منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 فقــــــــه السـجــــــــود

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21024
العمر : 66

مُساهمةموضوع: فقــــــــه السـجــــــــود   09/11/15, 06:11 pm

فقــــــــه السـجــــــــود
أبو الحسن علي بادحدح
------------------
المقـدمـة
الحمد لله نور القلوب بالإيمان، وشرح الصدور بالإسلام، وهدى البصائر بالقرآن، أفاض علينا النّعم، ووقانا الشرور والنقم، فله الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، نحمده على آلائه التي لاتعد ولا تحصى، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمه للعالمين، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
فإن من أعظم النعم، وأجل المنن التوفيق للهداية، والملازمة للطاعة، إذ بهما تحصل طمأنينة القلب وسكينة النفس، وبحصولهما يذوق المؤمن حلاوة الإيمان، ويحوز لذة المناجاة، التي تعاظمت فيها الشرور، واختلطت الأمور وحُجب النور، إذ كثرت الشبهات، وغلبت الشهوات، فإذا الألسن لاغية، والقلوب لاهية، والنفوس خاوية، وصدق في كثير من البشر قول الحق جل وعلا ((ومن  أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)) (1)، تركوا هدى الله فتخبطوا بين ضلالات البشر، واستكبروا عن عبادة الله فاستعبدهم الطغاة وأذلتهم الشهوات والأهواء، ولم ينج من هذا كله إلا المؤمن الذي آمن بالله إلهاً واحداً، ورباً خالقاً، ثم عبد الله عظيماً مستحقاً للعبادة، ومنعماً متفضلاً بالخير ((والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) (2).

والمؤمنون العابدون هبت عليهم رياح الدنيا بعطر فتنتها، وسلطت عليهم بأضواء بـهارجها، فضعف إيمانهم وخلت عبادتهم من حقائقها الجوهرية، ومعانيها الإيمانية، وتأثيراتها النفسية وتغييراتها السلوكية، ومضى طوفان المادة يطمس نور الإيمان، ويفسد جمال الروحانية حتى صارت العبادات عادات عند كثير من المسلمين، وصارت الصلوات مجرد حركات، لا تعي العقول معانيها، ولا تستحضر القلوب مراميها، واستحكمت الغفلة حتى في صفوف جيل الصحوة ،وشباب الدعوة، فرأيت من المهم أن توجه بعض الجهود إلى التذكير بحقيقة العبادة، وبيان جوهرها الروحاني الإيماني، لأن العبادة الخالصة الخاشعة أساس مهم في بناء الشخصية الإسلامية عموماً والشخصية الدعوية الجهادية بشكل خاص.

وهذه الرسالة درسّ ألقيته ضمن سلسلة دروس عامة كنت أختار لها ما أراه مهماً من الموضوعات وما أعتبره أولوياً من القضايا والمشكلات ، وكان هذا الدرس ضمن هذه السلسلة ، وقد استحسن بعض الإخوة مضمونه، وشعروا بالحاجة له ولأمثاله، فعملوا مشكورين على نقله من أشرطة التسجيل إلى صفحات الورق، فأعدت النظر فيه، وأعدت صياغة بعض فقراته، ووثقت نقوله وعزوتها، وزدت عليه ما رأيته مكملاً لمادته، ومحققاً لفائدته، ووضعت مسألة تحت عناوين جامعة، وقسمت مضامينه إلى تقسيمات واضحة، والله أسأل أن يكون كل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يحصل به خير ولو يسير، فمن رأى خيراً فلا مطلب ولا رجاء سوى الدعاء، ومن رأى غير ذلك فأنني أطلب منه نصحه وإرشاده، وأشكر له تسديده وتصويبه.

وقد جعلت هذه الرسالة فاتحة لسلسلة يتوالى إصدارها بأذن الله تعالى، وتتناول موضوعات مهمة، وقضايا ملّحة، وليس في تقديم ((فقه السجود)) قصد محدد، ولا فيما سيتلوه كذلك، وإنما النشر والإصدار بحسب ما يتم إعداده، وتتيسر أسبابه، والله أسال أن يحقق المقاصد والغايات، وأن يكتب الأجر ويضاعف الحسنات.
والحمد لله رب العالمين.
----------------------
أبو الحسن علي بادحدح
الحرم النبـوي الشريف
المدينة المنورة
الأحد 24 رجب 1413هـ
-----------------------
تـمهيـد
إن الذهن قد ينصرف عند مطالعة العنوان  إلى المعنى الاصطلاحي للفقه وهو: علم باحث عن الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية (1)، وحينئذ يظن القارئ أن الرسالة مختصة بالأحكام الفقهية، ولكنني أنبه هنا إلى أنني أعني بالفقه معناه اللغوي وهو العلم بالشي وافهم له (2)، فيكون موضوعنا شاملاً للفقه بمعناه الواسع الذي يجمع بين فهم السجود ظاهراً وباطناً، أحكاماً وحكماً، مادة ومعنى.

عظمة السجود
إذا تأمل المسلم فإنه سيجد أمر السجود أمراً عظيماً، حيث يجد صآيات القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهدي سلف الأمة رضوان الله عليهم ما يدل على عظمة السجود وما هو جدير بالتأمل والتدبر، واستنباط المعاني، وفهم هذا السجود فهماً إيمانياً قلبياً مع فهمه فهماً حُكمياً وعلمياً.

لقي سعيد بن جبير مسروقاً فقال له: يا أبا سعيد ((ما من شئ يرغب فيه إلا أن نعفـر وجوهنا في التراب)) -يعني السجود- إنها كلمات تبين أن كل مراده في الدنيا وأن كل لذته فيها إنما يجدها في تمريغ جبهته في التراب سجودا وذله لله سبحانه وتعالى، ولذا تجاوب معه مسروق رحمه الله عليه فقال: ((ما من الدنيا شئ آسى عليه إلا السجود لله تعالى)) (3)، ومن خلال مثل هذه المقالات المأثورة عن سلف الأمة يظهر لنا جلياً أن السجود ليس أمرا هيناً، وليس مجرد حركة عضوية بدنية ، أو أقوالاً ن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما  فيها.

ثم نقل عن القرطبي قولة : معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد)) (5) أي لا تكون هناك قربات في النفقات والصدقات يمكن أن يتقرب بها الإنسان فيكون السجود لله سبحانه وتعالى هو العبادة العظيمة التي لا تزاحمها عبادة، إذ ليس هناك مجال آخر كمجال الإنفاق الذي يحوز به العبد رضى الله سبحانه وتعالى ويدفع به غضبة كما ورد في الحديث (أن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) (*)، فلما انقطع لم يبقى إلا السجود، وهذا مؤذن أيضاً بان السجود في حقيقته عظيم، وأنه من أعظم القربات لله سبحانه وتعالى، لكنة قد يشغل عنة المسلم بأمور من أهمها -كما يستنبط من هذا الحديث- عدم ذكر الآخرة بسبب التعلق بالدنيا، وكذلك مزاحمة الأعمال الأخرى وإن كانت من الخيرات إذ لو لم يكن للمسلم قدرة على العبادات الأخرى كالصدقة وإعانة المحتاج لكن حظ العبادة والسجود أكبر بحيث يتناسب مع أهميته وأوليته في العبادات الفاضلة.

ولذلك جاء تعليق الشيخ عبد الرحمن الدوسي رحمه الله عليه على قوله سبحانه وتعالى: ((وإذ قالت الملائكة يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين)) (7) موضحاً لعظمة السجود.

قال: ((وعلى القول بأن معنى القنوت الطاعة، فتكون الملائكة قد أوصوا مريم أولاً بوصية عامة، وهي مداومة الطاعة بجميع أنواعها، ثم أمروها بأفضل أنواع العبادة وأشرفها، وهي الصلاة، وخصوا من هيئتها الركوع والسجود لشرفها وعظيم أهميتها، وقدموا السجود على الركوع، لان المصلي أقرب ما يكون لله وهو ساجد، فالسجود أفضل أركان الصلاة)) (*).

كما في الحديث عند مسلم (8)، (أقرب يا يكون العبد من ربه وهو ساجد).

فإذا تمخض من هذا المعنى في هذه الآية عظمة السجود إلى منتهى الحد؛ إذ هو أخص الطاعات، والمقدم والمعظم في الصلاة التي هي مقدمه على سائر الطاعات، وهذه دلاله واضحة عن شرف السجود وعظيم منزلته عند الله سبحانه وتعالى.

قال المناوي في فيض القدير:
((وذلك لأن العبد في حالة السجود  يكون في تمام الذلة والخضوع لله سبحانه وتعالى، وإذا عرف العبد نفسه بالذلة والافتقار عرف أن ربه هو العلي الكبير المتكبر الجبار، فالسجود لذلك مظنة الإجابة)).

وكل العبادة مدارها أن يتحقق الإنسان بمقام العبودية، ويعرف قدر نفسه، ويعرف عظمة الله جل وعلا، ثم يعرف أنه مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى وأن كل نقص فيه يقابله كمال مطلق للحق جل وعلا، كما ذكر ((ركبت من العجز لتنظر إلى كمال غنى الله سبحانه وتعالى، ومن الضعف لتنظر إلى كمال قوة الله سبحانه وتعالى، فكل ضعف ونقص في المخلوق يقابله عظمه مطلقة متناهية لا حد لها ولا يمكن أن يحاط بها بالنسبة للخالق سبحانه وتعالى، وحينئذ لما كان السجود هو الأعظم في الدلالة على ذلة العبد وعظمة الرب ثم بيان الافتقار من هذا العبد لربه ومولاه كان له هذا المعنى العظيم.

منـزلة القرب في السجود
هذه الوقفة مع السجود والقرب من الله تعالى فالله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ((كلا لا تطعه واسجد واقترب)) (11) وتأمل هذه الآية على قلة كلماتها ووجازة ألفاظها كم فيها من الدلالة على سر الصراع في هذه الحياة الدنيا، وخلاصة العبودية بالنسبة للإنسان، إذ أن الآية تأتي في أعقاب الحديث عن الذي ينهى المؤمنين عن العبادة لله: ((أرايت الذي ينهى * عبداً إذا صلى)) (12)، وهو المعنى الذي فيه صراع الباطل للحق وتضييق أهل الضلال على أهل الخير، ونوع المواجهة والمحاربة لكل صورة إيمانية ولكل عبادة يتقرب بها الناس لله سبحانه وتعالى فهنا تأتي المفاصلة ((كلا لا تطعه)) (يعني لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها وصلّ حيث شئت ولا تباله فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس) (*)، وفي الآية بيان لكيفية الحصول على القدرة على المواجهة والمجابهة لهذا السيل الجارف العارم من العداء والإيذاء؟

إنه الاستمساك بالعبادة والاستعانة بهذا السجود كما قال الله سبحانه  وتعالى ((يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة)) (13) وفي وفي هذه الآية جعل السجود نوعاً من المدافعة لهذا البغي والباطل والصبر والمصابرة على أمر الله ثم تأمل ثانية: ((كلا لا تطعه واسجد واقترب))، أي اقترب من الله فكأن السجود مراد ومقصود للعبد القرب من الله عز وجل.

وقد أخرج الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء)) (14).

وتأمل أيضاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم حينما علمنا الذكر الذي يقال في السجود، في ذلك الموضع الذي يمرغ فيه الإنسان جبهته في التراب ويحني جسمه كله، ويخضع قلباً وقالباً (روحاً وجسداً) يقول حينئذ: ((سبحان ربي الأعلى)) وهو في المقام الأدنى حساً يقول سبحان ربي الأعلى ، وهذا جزء أساسي من فقه السجود يربط بين الصورة الحسيه والدلالة المعنوية للعبادة في ذله العبد وعظمه الرب، وافتقار العبد للرب، وهنا ويثور تساؤل لا بد من توضيحه وهو لماذا يكون السجود الموضع  الذي يكون فيه العبد في أقرب منـزله من الرب؟.

وللجواب على هذا السؤال يمكن أن نجمل عدة أسباب لاختصاص السجود بالقرب وبعض هذه الأسباب تشير إليه.

النصوص وبعضها معانٍ مستنبطة من صورة هذا السجود:
1-    هو أن السجود  أبلغ صورة للذلة لله سبحانه وتعالى، ولا يسمى الإنسان عبداً، ولا يكون الناس عبيداً إلا بهذه الذلة والعبودية إنما هي الذلة والخضوع لله  عز وجل، وعندها يحق للإنسان أن يأخذ وصف العبودية، ولكن العبودية مراتب، وبمقدار تحقق الذلة تتحقق أهلية الإنسان لوصف العبودية واسم العبد فبقدر ما يذل وبقدر ما تكون صورة الذل لله عظيمة وكبيرة بقدر ما يتحقق فيه معنى العبودية لله سبحانه وتعالى، فإذا عرفنا أن العبودية هي أعلى مراتب هذا الإنسان المؤمن في هذه الحياة ظهر لنا سر اختصاص السجود بالقرب.

وتأمل قولة سبحانه وتعالى: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)) (15).

هذا المقام الذي ارتقى فيه النبي صلى الله عليه وسلم في معراجه من الأرض إلى السماء الأولى والثانية والثالثة والرابعة إلى السابعة وبلغ مقاماً لم يبلغه ملك مقرب ولانبي مرسل نال هذا المقام السامي لأنه وصل إلى أعلى مقامات العبودية والذلة لله عز وجل فهو صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله وأذلهم له، وأكثرهم معرفة بعظمته، وأشدهم افتقاراً إلية سبحانه وتعالى، ولهذا المعنى وصف بالعبودية لأنها هي الشرف والشارة التي نال بها هذا السمو ونال هذه الرفعة عند الله سبحانه وتعالى معنى وحساً، معنى لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((ورفعنا لك ذكرك)) (16)، فهو مذكور مع الله عز وجل، وحساً لانه صعد إلى الماء في رحلة المعراج التي ورد لها وصف عظيم في أحاديث صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن وجهة أخرى ذكرت العبودية هنا لئلا يخرج المبالغون الخارجون عن حد الإعتدال فيخرج بهذا الفعل والعظمة والشرف للرسول صلى الله عليه وسلم يخرج به لهذا لشبب عن حد بشريته، ويدخلون في دائرة التأليه أو العبودية له كما حصل من الأمم السابقة، فلذلك سمي عبداً لتأكيد عبوديته لله سبحانه وتعالى وأن هذا الشرف إنما ماله بهذا العبودية .

ومما زادني شرفاً وتهياً
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبياً


فالعبودية هي الشرف الذي يرقى به العبد عند الله سبحانه وتعالى، ولما كان السجود هو أبلغ صور الذل التي خلاصة العبودية كان لهذا هو أعلى مقام للقرب من الله سبحانه وتعالى.

2- الأمر الثاني:
من الدلالات المعنوية أن في السجود التصاقاً بالأرض يتذكر به العبد البداية والنهاية، لأن الإنسان في سجوده يمرغ جبهته بالتراب فيتذكر أن أصل خلقته من التراب وأنه عاد إلى هذا التراب، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه ابتداء من هذا التراب وأنه يبعثه يوم القيامة للنشر والحساب وهذا المعنى يتجسد بأبلغ ما يكون وأقوى ما يكون في هذا السجود، قد يقول القائل حينهما يكون الإنسان يكون أكثر التصاقاً ولكنه لا يكون ذلك الالتصاق الواعي العاقل الذي يبصر فيه يعينه ويدرك بعقله ويتكلم بلسانه ويكون في هيئة مقصودة لذاتها كما سيأتي، ولما كان هذا المعنى يتجسد في السجود فإنه يذكر الإنسان بحقيقته وحقيقة نهايته، وهذا يكون أوقر للإيمان في القلب، واكثر تذكيراً للعبد بالآخرة وبالوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيحصل له من الإيمان والتذكر والخشوع ما يكون به أقرب إلى مكان القرب إلى الله سبحانه وتعالى، والتذكير بالتراب الذي هو اصل الخلقة باعث على الذل والتواضع.

وقد قال أبو العلاء المعري:
خفف الوطء ما أظـــــن أديـم
الأرض  إلا من هذه الأجسـاد


هذا الذي يمشي متكبراً  نقول له على مهلك خفف الوطأة فإن أديـم الأرض من هذه الأجساد، من هذا التراب، وغداً تكون تراباً وتوطأ بالأقدام، فالإنسان لا يجنح عن حقيقة عبوديته إلا عند غفلته عن حقيقة بدئه ونهايته، ولذا كان مطرف بن الشخير -رحمه الله- يقول في شأن المتكبرين والمتغطرسين: يا ابن آدم  هل أنت في أولك إلا نطفة مذرة، وفي آخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينها تحمل العذرة (17)، فلا يتكبر الإنسان ويطغى إلا حينما يغفل عن هذه الحقيقة، والسجود هو التذكير الأقوى والأبلغ والأعظم بهذه الحقيقة لملامسته لهذه الأرض ولهذا التراب فيتذكر كل هذه المعاني، ويتحقق بجميع تلك الآثار.

3- الأمر الثالث:
أن السجود بهيئته صارف عن رؤية الدنيا وفتنتها، فالإنسان حينما يسجد يكون نظره في سجوده إلى هذه القطعة والرقعة الصغيرة في الأرض لا يرى من الدنيا سواها فيتذكر مقدار الدنيا بالنسبة للآخرة، ويدرك دلالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) (2).

وعندما يكون الساجد على هذه الهيئة ، وهو عابد لله مسبح باسم ربه الأعلى عند ذلك يجتمع الأمران معاً معرفة بضآلة الدنيا واستشعار لعظمة العبودية، ويعلم أنه لا ينبغي ألا يزيد مقدار الدنيا عن مقدار ما يراه في الملذات والشهوات ما يستحق أن يبذل لها من وقته وجهده وفكره فالسجود يصحح هذا الوهم الخاطئ ويعلق المسلم بما عند الله سبحانه وتعالى في أعلى عليين فإنه يأنف من عبودية الدنيا ويرتفع عن تعلقه بها وهذا المعنى يكون اقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

4- الأمر الرابع:
عدم التفات المسلم في سجوده، إذ في أثناء قيامه في الصلاة قد يلفت نظره شئ من الدنيا أو يرى الأشخاص أو الذوات، وكذا في ركوعه قد يقع بعض ذلك، أما في سجوده فلا يحصل شئ من هذا أبداً فلا يرى شيئاً من الدنيا، ولا يبصر أحداً من أهلها، فكأنما انصرف عن كل شئ وعن كل بشر وتجرد من كل نفع ومن كل ضر وتبرأ من كل حول ومن كل طول ولم يبق له نظر إلا إلى الله سبحان وتعالى به يعلق قلبه، وبذكره يرطب لسانه، ومنه يرجوا الإعانة وله يخلص النية، ويكون أكمل تجردأً لله، وأعظم بعداً عن الالتفات لغير الله، وإذا تجرد العبد من أن يكون ركونه إلى الدنيا فتنه وحباً، وإلى من فيها رجاء وخوفاً أو طلب ضر أو نفع تحقق بكمال العبودية، وعلم أنه لا تعلق له إلا بالله سبحانه وتعالى وتيقن أنه لا منجا ولا ملجأ له من الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: ((ففروا إلى الله)) (18)، ومعلوم أن كل شيء تخافه تفر منه إلا الله عز وجل إذا خفت منه فررت إليه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ملجأ ولامنجا منك إلا إليك)) (19)، ولذا كان السجود موضع قرب من الله لأن فيه كمالاً في التجرد لله.

5- الأمر الخامس:
هو أن السجود فيه مشاركة لمعظم الأعضاء، إذ أن الإنسان في وقوفه أو في ركوعه يستخدم بعض الأعضاء ولكن في سجوده يكون على هذه الأرض بيديه وقدميه وركبتيه وجبهته وأنفه فهذا كله دليل على أنه كله لله سبحانه وتعالى وعلى أن كل  حواسه ينبغي أن تكون لله عز وجل وفق أمر الله فبصره ويديه ورجليه وكل شيء يذكره بأنه خاضع لله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن يسجد ثم ينظر إلى المحرمات بعينه، أو يعتدي على المحرمات بيديه، أو يمشي إلى النكرات برجليه ولا ينبغي كذلك أن يخضع للشهوات والملذات، وهذا المعنى عندما يتحقق للمتأمل في السجود ومعانيه يكون أكثر حرصاً على الطاعة، وأكثر بعداً عن المعصية وهذا من أسباب قرب العبد من ربه ومولاه.

6- الأمر السادس:
 هو أن السجود يفرق ما بين الإنسان والشيطان، إذ هو في الحقيقة مراغمة لهذا الشيطان، ودحرله، لأن الشيطان أمر بالسجود فأبى، وكان ذلك سبب حلول لعنة الله علية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ثم يكون له العقاب في الآخرة، وأما الذي ينأى بنفسه ويسجد استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى فإنه حينئذ يكون متحققاً بالعبودية معلناً مراغمته وخصومته للشيطان، ولما كان عقاب إبليس عند امتناعه من السجود طرد من رحمه الله وإبعاد، فعندما تسجد لله يكون العكس تعرُّض لرحمة الله واقتراب.

ومتى استطاع الإنسان أن يتحرر من الدنيا وفتنتها ، ومن الأشخاص والاتكال عليهم أو الالتجاء إليهم والالتفات لهم، وكذلك من الأعضاء وصيرورتها في غير رضى الله سبحانه وتعالى، ثم نأى بنفسه عن سبل الشيطان وإغوائه، وإغرائه، ورفع شعار المحادة والمفاضلة بينه وبين إبليس اللعين، ذاك فكم يكون قد حاز من أسباب الفلاح؟ وحصل من أسباب زيادة الإيمان؟ ونال من رضى الرحمن؟ ولاشك حينئذ أننا أدركنا أن السجود أسمى مقامات العبد ، وهذا فقه قول النبي صلى الله عليه وسلم (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) (20).

7-  ومن الدلالات المعنوية وهو الأمر السابق:
تذكر سجود  الدنيا وسجود الآخرة والفرق بين المؤمن الساجد، والكافر الجاحد.

العبد المؤمن دعي للسجود في الدنيا فسجد والكافرون دعوا فأبوا أن يسجدوا، ويوم القيامة يتمنون السجود مع إرادتهم له ورغبتهم فيه لأن ظهورهم  تصير طبقاً واحداً فلا يستطيع الواحد منهم أن يحني ظهره ليسجد، وهذا هو ما ذكره أهل التفسير عند بيان معنى قوله تعالى: ((يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون)) (21)، أي حال بينهم وبين ما يريدون، فهو يوم القيامة الذي يكشف فيه عن الساق  ويشتد  الكرب والضيق، ويدعى هؤلاء المتكبرون إلى السجود  فلا يملكون السجود، إما لأن وقته قد فات، وإما لأنهم كما وصفهم في موضع آخر يكونون ((مُهطعين مُقنعي رؤوسهم)) وكأن أجسامهم وأعصابهم مشدودة من الهول على غير إرادة منهم، وعلى أية حال فهو تعبير يشي بالكرب والعجز والتحدي المخيف (1).

قال صلى الله عليه وسلم: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنه ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعةً فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)) (2).

فإذا تذكر العبد المؤمن هذا المقام أيضاً فإنه يرى أن مسابقته للسجود نوع نجاة وخلاص من هذا المقام العصيب وذلك الموقف الرهيب ونوع تقرب لله العظيم لينجيه من العذاب الأليم، ولذا كان الساجد أقرب ما يكون من الله.

ومن وجه آخر فإن السجود كما أنه في الدنيا أعظم عبادة وقربه، تكون هيئته بما فيها من الانكباب، وخضوع الأعناق، وذلة الجباه هي أعظم صورة للعذاب مع الإهانة لمن أعرضوا واستكبروا، ولم يسجدوا ويخضعوا، ولقد ذكر الله ذلك في سياق وصف عذاب إبليس ومن معه فقال: ((فكبكبوا فيها هم والغاوون)) (22).

وكذا في قول الله سبحانه وتعالى: ((فكبت وجوههم في النار)) (23).

وكذا في حديث معاذ رضى  الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثكلتك أمك يا معاذ وهل  يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصاد ألسنتهم)) (24)، نعم إن أشد وأبلغ أنواع العذاب قسوة وإهانة هي أن يكب الجاحد على وجهه في النار لأنه أعرض عن الطاعة، وأما الساجد الذي قد كب وجهه في الدنيا ذلة لله سبحانه وتعالى واعترافاً بعظمته وسؤالاً لما عنده من الخير ورجاء لدفع العذاب عنه فأنه ينجوا من هذا العذاب، واستحضار هذا المعنى يجعل المسلم يدرك أن السجود وقاية وحماية، ولهذا المعنى كان السجود رفعة للعبد وقرباً من الرب.

فالذي يتأمل السجود (موضع القرب والقربة) ينبغي ألا تفوته هذه المعاني، وأن يدرك أن هذه المعاني كلها إذا استحضرها العبد المؤمن في قلبه مع تسبيحه لربه كان في قمة العبودية الخاضعة الخالصة ولذا كان السجود موضعاً للدعاء والسؤال من الله سبحانه وتعالى، نعم هو موضع الدعاء الأكبر والأعظم في الصلاة لأنه هو مقام القرب، فإذا كنت قريباً كنت مؤهلاً أن تقدم دعاءً ذليلاً، وأنت ملتصقاً في الأرض، ذاكراً لفضل  الله عليك بالإبتداء ومتذكراً للفناء والانتهاء، مع كونك لا ترى الدنيا، ولا تتعلق بالأشخاص ولا ترى لأعضائك وحواسك شيئاً إلا أن تكون لله، ثم تنأى بنفسك عن الشيطان، ثم تذكر عقاب الله، كل هذه المعاني تجعلك في مقام وهيئة هي التي يحبها الله سبحان وتعالى ويرضاها إذ هو جل وعلا يحب من عبادة المبالغة في العبودية والذلة والتضرع والسؤال له سبحانه وتعالى.

الكـون والسـجود
حينما يتأمل الإنسان في  هذا السجود فإنه يجد أن الكون كله ساجد بمعنى ذلته وخضوعه لله سبحانه وتعالى وانقياده وصيرورته وفق حكم الله، وجريان أمره جل وعلا فيه ولذا فإنه بهذا المعنى ساجد لله عز وجل، ثم هو ساجد بالمعنى الحقيقي لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب)) (25)، فتأمل كل هذا الكون ساجد لا يتخلف عنه أحد إلا صنف هذا الإنسان منه قسم ساجد وقسم معرض جاحد، فيكون هذا الذي نأى عن السجود شاذاً عن الكون مثل الإنسان الذي يكون في جمع كلهم على هيئة واحدة وفي لباس واحد ثم يكون هو الشاذ بينهم ،هذا الإنسان الجحود الكنود لله سبحانه وتعالى هو الشاذ المختلف وهو المنفرد عن كل الكون ثم تفرده -عياذاً بالله- في بعده واستكباره عن عباده الله سبحانه وتعالى، فيتأمل العبد أنه حينما يسجد لله عز وجل يكون عبارة عن جزء من هذا الكون المسبح بحمد الله الساجد لله سبحانه وتعالى كما ورد في تفسير قول الله سبحانه وتعالى في سورة يس ((والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم)) (26)، ذكر ابن كثير في معاني هذه الآية أن الشمس عند مغيبها وعند كل مغيب تسجد لله سبحانه وتعالى في مواجهة العرش (27)، وهذا ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي ذر (28).

بعـض النـاس يقـول كيـف يكـون هـذا السـجود؟
وأقول: هو سجود بلسان الحال وكذلك بلسان المقال، أي بالمعنى والفعل ولا عجب ولا استغراب إذ كل سجود له عند الله سبحانه وتعالى الهيئة التي يعلمها ولا نعلمها كما قال الله سبحانه وتعالى: ((والنجم والشجر يسجدان)) (29).

وكذلك نحد أن الله سبحانه يلفت نظر الكافرين المعرضين عن أمره، ويقيم عليهم الحجة، وذلك في قوله: ((ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال)) (30)، ومعنى هذه الآية أن الذي ينأى عن السجود باختياره فإنه مع ذلك ساجد لله بظلاله رغماً عنه وهو رغماً عنه خاضع ذليل لقدرة الله في أمر خلقه وطبيعة نفسه، فلو كان عاقلاً لجمع بين الامرين بين ما هو مقهور فيه وبين ما هو مخير فيه، قبل أن يأتي الوقت الذي يتمنى فيه السجود فلا يستطيع.

معنى قوله ((وظلالهم)) أي ظلال أجسامهم في الأرض ساجدة لله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يبين أن الكون كله ساجد حتى الذي يعرض يسجد بظلاله لله سبحانه وتعالى فالأولى له إن كان عاقلاً مفكراً في أمر نفسه أن يكون ساجداً بقلبه وبهيئته كما أمره الله سبحانه وتعالى (31).

هيئة السجود وفضله:
هذه بعض الوقفات الموجزة مع السجود فيما يتعلق بهيئته وفيما يتصل بفضيلته.

أما الهيئة والصورة المثلى:
فمما ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم إضافة إلى بعض ما أثر عن الصحابة يمكن أن نلخص ما يتعلق بهيئة السجود وصورته في النقاط التالية:
1-    السجود على سبعة أعظم:
وهي اليدين والرجلين والركبتين والجبهة مع الأنف.

2-    طول السجود:
من المستحب إطالة السجود لأنه -كما مر- موضع القرب والدعاء.

والخلاف قائم بين العلماء أيهما أفضل:
طول القيام أم طول السجود؟ وهذا الخلاف أكثره فيما يتصل بصلاة النافلة.

لماذا هذا الخلاف؟
تأملوا لتدركوا أنه ليست كل القضايا هي خلافات فقهية، وأحكام مجردة، إنما هناك المعاني الإيمانية والدلالات المعنوية التي لها أثر كبير.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21024
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: فقــــــــه السـجــــــــود   09/11/15, 06:17 pm


وقال بعض أهل العلم:
إن القيام فيه تلاوة القرآن وهي أعظم شئ في مناجاة الله سبحانه وتعالى كفاحاً فليقرأ القرآن، وفي القرآن وصف الله وبيان عظمته، وشواهد قدرته، ودلائل وحدانيته، وفيه أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالزيادة في القيام زيادة في التلاوة، وزيادتها فيها لله تعظيم، وفيها للعبد تعليم، وبها إحياء القلوب وتذكير العقول، وتشويق النفوس إلى النعيم وتخويفها من الجحيم ولكل هذا فالقيام وطوله أفضل.

وقال الآخرون:
السجود فيه القرب من الله تعالى، والتسبيح بعظمته، والدعاء له، وفيه انقياد العبد لمولاه، ومخالفته لإبليس الذي عصاه فلذا طول السجود أفضل.

فتنازعوا من حيث المعنى الإيماني المرتبط بتعظيم الله سبحانه وتعالى والذلة له عز وحل فقال بعضهم بهذا وبعضهم بهذا، وقد رجح ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن طول القنوت أي القيام أولى من طول السجود (32).

وما ذكرت هذه المسألة إلا لأبين أن العبادة حينما يستشعر الإنسان لذتها وحلاوتها وحين يقبل عليها بكمال خشوعها فإنه حينئذ يكون بغير شعور مطولاً لقيامها وسجودها، ولذلك وصفت عائشة رضي الله عنها في الصحيح قيام النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ((يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه)) (33).

3- كيفية السجود:
ليست القضية هي طول السجود كيفما اتفق، كلا، فهناك بعض الناس في السجود يفترش ذراعيه ويجعل بطنه ملتصقاً بفخذيه.

فإذا سجد بهذه الهيئة يكون السجود له راحة كأنه شبه مضطجع أو شبه نائم فيطيل السجود ما شاء الله له أن يطيل، كلا ليس هذا هو المقصود بل المقصود أن يأتي بالسجود على هيئته الصحيحة ثم يطيل هذا السجود فلا يطيله حينئذ لأنه راحة يتخلص بها من تعب الوقوف.

عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) (1).

عن عبد الله بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه (2).

وحقيقة المقصود بطول السجود هنا هو أن الإنسان إذا أقبل على الله بكليتيه واستحضر هذه المعاني الإيمانية فإنه سيجد لذة عجيبة في المناجاة تجعله يطيل هذا السجود، بدون شعور بعناء، وقد روي أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان إذا سجد جاءت الطير فوقعت ووقفت عليه كأنه حائط أو كأنه صخرة ثابتة لا تتحرك.

وهنا أمران إحداهما أنه كان ساكناً لا يتحرك وثانيهما أنه كان مطيلاً للسجود، إذ لو كان سجوده طويلاً مع الحركة، أو كان سجوده قصيراً ولو دون حركة، لما أستقر الطير عليه، ولا شك أن خشوع الجوارح من خشوع القلب، عن على رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب.

وقال الحسن البصري:
كان خشوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح (*).

والمندوب في السجود أن يكون السجود طويلاً ولا يكون طويلاً إلا مع الأذكار والأدعية المأثورة.

الذكـر والدعـاء:
من المستحب الإكثار من الدعاء في السجود لما ذكرناه من معنى القرب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما ورد في دعائه في الصلاة إنما هو في السجود، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله (35) سبعه مواضع للدعاء في الصلاة وآكدها وأكثرها وروداً لأدعية النبي صلى الله عليه وسلم هو السجود.

وللسجود اختصاص بالدعاء تميز به عن غيره من مواضع وهيئات الصلاة ولذا فقد ورد في الحديث الصحيح: ((أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤية الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظمُوا فيه الرب عز وجل وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (*) أن يستجاب لكم)) (36) أي أن الدعاء في السجود جدير أن يستجاب للمعاني التي ذكرناها من ذلة العبد لله ومعرفته لربه إلى آخر ما سبق الإشارة إليه.

أدعية السجود:
وردت أدعية كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده وهي متناسبة مع الذكر والمشروع (سبحان ربي الأعلى) الذي ذكرنا مناسبته العجيبة إذ في هذا المقام الأدنى حساً، يسبح باسم ربه الأعلى، وكذلك جاءت الأذكار والأدعية المأثورة في السجود ومنها:

1- حديث عائشة -رضي الله عنه-:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)) (37)، وهذا أيضاً تسبيح وتقديس وإشعار للعبد بأنه يسجد للعظيم رب الملائكة والروح (جبريل علية السلام) والملائكة كما قال تعالى: ((يسبحون الليل والنهار لا يفترون)) (38)، فأنت أيها الساجد تسبح ربك الأعلى وأنت في المقام الأدنى فيتوافق تسبيحك مع تسبيح الملائكة في الملأ الأعلى، فتستشعر الموافقة لهذه المخلوقات النورانية في العبودية لله وبالأخص في تسبيحه الذي يتردد في أرجاء الكون: ((وأن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)) (39)، وتستشعر أن العبادة وسجودها يرقى بك إلى الملأ الأعلى، ويغلب الجانب الروحاني فيك على الجانب الجسماني.

وعند التأمل نجد كثيراً من الآيات القرآنية قرنت بين السجود والتسبيح فآية السجدة قال الله فيها: ((إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون)) (40)، فالسجود مع التسبيح دليل على العبودية وترك الاستكبار عن عبادة الله، والسجود خضوع وذله من العبد ، وفي الآية تصوير يشير إلى أن العبد قد أستحضر عظمة ربه فهوى وانكب على وجهه ساجداً ((خروا سجداً))، ثم عظم الله ونزهه، ((وسبحوا بحمد ربهم)) فكان فعله وقوله شاهد على انسلاخه  من التكبر على الله والتحلي بالذلة له.

2- ورد في الحديث عند مسلم -رحمه الله عنه-:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوا في سجوده فيقول: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره )) (41)، فكيف ترى هذه الجوامع من الكلم؟ إنها لم تدع ذنباً مما يستغفر منه إلا وذكر فيها على وجازتها، وهذا الدعاء يناسب الإنسان وحاله في السجود، وكونه يسأل ويطلب من رب الوجود، في موضوع وحال وعده فيها بالقبول وحصول المقصود، فمثلاً لو قيل لك أن الوالي أو الأمير يفتح بابه في يوم كذا في ساعة معينة، ثم يمكث ساعة من الزمن لا يمنع فيها أحد من الدخول ولا يرد سائلاً، فإن من الحكمة استغلال هذه الفرصة الثمينة وأن يكون السؤال والطلب عظيماً ما دام الوعد كبيراً.

ولما كان السجود موضع الإجابة والاستجابة كان من عظمة هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن جاء دعاؤه فيه جامعاً لأهم المهمات وهو غفران الذنوب بهذه الكلمات الجامعة التي لا يخرج منها ذنب إلا وهو -بإذن الله- مغفور، فلا يبقى حينئذ -يعني للإنسان- مطلب أعظم من مثل هذا.

3- ورد عن عائشة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: ((اللهم، أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (1).

4- وورد من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قد كان دعائه في سجوده: ((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصورة، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)) (2).

5- وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، ونحتي نوراً، واجعل لي نوراً)) (3).

وهذه الأذكار والأدعية من رحمة الله ومن تيسيره لأنها جامعة ووجيزة فحتى لو لم يطل سجودك فإن تسبيحه جل وعلا ثلاث مرات وهو أمر يسير لا يستغرق وقتاً طويلاً فيه من العظمة واستحضار المعاني، وتعظيم الأمر شيء كثير وكذلك سائر ما أوردناه من الأذكار والأدعية، ولذا كان الحرص على المأثور أفضل لأنه أجمع وأكمل.

البكـاء في السـجود:
البكاء من صور الكمال في التأثر والانفعال في السجود وغالب بكاء المسلم في صلاته في موضعين، موضع القيام وموضع السجود، أما في موضع القيام لما يتلوه أو يسمعه من آيات القرآن الكريم التي فيها الوعد والوعيد، وذكر الجنة والنار، فيخشع القلب وتدمع العين، وأما موضع السجود فإنه بانطراحه بين يدي الله سبحانه وتعالى، وضعفه وقله حيلته وينبهه إلى  تقصيره في حق ربه جل وعلا، ولذلك أقترن ذكر البكاء بالسجود كما في قوله عز وجل: ((إذا عليكم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً)) (42).

فهم أتقياء شديدو الحساسية بالله، ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من التأثر، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجداً وبكياً، (1).

قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ (2).

وقوله جل وعلا: ((ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً)) (43)، وهو مشهد موح يلمس الوجدان.

مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم يسمعون القرآن، فيخشعون و ((ويخرون للأذقان سجداً)) إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن ((يخرون للأذقان سجداً)) ثم تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمه الله وصدق وعده: ((سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً)) ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبره عن ذلك التأثر الغامر الذي تصوره الألفاظ (1)، فصفه الخشوع الكامل في هذا السجود أن يكون مقترناً بكمال الذل والبكاء لله سبحانه وتعالى.

الخوف والرجاء في السجود:
من لوازم كمال السجود أن يكون العبد متقلباً بين الخوف والرجاء، إذ أنه سجد امتثالاً للأمر وخالف حال إبليس الذي  أبى أن يسجد، ولم يكن ممن امتنع من السجود من  الناس، فهو لهذا يرجوا أن يكون في سجوده حصول رضى الله وأن يستجيب له دعاءه، وفي ذات الوقت يستحضر اللعنة التي حلت بإبليس، ويتذكر موقف الكافرين وعدم قدرتهم على السجود في الآخرة ويفكر في كب إبليس وأتباعه من الكافرين بل وبعض العاصيين على وجوههم في النار، فيخشى غضب ربه ويخاف عذابه، ولذا نرى في الآيات هذا الربط بين السجود والخوف والرجاء، فعندما قال الله جل وعلا: ((إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون)) (45)، جاء بعدها مباشرة ((تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً)) (46)، وتأمل كذلك قول الله تعالى: (أمن هو قانت أناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمه ربه)) (47)، إنه لا يخفي وجه الارتباط ذلك أن المؤمن العابد له من عظمة إيمانه ومعرفته بحق ربه، وتفريطه في أمره، ما يكون به خائفاً، وله من حسن ظنه بربه ومعرفته بسعة رحمته ما يجعله راجياً، أما غير العابد من الساجدين فهم في غيهم يعمهون ولا يستشعرون مثل هذه المعاني، ولذا كان من وصف عباد الرحمن ((والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابهما كان غراماً)) (48).

فضائل السجود وآثاره:
إن تحقق تلك المعاني الإيمانية واللذة الروحانية يكفي المسلم العابد، والمؤمن الساجد، الذي غايته رضى الله ويرغب في السعادة والطمأنينة في الحياة، ومع ذلك فأن ف،ضل الله عظيم وعطاء الكريم جزيل، ولذا فإنه جعل للسجود أعظم الأجر وأجزل الثواب وأنفع الثمار وأفضل الآثار.

ومنها:
1- ورد عند مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أخبرني عن عمل يدخلني الجنة؟ فسكت  النبي صلى الله عليه وسلم فأعاد الرجل قوله ثانية فسكت عليه الصلاة والسلام، فأعاد الرجل قوله ثالثة فسكت ثم قال له سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (عليك بالسجود فأنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة) (49) كل سجدة ترفع بها درجة وتحط عنك بها خطيئة، الله أكبر ما أعظمه من أجر، فتأمل كم أنت مفرط في حق نفسك إذ لم تكثر من السجود لله سبحانه وتعالى.

2- السجود من أعظم أسباب الوقاية من عذاب النار:
وشاهد ذلك حديث ربيعه بن كعب لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة فكان جواب المصطفى عليه الصلاة والسلام له أنه قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) (50)، وهذا يدل على أن السجود من أعظم المؤهلات لدخول الجنة وحصول رضوان الله تعالى.

3- في السجود نوع من تفريج الهم، وتنفيس الكرب وحصول انشراح الصدر، وثبوت الإيمان في القلب
والمسلم عندما تتكالب عليه الدنيا بمشكلاتها ومعضلاتها، وتعترضه المحن وتحل به الابتلاءات يجد في العبادة والسجود عوناً على ذلك ومخرجاً منه، ومما يدل على ذلك ما سبق ذكره من قوله تعالى: ((كلا لا تطعه واسجد وأقترب)) (51)، وهو توجيه بالصد عن أعراض المعرضين وتكذيبهم والاستعانة على مواجهتهم بالطاعة والسجود، وتأمل كذلك قوله تعالى: ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين)) (52)، وعندما أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ((فأصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا)) (53)، جاء بعد ذلك ما يدله على معين الصبر ونبع الثبات ((واذكر ربك بكرةً وأصيلاً ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا)) (54)، ولهذا جاء الأمر للمؤمنين صريحاً واضحاً: ((يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة)) (55)، وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأمر مطابقاً حيث كان إذا حزبه أمر صلى (1).

إذا ضاقت عليك الدنيا فأقبل على الآخرة، إذا وجدت عناء من شرار الخلق فإنك واجد فرجاً وفيض عطاء من الخالق، وهذا المعنى مهم بالنسبة للمؤمن وللدعاة على وجه الخصوص لانهم يلاقون الإعراض ويتعرضون للإيذاء، فليعلموا أنه لا يثبتهم ولا يشرح صدورهم ولا يزيل غمهم وكربهم إلا هذه العبادة وهذا السجود حينما ينطرح الواحد بين يدي الله فيلقى بأمره وهمه بين يدي الله ويلقي بما يلقى من كيد الكائدين وإجرام المجرمين بين يدي مولاه فيدفع عنه لأنه وعد ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) (56)، فيكون السجود أنساً له وكأن لسان حاله يقول ((إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي)) (1).

هذا المعنى مهم جداً في حياة المؤمن وهو أعظم ثمار السجود وفي ظلاله نفهم معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((يا بلال أرحنا بالصلاة)) (2)، وقوله: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)).

4- من آثار هذا السجود وفيض خيرة وبركته ما يشير إليه قول الله تعالى:
((سيماهم في وجوههم من أثر السجود)) ( 57) قال أهل العلم: هو الخشوع، وقال بعضهم: هو نور الوجه، وقال بعضهم هو أن لا يظهر على وجهه ما يظهر على العصاة من ظلمة وقتر وقتام كما أخبر الله عنهم: ((ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة))، وهذا قد لا يفطن إليه الإنسان لكنه يراه عياذاً بالله فيمن يعرضون عن الطاعة ويتركون الصلاة، فإذا وجوههم كالحة، وعيونهم غائرة، وقد يكون ذلك أحياناً يرى رؤية حسية وأحياناً يكون معنوياً حيث لا يكون لأولئك محبة في القلوب، ولا قبول في النفوس، كما يحرمون التوفيق.

5- ومن أعظم هذه الآثار والبركات والفضائل أن الاجدين المصلين يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار السجود
كما ورد في الحديث الصحيح أنهم ((يبعثون غراً محجلين)) (*)، أي منورين وجوههم مضيئة مشرقة من آثار السجود لما سجدوا لله نور الله وجوههم وبيضها يوم القيامة ((يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)) (58).
هذه جملة من المعاني أشرنا فيها إلى أهميه السجود وعظمته، ثم أوضحنا ما يدل على كونه أسمى المقامات عند الله عز وجل ثم عرجنا على الدلالات المعنوية التي تفسر هذا القرب، وبعد ذلك أوجزنا ما يتعلق بمندوبات السجود وختمنا ذلك بفضائل السجود وآثاره، واستكمالاً لفقه السجود سنوجز ما يتعلق بالسجود من حيث الأحكام الفقهية.

سـجود السـهو
السهو:

هو النسيان، والمقصود السجود الذي يشرع عند وقوع النسيان في الصلاة.


وجملة ما يترتب على النسيان ثلاثة أحوال:
1-    الزيادة في الصلاة من جنسها كأن  يزيد ركعة أو سجدة أو نحو ذلك.
2-    النقص في الصلاة كأن يسلم من الصلاة قبل تمامها أو ينسي واجباً كالتشهد الأول.
3-    الشك في عدد الركعات أو في إتيانه بركن أو عدمه.

وقد وقع السهو من النبي صلى الله عليه وسلم ليسن للأمة، ومدار الحكم في سجود السهو على هذه الوقائع:
1- في الزيادة: روي الجماعة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمساً، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم))، وفي لفظ مسلم ((فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين)) (1).

2- في النقص:
روى الشيخان حديث ذي اليدين لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء ركعتين ثم سلم، فقال ذو اليدين؟ يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ((لم أنسا ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟، قالوا: نعم فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم ثم سجد للسهو)) (1).

ومن النقص ترك الواجب ومنه التشهد الأول كما ورد في حديث ابن بحينة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فقام من الركعتين فسبحوا به فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)) (2).

وهذه الحالة تتكرر كثيراً وحكمها أنه إذا سهى وقام واستتم قائماً لم يعد للتشهد الأول واجب، فإن لم يستتم قائماً وتذكر عاد لحديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد له، حديث السهو)) (1).

3- في الشك:
جاء حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين فليبن على واحدة فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو اربعاً فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم)) (2).

وهذا الحديث فيه البناء على الأقل المتيقن ثم يكمل ويسجد، وهناك قوله بأنه يبني على اليقين ويترك الشك ودليل هذا القول:
ما رواه أبو سعيد  الخدري -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك وليبين على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فأن كان صلى صلاته خمساً وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)) (1).

وفي الشك قول ثالث أنه يبنى على غالب ظنه، ومستند هذا القول ما رواه مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين)) (2).

سجود التلاوة:
من قرأ آيه سجدة أو سمعها يستحب له أن يكبر ويسجد، فعن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (1).

قال ابن القيم -رحمه الله-:
((ومواضع السجدات أخبار وأوامر، خبر من الله عن سجود مخلوقاته له، عموماً أو خصوصاً، فحسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى)) (2).

فضلـه:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فليَ النار)) (3).

وفي الحديث:
((ما من عبد يسجد سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة)) (4).

حكمـه:
الجمهور على أن سجود التلاوة سنه للقارئ والمستمع لما رواه البخاري عن عمر -رضي الله عنه- أنه قرأ ع
حكمـهوفي لفظ: شروط صحة سجود التلاوة:قال الحنفية: وقال المالكية: وقال الشافعية: وقال الحنابلة: 1- أن يصلح القارئ للإمامة:2- أن يسجد القارئ:أسباب سجدة التلاوة:صفة سجود التلاوة:سجود الشكر:حكمـه:صفتـه: شروط سجدة الشكر:قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: خاتـمـة:لى المنبر يوم الجمعة بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها الناس إنّا لم نمر بالسجود فمن سجد فقد  أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه)).

وفي لفظ:
((إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء)) (5).

شروط صحة سجود التلاوة:
يشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل)، وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة واستقبال القبلة والنية، وهذه شروط متفق عليها واختلفوا فيما عداها.

قال الحنفية:
لا يشترط لها السلام كالصلاة.

وقال المالكية:
لا إحرم فيها ولا تسليم.

وقال الشافعية:
يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح.

وقال الحنابلة:
يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان:

1- أن يصلح القارئ للإمامة:
فلو سمع الآية من امرأة وغير آدمي كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود.

2- أن يسجد القارئ:
فإذا لم يسجد فلا يسن للمستمع.

أسباب سجدة التلاوة:
تتردد أسباب سجود التلاوة بين التلاوة لآية فيها سجدة أو سماع الآية أو الاستمتاع إليها، والاستمتاع يكون بقصد والسماع ليس كذلك، ومذهب الجمهور أن الاستمتاع من أسباب السجود وأما السماع فليس سبباً، وعدّه الحنفية سبباً ولم يفرقوا بين السماع والاستمتاع.

صفة سجود التلاوة:
هيئة سجود  التلاوة مثل هيئة السجود المعهود في الصلاة ويكبر لها استحباباً عند الجمهور وعدّ الشافعية هذه التكبيرة ركناً كأنها تكبيرة إحرام، ويسبح مثل سجود الصلاة ويسن له أن يقول ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود)) (6)، ويرفع رأسه من السجود ويكبر استحباباً، ولا تشهد بعدها، وعند الحنفية لا تسليم لها وعند الشافعية السلام من أركانها، والحنابلة أوجبوا التسليمة الأولى دون الثانية.

سجود الشكر:
ويكون سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم، ويكون ذلك مطلقاً سواء كانت خاصة أو عامة أو دنيوية ظاهرة أو باطنة كتجدد ولد، أو مال أو جاه أو نصرة على عدو، أو غير ذلك من سائر النعم أو اندفاع النقم.

حكمـه:
الجمهور على أن سجود الشكر مستحب (7) لمَنْ تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة، فعن أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشَّر به خرّ ساجداً شاكراً لله)) (1).

وروي البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن عليًّا رضي الله عنه لماّ كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همذان خَرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال: ((السلام على همذان السلام على همذان)).

وروي الأمام أحمد عن عبد الرحمن  بن عوف -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجداً فأطال السجود، حتى ظننت أن الله عز وجل قبض نفسه فيها، فدنوت منه فجلست، فرفع رأسه فقال: ((من هذا ؟)) قلت: عبد الرحمن، قال: ((ما شأنك؟)) قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون الله عز وجل قد قبض نفسك فيها، فقال: ((إن جبريل عليه السلام أتاني فبشرني فقال: إن الله عز وجل يقول: مَنْ صلّى عليك صلّيت عليه، ومَنْ سلّم عليك سلّمت عليه)) فسجدتُ لله عز وجل شكراً)) (*) وروي البخاري أن كعب بن مالك -رضي الله عنه- سجد لمَّا جاءته البشرى بتوبة الله تعالى عليه (1).

صفتـه:
مثل سجود التلاوة دون الدعاء المأثور لأنه خاص بسجود التلاوة.

شروط سجدة الشكر:
قيل: يشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة والصحيح أنه ليس هناك ما يدل على اشتراط الوضوء والطهارة للمكان والثياب في سجود الشكر، ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك (10).

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:
لو أراد  الدعاء فعفر وجهه لله بالتراب وسجد له ليدعوه فيه، فهذا سجود لأجل الدعاء، ولا شيء يمنعه، فالمكروه هو سجود بلا سبب (11).

خاتـمـة:
ها هي المحطة الأخيرة في هذه الرسالة التي عرجنا خلالها على عدد غير قليل من المعاني الإيمانية المتصلة بالسجود أبرز صور العبودية والخضوع في  أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة.

وأحسب أن هذه العجالة تثير في النفس شجوناً وفي العقل تفكيراً حول الأثر الإيماني الذي يلامس القلوب فيحييها ويملؤها خشية لله وحباً له، واستحضاراً لعظمته وشوقاً للقائه لتنال النفس أحلى لذة، وأعظم سعادة، لا تقارن بها الدنيا بكل ما فيها من متاع زائل ونعيم زائف.

ولا أشك أن الجميع يستشعر أننا في أمس الحاجة إلى هذا الرواء في زمن الجدب، وإلى الارتباط بالآخرة في زحمة مغريات الدنيا، وإلى الانطلاق بالروح نحو آفاق الملأ الأعلى مع كثرة الجواذب التي  تشيد إلى الأرض، فاللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك وأذقنا لذة العبادة والطاعة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.
----------------------
المصـادر والمراجـع
----------------------
1- القرآن الكريم.

2- تفسير القرآن العظيم، للإمام أبي الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، طبع دار الفكر، 1412هـ.
3-في ظلال القرآن، سيد قطب ، طبع دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1400هـ.
4-صفوة الآثار.
5- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، طبع دار الدعوة، 1988م.
6- فتح الباري شرح صحيح الإمام البخاري، للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، طبع دار الريان، الطبعة الثانية، 1409هـ.
7- صحيح مسلم بشرح النووي، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، وشرحه للإمام أبي زكريا يحيي بن شرف النووي، طبع مؤسسة قرطبة. الطبعة الأولى، 1412هـ.
8- الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق وشرح الشيخ أحمد شاكر، طبع دار الكتب العلمية.
9- سنن أبي داود، للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، طبع دار الحديث.
10- سنن النسائي، للإمام أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، طبع دار البشائر، الطبعة الأولى المفهرسة 1406هـ.
11- المسند، للإمام أحمد بن حنبل، طبع دار الفكر، الطبعة الثانية، 1414هـ.
12- لسان العرب.
13- المعجم الكبير.
14- فيض القدير شرح الجامع الصغير، للإمام المناوي، طبع مؤسسة قرطبة.
15- النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام المبارك بن محمد الجزيري (ابن الأثير).
16- زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن قيم الجوزية، طبع مؤسسة الرسالة، الطبعة السادسة والعشرون، 1412هـ.
17- حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، للإمام عبد الرحمن بن محمد العاصمي، طبع مؤسسة قرطبة، الطبعة الثالثة، 1405هـ.
18- العدة شرح العمدة.
19- الفقه الإسلامي وأدلته.
20- فقه السنة، للشيخ سيد سابق.
21- إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي.
22- نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء لمحمد حسن عقيل موسى، طبع دار الأندلس، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
23- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، للإمام حاجي خليفة، طبعة المكتبة الفيصلية.

-----------------------------------
محتويـات الكتاب: 5
تمهيد  10
عظمة السجود  11
منزلة القرب في السجود  18
الكون والسجود  36
هيئة السجود وفضلة 40
الذكر والدعاء  45
أدعية السجود 47
البكاء في السجود  53
الخوف والرجاء في السجود  56
فضائل السجود وآثاره  59
أحكام فقهيه  66
1-    سجود السهو   66
2-    سجود التلاوة   71
3-    سجود الشكر   77
الخاتمـة    81
المصادر والمراجع   83
محتويات الكتاب    87



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
فقــــــــه السـجــــــــود
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: زاد الطالب في أصول الفقة-
انتقل الى: