منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 كتاب: حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17527
العمر : 65

مُساهمةموضوع: كتاب: حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر   18/11/15, 06:52 am

كتاب: حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر
الشيخ/ سليمان الماجد
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمــة
الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فقد جعل الله تعالى الأرض ذلولاً وسلك فيها فجاجاً سبلاً ليسعى الناس في مناكبها لمصالحهم في الدين والدنيا ؛ كطلب العلم أو الجهاد أو الحج والعمرة، أو لطلب الرزق من وظيفة أو تجارة، أو لأغراض أخرى من زيارة أو نزهة ؛ فصار الإنسان في سعيه لهذه المصالح بين حَلٍّ وتَرحال.

فإذا سافر المرء ثم نزل لشيء من هذه الأغراض بدا لـه سؤال قديـم جديد وهو إلى متى يُشرعُ لـه قصرُ الصلاة والفطرُ في نـهار رمضان؟

وقد تنوعت مذاهب الناس في ضبط ذلك فمنهم من يرى نفسه مقيماً يجب عليه الإتمام والصوم إذا نوى النـزولَ مدة معينة ، وهي أربعة أيام، وقريب من هؤلاء من جعل هذه المدة خمسةَ عشر يوماً.

ومنهم من يرى أن وجوب الإتمام والصوم لا يكونان إلا فـي الوطن فقط ؛ فإذا سافر المرء ثم نزل مكاناً لا يريد الإقامة فيه على التأبيد أخذ بالرخصة؛ فقصر وأفطر، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها، ويرون في بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الفعلية، وفي أخبار بعض الصحابة رضي الله عنهم من الترخص المدد الطويلة ما يصحِّح هذا القول.

كما استدل بـهذه الأخبار نفسها من قال من العلماء:
إن مَنْ قيَّد إقامته بنهاية وقت أو عمل فهو مسافر، مهما كانت مدةُ إقامته وصفتُها؛ فقالوا بمشروعية رخص العبادة للمغتربين من الطلبة والعمال وغيرهم الذين وُجِدت فيهم هذه الصفة، وقد نُسب هذا القول إلى الإمام ابن تيمية.

فكان هذا البحث لتحرير الكلام في مسائل:
الأولى:
حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر، وذكر الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول، وما أُورد عليها، وبيان الراجح.

الثانية:
حكم ترخص هؤلاء المغتربين وأمثالِهم، حيث كثر الآخذون بالرخصة وطريقة أصحابه؛ في مثل هذه الأحوال، ظناً منهم أن هذا موافق لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجب البيان والتنبيه، وبعض الصحابة والتابعين.

في الثالثة:
بيان فقه الأخبار الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترخصهم مدداً طويلة، وبيان ما يُخَرَّجُ عليه هذا الترخصُ من أصول الشريعة وقواعدها، في ضوء كلام الفقهاء.

فإذا تبين سبب ترخصهم فإن متابعتهم في الرخصة خير من متابعة مَنْ بعدهم في العزيمة والاحتياط.

الرابعة:
نسبة بعض هذه الأقوال إلى بعض العلماء كشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله وغيره ، وصحة أقوالهم في المسألة.

فما كان في هذه الرسالة من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسـوله بريئان منه، ولابد لعمـل البشر من خطأ أو نقصٍ، علاجها التقويم والتصحيح من أهل الفضل والنصيحة.

اللهم استعملنا في طاعتك واجعل أعمالنا خالصة لوجهك واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأزواجنا وذرياتنا.
-----------------------------------------
أشهر أقوال العلماء في هذه المسألة
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء في حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر على حالين:
الأولى:
أن من استوطن بلداً فقد انقطعت عنه أحكام المسافر ([1]).

الثانية:
أن من نزل مكاناً وهو يقول: أخرج اليوم أخرج غداً فهو مسافر مهما طال مكثه ([2]).

ثم اختلفوا فيما سوى ذلك ، وهذه أشهر أقوالهم في المسألة:
القول الأول: أن الحد بين حكمي المقيم والمسافر هو نية المكث أربعة أيام.

وبـهذا القول أخذ مالك ([3]) والشافعي ([4])، ولا يُحتسب عند الشافعية يوما الدخول والخروج من هذه الأربعة.

وهو قول أحمد، إلا أنه يرى احتساب يومي الدخول والخروج ([5]).

قال: وقد استدل بعضهم لذلك بحديث العلاء بن الحضرمي: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً" ([6]). قال ووجهه: أن الثلاثة تدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة ([7]).

مكة للحج من اليوم الرابع من ذي الحجة حتى اليوم واستدل بعضهم بنـزوله -صلى الله عليه وسلم- الثامن؛ فبلغت إقامتُه هناك -وهو يترخص- أربعةَ أيام ([8]).

ووجه هذا الدليل أن هذه الأيام الأربعة هي أكثر مدة قصر فيها
-صلى الله عليه وسلم- نازلاً مع علمنا بوقت مكثه في ذلك المكان ؛ وذلك لأنه لن يخرج إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم الثامن ؛ فمشروعية القصر مستيقنة لمن نوى المكث دون هذه المدة ، وما زاد عليها فمشكوك في مشروعيته ؛ فنرجع فيما زاد إلى أصل الإتمام عند نزول الأمصار وترك النقلة.

وحملوا ما زاد على ذلك في بقية الأخبار على حال من يقول: اليوم أسافر.. غداً أسافر، أو على احتمال انقضائها في أقل من أربعة.

وقد أُجيب عن أدلة هذا القول بأوجه منها:
يقصر الصلاة لو كانت حداً فاصلاً بين السفر الأول:
أن أقصى مدة نزلها -صلى الله عليه وسلم- والإقامة لبينها أوضح بيان شأنـها شأن بقية الأحكام الشرعية المحدودة بعدد من الأيام؛ كمدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر، وعدة الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها، ومدة التربص في الإيلاء، وعدد أيام الصيام في الكفارات الشرعية؛ كالقتل والظهار والجماع في نهار رمضان وفدية الأذى للمحرم وكفارة اليمين، هذه في الأيام.

أما غير الأيام من الأعداد في مقادير الأحكام الأخرى فأكثر من أن تحصى، وذلك كمقدار صدقة الفطر، وأنصباء الأموال الزكوية، ومقدار الواجب في هذه الأنصباء، وبيان مقدار حولها، وغيرها كثير؛ فما من أمر يكون العدد فيه مقصوداً إلا بُيِّن بأوضح كلام وأجلى عبارة.

وهذه الأحكام التي بُيِّنت أعدادها لا يُحتاج إليها كحاجة حد الإقامة، بل كثير منها لا يحتاجه المرء في حياته إلا مرة واحدة، وبعضها قد لا يحتاج إليها مطلقاً، ومع ذلك كان لها هذا الحظ من البيان.

فلما لم تبين الشريعة مدة الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مع قرب مأخذها، وسهولة بيانها، وعظم الحاجة إليها دلَّ ذلك كله على أن أعداد الأيام في ضبط الإقامة -حداً مشتركاً لجميع الناس- غير مرادة، وأن سبيل ضبط ذلك هو شيء غيرُ الأيام؛ فليُرجع فيه إلى أدلة الشريعة ليُستجلى، ويُضبط بـه ما اختلف فيه الناس.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في معرض نقضه على من قال بتحديد الإقامة بأربعة أيام قال: ( ولو كان هذا حداً فاصلاً بين المقيم والمسافر لبينـه للمسلمين ) ([9]) اهـ، لم يقل لأصحابـه الذين رافقوه في حجته: إنه قصر الصلاة -صلى الله عليه وسلم-.

الثانـي:
أنه  لأنـه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وبيان هذا من أهم المهمات، أفاده العلامة ابن القيم رحمه الله ([10]).

الثالث:
أنه لم يقل لمن جاء للحج قبله بيومٍ أو أ كثر، أو جاء معه ونوى التأخر بعده إلى صبيحة عرفة لم يقل لـه: ليس لك الترخص؛ لانقطاع إقامتك بنـية المكث أكثر من أربعة أيام، رغم كثرتـهم وحاجتهم العظيمة للتعلم والفقه في الدين، وحرصه العظيم على بيان الدين، مع علمه بدنو أجله، وتواردهم من الأقطار لشهود حجته -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: (.. لكن من أين لهم أنه لو قال ابن تيمية عن قصر النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم، ويأمر أصحابـه بالإتمام؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك) ([11]).

الرابع:
قال ابن تيمية: (معلوم بالعادة أن ما كان يُفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال: إنـه كان يقول: اليوم أسافر غداً أسافر ، بل فَتَحَ مكةَ وأهلُها وما حولها كفار محاربون لـه، وهي أعظم مدينة فتحها ، وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب، وسرّى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يُعلم أنـها لا تنقضي في أربعة أيام ..) ([12]).

الخامس:
أن تحديد الإقامة التي تنتهي بـها أحكام السفر مسألة عامة يحتاجها جميع الناس في جميع الأمكنة والأزمنة، أما تحديد إقامة المهاجر في حديث العلاء هذا فهو خاص بالمهاجرين، في خصوص زمان معين هو وقت حياتـهم، في خصوص مكان معين هو مكة؛ فهل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ، وتدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال؟ هذا على أنه ليس للمهاجر أن يقيم.

السادس:
دل حديث العلاء في مكة بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاثة أيام ، أي أن من زاد على الثلاثة من المهاجرين عُدَّ مخالفاً للأمر ، بيد أن بعض الفقهاء الذين استدلوا به لتصحيح هذا القول جعلوا نـهاية الرخصة أربعة أيام ؛ فعليه لا مطابقة بين الدليل والمدلول عليه .

للمهاجر أن يقيم بمكة - قال ابن تيمية في هذا المعنى: (وقد رخَّص النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد قضاء نسكه ثلاثا، والقصر في هذا جائز عند الجماعة ، وقد سمَّاه إقامة ، ورخَّص للمهاجر أن يقيمها ؛ فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن لـه ذلك ، وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرقُ ما بين المسافر والمقيم.. فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ، ولا بتحديد السفر ) ([13]) اهـ.

القول الثاني:
أن هذا الحد هو خمسة عشر يوماً، وهذا هو مذهب الحنفية ([14])، واستدلوا لذلك بقول ابن عباس رضي الله عنهما: (إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أكمل الصلاة بـها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها!) ([15])، ووجه الاستدلال بهذا الأثر أن هذا لا يقال إلا عن توقيف ([16]).

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأنه غير مسلَّم لوجهين:
الأول: أن للرأي فيه مجالاً؛ فلا يُعطى حكم الرفع.
الثانـي: أنه قد صحَّ عنهما ما يعارض هذا القول ([17]).
ويَرِدُ على هذا التحديد أيضاً ما أُورد على أدلة القول الأول.

القول الثالث:
أن حد ذلك في قصر الصلاة هو مكث النازل عشرين يوماً، وهو قول ابن حزم ([18]).

الصلاة في تبوك عشرين يوماً ([19]).

واستدل لذلك بقصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقصر الصلاة هي ما ورد في هذه الغزوة؛ فخرج -صلى الله عليه وسلم- ووجهه أن أكثر مدة نزلها  هذا المقدار من الإقامة عن سائر الأوقات بـهذا الخبر ([20])، ويَرِدُ على هذا القول ودليله ما ورد على أدلة القول الأول.

القول الرابع:
أن المعتبر في تحديد الإقامة هنا هو العُرْف.
فمن سمَّاه الناس مسافراً فهو مسافر لـه الأخذ برخص السفر ، ومن سمَّوه مقيماً فهو مقيم لا رخصة لـه.

وهذا هو قول الإمام بن تيمية، وسيأتـي تحرير قوله في آخر الرسالة، وهو قول العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ([21]).

وعليه تُحمل طريقة السلف، حيث يصح عن الصحابي الواحد أقوال متعددة.

واعتبار العرف في تحديد الإقامة في أسبابـها -عدا المدة- هو طريقة أكثر الفقهاء؛ بل إن المدة نفسها تخضع عندهم لبعض الأسباب العرفية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

ودليل هذا القول هو قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة ، وهي: كل اسم ليس لـه حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف ([22]).

القول الخامس: أن من قيَّد إقامته بانتهاء عمل أو زمن فهو مسافر، وهذا هو قول العلامة الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين أثابه الله ([23]).

وبناء على ذلك فهو يرى أنه لا أثر للتأهل في ثبوت وصف الإقامة ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اصطحب زوجاته في أسفاره ، ومع ذلك ترخص ، ولا أثر عنده لاتخاذ البيوت ؛ لأنـهم إنما يشترونـها لسكناها إلى انتهاء غرضهم فقط ؛ كما أنه لا يَعتبرُ أثراً لمدة المكث لعدم الفرق بين المدد في الشريعة ([24]).

ولذلك أفتى المغتربين من الطلبة والعمال الذين يقيدون نزولهم بنهاية وقت أو عمل بأنـهم مسافرون ، ولو علموا طول الإقامة .

وقد استدل أثابه الله لذلك من الكتاب بقول الله تعالى: "وَإِذَا ضَرَبْـتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ" الآية .

ووجه هذا الدليل أن الله أطلق الضرب في الأرض وعمَّم في وقته ، والضرب في الأرض هو السفر فيها ، والله تعالى يعلم أن من الضاربين في الأرض التاجر والمجاهد ، وأنـهما يحتاجان إلى نزول مدة ، ولم يستثن الله عز وجل ضارباً من ضارب ولا حالاً من حال ؛ فكل نزولٍ للمسافر مشمولٌ بـهذا العموم ؛ فيكون صاحبه مستحقاً للرخصة ، ولا يُستثنى من ذلك إلا المستوطن ، ومن نوى إقامة مطلقة ([25]).

في مكة للحج ([26]) ثم قال: ومن السنة: استدل أثابه الله بإقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين، وقد (ووجه الدلالة منه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نواها من قبل بلا ريب ، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة ؛ فدل ذلك على أن الإقامة لغرض معين متى انتهى منه رجع إلى وطنه لا ينقطع بـها حكمُ السفر..) ([27]) اهـ.

أقام في مكة عام الفتح وفي غزوة تبوك، واستدل من السنة كذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه: (.. قصر لأن العلة في الإقامتين واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله) ([28]) اهـ.

ومن آثار الصحابة والتابعين:
استدل أثابه الله بأن بعض الصحابة رضي الله عنهم أقاموا بِرَامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ([29]).

وبأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أقام مجاهداً بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ([30]).

عن إطالة القيام بالغزو في خراسان؟ فقال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين! ([31]).

وبما صح عنه أن رجلاً سأله قصر بكابل شتوة أو شتوتين ([32]).

وبأن عبد الرحمن بن سمرة شهرين بعمان يقصر الصلاة ([33]).

واستدل أيضاً بإقامة سعد بن مالك وبما جاء عن أبي وائل قال: أقمت مع مسروق سنتين يصلي ركعتين بالسلسلة، قال: فقلت لـه: ما حملك على هذا يا أبا عائشة؟ فقال: التماس السنة ([34]).

وبما جاء عن أبي المنهال أنه قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: إنـي أقيم بالمدينة حولاً لا أشد على سير؟ قال: صل ركعتين! ([35]).

ووجه الاستدلال من هذه الآثار أنها دلت على مشروعية الترخص مع المدة الطويلة ([36]).

وقد استدل أثابه الله من القياس بأشياء إنما هي إيرادات واعتراضات على أدلة المحددين بمدة ، وليست استدلالاً يثبت صحة ضابط إرادة الوقت والعمل الذي ذكره ؛ لذلك لم أذكرها هنا ؛ فراجعها هناك ([37]).

مراجعةٌ لأدلة هذه الفتوى:
قد يُجاب عن الاستدلال بالآية بأن عمومها للمغتربين غير مُسلَّم ؛ فلا يجوز أن يقال بـهذا العموم إلا في أفراد الحقيقة المعتبرة فقط ؛ فإذا كانت الحقيقةُ شرعيةً مثلاً شمل لفظُ العموم الواردُ أفرادَ هذه الحقيقة فقط ، دون أفراد اللغوية والعرفية.

"لا يقبل الله صلاة بغير طهور" ([38])؛ فالصـلاة مثال ذلك: قولـه -صلى الله عليه وسلم- نكرة في سياق النفي؛ فهي لفظ عام، ولكن هل يقال: إن عموم هذا اللفظ يشمل الصلاة اللغوية كالدعاء؛ فنقول بناء على ذلك: لا يصح الدعاء إلا بوضوء؟ أو يقال -وهو الصحيح-: إن هذا العموم يشمل أفراد الحقيقة الشرعية فقط ؛ لأنـها المعتبرة هنا ؛ فيشمل عمومُ هذا الحديث الصلوات الشرعية ؛ كالفرائض والجنازة والعيدين والكسوفين والوتر ، وغيرها مما يُعرف شرعاً باسم الصلاة إذا أُطلق.

فلابد -قبل إجراء العموم- من تحديد مقصد الشارع من اللفظ هل يريد به الحقيقة اللغوية أو الشرعية أو العرفية ؟ فإذا ثبتت إحدى هذه الحقائق لتعيين المراد باللفظ كان العموم منتظماً لأفراد هذه الحقيقة المعيَّنة دون سواها من الحقائق ([39]).

وفي مسألتنا هذه إذا كانت الحقيقة المعتبرة في لفظ السفر هي الحقيقة العرفية على الصحيح ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين ([40]) أثابه الله ؛ فإن دعوى العموم لا تصح إلا فيما كان سفراً عرفاً فقط.

وما دام أن حالات نزول المغتربين وأمثالهم -ممن يقيد إقامته بوقت أو عمل في حالٍ من الاستقرار في سكن المثل في مدة طويلة- لا تُعدُّ في العرف من السفر لا حقيقة ولا حكماً فإن دعوى عموم لفظي السفر والضرب في الأرض لأحوالهم غير مسلمة ، وهذا هو المطلوب في هذا الجواب.

حول علة الترخص في الحديثين:
ذكر شيخنا العلامة ابن عثيمين أثابه الله أن علة الترخص هي إرادة النازل مدة معينة أو إنجاز غرض محدد ؛ لكون الوصف الأول -وهو إرادة المدة- في مكة عام حجة الوداع، وكون موجوداً في مقامه في مكة عام الفتح ، وكذلك في تبوك.

الثاني -وهو النـزول لأجل الغرض- موجوداً في إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا استخراج للعلة بـ "مسلك الطرد"، حيث يقول المستدل: إن الحكم وُجِد عند وجود هذا الوصف، وهو تقييد الإقامة بزمن، أو نـهاية عمل؛ فيكون هذان الوصفان علةَ الرخصة؛ فمتى وُجدا في محل النـزاع ثبت الترخص.

والصحيح أن مسلك الطرد هذا غيرُ معتبر في استنباط العلة ([41]).

ولو صح اعتبارُ كلِ وصف مقارن مطرد دون سبرٍ صحيح وتنقيحٍ معتبر ، ودون بيانٍ لدليل تأثير ذلك الوصف للزم من ذلك اعتبارُ أوصافٍ أخرى، ككونه لم يؤبِّد إقامته في منازله تلك ، أو كونه في أسفاره رفقة ، أو كون السفرِ بِرُمَّته طاعةً أو طويلاً ، وغيرها من الأوصاف التي لم تدل الشريعة أو العقل على اعتبارها مؤثرة في حكم الرخصة.

بذلك لا يختلف عن هذه الأوصاف المذكورة ؛ فهي أوصاف ووصف إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- طردية لا يصح أن يُعتبر منـها وصف ؛ لأن الشريعة لم تعتبر شيئاً منها مؤثراً في الحكم لا بالنص ولا بالاستنباط.

قال ابن تيمية: (ومن علَّل بوصف فعليه أن يبين تأثير ذلك الوصف، إما لكون الشرع جعل مثله مقتضياً للحكم، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم على الوصف؛ فإن لم يظهر التأثير لا شرعياً ولا عقلياً كان الوصف طردياً عديـم التأثير) ([42]).

وقال الغزالي في الأوصاف الطردية المقرونة بالحكم قال: (.. فإن قيل: ثبوت حكمها معها، واقترانه بـها دليل على كونـها علة، قلنا: غلطتم في قولكم: ثبوت حكمها؛ لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد قيام الدليل على كونـها عـلة؛ فإذا لم تثبت لم يكن حكمَها.. والاقترانُ لا يدل على الإضافة؛ فقـد يلزم الخمرَ لونٌ وطـعمٌ يقترن به التحريم ، ويطرد وينعكس.. واقترانـه بما ليس بعلـة كاقتران الأحـكام بطلوع كوكب وهبوب ريح).. (وبالجملة فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل ؛ كو