أيًّا كان لفظها، مثل قول بعضهم لبعض: عيدكم مبارك، تقبَّل الله منا ومنكم. وما أشبه ذلك من عبارات التهنئة المباحة.

والتهنئة كانت معروفة عند الصحابة، ورخّص فيها أهل العلم، كالإمام أحمد وغيره، وقد ورد ما يدل عليه؛ من مشروعية التهنئة بالمناسبات، وتهنئة الصحابة بعضهم بعضًا عند حصول ما يسُرُّ، مثل: أن يتوب الله تعالى على امرئ؛ فيقومون بتهنئته بذلك، إلى غير ذلك.

والآثار المنقولة عن الصحابة التي يحتج بها على أنه لا بأس أن يهنئ الناس بعضهم بعضًا بالعيد آثار عديدة.

ولا ريب أن هذه التهنئة من مكارم الأخلاق، ومحاسن المظاهر الاجتماعية بين المسلمين.

وأقل ما يقال في موضوع التهنئة أن تهنئ من هنّأك بالعيد، وتسكت إن سكت، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "إن هنأني أحد أجبته، وإلا لم أبتدئه".

خامسًا:
التجمل بأحسن الملابس؛ لما روى البخاري عن عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: أخذ عمر رضي الله عنه جبة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ابتعْ هذه تجمَّلْ بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذه لباس من لا خَلاَق له (22)... الحديث.

فدل ذلك على أن التجمل للعيد كان معروفًا، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم عمر على التجمل، لكنه أنكر عليه شراء هذه الجبة؛ لأنها من حرير.

وعن جابر رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم جبة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة (23).

وروى البيهقي بسند صحيح أن ابن عمر -رضي الله عنهما- "كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه" (24).

فينبغي للرجل أن يلبس أجمل ما عنده من الثياب عند الخروج للعيد.

أما النساء فيبتعدن عن الزينة إذا خرجن؛ لأنهن منهيات عن إظهار الزينة للرجال الأجانب، وكذلك يحرم على من أرادت الخروج أن تمس الطيب أو تتعرض للرجال بالفتنة، فإنها ما خرجت إلا لعبادة وطاعة.. أفتُراَهُ يصح من مؤمنة أن تعصي من خرجت لطاعته، وتخالف أمره بلبس الضيق والثوب الملون الجذاب اللافت للنظر، أو مس الطيب أو نحوه؟

* تنبيهات على بعض المنكرات:
أولاً:
بعض الناس يعتقدون مشروعية إحياء ليلة العيد بالصلاة، ويتناقلون في ذلك حديثًا لا يصح، وهو أن "من قام ليلتي العيد محتسبًا لله؛ لم يمتْ قلبه يوم تموتُ القلوب" (25).

وهذا الحديث جاء من طريقين، أحدهما ضعيف، والآخر ضعيف جدًا، فلا يشرع تخصيص ليلة العيد بذلك من بين سائر الليالي، وأما من كان يقوم في سائر الليالي؛ فلا حرج أن يقوم في ليلة العيد.

ثانيًا:
اختلاط النساء بالرجال في بعض المصليات والشوارع وغيرها، ومن المحزن أن هذا يحدث في أقدس البقع، في المساجد، بل في المسجد الحرام، فإن بعض النساء -هداهن الله- يخرجن متجملات متعطرات، سافرات، متبرجات، ويحدث في المسجد الزحام الشديد؛ وفي ذلك من الفتنة والخطر العظيم ما لا يخفى.

ثالثًا:
أن بعض الناس يجتمعون في العيد على الغناء؛ واللهو المحرم، وهذا لا يجوز في العيد ولاغيره ، وليس مناسبة لانتهاك المحرمات، ولكنه مناسبة شكر لله وفرح بفضله .

رابعًا:
أن بعض الناس يفرحون بالعيد؛ لأنهم تركوا رمضان، وانتهوا من الصيام، وهذا خطأ، فإن العيد إنما يفرح به المؤمنون؛ لأن الله تعالى وفقهم لإكمال عدة الشهر وإتمام الصيام، وليس الفرح بسبب إنهاء الصيام الذي يعده بعض الناس عبئًا ثقيلاً عليهم.
=====================
(1)     أخرجه أحمد (12416)، وأبو داود (1134)، والنسائي (1556) .

(2)     أخرجه البخاري (1197) ومسلم (827) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)     العواتق: جمع عاتق، وهي الأنثى أول ما تبلغ، والتي لم تتزوج بعد. انظر: لسان العرب (10/235).
(4)     الخدور: البيوت، وقيل: الخدر: ستر يكون في ناحية البيت. انظر: النهاية (2/13).
(5)     أخرجه البخاري (974) ومسلم (890) من حديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها.
(6)     حديث ابن عمر أخرجه البخاري (963)، ومسلم (888)، وحديث وأبي سعيد أخرجه البخاري (956)، ومسلم (49)، وحديث ابن عباس أخرجه البخاري (5880)، ومسلم (884).
(7)     مصنف ابن أبي شيبة (5718).
(8)     أحمد (543) عن عبد الله بن فروخ.
(9)     البزار (487)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (2/203) قال: لا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، وفيه من لم أعرفه.اهـ
(10)     أحمد (8464) من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومالك في الموطأ (434)، وابن أبي شيبة (5703)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/344)، والبيهقي في الكبرى (5974) عن نافع مولى ابن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(11)     ابن أبي شيبة (5704)، البيهقي في الكبرى (5975) عن عطاء.
(12)     ( أخرجه ابن أبي شيبة (5720) والحارث بن أبي أسامة في مسنده (210- زوائد).
(13)     أخرجه أحمد (6649)، وأبو داود (1152)، وابن ماجه (1278)، والدارقطني (2/47)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/343)، والبيهقي في الكبرى (5966)، وفي الصغرى (717) من حديث عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال العظيم أبادي في عون المعبود: عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال ابن القطان في كتابه: والطائفي هذا ضعفه جماعة منهم ابن معين. قاله الزيلعي: وقال المنذري: في إسناده عبد الله ابن عبد الرحمن الطائفي وفيه مقال. وقدأخرج له مسلم في المتابعات.اهـ
(14)     أخرجه الترمذي (536)، وابن ماجه (1279)، وعبد بن حميد (290)، والبزار (3389)، والطبراني في الكبير (17/14)، وابن خزيمة (1439)، والبيهقي في الكبرى (5968) من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه . قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (2/65): كثير بن عمرو ابن عوف المزني المدني، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، منهم من نسبه إلى الكذب.اهـ وقال الشافعي: ركن من أركان الكذب. وقال ابن حبان له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة كما في الميزان. اهـ
(15)     مسلم (891) من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمر بن لخطاب رضي الله عنه.
(16)     مسلم (878) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(17)     البخارى (964)، ومسلم (884)، والترمذي (537)، وأبو داود (1142)، والنسائي (1587)، وابن ماجه (1291) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(18)     الموطأ (428) من حديث نافع عن ابن عمر.
(19)     أخرجه البخاري (953) من حديث أنس رضي الله عنه.
(20)     أخرجه ابن أبي شيبة (5619)، والبيهقي في السنن الكبرى (5924).
(21)     أخرجه ابن أبي شيبة (5629) من حديث ابن أبي ذئب عن الزهري.
(22)     أخرجه البخاري (948)، ومسلم (2068) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(23)     أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (1765)، والبيهقي في الكبرى (5931) عن جابر رضي الله عنهما.
(24)     أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5938) عن نافع مولى ابن عمر.
(25)     أخرجه ابن ماجه (1782) من حديث بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة رضي الله عنه. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (644): إسناده ضعيف لتدليس بقية. اهـ، وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط كما في مجمع الزوائد (2/198)من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال الهيثمي: فيه عمر بن هارون البجلي والغالب عليه الضعف وأثنى عليه ابن مهدي لكن ضعفه جمع كثيرون. اهـ، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6087)، وفي شعب الإيمان (3711) من حديث الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال قال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفًا. قال ابن حجر في تلخيص الحبير (2/80): رواه ابن ماجه من حديث ثور عن خالد بن معدان عن أبي أمامة وذكره الدارقطني في العلل من حديث ثور عن مكحول عنه قال والصحيح أنه موقوف على مكحول ورواه الشافعي موقوفًا على أبي الدرداء وذكره بن الجوزي في العلل من طرق ورواه الحسن بن سفيان من طريق بشر بن رافع عن ثور عن خالد عن عبادة بن الصامت وبشر متهم بالوضع .اهـ وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (5/372) من طريق ابن كردوس عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". قال الذهبي: حديث منكر مرسل. اهـ وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (2/247) أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في إحياء ليلتي العيدين شيء.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الخامسة والعشرون: مع صدقة الـفـطـر   25/06/16, 12:34 am

الوقفة الخامسة والعشرون
مــع صدقــة الـفـطــــــــر
=============
وهي فرض على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- المتفق عليه: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين" (1).

وأما الأصناف التي تُخرِج منها صدقة الفطر، ففي حديث أبي سعيد رضي الله عنه في الصحيحين قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب" (2).

وفي بعض الروايات -كما في صحيح ابن خزيمة-: "أو صاعًا من سُلْت" (3).

والسُّلْت: نوع من جيد الشعير، ليس فيه قشر.

وفي رواية أخرى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عند ابن خزيمة أنه قال: "من أدى سُلتًا قُبِلِ منه، ومن أدى دقيقًا قُبِل منه، ومن أدى سويقًا قُبِل منه" (4)؛ ولذلك بَوَّبَ ابن خزيمة -رحمه الله- باب: "إخراج جميع الأطعمة في صدقة الفطر.." (5).

فالصحيح أن صدقة الفطر تخرج من طعام البلد، صاعًا من قوت البلد، أيًا كان قوته.

وصدقة الفطر إنما هي للمساكين خاصة، وليست لسائر أصناف أهل الزكاة الثمانية؛ لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صدقة الفطر: "طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" (6).

وهذا ما رجحه جماعة من أهل العلم، كابن تيمية، وابن القيم -رحمهما الله-.

وتؤدَّى صدقة الفطر قبل الخروج لصلاة العيد، كما في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر، قبل خروج الناس إلى الصلاة (7).

ومن أداها قبل العيد بيوم أو يومين فلا حرج، كما جاء في البخاري: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" (8).

ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، فإن أُخرت عنها فإنما هي صدقة من الصدقات.
==============
(1)     أخرجه البخاري (1508) ومسلم (984) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(2)     أخرجه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)     أخرجه ابن خزيمة (2416) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا (2414) والدارقطني (2/146) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)     أخرجه ابن خزيمة (2415)، والبيهقي في السنن الكبرى (2288) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)     انظر صحيح ابن خزيمة (4/89).
(6)     أخرجه أبو داود (1609) وابن ماجه (1827) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(7)     أخرجه البخاري (1503) ومسلم (984) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(8)     أخرجه البخاري (11511)، ومسلم (984) من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة السادسة والعشرون: مع أحكام القضـاء   25/06/16, 12:49 am

الوقفة السادسة والعشرون
مــع أحكــام القضـــــــــاء
================
* والناس في أحكام القضاء أنواع:
النوع الأول:
الحائض والنفساء والمسافر، فهؤلاء يفطرون ويقضون.

النوع الثاني:
الحامل والمرضع، إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما؛ فإنهما تفطران.

والراجح أن عليهما القضاء فقط، ولا إطعام عليهما؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184].

والحامل والمرضع تلحقان بالمريض؛ ولما في السنن من حديث أنس بن مالك الكعبي -رضي الله عنه-، أنه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فوجده يتغدى، فقال: اُدْنُ فكل. فقال: إني صائم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجلس أحدَّثْك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله تعالى وضع شطر الصلاة، والصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى" (1).

وقال بعض أهل العلم:
عليهما القضاء والإطعام، وقال آخرون: عليهما الإطعام فقط.
وهذا الخلاف إنما هو فيما إذا خافتا على ولديهما.

النوع الثالث: المريض، وهو قسمان:
الأول: المريض الذي يُرجى بُرؤه، كمن يكون فيه حمى، فهذا يفطر، ويقضي إذا شفي.

فإن مات قبل أن يشفى فلا شيء عليه ولا على قرابته من بعده، لأن الواجب عليه قضاء صيامه في أيام أُخَر وهو لم يدرك هذه الأيام الأُخر، أما إن كان تمكن من القضاء وفرط فيه، فعلى قرابته أن يصوموا عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" (2).

الثاني:
المريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا.

النوع الرابع:
الكبير الهرِم، الذي أصابه الخرف، وزال عقله، وذهب تمييزه، فهذا لا صوم عليه، ولا قضاء، ولا إطعام.

* تنبيهات حول القضاء:
أولاً:
بعض الناس يؤخرون القضاء إلى ما بعد رمضان الآخر، وهذا لا يجوز؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: "كان يكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان".

قال يحيى بن سعيد الأنصاري:
الشُّغْل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برسول الله صلى الله عليه وسلم (3).

فلا يجوز تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان الآخر؛ لهذا الحديث،
ولأن ذلك يسبب تراكم الصيام على العبد ؛ ولأن الصيام عبادة موقوتة بالسنة فلا يصح أن تؤخر تلك العبادة إلى السنة التي بعدها.

ثانيًا:
لا يشترط التتابُع في قضاء رمضان -كما يعتقد بعض الناس- بل يصح أن يصوم -الذي عليه قضاء- يومًا، ويفطر يومًا، أو كما يشاء.

ثالثا:
يستحب الإسراع والتعجيل بالقضاء؛ لأن ذلك أسرع في إبراء الذمة، والإنسان مُعرَّض للموت في أي لحظة، فينبغي له المبادرة بإبراء ذمته، والاستعداد للرحيل، قبل أن يباغته ما يُفوَّت عليه ذلك.
=============
(1)     أخرجه أحمد (18568)، والترمذي (715) وأبو داود (2408) والنسائى (2274) من حديث أنس بن مالك الكعبي القشيري رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث حسن.

(2)     أخرجه البخاري ( 1952) ومسلم (1147) من حديث عائشة .
(3)     البخاري (1950)، ومسلم (1146) من حديث عائشة رضي الله عنها، والمعنى: أنه يمنعها من القضاء الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة السابعة والعشـرون: صيام الست من شـوال   25/06/16, 12:56 am

الوقفة السابعة والعشـرون
صيام الست من شــــــوال
==============
يشرع للمسلم صيام ستة أيام من شوال، وفي ذلك فضل عظيم، وأجر كبير، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال؛ كان كصيام الدهر" (1).


وهذا المعنى جاء عند الدرامي، وابن ماجه، من حديث ثوبان رضي الله عنه (2)، وجاء عند أحمد من حديث جابر رضي الله عنه (3)، وعند البزار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وكل هذه الأحاديث تدل على مشروعية صيام الست من شوال، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الجماهير، خلافًا لمالك -رحمه الله-.

وإنما كان صيام الست من شوال مع صيام رمضان كصيام الدهر؛ لأن رمضان عن عشرة أشهر؛ حيث إن الحسنة بعشر أمثالها، وعشرة أشهر مع شهرين حولٌ كامل، وتستحب المبادرة بصيام الست من شوال، بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني من الشهر، ولا حرج في عدم المبادرة، فلو أخَّرها إلى وسط الشهر أو آخره فلا بأس.

ولا يصومها من كان عليه قضاء من رمضان حتى ينهي ذلك القضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال" (4) وهذا معناه أن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إنهاء صوم رمضان كله.

وختامًا أنبه إلى أن بعض الناس يسمون اليوم الثامن من شوال "عيد الأبرار"، وهذه بدعة باطلة منكرة، فإن أعياد المسلمين اثنان لا ثالث لهما -كما تقدم-.
=======================
(1)     أخرجه مسلم (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

(2)     أخرج أحمد (21906)، والدارمي (1755)، وابن ماجه (1715) من حديث ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها".
(3)     أخرجه أحمد (13890) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام رمضان وستا من شوال فكأنما صام السنة كلها" في إسناده عمرو بن جابر الحضرمي وهو ضعيف.
(4)     تقدم تخريجه ص55.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة الثامنة والعشرون مع صيـام الـنـفـل   25/06/16, 01:08 am

الوقفة الثامنة والعشرون
مــع صيــــام الـنـفــــــل
============
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر. ويفطر حتى يقال: لا يصوم.

ولم يعلم عنه أنه صام شهرًا كاملاً غير رمضان، إلا شعبان فإنه كان يصوم أكثره، بل كله (1).

وكان صلى الله عليه وسلم يتعاهد صيام يومي الاثنين والخميس (2)، وأيام البِيْض، بل جاء عنه في حديث -وإن كان فيه ضعف- أنه كان لا يترك صيام أيام البيض في حضر ولا سفر (3)، وكان يأمر بصيامها ويحث عليه، فقد أوصى أبا هريرة رضي الله عنه بثلاث: منها صيام ثلاثة أيام من كل شهر (4).

كما أوصى أبا ذر رضي الله عنه بذلك (5).

وَأَذِنَ لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا (6).

ونهى عن صيام الدهر فقال: "من صام الدهر لا صام ولا أفطر" (7)، وقال: "لا صام من صام الأبد" (8) قالها مرتين.

وقال: "من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم هكذا" (9).

وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن صوم يوم عرفة لغير الحاج: "صيام يوم عرفة أَحتسِبُ على الله أن يكفَّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده" (10).

وأما الحاج فإنه يكره له أن يصوم ذلك اليوم، ففي الصحيحين أنه كان مفطرًا يوم عرفة وهو حاج (11).

وصام صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وأمر بصيامه (12)، وقال: "لئن بقيت إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع" (13)، وقال: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفَّر السنة التي قبله" (14)، إنه لجدير بالمسلم أن يكون له حظ من صيام قَلَّ أو كَثر:
وَصُمْ يومَك الأَدْنى لَعَلّك في غدٍ *** تفوز بعيدِ الفطر والناسُ صُـوَّمُ.

اللهم وفقنا لما تحبُّ وترضى يا كريم.
=================
(1)     انظر البخاري (1969)، ومسلم (1156-1157).

(2)     أخرج الترمذي (745)، والنسائي (2186)، وابن ماجه (1739) عن ربيعة الجرشي أنه سأل عائشة عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يتحرى صيام الاثنين والخميس. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
(3)     أخرجه النسائي (2345) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، في إسناده جعفر بن أبي المغيرة، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، وقال ابن منده: ليس بالقوي في سعيد بن جبير.
(4)     أخرجه البخاري (1981)، ومسلم (721) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)     أخرجه النسائي (2404) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(6)     رواه البخاري (1978) ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(7)     أخرجه أحمد (15880)، والنسائي (2380)، وابن ماجه (1705) من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(8)     أخرجه البخاري (1977) ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
(9)     أخرجه الطيالسي (513)، وابن أبي شيبة (9553)، وأحمد (19214)، والروياني (561)، وابن خزيمة (2154)، وابن حبان (3584)، والبزار (3062)، والطبراني في الأوسط (2562) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/193): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.اهـ وقد اختلف في وقفه ورفعه.
(10)     أخرجه مسلم (1162) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
(11)     البخاري (1658)، ومسلم (1123) من حديث أم الفضل الهلالية رضي الله عنها.
(12)     أخرجه البخارى (3943)، ومسلم (1130) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(13)     أخرجه مسلم (1134) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(14)     أخرجه مسلم (1162) من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17945
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الوقفة التاسعة والعشرون: ذكـــرى   25/06/16, 01:14 am

الوقفة التاسعة والعشرون
ذكـــــــــــــــــــــــــــرى
===========
 اغتنم -يا أخي- أيام هذا الشهر الكريم، ولياليه، وساعاته؛ في الاستزادة من الخير، والإقبال على القرب، فإن العاقل الحازم لا يفرط في مواسم الخيرات، بل يهتبل (1) الفرص، ويتعرض لنفحات الله، ويتزود ليوم الرحيل، ومن يدري -يا أخي- لعلك مكتوب في سجلَّ الموتى في هذا العام، فالبدارَ البدار، ما دمت في زمن الإمكان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله تعالى وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
=============
(1)     يهتَبِل: أي يغتنم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
دروس رمضانية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: فضائل الشهور والأيام والبدع المستحدثة :: شهـر رمضان المبارك :: من الكتابات الرمضانية-
انتقل الى: