منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 ماذا تعرف عن ليلة القدر؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20289
العمر : 66

مُساهمةموضوع: ماذا تعرف عن ليلة القدر؟   14/07/15, 05:36 pm

ماذا تعرف عن ليلة القدر؟
الشيخ ندا أبو أحمد
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
--------------------------------------
تمهيد
  إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1]
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب: 70،71]. 
أما بعد...
فإن أصدق الحديث كتاب الله -تعالي- وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

اصطفاء الله تعالى لليلة القدر
قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، إذا تأملت أحوال هذا الخلق؛ رأيت أن هناك حكمة من اصطفاء الله تعالى بعض المخلوقات والشهور والأيام والليالي على بعض، وهذا يدل على ربوبية الله ووحدانيته، وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار. 
ـ فخَلَقَ الله السموات سبعاً، فاختار العليا منها فجعلها مستقر المقرَّبين من الملائكة، واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها مَن شاء من خلقه.
ـ وخلق الله الجِنان واختار منها جنَّة الفردوس، وفضَّلها على سائر الجنان، وخصَّها بأن جعل عرشه سقفها، وقد جاء في "صحيح البخاري" من حديث أبى هريرة t أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجَنَّة مائة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، كلُّ درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسئلوه الفردوس، فإنه أوسط الجَنَّة وأعلى الجَنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجَنَّة".
ـ وخلق الله الملائكة واصطفى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته إذا قام من الليل فيقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اُختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلي صراطٍ مستقيم" (أخرجه مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها-) فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقُرْبِهم من الله.
ـ وخلق الله الخلق واصطفى منهم الأنبياء، ثم من الأنبياء الرسل، ثم اختار من الرسل أولي العزم وهم الخمسة المذكورين في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7]، ثم اختار من أولي العزم محمداً -صلى الله عليه وسلم- فهو سيد ولد آدم، ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بن آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشاً، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمداً -صلى الله عليه وسلم-. 
ـ وكذلك اختار الله تعالى لنبيه أصحابه من جملة العالمين، واختار منهم السابقين الأوَّلين، واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان.
 
ـ واختار الله تعالى أمة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على سائر الأمم.
فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أعطيتُ ما لم يُعطَ أحدٌ من الأنبياء: نصرتُ بالرعب، وأعطيتُ مفاتيح الأرض، وسُمِّيتُ أحمد، وجُعِلَ التراب لي طهوراً، وجُعِلَت أمتي خير الأمم".
ـ واختار الله لهم من الدين أكمله، ومن الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها، ووهبها الحلم والعلم ما لم يهبه لأمَّةٍ سواها ففي "مسند الإمام أحمد" وعند البزار من حديث أبي الدرداء مرفوعاً: "إن الله تعالى قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم؟  قال: أُعْطيهم من حلمي وعلمي".
ـ ومن هذا اختياره -تعالى- البلد الحرام من سائر البلدان، فإنه -تعالى- اختاره لنبيه، وجعله مناسك لعِبادِه، وأوجب عليهم الإتيان إليه من كل فجٍّ عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشِّعين متذلِّلين، كاشفي رءوسهم، متجرِّدين عن لبـاس أهل الدنيا، وجعله حرماً آمناً، لا يُسْفَك فيه دمٌ، ولا يُقْطَع به شجرة، ولا ينفر له صيدٌ، ولا يختلي خلاه –أي: لا يقطع نباته الرطب-، وهذا كلُّه سرُّ إضافته إليه -تعالى-: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26]، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته.
ـ وكذلك اصطفى الله تعالى واختار بعض الأيـام والشهور على بعض، فخير الأيـام عند الله يوم النحر: وهو يوم الحج، كما في "السُّنن" وعند الإمام أحمد: "أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر" وقيل: يوم عرفة أفضل منه، وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي قـالوا: لأنه يوم الحج الأكبر وصيامه يُكفِّر سنتين، وما من يوم يعتقُ اللهُ فيه الرقابَ أكثر منه في يوم عرفة". 
ـ وكذلك فضَّل الله تعالى يوم الجمعة، والعشْر الأيام الأُوَل من ذي الحجة على سائر الأيام فهذا خلق الله وهذا هو اختياره، كما قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [القصص: 68].
ـ ومن ذلك تفضيل شهر رمضان على سائر شهور العام، وتفضيل العشر الأواخر على سائر الليالي، وتفضيل ليلة القدر على جميع الليالي فهي خير من ألف شهر.    (انظر زاد المعاد: 1/ 42 - 65).
 
وحديثنا عن ليلة القدر سنتناوله في صورة سؤال وجواب
قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ {3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ {4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5)} [سورة:القدر].

س1: ويبقى هنا السؤال لماذا سميت هذه الليلة بليلة القدر؟ 
إن الحديث عن ليلة القدر حديث عن ليلة العظمة والشرف، يقال: فلان له قدر، أي: له منزلة وشرف.

وسميت بذلك لأمور منها: 
1ـ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأمَّةٍ ذات قدر.
2ـ وقيل: لأنه مَنْ أتى فيها بفعل الطاعات، صار ذا قدر وشرف عند الله -تعالى-. 
3ـ وقيل: "ليلة القدر" يعني: ليلة الضيق، قال الخليل بن أحمد مستدلاً بقوله تعالى: 
{وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أي: ضيق، وسميت بذلك لأن الأرض تضيق بها الملائكة النازلة إليها في تلك الليلة، ونزول الملائكة كله خير وبركة، وفي الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أبى هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى". (رواه أحمد عن قتادة). 
4ـ وقيل: المراد بها التعظيم، كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91]، [الزمر: 67]. 
5ـ وقيل: "ليلة القدر" أي: ليلة التقدير، وسميت بذلك لما روي عن ابن عباس –رضي الله عنهما– وغيره: "أنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ {3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3-4].

ملاحظة:
والمراد من التقدير: إظهاره -تعالى- ذلك للملائكة -عليهم السلام- المأمورين بالحوادث الكونية، والمعينين بشئون الخلق، وإلا فتقديره تعالى بجميع الأشياء أزلي قبل خلق السموات والأرض. 

تنبيه: 
ليس هناك ما يمنع أن يكون معنى ليلة القدر متضمناً لكل هذه المعاني، فهي الليلة ذات الشرف والقدر لِما حدث فيها من تنزُّل القرآن الكريم، ولِما يتنزَّل فيها ملائكة الله الأكرمين، ولِما يظهر الله فيها لملائكته ما قدَّره في شأن العباد أجمعين لعامهم الجديد... والله أعلم. 
 
س2: مـا هو فضل ليلة القدر؟
فضل ليلة القدر كثير وعظيم ففيها العطايا والمنح ومنها:-
1- أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم في هذه الليلة، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].
فالصحيح المعتمد كما قاله ابن حجر -رحمه الله- في "شرح البخاري" وكما صحَّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن القرآن الكريم أُنْزِل في ليلة القدر جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلي بيت العزة في السماء الدنيا".
وقيل: هي الليلة التي بدأ نزول القرآن فيها على قلب سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-. 
وقيل: هي الليلة التي أمر الله سبحانه القلم فيها أن يكتب القرآن في اللوح المحفوظ 
فعلى أية حال: فهي الليلة التي حظيت بساعة الفصل من عالم الغيب المكنون إلي عالم الشهادة الموجود. 
فهي الليلة التي حظيت بنزول القرآن الكريم فيها، وهو حدث عظيم لم تشهد الأرض ولا السماء مثله في عظمته. 
وكأن هذه الليلة لها قدر عند الله منذ الأزل، وقد ازدادت قدراً على قدر بنزول القرآن فيها، وحظيت بهذا الشرف فوق شرفها الأول، وأصبحت سيدة الليالي. 
وهذا يأخذ بأيدينا إلى الفضيلة الثانية وهي: 
2- أن الله -تعالى- العظيم؛ عظَّم شأنها وذكرها بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} أي: أن دراية علوها ومنزلتها خارج عن دائرة دراية الخلق، فلا يعلم ذلك إلا علام الغيوب جل جلاله.
3- إن العبادة والعمل الصالح فيها: من الصيام والقيام والدعاء وقراءة القرآن خيراً من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3].
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" (30/ 167): "عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر" وهذا الذي صوَّبه ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره.
 
4- ليلة القدر لا يخرج الشيطان معها
ودليل ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: 
"إن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر".
وفى رواية عند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ".
وفى رواية ابن حبان عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها".
ولذلك قال رب العالمين فيها: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر} [القدر: 5].
فهي ليله كلها خير وسلام، سالمة من الشيطان وأذاه 

قال الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: 
"في تلك الليلة تُصفَّد مردة الجن، وتُغلُّ عفريت الجن".
وقال مجاهد: 
"هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءً ولا يحدث فيها أذىً".
وقال أيضاً: 
"لا يُرسَل فيها شيطان ولا يحدث فيها داء".
ويروى عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: 
"لا يستطيع الشيطان أن يصيب فيها أحداً، أو داء، أو ضرب فساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر".
5- أن الملائكة والروح تَنَزَّل في هذه الليلة:
قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4]، والمقصود بالروح: هو جبريل عليه السلام.

وأخرج ابن خزيمة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
 قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى، والملائكة تنزل بالرحمات والبركات والسكينة، وقيل: تتنزل بكل أمر قضاه الله وقدره لهذه السنة".

6- أن الأمن والسلام يحل في هذه الليلة على أهل الإيمان.
قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر} [القدر: 5].

واختلفوا في تفسير هذه الآية على أقوال:- 
فقيل: سلام من الشر كله، فلا يكون فيها إلا السلامة، وقيل: تنزل الملائكة في هذه الليلة تسلم على أهل الإيمان، وقيل: لا يستطيع الشيطان أن يمسَّ أحداً فيها بسوء، وقيل غير ذلك.

7- أنهـا ليلـة مبــاركة 
قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } [الدخان: 3].
قال ابن عباس - رضي الله عنهما-: يعني ليلة القدر.
 
8- أن مَن قامها إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه 
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة t أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه".

9- يتم فيها تقدير مقادير السنة، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4]
قال ابن رجب –رحمه الله– كما في "لطائف المعارف" (1/231):
روي عن عكرمة وغيره من المفسرين في قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].
أنها ليلة النصف من شعبان، والجمهور: على أنها ليلة القدر، وهو الصحيح. اهـ

وأخيراً نقول لكل مَن فرَّط وضيَّع: 
اِسْتَدْرِك ما فاتك في ليلة القدر، فالعمل فيها خير من ألف شهر سواها، فمَن حُرِمَ خيرها فهو المحروم، كما أخبر الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة t أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افْتَرَضَ الله عليكم صيامه، يُفتَّح فيه أبواب الجَنَّة ويُغَلَّق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرها فقد حًرِم"، وأخرج ابن ماجه عن أنس -رضي الله عنه- قال: "دخل رمضان فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يُحْرَم خيرها إلا محروم". (صحيح الجامع: 2247). 
إخواني... ليلة القدر يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع الخطاب، ويرد الجواب، ويكتب للعاملين فيها عظيم الأجر، ليلة القدر خير من ألف شهر، فاجتهدوا - رحمكم الله - في طلبها، فهذا أوان الطلب، واحذروا من الغفلة،  ففي الغفلة العطب.
تولَّـى العمر  في سهو وفي لهو وفي خمر
فيـا  ضيعة مـا أنفقت في الأيام من عمري
وما لي في الذي ضيَّعت من عمري من عُذر
فما أغفلنا عن واجبات الحمـد  والشـكـر
أمـا قـد خصَّنـا الله بشهـر أيَّمـا شهر
بشهر أنزل  الرحمـن فيـه أشرف الذكـر
وهـل  يشبهه  شـهر وفيـه ليـلة القـدر
فكم مـن خـبر صحَّ بما فيهـا من  خير
رويـنـا عن ثقـات أنها تُطْلَب في الوتر
فطـوبـى  لامـرئ يطلبها في هذه العشر
ففيها تَنَزَّل الأمـلاك بالأنــوار  والبـرِّ
وقد قـال: سلام هي حتـى  مطلع  الفجر
ألا  فادَّخِرهـا  إنها مـن  أنفس  الذخر
    فكم من مُعتَقٍ  فيها من النـار ولا يدري

 وقـفـــــــــــــة: 
وهذه العطايا والمنح الربانية والهبات الإلهية تجعلنا نتحرَّى ونلتمس ليلة القدر امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- الثابت في "صحيحي البخاري ومسلم" من حديث عائشة –رضي الله عنها-: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان". 
وكذلك عملاً بقوله تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187].
قيل في تفسير قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}، يعني: الولد (روي هذا عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري). 
وقيل: {وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}، تعني: ليلة القدر (روي هذا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-).

والتحقيق أن يقال: 
لما خفَّف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصيام إلي طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر حتى لا يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم -عزوجل- إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة ولا يباشروها بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا بها ما كتب الله لهم من الأجر، ويبتغوا بها الولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ويبتغوا بها ما أباح الله لهم من الرخصة بحكم محبته لقبول الرخصة، فإن الله يحب أن يُأْخَذَ بِرُخَصِهِ كما يكره أن تُؤْتَى معصيته.

ولكن يبقى سؤال: 
ما علاقة ابتغاء هذه الليلة بإباحة مباشرة الزوجات؟ 
والإجابة على ذلك: 
أن هذا فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر، فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطركم من نسائكم ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب لكم من هذه الليلة وما فيها من الفضل العظيم.
 
س3: هل هذه الليلة خاصة بالأمة المحمدية أم كانت في الأمم السابقة؟
ذهب البعض إلى: أن هذه الليلة خاصة بالأمة المحمدية مستدلين بالحديث الذي أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" والبيهقي في "الشعب" عن قتادة: "أنه بلغه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرى أعمار الناس قبله -أو ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا في العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر؛ فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر". (الدر المنثور: 6/ 629). 

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن مجاهد: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر" (المصدر السابق). 

وصرَّح بهذا الرأي الهيثمي، وابن حبيب من المالكية، ونقلها عن الجمهور وحكاه "صاحب العدة" من الشافعية ورجَّحه، بل حكى الخطابي عليه الإجماع واستدلوا كذلك بما رواه الديلمي عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها مَن كان قبلهم".
 
لكن قد يعترض على هذا الرأي بحديث أبى ذر -رضي الله عنه- والذي رواه النسائي والإمام أحمد وفيه: "قلت يا رسول الله أتكون مع الأنبياء (أي ليلة القدر) ما كانوا فإذا قُبِضُوا رفعت؟ أم هي إلى يوم القيامة؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: بل هي إلى يوم القيامة".

والذي يترجَّح جمعاً بين الأدلة: 
أن ليلة القدر موجودة منذ الأزل، وهى ليلة لها منزلتها وشرفها من بين سائر الليالي، منذ أن خلق الله الأيام والليالي، ولكن تخصيص العمل فيها بتلك الأفضلية وأن العمل فيها من الطاعات خير من ألف شهر هو خاص بالأمة المحمدية؛ وذلك عوضاً عن قصر أعمار تلك الأمة، فمعنى بقائها مع الأنبياء السابقين هو بقاء شرفها وفضلها في ذاتها، وليس في مضاعفة الثواب، والعمل بألف شهر إذ أن ذلك خاص بالأمة المحمدية، أو أنها كانت موجودة في الأزل، لكن الإخبار عنها والإعلام بها لم يتأت للأنبياء السابقين، وإنما خص الله به نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته دون غيرها.

إشكال والرد عليه: 
زعم البعض إلى: أنها رُفِعَت وأنها غير موجودة، وهذا كلام بعيد، وقد قال النووي -رحمه الله- في "شرحه لمسلم" (4/32): أجمع مَن يُعْتَدُّ به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر، وقال القاضي: وشذَّ قوم فقالوا: "رُفِعَت"؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "حين تلاحا الرجلان" (فرفعت) وهذا غلط؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وعسى أن تكون خيراً لكم فالتمسوها في السبع والتسع" (كما جاء عند البخاري).
 وفى هذا الحديث التصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20289
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: ماذا تعرف عن ليلة القدر؟   17/07/15, 01:03 am

س4: ما هي علامات ليلة القدر؟ 
لهذه الليلة علامات تُمَيِّزُها عن غيرها 

هناك علامات تكون في الليلة نفسها ومنها:-
1- أن يكون الجو مناسباً والريح ساكنه. 
فقد أخرج ابن خزيمة والبزار عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليلة القدر ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها خفيفة حمراء" (صحيح الجامع: 5475).
وفى رواية أخرى عن أحمد وابن حبان عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني كنت أريت ليلة القدر، ثم نسيتها، وهى في العشر الأواخر من ليلتها، وهى ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة".

ومع هذا السكون قد ينزل المطر فيها 
فقد أخرج  البخاري ومسلم من حديث أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبهم فقال: "إني رأيت ليلة القدر ثم أُنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين"، قال أبو سعيد: "مطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظرت وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء".

2- الطمأنينة والسكينة التي تَنَزَّل بها الملائكة
فيحس الإنسان بطمأنينة القلب، ويجد من انشراح الصدر ولذة العبادة في هذه الليلة ما لا يجده في غيرها. وفيها يشعر العبد بالقرب من ربه والأنس به. 

وهناك علامات لاحقة (بعدية) تدل عليها:- 
وهى أن تطلع الشمس في صبيحتها صافية لا شعاع فيها 
فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صبيحة ليلة القدر تطلع الشمس لا شعاع لها –كأنها طست حتى ترتفع-" (صحيح الجامع: 3754).
 
وعلى أية حال: 
فإن النبي علَّق فضلها على القيام فيها بالعبادة، ولم يعلقه على رؤية شيء فيها فقال كما عند البخاري: "مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه".

تنبيه: 
للعامة حول علامات ليلة القدر خرافات كثيرة، واعتقادات فاسدة منها: 
أن الشجر يسجد، وأن المباني تنام، وأن الكلاب تكفُّ عن النباح، والحمير تكف عن النهيق... وغير ذلك مما هو ظاهر الفساد والبطلان وليس عليه برهان.

س5: ما الذي يُسْتَحَبُ فعله لمن أدرك ليلة القدر؟
هذه الليلة المباركة مَن حُرِمها فقد حُرِم الخير كله، ولا يُحْرَم خيرها إلا محروم؛ لذلك ينبغي للمسلم الحريص على طاعة الله أن يحيها إيماناً وطمعاً في أجرها العظيم، وأن يجتهد في العشر الأواخر أسوة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أخرج الإمام  مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد [فيها] ما لا يجتهد في غيرها".

ولذلك يسن فيها هذه الأعمال:-
أولاً: الاعتكاف: 
وقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الاعتكاف في العشر الأواخر في رمضان.. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم أعتكف أزواجه من بعده". 
وفى العام الذي قبض فيه النبي اعتكف عشرين يوماً، أي: العشر الأواسط والعشر الأواخر جميعاً، كما جاء عند البخاري من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين".
وإنما كان يعتكف النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعاً لأشغاله، وتفريغاً لباله، وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيراً يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم حتى يَتِمَّ أنسه بالله -تعالى-، وَلَمّ شعث القلب بالإقبال على الله تعالى، وذلك بالانقطاع التام إلى العبادة، وعملاً على حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات، والتقلُّل من المباح من الأمور الدنيوية، والتخلُّص من خِصال الترف، والحماية من آثار فضول الصحبة، فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال، فيصير شأنها شأن التخمة بالطعام، وأيضاً حماية القلب من جرائر فضول الكلام... 
وغير ذلك من الأمور التي تفسد القلب وتمرضه، بل ربما تقضي عليه، فالاعتكاف مشفى هذه الأمراض، يخرج الإنسان من معتكفه معافى سليم القلب، وذلك إذا علم معنى الاعتكاف، وقام على تحقيق هذا المعنى.

ثانياً: القيــام فيهـا:
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" قال الحافظ -رحمه الله- في "الفتح" (4/ 296 ): معنى إيماناً: أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه، ومعنى احتساباً: أي طلباً للأجر، لا لقصد أخر كرياء ونحوه. اهـ
قال ابن رجب -رحمه الله- كما في "لطائف المعارف" (2/ 337): وقيام ليلة القدر إنما هو أحياؤها بالتهجد فيها والصلاة. اهـ

ثالثاً: الدعــاء فيهـا 
قال ابن رجب -رحمه الله- كما في "لطائف المعارف" (2/ 338- 340): وقد أخرج الإمام أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "قلت للنبى -صلى الله عليه وسلم-: أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: "اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني".
العَفُوّ: من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو، فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته، فالرحمة من صفات الذات والغضب من صفات الفعل، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك" (مسلم وأحمد).
قال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: "لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه".
يشير إلى أنه ابتلى كثيراً من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب؛ ليعاملهم بالعفو فإنه سبحانه يحب العفو. اهـ

وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال كما عند الترمذي في فضل رمضان: 
"ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة".       

سبحانك من إله عفو كريم !
فاللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعفُ عنا
قال ابن رجب كما في "لطائف المعارف" (2/337 ): قال سفيان الثوري: "الدعاء في تلك الليلة أحب إليَّ من الصلاة" اهـ، ومراده: أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لم يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسناً.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهجَّد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتَّلةً، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوَّذ، فجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكُّر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها... والله أعلم.

رابعاً: إيقــاظ الأهل للصــلاة:
وتتأكد في الوتر التي يُرْجَى فيها ليلة القدر 
فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله".
1- شد المئزر: أي اجتهد في العبادة واعتزل النساء.
2-أحيا ليله: أي سهره بالطاعة.
3-أيقظ أهله: أي للصلاة. 

وعند الطبراني من حديث عليِّ -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكلَّ صغير وكبير يطيق الصلاة".
قال سفيان الثوري: أحبَّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجَّد بالليل، ويجتهد فيها، وينهض أهله وولده إلي الصلاة إن أطاقوا ذلك.
وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في "صحيح البخاري": "أنه كان يطرق فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: ألا تقومان فتُصَلِّيان".
وكان يوقظ عائشة -رضي الله عنها- بالليل إذا قضى تهجُّده وأراد أن يُوتر، وقد رغب النبي أيضاً أيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه (كما ثبت ذلك في "سنن الترمذي")، وفي "الموطأ": "أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة... الصلاة ويتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].
 
خامساً: المحافظة على الصلوات المكتوبات في المسجد:
خصوصاً المغرب والعشاء والفجر، وهذا هو الحد الأدنى، وأقل القليل الذي به تكون قد أصبت من ليلة القدر، فقد أخرج البيهقي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن صلَّى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر".
وأخرج الإمام مالك في "الموطأ" عن سعيد بن المسيب -رحمه الله- أنه قال: "مَن شَهدَ العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها"، قال ابن عبد البر: "قول ابن المسيب لا يكون رأياً، ولا يؤخذ إلا توقيفاً، ومراسيله أصح المراسيل"، وكذا قال الشافعي -رحمه الله- في "القديم": "مَن شَهدَ العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه فيها"، فأقل شيء يفعله الإنسان في تلك الليلة: هو أن يحافظ على الأوقات في جماعة خاصة العشاء الأخيرة والفجر.

نــداء:
يا مَن ضاع عمره بلا شيء، اِستدرِك ما فاتك ليلة القدر، فإنها تحسب بالعمر، فبادر إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر، فعسى أن تتدارك ما فاتك من ضياع العمر. 
 
س 6: هل للحائض والنفساء والمسافر والنائم لعذر نصيب في ليلة القدر؟
قال جوبير: قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم، لهم في ليلة القدر نصيب؟ 
قال: نعم. كلُّ مَن تقبَّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليله القدر. اهـ 
فالمعول على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببرِّ القلب لا بعمل الأبدان، فرُبَّ قائم حظه من قيامه السهر، وكم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر. 
لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وإصلاح النيات، وكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.

س7: أي لـيـلـة هــي؟ 
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- كما في "فتح الباري" (4/ 309): اختلفت آراء العلماء في تحديد وقتها إلى أكثر من أربعين قولاً. اهـ
ثم ذكر هذه الأقوال وأدلة أصحابها.
والأكثرون: على أنها في العشر الأواخر من رمضان، وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان"، وفي رواية: "فابتغوها في العشر الأواخر".

وأكثرهم كذلك: على أنها في الوتر من العشر الأواخر 
وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تحرُّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان".

وهى في السبع الأواخر أقرب
وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رجالاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- رأوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمَن كان متحرِّيها فليتحرها في السبع الأواخر.
تواطأت: اتفقت.
وفى "صحيح مسلم" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي".

وذهب بعضهم: 
إلى أنها ليلة السابع والعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة، وبه جزم أبي ابن كعب، بل حلف على ذلك.
فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: "والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين".

والذي يترجَّح: 
أن ليلة القدر في العشر الأواخر وأوتار العشر آكد، وأنها تنتقل فيها، وأنها لا تختص بليلة السابع والعشرين، بل هي متنقلة بين الليالي الوترية.

وحكى ابن كثير هذا الوجه عن مالك وأحمد وغيرهما: 
وأما ما جاء عن أبي بن كعب في إنها ليلة السابع والعشرين، فالصحيح إنها كانت في هذه السنة التي أقسم فيها أبي بن كعب ليلة السابع والعشرين، وعليه فلا ينبغي تحديدها في كل سنة ليلة السابع والعشرين.

قال ابن حجر الهيثمي -رحمه الله-:
اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر، بل تنتقل في لياليه، وقالوا: لا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك.
 
وروي عن أبي كلابة أنه قال: 
تنتقل في العشر الأواخر، وقد مال إلى هذا الرأي كثير من السلف الصالح، منهم الإمام مالك وأحمد بن حنبل، والثوري، وأبى ثور، والمزني... وغيرهم.

وقد حكي عن الإمام مالك -رحمه الله-: 
أن جميع ليالي العشر تطلب فيها ليلة القدر على السواء، لا يترجَّح منها ليلة على أخرى.

وقال ابن حجر في "فتح الباري": 
والأرجح أنها في وتر من العشر الأخر وأنها تنتقل.
وهناك ما يدل على أنها متنقلة، فقد ورد أحاديث بثبوتها ليلة إحدى وعشرين، وفى ليلة ثلاث وعشرين، وفى ليلة سبع وعشرين، وفى ليلة تسع وعشرين.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "أنه خطبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أنى أسجد في ماء وطين"، قال أبو سعيد: "مطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف الناس في مصلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طيناً وماء"، ففي هذا الحديث كانت ليلة القدر إحدى وعشرين.

وثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه-: 
"أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ قال: التمسوها هذه الليلة ثلاث وعشرين".

وجاء عن أبي بن كعب: 
أنها ليلة سبع وعشرين وثبت أيضاً عن ابن عباس (رواه أحمد وابن خزيمة). 

وفى "صحيح ابن خزيمة" عن معاوية بن أبى سفيان -رضي الله عنه- قال: 
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة".
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن ليلة القدر غير ثابتة في ليلة بعينها، بل هي متنقلة في الليالي الوترية.

ومن هنا يتبين لنا بدعية الاحتفال بليلة السابع والعشرين 
فتخصيص ليلة السابع والعشرين والتنصيص عليها بأنها ليلة القدر، والاحتفال بها والتهجُّد أو الاعتكاف فيها فقط... هذا كله من البدع، قال الشيخ على محفوظ في كتابه "الإبداع في مدار الابتداع" تحت عنوان "المواسم التي نسبوها للشرع وليست منه": ومنها ليلة القدر، ولا شك أن أحياءها مستحب كسائر ليالي الشهر، خصوصاً ليالي العشر الأواخر منه، وقد صحَّت الأحاديث في ذلك، فقد أخرج البخاري ومسلم: 
"مَن قام ليلة القدر إيمانا واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه".

ولكن النظر في تخصيصها بالإحياء من بين الليالي، يوهم الناس أن ذلك مشروع، وهو ليس كذلك
فإنه -صلى الله عليه وسلم- حثَّ على قيام ليالي رمضان كله، وحثَّ على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر منه.

وهذا يفيد أن إحياء هذه الليلة بخصوصها وجعله موسماً لا أصل له، فهو بدعة.
أضف إلى ذلك أن إحياءها يكون بغير ما رغب الشارع فيه من إيقاد النار، وكثرة الإضاءة في المساجد... إلى غير ذلك مما لا فائدة فيه ولا غرض صحيح.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20289
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: ماذا تعرف عن ليلة القدر؟   17/07/15, 01:07 am


س 8: كيف تُلْتَمَسْ أو تَحْصُلْ ليلة القدر لجميع سكان الأرض رغم اختلاف المطالع؟
بداية ينبغي أن نعلم أنه بناءً على كروية الأرض ودورتها حول الشمس، فإن المطالع تختلف على سطحها، وقد أشار الله -تعالى- إلى هذه الحقيقة في كتابه، فقال رب العالمين: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} [المعارج: 40]، ومقتضى ذلك: أن الليل عند قوم يكون نهاراً في الجهة المسامتة لأقدامهم، وربما يكون زمن الليل عند قوم بعضه نهاراً عند آخرين، وعلى هذا فإن الشهر يختلف دخولاً وخروجاً بالنسبة لسكان البسيطة وكذا لياليه وأيامه، فتكون وتراً عند قوم وشفعاً عند آخرين.. وهكذا.

ويبقى السؤال يطرح نفسه: كيف تحصل ليلة القدر لجميع سكان الأرض مع اختلاف المطالع؟ 
والمسألة فيها قولان أو احتمالان كما ذكر ذلك الإمام الألوسي في "روح المعاني"
القول الأول أو الاحتمال الأول:
إن التخصيص بالليل جاء على الغالب رعاية لمكان المُتَنَزَّل عليه القرآن وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- وغالب المؤمنين به، وبناء على ذلك يكون جميع سكان البسيطة في ليلة القدر تبعاً لوقت مكة والمدينة، وقد ثبت أن سائر الأقطار الإسلامية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق تتجمع في جزء من الليل، وحيث يكون هذا الوقت نهاراً عند قوم فإن الله يعطي أحدهم لمن اجتهد منهم في ليلة ذلك اليوم، أو اجتهد فيه، ولعل في قول العلماء: إنه يسن الاجتهاد في يومها يكون رمزاً إلى هذا المعنى وهو حصول ثوابها لمَن كان وقتها عندهم نهاراً، ومما يقوي هذا الاحتمال قول أهل الفتوى: برجوع أهل العروض التي يطول فيها الزمن النهاري أو الليلي جداً -كالبلاد القطبية أو القريبة منها- في تقدير أوقات صومهم وصلاتهم، إما إلى أعدل الزمن على خط طولهم، وإما إلى أوسط الزمن وهو زمان مكان التنزيل والوحي، وهو زمن أهل مكة جرياً على القاعدة التي تقول: إن خطاب الله وأحكامه تكون على الغالب"... والله أعلم.

 القول الثاني أو الاحتمال الثاني:  
أنه يكون لكل قوم ليلتهم الخاصة بهم وإن اختلفت دخولاً وخروجاً بالنسبة إلى آفاقهم، وتكون ليلة القدر أشبه براكب يبدأ السير من نقطة معينة ويسير في اتجاه واحد، فإنه سيلف الكرة الأرضية كلها حتى يصل إلى النقطة التي بدأ منها، ومعنى ذلك أن ليلة القدر تحصل إلى أهل كل منزل في وقت ليلهم، كما تتنزَّل الملائكة على أهل هذه المنازل على حسب دخول الليل عندهم، ولا يبعد أن يتنزَّل عند كل قوم ما شاء الله تعالى منهم عند أول دخولها عندهم، ويعرجون عن مطلع فجرها عندهم أيضاً.

أو يبقى المُتنزَّل منهم هناك إلى أن تنقضي الليلة في جميع المعمورة؛ فيعرجون معاً عند انقضائها.
وما يقال بالنسبة لتنزل الملائكة يقال أيضاً بالنسبة إلى تقديرات الله في هذه الليلة، بأن يقدر الله -صلى الله عليه وسلم- على حسب سير الليلة في أي جزء شاء منها بالنسبة إلى مَن هي عندهم أموراً تتعلق بهم.
ومثل ليلة القدر فيما ذكر وقت نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا من الليل كما صحت به الأخبار، وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمع، وسائر أوقات العبادة كوقت الظهر والعصر وغيرها.

والراجح هو القول الثاني:
لأنه يتوافق مع سنة الله -تعالى- في خلق الكون على هذا النحو، وإلا لو كان المراد هو الرجوع إلى زمن مكة لجعل الله الزمان على الأرض واحداً وما كان بينه هذا الاختلاف.

كما أن القول بهذا الرأي أيضاً يجلي لنا حقيقة مهمة وهي: 
أن فيوضات الله وتجلياته على عباده وتقديراته لهم لا تنقطع في هذه الليلة من على الأرض لحظة فهي تجليات موصولة وعطاءات متوالية، كما إن عبادات الخلق لا تنقطع من على الأرض لحظة، واتجاههم إلى الله موصول في كل وقت وحين.

وأيما كان الأمر: 
فمرد الفضل كله إلى الله، وأفضلية هذه الليلة ومناط الفضل فيها يرجع إلى مَن أقامها وأحياها في أي مكان على ظهر الأرض... والله أعلم.
 
س9: ما الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟
قال الحافظ -رحمه الله- في "فتح الباري" (4/ 315 ): قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها. اهـ 
وفى الحقيقة أنه على الإنسان أن يهتم بما طلبه الله منه وهو العبادة في ذلك الشهر عامة، والمزيد منها في العشر الأواخر خاصة، ولا يشغل نفسه بما طواه الله عنه، فما كان الله ليخفي عنا شيئاً ثم يطالبنا بإفراغ الوقت في تحديده.
فالله تعالى أخفى عنا تحديدها، فما ذلك إلا من أجل الاجتهاد في العبادة طوال الشهر عامة، وفي العشر الأواخر خاصة، فالعاقل هو الذي يشتغل بما طُلِبَ منه، ولا يصرف وقته فيما طوي عنه، ويضع نصب عينيه دائماً (مَن لم يُغْفَر له في رمضان فمتى؟).

وقال الفخر الرازي في تفسيره "التفسير الكبير": أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه: 
أحدها: 
أنه تعالى أخفاها كما أخفى سائر الأشياء، فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، وأخفى وليَّه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف... فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان.

وثانيها: 
كأنه تعالى يقول: لو عينت ليلة القدر وأنا أعلم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك؛ فلهذا السبب أخفيتها عليك.
روى أنه -عليه الصلاة والسلام-: "دخل المسجد فرأى نائماً، فقال: يا عليُّ نبهه ليتوضأ، فأيقظه عليُّ، ثم قال عليُّ: يا رسول الله إنك سبَّاق إلى الخيرات، فَلِمَ لم تنبِّهُه؟ قال: لأن ردَّه عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخفَّ جنايته لو أبى"، فإذا كانت هذه رحمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكيف برحمة الله تعالى؟.

فكأنه تعالى يقول: 
إذا علمتَ ليلة القدر؛ فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب.

وثالثها: 
أنى أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها حتى يكتسب ثواب الاجتهاد. 
أن العبد إذا لم يتيقَّن ليلة القدر إنه يجتهد بالطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليله القدر؛ فيباهي الله تعالى بهم ملائكته، ويقول: كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء، فهذا جدَّه واجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له؛ فحينئذ يظهر سر قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
 
س10: ما هو السبب في إخفاء ليلة القدر؟
أخرج البخاري من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة".
وفي بعض روايات الحديث: "فالتمسوها في العشر الأواخر"، فدلَّ الحديث على أن المخاصمة كانت سبباً لنسيان وقتها.
ومعنى تلاحى: تشاجر.

وجاء في "صحيح مسلم" عن أبى هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أُريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها"، قال الحافظ -رحمه الله- في "فتح الباري" (4/ 268): وهذا سبب آخر، فإما أن يحمل على التعدد بأن تكون الرؤية في حديث أبى هريرة مناماً؛ فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة أو يحمل على اتِّحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، ويحمل أن يكون المعنى: أن أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين، فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. اهـ

فانظروا رحمكم الله ماذا فعل الخصام!؟
فقد كانت الملاحاة سبباً لرفع تعيينها؛ وهذا شأن الخصومات تمنع الخير.
فإن الواجب على المسلمين أن يكون متحابين متآلفين، يحب كل منهما لأخيه ما يحب لنفسه، ومَن كانت بينه وبين أخيه المسلم خصومة؛ فليبادر بالصلح، ومَن كانت بينه وبين أحد أرحامه قطيعة؛ فعليه أن يقوم بصلة رحمه؛ فإن الخير يرتفع من الأرض بسبب الخصومات والشحناء.
فلنعمل جميعاً بوصية رب العالمين حين قال في كتابه الكريم: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}. [الأنفال: 1]، فهذا ما يريده منَّا رب العالمين، أما ما يريده الشيطان اللعين، فقد أخبرنا عنه رب العالمين فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء} [المائدة: 91].

فمَن تطيع!؟
هيا أخي الحبيب... ابدأ أنت وصِلْ مَن قطعك، واعف عمَّن ظلمك، واعطِ مَن حرمك، 
واعمل بوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (رواه البخاري ومسلم من حديث أنس).
وفى روايـة أخرى عند البخـاري ومسلم من حديث أبي أيوب الأنصـاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
أخي الحبيب... هل تعلم أن إصلاح ذات البين أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ نعم، فقد أخرج أبو داود وأحمد والبخاري في "الأدب" والترمذي عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قـال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قـالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة".

وأختمُ بهذه البشارة... 
لكل مَن هو سليم الصدر، نقي القلب، أبشر أيها الحبيب... فأنت من أفضل الناس.. فقد أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي ولا غل ولا حسد". 
والله أسأل أن يُطهِّرَ قلوبنا من الشحناء والغل والبغض والحسد، وأن يجعلنا إخواناً متحابين، وفي الآخرة على سرر متقابلين... آمين.

وبعد... فهذا آخر ما تيسَّر جمعه في هذه الرسالة...
نسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن يتقبَّلها منَّا بقبول حسن، كما أسأله -سبحانه- أن ينفع بها مؤلفها وقارئها، ومَن أعان علي إخراجها ونشرها.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وهذا بشأن أي عمل بشري يعتريه الخطأ والصواب، فإن كان صواباً فادعُ لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثم خطأ فاستغفر لي.
وإن وجدت العيب فسد الخللا جلّ مَن لا عيب فيه وعلا
فاللهم اجعل عملي كله صالحاً ولوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه نصيب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
ماذا تعرف عن ليلة القدر؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: فضائل الشهور والأيام والبدع المستحدثة :: شهـر رمضان المبارك :: لَيْلَةُ الْقَدْر خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر-
انتقل الى: