منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 دروس رمضانية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: دروس رمضانية   15/06/16, 04:04 am

دروس رمضانية
تأليف فضيلة الشيخ: سلمان بن فهد العودة
المشــــرف العام على موقع الإسلام اليوم
======================
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
الوقفات التي بين يديك جاءت ضمن سلسلة "الدروس العلمية العامة"، التي ألقيتها -بحمد الله- في الجامع الكبير ببريدة.

وهي تحمل الأرقام (7) و(8) و(9)، وأُلقيت في مقتبل شهر رمضان من عام 1410هـ. وقد تم تفريغها وتصحيحها، وتقديمها للطباعة قبيل شهر رمضان من عام 1411هـ؛ رجاء أن ينتفع بها المسلمون في كل مكان في هذا الشهر الكريم.

وإنني على قناعة أن هذه الجموع الغفيرة التي تؤمُّ المساجد طيلة الشهر الكريم؛ لسماع الذكر وأداء الصلاة من الرجال والنساء لها على علماء الإسلام ودعاته حق كبير.

ومن أول حقوقهم:
أن توفر بين أيديهم الكتب المتنوعة في الوعظ والإرشاد، والتي تناسب الطبقات والمستويات كافة، وتعالج شتى الموضوعات.

إن أي كتاب يؤلَّف ويُطبعَ قد يقرؤه ألف أو عشرة آلاف، ولكن كتابًا يؤلف لمثل ذلك الغرض يسمعه في المساجد مئـات الآلاف، ومن نوعيات مختلفة، قد لا يكونون من قُرَّاء الكتب، ولا من مستمعي الدروس والمحاضرات والأشرطة.

فأين أنتم عن هذا يا دعاة الإسلام؟!

إنه ليس كثيرًا على مثل هذا العمل النبيل أن يتفرغ له عدد من طلبة العلم، حتى يتمُّوه وينجزوه، وريثما يظهر كتاب كهذا، رأيت من المناسب المشاركة في هذه الوقفات التي قد تصلح للقراءة بعد صلاة العصر، وربما قبل صلاة العشاء، وإن كانت متفاوتة في الطُّول والقِصَر؛ فإن بإمكان الإمام أو المحدث أو القارئ أن يجزِّئها ويقسمها بالطريقة المناسبة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده.

وأسألك -أخي القارئ الحبيب- أن تخصَّني منك بدعوة صادقة بظهر الغيب؛ علَّ الله يكتب بها نجاتي ونجاتك، وتخص الإخوة الذين سهروا على تصحيح الكتاب وتخريجه، ومراجعته وطباعته وتوزيعه، -جزاهم الله خيرًا-.

اللهم اجعل رمضان قادمًا علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
27/ 7/ 1411هـ
===========
الوقفة الأولى: كتب عليكم الصيام
===========
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُم الصيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلى الذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلكُمْ تَتقون أياماً مَعدُودات فَمًنْ كَانَ مِنْكُمْ مريضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ مِنْ أيامٍ أُخَر) [البقرة: 183، 184].

هذه الآية أصل في وجوب صيام رمضان؛ ولذلك أجمع أهل العلم كافة على أنه يجب على كل مسلم أن يصوم شهر رمضان، ومن أنكر وجوبه أو جحده فهو كالمرتد، إلا أن يكون جاهلاً، حديثَ عهد بإسلام، فإنه يُعلَّم –حينئذ-، فإن أصر على الإنكار فهو كافر، يُقْتلُ مرتدًا لأنه جحد أمرًا ثبت وجوبه بنصَّ القرآن، كما يدل على ذلك قولـه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُم) أي: فرض وأوجب عليكم.

وفي قوله جلّ وعلا: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِنْ قَبْلِكُم) تسلية للمؤمنين، وإشعار لهم بأن الله: (قد فرض هذا الأمر على من كان قبلهم من الأمم الكتابية، وفي ذلك تخفيف على نفوس المؤمنين من وطأة الصوم، فإن المسلم إذا عرف أن هذا درب سلكه قبله الصالحون من الأنبياء وأتباعهم؛ فإنه يفرح بذلك ويخف عليه لا يستثقله.

ثم قال تعالى: (لَعَلَكُمْ تَتَقُون)، إيماءً إلى الحكمة في مشروعية الصيام، وهي تحقيق التقوى لله من قِبَل الصائم.

ثم قال: (أيّاماً مَعْدُوداتٍ)، فهي أيام قليلة بالقياس إلى أيام السنة، شهر واحد فقط، ليس في صيامه عبء ثقيل على الصائمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:11 am

الوقفة الثانية
الناس في استقبالهم لرمضان
===============
إن الناس في استقبالهم لرمضان على صنفين:
الصنف الأول:
الذين يفرحون بهذا الشهر، ويسرون لقدومه.


وذلك لأسباب:
أولاً:
أنهم عودوا أنفسهم على الصيام، ووطنوها على تحمله، ولهذا جاء في السنة النبوية استحباب صيام أيام كثيرة: كصيام الاثنين، والخميس، وأيام البيض، ويوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده، وصيام شعبان…، وغير ذلك من أنواع الصيام المستحب، الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ ليعتادوا الصوم، ويتزودوا من التقوى.

وأثر ذلك واضح في الواقع؛ فإنك تجد الذي يصوم النفل -أيام البيض على الأقل- لا يستثقل صيام رمضان؛ بل هو عنده أمر طبعيّ، لا كلفة فيه ولا عناء، وأما الذي لا يصوم شيئًا من النافلة، فإن رمضان يكون عليه ثقيلاً شاقًا.

ولقد كان السلف مثالاً رائعًا في الحرص على النوافل، وروي عنهم في ذلك قصص عجيبة.

ومن ذلك:
أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات؛ لاستقبال رمضان –كما يصنع كثير من الناس اليوم-، فلما رأت الجارية ذلك منهم، قالت: لماذا تصنعون ذلك؛ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟! -واللهِ- لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم، ورجعت إلى سيدها الأول.

وكان لدى الحسن بن صالح جارية، فاشتراها منه بعضهم، فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد، قامت تصيح في الدار: يا قوم، الصلاة.. الصلاة، فقاموا فزعين، وسألوها: هل طلع الفجر؟ فقالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟! فلما أصبحت رجعت إلى الحسن بن صالح، وقالت له: لقد بعتني إلى قوم سوء؛ لا يصلون إلا الفريضة، ولا يصومون إلا الفريضة؛ فردني، فردّها.

ثانيًا:
أنهم يعلمون أن الامتناع عن اللذات في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن امتناع الصائم عن الأكل، والشرب، والجماع، وسائر المفطَّرات في نهار رمضان طاعةً لله -سبحانه وتعالى- يكون سببًا في حصوله على ألوان الملذات الخالدة في الجنة، فَلِقُوَّة يقين المتقين بذلك؛ يفرحون بقدوم هذا الشهر الكريم.

وعلى النقيض من ذلك حال المنغمسين في الملذات المحرمة في هذه الدنيا؛ فإن انغماسهم فيها يكون سببًا في حرمانهم منها يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، إلا أن يتوب"(1).

وإنما يحرم من شربها يوم القيامة -وإن دخل الجنة-؛ عقابًا له على تمتعه بخمر الدنيا، وهي محرمة عليه، وفي حديث آخر: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"(2).

ثالثًا:
أنهم يدركون أن هذا الشهر من أعظم مواسم الطاعات، والتنافس في القربات، ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى يجري فيه من الأجور مالا يجري في غيره من الشهور، فلا غرو أن يفرحوا بقدومه فرح المشتاق بقدوم حبيبه الغائب، أو أعظم من ذلك، هذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال شهر رمضان.

الصنف الثاني:
الذين يستثقلون هذا الشهر، ويستعظمون مشقته، فإذا نزل بهم فهو كالضيف الثقيل، يعدون ساعاته وأيامه ولياليه، منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم يمضي منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وهؤلاء إنما استثقلوا هذا الشهر الكريم، وتطلعوا إلى انقضائه.

لأسباب منها:
أولاً:
أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات: من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغيرها، فضلاً عن مقارفتهم للذَّات المحرمة، فوجدوا في هذا الشهر مانعًا وقيدًا يحبسهم عن شهواتهم، ويحول بينهم وبين ملاذّهم؛ فاستثقلوه.

ثانيًا:
أنهم قوم عظم تقصيرهم في الطاعات، حتى إن منهم من قد يفرط في الفرائض والواجبات، فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض الطاعات، فترى بعض المفرطين المقصرين الناكفين، يترددون في هذا الشهر على المساجد، ويشهدون الجمع والجماعات، ويواظبون على الصيام والصلاة كل يوم؛ فبسبب هذا الالتزام الذي لم يألفوه ولم يتـوطنوا عليه؛ اسـتعظموا حِمْلَ هذا الشهر.

ومما يناسب إيراده هنا:

ما ذكره ابن رجب وغيره، أن غلامًا سفيهًا، لما أقبل عليه رمضان ضاق به ذرعًا، وأخذ ينشد:
دعاني شهر الصوم -لا كان من شهر- *** ولا صمت شهرًا بعده آخـر الدهـر
فلــو كـان يعديني الأنـام بقـوة *** على الشهر لاستعديت قومي على الشهر


ومن ذلك ما يتماجن به بعض الشعراء كقول أحدهم عن الخمر:

رمضـان ولّـى هاتـها يـا ساقي  *** رمضـان ولّـى هاتـها يـا ساقي

وهكذا حال المسرفين الذين يستثقلون رمضان؛ لأنهم سيفارقون ما ألفوا من الشهوات، ويلتزمون ببعض العبادات، هذا مع ضعف يقينهم بما أعده الله -تبارك وتعالى- للمؤمنين، وعدم استحضارهم لفضل هذا الشهر، وما فيه من الأجور العظيمة، فلا عجب ألا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بهذا الضيف الكريم ما يجده الصادقون المؤمنون.
==================
(1)     رواه البخاري (5575)، ومسلم (2003) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)     رواه البخاري (5832)، ومسلم (73 20) من حديث أنس رضي الله عنه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:19 am

الوقفة الثالثة
من معاني الصيام
=========
للصيام معانٍ ومقاصد عظيمة، لو تأملناها وتفكرنا فيها مليًّا لطال عجبنا منها:

المعنى الأول:
أن الصوم مرتبط بالإيمان الحق بالله جل وعلا؛ ولذلك جاء أن الصوم عبادة السر، لأن الإنسان بإمكانه ألاّ يصوم إن شاء، سواء بأن يتناول مأكولاً أو مشروبًا، أو بمجرد فقد النية، وإن أمسك طوال النهار.

إذن فالصوم عبادة قلبية سرية بين العبد وربه، فإن امتناع العبد عن المفطرات على الرغم من استطاعته الوصول إليها خفية دليل على استشعاره اليقيني لاطلاع الله تعالى على سرائره وخفاياه، وفي ذلك -بلا ريب- تربية لقوة الإيمان بالله -جل وعلا- وهذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه.

انظر إلى الوضوء والغسل، اللذينِ يتطهر بهما العبد من الأحداث، فإن فيهما دلالة على إيمان العبد بأن الله تعالى رقيب عليه؛ مما يحمله على أداء تلك الأمانة السرية بينه وبين ربه، ولو أتى إلى الصلاة بدون طهور لما علم الناس بذلك.

انظر إلى الصلاة، ألا ترى أن المصلي يقرأ في قيامه الفاتحـة، وفي ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، وفي جلوسه بين السجدتين يقول: رب اغفر لي، وفي التشهد يقول: التحيات لله.. الخ.

وكل هذا يقوله سرًا لا يسمعه مجاوره الملتصق به، أتراه لو لم يكن مؤمنًا بعلم الله تعالى بهمسات لسانه، وخواطر ذهنه، ووساوس قلبه، أتراه يدعو ويذكر الله سبحانه وتعالى في صلاته بهذه السرية، التي لا يطّلع عليها إلا ربه –سبحانه-: (وَإنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7].

المعنى الثاني:
أن الصيام يربَّي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، حيث يتخلى عن بعض الأمور الدنيوية؛ تطلعًا إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب؛ لأن مقياسه الذي يقيس به الربح والخسارة مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان؛ انتظارًا للجزاء الحسن يوم القيامة، وفي ذلك توطين لقلب الصائم على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض، والإخلاد إليها.

هذا مع ما له في الصـوم من النعيم، والحياة الطيبـة في الدنيـا: من صحـة البدن، وفرح القلب بالطـاعة، والسعادة، وانشراح الصدر بالإيمان.

أما أصحاب المقاييس المادية الدنيوية، فإنهم ينظرون إلى الجانب الدنيوي القريب في الصوم؛ فلا يرونه إلا حرماناً من لذة الأكل والشرب والوقاع، التي تحصل بها سعادة للنفس، وتلبية لحاجات الجسد.

ولا ينظر هؤلاء إلى الجانب الأخروي، الذي يمثل الجزاء الحقيقي، والخلود الصحيح؛ مما يعدم أو يضعف في قلوبهم التطلع إلى الآخرة وما فيها من النعيم.

المعنى الثالث:
أن في الصيام تحقيقًا للاستسلام والعبودية لله جل وعلا؛ إذ الصوم يربي المسلم على العبودية الحقة، فإذا جاء الليل أكل وشرب؛ امتثالاً لقول ربه الكريم: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) [البقرة: 187]؛ ولهذا كان مستحبًا أن يأكل الصائم عند الإفطار وعند السحور، وكره الوصال، فالأكل -حينئذ- عبادة لله.

وإذا طلع الفجر أمسك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلى الَّيْلِ} [البقرة: 187].

وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره ربه تعالى بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق وشهوات وأمزجة، وإنما هي طاعة لله تعالى، وتنفيذ لأمره.

وإن العبودية لله سبحانه لهي الحرية الحقيقية، وكمال الحرية في كمال العبودية له تعالى.

ولذلك قال عياض -رحمه الله-:
ومــما زادني شرفــًا وتيهـا *** وكدت بأخمصـي أطــــأ الثريـا
دخولي تحت قولك:"يا عبادي" *** وأن صيَّرت أحمد لي نبيا


ويقول الآخر:
أطعتُ مطامعي؛ فاستعبدتْــني *** ولو أني قنعـتُ لكنـت حـرَّا

وهذا المعنى متحقق في الصلاة والحج وغيرهما، فالعبد في صلاته حينًا يقف، وحينًا يركع، وحينًا يسجد، وحينًا يقعد؛ لأن هذا هو أمر الله ومراده، فيحقق المصلي العبودية بامتثاله.

وفي حجه لا ينهى عن الأكل والشرب، لكنه ينهى عن محظورات أخرى يجب على المحُرِم تجنُّبها: من جماع، ودواعيه، ومن تغطية الرأس، والطيب، وتقليم الأظافر، وقص الشعر.. فيجب عليه تجنبها؛ لأن الله تعالى أراد منه ذلك.

ولو امتنع عن شيء لم يمنعه الله منه -كالأكل والشرب-، معتقدًا أن ذلك لأجل الإحرام لكان مبتدعًا، كما أنه لو فعل شيئًا من محظورات الإحرام كان مخطئًا.

فإذا انتهى إحرامه كان مطالبًا بأن يحلق رأسه أو يقصره، وأن يغتسل ويتزين ويتطيب ويقلم أظفاره (ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم) [الحج: 29].

هكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لله تعالى، بحيث يأمره بالشيء؛ فيمتثل، ويأمره بضده؛ فيمتثل، سواء أدرك الحكمة أو لم يدركها.

المعنى الرابع: أن الصوم تربية للمجتمع:
وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم؛ فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي، يلتقي عليه الجميع.

إن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئًا من الكلفة، بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل، لا كلفة فيه، ولا مشقة؛ للسبب الذي سلف ذكره، حيث إن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صيامًا، وإن دخل البيت وجد أهله صيامًا، وإن ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صيامًا..

وهكذا، فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه؛ فيكون ذلك عونًا له، ومنسيًا له ما قد يجده من المشقة؛ ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها، إما لمرض أو لغيره، نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان؛ لأن المجتمع من حولهم مفطرون، يأكلون ويشربون، وهم مضطرون لمخالطتهم.

إذن، فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته، يخفف عليه أمر الصوم، ويعينه على تحمله بيسر وسهولة، وهذا الأمر ملحوظ، حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع، حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلـب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك تربية للمجتمع بجملته.

ومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية، لا مناص من وقوعه في المجتمع، وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك مَن سَرَق، ومَن شرب الخمر، ومَن زنا..

فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو: أن تعلن المنكرات ويجاهر بها؛ فيتلوث المجتمع العام، ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي؛ لأن المجتمع يضغط عليه، ويثنيه عن غايته.

فتربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح، ولعل من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستسرون بالعصيان، وترى الكفار لا يعلنون الأكل والشرب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:24 am

الوقفة الرابعة
مع فضائل الصيام
=========
للصيام عدة فضائل منها:
**أن الصيام جُنة (1) من النار، كما روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم جنة يستجن بها العبد من النار" (2)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا" (3).

فإذا كان صوم يوم واحد يباعد وجه الصائم عن النار سبعين عامًا؛ فما بالك بصوم شهر رمضان كله، أو صوم ثلاثة أيام من كل شهر نافلة، أو غير ذلك من أنواع الصيام المشروع؟! إنه لفضل عظيم..

والصوم جنة من الشهوات، فقد جاء في حديث ابن مسعود -المتفق عليه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" (4)، فأرشد صلى الله عليه وسلم الشاب الذي لا يستطيـع الزواج أن يستعين بالصوم على إطفاء أجيج الشهوة؛ لأن الصوم يجأ الشهوة ويقطعها.

وإن كثيرًا من الشباب اليوم يشتكون من الشهوة، التي يثيرها ما شاع في هذا العصر بخاصة؛ من نساء يتبرجن في الأسواق، ومجلات هابطة في المكتبات والمحلات ، وغير ذلك من الفتن التي تلاحق الشباب في الطائرة، وفي الشارع، وفي المستشفى.. وغيره، والشاب مجبول على ما ركّب الله تعالى فيه من الشهوة الغريزية، التي تتحرك عند وجود ما يثيرها، وبخاصة إذا اجتمع مع ذلك ضعف الوازع الديني..

فإلى هؤلاء الشباب نهدي هذه النصيحة النبوية:
"ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء".

ولقد ثبت بالتجربة جدوى هذا الطب النبوي، الذي يمثل دواءً ناجعًا لما يكابده الشباب من الشبق (5)، ويغني عن غيره من الأدوية المادية.

**أن الصوم سبيل إلى الجنة، فقد روى النسائي -بسند صحيح- عن أبي أمامه رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به قال: "عليك بالصيام؛ فإنه لا مثل له" (6).

فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه لا شيء يقرب العبد من الله، ويباعده من عذابه كالصيام.

بل أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن في الجنة بابًا خاصًا بالصائمين، كما في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد" (7).

ونلاحظ أن اسم هذا الباب يتناسب مع صفة الصائم الذي يصيبه العطش من أثر الصيام.

**أن الصيام يشفع لصاحبه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيـام والقرآن يشفعـان للعبد يوم القيامـة، يقول الصيام: أي ربَّ، منعته الطعـام والشهوات بالنهار؛ فشفَّعني فيه، ويقول القـرآن: منعتـه النـوم بالليل، فشفعـني فيه. قال: فيشفعان" (8).

فالصوم يتمثل يوم القيامة شيئًا حسيًا، ينطق ويشفع لصاحبه، سواء كان صوم فرض أو صوم نفل.

**أن الصوم كفارة ومغفرة للذنوب، فإن الحسنات تُكَفَّرُ السيئات، قال الله تعالى: {إنَّ الحَسَنات يُذْهِبْنَ السَّيئِاتِ} [هود: 114]، والصوم فيه من الحسنات الشيء الكثير.

وفي تكفير الصوم للذنوب وردت أحاديث عدة، منها حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها: الصلاة والصيام والصدقة" (9)، أي أن كل ما يبدر من العبد من أخطاء في حق أهله؛ بكلمة نابية، أو تقصير، ومن أخطاء في حق جيرانه: كل ذلك وما أشبهه من الصغائر تكفرها الصلاة والصوم والصدقة.

وفي الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (10)، أي: إيماناً بالله سبحانه وتعالى واحتسابًا للأجر الذي أعدّه الله -تبارك وتعالى- للصائمين.

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتَنَبَ الكبائر" (11)؛ فصوم رمضان سبب لمغفرة الذنوب التي بينه وبين رمضان الذي سبقه، إذا اجتنبت كبائر الذنوب؛ فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة -كما هو مذهب جمهور علماء السلف-، ولذلك قال الله تعالـى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِرْ عَنكُمْ سَيِئَاتِكُم مُدْخَلاً كَرِيمًا) [النساء: 31].

**أن الصوم سبب للسعادة في الدارين، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه" (12).

أما فرحته عند فطره فهي نموذج للسعادة واللذة التي يجدها المؤمن في الدنيا؛ بسبب طاعته وتقواه لمولاه سبحانه وتعالى، وهي السعادة الحقيقية.

وفرحته عند فطره تأتي من جهتين:
الأولى: أن الله تعالى أباح له الأكل والشرب في تلك اللحظة، والنفس -بلا شك- مجبولة على حب الأكل والشرب؛ ولذلك تعبدنا الله -تبارك وتعالى- بالإمساك عنهما.

الثانية: سرورًا بما وفقه الله -تعالى- إليه من إتمام صيام ذلك اليوم، وإكمال تلك العبادة، وهذا أسمى وأعلى من فرحه بإباحة الطعام له.

**أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، وخلوف فمه هو: الرائحة التي تنبعث من المعدة -عند خلوها من الطعام- عن طريق الفم، وهي رائحة مكروهة عند الخلق، لكنها محبوبة عند الخالق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في الحديث المتفق عليه-: "والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله مـن ريـح المسك " (13).

وفي هذا دليل على أنه لا بأس من أن يستاك الصائم بعد الزوال؛ بل هو أمر مستحب -على القول الراجح الصحيح- في المواضع التي يستحب فيها السواك في كل حال: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول المنـزل، وعند الاستيقاظ من النوم… إلى غير ذلك من المواضع؛ لأن هذا الخلوف ليس من الفم، وإنما هو من المعدة.

وكما أن خلوف فم الصائم المكروه لدى المخلوقين أطيب عند الله –سبحانه- من ريح المسك؛ فكذلك دم الشهيد يوم القيامة له رائحة المسك، مع أن الدم -من حيث هو- مستقذر؛ بل هو نجس عند أكثر الفقهاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما مِن مكلوم (14) يُكْلَم في الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يَدمى، اللون لون دم، والريحُ ريح مسك" (15).

وهكذا فإن ما قد يكون مكروهًا للبشر يكون محبوباً عند الله؛ لأنه من آثار التقرب إليه؛ ولهذا كان بكاء المذنبين، وانطراحهم بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ من أعظم القربات إليه، وربما كان في كثير من الأحيان خيرًا من كثير من العبادات والطاعات التي يدلُّ بها العبد، ويستعظمها في نفسه، وقد يزهى بها، بخلاف المنكسرين الباكين، المحسين بتقصيرهم -وإن كانوا مذنبين-.

وليس شيء أعظم من الدعاء؛ لأن الدعاء يتحقق فيه انكسار العبد وذله، وخضوعه بين يدي ربه، ويظهر فيه فقره، وحاجته إلى فضلـه، وبخاصة حـين يكـون العبـد مضطـرًا: {أَمَّن يُجيبُ المُضْطرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} [النمل: 62].
=====================
(1)     الجُنّة: السترة. لسان العرب (13/94).

(2)     أخرجه أحمد (14840) من حديث جابر رضي الله عنه. وأورده الهيثمي في المجمع (3/180) وقال: إسناده حسن اهـ، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (1452).
(3)     أخرجه البخاري (2840)، ومسلم (1153) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)     البخاري (5065)، ومسلم (1400) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(5)     الشَّبقَ: شدة الشهوة.
(6)     أخرجه عبد الرزاق (7899)، وابن أبي شيبة (8895)، وأحمد (21773)، والنسائي (2221)، وابن خزيمة (1893)، وابن حبان (3425)، والحاكم (1533) والبيهقي (8263)، والطبراني في الكبير (7463)، والبيهقي في شعب الإيمان (3893)من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/181): رجال أحمد رجال الصحيح. اهـ وقد صححه الحاكم.
(7)     البخاري (1896)، ومسلم (1152) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
(8)     أخرجه ابن المبارك في الزهد (385)، وأحمد (6589)، والحاكم (2036)، والبيهقي في شعب الإيمان (1994)وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي في المجمع (10/381): إسناد أحمد حسن على ضعف في ابن لهيعة وقد وثق اهـ.
(9)     البخاري (525)، ومسلم (144) من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
(10)     البخاري (38)، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(11)     أخرجه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(12)     أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(13)     أخرجه البخاري (1904) ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(14)     المكلوم: الذي فيه جراح، والكَلْم: الجراحة. مختار الصحاح (ص240).
(15)     رواه البخاري (5533) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:31 am

الوقفة الخامسة
من فضائل شهر رمضان
==============
بعد أن تحدثنا عن فضائل الصوم -فرضًا كان أو نفلاً- نقف هنا مع فضائل الشهر الكريم:

**فهو شهر القرآن:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) [البقرة: 185].

وقوله: (أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) يحتمل عدة معان:
فقد يكون المراد إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

وقد يكون المقصود أن إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ابتدأ في شهر رمضان؛ ذلك أن القرآن نزل أول ما نزل في ليلة تقابل ليلة القدر، وليلة القدر من رمضان.

وقيل: إن معنى قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ) أي: الذي أنزل القرآن في مدحه، والثناء عليه، وبيان فضله، وإيجاب صيامه، وأقوى هذه المعاني هو الأول، والمعنى الثاني قريب منه.

**وهو شهر الصبر:
فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات تجليه في الصوم، حيث يحبس المسلم نفسه: عن الأكل، والشرب، والجماع وغيره في النهار طوال شهر كامل؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، وجزاء الصبر الجنة، كما يقول الله تعالى: (إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

**وفيه تغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفد الشياطين ومردة الجن:
كما جاء في الحديث المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" (1) وفي لفظ: "وسلسلت الشياطين" (2)، أي جعلوا في الأصفاد والسلاسل؛ فلا يَصِلون في رمضان إلى ما كانوا يَصِلون إليه في غيره، ولذلك تجد أن وسوسة الشيطان، وكيده، وتلبيسه على الناس في رمضان أقل منه في غيره، بل إن الشيطان يخاف من رمضان كما يخاف من الأذان والإقامة؛ فيوليَّ عند سماعهما.

ولعل من المُشَاهَد الملحوظ أنه إذا أقبل رمضان بدأ العصاة يستعدون للتوبة، وكثيرًا ما يسأل بعض الناس قبيل رمضان أسئلة تدل على استعدادهم للتوبة؛ وعزمهم عليها، فيقول أحدهم: أنا عندي مظلمة؛ فكيف أتخلص منها؟ ويقول آخر: أنا أقع في المعصية الفلانية؛ فكيف أتوب منها؟ ويقول غيره: أنا أقصر في الطاعة الفلانية؛ فكيف أحافظ عليها؟ وهكذا يتأهبون للتوبة قبل رمضان، فالشيطان يخاف من قدوم رمضان وقربه، حيث يضعف كيده وتأثيره، فما بالك إذا دخل رمضان، وسلسل الشيطان، وصفد بالأغلال، فلا يستطيع إغواء الناس إلا في أقل القليل من الذنوب.

على أن هناك نفوسًا شريرة؛ شديدة التقبل لوسوسة الشيطان، فهي -حتى حين يضعف تأثير الشيطان في رمضان- يكون فيها شر في ذاتها، فتستمر على ما كانت عليه من معصية وإسراف.

**وفى هذا الشهر ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، (لَيْلَةُ الْقْدرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ اجب تَنَـزَّلُ المَلئِكَةُ وَالرُّوحُ فيِهَا بإِذْنِ رَبِهِم مِنْ كُلِ أَمْرٍ احب سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 3- 5].

وقد حسب بعض أهل العلم ألف شهر، فوجدوها تزيد على ثلاث وثمانين سنة، وفي موطأ الإمام مالك -بسند مرسل-: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله -أو ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، خير من ألف شهر" (3).

وإنه لفضل عظيم أن يدرك العبد ليلة القدر؛ فيكون قد أدرك فضل ثلاث وثمانين سنة أو أكثر.

**وفيه دعاء مستجاب، فقد ورد عن جابر رضي الله عنه -بسند جيد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لٍلهِ في كل يوم وليلة عُتَقَاءَ من النار في شهر رمضان، وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب" (4)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما– أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– قال: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد" (5)، فليحرص العبد عند إفطاره على التضرع إلى الله تعالى بجوامع الدعاء.
========================
(1)     أخرجه البخاري (1898)، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.

(2)     البخاري (1899)، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.
(3)     أخرجه مالك (698) مرسلاً، قال ابن عبد البر في التمهيد (24/373): لا أعلم هذا الحديث يروى مسندًا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه خارج الموطأ مرسلاً ولا مسندًا، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكامًا، ولا بنى عليها في كتابه ولا في موطئه حكمًا.اهـ.
(4)     أخرجه البزار في مسنده، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/149) وقال: رجاله ثقات.اهـ، وأخرج أحمد (7401)مرفوعًا: "إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة" وقد أشار الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (7/203) إلى أن هذا مقيد بشهر رمضان.
(5)     أخرجه ابن ماجه (1753) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (636): إسناد صحيح رجاله ثقات.اهـ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20528
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: دروس رمضانية   15/06/16, 04:38 am

الوقفة السادسة
مع بعض أحكام الصيام
=============
إن الكلام عن أحكام الصيام يطول، ولكن لا بأس بالحديث عن أبرزها باختصار:

أولاً: ما يثبت به دخول رمضان:
يثبت دخوله إما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، أو برؤية هلال رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" (1)، وفي لفظ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (2).

ولا يثبت بغير ذلك، ولهذا لا يعتمد -مثلاً- على الرؤيا. ومن طريف ما يُروى -هنا- أن العراقي ذكر في (طرح التثريب) أن القاضي حسين -وهو من فقهاء الشافعية- جاءه رجل فقال له: أنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: إن الليلة من رمضان، فقال القاضي حسين: "إن الذي تزعم أنك رأيته في المنام رآه الصحابة في اليقظة، وقال لهم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته".

ولا يجوز -على الراجح- أن يصوم المسلم آخر يوم من شعبان، احتياطًا لرمضان، وأما من صام ذلك اليوم لأنه يوافق يومًا كان يصومه؛ فلا حرج، كأن يصومه لأنه يوافق يوم الاثنين أو الخميس؛ أو لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوافق يوم صومه آخر شعبان، أو غير ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (3).

ثانيا: النية:
لابد من تبييت النية في صوم الفرض؛ لما روت حفصة -رضي الله عنها-، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (4).

أما صيام النفل فلا يجب فيه تبييت النية من الليل؛ بل يجوز بنية من الليل أو النهار، فلو نوى المرء صوم النافلة بعد طلوع الشمس -مثلاً- فصومه صحيح.

وهنا تنبيهان حول تبييت النية:
الأول:
أن بعض الناس يوسوسون في النية، والوسوسة في النية من أخطر أنواع الوسواس؛ فترى بعضهم يتكلفون ويشككون في تبييتهم لنية الصيام، وهذا كله من تلبيس إبليس الذي يجب ألا يلتفت إليه الصائمون، فإن المسلم بمجرد دخول رمضان يستقر في نفسه أنه سيصوم رمضان كله، وهذا يكفي.

الثاني:
أن الليل يشمل جميع المدة التي قبل طلوع الفجر، فلو نام أحد من الليل بدون أن يعلم أن تلك الليلة من رمضان، ثم استيقظ قبل طلوع الفجر ببضع دقائق، وعلم أن الليلة من رمضان، فتناول ما تيسر، ثم أمسك؛ لكان ذلك كافيًا، وليس المقصود بتبييت النية أنه يلزمه أن ينام، وقد نوى أنه سوف يصوم.

ثالثًا: السحور:
أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالسحور، كما في الحديث المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تسحروا، فإن في الس