منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 أمنيــات الـمــوتى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17527
العمر : 65

مُساهمةموضوع: أمنيــات الـمــوتى   18/05/16, 04:28 am


أمنيــات الـمــوتى

د. مـحـمـد بـن إبـراهيـــم النعيــم
غفر الله له ولوالديه وللمسلمـين
=================
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أمنيات الموتى (1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمنيات الموتى
خطبة للشيخ الدكتور
محمد بن إبراهيم النعيم -رحمه الله-
===================
أما بعد:

فإن لكل إنسان في هذه الحياة أمان كثيرة ومتعددة، وتتفاوت هذه الأماني وتتباين وفقا لاعتبارات عديدة، منها: البيئة التي يعيش فيها الفرد، والفكر الذي تربى عليه، والأقران الذين يحيطون به.

فلو سألت إنسانا ما أمنيتك في هذه الحياة؟ فإن كان من وسط فقير، وعاين الفقر وأحس بألمه واكتوى به، تمنى أن يعيش غنياً، وأن يملك العقارات والسيارات؛ ليعيش منعماً كما يتنعم غالب الناس.

ولو قابلت مريضاً طرحه المرض على الفراش، فشل حركته، وقيد حريته، ومنعه حتى من لذة الطعام والمنام، وسألته عن أمنيته؟ لرأيته يتمنى أن يعافى من مرضه، ولو أن يفتدي بماله كله.
__________
(1) جزء من كتابي: كيف تسابق إلى الخيرات؟

__________
ولو سألت بعض الأغنياء عن أمنياتهم، لرأيتهم يتمنون مزيداً من الغنى، ليكونوا أغنى من فلان وعلان، وهكذا فالمُقل لا يقنع، والمُكثر لا يشبع، وأماني الدنيا لا تنتهي.

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال فيما رواه عنه أنس -رضي الله عنه-: (لو أن لابن آدم وادياً من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على مَنْ تاب) (1)، أي لا يزال ابن آدم حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره.

ومع هذه الأماني المتباينة لهؤلاء الناس، فإن الجميع تراهم يسعون ويكدحون طوال حياتهم، لتحويل أحلامهم وأمنياتهم إلى واقع، وقد يوفقهم الله تعالى إلى تحقيقها متى بذلوا أسباب ذلك.

ولكن هناك فئة من الناس لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، ولا يُنظر في طلباتهم، فَمَنْ هم يا ترى؟ ولماذا لا تُحقق أمنياتهم؟ وهل يمكننا مساعدتهم أو تخفيف لوعاتهم؟
__________
(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (19/ 247)، والبخاري واللفظ له (6439)، ومسلم (1048)، والترمذي (2337)، والدارمي (2778).

__________

أما عن هذه الفئة التي لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، فهم مِمَّنْ أصبحوا رهائن ذنوب لا يطلقون، وغرباء سفر لا ينتظرون، إنهم الأموات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فماذا يتمنى الأموات يا ترى؟
ومَنْ يا ترى يستطيع أن يُحدِّثنا عن أمنياتهم، وقد انقطع عنا خبرهم، واندرس ذكرهم؟

فلنتحدث قليلاً عن هذه الفئة المنسيَّة، لنعرف أمنيات أناس أصبح بصرهم حديداً، فعاينوا الجنة والنار، ورأوا ملائكة الله عز وجل، وأصبح الغيب لديهم شهادة، وعرفوا حقيقة الدنيا والآخرة، وأيقنوا وهم في برزخهم؛ أنهم سيبعثون ليوم عظيم، فهل يتمنَّون العودة إلى هذه الدنيا ليتمتعوا بالحياة ويحسُّوا بلذتها وطعمها؟ أو ليملكوا مزيداً من العقارات ويجوبوا الأرض سياحةً ولهواً؟

إن أمنية الكثير من الناس في هذه الحياة لا تزيد على وظيفةٍ مرموقةٍ، وزوجةٍ جميلةٍ، ومركبٍ هنيءٍ، وبيتٍ واسعٍ، وأملاكٍ وعقاراتٍ، وتمشيَّاتٍ وسهراتٍ، وحضور ولائم وحفلات.

أما الأموات، فماذا يريدون من دنيا رحلوا عنها، وانخدعوا بها، وعرفوا حقيقتها، وخلَّفوها وراء ظهورهم بلا رجعة؟

فلنقرأ ما ذكره لنا كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عن أمنيات الموتى الصَّالحين منهم والطَّالحين.

[أولا]: أمنيات الصَّالحين
1 - إن المؤمن إذا مات وحُمِلَ على الأعناق، نادى أن يقدموه ويسرعوا به إلى القبر ليلقى النعيم المقيم، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصُعِق) (1).

2 - وإذا أدخل قبره وبُشِّرَ بالجنَّة، ورأى منزلته فيها، فإنه لا يتمنَّى أن يعود إلى الدنيا، بل يتمنى أن تقوم السَّاعة، ليدخل في ذلك النعيم المُقيم الذي ينتظره.
__________
(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (8/ 2)، والبخاري (1380)، والنسائي (1908).

__________

لقد ذكر لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن العبد المؤمن إذا أجاب عن أسئلة الملكين وهو في قبره، (... نادى منادٍ من السَّماء: أنْ صدق عبدي فافرشوه من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجلٌ حَسَنُ الوجه حَسَنُ الثّياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنتَ تُوعد، فيقول له: مَنْ أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصَّالح، فيقول: رب أقم السَّاعة، رب أقم السَّاعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي...) (1).

هذه أمنية الرجل الصَّالح وهو في قبره؛ أن تقوم السَّاعة، وأما الكافر أو المنافق فعلى الرغم من شدة العذاب الذي يلاقيه في قبره، فإنه يدعو: رب لا تُقم السَّاعة، رب لا تُقم السَّاعة، لأنه يعلم أن ما بعد القبر هو أشد وأفظع.

3 - كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المؤمن إذا بُشِّرَ في قبره بالجنَّة، يتمنَّى أن يعود إلى أهله ليبشرهم بنجاته من النار وفوزه بالجنة.
__________
(1) رواه الإمام أحمد واللفظ له عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - -الفتح الرباني- (7/ 74)، وأبو داود (4753)، والحاكم (1/ 380)، وابن خزيمة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1676).

__________

إذ روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا رأى المؤمن ما فسح له في قبره، فيقول: دعوني أبشر أهلي) -وفي رواية- (فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن) (1).

ولقد قص الله عز وجل علينا قصة صاحب (يس) الذي كان حريصاً على هداية قومه، إلا أنهم قتلوه وهو يدعوهم إلى الإيمان بالله ورسله، فلمَّا عاين كرامة الله عز وجل له وفوزه بالجنَّة، تمنَّى أن يعلم قومه بذلك كي يؤمنوا، فقال تعالى في شأنه: {قيل ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} [يس: 26 - 27].

أي تمنَّى أن قومه الذين حاربوا دين الله عز وجل، ورفضوا الاستجابة لأوامر الله تعالى؛ أنْ يعلموا ماذا أعطاه الله تعالى من نعيمٍ وثوابٍ جزيلٍ.
__________
(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (8/ 127)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (557).

__________

4 - وأما الشَّهيد، فبالرغم من عظم منزلته الرفيعة التي يراها أُعدت له في أعلى درجات الجنة، فإنه يتمنَّى أن يعود إلى الدنيا، ولكن ليستمر في جهاد أعداء الله عز وجل، فيُقاتل ويُقتل ولو عشر مرات، لما يرى من ثواب الجهاد وكرامة المُجاهدين عند الله عز وجلا.

اسمع ما نقله لنا الصَّادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- عن أمنية كل مَنْ مات شهيداً في سبيل الله عز وجل.

روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أحدٌ يدخل الجنَّة يُحب أنْ يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيءٍ، إلا الشَّهيد؛ يتمنَّى أنْ يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) (1).

وفي رواية أخرى قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما أحدٌ يدخل الجنَّة يُحب أن يرجع إلى الدنيا وأنَّ له ما على الأرض من شيءٍ، غير الشَّهيد فإنه يتمنَّى أن يرجع فيُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة).

وروى جابر -رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: (يا جابر ما لي أراك مُنكسراً)؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وترك عيالا وَدَيْنًا.
__________
(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (14/ 27)، والبخاري واللفظ له (2817)، ومسلم (1877)، والترمذي (1661)، والنسائي (3160)، وابن حبان (4661).

__________

قال: (أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك)؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: (ما كَلَّمَ الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فقال: يا عبدي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قال: يا رب تُحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يُرجعون) قال: وأنزلت هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سبيل اللَّهِ أمواتاً} (1).

[ثانيا]: أمنيات الطّالحين
إنَّ المُقَصّرَ في جنب الله تعالى تمر عليه ساعات أيامه وهو في لهو وغفلة، يُسوِّف التَّوبة ويأمل في مزيد من العمر، وما علم أن الموت يأتي بغتة، وإذا جاء لا يدع صاحبه يستدرك ما فاته، فيبقى في قبره مرتهناً بعمله، متحسراً على ما فاته، ومتمنياً على الله أمانيَّ لا تغنيه شيئاً، فماذا عسى أن يتمنَّى المُقصِّر إذا أصبح في عِدَادِ المَوتى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟
__________
(1) رواه الترمذي (3010)، وابن ماجه (190)، وابن حبان (7022)، وحسنه الألباني في صحيح ابن حبان (1926).

__________

[1] الصلاة ولو ركعتين
يتمنَّى الميت المُقصر لو تُعاد له الحياة، ليُصلّي ولو ركعتين اثنتين فقط، فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بقبرٍ فقال: (مَنْ صاحب هذا القبر؟) فقالوا: فلان، فقال: (ركعتان أحبُّ إلى هذا من بقية دنياكم) (1)، وفي رواية قال -صلى الله عليه وسلم-: (ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون، يزيدها هذا في عمله، أحب إليه من بقية دنياكم) (2).

فغاية أمنية الميت المُقصر؛ أن يُمدَّ له في أجله، ليركع ركعتين يزيد فيها من حسناته، وليتدارك ما فات من أيام عمره في غير طاعة، ألم تسمع وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول لنا معشر الأحياء: (الصلاة خير موضوع، فَمَنْ استطاع أن يستكثر فليُكثر) (3)؟

لقد عاين ذلك الميت وهو في قبره ثواب الصَّلاة، ورأى بأم عينه فائدة الصَّلاة، فتأسَّف أشد الأسف على أيام أمضاها في غير طاعة، على ساعات مضت في لهو وغفلة، لم يجنِ منها الآن سوى الحسرة والندامة.
__________
(1) رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (391).

(2) رواه ابن المبارك، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3518).
(3) رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3870).
__________

وها نحن نرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينقل لنا أمنية ذلك الميت وهو في قبره، يتمنى أن يصلي، يتمنى أن يعود إلى الدنيا لدقائق معدودة، ليركع ركعتين فقط لا غير، لا يريد من الدنيا إلا ركعتين، يا سبحان الله، لأنهما الآن أصبحتا عنده تعدل الدنيا بما فيها، وماذا عسى أن تساوي الدنيا عنده، وقد خلّفها وراء ظهره وارتهن بعمله؟

اغتنم في الفراغ فضل ركوع    فعسى أن يكونَ موتك بغتة
كم صحيح رأيتَ من غير سُقم   ذهبتْ نفسه الصحيحة فلتة


فغاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة، بل دقيقة، يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح.

أما نحن أهل الدنيا فمفرطون في أوقاتنا؛ بل في حياتنا، نبحث عما يقتل أوقاتنا، لتذهب أعمارنا سُدَىً في غير طاعة، ومنَّا من يقطعها بالمعاصي، ولا ندري ماذا تُخبئ لنا قبورنا من نعيم أو مآس، نسمع المُنادي يُنادي إلى الصَّلاة، ولكن لا حياة لمن تنادي.




عدل سابقا من قبل أحمـــــد لبـــــن في 18/05/16, 06:40 am عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17527
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: أمنيــات الـمــوتى   18/05/16, 04:43 am

[2] الصدقة
يتمنى الموتى الرُّجوع إلى الدنيا ولو لدقائق معدودة، ليقدموا صدقة لله عز وجل، ولقد نقل الله تعالى لنا أمنيتهم هذه في قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِين (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون} [المنافقون: 10 - 11].

لقد اقتنعوا -ولكن بعد فوات الأوان- أن الصَّدقة من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وأنها تُطفئ غضب الرب جل وعلا، وأن العبد سيُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فتمنوا الرجعة ليقدموا صدقتهم بعد أن منعوها الفقير، وصرفوها على شهواتهم وسياحتهم: {رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ}.

تمنَّى الرَّجعة لأنه عرف أن الصَّدقة تُضاهي سائر الأعمال وتفضُلهُم، فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ذُكر لي أن الأعمال تباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم (1).

تمنَّى الرُّجوع إلى الدنيا فقط ليتصدَّق، لعلّه علم عِظَمَ ثوابها، أو عِظَمَ عقاب المُفَرِّط فيها، إنها أمنية مليئة بالحسرة والأسف، ولكنها جاءت متأخرة.

[3] العمل الصالح
أما الأمنية الثالثة التي يتمناها هؤلاء الموتى؛ فهي العودة إلى الدنيا ولو للحظات معدودة، ليكونوا صالحين، ليعملوا أي عمل صالح، ليصلحوا ما أفسدوا، ويطيعوا الله عز وجل في كل ما عصوا، ليذكروا الله تعالى ولو مرة، يتمنون النطق ولو بتسبيحة واحدة، ولو بتهليلة واحدة، فلا يؤذن لهم، ولا تُحقق أمنياتهم، إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال الله عز وجل في شأنهم:
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تركت كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قائلها وَمِنْ ورائهم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} [المؤمنون: 99 - 100].
__________
(1) رواه ابن خزيمة (2433)، والحاكم (1/ 416)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (878).

__________

هذا هو حال المُقصّرُ مع الله تعالى إذا وافته المنيَّة، يقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}، ويقول: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.

إن الميت العاصي إذا هجمت عليه منيته، وأحاطت به خطيئته، وانكشف له الغطاء، صاح: واأمنيتاه، واسوء منقلباه، رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، هذه هي أمنيته الوحيدة.

فالموتى قد انتهت فرصتهم في الحياة، وعاينوا الآخرة، وعرفوا ما لهم وما عليهم، أدركوا أنهم كانوا يُضيعون أوقاتهم فيما لم يكن ينفعهم في آخرتهم، أن الوقت الذي ضاع من بين أيديهم كان لا يُقدَّرُ بثمن، أنهم كانوا في نعمة؛ ولكنهم لم يستغلوها، وأصبحوا يتمنون عمل حسنة واحدة لعلها تثقل ميزانهم وتخفف لوعتهم وترضي ربهم، فلا يستطيعون، أي حسرة هذه، وأي ندامة يعيشونها؟

إن أكثر ما يكون الإنسان غفلة عن نعم الله تعالى عليه؛ حينما يكون مغموراً بتلك النّعم، ولا يعرف فضلها إلا بعد زوالها، فنحن معشر الأحياء في أكبر نعمة؛ طالما أن أرواحنا في أجسادنا لنستكثر من ذكر الله عز وجل وطاعته.

ألا تعلم أيها القارئ بأن رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- أمرنا عند الاستيقاظ من النوم، أن نحمد الله تعالى؛ لأنه أحيانا بعد أن أماتنا وأذن لنا بذكره؟ لأن النوم تَوَقُفٌ عن الحياة وعن ذكر الله عز وجل.

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رَدَّ عليَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره) (1).

فنحن نملك الآن نعمة الحياة، لنزيد من حسناتنا، ونكفر عن سيئاتنا، فإذا متنا ندمنا على كل دقيقة ضاعت ليست فيها ذكر لله تعالى، وليست في طاعة الله تعالى، فلنغتنم ساعات العمر ودقائقه قبل أن نندم، فنتمنَّى ما يتمناه بعض الموتى الآن.

قال إبراهيم بن يزيد العبدي رحمه الله تعالى:
أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نُحدثُ بقربهم عهداً، فانطلقت معه فأتى المقابر، فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو مُنِّ؟ (أي لو قيل له تمنَّى) قلت: أن يُرَدَّ -والله- إلى الدنيا، فيستمتعْ من طاعة الله وُيصلح.
__________
(1) رواه الترمذي (3401)، وابن السني (9) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (329).

__________