منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 نظــرة في تاريــخ العقيــدة [2]

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20236
العمر : 66

مُساهمةموضوع: نظــرة في تاريــخ العقيــدة [2]   08/01/16, 01:47 pm

نظــرة في تاريــخ العقيــدة [2]
للدكتور: محمد اسماعيل المقـدم
-----------------------------
لقد خلق الله تبارك وتعالى أبانا آدم عليه السلام خلقاً كاملاً سوياً في التفكير والتدبير والفهم والمعرفة، فلم يجعله خلقاً متوحشاً، ولا مخلوقاً ناقصاً في العقل شبيهاً بالقرود والحيوانات كما يزعم ذلك من لا خلاق له في العلم والعمل.

ثم بعد ذلك عرّفه الله على نفسه، وأمره ونهاه، ولم يتركه إلى عقله وفهمه ليكتشف التوحيد والدين عن طريق التجارب والممارسة، بل علمه الله كل شيء، والأدلة متكاثرة ومتواترة على ذلك، فتباً لعقول معكوسة، وفهوم مركوسة لا تفهم الأمور إلّا بالمقلوب، فصيرت الإنسان قرداً وحيواناً، وجعلت البقرة والفأر إلهاً ورباً معبوداً!!
 
نبذة مختصرة عن تاريخ العقيدة وأهم مصادرها:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلّا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لقد شرعنا في الأسبوع الماضي في دارسة البحث المتعلق بتاريخ العقيدة وتاريخ الدين، وذكرنا التخبط الذي يحصل من بعض الباحثين في هذا الباب؛ نتيجة اعتمادهم على أشياء لا يجنون منها سوى التخبط والجهل، ولا تصلح أن يقوم عليها العلم والبحث في طبقات الأرض، أو في تواريخ الأمم القديمة من خلال الحفريات والآثار، أو في تاريخ -كما يزعمون- الأمم المعاصرة، أو الأمم غير المتحضرة، فهي تعكس في زعمهم ما كان عليه الإنسان الأول في عقيدته.

وانتهينا إلى أنه لا يوجد هناك مصدر نستطيع من خلاله أن ندرك هذه الأمور على حقيقتها سوى القرآن الكريم.

وقلنا:
إننا في هذا الباب إذا تأملنا القرآن خرجنا بعدة حقائق، وذكرنا أولى هذه الحقائق وهي: أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه السلام منذ البداية خلقاً سوياً مستقلاً مكتملاً، ثم نفخ فيه من روحه، وأنه خلقه لغاية محددة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن آدم عليه السلام كان مؤهلاً لعبادة الله، ولفهم هذه الرسالة، وللتعرف على ربه عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى عرّف آدم على نفسه منذ اللحظة الأولى، ولم يتركه لفكره وعقله ليتعرف على ربه بطريق التفكير والتأمل، وإنما عرّفه الله سبحانه وتعالى بنفسه منذ الوهلة الأولى، وذكرنا الأدلة على ذلك من القرآن الكريم.

ثم تعرضنا للحقيقة الثانية التي نستطيع استنتاجها من القرآن الكريم في هذا الباب وهي: أن كل مولود يولد على فطرة التوحيد، ويولد مهيئاً لقبول عقيدة التوحيد والإسلام.

وشرحنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟).

ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:
اقرءوا إن شئتم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30].

ثم بيّنّا أن هذه الفطرة لا بد أن تكون هي فطرة الإسلام لا غير، وذكرنا الأدلة على ذلك.

كذلك ذكرنا قول الله تعالى في الحديث القدسي:
(إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)..
 
الأصل في تاريخ البشرية هو التوحيد والإسلام:
كنا قد تعرضنا ضمن الكلام السابق إلى أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طارئ عليه، فاعلم أخي المسلم أنّ التوحيد هو الأصل في تاريخ البشر، كما أن التوحيد مركوز في فطرة كل مولود، فهو الأصل بصفة فردية، وكذلك فيما يتعلق بتاريخ البشرية كلها، والشرك طرأ على الأمم بعد ذلك.

فتاريخ الأمة الإسلامية ليس كما يزعم بعض الناس أنه يبدأ من القرن السابع الميلادي ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ هذا خطأ فادح، بل إنّ تاريخ الديانة الإسلامية لم تبدأ بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ أربعة عشر قرناً، وإنما بدأت منذ الفجر الأول للبشرية، وذلك مع خلق آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

فاللبنة الأولى في تاريخ البشرية والمكونة من آدم و حواء وذريتهما كانت مفطورة على الإسلام، وكذلك كل من جاء بعدهم من الأنبياء والرسل الذين كان لهم شرف حمل رسالة الإسلام، كلهم كانوا على متن هذا الدين، وقد استجاب لهم أقوام عاشوا للإسلام وبالإسلام، ومنهم تكونت أمة الإسلام.

إذاً:
فالأمة الإسلامية لم تبدأ هذه البداية منذ أربعة عشر قرناً، ولكنها موغلة في القدم، وهي الأصل في تاريخ هذه البشرية كلها.

ونزيد الأمر إيضاحاً وذلك بالتدليل من القرآن الكريم على هذه الحقيقة، وهي أن الجيل الأول من البشرية كان على التوحيد: فحينما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، أنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص، كما قال سبحانه وتعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة: 213].

يعني:
كانوا على التوحيد وعلى الدين الحق، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]، وهنا لا بد من أن نقدر كلمة نفهم بها السياق وهي فاختلفوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة:213].

وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: نعم، مكلَّم)، يعني: كان نبياً مكلماً كموسى عليه السلام، كما في قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة: 253]، فآدم ممن كلمهم الله سبحانه وتعالى، (قال: نعم، مكلم، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون) يعني: ألف سنة" أخرجه أبو حاتم بن حبان في (صحيحه)، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في (البداية والنهاية): هذا على شرط مسلم، ولم يخرّجه..

أول نشوء الشرك وسببه:
جاء في (صحيح البخاري) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام) يعني: خلال الألف السنة الأولى كان كل من في الأرض ممن ينتمي إلى الجنس البشري على دين الإسلام، ثم بعد ذلك طرأ الانحراف، فأول انحراف عن العقيدة حصل بعد أن كان الناس أمة واحدة، وكان هذا الانحراف سببه هو الغلو في تعظيم الصالحين، فلم يزين الشيطان للبشرية الوقوع في الشرك بصورة صريحة واضحة، وإلا لسهل كشف أمره، ولكنه زينها لهم عن طريق الغلو في إظهار محبتهم للصالحين، فما زال بهم هذا الغلو والإفراط حتى رفعوهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة، ففي (صحيح البخاري) من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، عند تفسير قوله تعالى: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: 23].

قال ابن عباس:
هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم. ففعلوا، فلم تعبد -أي: لم يعبدها الجيل الأول- حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم -يعني: ذهب العلم ودرج-، عبدت من دون الله تبارك وتعالى.
 
تحذير العلماء من الغلو في الصالحين:
إن العلماء رحمهم الله تعالى حذروا من الغلو في الصالحين والتعظيم لهم، وخصوصاً فيمن كان رئيساً أو زعيماً أو معظماً في قومه، فهذا يشتد الحذر والاحتياط في حقه أكثر من غيره، فلا يجيزون التصوير واتخاذ الصور أصلاً، ويزداد الأمر إذا كانت صوراً لأئمة أو معظمين في الدين؛ سداً لذريعة الإشراك بهم، والحديث يطول جداً إذا أفضنا في بيان هذا الأمر، وانعكاسه على واقعنا في هذا الزمان، ووقوع الناس في كثير من الشرك بسبب التساهل في تعظيم الصالحين، حتى صاروا يعبدون الموتى، ويطوفون بهم، ويجيئون لقبورهم، ويصفون بها، وينذرون لها النذور، فكل هذا شرك صريح وخروج من ملة الإسلام بلا شك. 


فيظهرون كل هذا في ثوب التوحيد، وباسم الإسلام، وباسم التقرب إلى الله بمحبة الصالحين، حتى وصل الأمر إلى أنه وجد في دمنهور ضريح مدفون في مسجد، وهذا الضريح هو ضريح أبي حصيرة، وهو رجل يهودي، واليهود الآن بعد ما حصلت معاهدة السلام صاروا يأتون من فلسطين المحتلة إلى دمنهور كي يحجوا إلى هذا الضريح مع المسلمين، فهؤلاء يعظمونه وهؤلاء يعظمونه، فإذا كنتم تعظمون يهودياً مدفوناً في هذا المسجد فماذا بعد هذا؟!

وأي دليل تطلبون واليهود يشدون إليه رحالهم؟!! وهكذا، فإنّ أكثر هذه المقابر والأضرحة مبنية على أوهام وخيالات، وذلك مثل قبر السيدة زينب، فمتى دخلت السيدة زينب إلى مصر؟! وأين دفنت؟ وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن رجلاً كان في ناحية المكان يوزع فيه الماء فرأى هذا الرجل في المنام أنّ السيدة زينب أتته وقالت له: ابن لي ضريحاً في هذا المكان.

فقام الرجل وبنى لها ضريحاً وهمياً لم يُدفن فيه أحد أبداً، فكثير من هذه الأضرحة وهمية.. وكذلك قبر الحسين، وُيدعى وجوده في أكثر من خمسة أماكن في العالم الإسلامي، ففي سوريا هناك قبر، وفي العراق، وفي كذا وكذا قبر، وهو مقام الحسين رضي الله تعالى عنه.

إذاً:
فهذه البضاعة لا تروج إلا في سوق الجهل والأمية والغلو الذي لم تنج منه حتى هذه الأمة.
 
سبب إرسال نوح إلى قومه وجداله لهم:
إنّ أول انحراف وجد في تاريخ البشرية عن التوحيد هو ما حصل من قوم نوح، وذلك بسبب الغلو في تعظيم الصالحين، فأرسل الله إليهم أول رسله نوحاً عليه السلام مصداقاً لوعده الذي أعطاه لأبي البشر آدم، فالله سبحانه وتعالى وعد آدم عندما أنزله إلى الأرض فقال: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" [البقرة: 38].

فالدليل على أن نوحاً عليه السلام هو أول رسول بعث إلى البشر هو حديث الشفاعة، وهو حديث متفق عليه، وفيه: أن الناس يأتون أولاً آدم عليه السلام، ثم يأتون نوحاً، فكان مما قالوا له: (يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)، فهذا هو الدليل على أولية نوح عليه السلام بالنسبة للرسل، وأما آدم فهو أول نبي.

والنصوص التي بين أيدينا من كتاب ربنا عز وجل تدل دلالة واضحة على أن نوحاً قد دعا إلى التوحيد الخالص، فقد قال لقومه: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [الأعراف: 59]، وقال: "أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [الأحقاف: 21]، وقال أيضاً كما حكاه الله عنه: "يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ" [المؤمنون: 23]، والذين استجابوا لدعوته للتوحيد هم ضعفاء الناس.

فنحن إذا أعملنا الفرية الكاذبة المسماه: بنظرية التطور المزعومة التي يدعيها الملاحدة، فإن التطور على زعمهم يحصل في أحقاب سحيقة من التاريخ، فالألف سنة ونحوها تعتبر فترة وجيزة جداً لا يكفي أن يحصل فيها تطور بزعمهم، فيترتب على ذلك شموله لبعثة نوح، فإذا كان آدم عليه السلام متخلفاً وكان على هيئة القرد، ويمشي منحنياً، وجسمه مليء بالشعر كالغوريلا أو الشمبانزي، فكذلك نوح عليه السلام كان في عرفهم من أقسام الإنسان الأول الذي يزعمون؛ فبالتالي سنكفر بآيات الله سبحانه وتعالى جميعها؛ كي نصدق هؤلاء الملاحدة.

فهذا نوح أيضاً يدعو إلى التوحيد وإلى الإسلام، فاستجاب لدعوته ضعفاء الناس، وتنكر لها السادة والزعماء الذين يظنون في أنفسهم العقل والفطنة والذكاء، واستكبروا عن متابعة الحق، قال الله حاكياً عنهم: "قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" [الأعراف: 60]، والملأ: هم السادة والكبراء، وقالوا له: "وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ" [هود: 27]، أي: ما نرى اتبعك إلا الضعفاء والفقراء والمساكين: (بَادِيَ الرَّأْيِ) يعني: أنّ هؤلاء استجابوا لك من أول سماعهم لكلامك، وأما نحن فأهل الفطنة وأهل التفلسف والذكاء، فلابد أن نتمعن في مثل هذا الكلام الذي تقول: إنه وحي من الله، ولسنا مثل هؤلاء السذج الذين قبلوا ما دعوتهم إليه لأول الأمر، ولم يتعمقوا فيه، وإنما اتبعوك بدون تأمل عميق ولا تفكير ونظر.

وهذا الذي رموهم به منقبة في حقهم؛ لأن الحق إذا ظهر فإنه لا يحتاج إلى نظر، بل يجب اتباعه، فهذا هو السر في أنهم اتبعوه فوراً، فهذا شأن الإنسان سليم الفطرة أنه إذا ظهر له الحق فإنه ينقاد إليه فوراً ولا يتردد، ولا يحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. 


وقالوا: "مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا" [هود: 27]، أي: أنهم تعجبوا كيف يبعث الله بشراً رسولاً.

وقال عز وجل:
"فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً" [المؤمنون: 24].

ثم اشترطوا كي يتابعوه أن يطرد من حوله من الضعفاء والفقراء والمساكين، فرد عليهم نوح عليه السلام بقوله: "وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ" [هود: 29].

فتطاول الزمان، وكثرت المجادلة بين نوح عليه السلام وبين قومه كما قال عز وجل: "أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ" [العنكبوت: 14].

فمكث نوح عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله عز وجل تسعمائة وخمسين سنة، فلما أيس منهم ورأى أنّه لا يخرج من أصلابهم إلا كافر مثلهم دعا عليهم، قال تعالى حاكياً عنه: "وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا" [نوح: 26 - 27]، فأهلكهم الله عز وجل بالطوفان: "وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا" [الفرقان: 37].

وأنجى الله نوحاً والمؤمنين برحمة منه، وخلت الأرض من الظالمين، ولم يبق فيها إلا الموحدون، فلما انحرفوا عن التوحيد أرسل الله إليهم رسولاً، يقول تعالى: "ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" [المؤمنون: 31 - 32]، فدعاهم أيضاً إلى التوحيد: "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" [المؤمنون: 32].

وهكذا استمرت رحمة الله سبحانه وتعالى وعنايته ببني آدم، فكلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم ما يضيء لهم الظلمات، قال تعالى: "ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ" [المؤمنون: 44].

فهذه هي القصة الحقيقية للبشرية:
صراع طويل بين الحق والباطل، بين الرسل الذين يعرضون الحق والهدى، وبين الضالين عن التوحيد المتمسكين بما أَلْفَوا عليه الآباء والأجداد بأهوائهم ومعتقداتهم الباطلة: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ* قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم: 9-10].
 
الشرك انحطاط وليس ترقياً كما يزعم الأفاكون:
إن الشرك الطارئ انحطاط من الأعلى إلى الأدنى، وليس ترقياً ولا تطوراً، لا في بنية الإنسان ولا في عقيدته.

فبالنسبة لبنية الإنسان:
فإن الإنسان خلق في أكمل وأجمل وأعظم صورة، فقد كان طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في السماء، ثم بدأ الخلق يتناقص حتى وصلنا إلى الوضع الذي نحن عليه الآن، فهي عملية انحدار وهبوط وتدهور، وليست رقياً وتطوراً.

وكذلك أيضاً في شأن العقيدة، فالأصل هو التوحيد، ثم ينحدر الناس وينحطون إلى الأسفل وهو الشرك، وليس كما يزعم أهل التطور المزعوم أن الإنسان يترقى في اكتشاف هذه العقيدة. 


فليس السبب في الشرك واتخاذ المعبودات من دون الله هو الترقي في العقيدة خلال القرون، بل سببه الحقيقي هو انحراف أتباع الرسل عما جاءت به الرسل، فهذا هو السبب الحقيقي في حدوث الشرك في الأرض، يقول تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا" [طه: 124]، واتباعهم الظن والهوى وتركهم الهدى، يقول تعالى: "إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى" [النجم: 23].

وقال عز وجل:
"وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ" [المائدة: 77].

وقال في اليهود:
"فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ" [المائدة: 13].

وقال في النصارى:
"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [المائدة: 14].

إذاً: فهذا هو سبب الضلال والانحراف عن الوحي، وهذا هو تعليل وجود الشرك على ظهر الأرض، وليس عملية التطور المزعومة كما ذكروا.

وقال الله تبارك وتعالى أيضاً مبيناً سبب انحرافهم عن التوحيد الذي أمروا به:
"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [التوبة: 31].

فالرسل مبرءون من الذين انحرفوا عن منهجهم قال تعالى:
"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ" [المائدة: 116]، فعبر عنه هنا بصيغة الماضي؛ للدلالة على تحقق الوقوع، فكأنه قد وقع، مع أنه سيقع في المستقبل، يعني: سيقول الله يوم القيامة: "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ" [المائدة: 116 - 117] إلى آخر الآية.
 
إرسال الرسل والنذر إلى جميع الأمم: 
إن الله سبحانه وتعالى لم يترك أمة بلا نذير، فآدم عليه السلام هو أول البشر خلقه الله تبارك وتعالى من تراب من غير أب ولا أم، ثم خلق منه زوجه، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وكانت بداية عيش هذا النوع في الجنة، ثم أهبط إلى الأرض، فعرف آدم ربه في السماء وتوجه إليه وأناب بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، فتولى الله سبحانه وتعالى هذا النوع من خلقه بهداه، إذ لا صلاح له ولا بقاء في هذه الدنيا إلا باتباع هدى الله، كما قال عز وجل: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" [البقرة: 38].

وقال تعالى:
"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" [طه: 123 - 124].

ومن المعروف أنّ الهدى يأتي دائماً في مقابلة الهوى، وأنّ الهوى يأتي في مقابلة الهدى أو الوحي، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، كهذه الآية، ومنها أيضاً قوله تبارك وتعالى: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ" [القصص: 50] يعني: فإن لم يستجيبوا لك في الوحي.

ومنها قوله تعالى:
"وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: 3-4]، وقوله: "يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى [ص: 26].

فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثاً، ولم يتركه سدىً، وإنما خلقه لحكمة وغاية، وامتحنه بالفعل والترك حين أوحى إلى رسله، يقول تعالى: "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا" [الإنسان: 1]، يعني: فـ (( هَلْ )) هنا بمعنى: قد، "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" [الإنسان: 2-3].

ويقول تعالى:
"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ" [المؤمنون: 115].

ويقول تعالى:
"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى" [القيامة: 36].

ويقول أيضاً:
"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [الكهف: 7].

وقال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" [الملك: 2].

وقال سبحانه:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56]، يعني: لا يمكن أبداً أن يكون كل هذا الخلق سدى وعبثاً بلا حكمة، ولا أن الله غائب عن خلقه عياذاً بالله، بل الله شهيدٌ على ما تعملون، فهو سبحانه وتعالى يرعى هذه البشرية، ونعمه تعم المؤمنين والكافرين.

فكما ذكرنا أنّ أول الخلق هو آدم عليه السلام، وأنه أول الذين اصطفاهم الله وخاطبهم بالوحي، وهو نبي مكلم كما جاء في الحديث.

وقال تبارك وتعالى:
"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ" [النحل: 36]. 


إذاً:
فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وأما أهل الفترة الذين لم يبلغهم الوحي فحالتهم استثنائية، لكن كل أمة بعث فيها رسول، فهذه نظرتنا المغايرة لضلال أصحاب نظرية التطور في العقيدة، فإنهم حينما يتعرضون لديانة قدماء المصريين مثلاً، يتصورون الأمر وكأنهم معذورون، أو كأنهم باحثون عن الحقيقة حتى وصلوا إليها بالفعل، وذلك لما وحدوا الآلهة الثلاثة، وأن أخناتون هو أول من اخترع التوحيد، وهذا كله دجل وهو يناقض عقيدة المسلمين، ولا يمكن أن يعتقد هذا مسلم.

أما نحن فنؤمن أن قدماء المصريين قد قامت عليهم الحجة الرسالية قطعاً، سواء كان ذلك بموسى أو بغيره من الأنبياء، فالله يقول: "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ" [فاطر: 24]، ويقول: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا" [النحل: 36]، و(كُلِّ) صيغة عموم.

وقال تعالى:
"أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [النحل: 36].

فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وآثار قدماء المصريين خصوصاً تكشف لنا اعتقادهم في كثير من الأمور الغيبية التي ما كانوا ليؤمنوا بها إلا عن طريق الوحي، كنصب الموازين يوم القيامة، وحشر الأجساد وغير ذلك مما تدل عليه النقوش التي تركوها، فتلك تدل على الرسالات الإلهية التي أرسلت إليهم. 


ويقول تبارك وتعالى:
"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ" [فاطر: 24].

فالله سبحانه وتعالى منذ خلق الإنسان فقد تعاهده برعايته وعنايته، وشرع له الشرائع السماوية التي تدعوه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.

بل لما كانت بعض الأمم لا تناسبها شريعة النبي السابق فإنه يوحي إليها بشريعة جديدة؛ حتى تواكب ما تحتاجه، وكذلك إذا حصل فيها تحريف، فإنه يبعث رسولاً آخر يجدد لهم هذا الدين.
لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بألّا يعذب أحداً إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية.

يقول تعالى:
"مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" [الإسراء: 15].

ويقول تعالى:
"رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" [النساء: 165].

دعوة جميع الأنبياء والرسل إلى دين الإسلام:
لقد دعا كل الرسل والأنبياء إلى دين واحد، وهو دين الإسلام.

وهذا هو البحث الذي سنفصله إن شاء الله فيما يلي فنقول:
منذ وجد الشرك والفساد والمعاصي في هذه الأرض، والأنبياء والرسل يدعون الناس جميعاً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومع ذلك كانوا ينهون أيضاً عن كل صور الفساد في الأرض. 


والحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها أيضاً هي أن هؤلاء الذين كانوا يتبعون الرسل، كانوا مؤمنين، فكل من اتبع الرسل في أي أمة من الأمم الخالية فإنهم مؤمنون.

وكذلك الأنبياء كانوا أول المؤمنين بلا شك، فنوح عليه السلام كان مؤمناً، وكان الذين اتبعوه من قومه مؤمنين، وكذلك إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء والمرسلين وخليل الرحمن كان مؤمناً، وكذلك إسماعيل عليه السلام كان مؤمناً مسلماً، وكذلك إسحاق ويعقوب وموسى، وكذلك كان الأنبياء من بعده إلى عيسى.

لقد كان الأنبياء عليهم السلام من نوح إلى بعثة عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، هؤلاء أجمعون كانوا مؤمنين، وكان أتباعهم مؤمنين، حتى بعث الله تبارك وتعالى إلى البشرية كلها خاتمهم وسيدهم محمداً صلى الله عليه وسلم مؤمناً، وأتباعه مؤمنون، واليوم في عصرنا هذا يعرف الذين انتسبوا إلى موسى عليه السلام باليهود، وأحياناً يسمونهم الموسويين، ويعرف الذين انتسبوا إلى المسيح عليه السلام بالنصارى، ويسمونهم خطأً بالمسيحيين، ويعرف الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، وكلٌ يؤمن أن دينه هو الدين المرضي عند الله تبارك وتعالى.

إذاً:
فكلنا متفقون يهود ونصارى ومسلمون على أن آدم ونوحاً وجميع الأنبياء الذين أتوا بعد نوح عليه السلام إلى موسى كلهم أنبياء الله، وهؤلاء كلهم كانوا مؤمنين، ثم بعث الله تعالى عيسى عليه السلام أيضاً، فأتباعه مؤمنون، وعيسى كان مؤمناً، كذلك بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.

فكل دين من الأديان الثلاثة يقول:
إن دينه هو الإيمان، وأن أتباعه هم المؤمنون، فلا يستطيع مسلم ولا يهودي ولا نصراني أن ينفي الإيمان عن نوح، ولا عن إبراهيم، ولا عن إسماعيل، ولا عن إسحاق، ولا عن يعقوب ولا عن غيرهم من الأنبياء قبل موسى عليه السلام، فالجميع متفقون على أن هؤلاء أنبياء الله، وأنهم كانوا على دين الحق، وأن من تبعوهم كانوا مؤمنين، وأنهم كانوا على الدين المرضي عند الله عز وجل.

وفي نفس الوقت لا يستطيع أحدٌ منهم أن ينسب إبراهيم عليه السلام أو نوحاً أو هوداً أو صالحاً أو شعيباً أو غيرهم من الأنبياء بأنهم كانوا يهوداً؛ لأن اليهودية لم توجد إلا بعد موسى عليه السلام، وكذلك لا نستطيع أن نقول: إنهم كانوا نصارى؛ لأن النصرانية إنما وُجدت بعدهم، فاليهودية والنصرانية لم تكن قد عرفت بعدُ في عهد أي واحد من هؤلاء الأنبياء قبل موسى عليه السلام.

وهنا سؤال يفرض نفسه وهو:
ما هو الدين الذي آمن به الأنبياء من زمن آدم عليه السلام إلى آخر نبي بعث قبل موسى عليه السلام؟ ما هو دين هؤلاء الأنبياء الذين يتفق اليهود والنصارى والمسلمون على أنه دين الله، وعلى أنه هو الدين المقبول المرضي عند الله سبحانه وتعالى؟ فلم يرد في توراة اليهود ولا إنجيل النصارى الحاليين إثبات لاسم هذه الدين الذي آمن به هؤلاء الأنبياء ومن تبعهم، فكيف نستطيع معرفة هذا الدين؟

الجواب:
السبيل إلى التعرف على هذا الدين هو التفكر في هذا الدين: ما حقيقته؟ وما مقاصده؟ فنحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل هؤلاء الأنبياء إلى أممهم أرسلهم بعقيدة واحدة وهي توحيد الله عز وجل، وبشرائع يدعون الناس إليها فيها أوامر الله، وفيها نواهيه، فمن قبل هذا التوحيد وهذه الشرائع فهو المؤمن الذي آمن بالله ورسوله المبعوث إليه، ودان بالدين الذي يرتضيه الله عز وجل ويقبله، فهذا الدين هو توحيد الله، والانقياد لشرائع الله، والاستسلام لحكمه والخضوع لأمره ونهيه، والإخلاص له عز وجل في ذلك كله.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20236
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: نظــرة في تاريــخ العقيــدة [2]   10/01/16, 11:22 pm

شمول الإسلام لمعنى الاستسلام والسلامة ودين كل الأنبياء والرسل:
إذا بحثت في لغة العرب عن كلمة تعبر عن الاستسلام والسلامة، لوجدت أن الاستسلام: هو الخضوع والإذعان والانقياد لحكم الله ولأمره، والسلامة: هي السلامة من الشرك والإخلاص في التوحيد، فلا توجد في لغة العرب كلمة تعبر عن هذين المعنيين سوى كلمة الإسلام، فإن الإسلام لله هو التعبير الوحيد الذي يمكن أن نعبر به عن الدين المرضي الذي يقبله الله سبحانه وتعالى ويعتبره، فهذا هو القاسم المشترك بين رسالات جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالأنبياء دعوا إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، والسلامة والبراءة من الشرك، ودعوا إلى الانقياد لشرائع الله التي أنزلت على هؤلاء الرسل والأنبياء، فهذا يعبر عنه بكلمة واحدة وهي الإسلام لله، ولما صارت مشهورة عندنا جداً صار اسمه الإسلام؛ لأنه صار معروفاً أنه لا يكون إلا لله عز وجل.

إذاً:
فهذا هو القاسم المشترك بين جميع الأنبياء، وهذا هو وحده الدين الذي نستطيع أن نقول: إنه كان دين نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن تبعهم من المؤمنين.

أي:
التوحيد لله والسلامة من الشرك، والاستسلام والخضوع لأوامر الله سبحانه وتعالى وشرائعه، من أجل ذلك لم يكن لفظ الإسلام اسماً علماً على الدين الخاتم فقط، ولكنه في الحقيقة هو التعبير الوحيد عن جوهر جميع الرسالات السماوية، بما في ذلك رسالتي موسى وعيسى عليهما السلام، ولم يكن وصف المسلمين مجرد لفظ لأتباع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو معنى عام للإسلام والمسلمين دلت عليه عشرات النصوص كما سنبين فيما يلي: يقول تبارك وتعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: 19]، فالإسلام العام هو الإسلام الذي كان دين آدم ونوح وإدريس وهود وشعيب وصالح وجميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله تعالى لم يقبل من أحد قبل محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يقبل من أحد بعده غير دين الإسلام، فمن يلقى الله بغير الإسلام فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.

ويقول عز وجل:
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 112].

وقال سبحانه وتعالى حاكياً دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: 128].

وقال عز وجل:
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران: 20].

وقال تعالى:
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النساء: 125].

وقال جل وعلا:
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 71].

وقال أيضاً:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج: 34].

أقسام الناس في فهم معنى الإسلام:
إن هذه الحقيقة الظاهرة الواضحة وضوح الشمس قد تغيب عن فريقين من الناس.

الفريق الأول:
غير المسلمين، وهم الذين لا يعرفون اللغة العربية على وجه الخصوص، وهؤلاء لا يكاد يتطرق إلى أذهانهم هذا المعنى العظيم الذي يعبر عنه بكلمة الإسلام، وصحيح أنهم يقولون في لغتهم عن الإسلام في الإنجليزية: إسلام، وفي الفرنسية: إسلام، في كل لغة يعبر عنه بالإسلام كأي عَلَم، فهم يقولون: إسلام كما نقول، ولكن لا يعرفون معنى كلمة إسلام، ونحن كذلك إذا أتينا بأي كلمة أجنبية من أي لغة أجنبية ونطقناها كما هي، فإننا ننطق الحروف كما نسمعها، ولكن لا نعرف معناها إذا لم نكن دارسين لهذه اللغة، فهذا الفريق ينطقون بهذه الكلمة ولا يفهمون منها ما نفهم نحن منها من الاستسلام والخضوع والإذعان لأمر الله، وذلك مع السلامة مما يخالف التوحيد من الشرك وغيره، فيجب علينا معشر المسلمين أن نشيع هذا اللفظ مقروناً ببيان معناه في لغتنا، بحيث يكون كلما ذكرت كلمة الإسلام فهم معناها في لغة العرب.

وأما الفريق الثاني:
فهم غير المسلمين ممن يعرفون اللغة العربية، فهؤلاء إذا سمعوا قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: 19]، وإذا سمعوا قوله عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]، تنصرف أذهانهم إلى الإسلام الخاص الذي دعا إليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحسبون أن رسالة موسى التي يعبر عنها الآن بالموسوية، أو اليهودية، وأنّ رسالة عيسى التي يعبر عنها الآن بالمسيحية، لا تدخلان في عموم الإسلام المذكور في الآيتين السابقتين، فاليهود والنصارى إذا قلت لهم: قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: 19] فإنهم يتخيلون الإسلام ديناً آخر غير دين موسى وعيسى عليهما السلام.

وهذا غير صحيح:
فإنهم إذا فهموا هذا المعنى الذي ذكرناه آنفاً لأدركوا أن هذا يشمل ما جاء به موسى وعيسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومما يؤسف له أشد الأسف أن هذه الحقيقة لم تغب عن الأعاجم الذين لا ينطقون العربية ولا يعرفونها فقط، ولا عن اليهود والنصارى الذين يعرفون اللغة العربية فقط، ولكن المصيبة الكبرى أن تغيب هذه الحقيقة العظمى المعلومة من الدين بالضرورة، بل هي ألف باء الإسلام، أن تغيب على كثير من المسلمين، وإذا سألت كثيراً من الناس وخصوصاً العوام أو المنصرفين عن تعلم دينهم انصرافاً كلياً، أو كلمته في تكفير اليهود والنصارى فإنه يقول: لقد خلقنا الله كلّنا، وهذا المنطق منطق جاهلي ساذج جداً، وقد يستدلون على هذا المعنى الفاسد بآيات من القرآن، فالمهم أن بعض الجهلة من المسلمين يحملون الآيتين السابقتين على الإسلام الخاص، ولا يفطنون إلى أن الأسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم هم وأتباعهم أجمعون كانوا مسلمين.
 
النصوص الشرعية الدالة على أن دين جميع الأنبياء والرسل هو: الإسلام
إننا سنورد شواهد من القرآن الكريم تدل على أن دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء والرسل.

قال الله سبحانه وتعالى لرسله الكرام عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام:
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 51 - 52].

فقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ) ليس المراد بالأمة هنا:
الشعب، أو الأمة العربية، لا، وإنما المراد بالأمة هنا: الملة، أي: وإن هذه ملتكم، فكلمة أمة جاءت في القرآن على عدة معان، فتأتي بمعنى الجمع من الناس والقوم، وتأتي بمعنى الفترة الزمنية، مثل قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: 45]، أي: بعد فترة من الزمن.

وتأتي بمعنى قدوة، مثل قوله تعالى:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: 120] أي: قدوة وجامع لخصال الخير. وتأتي بمعنى الملة والدين، كما في هذه الآية: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: 52] أي: هذه ملتكم ملة واحدة، وهذا دينكم دين واحد وهو دين الإسلام.

وقال عز وجل في بيان أنّ دعوة الأنبياء واحدة:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى: 13].

وقال عز وجل أيضاً في حق الأنبياء:
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 79 - 80].

وقال سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام وهو أول رسول:
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 72].

وقال عز وجل عن إبراهيم عليه السلام:
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67].

وقال عن إبراهيم ويعقوب أيضاً عليهما السلام:
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 130-132].

وقال أيضاً في شأن يعقوب عليه السلام:
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 133].

وحكى عن يوسف عليه السلام:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: 101].


وحكى عن لوط عليه السلام أنه قال:
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 31-36]. 

وقال عن موسى عليه السلام:
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: 84]، ولم يقل: إن كنتم يهوداً، لكنه قال: ((فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)).

وقال عز وجل عن السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام:
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف: 126].

وقال تعالى حاكياً عن فرعون:
حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90].

وقال سبحانه وتعالى حاكياً عن بلقيس:
قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 29-31].

وقال سبحانه وتعالى:
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ [النمل: 42]، والمراد بقوله: (وكنا مسلمين) أي: سليمان ومن آمن معه، إلى قوله تعالى: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: 44].

وقال سبحانه وتعالى في شأن عيسى عليه السلام:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 52]، فالحواريون كانوا مسلمين، وقال أيضاً عن الحواريين: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة: 111].

وقال سبحانه وتعالى:
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44].

قال الزمخشري في قوله تعالى:
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة: 44]، قال: المراد بإجراء هذه الصفة التعريض باليهود، وأنهم بُعداء عن صلة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل.

أي أن المراد:
كأنكم يا يهود لستم مسلمين، فأنتم بمعزل عن صفة الإسلام وغير مرتبطين بها.

وقال ابن منظور في قوله تعالى:
((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا)): فسره ثعلب فقال: كل نبي بعث بالإسلام غير أن الشرائع تختلف.

وقال تعالى عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى:
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: 52-53] يعني: أن المؤمنين منهم بدينهم حقاً يقولون: إنا كنا من قبل نزول القرآن مسلمين، ولم يقولوا: إنا كنا من قبل يهوداً أو نصارى.


وقال سبحانه وتعالى:
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 83 - 84]، يعني: لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، بل نؤمن بجميع الأنبياء، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].

فقوله تعالى:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران: 19] يفهم منه أنه سبحانه وتعالى لا يقبل من أحد ديناً سوى دين الإسلام، وأن من في السماوات والأرض قد أسلموا لله عز وجل طوعاً.
 
خطأ تسمية الأديان بالموسوية، والمسيحية، والمحمدية:
من خلال هذا العرض نخلص إلى أمور مهمة جداً.

الأمر الأول:
أن من الخطأ تسمية هذا الدين الذي كنا نتحدث عنه بالموسوية، أو المسيحية، أو المحمدية، فإنما هو دين الإسلام، وهو دين واحد أرسل الله به جميع الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، داعين أممهم إليه، فمن أجابهم كان مسلماً، فلا يصح أن تقول: الموسوية، أو المسيحية، أو المحمدية؛ لأنه ليس مذهباً أسسه موسى، أو عيسى، أو محمد، وإنما هم مبلغون فقط مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة: 99].
 
عدم جواز إطلاق عبارة: الأديان السماوية:
الأمر الثاني الذي نستخلصه من هذه المقدمة.
هو عدم جواز إطلاق عبارة: الأديان السماوية:
لأنه لا يوجد أديان سماوية، وكيف تكون كلها أدياناً سماوية وهي متناقضة متعارضة؟! فالنصرانية تدعوا إلى التثليث والشرك بالله عز وجل، واليهودية فيها التشبيه وسب الأنبياء، وفيها الكثير من الضلال والانحراف، وكيف أيضاً نصفها جميعاً بأنها أديان سماوية بصيغة الجمع؟ فهذا أيضاً خطأ؛ لأنه لا توجد أديان سماوية متعددة، فيمكن أن تقول لها: أديان، لكن لا تقل سماوية؛ لأن الأديان تشمل الدين الحق والدين الباطل، كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6]، وكقوله: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76].

أذاً:
فكلمة الدين ككلمة الإله، فيها الحق وفيها الباطل، فيمكن أن تقول: الأديان بالجمع، وأما أن تقول: الأديان السماوية فلا يصح؛ لأن السماء لم ينزل منها إلا دين واحد فقط وهو دين الإسلام إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: 19]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]، فالدين لا يتعدد وإنما التعدد في الشرائع والرسالات، فمن الممكن أن تقول: الرسالات السماوية، وتعني: رسالة عيسى، ورسالة موسى، ورسالة نوح، وهكذا، أو تقول: الشرائع السماوية، وتعني: شريعة محمد، وموسى، وعيسى، فهذه تختلف وتتعدد، فالأحكام العملية تختلف من نبي إلى آخر، كتفاصيل الصلاة والطهارة وأحكام الزواج والطلاق، وكيفية العبادات والأحوال الشخصية والأحكام عامة.
 
بطلان فكرة التقريب بين الأديان:
الأمر الثالث الذي نستخلصه مما مضى.
بطلان الفكرة الضالة الداعية إلى التقريب بين الأديان السماوية:
فهذه الدعاوى الخبيثة قد تورّط فيها بعض الجهلة من المسلمين، ففكرة التقريب بين الأديان ليست دعوة حق، وإنما هي دعوة خبيثة كي يتنازل المسلمون عن دينهم، ولا يمكن أن نتنازل عن ديننا ولا عن أية جزئية منه، فهو أمانة الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن نحافظ عليه، فيكف نقول بالتقريب يبن الأديان السماوية، ونحن نؤمن أنه لا توجد أديان سماوية، وإنما هناك دين سماوي واحد وهو الإسلام؟!

فمحاولة التوفيق بين الإسلام وغيره من الأديان إنما هي محاولة للتوفيق بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وبين دين أنزله الله وحفظه وهو الإسلام، وبين دين أنزله الله لكن طرأ عليه التحريف والتغيير والتبديل، كاليهودية والنصرانية، فإذا كان الدين عند الله واحداً كما سبق أن بينا، فكيف يصح أن ندعو إلى التقريب بين الشيء ونفسه؟! فالدين كله واحد، ونحن لا نحتاج إلى دعوة للتقريب، العقيدة الصحيحة المنقذة للبشرية من الهلاك هي العقيدة الإسلامية.

الأمر الرابع:
أن العقيدة الوحيدة الصحيحة على وجه الأرض منذ أن بعث الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وإلى اليوم لا توجد إلا في الإسلام، لأن الله عز وجل قد تكفل بحفظه من التغيير والتحريف والتبديل: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9]، وهذه العقيدة هي نفس العقيدة التي دعا إليها الرسل الكرام في كل زمان ومكان، فلا تختلف من رسول إلى رسول، ولا من زمان إلى زمان، وأما ما عداها من العقائد الموجودة على الأرض فهي عقائد فاسدة متعددة، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر وأهوائهم، وقد يكون أصل بعض هذه العقائد صحيحاً، لكن التغيير والتحريف طرأ عليها كما هو الحال في زماننا هذا بالنسبة إلى اليهودية والنصرانية.

فاليهودية في وضعها الحالي عقيدة عنصرية، فهي مبنية على الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، وأن كل من عداهم من الأمم هم بمثابة الحمير التي خلقها الله لبني إسرائيل؛ كي يركبوها ويستذلوها ويسخروها، فهذه هي نظرة اليهود إلى كل من عداهم، لذلك فاليهودية ليس فيها تبشير، واليهود لا يبشرون؛ لأنها ديانة عنصرية، فلا بد أن تكون من نفس اليهودي حتى تصير يهودياً، لذلك لا نجد في اليهودية خطر التبشير باليهودية والتهويد، لكن نجد عندهم خطر إفساد عقائد الناس الآخرين؛ حتى يفقدوهم عناصر القوة، وإفساد الأخلاق؛ حتى يحطموا هذه الأمم قبل أن يقيموا دولتهم الكبرى التي يسمونها: مملكة داود، وكذلك بالنسبة للنصرانية.

فإذاً:
هل يمكن أن يكون إنقاذ البشرية بديانة كالديانة اليهودية في وضعها الحالي؟! وهل يعقل أن يخرج البشرية مما هي فيه من الضلال والضياع أن تنتمي إلى الديانة اليهودية؟!!

ومع ذلك فاليهود يقولون:
غير مسموح لكم الولوج في هذا الباب؛ لأننا أشرف الخلق ونحن أفضل الأمم، وديانتنا ليست مفتوحة لهؤلاء الأوباش من الأمم الأخرى، فنظرة اليهود للأمم الأخرى التعالي والعنصرية فقطعاً لا يمكن أن يكون إنقاذ البشرية بديانة كاليهودية، وهذا بغض النظر أيضاً عن الأحكام الفقهية والعملية الموجودة في شريعة التوراة، فقد كان فيها تشديد؛ لأن الله عاقب اليهود بالتشديد عليهم حينما شددوا على أنفسهم، فوضع عليهم الآصار والأغلال، فلما جاء محمد عليه الصلاة والسلام وضع عنا الآصار والأغلال، فستشقى البشرية بحمل هذه الأغلال التي عوقب بها بنو إسرائيل؛ بسبب تعنتهم مع نبيهم موسى عليه السلام.

وهل يمكن أن تكون الديانة النصرانية هي المنقذة للبشرية؟
الجواب:
لا، وتفصيل ذلك يطول جداً، ولكن نمر عليها مراً سريعاً وهي أن الديانة النصرانية فيها هذه الفلسفة الوثنية التي دخلت عليها فأفسدتها وهدمتها تماماً، والنصارى أيضاً يصدقون بالتوراة وهي العهد القديم، وبالإنجيل وهو العهد الجديد، فالكتاب المقدس عندهم مكون من العهد القديم والعهد الجديد، واليهود يؤمنون بالعهد القديم، وهو التوراة ولا يؤمنون بالإنجيل الذي هو العهد الجديد، بخلاف النصارى فإنهم يؤمنون بالكتابين معاً. فهل يمكن أن تكون عقيدة الحق والنجاة في الصلب والتقديس والفداء وكذا وكذا، ثم لا يوجد لها أي أثر في العهد القديم على الإطلاق؟!

وكذلك قضية آدم والخطيئة الأولى وتوريثها ذلك للبشر، وحصول الصلب بعد ذلك حتى يتحرر البشر من خطيئة أبينا آدم عليه السلام. فهل هذه هي عقيدة الحق؟ وهل كل هذه الأجيال البشرية التي ماتت، ماتت على غير العقيدة الصحيحة؟! فهذا أدل دليل على أن هذا الفساد في دين النصارى فساد طارئ عليه، ويكفي أن النصارى كلهم يكفر بعضهم بعضاً، ويعتقدون أن بعضهم من أصحاب النار خالدين فيها؛ بسبب مخالفتهم إياهم في عقيدة الثالوث، وهل كل من الأقانيم الثلاثة له ذات مستقلة أم لا؟ إلى آخره، فهناك كثير من العقائد الفاسدة التي ترفضها الفطرة، كعقيدة التثليث، والخطيئة الأولى، والصلب.

ثم إنها ديانة خالية تماماً من التشريع، أو تكاد، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم شيء، والأديان الموجودة الآن إما أديان صنعها البشر كالبوذية والزرادشتية والمجوسية، وغيرها من الأديان الضالة التي صنعت بأيدي البشر، فهذه كلها أديان، فالماركسية دين، والناصرية دين، لأنها طرائق في السلوك وفي الحياة وفي الاعتقاد تخالف ما عليه دين الإسلام، فهذه أديان باطلة صنعها البشر ابتداءً، وإما أنها أديان سماوية أصلاً، لكن طرأ عليها التحريف والتبديل والتغيير، كاليهودية والنصرانية، وأما العقيدة الوحيدة التي يقبلها الله منذ بعث محمداً عليه الصلاة والسلام إلى أن تقوم الساعة، فهي عقيدة الإسلام، ورسالة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

العقائد الأرضية المحرفة هي التي تقبل التعدد:
الأمر الخامس والأخير الذي نستخلصه هو.
أن هذه العقائد الأرضية والمحرفة هي التي تقبل التعدد، فيصح أن نسميها أديان، فنقول: الأديان الأرضية، والأديان الباطلة.

وقد سمى الله عز وجل الوثنية ديناً، فقال سبحانه وتعالى مخاطباً مشركي قريش: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6]، وليس المقصود منها إقرار الكفار على دينهم كما يفهم بعض الجهلة، وبعض الناس إذا أراد أن يفارق شخصاً فإنه يقول له: يا عم! لكم دينكم ولي دين!!

والمقصود من قوله تعالى:
"لَكُمْ دِينُكُمْ" [الكافرون: 6]، أي: الباطل الذي أنا بريء منه، "وَلِيَ دِينِ" [الكافرون: 6]، أي: دين الحق، يعني: أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون.

وقال سبحانه وتعالى أيضاً حاكياً عن فرعون:
إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر: 26]، فسمى ما كان عليه وقومه ديناً.

وكذلك قال سبحانه وتعالى في حق يوسف عليه السلام:
مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في نظام وشريعة الملك، فسماه أيضاً ديناً، فكل منهج يوضع للناس كي يسلكونه، وينظم حياتهم وعقائدهم فإنه يسمى ديناً، فالاشتراكية دين، والناصرية دين، والوجودية دين، فكل مذهب يخالف دين الإسلام فهو دين، سواء كانت مذاهب نفسيه أو فكرية أو اقتصادية، فهذه أديان يدينون بها ويخضعون لها، وهذه المذاهب تخالف دين الإسلام في شموله ونقائه وخلقه، فهذا ما تيسر اليوم من كلام في هذه القضية، وبهذا تقريباً نكون قد أنهينا الكلام في مسألة تاريخ الأديان وما يكتنفها من انحرافات في الفهم، وأهم النقاط التي ينبغي أن نلتفت إليها عند دراسة هذه القضية.
 
الأسئلة:
النظام العالمي الجديد وأعماله الخبيثة


السؤال:
ما المقصود بالنظام العالمي الجديد والشرعية الدولية؟

الجواب:
ليس بجديد، بل هو نظام عالمي قديم جديد، مثل العهد الجديد والعهد القديم، وكلاهما باطل، فالنظام العالمي الجديد لا يحتاج إلى شرح، ولا إلى توضيح بعدما مرت سنوات تزيد على الثلاث سنوات من بداية انتشار هذا النظام في العالم، فحصل فيه من الفساد في الأرض ما الله به عليم، وما لا يكاد يحصى، فمنذ أن أمسكت أمريكا بزمام الأمور على الساحة الدولية ونحن نرى الفساد والظلم والقهر، وصارت ما تسمى بالشرعية الدولية عصا تضرب بها بلاد المسلمين، فمجلس الأمن صار مجلس تأديب للمسلمين، وليس له وظيفة غير تأديب المسلمين، فقد صار مجلس تأديب كمجالس التأديب في الجامعة وغيرها، وأمينه هو الخبيث الخائن المجرم بطرس غالي، وهو خصم الإسلام والمسلمين، فكيف يكون القاضي الذي يتحكم في قضايا العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه خصماً من خصوم الإسلام، وعدواً لدوداً لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، كارهاً لأمة المسلمين وحاقداً عليها؟! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذه ومن والاه أخذ عزيز مقتدر.

فهذا النظام نظام قرصنة، وهو نفس نظام القراصنة القدامى لم يتغير منه شيء، لكن العصابات صارت يحكمها زعيم واحد، ولم تعد متفرقة كما كانت من قبل، وهي عصابة يكشفها لنا قول الله تبارك وتعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة: 8].

فعلينا أن نقبل خبر الله سبحانه وتعالى، وأن نوقن به، ولا نحتاج إلى دليل من الواقع، من قبل كنا نرهق جداً مع الناس حتى نثبت لهم أن الكفار يتآمرون على الإسلام، يقول: كيف ذلك وهم أناس لطاف وأناس عندهم عدل وأناس عندهم كذا؟!

أما الآن فقد كشروا عن أنيابهم، وظهرت الحقيقة التي كانت دفينة، كما قال تبارك وتعالى: وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118].

فقد بعث الخبيث جون ميجور بياناً سرياً لـدجلس هوك يبين فيه حقيقة السياسة البريطانية فيما يتعلق بالبوسنة والهرسك، فلما انتشر المنشور هنا، ووزع في بعض المحافظات، أسرعت السفارة البريطانية في تكذيبه، وأن هذا لا أساس له من الصحة.


فلنفرض أنه ليس له أساس من الصحة، فهذا ميجور نفسه الخبيث يقول في حديث صحفي وقد سئل: كيف لا توافقون على تسليح البوسنة والهرسك؟! فقال معتذراً: نحن لا نسمح بتسليح البوسنة والهرسك؛ لأن هذا سيطول مدى الحرب، ومعنى ذلك: أن نتركهم حتى يذبحوا عن آخرهم، فهذا هو الحل!!!

درجة حديث صلاة الحاجة
السؤال:
ما حال الحديث الوارد في صلاة الحاجة؟

الجواب:
الحديث الوارد في صلاة الحاجة لا يصح، لكن من السنة أن الإنسان قبل أن يدعو الله تبارك وتعالى أن يتقرب إليه بعمل صالح، سواء كان صلاة أو غيرها، فمن هذه الحيثية يمكن أن تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بعمل صالح قبل أن تدعوه؛ لأن هذا أرجى لقبوله واستجابته، والله تعالى أعلم.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
نظــرة في تاريــخ العقيــدة [2]
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: موضوعات في العقيدة-
انتقل الى: