منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21020
العمر : 66

مُساهمةموضوع: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية   26/12/15, 08:26 am

بسم الله الرحمن الرحيم

المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم

دراسة موضوعية بيانية

إعداد

د. محمد علي الزغول

أستاذ التفسير المشارك في كلية الشريعة في جامعة مؤتة

د. محمد سعيد حوى

أستاذ الحديث المشارك في كلية الشريعة في جامعة مؤتة

-------------------------

ملخص

اعتنى القرآن الكريم بقضية المسارعة والمسابقة إلى الخيرات عناية جليلة، ووجهنا إلى التحقق بها علماً وعملاً، حالاً وسلوكاً وخلقاً ومنهجاً، في آيات عدة، تارة أمراً، وتارة حثاً، وتارة تحفيزاً لنا من خلال بيان تحقق أكمل الخلق بها، أو من خلال بيان صفات أهلها، وثمرات التحقق بها، وقد اشتملت آيات المسارعة والمسابقة على كثير من المعاني والدقائق ي البيان والنظم بما يوجب على الباحثين اجتلاؤها وفهمها وتدبرها، خدمة لكتاب الله قياماً بحقه.




فجاء هذا البحث للوقوف على بعض هذه الأسرار والدقائق، بما يكشف عن جوانب من روعة معاني القرآن وإعجازه من جهة، وما اشتملت عليه من توجيه للسلوك الإنساني الأسمى من جهة أخرى.




فقمنا باستعراض هذه الآيات وترتيبها وفق تنزلها واستكشاف وحدتها الموضوعية، والتعرف إلى بعض خصائص النظم والبيان فيها، بعد التعريف بدلالات الألفاظ ومعانيها.




مقدمة

في خضم سطوة الحياة المادية واستعار الشهوات، وما نلحظ من أحوال كثيرين من تثاقل عن القيام بحق الله سبحانه وتعالى، أو كسل أو فتور في العزيمة، وما يترتب على ذلك من إحباط ويأس؛ نجد حاجة ملحة للعودة إلى القرآن الكريم، نستنهض به الهمم والعزائم ونعالج فتور النفس وقصورها، ونسعى للارتقاء نحو الهمم العالية والأخلاق الكاملة والصفات الرفيعة.




وكان من الآيات القرآنية التي أولت هذا الجانب اهتماماً خاصاً: آيات المسارعة والمسابقة إلى الخيرات. 


نعم، لقد أولى القرآن الكريم قضية المسارعة والمسابقة إلى الخيرات عناية تامة، فكان حديثاً معطراً بنفحات التكريم والتمجيد، حيث دعا دعوة قوية إلى التحلي بفضيلة المبادرة إلى اغتنام الفرص في عمل الخير، لأن الحياة غير مأمونة، والآجال غير معلومة، وما يمكن اليوم لا يمكن غداً، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه: "ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، واليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل" البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب رقم 4، في الأمل وطوله، ترجمة حديث رقم 6417.




فنهج القرآن مناهج عدة في بيان أهمية المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، والحث عليها وبيان علو شأن أصحابها ومقامهم عند ربهم فتارة من خلال الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات، أو من خلال وصف الأنبياء بذلك، أو وصف الملائكة، أو وصف الخاصة من أهل الكتاب أو وصف الصحابة، وتارة من خلال بيان خصائص وصفات المسابقين والمسارعين، وثمرات التحقق بذلك، أو من خلال التحذير من صفات المخالفين المسارعين إلى الكفر، وما ذلك كله إلا لأهمية هذا الموضوع وخطره وضرورة العناية التامة به، مما كان دافعاً لنا أن نخص هذه الآيات بالدراسة والبحث.




وأمر آخر دعانا للبحث في هذا الموضوع الرغبة في أن نقف معاً على النظم القرآني ولطائفه، ونكاته البيانية، في هذه الآيات الكريمات، فقد لوحظ أن الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات تارة يعدى بنفسه، وتارة بحرف الجر "في"، وتارة بإلى، وتارة باللام فلماذا؟! ومرة يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وسارعوا﴾... ومرة: ﴿سابقوا﴾، فما سر ذلك؟! إضافة إلى أسرار ودقائق أخرى كثيرة... ثم ما هي العلاقة بين السور التي تحدثت عن هذه القضية المهمة؟ ما هي الوحدة الموضوعية بينها؟ وما هي ميادين المسابقة والمسارعة؟ وما ثواب السابقين المسارعين؟ قضايا كثيرة وكثيرة جداً أحببنا أن نعيش معها وفي ظلالها، وذلك بعض ما يجب علينا تجاه كتاب ربنا على طريق التدبر والفهم والعمل والتحقق.




وقد اقتضت طبيعة هذا البحث تناوله في المطالب الآتية:

المطلب الأول: تعريف المسابقة والمسارعة.

- لغة واصطلاحاً.

- والألفاظ ذات الصلة.

المطلب الثاني: بيان مقام السابقين والمسارعين وصفاتهم، وفيه تحليل آيات المسارعة والمسابقة من حيث النظم ولطائف البيان وفق تنزل سور القرآن.

المطلب الثالث: ميادين المسابقة والمسارعة.

المطلب الرابع:  ثواب السابقين والمسارعين إلى الخيرات.

إضافة إلى خاتمة سجلنا فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

فنسأل الله أن يتقبل منا، وأن يوفقنا، فإن أصبنا فبفضل الله ورحمته، وإن قصرنا فمن أنفسنا ونسأله تعالى المغفرة.

الباحثـــان

------------

المطلب الأول

ألفاظ المسارعة والمسابقة في اللغة والاصطلاح

المسارعة لغة:

السين والراء والعين: "أصل صحيح يدل على خلاف البطء، فالسريع خلاف البطيء وسَرْعان الناس أوائلهم الذين يتقدمون سراعاً"، وسرعان الخيل أوائلها، ويقال أسرع وسارع أي خف وبادر، ومنه قوله تعالى: "يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " (90: الأنبياء)، يمضون نحوها مسرعين مبادرين، وتسرع بالأمر بادر به، والمسارعة إلى الشيء: المبادرة إليه، والمتسرع المبادر إلى الشر خاصة.




ويقال هؤلاء مساريع في الحرب، أي جمع مسراع، وهو الشديد الإسراع إلى النضال، وسارع الأمر بمعنى أسرع، وجاء سَرعاً أي سريعاً.




ومنه قوله تعالى: "يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا" (44: ق) وقوله تعالى: "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا" (43: المعارج) وقوله تعالى: "أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ" (55-56: المؤمنون).


ويقال أسرع الرجل إذا سَرُعت دابته كما قالوا أخف إذا كانت دابته خفيفة.




وإذا نحن تأملنا هذه المعاني لمادة سرع نجد فيها معنى المبادرة والتقدم والسبق والخفة إلى الشيء، ومن خف في طلب شيء كان سهلاً عليه، في متناوله، متمكناً منه، إلى ما في ذلك مما يخالف معنى البطء، والتثاقل، ويدل على علو الهمة، والإقبال على الأمر.




ولذا نجد القرآن الكريم يثني على أولئك الذين يسارعون في الخيرات، أي يبادرون بخفة ونشاط وهمة وتقدم وسبق.




على عكس أولئك الذين يتثاقلون إذا جاءهم الأمر "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ" (38: التوبة).




قال الزمخشري: "ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحسن".




كما يتضمن معنى المسارعة الجد والرغبة في الأمر لذا عدى بفي، فالمسارعة إذن: "المبادرة والمضي إلى الأمر بجد وهمة ونشاط ورغبة وإقبال والتقدم فيه متمكناً من غير بطء ولا توان ولا تقصير".




وقد يكون في الخير، وقد يكون في الشر، كما في قوله تعالى: "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" (52: المائدة).




فهؤلاء المنافقون يبادرون ويخفون نحو أوليائهم من اليهود الراغبين فيهم غير متوانين في نصرتهم.




إننا إذا تأملنا معنى المسارعة لغة ندرك سر إيراد القرآن لها دون غيرها في مواطنها؛ إما صفة للمؤمنين أو دعوة لهم كما سيرد تفصيل ذلك، كما ندرك سر وصف المنافقين بها في إسراعهم نحو الشر والباطل، وندرك أيضاً سر وصف أحوال الناس في يوم الحشر "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا" (43: المعارج) "يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا" (44: ق).




المسابقة لغة:

السبق: "أصل صحيح يدل على التقدم"، ويقال: "سبق يسبق سبقاً أي تقدم في السير أو في غيره من الحسيات والمعنويات، والاستباق هو التسابق الذي يكون بين أكثر من واحد، وكل منهم يبذل وسعه ليسبق غيره، وسابقه باراه في السير، وأسبق القوم إلى الأمر وتسابقوا بادروا"، واستبقا تباريا.




فأصل السبق التقدم في السير، ثم يتجوز به في غيره من التقدم، قال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ" (11: الأحقاف) وقال تعالى: "سبقت من ربك" (14: الشورى) أي نفدت وتقدمت، ويستعار السبق لإحراز الفضل والتبريز، وعلى ذلك قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ" (10: الواقعة) أي المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة.




والسبقُ من الخيل المبكرة بالحمل، ويأتي السبق ليدل على فوات أمر، يقال: سبق الطريد أي فات من الطلب، وعلى هذا قوله تعالى: "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَـاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَـا يَحْكُمُونَ" (4: العنكبوت) وقوله تعالى: "فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ" (39: العنكبوت) تنبيه أنهم لا يفوتوننا.




ومثله قوله تعالى: "وما نحن بمسبوقين" (41: المعارج) أي لا يفوتوننا، وقوله: "فاستبقوا الصراط" (66: يس) أي جاوزوه وتركوه حتى ضلوا، قال الأزهري: "جاء الاستباق في كتاب الله بثلاثة معان مختلفة، أحدها: قوله عز وجل: "إنا ذهبنا نستبق" (17: يوسف)، قال المفسرون معناه ننتضل في الرمي، أي المسابقة في الرمي.




وقوله عز وجل: "واستبقا الباب" (25: يوسف) معناه ابتدرا الباب، يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه... والمعنى الثالث في قوله تعالى: "وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ" (66: يس) معناه تجاوزوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق في هذه الآية من واحد، والوجهان الأولان من اثنين، لأن هذا بمعنى سبقوا والأولان بمعنى المسابقة.




ففي المسابقة معنى التقدم والمبادرة والإسراع، وتدل على وجود متسابقين، مما يفيد بذل غاية الجد والاجتهاد لتحصيل السبق والفوز على الآخر.




وهؤلاء السابقون في الخير هم ممن بادروا إلى بذل غاية جدهم واجتهادهم وطاقتهم ليكون لهم التقدم، وتحقيق معنى الانتصار على الغير، فهم يسابقون الهوى فينتصرون عليه بتحقيق مراد الله فيهم، وهم يسابقون الشيطان فينتصرون عليه بطاعة الله تعالى، كما أنهم يسابقون الخيرين ليكونوا متقدمين بينهم.




الفرق بين المسارعة والمسابقة:

كلاهما فيه معنى المبادرة والجد في الأمر وعدم البطء فيه والإقدام وعدم التواني والتقصير، إلا أن المسارعة تتعلق بذات العامل بقطع النظر عمن ينافسه في ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر... وهذا لا يكون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته.




أما المسابقة فتكون حال وجود قرين يسابق فتجتهد لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعاً لك لمزيد من بذل الجهد والتحري.




كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية واضحة.




الألفاظ ذات الصلة:

ومن الألفاظ المتصلة بموضوعنا:

- المبادرة، ولها أصلان في اللغة، الأصل الأول يدل على كمال الشيء وامتلائه، ومنه قولهم لكل شيء تمّ: بدر، وسمي البدرُ بدراً لتمامه وامتلائه.




والمعنى الثاني: الإسراع إلى الشيء ومنه قوله تعالى: "وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِداراً" أي مسارعة، وبادر الشيء مبادرة وبداراً أي عاجله وأسرع إليه، وبدرت دمعته إذا سبقت.




وبين المعنين صلة فإنه من بادر إلى الخيرات بالإسراع والمعاجلة إليها يكون سائراً على طريق التحقق بالكمال والتمام في شأنه كله.




- المنافسة، واشتقت من النفاسة، فيقال لكل شيء ذي خطر وشأن نفيس، والمتنافس: يبرز أعلى ما عنده فيما فيه خطر وشأن، وهي في اصطلاحهم "مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل والُّلحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره ، ومن ذلك قوله تعالى: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ" (26: المطففين) وهي إذن تدل على علو همة، وطلب الأعلى شأناً، وإبراز كل ما هو نفيس ذي خطر وشأن عندك.




- العجلة، الأصل في العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن، وفي الحديث (التأني من الله والعجلة من الشيطان)، أبو يعلى، مسند أبي يعلى، رقم 1054 والبيهقي، السنن الكبرى، ج 10، ص 104، وهو حديث صحيح، ومن ذلك قوله تعالى: "خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ " (37: الأنبياء) "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ" (6: الرعد) "وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً" (11: الإسراء) "مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا" (18: الإسراء) "وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى" (83: طه).




إلا أن العجلة وردت في كتاب الله في موضعين في سياق محمود:

الأول:

في قوله تعالى على لسان موسى: "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى" (84: طه) فكأن المقام وإن كانت العجلة لذاتها مذمومة، ومن وقع فيها لم يكن محموداً، فقال له ربه: "وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ " إلا أنه إذا كانت طلباً لرضا الله سبحانه وتعالى فتكون أمراً محموداً مطلوباً، وثمة لفت نظر دقيق هنا: "أن الإنسان قد يطلب أمراً محموداً مطلوباً لكنه إذا لم يقم به على الوجه الصحيح والتأني بما يقتضيه سلامة التحقق به فقد يؤدي إلى عكس المراد منه".




الثاني:

في سورة الفتح "فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (20: الفتح).




قال المفسرون:

فعجل لكم هذه أي فتح خيبر، ويلاحظ هنا أنه عبر عما قدم للمؤمنين من غنائم وفتح سريع بلفظ التعجيل، وكأنه لفت نظر أن لا يلتفتوا إلى ما في هذه الأمور الدنيوية لذاتها، فإنها من العاجلة التي لا يحسن بالمؤمنين التطلع إليها لذاتها إلا أن تكون في ظل الإيمان والطاعة وقصد وجه الله سبحانه، كما وردت في سياق التعجل في منى على وجه الإباحة مشروطاً بالتقوى، مما يؤكد أن العجلة تصرف لما ليس بمحمـود ابتداءً.




ومما سبق يتبين لنا جواب من يسأل: ألا تتعارض فضيلة المسارعة والمسابقة مع قوله صلى الله عليه وسلم: (التأني من الله والعجلة من الشيطان)، فقد تبين لنا أن المسارعة والمسابقة تكون ابتداء ولغة في الخير أو الشر لكن المطلوب منك أن تسارع إلى ما هو محمود، فالمسابقة والمسارعة مشروطة دائماً أن تكون إلى الخيرات وفي القربات، وأن تغتنم الفرص فإنها لا تعوض، كما قال صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الرقاق، ج4، ص 306، وهو حديث صحيح.




أما العجلة فتكون في طلب ما لم يحن أوانه، فمن الأمور ما يحمد فيها التأخير وحقها التأني فيها وحصولها على مهل وتدرج فمن تعجل فيها لم يكن محموداً، لأنه تعجل في غير مكانه.

يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21020
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية   26/12/15, 08:33 am

المطلب الثاني

بيان مقام السابقين والمسارعين وصفاتهم

وفيه تحليل آيات المسارعة والمسابقة من حيث النظم ولطائف البيان وفق تنزل سور القرآن الكريم:

تتبعنا السور التي ذكر فيه المسارعة والمسابقة إلى الخيرات فوجدنا هذا الموضوع قد ورد ذكره في سياقات متعددة مع تنوع في الأسلوب والنظم في سور عدة هي وفق تنزل السور القرآنية:

سورة الواقعة، فاطر، الأنبياء، المؤمنون، البقرة، آل عمران، المائدة، الحديد، التوبة . فذكرت المسابقة في: "الواقعة، وفاطر، والمؤمنون، والبقرة، والمائدة، والحديد، والتوبة".




وذكرت المسارعة في: "الأنبياء، والمؤمنون، وآل عمران"، وذكرت اللفظتان معاً في "سورة المؤمنون".




وفي هذا المطلب سنتناول آيات المسابقة والمسارعة وفق تنزلها للوقوف على مقام السابقين والمسارعين وصفاتهم، وما فيها من معان ودلالات وأسرار نظم لنعيش في ظلالها، ونستضيء بأنوارها وتوجيهاتها ومراد الله منها:




آيات المسابقة

1. سورة الواقعة:

الموضع الأول الذي ذكر فيه السبق في سورة الواقعة في قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ" (10-14: الواقعة)، هذه السورة تتحدث عن يوم القيامة والنشأة الآخرة رداً على من يشكك في ذلك، ومن ثم تبدأ السورة بوصف القيامة... ثم تفصل مصائر الأزواج الثلاثة: السابقين، وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، وتصف ما يلقون وصفاً مفصلاً أَوْفَى تفصيل...".




نعم ذكر السبق هنا جاء في سياق وصف أولئك المؤمنين الصادقين الأعلى مقاماً عند الله تعالى يوم القيامة من بين أصناف ثلاثة صنفين للمؤمنين وصنف لغيرهم، وفي هذا بيان عظيم لعظم السبق، فهؤلاء الذين سبقوا فكان ما كان لهم، لولا أنهم كانوا في الدنيا من أهل السبق في كل شيء لما كانوا كذلك في الآخرة.




وأنت تلاحظ كيف ميزهم عن أصحاب الميمنة، فمع أن أصحاب الميمنة ناجون فائزون، لكن أهل السبق أعلى مقاماً وأرفع، وأخر ذكرهم ليقترن ببيان محاسن أحوالهم، وأصل السبق -كما رأينا- التقدم في السير ثم تجوز به في غيره من التقدم، والمعنى السابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت محاسنهم ، قال الخازن: "إن قلت لم أخر ذكر السابقين وكانوا في الظاهر أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟ قلت: فيه لطيفة وذلك أن الله ذكر في أول السورة الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفاً لعباده، فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء فيرجع عن إساءته خوفاً من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجدّوا ويجتهدوا".




ومن ثم انظر إلى هذا الاختصاص (أولئك المقربون) وما يفيد لفظ الإشارة (أولئك) من الرفعة، ثم انظر إلى ما خصهم الله به من نعيم، لما كانوا عليه في الدنيا من مجاهدة وتقوى وسبق إلى كل خير، وترفع عن كل مخالفة بل عن كل شبهة.




قال الزمخشري: "السابقون: المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه، وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله".




"وجاء ذكرهم على صيغة التعجيب أي "والسابقون السابقون" من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله "وعبد الله عبد الله" أو قوله "وشعري شعري" كأنه قال وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته".




وفي ذكرهم على هذا النحو مع ما رتب عليه من بيان درجتهم وثمار ذلك في الجنان، أبلغ دعوة للتحقق واللحاق بهم وبيان فضلهم.




ويرى بعض أهل العلم أن السبق يحتمل السبق بالزمان، أو الذين سبقوا في حيازة الكمالات الدينية والفضائل اليقينية، وعلى المعنى الثاني فالمراد بالسبق هو السبق بالشرف والمقام كما قال الراغب: "يستعار السبق لإحراز الفضل وعلى ذلك "والسابقون السابقون" أي المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة"، ولا شك أن الأصوب أن يقال هم المتقدمون في الكمالات، لما أنه ذكر أن منهم قليلاً من الآخرين.




2. سورة فاطر:

الموضع الثاني الذي جاء فيه ذكر السابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ، وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ" (29 - 35: فاطر).




ذكرت الآيات أن هناك أصنافاً ثلاثة... وأكثر المفسرين أكد على أن الأصناف الثلاثة المذكورة في الآية هم من أمة الإجابة، من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لما أنه ابتدأ بقوله: "إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ" ثم عقب على ذلك بقوله: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا" أي ثم جعلنا القرآن الذي أوحينا إليك ميراثاً منك لأمتك التي اصطفيناها على سائر الأمم وجعلناها أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس والمراد (بالذين اصطفينا) أمة الإجابة".




ويؤكد هذا أنه بعد أن ذكر سبحانه الأصناف الثلاثة قال: "والذين كفروا لهم نار جهنم" مما يؤكد أن الأصناف الثلاثة على اختلاف مراتبها هم الناجون عند الله...




قال ابن جزي: "وأكثر المفسرين أن هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم"، واختاره الطبري وابن الجوزي في زاد المسير وأورد لـه ابن كثير بعض الأدلة.




وعلى هذا فقد كثرت أقوال المفسرين في بيان حقيقة هؤلاء الأصناف الثلاثة حتى بلغت في مجموع أقوال العلماء نحواً من ثلاثين قولاً.




وكما ذكر في سورة الواقعة "السابقون السابقون" ذكر هنا "ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" وقوله: "ذلك هو الفضل الكبير" يكون مختصاً بهم.




وإذن فحقيقة "السابقون بالخيرات" أولئك الذين ورثوا الكتاب حق الوراثة، فلم يكونوا كمن ورثه فلم يأخذ به ولم يقم بحقه، كما قال تعالى: "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا" (169: الأعراف).




ليتبين لنا أن ليس من شرط الوراثة مراعاة حقها، إذ الجميع ورث، لكن إنما قام بحقها على الكمال السابقون، فصدق فيهم القيام بحق الوراثة، فاستحقوا الاصطفاء التام من ربهم، واستحقوا التشريف بالنسبة إليه فكانوا عباداً حقاً لله.




وحق لنا عندئذ أن نقول إن السابقين بالخيرات هم الذين ورد ذكرهم في سورة التوبة في آخر سورة ذكرت السابقين "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (100: التوبة).




وإذا قارنت بين جزاء ومقام السابقين في سورة الواقعة وسورة فاطر وسورة التوبة رأيت شيئاً واحداً مع تنوع في التفصيل والبيان، وترقٍّ، وسيأتي بيان ذلك، ويلاحظ كما أخر ذكر السابقين في الواقعة ليوصفوا بأنهم: (وقليل من الآخرين)، أخر ذكرهم هنا، قال الزمخشري: "فإن قلت لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل القليل".




وذهب الزمخشري أن الثواب والجزاء المذكور في الآيات يختص بالسابقين، قال: "وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر فليحذر المقتصد وليملك الظالم لنفسه حذراً".




وقد نوقش الزمخشري أنه يريد بذلك نصرة مذهبه في خلود أهل الكبائر في النار، ونحن لسنا معه في هذا الصدد، إنما المراد بيان أن من وجوه تفسير الآية أن النعيم المذكور هنا اختصاص للسابقين، لبيان علو مقامهم ورفعة شأنهم عمن سواهم حتى من كان شاركهم في أصل الإيمان على رأي جمهور المفسرين.




3. سورة "المؤمنون":

والموضع الثالث الذي ورد فيه ذكر السابقين في سورة "المؤمنون"، في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" (57 - 61: المؤمنون).




واختصت هذه الآية بذكر المسارعة والسبق معاً، للفت النظر أنه بالمسارعة إلى الخيرات تطلب درجة السابقين.




فكأن السائل يقول يا رب قد ذكرت لنا في سورة الواقعة (السابقون السابقون) وذكر لنا في سورة فاطر: (ومنهم سابق بالخيرات) فكيف نتحقق بذلك فيأتي الجواب هنا إن الذين يسارعون في الخيرات هم الذين لها سابقون، أي لأجلها، وقد فصل لنا في هذه الآيات صفة أولئك الذين يسارعون في الخيرات، وطريق التحقق بذلك في قوله: "إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ".




ولئن ذكر في سورة فاطر في سياق ذكر السابقين بالخيرات "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ" (28-29: فاطر) توطئة لذكر السابقين بالخيرات، ولفتَ نظر لخصائصهم وصفاتهم، فإننا نلاحظ كذلك أن الخشية الواردة أول صفات هؤلاء المسارعين في سورة "المؤمنون" على نهج ما ألمح إليه في سورة فاطر، وهذا من التآخى والتكامل بين السورتين لتكون سورة "المؤمنون" تفصيلاً لما في سورة فاطر، وهما تفصيلاً لما ذكر في سورة الواقعة، وسيأتي مزيد تفصيل لصفات وخصائص هؤلاء السابقين، في سياق الحديث عن آيات المسارعة.




4. سورة البقرة:

الموضع الرابع الذي جاء فيه ذكر المسابقة إلى الخيرات قوله تعالى في سورة البقرة: "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (148: البقرة).




وقد جاءت هذه الآية في سياق تحويل القبلة والأمر بالتوجه إلى البيت الحرام، وعدم التأثر بما يلقيه أهل الكتاب من شبه في هذا الأمر وغيره، فالمرء عندما يكون بصدد عمل عظيم فما عليه إلا أن يجد في طلبه ويسارع فيه، ويبادر إليه، ليكون متقدماً مقدماً من غير توان، ولكنه قد تعترضه الشبهات أو المثبطات فهذا أحوج ما يكون إلى التثبيت في ما هو فيه.




ومن هنا جاء الأمر بالاستباق إلى الخيرات في هذا السياق لثلاثة ملاحظ:

الأول:

عظم ما أمرنا به وهو إقامة الصلاة متوجهين في ذلك إلى الكعبة المشرفة.




الثاني:

وجود ما يعترضنا من مثبطات وشبهات، والواجب أن لا نلتفت إليها.

الثالث:

تعدد وجهات الخلق في طلب الأمور والمقاصد، وكل يجتهد في مقصده ومطلبه، وأمام هذا التنازع والتنوع واجتهاد الخلق في طلب ما يريدون؛ فحري بأهل الإيمان والصدق أن يوحدوا القصد نحو الله والتزام ما وجه إليه، وأن يجتهدوا في هذا القصد اجتهاد من يسابق غيره حالة التحدي والاستنفار ليكون هو الأسبق، وهكذا نلحظ أن المرة الأولى التي جاء فيها ذكر المسابقة إلى الخير بصيغة الأمر كان في سورة البقرة، إذ كان ما سبقها من آيات هو بيان لمقام السابقين وصفاتهم ودرجاتهم، مما يبعث الهمة في القلب ويوجه نحو الانبعاث إلى التحقق بذلك، فلما استوى الأمر على سوقه آن أن يؤتي ثماره كاملة، فجاء الأمر الأول باستباق الخيرات في السياق المناسب؛ سياق أعظم عبادة؛ الصلاة، حالة وجود المثبطات، حتى لا تؤثر، مع وجود من يستبق إلى ما يخالف مع كونه على باطل فكيف لا تكونون مع الحق.




ليكون ذلك توجيهاً عاماً لكل المسلمين في كل مقام خير، في أي حالة من الصعوبات والتحديات، ومن هنا لم يقف علماء التفسير عند ذكر الآية على المسابقة إلى التوجه إلى القبلة، بل بينوا أنها تعم كل خير.




5. سورة المائدة:

ثم يأتي الأمر الآخر بالمسابقة إلى الخيرات في سورة المائدة في قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (48: المائدة).




ونحن إذا تأملنا السياق العام الذي جاء فيه هذا الأمر الرباني فإنه جاء أولاً في سياق ذكر أولئك الذين يسارعون في الكفر من يهود ومنافقين: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ" (41: المائدة) مع بيان آثار مسارعتهم إلى الكفر من تحريف للكلم وسماع للكذب، وأكل للحرام، ورفض لحكم الله في كل شيء، ليبين لنا في سياق ذلك شأن أولئك الذين حكموا التوراة وكانوا شهداء وحفظة لها، كما أنهم قد تحققوا بالخشية لله، فيأتي التوجيه الرباني ضمناً أن نتحقق بذلك من خلال التحقق بالخشية من الله سبحانه؛ من خلال تحكيم القرآن في كل شيء.




ثم جاء بعد هذه الآيات آيات تتحدث عن نوع آخر من المسارعة: "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" (52: المائدة)، فالمقام كله مقام مسارعة ومسابقة فإما إلى خير وإما إلى شر.




في ظل هذه الأجواء الإيمانية التربوية يأتي الأمر فاستبقوا كأنه علة لكل ما سبق:

- إذا كان الآخرون يسارعون في باطلهم.

- إذا كان القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب.

- إذا كان القرآن مهيمناً على كل كتاب.

- إذا كان لكل أمة شرعة ومنهاجاً.

- إذا كنت في هذه الدنيا محل ابتلاء واختبار، ومن ثم ستعرض أعمالك على الله وتقف بين يديه.




كيف لا تسابق إلى الخيرات بل تستبقها، وواضح من السياق أن استباق الخيرات هنا يكون بالتحقق بهذه الشرعة وذاك المنهاج على ضوء الاحتكام الكامل لكتاب الله تعالى.




لكن ما دلالات هذا التنوع في الأمر؛ مرة يقول تعالى: (يسارعون إلى الخيرات)، ومرة (هم لها سابقون)، ومرة (فاستبقوا الخيرات)، أي مرة يعدى بإلى، ومرة باللام، ومرة يعدى بنفسه، فما السر؟ هذا ما سنقف عليه  فيما بعد إن شاء الله تعالى.




6. سورة الحديد:

جاء الحديث عن المسابقة في سورة الحديد بأسلوب مختلف عن كل ما سبق، في قوله تعالى: "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ" (21: الحديد) إذ ربط الأمر بالمسابقة ببيان ثمرة هذه المسابقة وأنها المغفرة والجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، مع بيان أن هذا هو الفضل العظيم من الله... فهذه الآية بمثابة التتويج لجهاد أولئك الصادقين مع ربهم المؤمنين الذين سابقوا فصدقوا، تأتي في سياق "هذه السورة التي هي بجملتها دعوة للأمة المسلمة كي تتحقق في ذاتها حقيقة إيمانها، هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئاً... لا الأرواح ولا الأموال ولا خلجات القلوب، ولا ذوات الصدور، وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية، بينما تعيش على الأرض، موازينها موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها، هي القيم التي تثقل في هذه الموازين،كما أنها هي الحقيقة التي تُشعر القلوب بالله فتخشع لذكره: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..." (16: الحديد)، وترجف وتفر عن كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه".




في ظل هذه الأجواء الإيمانية يأتي الأمر بالمسابقة، وكما مر معنا من قبل في سياق سورة البقرة والمائدة إذ جاء الأمر بالمسابقة في بيان قضية، تثبيتاً وتحفيزاً للتحقق، ومواجهة مثبطات وتحديات، فكذا هنا يأتي الأمر بالمسابقة في مواجهة قضية الدنيا والخلود إلى الأرض، كما يأتي في سياق التحقق بالإيمان والإنفاق لنرتقي إلى مقام الصديقين والشهداء، ويأتي كذلك في سياق أولئك الذين خالفوا عن هذا المنهج من منافقين وأهل كتاب، فثمة قضية حاضرة، وثمة مثبطات لابد من مواجهتها وثمة مخالفون، في هذا السياق، يأتي الأمر بالمسابقة، ويقابل هذه الآية الأمر بالمسارعة في قوله تعالى في سورة آل عمران: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ...".




ولا بد من وقفات مقارنة بين دلالات الآيتين وألفاظهما وسياقهما، سنقف عليه فيما بعد إن شاء الله.

يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21020
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية   26/12/15, 04:07 pm

7.    سورة التوبة
ويأتي الموضع الأخير في سور القرآن الذي تحدث عن السبق والسابقين في سورة براءة في قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (100: التوبة).

لقد كانت أول آية -في التنزل القرآني- تتكلم عن السبق في سورة الواقعة في قوله تعالى: (والسابقون السابقون) مبينة جزاء الصنف الأرقى من الخلق يوم القيامة الذين تحققوا بالسبق بما طلب منهم في الدنيا  دعوة لنا لنتحقق ونعمل، بياناً لفضل أولئك عند الله، وإذ بآخر آية تتكلم عن السبق يأتي باللفظ ذاته: (والسابقون).

وكأنه يراد أن يقال لنا:
هؤلاء الذين سمعوا آيات الله تتلى عليهم تعرفهم بمقام السابقين وتدعوهم للتحقق والارتقاء، قد فعلوا وتحققوا، ولقد أثمرت آيات القرآن ومواعظه فيهم، فكانوا سابقين بشهادة ربهم، فجاءت هذه الآية لتبين لنا حال أولئك الذين فازوا بهذه الفضيلة وتحققوا بمقام السبق، الذين استجابوا لدعوة الله وتحققوا بالتربية النبوية الأصفى والأكمل، فهي طبقات ثلاث هي خير هذه الأمة التي هي في جملتها خير أمة أخرجت للناس، فالأولى: السابقون الأولون من المهاجرين، وفيهم أقوال، من أرجحها: أولئك الذين هاجروا قبل الحديبية وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وقد كانوا كلهم من المؤمنين الصادقين، ولقد مهدت سورة الحديد وهي السورة التي دعت إلى السبق إلى المغفرة والرضوان قبل هذه السورة مباشرة لذكر هؤلاء السابقين عندما قال تعالى فيها: "لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى" (10: الحديد)، ولقد كان صلح الحديبية فتحاً.

والطبقة الثانية من السابقين:
الأولون من الأنصار وهم من بايع عند العقبة الأولى والثانية. والطبقة الثالثة من الذين تبعوهم في الهجرة والنصرة اتباعاً بإحسان، أو محسنين في الأفعال والأقوال، فتضمن هذا القيد الشهادة للسابقين بكمال الإحسان، لأنهم صاروا فيه أئمة متبوعين.

ولما كانت هذه الآية هي الأخيرة التي تتكلم عن السبق والسابقين؛ جاءت بياناً عن أثر القرآن فيهم وتحققهم بمراد الله، وكان حرياً أن تتوج ببيان ثمرة هذا التحقق على الوجه الأكمل، فقال تعالى: "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" ورضوان الله أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون ويتنافس فيها المتنافسون.

فللسابقين في كل عمل فضيلة السبق والإمامة في كل عصر، ويمتاز عصر الرسول صلى الله عليه وسلم -الذي وجد فيه الإسلام وأقيم بنيانه، ورفعت أركانه، ونشرت في الخافقين أعلامه- على كل عصر بعده، وهم الأقلون المقربون كما قال تعالى: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ ، وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ" (الواقعة:10-14).

ويلاحظ القارئ أن هذه الآية –آية التوبة- في بيان أجر السابقين ومقامهم امتازت عن غيرها بأنها جمعت:
1-    رضوان الله عن المؤمنين ﴿رضي الله عنهم﴾.
2-    رضى المؤمنين عن ربهم ﴿ورضوا عنه﴾، وذلك دال على تمام توفيق الله لهم وجزيل ما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة.
3-    ﴿أعد لهم جنات﴾.
4-    ﴿تجري تحتها الأنهار﴾، وهي الآية الوحيدة التي حذف فيها حرف الجر (من) وذلك أبلغ في عظم هذه الأنهار وتنعم المؤمنين بها.
5-    ﴿خالدين فيها﴾.
6-    قوله ﴿أبداً﴾ .
7-    قوله ﴿ذلك الفوز العظيم﴾، قال أبو السعود: "وما في اسم الإشارة من معنى البعد لبيان بعد منزلتهم في مراتب الفضل وعظم الدرجة"، وسيأتي مزيد بيان لأجر السابقين.

آيات المسارعة:
    بعد أن استعرضنا آيات المسابقة، ووقفنا على بعض معانيها ودلالاتها نقف مع آيات المسارعة إلى الخيرات.

وقد جاء الحديث عن المسارعة إلى الخيرات في القرآن الكريم في ثلاث سور هي وفق التنزل القرآني:

1-    سورة الأنبياء:
في سياق الحديث عن الأنبياء وفضائلهم ومقاماتهم: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" (90: الأنبياء).

يأتي الحديث عن المسارعة في الخيرات أول ما يأتي في سورة الأنبياء؛ سورة العبودية لله، وفي سياق الحديث عن الأنبياء أنفسهم بياناً لحالهم، وأنها صفة أطهر الخلق وأصفاهم وأعلاهم شأناً فذلك أبلغ ما يكون لبيان عظم هذا المقام والدعوة إلى التحقق به.

والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله.

2-    سورة "المؤمنون":
والموضع الثاني الذي جاء فيه ذكر المسارعة إلى الخيرات في سورة المؤمنون: "إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" (57-61: المؤمنون).

فلئن كانت سورة الأنبياء تحدثت عن الأنبياء الذين يسارعون إلى الخيرات، جاء بعدها في التنزيل سورة المؤمنون لتحدثنا عن أتباع الأنبياء الذين نهجوا نهجهم، واهتدوا بهداهم، حتى كانوا على طريقهم في التحقق بهذه الخصلة السنية؛ فما أعظم هذا القرآن في تنزلاته وفي كل أسراره.


ومع هذه الآية وقفات:
01    سبقها حديث عمن شغل بالدنيا، وانقطع عن الله والآخرة، حتى ظن أن ذلك كله الخير الذي يبتغى، فقال تعالى: "أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ" (55-56: المؤمنون) وفي ذلك بيان لما يستحق أن يسارع إليه، ومن تحقق بذلك، والأمور بأضدادها تتمايز، وشتان بين المسارعة إلى الخيرات حقاً، والمسارعة إلى ما سواها...

02    قوله (أولئك) فيه ما فيه من بيان رفعتهم وعلو مقامهم في تحققهم بهذه الصفات.

03    (أولئك يسارعون في الخيرات): أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين يسارعون ويبادرون ويجدون في الطاعات لنيل أعلى الدرجات، لا أولئك الكفرة المجرمون، والتعدية للفعل يسارعون بفي بياناً لتمكنهم من هذه الصفة، وتحققهم بها، كما سيأتي بيانه.

04    لشدة مسارعتهم في الخيرات نزلوا منزلة من يسبقها (وهم لها سابقون)، قال الزمخشري: "(لها سابقون) أي فاعلون السبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها، أو إياها سابقون، أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا".


أو يقال: لها سابقون: أي معدون لفعل مثلها من الأمور العظيمة.

    والذي يتبادر لنا أن الأمر أعم من ذلك فهم لها سابقون تصوير لشدة المسارعة إلى الخيرات حتى لكأن بينهم وبين الخيرات نفسها سباقاً، وهم لشدة مسارعتهم إليها سابقون.


فهذا أصدق وأبلغ ما يكون لبيان عظيم تحقق أولئك المؤمنين بهذه الخصلة السنية.

05    سبق ذكر وصفهم بالمسارعة إلى الخيرات جملة صفات تدل على علو شأنهم، قال الرازي: "واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، فالصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله، والثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير وذلك هو نهاية مقامات الصديقين".

06    ومن المهم أن نستجلي هذه الصفات التي تحلى بها أولئك الذين يسارعون في الخيرات؛ فكان تحليهم بها سبب هذه الشهادة العظيمة لهم من الله، وهذا الثناء ﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾.

ثم إن استجلاء هذه الصفات يرسم لنا منهجاً متكاملاً لمن أرد أن يكون من المتحققين بالمسارعة إلى الخيرات ليكون من المؤمنين حقاً.

كما تبين لنا هذه الصفات أن من يسارع إلى الخيرات لا بد أن تظهر ثمرات ذلك في حياته وسلوكه، وهذه الثمرات هي التحقق بهذه الصفات، وما أجمل أن يأتي ذكر هذه الصفات والخصائص في سورة "المؤمنون" فما هي هذه الصفات والخصائص:

أ. الخشية من الله سبحانه:
﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾، والخشية من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون السابقون المتحققون بمراد الله، كيف وهي صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله، وكفى بالله حسيباً﴾ (39: الأحزاب).

وهي الصفة التي أهلتهم للقيام بحق التبليغ عن الله سبحانه وصفة من تحقق بالتزكية للنفس التي هي وظيفة الأنبياء ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير﴾ (18: فاطر)، وهي صفة العلماء ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (28: فاطر)، وهي صفة خير البرية المتحققين بالإيمان والعمل الصالح بشهادة رب العالمين لهم ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه﴾ (7-8: البينة)، فما هي الخشية؟ هي " خوف يشوبه التعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى" أو هي: "أشد الخوف".

وهذا يفيد تمكن هؤلاء المتحققين بالخشية من هذه الصفة، لما أنها مبنية على العلم، وليست مجرد مشاعر طارئة.

وإذا كان الخوف توقع مكروه، فالخوف من الله: اتقاء كل ما يكون سبباً لعقابه، وهو دافع للتحقق بكل ما يكون سبباً لمرضاته.

فإذا جمع إلى ذلك تعظيم الله وإجلاله ومهابته؛ أورث كل ذلك ارتقاءً بالعبد نحو مراد الله على الوجه الأكمل. 

ب. الإشفاق:
﴿من خشية ربهم مشفقون﴾، والإشفاق أصله من الشفق، "وهو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس، قال تعالى ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ (16: الانشقاق)، والإشفاق: عناية مختلطة بخوف، لأن المشفق يحب المشفَق عليه ويخاف ما يلحقُه".

"أو هو خوف يحمل صاحبه على تجنب أسباب الخشية بالعمل الصالح" وإذن لكمال تحقق هؤلاء المؤمنين بالخشية ظهر فيها عناية تامة منهم بمراد الله، مع الخوف منه سبحانه خوفاً حملهم على كمال اتقائه.

ج. الإيمان بآيات الله:
﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾، والإيمان في حقيقته التصديق الذي يورث عملاً وتحققاً، و ورود هذه الصفة هنا بيان لكمال تحققهم بالخشية من الله، ففازوا بصفة الإيمان الكامل، وآثار الإيمان في الإنسان لا تنتهي، وهذه الصفة ملاك كل شيء.

د. التطهر من الشرك:
﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾، إن مجيء هذه الصفة هنا تلفت نظرنا إلى أنهم تخلصوا من الشرك الخفي فضلاً عن الشرك الجلي، إذن هم متحققون بكمال الإخلاص لله، فلا يتسرب إلى قلوبهم أدنى شرك، ولا يخالط عملهم ما لا يرضي الله، ومن ثم جاءت هذه الصفة بعد ذكر الإيمان.

هـ. القيام بالطاعات والعمل على وفق مراد الله:
﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾، أي فقد ظهر أثر الإيمان فيهم جلياً، إذ أفادت الآية قيامهم بالعمل الصالح مطلقاً، ومنها الصدقات والزكوات ﴿وإيتاء الزكاة﴾ وفي قوله ﴿ما آتوا) لفت نظر إلى أنه لم يجعل لأعماله الصالحة أو لصدقاته حداً ينتهي إليه، وهذا ما يدل عليه حديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله ﴿الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل"، أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب سورة "المؤمنون" رقم 3175، وهو حديث صحيح، فدل الحديث على قيامهم بمطلق الطاعات، وكل ذلك مقترن بالإيمان والإخلاص أثراً عن خشية وإشفاق منه سبحانه.

و. وَجَل القلب:
﴿وقلوبهم وجلة﴾، والوجل: "استشعار الخوف" ، وهذا يفيد ما وصلت إليه قلوبهم من كمال المراقبة لله سبحانه، أثراً عن التحقق بما مضى من صفات، فهم عاملون، ومع ذلك يراقبون الله، خائفون أن لا يقبل منهم لشائبة في رياء أو نحوه.


فهؤلاء الكمل من المؤمنين، وتلك صفة من أراد أن يكون مسارعاً في الخيرات، ويلاحظ أنه قال هنا: ﴿في﴾ أي هم قائمون بها، ومع ذلك يسارعون، وهم لذلك إما سابقون للخير ذاته، لشدة مسارعتهم وتمكنهم منه، أو هم من أهل السبق لما تحققوا به.
وفي هذا كله مزيد من العناية بمقام المسارعين ومنهجهم وثمرة سلوكهم ذلك.

3-    سورة آل عمران :
والموضع الثالث والأخير الذي جاء فيه الحديث عن المسارعة في سورة آل عمران في موضعين:

- الأول:
قوله تعالى: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ" (113-114: آل عمران)، إذا كان سياق سورة "المؤمنون" وصفاً لحال أتباع الأنبياء، ومن ثم دعوة لنا للتحقق، فإن الحديث هنا عن فئة خاصة من المؤمنين من أهل الكتاب في جملة صفات إيمانية، وذلك متناسب مع موضوع سورة آل عمران التي تتضمن محاججة أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإذعان للحق ومحاورتهم في كثير من قضاياهم وحججهم.

- الموضع الثاني:
في قوله تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ" (133-136: آل عمران) لما سبق بيان أن المسارعة إلى الخيرات صفة أكمل الخلق؛ الأنبياء، وصفة أتباع الأنبياء والمؤمنين من أهل الكتاب، جاء الأمر لنا للتحقق بذلك كله لنسير على هدي الأنبياء ونكون من أتباعهم حقاً، وهذا التسلسل فيه ما فيه من كمال الحض على التحقق، وبيان فضيلة المسارعة إلى الخيرات والمغفرة ومقام أصحابها.

    ويقابل هذه الآية آية سورة الحديد التي جاء فيها قولـه تعالـى: "سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..." وسنرى ما بين هاتين الآيتين من فروق، ولِمَ كان نظم كلٍ كذلك، لكنه يلاحظ:

-    أن ثمة وحدة موضوعية بين سورتي آل عمران والحديد فبحسب نظرية الشيخ سعيد حوى في الوحدة القرآنية يرى أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة وكذلك سورة الحديد، ولا يتسع المقام لبسط ذلك فليراجع.

-    جاء قوله تعالى (سابقوا) في الحديد بعد ذكر الدنيا وملذاتها والتوجيه إلى عدم الاغترار بها، ونجد هذا المعنى يُطرق بقوة في سورة آل عمران في أكثر من موضع: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (14: آل عمران)، كما جاء قبل قوله تعالى (وسارعوا) ذكر النهي عن أكل الربا... وهو من متعلقات الدنيا.

-    جاء في سورة الحديد ذكر الخشية من الله وعدم قسوة القلب، والتحقق بالصديقية والشهادة، وفي سـورة آل عمـران: "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" (79: آل عمران).

-    وفي سورة الحديد حث على الإنفاق ثمرة الإيمان، وفي سورة آل عمــران: "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (92: آل عمران).

-    وفي سورة الحديد حديث عن أهل الكتاب، وحديث عن نوح وابراهيم وعيسى، وسورة آل عمران فصلت في ذلك كله.

-    في سورة الحديد بعد آيات المسابقة "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"، وجاء في سورة آل عمران بعد آيات المسارعة: "وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (139: آل عمران).

-    وكما نهى عن الفرح في سورة الحديد جاء في آل عمران: "لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ" (188: آل عمران).
 
-    وختمت سورة آل عمران "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".

وكان في ختام الحديد "يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله...".

-    ومما يظهر الوحدة بين سورتي آل عمران والحديد أنه جاء في سورة آل عمران حديث عن الربانيين "ولكن كونوا ربانيين" (79: آل عمران) وهم الصديقون، وحديث مفصل  عن الجهاد والشهادة في سياق الحديث عن بدر وأحد.

وجاء كل ذلك مجملاً في سورة الحديد قبل آية من ذكر المسابقة في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (19: الحديد).

ويبقى السؤال ما الفرق بين الآيتين ولِمَ جاءت كل واحدة منها على هذا النحو؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه.

    هذا غيض من فيض في بيان ما بين سورتي آل عمران والحديد من صلات ووشائج، وهما السورتان اللتان اشتملتا على هاتين الآيتين (سارعوا) (سابقوا).

الفروق البيانية بين آيتي آل عمران والحديد:
    يلاحظ أن سورة آل عمران أسبق نزولاً من سورة الحديد وقد جاء النظم في سورة آل عمران:-


(وسارعوا) بينما في سورة الحديد (سابقوا).

-    في سورة آل عمران (جنة عرضها السموات) بينما في سورة الحديد (جنة عرضها كعرض)، فكرر هنا كلمة عرض، مع كاف التشبيه.

-    جاء ذكر السموات بصيغة الجمع في آل عمران بينما جاء بصيغة المفرد في الحديد.

-    جاء في سورة آل عمران (أعدت للمتقين) بينما جاءت في سورة الحديد (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله).

فهل من سر وراء ذلك كله ؟ نعم إن أسرار كتاب الله لا تنقضي، وإن وراء كل حرف وكلمة لأسراراً تدعونا للبحث والتأمل.

قال أبو السعود: "(سارعوا) أي بادروا وأقبلوا إلى ما يؤدي إليهما –المغفرة والجنة- وقيل إلى التوبة، وقيل إلى الإسلام، وقيل إلى الإخلاص، وقيل إلى الجهاد، وقيل إلى أداء الواجبات وترك جميع المنهيات"، أقول: ولا شك أن الآية تشمل ذلك كله، ثم قال أبو السعود: "وتقديم المغفرة على الجنة كما أن التخلية مقدمة على التحلية، والتعرض إلى الربوبية أي قوله (من ربكم) مع ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم".

وقوله (عرضها السموات والأرض) "أي عرضها عرض السماوات والأرض وصفها بالسعة والبسطة فشبهت بأوسع ما علمه الناس في خلقه وأبسطه، وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول".

    أمّا قوله تعالى (سابقوا) أي سارعوا مسارعة المتسابقين لأقرانهم في المضمار، وقوله (كعرض) "أي كعرض سبع سماوات وسبع أرضين".

    وفي ذكر السعة والبسطة في سياق المسارعة والمسابقة تناسب عجيب، يدل على سعة ميدان الخير، وسعة ميدان المسابقة، مما يقتضي مزيد بذل ورغبة وإقبال وشدة تنافس في هذا الخير، وما يترتب على ذلك كله من بسط في العطاء.

    وللإجابة عن الفروق بين آيتي آل عمران والحديد يقول البقاعي:
"سابقوا: فعل من يسابق شخصاً فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قريناً بطيئاً فسار هويناً، أما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف ، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ، لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلاً ورأساً لذلك كانت جنتها للمتقين".

أي ناسب المتقين أن يخصهم بالمسارعة، كما أن فيها معنى أقصى البذل دون النظر لمقارن أو منافس. وناسب المؤمنين أن يخصهم بالمسابقة لما تتضمن من معنى المنافسة ووجود ما يدفع إلى المسابقة وهو وجود القرين، ويلاحظ أيضاً تكامل بين الآيتين أي سارعوا فكأنّ قائلاً يقول: كيف نسارع؟ فقيل مسارعة المتسابقين الذين بذل كل واحد منهما أقصى الجهد وغايته، ولذا كان تنزل سورة الحديد بعد سورة آل عمران، ومعنى آخر يتبادر إلى الذهن في بيان لِمَ جاء لفظ سارعوا في آل عمران وسابقوا في الحديد؟.

أنه سبق في سورة الحديد ذكر لفضيلة صنفين خاصين من المؤمنين هما الصديقون والشهداء، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُم" (19: الحديد).

فناسب أن يعقب ذكرهم بلفظ المسابقة لوجود النموذج الذي سبق (الصديق والشهيد) وأنت أيها المؤمن مدعو لتلحق بهما...

أما سياق الآيات في سورة آل عمران فقد جاء في جملة أوامر: (... لا تأكلوا الربا... واتقوا النار ... وأطيعوا الله والرسول ...) في سياق التعقيب على بدر والتمهيد للحديث عن أحد مما يقتضي قياماً بالأمر ذاته لذاته على أكمل وجه بقطع النظر عن أي مقارنة.

    ثم جاء النظم في سورة آل عمران على حذف المضاف (أي عرضها السموات والأرض) بينما جاء في الحديد كعرض السماء، قال في ملاك التأويل: "إن آية آل عمران على حذف المضاف أي عرضها مثل عرض السماوات والأرض، وقد أوضحت آية الحديد بما يقوم مقام هذا المضاف ويحصل معناه وهو كاف التشبيه إذ معناها معنى مثل وحذف المضاف مما يكون كثيراً عند قصد المبالغة وكذا جعل الشيء نفس الشيء".

    والمراد أن كل آية حملت وجهاً من وجوه المبالغة في بيان عظم أمر الجنة التي يدعونا ربنا إليها، فآية آل عمران المبالغة فيها من حيث حذف المضاف لما في ذلك من معنى إقامة المشبه مقام المشبه به فكل ما يطلق عليه عرض في السماوات والأرض بكامل هيئتهما هو عرض للجنة، وآية الحديد جاءت فيها المبالغة من تكرار كلمة العرض، فاختصت آية الحديد بما يقوم مقام المضاف الذي حذف في سورة آل عمران لكن في سورة آل عمران أبلغ، لماذا؟ لِما أنَّ سياقها سياق الحديث عن الجهاد والشهداء مفصلاً، ولِما وقع في بدر وأحد ولِمقام الجهاد والشهادة، فإن ذلك كله يستدعي مزيداً من الترغيب فناسب أن يكون الأمر على هذا النحو من المبالغة في سورة آل عمران، إضافة إلى أن السياق سياق الحديث عن المتقين الأرقى مقاماً والربانيين، الذين هم الصديقون، وقد جاء كل ذلك مفصلاً، بينما ذكر كل ذلك في الحديد مجملاً فاقتضى ذلك كله أن تكون صيغة سورة آل عمران أبلغ.

    وَلِمَ جاء اللفظ جمعاً للسماوات في آل عمران بينما أفرد في الحديد؟
    كما سبق أن المقام في آل عمران مقام تفصيل أمر الجهاد والشهادة، وحديث عن أعلى مقامات المتقين وصفاتهم، وفيها حث على التجرد عن النفس والمال، وجميع الحظوظ الدنيوية أصلاً ورأساً، بينما في سورة الحديد كان الحديث عن هذه المعاني مجملاً وكان الحث على التجرد عن الدنيا وحسب (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ...) فجاء اللفظ (في السماء) بما يناسب كلاً من التفصيل والإجمال والموضوع.

    ولم جاءت آية المسارعة قبل آية المسابقة في التنزيل وفي ترتيب المصحف؟
    إن المسارعة إلى الشيء قبل مسابقته كما قال تعالى: "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" فمن سارع إلى شيء قد يحصل له مطلوبه وقد لا يحصل، أما من سبق فلا تطلق إلا لمن حصل له مطلوبه ولا يكون ذلك إلا لمن سارع في نفس الأمر.

    وبعد: فهذه لطائف من أسرار النظم القرآني، وغيض يسير من فيض عظيم، ويبقى في آيات القرآن من الأسرار والروائع والإعجاز والكنوز، ما يجعله بحق كتاباً خالداً للتفكر والتدبر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يحيط بكتاب الله وأسراره إلا هو سبحانه وتعالى، ويلهم الله من يشاء من عباده من الفهم ومعرفة الأسرار ما يلهم.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21020
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية   26/12/15, 06:08 pm


المطلب الثالث
ميادين المسارعة والمسابقة
أولاً: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات:
    وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم في مواطن عدة في سورة البقرة: (فاستبقوا الخيرات" (148) وسورة المائدة: "فاستبقوا الخيرات" (48).

كما جاء في سورة الأنبياء:
"يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً" (90).

وفي سورة المؤمنون:
"يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" (61).

    ولئن سبق الحديث عن المسارعة والمسابقة ودلالة كلٍ؛ بقي أن نقف على المراد من قوله: (الخيرات) ولماذا جاء النظم مرة، وقد عدّى الفعل بنفسه (فاستبقوا الخيرات) ومرة بفي (يسارعون في الخيرات)، ومرة بالباء في قوله تعالى: (ومنهم سابق بالخيرات)، ومرة بإلي في قوله تعالى (وسارعوا إلى..) فمرة عدى الفعل بفي ومرة بإلى.. لكن مع الخيرات لم يعد إلا بفي والباء، وعُدِى باللام في قوله تعالى (وهم لها سابقون) فما أسرار ذلك؟

    لقد تكلم علماء الإعجاز عن وظيفة الحرف في القرآن الكريم ذكراً أو حذفاً وتغايراً في المواطن المتشابهة، وبينوا أن لكلٍ سره ووظيفته ورسالته، حيث لا ينوب حرف مكان حرف.

    وسنحاول أن نفيد من بعض ما ذكروه في مواطن أخرى، ونقيس عليها ما استطعنا.

    فالتعدية بفي  فيها معنى التحقق من الشيء والتمكن فيه، إذ تستعمل في للظرفية، وهذا يدل على شدة المسابقة إلى الخيرات وتمكنهم منها وتغلغلهم في أعماقها، ومن ثم كانت في تفيد التوكيد هنا أيضاً، كما أن التعدية بفي تفيد تضمين معنى المسارعة: الجد والرغبة في الأمر.

    أما التعدية بإلى في قوله تعالى:
(سارعوا إلى …) و (سابقوا إلى…) فلأن حرف إلى يفيد انتهاء الغاية الزمانية وتارة المكانية، وهنا لما كانت الدعوة إلى المغفرة والجنة فهما غاية ما يتطلع إليه كل مؤمن وهو الفوز بمغفرة الله ورضوانه وجنته، ففي ذلك الإشارة إلى انتهاء الغاية معنى ورتبة ومكاناً.

    ومعنى آخر في الفرق بين التعدية بِ"في" و"إلى" أنك إن كنت في الخير أصلاً وتريد أن ترتقي تقول: سارع في الخيرات، فأنت مظروف في الخير، وتريد الارتقاء، أما من كان خارجاً عنه؛ فيقال له: سارع إلى الخيرات.

    أما التعدية باللام في قوله:
(هم لها سابقون) فاللام لها معان كثيرة، ففيها معنى الاستحقاق ومعنى الملك ومعنى الاختصاص والتعليل وغير ذلك من المعاني.

وإذا نظرنا في قوله تعالى: (وهم لها سابقون) رأينا أنها تفيد معنى التعليل أي لأجلها.

    وعدي بالباء في قوله:
(سابق بالخيرات) فتحتمل سابق بسبب الخيرات، أو للدلالة على شدة التصاقه بالخيرات، وتدل على الاختصاص فهم سابقون بالخيرات لا بغيرها.

أما إذا عدي الفعل بنفسه:
(فاستبقوا الخيرات) ففي ذلك لفت نظر إلى شدة المسابقة والمسارعة إلى التحقق ودعوة إلى سرعة المبادرة إلى هذه المسابقة، كأن الخيرات سابقة ولكن مع سبقها فإنهم استبقوها وأدركوها وتحققوا منها، ولذا قال الألوسي: "والمراد بسبقهم إلى الخيرات ظفرهم بها ونيلهم إياها، وقال: والمراد بسبقهم إياها لازم معناه وهو النيل، أي وهم ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا".

المراد بالخيرات:
    الخير ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلاً، والعدل والفضل والشيء النافع وضده الشر، والخير المطلق ما كان مرغوباً فيه بكل حال وعند كل أحد.

فهي كلمة جامعة، ثم نظر بعض أهل العلم في معنى الخيرات في ضوء سياقها الخاص.


ومما ورد في ذلك: قال الزمخشري:
"فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة".

وواضح أن هذا خاص بسياق تحويل القبلة. قال أبو السعود: "فاستبقوا الخيرات أي تسابقوا إليها بنزع الجار.. وهو أبلغ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق، والمراد بالخيرات جميع أنواعها من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة".

    وإذا تأملنا السياقات التي ورد فيها الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات يتبدى لنا الميدان فسيحاً عاماً شاملاً:
1-    في سياق تحويل القبلة وما يترتب على ذلك من المبادرة إلى أمر الله وطاعته على أي وجه كان ومخالفة المعرضين، وحسن إقامة الصلاة على الوجه الذي فرض الله.

2-    في سياق الدعوة إلى العمل بكتاب الله والقيام بحقه والحكم به واتخاذه شرعة ومنهاجاً:
"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (48: المائدة).

كأنه قيل:
فاستبقوا إلى التحقق بالكتاب واتخاذه شرعة، منهاجاً، وحكموا كتاب الله في كل شيء، فإذا أنتم فعلتم ذلك كنتم متحققين بالخير كله.

3-    في سياق صفة الأنبياء:
"إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" (90: الأنبياء), وفي ذلك بيان أن كل ما دعا إليه الأنبياء خير، وكل أحوالهم خير، والإقتداء بهم هو الخير، ومن ثمراته الإقبال على الله بالعبادة والدعاء رغباً ورهباً ومن ثم التحقق بالخشية الكاملة.

4-    في سياق صفة أهل الإيمان:
"إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" (57 - 61: المؤمنون).

مما يدل أن من تحقق بمجمل هذه الصفات فهو المسارع إلى الخيرات السابق لها وهي:
-    الخشية من الله خوفاً وإشفاقاً من عقابه وتعظيما لجلاله .
-    الإيمان بالآيات تصديقاً وعملاً وتحقيقاً.
-    تحقيق كمال التوحيد والتنزه عن كل مظاهر الشرك.
-    الإخلاص مع الخوف والوجل من الله، والتحقق بكل مراداته والإتيان بما أمر به سبحانه، فمن فعل ذلك فهو المسارع إلى الخيرات.

5-    في سياق صفة الخواص المؤمنة من أهل الكتاب في قوله تعالى:
"لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ" (113- 114: آل عمران) فإن من تأمل خصائص هؤلاء يدرك ميدان المسابقة والمسارعة.

فهذا أنموذج لأمة استقامت على ما أتاها به نبيّها، وثبتت على ما شرعه، مع القيام بالأعمال الأرقى، والأكمل فكانوا يتلون كتاب الله، ويقومون به في آناء الليل وأطراف النهار، مصدقين، عاملين بما فيه، فكان ثمرة ذلك كله تحصيل الاستقامة في أنفسهم، ثم يقوّمون غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يؤدي أن لا يتركوا فعلاً ما هو خير إلا ويقومون به مسارعين مبادرين، فشملت هذه الآية "يسارعون في الخيرات" نشاطهم في الخير بجميع أنواعه كبر أو صغر، وليرغبنا بذلك قال: "أولئك من الصالحين" مبيناً أجرهم "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه" واصفاً لهم بالتحقق بالتقوى "والله عليم بالمتقين".

فدل ذلك أن المسارعين إلى الخيرات هم من تحقق بالصفات الآتية:
-    تلاوة الكتاب.
-    القيام به آناء الليل وأطراف النهار.
-    الإيمان والتصديق بما فيه عملاً وتحققاً.
-    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثمرة ذلك كله الصلاح والتقوى، فمن فعل ذلك كان مسارعاً إلى الخيرات حقاً.

6-    وجاءت الدعوة إلى المسابقة بالخيرات في قوله تعالى:
"ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" (32: فاطر) وقد سبق إيراد أقوال المفسرين في معنى ذلك، فإذا تأملنا خصائص المسارعين والسابقين وصفاتهم التي ذكرت في سياق الدعوة إلى الخيرات أدركنا ميادين المسابقة والمسارعة، فالميدان الأول للمسارعة والمسابقة الأعم هو الخيرات، كل الخيرات، وما تقتضيه مما فصل في سياق وصف المتحققين بهذه الخيرات.

ثانياً: المسارعة والمسابقة إلى المغفرة والجنة:
    الميدان الآخر للمسارعة والمسابقة، ما تضمنه قوله تعالى: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" وقوله تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"..

وهما ميدانان رئيسان:
-    طلب أسباب المغفرة والتحقق بها.
-    طلب الجنة والتحقق برضوان الله.

ومن تأمل في هذين الأمرين يجدهما شاملين لكل شيء:
كأنما يقال لنا هذان الأمران الجديران بكم أن تسارعوا إليهما، وأن تسابقوا في تحصيلهما وليس أي شيء آخر من أمر الدنيا، ولذا سبقت آية آل عمران بالحديث عن بدر كنموذج عملي للمسابقة والمسارعة إلى المغفرة والجنة من خلال طلب الجهاد والشهادة، كما حذرت من الاغترار بالدنيا بما يضيع حق الله والاستعداد لليوم الآخر، فجاء النهي عن أكل الربا ، وكذا سبقت آية الحديد بالحديث عن صفة الصديقين والشهداء صفة من طلب المغفرة والجنة، وبينت لنا حقيقة الدنيا وحذرت منها، ليبين أن الجدير بكم طلب المغفرة والجنة بالإعراض عن الدنيا وملذاتها إذ بعد أن بين حال الدنيا جاء قوله (سابقوا) حتى لا يركن الإنسان إلى الدنيا مهما كان الأمر صغر أو كبر، ليصرف الكمل من العباد همهم عنها لسفولها وحقارتها بالنسبة إلى الآخرة، حيث الكمال والبقاء، ليرغبوا غاية الرغبة بها، ويشتاقوا كل الاشتياق إليها.

آراء المفسرين في قوله تعالى:
"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض".

ويلاحظ أن المفسرين تكلموا عن ميدان المسارعة والمسابقة في إطار سياق الآيات، فقال ابن عباس: "سارعوا أي بادروا بالتوبة من الربا وسائر الذنوب إلى تجاوز من ربكم إلى الجنة بالعمل الصالح، وترك الربا، وهذه الجنة خلقت للمبتعدين عن الفواحش وأكل الربا".

وقال أبو السعود:
"سارعوا إلى ما يؤدي إليهما، وقيل إلى التوبة وقيل إلى الإسلام، وقيل: إلى الإخلاص، وقيل: إلى الجهاد وقيل: إلى أداء الواجبات وترك جميع المنهيات".

وقال ابن عاشور:
"سارعو أي إلى طاعة الله والرسول إذ إن جملة (سارعوا) بيانية أو بدل اشتمال لجملة (أطيعوا الله ورسوله) -يقصد أنه سبق قوله (سارعوا) قوله تعالى: "أطيعوا الله ورسوله"- لأن طاعة الله ورسوله مسارعة إلى المغفرة والجنة، ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصالحة جاز عطف الجملة على جملة الأمر بالطاعة.

ثم قال:
وقد تكون السرعة حقيقية وهي سرعة الخروج إلى الجهاد "وإذا استنفرتم فانفروا" والمسارعة على التقدير -أي على المجاز- تتعلق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة".

ويقول الرازي:
"سارعوا إلى المغفرة والرضوان، ولا شك أن الموجب للمغفرة والرضوان ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات".

ونقل عن علي بن أبي طالب قوله:
أنها الفرائض وعن عثمان أنه الإخلاص، وقال أبو العالية: هي الهجرة، وخصها بعضهم بالصلوات الخمس، ولا شك أن كل ذلك مراد.

ومما يجدر بالذكر أن الله تعالى بين هنا أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة؛ تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب، والجنة معناها إيصال الثواب فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.

ومهما حاولنا أن نقف على ميادين المسارعة والمسابقة من خلال هذين الأمرين:
تحقيق أسباب المغفرة، والوصول إلى جنة الله ورضوانه، فلن نحيط بذلك وسيخرج بنا الأمر عن نطاق خصوصية الموضوع مما يقتضي أن نستقصي أسباب المغفرة وأسباب نيل رضوان الله في القرآن، وهذا عام في كل كتاب الله، مما يشعرك أن الدعوة إلى المسارعة والمسابقة ميدانها فسيح عظيم، أُجمل بهذين الأمرين الجامعين المانعين المبنيين على طاعة الله ورسوله كما بين ابن عاشور.

لكن لنقف مع الآيات وقفة موجزة نتبين من خلالها أسباب المغفرة ونيل الجنة بإيجاز.

إذ بينت الآيات أن المغفرة والجنة للمؤمنين، ثم شأن هؤلاء المؤمنين أن يرتقوا بإيمانهم إلى التحقق بالتقوى، فختمت آية الحديد بالإيمان "أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله" وختمت آية آل عمران بالتقوى "أعدت للمتقين"، ثم فصلت آية آل عمران متى نكون متحققين بالتقوى، لنكون ممن سارع إلى المغفرة والجنة..

فذكرت الصفات الآتية:
-    الإنفاق في السراء والضراء.
-    كظم الغيظ.
-    العفو عن الناس.
-    الإحسان "والله يحب المحسنين".
-    المبادرة إلى التوبة وترك المعاصي، وعدم الإصرار على الذنوب مهما دقت، باستذكار عظمة الله سبحانه والإكثار من الاستغفار.

-    ولما كانت الآيات في السورتين جاءت في سياق الحديث عن الجهاد والشهادة والصديقية علمنا أن ذلك من أسباب المغفرة وطلب الجنة، وذلك كله مبني على: "أطيعوا الله ورسوله" فهذه ميادين المسارعة والمسابقة كما ترشد إليها الآيات في ألفاظها وسياقها، ولعل من الجدير التنويه هنا أنه كما جعلت سورة آل عمران من خصائص المسارعين إلى المغفرة والجنة: الإنفاق، كذلك ذكرت سورة الحديد هذه الصفة في قوله تعالى: "إن المصدقين والمصدقات، وأقرضوا لله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم".

نخلص من كل ما مضى أن القرآن أجمل لنا ميادين المسارعة والمسابقة في ثلاثة أمور:
-    الخيرات.
-    طلب أسباب المغفرة.
-    طلب الجنة ورضوان الله.

وبالتأمل فإن الأمرين الثاني والثالث كالتفسير للأمر الأول متضمناً الأمر الثاني التخلية والتطهر والأمر الثالث التحلية والتحقق والارتقاء.

وهذه حقيقة التزكية:
تطهر وتحقق وتخلق ، ومن ثم وصفوا بالمتقين، وللتحقق بهذا جاء الأنبياء "كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون" (151: البقرة).

فيكون مجمل ميدان المسارعة والمسابقة التحقق بالتزكية ومقتضياتها، وثمارها، التي لأجلها بعث الأنبياء صلوات الله عليهم.

المطلب الرابع
ثواب السابقين والمسارعين إلى الخيرات
تحتاج النفس البشرية باستمرار إلى ما يؤكد جوانب الخير فيها ويدفعها نحو الارتقاء والاتقاء والتحقق وطلب المعالي، ويحول بينها وبين الشر والارتكاس، ولذا نلاحظ كيف عنيت آيات القرآن الكريم ببيان عظيم ثواب الصالحين العاملين المؤمنين المتقين، والترغيب بما عند الله سبحانه وتعالى لأولئك، وفي المقابل التحذير الشديد من عاقبة المعرضين الغافلين المخالفين عن أمره.

وأثر الترغيب والترهيب أمر جلي واضح في حياة الإنسان، فتجد من مناهج التربية الناجحة أن تعد الحوافز والجوائز والمكارم لأولئك المتميزين، والتي تكون سبباً لدفع المتسابقين للتميز والتفوق.

ونلحظ في حياة الإنسان أنه كلما ازداد عطاؤه وأثره في الحياة زيد في عطائه.

كما نلحظ أنه لولا القوانين الرادعة والعقوبات على الجرائم؛ فإنه لا يمكن أن ينضبط مجتمع ما، مهما بلغ من الرقي.

فإن أرقى مجتمع على الإطلاق -مجتمع الصحابة- وقعت من بعض أفراده بعض المخالفات، وجاءت التشريعات العامة للتقويم والتصحيح.

وعلى هذا النحو كانت عناية آيات القرآن بثواب المسارعين السابقين إلى الخيرات في الدنيا والآخرة، إلهاباً للعواطف، وإيقاظاً للهمم، وحثاً نحو العمل، فكيف حدثنا القرآن عن ثواب المسارعين المسابقين؟

أولاً: ثواب السابقين المسارعين في الدنيا:
إذا تأملنا آي الذكر الحكيم نجدها توقفنا على ألوان عظيمة من العطاء الإلهي لهؤلاء المسارعين السابقين في الدنيا قبل الآخرة تنويهاً بحسن فعالهم، وإقراراً بفضلهم ومكانتهم عند ربهم، وإحساناً لمن أحسن في الدنيا قبل الآخرة، وزيادة في علمهم وفهمهم ورفعاً لهممهم وقدراتهم ليطلبوا بها مزيداً من الارتقاء والعطاء..
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21020
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية   26/12/15, 06:20 pm


فمن ذلك:
1.    التطهير والتزكية:

قد علمنا أن من صفات هؤلاء السابقين ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ﴾ (60: المؤمنون) ويدخل في ذلك الصدقة والإنفاق، وكذا من صفاتهم: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾ (134: آل عمران)، وقد وعد الله من كان كذلك بأن يطهرهم ويزكيهم، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (103: التوبة)، ومنه أن يصرف عنكم السوء والفحشاء: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ (24: يوسف) ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ (42: الحجر)، وأنعم به من عطاء رباني كريم.

2.    الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا وتحققهم بالسكينة:
فهؤلاء المسارعون السابقون قد تحققوا بالإيمان ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ (21: الحديد)، وقد وعد الله هؤلاء بالحياة الطيبة إذ قال سبحانه: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ وقال تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ (4 : الفتح).

3.    التمكين في الأرض وتحقيق الأمن والنصر لهم:
فالله تعالى يقول: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ (82: الأنعام)، ويقول: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً﴾ (55: النور)، وقد رأينا أن من صفات هؤلاء المسارعين السابقين إخلاص العبودية لله، وقيامهم بالإعمال الصالحة، بل والمسارعة إليها، وقال تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (171-173 الصافات). 

4.    سعة الرزق:
فالله تعالى يقول: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ (96 الأعراف)، ولا شك أن هؤلاء السابقين المسارعين ممن آمن واتقى، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ (133: آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ (21: الحديد)، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (2: الأنفال)، ثم بين من جزاء هؤلاء فقال: ﴿أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ﴾ (4: الأنفال)، وقد رأينا أن من صفات السابقين المسارعين ﴿وقلوبهم وجلة﴾ (60: المومنون).

5.    أئمة هداية بين الخلق:
وهذا من الجزاء الدنيوي المعجل لهم، أن يجعلهم الله سبحانه وتعلى أئمة هداية، وقدوة بين الخلق، فالله تعالى علمنا أن ندعو فنقول: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ (74: الفرقان)، وهؤلاء المسارعون السابقون من أخص صفاتهم التقوى، والله تعالى يقول في سياق الحديث عن أتباع موسى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (24: السجدة)، وهؤلاء السابقون كانوا من الصابرين الموقنين، كما جاء في وصفهم في سورة آل عمران: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ (134: آل عمران) ﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ (58: المؤمنون)، وقد وصفوا بالخشية والإشفاق، وغيرها من الصفات.

6.    حفظ الذرية وإصلاحها:
يقول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ (22: الطور)، وقال تعالى في حق الغلامين: ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ (82: الكهف)، أي فحفظ لهما كنزهما لهذا الأمر الجليل، وبين أن الملائكة تدعوا لهؤلاء المؤمنين، ومن دعائها: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم، وقهم السيئات﴾ (8-9: غافر)، مع قوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ (23: الرعد)، مما يبين أن في صلاح الآباء صلاح الذرية وحفظها إلا من سبق عليه الكتاب، وهذا من غاية العطاء الدنيوي والأخروي، ويستتبع ذلك إصلاح الأهل: ﴿وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ (90: الأنبياء). 

7.    دعاء الملائكة لهم:
قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم، وقهم السيئات﴾ (7-8 غافر).

8.    استجابة دعائهم:
قال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (186: البقرة)، وهؤلاء ممن ثبتت عبوديتهم لله تعالى، وقال تعالى: ﴿فاستجبنا له ووهبنا له يحيى، وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ (90: الأنبياء).

9.    وراثة الأرض:
قال تعالى: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ (128: الأعراف)، وقال: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (105: الأنبياء)، وهؤلاء المسارعون السابقون متقون صالحون عابدون. 

10.    العلم والحكمة:
إن كونهم من المحسنين كما قال تعالى في وصفهم في آل عمران آية 134، يؤكد أنهم ينالون ما أعد الله للمحسنين من جزاء في الدنيا قبل الآخرة، ومن ذلك ما ورد في سورة يوسف: ﴿ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً، وكذلك نجزي المحسنين﴾ (22: يوسف)، ومنه قوله تعالى على لسان صاحبي يوسف: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ (36: يوسف)، ومنه قوله تعالى: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (90: يوسف)، فرأينا كيف منّ الله على يوسف ومكنه وجعل له الحظوة في الدنيا والقبول بين خلقه، وبعد؛ فهذا غيض من فيض من فيوضات الرحمن الرحيم الكريم المنعم على عباده المؤمنين المسارعين المسابقين إلى الخيرات، وحسبك هذه الآية الجامعة ﴿قد أفلح المؤمنون﴾، ابتدأ بها سبحانه السورة التي خصها لبيان صفة أولئك المسارعين السابقين، فلله سبحانه الحمد والمنة.

ثانياً: ثواب السابقين المسارعين في الآخرة:
في معظم الآيات التي جاء فيها ذكر المسارعة والمسابقة إلى الخيرات يربط ذلك ببيان ثواب وجزاء ذلك في الآخرة:
إنه الجنة، وهل أعظم من الجنة جزاء؟ إن نيلها يعني الفوز بالمغفرة من الله، ونيل رضوانه، والنظر إليه، والقرب منه سبحانه، ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم﴾ (20-22: التوبة)، فانظر كيف قرن سبحانه بين رحمته ورضوانه وجنته، وذلك غاية المنى، ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (22-23: القيامة)، وعندما تأتي لتقف مع ما أعد الله للمسارعين المسابقين تجد ذكر الجنة حاضراً دائماً، ولكن بتفصيل خاص، فيه المزيد من الحفاوة والتكريم، مشتملاً على المنزلة الرفيعة والمكانة العالية التي نالها أولئك السابقون في الجنة..

مع التفصيل لصفة هذه الجنة وما فيها من نعيم:
ـ في سورة الواقعة:
ذكر السابقون في سورة الواقعة، فقال ربنا: ﴿والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، على سرر موضونة، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاءً بما كانوا يعملون، لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً، إلا قيلاً سلاماً سلاماً﴾ (10-26: الواقعة).

فإذا تأملنا في ثواب هؤلاء السابقين ماذا نجد؟
1.    أنهم المقربون من ربهم:
﴿أولئك المقربون﴾، وهذه أعظم نعمة يسعى إليها العاملون المؤمنون، الذين يقول في حقهم سبحانه في هذه السورة: (فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنت نعيم﴾ (88-89: الواقعة).

2.    أن لهم جنات النعيم:
﴿في جنات النعيم﴾، والملاحظ أنه كلما ذكر أجر السابقين المسارعين وذكر أن ثوابهم الجنة يأتي ذكر الجنة بصفة الجمع ﴿جنات﴾ أو ببيان ما يدل على عظمها، فهاهنا في سورة الواقعة قال ربنا: ﴿جنات النعيم﴾ وكذا في سورة فاطر: ﴿ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها﴾


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم دراسة موضوعية بيانية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: القـرآن الكـريم :: كتابات متنوعة في القرآن الكريم-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: