منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الباب الرابع: أهداف الإسلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: الباب الرابع: أهداف الإسلام   22/05/15, 10:29 pm


الباب الرابع: أهداف الإسلام
-----------------------------------
الفهرس
بناء الإنسان الصالح
بناء الأسرة الصالحة
بناء المجتمع الصالح
بناء الأمة الصالحة
بناء الدولة الصالحة
الدعوةإلى خير الإنسانية
-----------------------------------
بناء الإنسان الصالح
-----------------------------------
إنسان إيمان وعقيدة
إنسان شريعة ومنهج
إنسان نسك وعبادة
إنسان دعوة وجهاد
إنسان خلق وفضيلة
إنسان عقل وعلم
إنسان عمارة وإنتاج
-----------------------------------
أول ما يهدف إليه الإسلام هو بناء "الإنسان الصالح" الجدير بأن يكون خليفة الله في الأرض، والذي كرمه الله أفضل تكريم، وخلقه في أحسن تقويم، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا، فهو إنسان اكتملت فيه خصائص الإنسانية، وارتفع عن حضيض الحيوانية البهيمية أو السبعية، وهذا الإنسان الصالح هو أساس الأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة.


إنسان إيمان وعقيدة:
وإنسان الإسلام هو ـ قبل أي اعتبار ـ إنسان إيمان وعقيدة، قد اتضحت فكرته عن نفسه، وعن العالم من حوله، فهو ليس نباتا (شيطانيا) كنبات البرية، ظهر وحده من غير زارع زرعه، ولا الكون من حوله برز وحده من غير خالق خلقه ومدبر دبره، بل هو يؤمن أن له ربا خلقه فسواه فعدله، وعلمه البيان، ومنحه العقل والإرادة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل له الكتب، وأقام عليه الحجة، وعرفه الغاية، والطريق.
كما أن هذا العالم البديع وراءه خالق عظيم، خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولكن الذي خلقه سيفنيه، ويبدل به عالما آخر، هو عالم الخلود، فيه توفى كل نفس ما كسبت، وتجزى بما عملت، وهم لا يظلمون.
(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار)؟
(ليس بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).
وبهذا عاش الإنسان المسلم مؤمنا بالله تعالى، مؤمنا برسالاته، بجميع كتبه ورسله، وآخرها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مؤمنا بلقائه تعالى وحسابه وعدالة جزائه، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما، وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب من حمل ظلما، ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما).
إن هذا الإيمان هو أول ما يميز الإنسان المسلم، فهو مؤمن بعقيدة جوهرها التوحيد، ومعنى التوحيد: أنه لا خالق إلا الله، ولا معبود إلا الله، فهو يعني توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، فقد كان مشركو العرب يؤمنون بأن الله هو وحده خالق السموات والأرض، كما حكى عنهم القرآن: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله).
ومع هذا الإقرار بتوحيد الربوبية، رأيناهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، بغير سلطان ولا برهان، إلا دعاوى فارغة، مثل قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله).


(وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
والإسلام جاء دعوة تحريرية كبرى، لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله تعالى: من عبوديته للطبيعة، وللأشياء، في الأرض كانت أو في السماء، ومن عبوديته للحيوان، ومن عبوديته للشيطان، ومن عبوديته للإنسان، سواء كان ملكا أم كاهنا، بل من عبوديته لنفسه وهواه، فلا يعبد إلا الله، ولا يشرك به شيئا. ولهذا كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم برسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام ويختم رسائله إليهم بهذه الآية الكريمة: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله).


إنسان نسك وعبادة:
وإنسان الإسلام كذلك، إنسان نسك وعبادة، فهو يعلم أن الكون من حوله خلق له، أما هو فخلق لله وحده، وبهذا أدرك غاية حياته، وسر وجوده.
فعبادة الله وحده لا شريك له، هي غاية غاياته، فلها خلق، ومن أجلها سخر له ما في السموات وما في الأرض. يقول الله تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرازق ذو القوة المتين).
إن المخلوقات يخدم بعضها بعضا ـ كل جنس يخدم ما كان أعلى منه مرتبة، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان، والحيوان يخدم الإنسان، فمن يخدم الإنسان؟
الإنسان لم يخلق إلا لخدمة ربه وبارئه، أي لعبادته، وعبادته وحده، دون إشراك أحد أو شيء من خلقه في الأرض، أو في السماء.
بهذا بعث الله الرسل على مختلف العصور والأزمان: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).
(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه: أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).
ومن هنا يحب الإنسان المسلم متعبدا لله تعالى، مؤتمرا بأمره، منتهيا عما نهى عنه، جاعلا خشيته وتقواه نصب عينه: (إنما يتقبل الله من المتقين).
وتتمثل العبادة أول ما تتمثل في إقامة الشعائر الكبرى التي فرضها الإسلام وجعلها من أركانه العظام، من الصلاة والصيام والزكاة والحج، ثم ما يكملها من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، والتسبيح والتهليل والتكبير.
فالمسلم يذكر ربه في كل حين، وعلى أية حال، في أكله وشربه، وعند نومه وعند يقظته، وفي إصباحه وإمسائه، ولدى مدخله ومخرجه، ويوم سفره وأوبته، وعند لبسه ثوبه، أو ركوبه مركبته، حتى عند ممارسته الغريزية مع أهله لا ينسى في هذه المواقف وغيرها أن يذكر الله تعالى شأن أولى الألباب: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم).
وإذا كان أكثر أتباع الأديان لا يعبدون ربهم إلا مرة في كل أسبوع، فإن المسلم على موعد مع الله كل يوم خمس مرات، في صلواته المفروضة، ثم هو مع الله دائما بالنوافل والذكر والدعاء والاستغفار: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)، على أن المسلم يستطيع أن يجعل حياته كلها عبادة إذا التزم منهج الله، وقصد بعمله ـ حتى الدنيوي ـ وجه الله تعالى.


إنسان خلق وفضيلة:
والإنسان المسلم ـ إلى جوار كونه إنسان إيمان وعقيدة، وإنسان نسك وعبادة ـ هو أيضا إنسان خلق وفضيلة، تتجسم فيه الطهارة بكل معانيها، وتتمثل فيه فضائل العدل والرحمة والإيثار، قد اتخذ من رسول الله (أسوة حسنة) وقد بعثه الله (ليتمم مكارم الأخلاق)، ووصفه بأنه (على خلق عظيم)، فهو يقتبس من نوره ويهتدي بهداه، ويتخلق بخلقه، ليكون أقرب إليه يوم القيامة. فهو إنسان قد انتصر على نوازعه وشهواته، حين زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والمراقبة، حتى انتقلت من (النفس الأمارة بالسوء) إلى (النفس اللوامة)، وبهذا استحقت (الفلاح) حين انتصرت فيها التقوى على الفجور، كما قال تعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها).
لقد علمنا الإسلام أن الخلق والفضيلة من لوازم العقيدة، وتمام الإيمان، كما أنهما ثمرة لازمة للعبادة الحقة، وإذا لم تثمر العبادة في الخلق والسلوك دل ذلك على أنها عبادة مدخولة.
والقرآن الكريم يحدثنا عن الإيمان مجسدا في أخلاق وفضائل، كما في قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون… والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون..)
والرسول الكريم يحدثنا عن الإيمان كذلك في صورة أخلاق وأعمال وفضائل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليصل رحمه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
وقد ألف الإمام البيهقي كتاب كبيرا سماه "الجامع لشعب الإيمان".
يشمل كل الفضائل وأعمال الخير التي دعا إليها الإسلام، واعتبرها كلها من شعب الإيمان، كما دل على ذلك الحديث.
والعبادات الشعائرية المفروضة من شأنها أن تثمر زكاة النفس، بالفضائل، وطهارتها من الرذائل، كما أشار إلى ذلك القرآن، إذ يقول في شأن الصلاة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وفي شأن الزكاة: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وفي شأن الصيام: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
وفي الحديث عند البخاري: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
"رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر".
وخلق المسلم لا يتجزأ، فهو ليس كخلق اليهودي الذي يحرم الربا في تعامله مع مثله، ويستحله في تعامله مع الآخرين، وليس كخلق إنسان الغرب الاستعماري الذي يتعامل داخل أوطانه بأخلاق وفضائل مثالية، فإذا تعامل مع البلاد الأخرى سرق وظلم، وطغى واستكبر.
المسلم يعدل مع من يحب ومن يكره، مع القريب الأقرب، ومع العدو الأبعد، (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).
(ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله).


إنسان شريعة ومنهج:
والمسلم ـ فضلا عن التزامه بالخلق والفضيلة ـ هو ملتزم كذلك بمنهج رباني، بشريعة محكمة، مفروضة عليه من ربه، أحلت له الحلال، وحرمت عليه الحرام، وحددت له الواجبات، وبينت له الحقوق، وفصلت له كل ما يحتاج إليه، فلم تدعه هملا، ولم تتركه نهبا للفلسفات والأنظمة البشرية المتضاربة، تميل به عن يمين وشمال، بل رسمت له (الصراط المستقيم) وألزمته بالسير فيه، مراعية ما يعرض عليه من ضرورات، فأباحت له بعض ما حظرت عليه بقدر ما توجب الضرورة وحجمها وزمنها، من غير بغي ولا عدوان، كما قال تعالى في شأن الأطعمة المحرمة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم)
المسلم مقيد في حياته كلها بما أحل الله له، فهو ليس (سائبا) يفعل (ما يشتهي)، بل هو منضبط بفعل (ما ينبغي).
فإذا أخذنا الأكل مثلا، فهو لا يأكل الميتة ولا الدم ولا لحم الخنزير، ولا يأكل من اللحم إلا ما ذبح ذبحا شرعيا، أما ما لم يذبح، أو (ذبح على النصب) أو (أهل لغير الله به) فلا يحل للمسلم أكله.
وكذلك لا يحل له أن يأكل طعاما غصب من صاحبه الشرعي، أو سرق أو أخذ بالباطل، كما لا يحل له أن يأكل طعام امرئ بغير طيب نفس منه.


والوعيد في ذلك شديد، فكل جسد نبت من سحت، فالنار أولى به.
وكذلك لا يحل للمسلم أن يتناول أي طعام أو أي مادة يضره تناولها: لأنه ليس ملك نفسه، والإضرار بنفسه حرام، لأنه قتل بطئ لها، والله تعالى يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما).
والرسول يقول: "لا ضرر ولا ضرار" أي لا تضروا أنفسكم، ولا تضاروا غيركم.
ومن هنا كان تناول (التبغ) وملحقاته، بعد أن ثبت ضرره علما وطبا وواقعا ـ حراما بلا شك، ومن باب أولى: المخدرات التي هي بمنزلة السموم، فالتحريم في الإسلام يتبع الخبث والضرر: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث).
كما أن المسلم لا يشرب الخمر، حفاظا على عقله وجسمه وخلقه، ويعتبرها أم الخبائث ورجسا من عمل الشيطان، وكبيرة منافية للإيمان، كما في الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
وحتى المأكل الحلال، والمشرب الحلال، لا يتناوله المسلم في آنية ذهب ولا فضة، فإن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب، أو الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، كما صح بذلك الحديث.
وهو حين يأكل أو يشرب ما يحل له، لا يتجاوز الحد المناسب، فيدخل في دائرة الإسراف المحرم، كما قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين).
والمسلم في علاقاته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية مقيد بأحكام الشريعة الإلهية، فهو يتزوج أو يطلق، ويبيع ويشتري، ويستأجر ويؤجر ويكتسب وينفق، ويتملك ويهب، ويرث ويورث، ويحكم ويحتكم، ويسالم ويحارب، وفقا لأوامر الشريعة ونواهيها، واقتضائها وتخييرها: "فما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو".


إنسان دعوة وجهاد:
والإنسان المسلم فوق ذلك: إنسان دعوة وجهاد، أعني أنه لا يقف عند صلاح نفسه، بل يبذل جهده لإصلاح غيره، ودعوة الآخرين إلى ما هداه الله إليه.
ومن هنا وجدنا سورة العصر ـ على وجازتها ـ تشترط لنجاة الإنسان من خسر الدنيا والآخرة ـ إلى جوار الإيمان وعمل الصالحات ـ التواصي بالحق والتواصي بالصبر: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
ومعنى التواصي هنا: أن يوصي غيره بالحق ويدعوه إليه، وأن يتقبل من غيره الوصية بالحق كذلك، فكل مسلم موص، وموصى بالحق في الوقت ذاته، وهذا هو معنى التواصي.
فالمسلم بطبيعته داعية، لأنه يوقن أن رسالته للعالم كله، وللزمن كله، وللحياة كلها، فهو يسعى لمد شعاعها، وتعميم رحمتها على العالم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
وكما أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين، كما علمنا القرآن، وكما قال عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة"، فأمته مبعوثة كذلك بما بعثه الله به، وكل من اتبعه فهو داعية إلى الله، مقتديا به، كما قال تعالى مخاطبا له: (قل: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني)، فكل من اتبعه عليه الصلاة والسلام فهو داع إلى الله على بصيرة، أو هكذا يجب أن يكون.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   22/05/15, 11:06 pm


وهكذا قال الصحابي ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: 
إن الله (ابتعثنا) لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
والمسلم يبدأ دعوته في محيطه الخاص أولاً، أي في أهله وأولاده وأسرته، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)، (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا، نحن نرزقك، والعاقبة للتقوى).
ثم يمتد بدعوته في المجتمع من حوله، داعيا إلى الخير، محذرا من الشر آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، فلا يجوز له أن يقف المتفرج، أو غير المبالي، من شيوع المنكر، أو ضياع المعروف، بل لا بد أن يتقدم ليغير المنكر إن استطاع بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
ولا يفهم من (التغيير بالقلب) هنا: أنه (موقف سلبي) بل هو (غليان من الداخل) في مواجهة منكر غالب وراءه قوى ظالمة تسنده وتحميه. وهذا الغليان لا بد أن يتجسد يوما في عمل إيجابي له أهميته في تغيير المجتمع.
المهم ألا يتخذ المنكر صفة الشرعية بطول السكوت عنه، فهذا هو الذي يجلب لعنة الله على المجتمعات، ويحل بها سخطه ونقمته: (لعن الذي كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون).
حتى لو كان الذين يقترفون المنكر، أو يحمونه، من أولي الأمر، وأصحاب الشأن، ينبغي للمسلم ألا يضعف في مواجهتهم بالأمر والنهي، بالحكمة والموعظة الحسنة، مستندا إلى قوة الحق الذي معه، وإلى اليقين بأن رزقه بيد الله لا يملك أحد أن ينقصه، وإن أجله عند الله مسمى، لا يستأخر عنه ساعة ولا يستقدم.
وهذا هو الجهاد الداخلي الذي اعتبره النبي العظيم في القمة من أنواع الجهاد حين سئل عن أفضل الجهاد، فقال: "كلمة حق عند سلطان جائر".
وقال في الحديث الذي رواه ابن مسعود: "ما من نبي بعثه الله قلبي إلا كان له حواريون".
ولا يقف المسلم عند حد الجهاد الداخلي بالدعوة والأمر والنهي، بل هو يجاهد بلسانه، ونفسه وماله، لتصل كلمة الله إلى الناس كافة، كما جاء في الحديث: "جاهدوا المشركين بأيديكم، وألسنتكم وأموالكم".
واعتبر القرآن الكريم الجهاد بتبليغ الدعوة من الجهاد الكبير، حين قال لرسوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ـ أي بالقرآن ـ جهادا كبيرا).
وهذه الآية مكية، أي قبل أن يشرع القتال في المدينة بسنوات.
وإذا كانت الأديان الأرضية، والأديان السماوية المحرفة، تسعى لنشر دعوتها في العالم، فأولى بدين الله الخالد والخاتم أن يجد من ينشره في الآفاق حتى يتحقق وعد الله: (ليظهره على الدين كله)، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).


إنسان عقل وعلم:
وإذا كان إنسان الإسلام إنسان إيمان وعقيدة، فهو ـ في الوقت نفسه ـ إنسان عقل وعلم، إذ لا تعارض في الإسلام بين الإيمان والعقل، ولا بين الدين والعلم.
الإيمان الإسلامي لا يقول للمسلم ما تقوله أديان أخرى: اعتقد وأنت أعمى! بل يدعوه أن يكون على (بينة من ربه) وأن يؤسس عقيدته على (اليقين) لا على (الظن) وأن يعتمد على (البرهان) لا على (التقليد).
والقرآن ينادي أصحاب الملل والنحل المختلفة بقوله: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، (قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون).
ويدمغ القرآن المشركين بقوله: (إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).
وكما أنكر القرآن اتباع الظن في الموضع الذي يتطلب اليقين، أنكر كذلك اتباع الهوى والعواطف في مقام يوجب الموضوعية الخالصة. فقال تعالى عن عباد الأصنام: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى).
وإلى جوار ذلك سن حملة شديدة العنف على التقليد الأعمى للآخرين، الذي يجعل الإنسان يلغي عقله، ويفكر بعقل غيره، سواء كان هذا الغير يتمثل في الآباء والأجداد المعظمين عنده، أو في السادة والكبراء ذوي النفوذ والسلطان الذي قد يبلغ درجة التأله في الأرض، أو في جمهور الناس وغوغائهم الذين اختلت موازينهم.
وفي نقد التقليد للآباء جاءت آيات كثيرة، منها في القرآن المكي قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم)؟!


وفي القرآن المدني: 
(وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون)؟!
وفي نقد التقليد للكبراء والسادة، تقرأ في القرآن المكي، وهو يصور بعض مشاهد الآخرة ومواقف المعذبين في الجحيم بعضهم من بعض: الإتباع والمتبوعين، الأذناب والرؤوس: (كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم: ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار، قال: لكل ضعف ولكن لا تعلمون، وقالت أولاهم لأخراهم: فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون)، وهذا التلاوم تكرر كثيراً في السور المكية.


وفي القرآن المدني نقرأ قوله تعالى: 
(إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار).
وفي نقد التقليد للعامة، والاندفاع وراء الجمهور، ولو كانوا على باطل، جاء الحديث النبوي يحذر من هذه التبعية فيقول: "لا يكن أحدكم إمعه، فيقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا ألا تظلموا" رواه الترمذي وحسنه، ومن ناحية أخرى يحث القرآن بأبلغ الأساليب على النظر والتفكير والتدبر، سواء في آيات الله الكونية المنظورة، أم في آياته التنزيلية المقروءة والمسموعة، وبعبارة أخرى في المصحف الصامت وهو الكون! والمصحف الناطق وهو القرآن.


اقرأ إن شئت هذه الآيات: 
(قل: انظروا ماذا في السموات والأرض).
(أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء).
(وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم، أفلا تبصرون)؟
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).
(قل: إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا).
ومعنى قيامهم لله أن يتجردوا من الأهواء، ويبحثوا عن الحقيقة مخلصين.
وإنما قال: "مثنى وفرادى" ليكونوا بمنأى عن تأثير العقل الجمعي وإيحاءاته، وإنما يفكر المرء مع رفيقه بهدوء، أو مع نفسه حين يخلوا إليها كأنها رفيق يناجيه.
ويقول تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).


(كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب).
والقرآن هو الكتاب المقدس الوحيد الذي أمر بالنظر والتفكر والعقل والتدبر، كما أمر بالعبادة والتنسك، فلا غرو أن يعتبر التفكر "فريضة إسلامية" كما قال العقاد ـ رحمه الله ـ، فهذا ما تنادى به الأدلة، ولا غرو أن يعتبر إمام كالغزالي (التفكر) أحد (المنجيات العشرة) الكبرى في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين"، وفيه يروى عن السلف: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، بل قال بعضهم: تفكر ساعة خير من عبادة سنة!
والعقل عند المسلمين ليس نقيضا للوحي، بل هو الدليل على صدقه، ولهذا يعتبر المحققون من علماء المسلمين: أن العقل أساس النقل، إذ لولا العقل ما عرفنا وجود الله تعالى، ولا أقمنا الأدلة عليه، وأبطلنا شبهات الدهريين والملاحدة… ولولا العقل كذلك ما قام البرهان على إمكان الوحي ووقوعه، وصدق الأنبياء والرسل، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن للعقل مجالا لا ينبغي أن يتجاوزه، وإلا تاه في أودية الضلال، وهو مجال هذه المخلوقات وما أكثرها، وأوسع مداها، وأما ذات الله تعالى وما يتعلق بجلال شأنه فليس للعقل سلطان عليه، والأولى له التسليم للوحي فيه، والتلقي عنه، بعد أن يثبت هو صحته، فالعقل هو الذي يقيم الدليل على صدق الوحي، ثم يعزل بعد ذلك نفسه ـ كما قال الغزالي ـ ويأخذ عنه ما لا يدخل في اختصاصه من شئون الألوهية وعوالم الغيب، وأحوال الآخرة، كما قال تعالى: (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أتيتم من العلم إلا قليلا).


وقد روى في حديث: 
"تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا".
وبهذا التسليم يوفر الإنسان طاقته العقلية للبحث فيما هو أجدى عليه وأليق به.
وعلى المسلم أن يطلب كل علم نافع مع أهله، فطلب العلم فريضة، منه ما هو فريضة عينية، ومنه ما هو فريضة كفائية على مجموع الأمة، سواء كان علما دينيا أم دنيويا، مما يحتاج إليه الفرد أو المجتمع.
وإنما العلم بالتعليم، وقد منح الله الإنسان أدوات العلم، فلا يجوز له أن يعطلها: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون).
والقرآن يذم الكفار، ويجعلهم حطب جهنم لتعطيلهم هذه الأدوات: 
(لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل).


وينهى القرآن عن اتباع ما ليس للإنسان دليل عليه: 
(ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).


ودليل الماديات هو الحس:
ولهذا أنكر القرآن على الذين زعموا الملائكة إناثا بقوله: (أشهدوا خلقهم).
ودليل العقليات هو الفكر: (قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).


ودليل التاريخيات ونحوها:
هو النقل الصادق: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين).
ودليل الغيبيات والشرعيات هو الوحي: (قل: الله أذن لكم أم على الله تفترون)؟، (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين).
وعلى هذه المبادئ أقام الإنسان المسلم حضارة شامخة جمعت بين العلم والإيمان، وتركت آثارها في حياة الإنسان علوما ومعارف شتى، سادت الدنيا قرونا من الزمان.


إنسان عمارة وإنتاج:
والإنسان المسلم ليس راهبا في دير، بل هو إنسان عمل وإنتاج للحياة، يعطيها كما يأخذ منها، ويعد عمارتها هدفا من أهداف خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، كما قال تعالى على لسان صالح لقومه: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، ومعنى (استعمركم) أي طلب إليكم عمارتها، والأصل في الطلب هو الوجوب، لا تنافي العبادة، بل هي ـ إذا استقامت على أمر الله، وانضبطت بتعاليم شرعه ـ تصبح عبادة وقربة إلى الله تعالى، كما سيأتي.
والله تعالى وهب الإنسان العقل، وأهله بالعلم لمنصب الخلافة في الأرض، وفضله بذلك على الملائكة، الذين لم يعلمهم ما علم آدم من الأسماء والخصائص، وإنما آثره بذلك ليستخدم عقله وعلمه في تعمير الأرض، والانتفاع بما سخره الله فيها لمصلحته، دون علو ولا إفساد.
وقد جعل الله الأرض للإنسان مهادا وفراشا، وجعل له فيها مستقرا ومتاعا إلى حين وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وأودع فيها أسباب المعايش التي تحقق بقاء هذا النوع إلى ما شاء الله، فما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه إلا ورزقه موفور في هذه المعمورة.
ولكن جرت سنة الله ألا ينال رزقه إلا بكدح وسعي، فمن جد وجد، ومن زرع حصد.
يقول الله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، وإليه النشور).
فمن مشى في مناكب الأرض الذلول أكل من رزق الله، ومن قعد وتقاعس ـ بلا عذر ـ كان جديرا ألا يأكل، إلا أخذا من حق غيره من المشاة العاملين.
والعبادات الشعائرية في الإسلام لا تعطل المسلم عن العمل لدنياه، فهي لا تحتاج إلى تفرغ ولا انقطاع، بل هي دقائق معدودات لكل صلاة من الصلوات اليومية، الموزعة على أوقات اليوم والليلة.
ويوم الجمعة الذي فرضت فيه صلاة أسبوعية على المسلم، ليس يوم انقطاع عن العمل الدنيوي كيوم السبت عند اليهود، بل هو كسائر الأيام، إن شاء المسلم عمل فيه، وإن شاء استراح إن كان لا بد له أن يستريح.


والقرآن يقول: 
(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).
وبهذا نرى أن المسلم ـ كما يصوره القرآن ـ كان في بيع وشراء وعمل قبل الصلاة حتى إذا سمع النداء، توقف وسعى إلى ذكر الله، فإذا انتهى من الصلاة عاد من جديد يواصل رحلة الكدح في الحياة، منتشرا في الأرض مبتغيا من فضل الله.
و(الابتغاء من فضل الله) تعبير قرآني متميز، عن طلب الكسب من التجارة وغيرها، وهو تعبير له إيحاؤه وتأثيره في نفس المسلم.
والقرآن يصف رواد المساجد، العابدين لله تعالى بقوله: (يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار).
ليس هؤلاء العباد المخلصون رهبانا ولا دراويش، بل هم رجال أعمال وأموال، ولكن لم تلههم دنياهم عن آخرتهم، ولم يشغلهم حظ أنفسهم عن حق ربهم.
والمسلم مطالب أن يعمل لدنياه، بما تيسر له من فروع الإنتاج، زراعة أو صناعة أو تجارة، أو رعيا أو صيدا، أو استخراجا لما في الأرض، أو غير ذلك، مما تحتاج إليه الجماعة.


وفي الحديث الصحيح: 
"ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة" متفق عليه.


بل جاء في حديث آخر: 
"إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
ومعنى هذا أن المسلم مطالب بالعمل للحياة إلى أن تلفظ آخر أنفاسها، سواء انتفع بعمله أحد أم لم ينتفع، إنما هو مطالب بالعمل لذات العمل، فهو عبادة، وجهاد مقدس.


وجاء في حديث البخاري: 
"ما أكل أحد قط طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري.
وفي حديث آخر: "التاجر الصدوق يحشر مع الشهداء".
ولهذا اختلف الفقهاء والشراح: أي هذه الأعمال أفضل وأبر عند الله تعالى: الزراعة أم الصناعة أم التجارة؟
والذي رجحوه أن الأفضل منها ما اشتدت حاجة الناس إليه، وانشغل الناس عنه… فإذا انصرف الناس عن الزراعة إلى الصناعة أو التجارة، لكثرة مكاسبهم بها، مع مسيس حاجتهم إلى الأقوات والثمار، كانت الزراعة أفضل وأعظم مثوبة عند الله.
وإذا انصرف الناس عن الصناعات والحرف، وأصبحوا فيها عالة على غيرهم من غير المسلمين، كان العمل في هذا الميدان أولى وأعظم أجرا.
وإذا احتاج الناس إلى التجارة، لانقطاع الطرق، أو لوجود مخاطر شديدة، أو لقلة المكاسب بها، أو لغلبة بعض الأفراد أو الفئات على الأسواق، وتلاعبهم بالأسعار واحتكارهم للسلع والأقوات، تكون التجارة هنا أفضل.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 04:34 am


بناء الأسرة الصالحة
كما هدف الإسلام إلى تكوين الفرد أو الإنسان الصالح، بوصفه اللبنة الأساسية في البنيان الاجتماعي للأمة، هدف كذلك إلى بناء الأسرة الصالحة، التي هي الخلية الأولى والضرورية لقيام المجتمع الصالح، ولا خلاف أن الزواج -الذي يربط بين الرجل والمرأة برباط مقدس- هو أساس تكوين الأسرة المنشودة، فلا مكان لقيام أسرة صالحة، أو أسرة حقيقية بغير الزواج، كما شرعه الله تعالى.


أفكار منحرفة عارضت الزواج:
عرفت الإنسانية في القديم والحديث أفكارا ومذاهب تعارض فكرة الزواج، ففي فارس ظهرت قبل الإسلام فلسفة "ماني" الذي يزعم أن العالم ملئ بالشر، ويجب فناؤه، ومنع الزواج أقرب وسيلة إلى المسارعة بفناء العالم.
وفي ظل النصرانية ظهرت "الرهبانية" العنيفة، التي تفر من الحياة، وتلجأ إلى الأديرة، وتحرم الزواج، لأن المرأة فتنة مجسمة، وشيطان في صورة إنسان، والقرب منها خطيئة تلوث الأرواح، وتبعد عن ملكوت السماء.
وفي العصر الحديث وجد في الغرب فلاسفة متشائمون، صبوا جل سخطهم على المرأة، وقالوا: إنها حية تسعى لين مسها، قاتل سمها، والزواج يعطيها فرصة لتتحكم في الرجل، وتثقله بالقيود والتكاليف، فلماذا يضع الرجل ـ باختياره ـ الغل في عنقه، وقد خلق حرا؟
ومن المؤسف أن بعض شبابنا "العصريين" غرتهم هذه الأفكار، فأعرضوا عن الزواج، لما رواءه من مسئوليات وتكاليف وقيود، وهم يريدون أن يعيشوا العمر كله أطفالا يعبثون، لا يحملون عبئا، ولا يتحملون تبعة، فإن غلبتهم الشهوة، ونادتهم الغريزة، ففي مباءات الحرام الخبيث، ما يغنيهم عن طيب الحلال.


الإسلام يرغب في الزواج:
أما الإسلام فقد رفض تلك الأفكار المنحرفة، والمذاهب المتشائمة، ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الرهبانية في الإسلام، ونهى عن التبتل (الانقطاع عن الزواج للعبادة) ووجه نداءه إلى الشباب يحثهم على الزواج: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج".
وكان صلى الله عليه وسلم إذا علم من بعض أصحابه نزوعا إلى التبتل، وإغراقا في التزهد والتعبد، نهاهم عن الغلو، وأمرهم بالقصد، وردهم إلى صراط المستقيم، وحكمه الوسط العدل.


روى الشيخان عن أنس قال: 
"جاء رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا (أخبرتهم زوجاته) كأنهم تقالوها (اعتبروها قليلة) فقالوا: وأين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر..
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا..
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟.. أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".


مقاصد الإسلام من الزواج:
(أ) سنة الله في هذا الكون أن لا شيء فيه يستطيع أن يؤدي مهمته وحده، بل خلقه الله محتاجا إلى الاتصال بغيره من نوعه ليكمل به ويكمله، فلا بد أن يتصل الموجب بالسالب في عالم الكهرباء حتى يحدث التيار، وآثاره من الضوء والحرارة والحركة وغيرها، وكذلك لا بد أن يتصل الألكترون بالبريتون في عالم الذرة.
ولا بد من اتصال حبوب التذكير بحبوب التأنيث في عالم النبات حتى ينتج الزرع والشجر، ويخرج الحب والثمر، ولا بد من اتصال الذكر والأنثى في عالم الحيوان حتى يحدث الدر والنسل.


وإلى هذه السنة الكونية العامة أشار القرآن الكريم، فقال تعالى:
(ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)، (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون)، واستجابة لهذه السنة شرع الله سبحانه في عالمنا الإنساني لونا رفيعا كريما من الاتصال بين الرجل والمرأة يليق بمكانة الإنسان وكرامته، وهو ما نسميه "الزواج".
لقد أودع الله صدر الرجل حنينا إلى المرأة وأودع صدر المرأة حنينا إلى الرجل، فلا يزال كل منهما يحس بحاجة تناديه فوق المأكل والمشرب، يشعر بفراغ في كيانه النفسي لا يملؤه إلا هذا اللقاء على شرع الله وسنته "الزواج" فيستقر بعد اضطراب، ويطمئن بعد قلق، ويجد كلاهما في صاحبه السكون والمودة والرحمة، تغمر جوانحه، وتضئ جوانب حياته، وهذه آية من آيات الله الكبرى في هذا الوجود، لفتنا إليه الكتاب العزيز: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
(ب) وبالزواج يحدث النسل، الذي يمتد به وجود الإنسان، فيطول عمره، ويتصل عمله، بذريته الصالحة من بعده، ولهذا امتن الله على عباده فقال: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات)، ولهذا دعا نبي الله زكريا ربه فقال: (رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين)، (فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً).


ودعا أبو الأنبياء إبراهيم ربه فقال:
(رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم).
(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء).


وذكر القرآن من أوصاف عباد الرحمن:
(والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين).
وبالنسل تنمو الأمة، ويكثر عددها، فتعمر أرضها وتستغل كل طاقاتها، وتقوى على مجابهة أعدائها، ولا شك أن لكثرة العدد قيمة في ميزان القوى العالمية. ومن هنا امتن الله على قوم بالكثرة، فقال على لسان شعيب لقومه: (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم)، وقال صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى".
وبالنسل يبقى النوع الإنساني كله، وتستمر حياته على الأرض إلى ما شاء الله من أجل معلوم.
قال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء).
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
(ج) والزواج. من جهة ثالثة ـ تمام الدين للمرء المسلم، به يغض بصره، ويعف نفسه، ويجد متنفسا لشهوته في الحلال، فلا يفكر في الحرام، ولهذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الزواج: "أنه أغض للبصر وأحصن للفرج".
وقال: "من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي".
والشطر: النصف.
(د) والزواج ليس حفظا للدين فحسب، ولكنه أيضا من مقومات السعادة الدنيوية، التي لا يكرهها الإسلام، بل يحبها لأتباعه، ويوفرها لأبنائه، ليفرغهم لما هو أعظم، من السمو بالنفس، والاتصال بالملأ الأعلى قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".
وقال: "أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء".
وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم: ثلاثة، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة؛ من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء".
(هـ) والزواج هو الطريق الوحيد لتكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع، وأساس بنائه، ولا يقوم مجتمع إنساني كريم، إلا إذا قامت قبله الأسرة، ففي ظلال الأمومة والأبوة، والبنوة والأخوة، تغرس المشاعر الطيبة والعواطف الخيرة من المحبة والإيثار والعطف والرحمة والتعاون.
(و) وبالزواج تنمو الصلات الاجتماعية، فيضم الإنسان عشيرة إلى عشيرته، وأسرة إلى أسرته، أولئك هم أصهاره وأخوال أولاده وخالاتهم. وبذلك تتسع دائرة الألفة والمودة، والترابط الاجتماعي، فقد جعل الله المصاهرة لحمة كلحمة النسب، قال تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً).
(ز) وبالزواج تتاح الفرصة الملائمة التي تكتمل بها شخصية الرجل بتحمله مسئوليته زوجا وأبا، وتكتمل شخصية المرأة بتحمل مسئوليتها زوجة وأما.
إن كثيرا من الرجال يفرون من الزواج، لأنهم ـ كما قلنا ـ يريدون أن يعيشوا عمرهم أطفالا كبارا، دون رباط يربطهم، أو بيت يضمهم، أو تبعة تلقى على كواهلهم. ومثل هؤلاء لا يصلحون للحياة، ولا تصلح بهم الحياة، أما الزواج فإنه رباط وميثاق غليظ، ومسئولية مشتركة بين الرجل والمرأة من أول يوم، قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)، (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله).
وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: فالرجل راع في أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها"، "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت"، "إن الله سائل كل راع عما استرعاه: حفظ أم ضيع"، "إن لزوجك عليك حقا".
(ح) وبالزواج يتفرغ الرجل لإتقان أعماله في خارج البيت، مطمئنا إلى أن في بيته من يدبر أمره، ويحفظ ماله، ويرعى أولاده. وفي هذا ما يعينه على إحسان العمل وزيادة الإنتاج، بخلاف ذلك القلق المضطرب المشغول، الموزع بين عمله وبيته، وبين هم شغله في الخارج وهم مطعمه ومشربه وملبسه في الداخل.
إذا لم تكن في منزل المرء حرة تدبره، ضاعت مصالح داره!


وصايا للراغبين في الزواج:
يعمل الإسلام على إقامة الزواج على ركائز متينة، من التفاهم والتراضي بين الزوجين، وأهل كل منهما، حتى يتم على أساس مكين، لا تزعزعه عواصف الحياة مهما اشتدت. ولهذا يوصى من أول الأمر بوصايا غاية في الأهمية.


* حسن اختيار شريك الحياة:
أول هذه الوصايا: أن يحسن كل واحد منهما اختيار شريك حياته، ولا يكون همهما المظهر البراق وحده، فالمظاهر قد تخدع، والإنسان لا يقوم بحسن مظهره، بل بحسن جوهره. ولهذا حثت الأحاديث النبوية على اختيار (الزوجة الصالحة)، وإيثارها على (الزوجة الغنية) أو (الزوجة الفاتنة الجمال) أو (الزوجة ذات النسب العريق).
والمراد بالزوجة الصالحة: ذات الدين والخلق.
وفي الحديث: "الدنيا متاع وخير متاعها: المرأة الصالحة".
وقال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولنسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
وفي حديث آخر: "فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك".
وكذلك حث المرأة وأولياءها على اختيار (الزوج الصالح) لا مجرد الزوج ذي المال أو ذي النسب والجاه.
والزوج الصالح: هو ذو الدين والخلق.
وفي الحديث: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".


* النظر إلى المخطوبة:
ومع هذا لا بد أن يكون كلاهما من حيث الشكل والصورة مقبولا عند صاحبه، وهذا يختلف من شخص لآخر، ولأجل هذا شرع الإسلام النظر قبل الزواج.
وقد قال المغيرة بن شعبة للنبي صلى الله عليه وسلم: خطبت امرأة، فقال: أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، وذلك لأن العين رسول القلب، وهذا النظر قبل الزواج إذا كان معه القبول يفتح قلب كل منهما لصاحبه، ولا بأس أن يراها بغير علمها، حتى لا يجرح مشاعرها لو رآها وهي تعلم، ثم لم تعجبه. وقد قال جابر: كنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها.
ومن حق المرأة أن تنظر إلى الرجل، كما ينظر الرجل إليها، فإنه يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منها.
ولا يكفي أن ينظر إليها فقط، بل لا بد أن يتحدث إليها وتتحدث إليه، ليتعرف كل منهما على ملامح شخصية صاحبه، ولو بصورة مبدئية، والرؤية لا تكشف ذلك، إنما يكشفها الحديث والسؤال والجواب.
ومما يؤسف له أن المسلمين في عصرنا وقعوا بين طرفي الإفراط والتفريط، فهناك من يرفض مجرد الرؤية من الخاطب لابنته، بل بعضهم يرفض أن يراها، حتى بعد العقد عليها، ولا يراها إلا ليلة البناء بها، مع أنها تذهب إلى المدرسة أو الجامعة أو السوق، وتسافر إلى الخارج، ويراها كل الناس ما عدا خاطبها.
وهناك ـ على نقيض هؤلاء ـ من يسمحون للخاطب بالخلوة بالمخطوبة، ولم يعقد عليها بعد، والخروج متأبطا ذراعها إلى الخلوات والنزهات والسينمات.
وإنما يضيع الدين والأخلاق بين الغلاة والمتسيبين!.


* ضرورة رضا الفتاة:
ولا يجوز لأب أن يزوج ابنته ممن يريدها هو، وإن كانت هي لا تريده، بل لا بد أن توافق عليه صراحة أو ضمنا، وذلك بالسكوت إذا غلبها الحياء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"، وقد روى البخاري عن خنساء بنت خدام الأنصارية: أن أباها زوجها، وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه.
وروى أبو داود عن ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا ينبغي للآباء أن يستبدوا بزواج بناتهن، ويضربوا بعواطفهن عرض الحائط. فعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن عندنا يتيمة، وقد خطبها رجل معدم، ورجل موسر، وهي تهوى المعدم، ونحن نهوى الموسر: فقال صلى الله عليه وسلم: "لم ير للمتحابين مثل النكاح".
وينبغي أن يتم الزواج برضا الأطراف كلها من أسرة المرأة، وأسرة الرجل، لهذا اشترط الفقهاء إذن ولي المرأة بل حضوره العقد، وجعل ذلك بعضهم أمرا مستحبا لا واجبا، ولهم في ذلك أدلة من القرآن والسنة، تبحث في كتب الفقه.
والأولى ألا تتزوج المرأة بغير إذن وليها، حتى لا يلعب بها الزوج بعد ذلك، ويضيع حقوقها ولا تجد من يدافع عنها.
بل الأولى أن تشاور المرأة في زواج ابنتها، كما ورد في الحديث: "آمروا النساء في بناتهن" لأن الأم أعرف بابنتها من أبيها، ولأنها إذا لم توافق على الزواج فقد تنكد عيش زوج ابنتها بعد ذلك.
يقول الأستاذ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله في موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة: "إن حضور الولي عقد الزواج كما يثبت إقرار العائلة لهذا الزواج، يساعد على تأكيد أن رابطة الزواج لا تقتصر على علاقة حميمة بين شخصين رجل وامرأة، بل هي كذلك صلة وثيقة بين عائلتين أو عشيرتين، وكما يحضر ولي أمر المرأة فيندب حضور والد الرجل فضلا عن أقارب الزوجين حتى يكون هذا الزواج بداية التحام بين العائلتين".


وفي هذا المعنى يقول الإمام محمد عبده:
"لا يخفى أن أحكام الشريعة المقدسة ترشدنا إلى أن المصاهرة نوع من أنواع القرابة، تلتحم بها العائلات المتباعدة في النسب، وتتجدد بها صلات الألفة والاتحاد، فقد حرم الله على الشخص أن يتزوج بأمه أو أنثى من أصولها وفروعها، كما حرم عليه أن يتزوج بأخته أو أنثى من أصول نفسه وفروعه.
وكذلك حرم على زوجته أن تقترن بشيء من أصوله أو فروعه، كأنما أنزل الله كلا من الزوجين منزلة نفس الآخر، حتى أنزل فروع كل منهما وأصوله بالنسبة إلى الآخر منزلة أصوله نفسه وفروعه. 
فهذه حكمة بالغة أقامها الشرع لنا برهانا واضحا على أن اتصال إحدى العائلتين بالأخرى بطريق المصاهرة، مساو لنفس القرابة النسبية في الأحكام والحقوق والاحترام، وهذا هو الموافق لما عليه طبيعة الاجتماع الإنساني… فمن كانت له ابنة، وهو يميل إليها ميل الوالد إلى ولده، ثم قضت سنة الله في خلقه بأن يقترن بها شخص من الناس، فمقتضى محبة الوالد لابنته أن يطلب لها جميع الخيرات ويود لو بلغت أقصى درجات السعادة، وحيث إن سعادتها يبعد أن تكون بدون سعادة زوجها الذي هي مقترنة به، فمن الواجب عليه أن يميل إلى زوجها ميله إلى نفسها، ويكون عونا له على سعادتها، لتتصل بها سعادة ابنته، وهكذا كل من ينتسب إليها بنوع من القرابة، فعليهم أن يكونوا على طراز من المحبة لزوجها، مثل ما هم عليه بالنسبة إليها"


حقوق المعاشرة بين الزوجين:
الزواج عقد وثيق، وشركة مقدسة، حرص الإسلام على أن تدوم وتستقر وتتوطد، ففرض لكل من الزوجين حقوقا، وألزمه واجبات، بحيث إذا التزماها سعاد بحياة زوجية هانئة وارفة الظلال.
وخلاصة هذه الحقوق والواجبات تتركز في كلمة واحدة هي المعاشرة بالمعروف قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وقال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)، والمعروف هنا: ما يقره العرف السليم، ويعتاده أهل الاعتدال والاستقامة من الناس، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، بل احتماله من صاحبه، وبذل الحق دون مطل، مع البشر وطلاقة الوجه، ولا يتبعه أذى أو منة. والجميل حقا: أن الآية السابقة جعلت الحقوق والواجبات متبادلة بين الزوجين، فكل حق يقابله واجب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إني لأحب أن أتزين لامرأتي، كما أحب أن تتزين لي، لقوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وهو فهم دقيق لمفهوم الآية الكريمة.
ولكن الآية الكريمة جعلت للرجال على النساء درجة، فما هذه الدرجة؟ بعض المفسرين ذهب إلى أنها درجة القوامة والمسؤولية عن الأسرة، وهذه المسؤولية توجب على الرجل أعباء أكثر من المرأة. ولهذا نقل القرطبي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة)، قال: الدرجة إشارة إلى حض الرجل على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي أنه الأفضل فينبغي أن يتحامل على نفسه، قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارع.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 04:43 am


واختار الطبري أن أولى الأقوال في تفسير الآية: 
أن الدرجة التي ذكرها الله تعالى هنا، هي: الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل واجب لها عليه، وذلك ليكون للرجل فضل درجة عليها.
وهناك حقوق مشتركة بين الزوجين، مثل الاحترام المتبادل، والتشاور فيما يهم الأسرة، كما قال تعالى في شأن الوالدات المرضعات: (فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما).
ومنها: 
حقوق المعاشرة الجنسية، فهي حق لكل منهما على صاحبه بالمعروف في حدود الطاقة، كما قال تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، وإنما عبر عن هذه العلاقة باللباس، لما توحي به الكلمة من الزينة والستر واللصوق والدفء.
ومنها: 
حق التعاون في السراء والضراء، على البر والتقوى، فإذا كان ذلك مطلوبا من المسلمين جميعا، فأولى من يطلب منهم ذلك الرجل وامرأته.
ومنها: 
حق حفظ أسرار الزوجية، فلا يجوز لأحدهما أن يفشي سر صاحبه، ففي ذلك خيانة للأمانة المشتركة.
ومنها: 
حق التجمل الذي أشار إليه ابن عباس بقوله: أتزين لامرأتي، كما تتزين لي امرأتي.


حقوق الزوجة:
ومن الحقوق التي تلزم الزوج لزوجته:
1. المهر: 
وهو خالص حق المرأة، فلا يحل للزوج أن يمطلها به إذا طلبته، أو يسترده منها ـ كله أو بعضه ـ بعد دفعه لها، فإذا تنازلت له عن شيء منه راضية غير مكرهة فلا بأس بأخذه، قال تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)، وإذا رضي الزوج بالزيادة على ما تراضيا عليه فلا حرج في ذلك، قال تعالى: (وآتوهن أجورهن (أي مهورهن) فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة.


2. النفقة: 
فالزوجة لا تلزمها نفقة نفسها وإن كانت غنية، وإنما تلزم الزوج، لأنه هو الراعي المسئول عنها، وقد أصبحت تحت رعايته وحمايته، مكلفة بتدبير بيته، والقيام بمطالبه، وتربية ولده.


وتشمل هذه النفقة:
1. الطعام والشراب الكافيان.
2. الكسوة للشتاء والصيف.
3. المسكن الملائم.
4. العلاج إن مرضت.
5. خادم، إن كانت ممن يخدم مثلها عرفا.
6. مؤنسة إن كانت في مكان موحش تخشى فيه على نفسها من عدو أو لص.
والأصل في إيجاب هذه الأشياء: أن تركها ينافي المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها.


وفي الحديث: 
"اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله… ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، والمعروف هو قدر الكفاية التي يعرفها العرف، بحسب قدرة الزوج، ومكانة الزوجة.
قال تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها).
وإذا كان الزوج موسرا ولكنه يقتر على زوجته وولده، وقدرت على الأخذ من ماله، فلها الأخذ منه بغير إذنه، بقدر كفايته وكفاية ولدها منه، لما روى البخاري ومسلم: أن هندا امرأة أبي سفيان قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وإنما رخص لها بأخذ كفايتها بدون إذنه، لأن الحاجة قاضية بذلك، إذ لا غنى عن النفقة ولا قوام إلا بها، وهي تتجدد بتجدد الزمن، فتشق المرافعة بها إلى الحاكم، والمطالبة بها كل يوم. والمرأة إذا نشزت وتمردت على زوجها سقطت نفقتها، لأنها لم تف بحقه عليها، فلم تستحق نفقته.
وإذا عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته، وتعذرت عليها النفقة بالاستدانة وغيرها، كان لها الحق في أن تطلب فسخ الزواج، إذ لا حياة بدون نفقة، وقد قال تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وقد تعذر الإمساك بالمعروف، فتعين التسريح بالإحسان، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، وإذا أمكنها أن تصبر فهو أولى، لأنه من مكارم الأخلاق.


3. التلطف والمؤانسة:
وليست حاجة المرأة من زوجها مادية تقتصر على النفقة والكسرة ونحوها، فحسب، بل لها حاجة نفسية أن يتلطف بها، ويطيب نفسها ويدخل السرور عليها، فهذا من تمام المعاشرة بالمعروف.
ولا يظن أحد أن هذا مما ينافي وقار الرجل ويسقط من هيبته. فقد كان سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم يسابق عائشة زوجه فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى ويقول لها: "هذه بتلك".


وقالت عائشة: 
كنت ألعب بالبنات (العرائس أو اللعب) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن (يستخفين هيبة له) فيسربهن إلي فيلعبن معي"، وقالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأمه، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو".
"وقد استمع النبي الكريم إلى عائشة وهي تحدث عن النساء الإحدى عشر، وما قالت كل واحدة عن زوجها، وذلك في الحديث المعروف بحديث: "أم الزرع".


4. صيانة كرامتها:
وعلى الزوج أن يعرف لزوجته حرمتها ويصون كرامتها، فلا يؤذيها بسب أو قول خارج، ولا يفضي سر ما بينهما أمام الناس، ولا ينتقص أهلها، ولا يتجسس عليها ويتتبع عثراتها، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسافر أن يطرق أهله ليلا (عند عودته) يتخونهم أو يطلب عثراتهم، لما في ذلك من سوء الظن، وإفساد المودة.
ومن حق الزوج أن يغار على زوجته، ولكن دون إفراط، ولئلا يساء الظن بها، وترمى بالشر من أجله، والخير في الوسط، وكل أمر زاد عن حده انقلب إلى ضده، وفي الحديث: "إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله، فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة".


والريبة: 
أن يرى على سلوك المرأة قرائن ودلائل تقتضي الشك والارتياب، فلا يجوز أن يسد أذنا من طين وأخرى من عجين، حتى لا يكون (ديوثا).


5. الصبر والاحتمال:
والمرأة ليست ملاكا ـ كما يتوهم بعض السابحين في الخيال ـ وإنما هي إنسان يحسن ويسيء، ويصيب ويخطئ، وعلى الرجل أن يصبر ويحتمل حفاظا على الحياة الزوجية أن تنهدم.


وفي الحديث: 
"استوصوا بالنساء خيرا"، "أن المرأة كالضلع (أي لا تخلو من عوج)، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج"، ويراد بالعوج في المرأة: غلبة الجانب العاطفي عليها أكثر من الرجل، فلا بد من مداراتها والصبر عليها، استبقاء لدوام العشرة، وإلا فتقويم الضلع لا يكون إلا بكسره، وهو أمر غير مرغوب ولا محمود.


وفي الحديث الآخر: 
"لا يفرك ـ أي لا يكره ـ مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر"، وبذلك ينظر إليها نظرة عادلة، يذكر محاسنها، كما يذكر عيوبها، وأي إنسان سلم من العيوب؟!
إن الرجل المسلم حقا هو الذي يغلب الواقع على الخيال، ويحكم العقل في العاطفة، حتى أنه ليضغط على نفسه مع شعوره بالكراهية، لتستمر الحياة الزوجية، استجابة لقول الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).


حقوق الزوج:
وللزوج على زوجته حقوق يجب أن ترعاها، لتتم المعاشرة بالمعروف كما أمر الله تعالى، أهمها:


1. الطاعة في المعروف:
وذلك أن كل شركة لا بد لها من رئيس مسئول، والرجل قد رشحته الفطرة، ورشحه ما يدفعه من مهر ونفقة أن يكون هو سيد البيت والمسئول الأول عن الأسرة، فلا عجب أن يكون له حق الطاعة، قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، وهذه القوامة والمسئولية هي الدرجة التي ميز بها الرجل عن المرأة: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة).
ويحرم عليها أن تعصي زوجها أو تتركه بغير سبب شرعي، وفي الحديث: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" متفق عليه، وأكد الإسلام حق الزوج في ذلك، فلم يجز لها أن تتطوع بصلاة أو صوم وهو حاضر إلا بإذنه. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" متفق عليه.


2. أن تحفظه في غيبته في نفسها وماله:
قال تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله).
وفي الحديث المتفق عليه: "المرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها"، ومن حفظه في نفسه أن تصون أسراره، ولا تأذن بالدخول في بيته لمن يكره من الناس، وقد ذكر الرسول من صفات الزوجة الصالحة: "إذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله"، ومن حفظه في ماله ألا تبسط يدها بالإنفاق مسرفة مبذرة، ولا بأس أن تتصدق منه بما جرت به العادة، وهما شريكان في مثوبة الله، وفي الحديث: "إذا أنفقت المرأة من بيتها زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها، وله مثله بما كسب".


3. أن تعاونه بالمعروف:
وقد ذهب كثير من الأئمة إلى أن المرأة ليس عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ وغسل ونحوه من أمور البيت. 
وإن كان الأولى لها فعل ما جرت به العادة، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية أوجب عليها أن تعاونه بالمعروف من مثلها لمثله، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)، وإن كان التعاون مأمور به في كل حال فهو بين الزوجين أولى وأوكد.


4. تأديبها عند النشوز أو ترك الفرائض:
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة).
وقال: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها).
ومادام الرجل هو سيد البيت المسئول أمام الله وأمام الناس، فمن حقه أن يردعها عن ارتكاب المحرمات، أو إهمال الفرائض، أو التهاون في حقوق الزوجية، حتى لا تتعرض الأسرة للانهيار. ولكن ذلك يتم في إطار المحافظة على إنسانية المرأة وكرامتها.


بناء المجتمع الصالح
ويهدف الإسلام إلى تكوين المجتمع الصالح، كما هدف إلى الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، وهما ـ لا شك ـ أساس متين لصلاح المجتمع المنشود.
والمجتمع الصالح هو الذي يرتبط أفراده وأسره بقيم الإسلام العليا، ومبادئه المثلى، ويجعلها رسالة حياته، ومحور وجوده.


وأهم القيم الإسلامية في هذا المقام هي:
(أ) التجمع على العقيدة، فالمجتمع الإسلامي ليس مجتمعاً قومياً أو إقليمياً، وإنما هو مجتمع عقائدي، مجتمع فكرة وعقيدة، وعقيدته هي الإسلام، فهو الأساس "الأيديولوجي" لهذا المجتمع.
قد يكون أبناء هذا المجتمع من أجناس مختلفة، أو ألوان مختلفة، أو أوطان مختلفة، أو ألسنة مختلفة، أو طبقات مختلفة، ولكن هذا الاختلاف كله يذوب وينصهر أمام وحدة العقيدة، أمام "لا إله إلا الله ـ محمد رسول الله"، أمام الإيمان المشترك الذي يضم الجميع في رحاب أخوته: (إنما المؤمنون إخوة).
فإذا أردنا أن نصف هذا المجتمع بصفة فذة تميزه عما سواه، لم نجد إلا أن نقول: إنه "مجتمع مؤمن"، أو هو "مجتمع المؤمنين" أولئك الذين وصفهم الله تعالى في مطلع سورة البقرة: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون).
والإيمان الإسلامي ليس مجرد شعار أو دعوى، أو تعصب على الآخرين، وإنما هو حقيقة تستقر في النفس، ينبثق عنها سلوك، ويصدقها عمل إيجابي، ومن ثم جسد القرآن الإيمان أبدا في أعمال وأخلاق، كما في أوائل سورة الأنفال، وسورة المؤمنين، وأواخر سورة الحجرات، وغيرها.
(ب) ومن هنا جاء الاهتمام بقيمة أخرى من القيم التي يقوم عليها المجتمع الصالح الذي يهدف الإسلام إلى تحقيقه، وهي: "احترام العمل الصالح" بل تقديسه، سواء كانت صيغته دينية كالصلاة والصيام والحج والعمرة، والذكر والتلاوة والدعاء، أم دنيوية، كالسعي في طلب الرزق، وعمارة الأرض بالزراعة والصناعة والاحتراف، وكل ما فيه منفعة الناس، والإحسان إليهم. 
فهذا أصل مقرر معروف، اعتبره القرآن ركنا في كل دين، مقرونا بالله واليوم الآخر. 
قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
وقرن القرآن العمل بالإيمان في أكثر من سبعين آية، في مثل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).
ولا ريب أن إقامة شعائر الله، وأداء فرائضه الكبرى ـ من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت هي أول ما ينطبق عليه معنى العمل الصالح، فليس هناك عمل أصلح للمخلوق من معرفة خالقه، وعبادة ربه، وإخلاص الدين له، شكرا لنعمته، ووفاء بحق ربوبيته، ولكننا رأينا في حديثنا عن "العبادة" في "مقومات الإسلام" أنها تسع الحياة كلها، وتشمل كيان الإنسان كله، فكل عمل نافع عبادة.
(ج) والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أصل بين من أصول هذا الدين، فليس يكفي ـ في منطق الإسلام ـ أن يكون المرء صالحا في خاصة نفسه، غافلا عن فساد غيره، بل الصالح عنده حقا، من أصلح نفسه، وحاول إصلاح غيره، ولو بالدعوة والأمر والنهي، كما قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون). وبهذه الخصيصة ترجحت الأمة المسلمة على سائر الأمم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله).
ومن هنا سجل القرآن لعنة الله لبني إسرائيل ـ على لسان داود وعيسى ابن مريم ـ لسكوتهم عن المنكر ـ وعدم تناهيهم عنه: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون).
(د) والجهاد في سبيل الله ـ حماية للحق، وتثبيتا للخير، وتأمينا للدعوة، ومنعا للفتنة، وصدا للمغيرين، وتأديبا للناكثين، وإنقاذا للمستضعفين ـ أصل إسلامي لا ينكره مسلم، ولا يجهل منزلته وفضله، وما أعد الله لأهله، فضلا عن مشروعيته، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا، والله على كل شيء قدير)، (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها)، (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين،… وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا)، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون).
(هـ) وتثبيت الفضائل الخلقية كلها في شتى جوانب الحياة، ونشرها وحمايتها، من العدل، والإحسان، والبر، والصلة، والتعاون على البر والتقوى، واحترام النظام، والصدق والعفاف، ورعاية الأمانة والوفاء بالعهد، والإخلاص في السر والعلانية، وقول الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وكف اليدين واللسان عن إيذاء الناس، وطهارة القلب من الغل والحسد، والرياء، والنفاق، وحب الدنيا، وسائر أمراض النفوس ـ كلها من الركائز المعنوية التي لا يقوم مجتمع مسلم إلا عليها.


الإخاء والمحبة:
(و) والإخاء والمحبة من دعائم المجتمع المسلم، وهذا مقتضى الإيمان الذي يربط بين أهله برباط العقيدة الوثيق: (إنما المؤمنون إخوة).
وقد أثبت التاريخ والواقع أنه لا رباط أقوى من العقيدة، وأن لا عقيدة أقوى من الإسلام.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 05:25 am


وأدنى مراتب هذا الإخاء: 
سلامة الصدور من الحسد والبغضاء، التي اعتبرها الحديث النبوي: "داء الأمم" وسماها "الحالقة"، ليست حالقة الشعر ولكن حالقة الدين، وقد مدح الله تعالى أجيال التابعين للصحابة بإحسان بقوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا).
وكلما عمقت جذور الإيمان، امتدت فروع الإخاء وظلاله وثماره في النفس والحياة، وتحررت الأنفس من الأنانية المقيتة، وتطلعت إلى العطاء لا الأخذ، وإلى التضحية لا الغنيمة، وفي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقد يرتقي ذلك إلى درجة الإيثار الذي وصف الله به مجتمع الصحابة بقوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).


التعاطف والتراحم:
(ز) التعاطف والتراحم، وهذا من ثمرات الإخاء الحق، وهو ما صوره الحديث الشريف أبلغ تصوير حين قال: "ترى المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء، بالحمى والسهر"، وفي الحديث الآخر: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".


وأوجب ما يكون العطف والرحمة: 
للضعفاء من الناس من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل والخدم والمعوقين من البشر، ولهذا اعتبر القرآن من مظاهر الكفر والتكذيب بالدين القسوة على هؤلاء وتركهم يهلكون جوعا وعريا وضياعا: (أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين)، وذم المجتمع الجاهلي بقوله: (كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين).
ويعرض علينا القرآن مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وإذا الذي يأخذ كتابه بشماله، لم يغن عنه ماله، أو يمنعه سلطانه، ينادي عليه على رؤوس الإشهاد: (خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين)، فرق بين عدم الإيمان وعدم الحض، ليدل على عظم جريمة القسوة على المساكين.


التساند والتعاون:
(ح) التساند والتعاون، وهو المظهر العملي للإخاء والتراحم، والتعاون الإسلامي مجاله البر والتقوى وليس الإثم والعدوان، كما بين ذلك القرآن الكريم: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، ولهذا حرم الإسلام الربا والاحتكار لما فيهما من استغلال القوي للضعيف، واعتصار الغني للفقير.
وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه".
وهو يشمل التعاون بين أفراد الشعب وفئاته بعضهم بعض، أو بين الشعب والحاكم، كما ذكر القرآن التعاون بين "ذي القرنين"، وتلك الجماعة المهددة من "يأجوج ومأجوج" قال: (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما).


التكافل والتضامن:
(ط) التكافل والتضامن: بحيث ينهض القوي بالضعيف، ويعود الغني على الفقير، ولا يضيع عاجز ولا مسكين في هذا المجتمع، والحد الأدنى في ذلك هو فريضة الزكاة ـ الركن الثالث في الإسلام ـ والتي يقوم عليها حراس ثلاثة: حارس من داخل ضمير الفرد المسلم، وهو الإيمان.. وحارس من داخل المجتمع، وهو الرأي العام المسلم.. وحارس من قبل الدولة، وهو القانون والسلطان: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
وفي المال حقوق أخرى سوى الزكاة، وبخاصة حق الجار على جاره، بحيث يتكافل المجتمع له في السراء والضراء.
وفي الحديث: "ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع".
والتكافل الإسلامي يستوعب كل جوانب الحياة ـ مادية، ومعنوية ـ فهو تكافل معيشي وعلمي وأدبي وعسكري إلى غير ذلك من المجالات التي فصلها الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه "اشتراكية الإسلام".


التواصي والتناصح:
(ي) التواصي والتناصح، وهذا من التكافل الأدبي، الذي يجعل كل مسلم مسئولا عمن حوله من أبناء المجتمع، ينصح لهم وينصحون له، ويوصيهم بالحق والصبر، ويتقبل الوصية منهم كذلك.وليس في المسلمين أحد أكبر من أن ينصح، ولا أحد أصغر من أن ينصح. وهذا من أساسيات الدين، وموجبات الإيمان، وشروط النجاة من الخسران، وفي القرآن: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
وفي الحديث: "الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وفي الحديث الآخر: "المؤمن مرآة المؤمن".


التطهر والترقي:
(ك) التطهر والترقي، فالمجتمع المسلم مجتمع نظيف يربي أبناءه على الطهارة والعفة والإحصان، ويحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويعتبر الخمر والميسر، رجسا من عمل الشيطان، ويأمر المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، وينهى عن التبرج والإغراء بالقول أو بالمشي أو بالحركة، حتى لا يطمع الذين في قلوبهم مرض، وحتى لا يثير الغرائز الهاجعة، فتنطلق تعيث وتعربد، بلا قيود من خلق ولا دين.
والمجتمع المسلم ليس مجتمع ملائكة مطهرين، ولكن من ابتلي منهم، بارتكاب معصية، استتر بها، ولم يتبجح بفعلها، أو بالإعلان عنها، وبذلك ينحصر أثرها، ولا يتطاير شررها، ثم يرجى منه بعد ذلك أن يتوب منها: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).


العدالة:
(ل) العدالة، وتشمل عدالة التعامل بين الناس في شئون الحياة، فإن العدل فريضة، والظلم حرام، كما في الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا".
وتشمل العدالة الاقتصادية أو الاجتماعية التي تقف في وجه الأقوياء حتى لا يمتصوا دماء الضعفاء، بل تعمل على الحد من طغيان الأغنياء، بقدر ما ترفع من مستوى الفقراء، وما تفرض لهم من حقوق المال، الزكاة، أولها وليست آخرها، وتشمل العدالة القانونية والقضائية، بحيث يصل لكل إنسان حقه، وإن كان عند خليفة المسلمين، وأن يستوفي عقوبته على جرمه، وإن كان ابن أمير المؤمنين: "وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".


مجتمع متقدم:
(م) ومن أهم ما يوصف به هذا المجتمع الذي ينشئه الإسلام: أنه مجتمع متقدم، وليس مجتمعا متخلفا بحال.
وهذا أمر يحتاج إلى تجلية وتوضيح، فإن كلمة "تقدم" كلمة مطاطة، قابلة لأكثر من تفسير، والحضارة الغربية اليوم تزعم لنفسها أنها حضارة التقدم، وأن مجتمعاتها مجتمعات متقدمة، وأن مجتمعات المسلمين وغيرهم من أبناء ما يسمونه "العالم الثالث" كلهم من المتخلفين، وقد يتلطفون معهم، فلا يسمون بلادهم البلاد "المتخلفة"، وإنما يسمونها "النامية".
"ولا بد لنا أن نجيب بصراحة هنا عن موقفنا من التقدم ـ أو بعبارة أدق ـ عن موقف الإسلام من التقدم".
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا أن نحدد أولا مفهوم التقدم، فالحكم للشيء، أو عليه، فرع عن تصوره.
والتقدم في معناه البسيط: أن يكون الإنسان قدام غيره، أي في جهة الإمام، ويقابله: التخلف، وهو أن يكون الإنسان في الخلف.
والأمامية والخلفية من الأمور النسبية، فقد تعتبر في الإمام بالنسبة لشخص وراءك، وتعتبر في الخلف بالنسبة لشخص أمامك، وقد تكون أمام مجموعة كلها من المتخلفين، فأنت حينئذ أسبق المتخلفين، كالسابق بين العرجان!


ارتباط التقدم بأهداف الحياة:
ولكن التقدم قد يقاس بالنسبة لهدف يريد الإنسان أن يبلغه، فكل حركة في اتجاهه تقرب إليه، تعد تقدما، بخلاف أي حركة في عكس الاتجاه الموصل إلى الهدف، لأنها حركة إلى الوراء حتما.
وكذلك التوقف والجمود في موضع واحد لا يعدوه صاحبه، لا إلى أمام ولا إلى وراء، هذا في حد ذاته تخلف، لأن توقفك يعطي غيرك فرصة ليخطو خطوة أو خطوات إلى الأمام، وأنت واقف في مكانك، فستتخلف أنت بقدر ما يتحرك هو. وخصوصا أن الأصل في الإنسان أنه حي متحرك، والحركة دليل الحياة.
وهنا يبرز السؤال الكبير، ما الهدف أو الأهداف التي يجب على البشر أن يبلغوها ويحققوها في حياتهم؟ حتى يكون القرب منها أو البعد عنها مقياسا للتقدم أو التخلف.


الأهداف الأساسية للحياة الإنسانية:
إن الإسلام يجعل لحياة البشر على الأرض أهدافا أساسية، وأبرزها كما جاء بها القرآن العظيم ثلاثة، ذكرها الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه القيم "الذريعة إلى مكارم الشريعة"، وهي:
1. العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
2. الخلافة لله في الأرض، وإليها يشير قوله: (إني جاعل في الأرض خليفة)، وقوله: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).
3. والعمارة للأرض، وإليها الإشارة بقوله: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).


تقدم متكامل:
إن التقدم الذي يطلبه الإسلام للحياة: تقدم متكامل، روحي ومادي، أخلاقي وعمراني، دنيوي وأخروي، علمي وإيماني، ولا يجد أي تعارض بين هذه المتقابلات، بل هو يجمع بينها في توازن واتساق.
إنه تقدم في الأهداف والغايات، وتقدم في الوسائل والأساليب معا، فالإسلام أحرص ما يكون على نظافة الوسيلة، حرصه على شرف الغاية، ولا يقبل بحال الوصول إلى الغايات النبيلة بوسائل خسيسة أو قذرة، بل هو يرفض الوصول إلى الحق بطريق الباطل، يرفض أكل الربا وكسب الحرام لبناء المساجد، وتشييد المدارس، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
وفي ضوء هذا المفهوم المتكامل للتقدم قامت الحضارة الإسلامية الشامخة التي جمعت بين الروائع المادية التي تمثلت في مبدعات العمارة والفنون وغيرها، وبين المعاني الإيمانية والأخلاقية التي كانت هي الدوافع الحقيقية وراء هذا الإبداع، وكانت هي السند الروحي والمعنوي لهذه الحضارة التي لا تخطئ العين في عامة مظاهرها ومنجزاتها: إنها حضارة ربانية، محورها الإيمان، وركيزتها الأخلاق.

بناء الأمة الصالحة
من أهداف الإسلام الأساسية: تكوين (أمة) متميزة، تطبق رسالته، وتؤسس حياتها على عقيدته وشريعته ومثله، وتربي أجيالها على هداه، وتحمل رسالته إلى العالم كله، فتحمل معها الرحمة والنور والخير للبشرية كلها، كما قال تعالى لرسوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ولم يكن تكوين هذه الأمة بالأمر السهل في ظروف نشأة الإسلام المعروفة، فقد ولد الإسلام في جزيرة العرب، وهي قائمة على القبلية والعصبية لها. فالقبيلة هي أساس الولاء، ومصدر الاعتزاز والانتماء، فلا مكان لابن القبيلة إلا بها، بل لا وجود له إلا بها، فهي النسب والحسب، وهي السلطة والقوة، وهي الاقتصاد والسياسة، يرضى برضاها، ويغضب بغضبها، أو بغضب شيخها، ويتعصب لابن القبيلة محقا كان أو مبطلا، شعار كل واحد فيها: "انصر أخاك ـ أي ابن القبلية ـ ظالما أو مظلوما" بالمعنى الظاهري للعبارة، ولقد وصف أحدهم زعيم قبيلة كبيرة بقوله: إنه رجل إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه: فيم غضب؟!
وكل قبيلة تحاول أن تستعلي على القبيلة الأخرى، وتنقص من أطرافها، ولهذا كثرت الغارات من بعضهم على بعض، حتى قال قائلهم: وأحيانا على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا!
فلما جاء الإسلام نقلهم نقلة كبيرة في عالم الفكر، وعالم الشعور، وعالم الواقع، نقلهم من سجن القبلية الضيقة، إلى باحة الأمة الواسعة. وحذر أشد التحذير من الدعوة إلى العصبية بكل ألوانها، وخصوصا العصبية للقبيلة.
وفي الحديث: "ليس منا من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية، أو مات على عصبية".
"من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلته جاهلية".


وسئل صلى الله عليه وسلم عن "العصبية" فقال: 
"أن تعين قومك على الظلم"، ففسرها بأثرها في واقع المجتمع القبلي، فصاحب العصبية مع جماعة وإن جاروا وظلموا، وضد خصومهم وأن بروا وأقسطوا أو أوذوا وظلموا، على خلاف ما جاء به الإسلام من القيام بالقسط: (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)، (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا).
وفي لحظة من لحظات الضعف البشري، أطلت النزعة القبلية عند بعض الصحابة، فتنادوا بأسماء قبائلهم: يا بني فلان، ويا بني علان. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب، وقال: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"؟!
وقال عن دعوة العصبية كلمته المعبرة: "دعوها فإنها منتنة".
لقد أراد الإسلام أن يبني "أمة" على أساس العقيدة والفكرة، وليس على أي أساس مادي أو أرضي مما يبني عليه البشر أممهم، من عنصر أو لون أو لغة أو أرض، مما ليس للإنسان فيه إرادة واختيار. بل هو قدر مفروض عليه، فلم يختر الإنسان جنسه ولا لونه ولا لغته ولا أرضه التي ولد فيها. إنما ورث هذا كله دون أن يكون له رأي فيه.
أما العقيدة.. فالأصل فيها أنها من اختيار الإنسان، وإيمان المقلد مشكوك في قبوله، بل مرفوض عند المحققين من علماء المسلمين.
أراد الإسلام للمسلمين أن يكونوا أمة تنتسب إلى الحق لا إلى زيد أو عمرو من البشر، فهي لا تقوم على رابطة عرقية ولا لونية ولا إقليمية ولا طبقية. بل هي أمة عقيدة ورسالة قبل كل شيء.
هي أمة الإسلام، أو أمة المسلمين كما قال تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس)، وهي أمة الإيمان أو أمة المؤمنين. ولهذا تنادى دائما بـ (يا أيها الذين آمنوا).


أوصاف الأمة الأساسية في القرآن:
أبرز ما يميز عن غيرها من الأمم أوصاف أربعة ذكرها القرآن:


الربانية:
الأول: الربانية ـ ربانية المصدر، وربانية الوجهة. فهي أمة أنشأها وحي الله تعالى، وتعهدتها تعاليمه وأحكامه، حتى اكتمل لها دينها، وتمت به نعمة الله عليها كما قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فالله تعالى هو صانع هذه الأمة. ولهذا نجد القرآن الكريم يقول: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا). فهذا التعبير "جعلناكم" يفيد أن الله هو جاعل هذه الأمة ومتخذها وصانعها.


ومثل ذلك قوله تعالى:
(كنتم خير أمة أخرجت للناس)، فتعبير "أخرجت" يدل على أن هناك مخرجا أخرج هذه الأمة، فهي لم تظهر اعتباطا، ولم تكن نباتا بريا ينبت وحده دون أن يزرعه زارع، بل هو نبات مقصود متعهد بالعناية والرعاية. والذي أخرج هذه الأمة وزرعها وهيأها لرسالتها هو الله جل شأنه، فهي أمة مصدرها رباني، ووجهتها ربانية كذلك، لأنها تعيش لله، ولعبادة الله، ولتحقيق منهج الله في أرض الله. فهي من الله وإلى الله، كما قال تعالى لرسوله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له).


الوسطية:
والثاني: الوسطية.. التي تؤهل الأمة للشهادة على الناس، وتبوئها مكان الأستاذية للبشرية، وفيها جاءت الآية الكريمة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).


وهي وسطية شاملة جامعة: 
وسطية في الاعتقاد والتصور، ووسطية في الشعائر والتعبد، ووسطية في الأخلاق والسلوك، ووسطية في النظم والتشريع، ووسطية في الأفكار والمشاعر.
وسطية بين الروحية والمادية.. بين المثالية والواقعية.. بين الفردية والجماعية.
إنها الأمة التي تمثل "الصراط المستقيم" بين السبل المتعرجة والملتوية، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض. صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، لا صراط المغضوب عليهم ولا الضالين.


الدعوة:
والوصف الثالث: الدعوة. فهي أمة دعوة ورسالة، ليست أمة منكفئة على نفسها، تحتكر الحق والخير والهداية لذاتها، ولا تعمل على نشرها في الناس. بل الدعوة فريضة عليها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله أساس تفضيلها على كل الأمم. كما قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
فهي لم ترجح سائر الأمم في ميزان الله لسبب مادي أو عنصري. كيف وهي تتكون من عناصر شتى، من كل من يدخل في دين الله من أجناس البشر عربا أو عجما؟
إنما رجحت في ميزان الحق، لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
وقبل ذلك بآيات، قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون).


ومعناها على أحد التفسيرين: 
اجعلوا من أنفسكم أمة الدعوة والأمر والنهي، فبهذا تستحقون أن يقصر الفلاح عليكم. و "من" هنا تجريدية لا تبغيضية.
وعلى التفسير الآخر: هيئوا منكم طائفة متماسكة قادرة على الدعوة والأمر والنهي. ولتسقط فرض الكفاية عنكم، وتكونوا أنتم عونا لها.
إن رسالة الإسلام رسالة عالمية، رسالة لكل الأجناس، ولكل الألوان، ولكل الأقاليم، ولكل الشعوب، ولكل اللغات، ولكل الطبقات. كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)، (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).
وعلى الأمة المسلمة أن تدعو الناس جميعا إلى الإسلام بألسنتهم حتى نبين لهم، ونقيم الحجة عليهم، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حتى لا تلعن كما لعن الذين من قبلها حين فرطوا في هذا الواجب: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون).
يتبع إن شاء الله...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 05:33 am


الوحدة:
والوصف الرابع: الوحدة. فالأمة التي يريدها الإسلام أمة واحدة، وإن تكونت من عروق وألوان وطبقات، فقد صهرها الإسلام جميعا في بوتقته، وأذاب الفوارق بينها، وربطها بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
يقول تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
ويقول سبحانه: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون).
وكيف لا تكون هذه الأمة واحدة، وقد وحد الله عقيدتها وشريعتها، وحد غايتها، ووحد منهاجها، كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).
أمة ربها واحد هو الله، ونبيها واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابها واحد هو القرآن، وقبلتها واحدة هي الكعبة البيت الحرام، وشريعتها واحدة هي شريعة الإسلام، ووطنها واحد هو "دار الإسلام" على اتساعها، وقيادتها واحدة تتمثل في "خليفة المسلمين" وأمير المؤمنين، الذي يجسم الوحدة السياسية للأمة.
ولهذا رفض الإسلام أن يكون للمسلمين خليفتان في وقت واحد، حرصا على وحدة الأمة، ومنعا لتفرق كلمتها، وشتات أمرها.


ولهذا لا يجوز أن نقول في تعبيرنا: 
الأمم الإسلامية، بل الأمة الإسلامية فهي أمة واحدة كما أمر الله، وليست أمما متفرقة، كما أراد الاستعمار.
يقول الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
ويقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم).
ولقد نبه القرآن على دسائس بعض أهل الكتاب الذين يسعون جهدهم لتمزيق شمل المسلمين، وإثارة النعرات العصبية بينهم، قال تعالى محذرا: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين).
وسبب نزول الآية الكريمة وما بعدها يدل على أن المقصود: يردوكم بعد وحدتكم متفرقين، وبعد أخوتكم متعادين.
إن وحدة الأمة توجب عليها أن تجعل أخوتها الإسلامية فوق كل العصبيات، فقد جعلها الله تعالى معبرة عن الإيمان ومجسدة له: (إنما المؤمنون إخوة).


وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: 
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" أي لا يخذله عند الشدة أو عند الاعتداء عليه، بل ينصره ويسانده، وهذا هو مقتضى الأخوة. وهو ما يؤكده الحديث الآخر: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم"k ويحذر الإسلام أبلغ التحذير من تعادي أبناء الأمة الواحدة إلى حد أن يحارب بعضها بعضا، كما كانت تفعل القبائل الجاهلية. يقول صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"، "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".


الإيمان بالأمة لا ينفي خصوصيات الأقوام:
ومن المفيد هنا أن ننبه على قضية ذات شأن، وهي: أن الإيمان بـ "الأمة" المؤسسة على عقيدة الإسلام، وأخوة الإيمان، والتي تضم جميع المسلمين في رحابها حيث كانوا ـ لا ينفي أن هناك خصوصيات معينة لكل قوم، يعتزون بها، ويحافظون عليها، ولا يفرطون فيها، ولا مانع من ذلك إذا لم تتحول إلى عصبية عرقية تقاوم أخوة الإسلام، أو إلى نزعة أنانية انفصالية تهدد وحدة دولة الإسلام.
ولقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده القبائل تقاتل تحت راياتها، تحت القيادة الإسلامية العامة، ليكون ذلك مصدرا إضافيا لحماسهم وإقدامهم، حتى لا يجلبوا العار على أقوامهم وعشائرهم.
إن حب الرجل لقومه وعشيرته ورغبته في جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم، نزعة فطرية لا غبار عليها، ولا خطر فيها. كما لا خطر في حبه لأسرته، واهتمامه بها، ولا غرو أن أمر الرسول بتعلم الأنساب لما وراءها من تواصل في الأرحام وإن تباعدت: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم".


وفي الحديث: "خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم".
إن الخطر إنما يتمثل فيما إذا وقف قومه موقفا معاديا للإسلام، وحادوا الله ورسوله، هنا تحرم الموادة والموالاة، ولو كانت لأقرب الناس للإنسان، كأمه وأبيه وزوجه وأخيه.
يقول تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم).
ويقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم أولئك هم الظالمون، قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين).
لا بأس أن يحب الرجل أسرته، ويحب قومه وعشيرته، ولكن إذا تعارض ذلك مع حب الله ورسوله، فإن حب الله ورسوله أغلى من كل شيء، هنا يتغنى المسلم بقول القائل: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم!
هنا يقول المسلم ما قاله سلمان رضي الله عنه حين سئل: ابن من أنت؟ فقال: أنا ابن الإسلام!


القومية:
ولقد كان هذا المعنى واضحاً، فلم يرفض فكرة "القومية" رفضاً كلياً، ولم يقبلها قبولاً مطلقاً، بل فصل فيها كما فصل في "الوطنية" قال: "إن كان الذين يعتزون بمبدأ "القومية" يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراقي المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة، وأن عظمة الأب مما يعتز به الابن ويجد لها الحماس والأريحية بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل نشجعه ونأخذ به، وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أن نحدوهم بأمجاد الماضين؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس بأمجاد خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" فها أنت ذا ترى أن الإسلام لا يمنع من القومية بهذا المعنى الفاضل النبيل.
وإذا قصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره وأحقهم بإحسانه وجهاده فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذين نشأ فيهم ونما بينهم؟
لعمري لرهط المرء خير بقية عليه وإن عالوا به كل مركب
وإذا قصد بالقومية أننا جميعا مبتلون مطالبون بالعمل والجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها حتى تلتقي إن شاء الله في ساحة النصر فنعم التقسيم هذا، ومن لنا بمن يحدو الأمم الشرقية كتائب كل في ميدانها حتى نلتقي جميعا في بحبوحة الحرية والخلاص؟
كل هذا وأشباهه في معنى القومية جميل معجب لا يأباه الإسلام، وهو مقياسنا، بل ينفسح صدرنا له ونحض عليه.
أما أن يراد بالقومية إحياء عادات جاهلية درست، وإقامة ذكريات بائدة خلت وتعفية حضارة نافعة استقرت، والتحلل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية والاعتزاز بالجنس، كما فعلت بعض الدول في المغالاة بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، حتى الأسماء وحروف الكتابة وألفاظ اللغة، وإحياء ما اندرس من عادات جاهلية، فذلك في القومية معنى ذميم وخيم العاقبة وسيئ المغبة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه وتنحط بها منزلته ويفقد أخص مميزاته وأقدس مظاهر شرقه ونبله، ولا يضر ذلك دين الله شيئا: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
وأما أن يراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها، كما تنادي بذلك ألمانيا وإيطاليا مثلا، بل كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع.فهذا معنى ذميم كذلك ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وهم من الأوهام لا حقيقة له ولا خير فيه.
فالمسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني ولا بأشباهها ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية ولا شيئا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل بل أكمل معلم علم الإنسان الخير: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". ما أروع هذا وأجمله وأعدله، الناس لآدم فهم في ذلك أكفاء، والناس يتفاضلون بالأعمال فواجبهم التنافس في الخير، دعامتان قويمتان لو بنيت عليهما الإنسانية لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات، الناس لآدم فهم إخوان فعليهم أن يتعاونوا وأن يسالم بعضهم بعضا، ويرحم بعضهم بعضا، ويدل بعضهم بعضا على الخير، والتفاضل بالأعمال. فعليهم أن يجتهدوا كل من ناحيته حتى ترقى الإنسانية، فهل رأيت سموا بالإنسانية أعلى من هذا السمو أو تربية أفضل من هذه التربية؟


خواص العروبة:
ثم يقول الأستاذ رحمه الله: "ولسنا مع هذا ننكر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر، ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلة إلى تحقيق المهمة السابقة التي كلفها كل شعب، تلك هي النهوض بالإنسانية، ولعلك لست واجدا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وبهذا لم ير الإمام أن يقيم تعارضا لا ضرورة له بين العروبة والإسلام.


بناء الدولة الصالحة:
وكما حرص الإسلام على إنشاء الأمة الصالحة المصلحة، ذات الرسالة الربانية الإنسانية الأخلاقية العالمية، هدف كذلك إلى أن تحكم هذه الأمة دولة صالحة، تحقق أهدافها، وتنمي خصائصها، وتحافظ على رسالتها، وتعمل على غرسها في الداخل، ونشرها في الخارج.
ولقد استطاع الاستعمار الذي حكم أكثر بلاد المسلمين ـ أن يغرس في الكثيرين منهم فكرة دخيلة، مؤداها أن الإسلام دين لا دولة. "دين" بالمفهوم الغربي لكلمة "الدين" أما شئون الدولة فلا صلة له بها. وإنما ينظمها العقل الإنساني وفقا لتجاربه وظروفه المتطورة!
لقد أرادوا أن يطبقوا على الإسلام في الشرق، ما طبق على المسيحية في الغرب. فكما أن النهضة هناك لم تتم إلا بعد التحرر من سلطان الدين، فكذلك يجب أن تقوم النهضة في شرقنا العربي الإسلامي على أنقاض الدين!
مع أن الدين هناك معناه الكنيسة وسلطة البابا، واستبداد رجال الكهنوت بالضمائر والأرواح. فأين هذا من الدين هنا، وليس فيه بابا ولا كهنوت ولا استبداد بالضمائر والأرواح؟!
على كل حال، لقد نجح الاستعمار في خلق فئات تؤمن أن الدين لا مكان له في توجيه الدولة وتنظيمها، وأن الدين شيء والسياسة شيء آخر، وأن هذا يجري على الإسلام، كما جرى على المسيحية. وكان من الشعارات المضللة التي شاعت أن "الدين لله والوطن للجميع"! وهي كلمة حق يراد بها باطل، ويمكن أن تقلب على كل الوجوه. فنستطيع أن نقول: إن الدين لله والوطن لله، أو: الدين للجميع والوطن للجميع، أو: الدين للجميع والوطن لله!
وإنما مرادهم بكلمة "الدين لله" أن الدين مجرد علاقة بين ضمير الإنسان وربه، ولا مكان له في نظام الحياة والمجتمع.
وكان أبرز مثل عملي لذلك هو "الدولة العلمانية" التي أقامها كمال أتاتورك في تركيا، وفرضها بالحديد والنار والدم على مجموع الشعب التركي المسلم، بعد تحطيم الخلافة العثمانية آخر حصن سياسي بقي للإسلام بعد صراع القرون، مع الصليبية واليهودية العالمية.
وقد أخذت الحكومات في البلاد الإسلامية الأخرى تقلد تركيا الجديدة على درجات متفاوتة، فأقصى الإسلام عن الحكم والتشريع في الأمور الجنائية والمدنية ونحوها، وبقي محصورا فيما سمي "الأحوال الشخصية" كما أقصى عن التوجيه والتأثير في الحياة الثقافية والتربوية والاجتماعية إلا في حدود ضئيلة. وفسح المجال كل المجال للتوجيه الغربي والثقافة الغربية والتقاليد الغربية.
وكان من أبرز المظاهر لنجاح الغزو الثقافي الغربي أن "الفكر العلماني" الدخيل الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، لم يقف عند الرجال "المدنيين" وحدهم، بل تعداهم إلى بعض الذين درسوا دراسة دينية في معهد إسلامي عريق كالأزهر، كما تجلى ذلك في كتاب الشيخ على عبد الرزاق "الإسلام وأصول الحكم".


ومن الإنصاف أن نقول: 
إن هذا الكتاب قد أحدث ضجة هائلة حين صدوره، في المجتمع عامة، وفي الأزهر خاصة، وقد شكلت هيئة من كبار علماء الأزهر لمحاكمة مؤلفه، فقضت بتجريده من شهادة العالمية، وإخراجه من زمرة العلماء، كما رد عليه كثير من العلماء والمفكرين أزهريين وغير أزهريين.
كان لا بد إذن من تأكيد الوقوف في وجه العلمانية ودعاتها ومبرريها، بتأكيد شمول الإسلام، وإبراز هذا الجانب الحي من أحكامه وتعاليمه: جانب الدولة، وتنظيمها وتوجيهها بأحكامه وآدابه، وإعلان أن ذلك جزء لا يتجزأ من نظام الإسلام.


الدليل من نصوص الإسلام:
ولم يكن هذا ابتكارا من الحركة الإسلامية ومؤسسها ودعاتها. بل هو ما تنطق به نصوص الإسلام القاطعة، ووقائع تاريخه الثابتة، وطبيعة دعوته الشاملة.
أما نصوص الإسلام فحسبنا منها آيتان من سورة النساء: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول).


فالخطاب في الآية للولاة والحكام: 
أن يرعوا الأمانات ويحكموا بالعدل، فإن إضاعة الأمانة والعدل نذير بهلاك الأمة وخراب الديار، ففي الصحيح: "إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة". قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".


والخطاب في الآية الثانية للرعية المؤمنين: 
أن يطيعوا "أولى الأمر" بشرط أن يكونوا "منهم" وجعل هذه الطاعة بعد طاعة الله وطاعة الرسول، وأمر عند التنازع برد الخلاف إلى الله ورسوله، أي إلى الكتاب والسنة، وهذا يفترض أن يكون للمسلمين دولة تهيمن وتطاع، وإلا لكان هذا الأمر عبثا.
وفي ضوء الآيتين المذكورتين ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه المعروف "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" والكتاب كله مبني على الآيتين الكريمتين.
وإذا ذهبنا إلى السنة، رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". ولا ريب أن من المحرم على المسلم أن يبايع أي حاكم لا يلتزم بالإسلام. فالبيعة التي تنجيه من الإثم أن يبايع من يحكم بما أنزل الله… فإذا لم يوجد ذلك فالمسلمون آثمون حتى يتحقق الحكم الإسلامي، وتتحقق به البيعة المطلوبة. ولا ينجي المسلم من هذا الإثم إلا أمران: الإنكار ـ ولو بالقلب ـ على هذا الوضع المنحرف المخالف لشريعة الإسلام..
والسعي الدائب لاستئناف حياة إسلامية قويمة، يوجهها حكم إسلامي صحيح.
وجاءت عشرات الأحاديث الصحيحة عن الخلافة والإمارة والقضاء والأئمة وصفاتهم وحقوقهم من الموالاة والمعاونة على البر، والنصيحة لهم وطاعتهم في المنشط والمكره، والصبر عليهم، وحدود هذه الطاقة وهذا الصبر، وتحديد واجباتهم من إقامة حدود الله ورعاية حقوق الناس، ومشاورة أهل الرأي، وتولية الأقوياء الأمناء، واتخاذ البطانة الصالحة، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى غير ذلك من أمور الدولة وشئون الحكم والإدارة والسياسة.
ولهذا رأينا شئون الأمة والخلافة تذكر في كتب العقائد وأصول الدين، كما رأيناها تذكر في كتب الفقه، كما رأينا كتبا خاصة بشئون الدولة الدستورية والإدارية والمالية والسياسية، كالأحكام السلطانية للماوردي، ومثله لأبي يعلى، والغياثي لإمام الحرمين، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وتحرير الأحكام لابن جماعة، والخراج لأبي يوسف، ومثله ليحيى بن آدم، والأموال لأبي عبيد، ومثله لابن زنجويه.. وغير ذلك مما ألف ليكون مرجعا للقضاة والحكام كالطرق الحكمية، والتبصرة، ومعين الحكام. وما شابهها.


الدليل من تاريخ الإسلام:
أما تاريخ الإسلام.. فينبئنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بكل ما استطاع من قوة وفكر ـ مؤيدا بهداية الوحي ـ إلى إقامة دولة للإسلام، ووطن لدعوته، خالص لأهله، ليس لأحد عليهم فيها سلطان، إلا سلطان الشريعة. ولهذا كان يعرض نفسه على القبائل ليؤمنوا به ويمنعوه ويحموا دعوته، حتى وفق الله "الأنصار" من الأوس والخزرج إلى الإيمان برسالته، فلما انتشر فيهم الإسلام جاء وفد منهم إلى موسم الحج مكون من 73 رجلا وامرأتين، فبايعوه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… الخ… فبايعوه على ذلك… وكانت الهجرة إلى المدينة ليست إلا سعيا لإقامة المجتمع المسلم المتميز، تشرف عليه دولة مسلمة متميزة.
كانت "المدينة" هي "دار الإسلام" وقاعدة الدولة الإسلامية الجديدة، التي يرأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو قائد المسلمين وإمامهم، كما إنه نبيهم ورسول الله إليهم.
وكان الانضمام إلى هذه الدولة، لشد أزرها، والعيش في ظلالها، والجهاد تحت لوائها، فريضة على كل داخل في دين الإسلام حينذاك، فلا يتم إيمانه إلا بالهجرة إلى دار الإسلام، والخروج من دار الكفر والعداوة للإسلام، والانتظام في سلك الجماعة المؤمنة المجاهدة التي رماها العالم في قوس واحدة، يقول الله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا). 


ويقول في شأن قوم:
(فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله)k كما نزل القرآن الكريم يندد أبلغ تنديد بأولئك الذين يعيشون مختارين في دار الكفر والحرب، دون أن يتمكنوا من إقامة دينهم وأداء واجباتهم وشعائرهم: (إن الذين توفآهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا)k وعند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما شغل أصحابه رضي الله عنهم، أن يختاروا "إماما" لهم، حتى إنهم قدموا ذلك على دفنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبادروا إلى بيعة أبي بكر، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، وبهذا الإجماع التاريخي ابتداء من الصحابة والتابعين ـ مع ما ذكرنا من النصوص ـ استدل علماء الإسلام على وجوب نصب الإمام الذي هو رمز الدولة الإسلامية وعنوانها.
ولم يعرف المسلمون في تاريخهم انفصالا بين الدين والدولة إلا عندما نجم قرن العلمانية في هذا العصر، وهو ما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منه، وأمر بمقاومته كما في حديث معاذ: "ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان (أي الدين والدولة) فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، فإن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم". قالوا: وماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم: نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب. موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله".


الدليل من طبيعة الإسلام:
أما طبيعة الإسلام ورسالته، فذلك أنه دين عام، وشريعة شاملة، وشريعة هذه طبيعتها لا بد أن تتغلغل في كافة نواحي الحياة، ولا يتصور أن تهمل شأن الدولة، وتدعها للمتحللين والملحدين، أو الفسقة، يديرونها تبعا للهوى.
كما إن هذا الدين يدعو إلى التنظيم وتحديد المسئولية، ويكره الاضطراب والفوضى في كل شيء، حتى رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا في الصلاة أن نسوي الصفوف وأن يؤمنا أعلمنا، وفي السفر يقول: أمروا أحدكم.


يقول الإمام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": 
يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد عند الاجتماع من رأس. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم" (رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة).
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع.
"ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصرة المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة. ولهذا روى: "إن السلطان ظل الله في الأرض". ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة، لدعونا بها للسلطان". وذلك لأن الله يصلح بصلاحه خلقا كثيرا.
ثم إن طبيعة الإسلام باعتباره منهجا يريد أن يسود ويقود ويوجه الحياة، ويحكم المجتمع، ويضبط سير البشر وفق أوامر الله، لا يظن به أن يكتفي بالخطابة والتذكير والموعظة الحسنة، ولا أن يدع أحكامه ووصاياه وتعليماته في شتى المجالات إلى ضمائر الأفراد وحدها، فإذا سقمت هذه الضمائر أو ماتت، سقمت معها وماتت تلك الأحكام والتعاليم. وقد قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
فمن الناس من يهديه الكتاب والميزان، ومنهم من لا يردعه إلا الحديد والسنان. ولذا قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).
قال ابن تيمية: فمن عدل عن الكتاب عدل بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 05:40 am


وقال الإمام الغزالي: 
الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان.
إن نصوص الإسلام لو لم تجئ صريحة بوجوب إقامة دولة للإسلام، ولم يجئ تاريخ الرسول وأصحابه تطبيقا عمليا لما دعت إليه هذه النصوص ـ لكانت طبيعة الرسالة الإسلامية نفسها تحتم أن تقوم للإسلام دولة أو دار، يتميز فيها بعقائده وشعائره وتعاليمه ومفاهيمه، وأخلاقه وفضائله، وتقاليده وتشريعاته.
فلا غنى للإسلام عن هذه الدولة المسئولة في أي عصر، ولكنه أحوج ما يكون إليها في هذا العصر خاصة. هذا العصر الذي برزت فيه "الدولة الأيديولوجية"، وهي الدولة التي تتبنى فكرة، يقوم بناؤها كله على أساسها، من تعليم وثقافة وتشريع وقضاء واقتصاد، إلى غير ذلك من الشئون الداخلية والسياسة الخارجية، كما نرى ذلك واضحا في الدولة الشيوعية والاشتراكية. 
وأصبح العلم الحديث بما وفره من تقدم تكنولوجي في خدمة الدولة، وأصبحت الدولة بذلك قادرة على التأثير في عقائد المجتمع وأفكاره وعواطفه وأذواقه وسلوكه بصورة فعالة، لم يعرف لها مثيل من قبل. بل تستطيع الدولة بأجهزتها الحديثة الموجهة أن تغير قيم المجتمع ومثله وأخلاقه رأسا على عقب، إذا لم تقم في سبيلها مقاومة أشد.
إن دولة الإسلام "دولة فكرية"، دولة تقوم على عقيدة ومنهج، فليست مجرد "جهاز أمن" يحفظ الأمة من الاعتداء الداخلي أو الغزو الخارجي، بل إن وظيفتها لأعمق من ذلك وأكبر، وظيفتها تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام، وتهيئة الجو الإيجابي والمناخ الملائم، لتحول عقائد الإسلام وأفكاره وتعاليمه إلى واقع عملي ملموس، يكون قدوة لكل من يلتمس الهدى، وحجة على كل سالك سبيل الردى.


ولهذا يعرف ابن خلدون "الخلافة" بأنها: 
حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا، ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولهذا وصف الله المؤمنين حين يمكن لهم في الأرض، وبتعبير آخر حين تقوم لهم دولة، فقال: (الذين مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر).


إن شعار دولة الإسلام ما قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: 
إن الله بعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ثم إن هذه الدولة الفكرية ليست ذات صفة محلية، ولكنها دولة ذات رسالة عالمية، لأن الله حمل أمة الإسلام دعوة البشرية إلى ما لديها من هدى ونور، وكلفها الشهادة على الناس، والأستاذية للأمم، فهي أمة لم تنشأ بنفسها ولا لنفسها فحسب، بل أخرجت للناس، أخرجها الله الذي جعلها خير أمة وخاطبها بقوله سبحانه: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس).
ومن هنا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم حين أتيحت له أول فرصة ـ بعد صلح الحديبية ـ كتب إلى مملوك العالم وأمراء الأقطار في أركان الأرض يدعوهم إلى الله، والانضواء تحت راية التوحيد، وحملهم إثم أنفسهم وإثم رعيتهم إذا تخلفوا عن ركب الإيمان، وكان يختم رسائله بهذه الآية: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).


حاجتنا إلى دولة تحتضن الإسلام:
إن أول ما تحتاج إليه الدعوة الإسلامية في هذا العصر أن تقوم "دار للإسلام" أو "دولة للإسلام" تتبنى رسالة الإسلام عقيدة ونظاما، وحياة وحضارة، وتقيم حياتها كلها: المادية والأدبية، على أساس من هذه الرسالة الشاملة، وتفتح بابها لكل مؤمن يريد الهجرة من ديار الكفر والظلم والابتداع، هذه الدولة المنشودة ضرورة إسلامية، وهي أيضا ضرورة إنسانية، لأنها ستقدم للبشرية المثل الحي، لاجتماع الدين والدنيا، وامتزاج المادة بالروح، والتوفيق بين الرقي الحضاري، والسمو الأخلاقي، وتكون هي اللبنة الأولى لقيام دولة الإسلام الكبرى، التي توحد الأمة المسلمة تحت راية القرآن، وفي ظل خلافة الإسلام، ولكن القوى المعادية للإسلام، تبذل جهودا جبارة مستميتة دون قيام هذه الدولة في أي رقعة من الأرض، وإن صغرت مساحتها وقل سكانها.
قد يسمح الغربيون بدولة ماركسية، وقد يسمح الشيوعيون بدولة ليبرالية، ولكن لا هؤلاء ولا أولئك يسمحون بدولة إسلامية صحيحة الإسلام، ولا غرو أن نراهم اليوم يوجهون رماحهم وسهامهم إلى دولة السودان، لإعلانها التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة. وكذلك حالوا في الجزائر بين الإسلاميين والوصول إلى الحكم، رغم فوزهم بالأغلبية في انتخابات حرة في ظل التعددية الديمقراطية.
وحين تقوم حركة إسلامية ناجحة، يخشى أن تتحول إلى دولة، سرعان ما توجه إليها قوى الكفر ـ العالمية والمحلية ـ ضرباتها المحمومة، من تشريد وتجويع وتعذيب وتقتيل، وتشويه وتمويه، ولا تكاد تفيق من ضربة حتى يباغتوها بأخرى، لتظل دائما في شغل بآلامها عن آمالها، وبمتاعبها عن مطالبها، وبجروحها عن طموحها.


الدعوة إلى خير الإنسانية
لا يفهم من دعوة الإسلام إلى إقامة (أمة متميزة) بأهدافها وقيمها ومناهجها، ذات رسالة متميزة، بمقوماتها ومثلها وخصائصها: أن الإسلام دين منغلق على نفسه، وأن أمته تعيش لنفسها، متقوقعة على ذاتها، لا تهتم بغيرها من الناس، صلحوا أو فسدوا، اهتدوا أو ضلوا، ارتقوا أو هبطوا.
كلا، فالإسلام منذ فجر دعوته كان رسالة عالمية، ودعوة للناس كافة، ورحمة لكل عباد الله، عربا كانوا أو عجما، ولكل بلاد الله، شرقا كانت أم غربا، وإلى جميع الألوان بيضا كانوا أم سودا.


في القرآن المكي نقرأ آيات كريمة من كتاب الله تقرر بوضوح عالمية الدعوة:
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا).
(إن هو إلا ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين).
(قل: لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين).
(قل: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا).
وأمة الإسلام مكلفة بحمل هذه الرسالة العالمية إلى العالم، فلا يجوز لها أن تحتكر الخير والنور لنفسها، بل عليها بعد أن اهتدت بنور الله أن تهدي الآخرين إليه، وبعد أن صلحت بالإيمان والعمل الصالح أن تصلح الأمم وتدعوها إلى الخير الذي أكرمها الله به، ولهذا وصف الله أمة الإسلام وأثنى عليها في كتابه حين خاطبها بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).


فالتعبير القرآني بقوله: 
"أخرجت" يدل على أن هناك من أخرج هذه الأمة، وهو الله جل جلاله، فلم تنبت هذه الأمة من نفسها كنبات البرية، بل أنبتها منبت بذر بذرتها، وتولى رعايتها.
وهي لم تخرج لنفسها، بل أخرجت للناس، لهداية الناس، ولنفع الناس، وإصلاح الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
فهي ـ في المقام الأول ـ أمة دعوة ورسالة مبعوثة مما بعث به رسولها إلى الناس، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
لهذا قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون).
وسواء كانت (من) في قوله تعالى "منكم" للتجريد، بمعنى: لتكونوا جميعا أمة يدعون إلى الخير، كما تقول: ليكن لي منك الصديق الوفي، ليكن منك الأسد الهصور… أي لتكن أنت. أم كانت (من) للتبعيض، بمعنى: كونوا منكم أمة أي جماعة قوية مترابطة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف.. الخ.. فعلى كلا المعنيين: الأمة هي المسؤولة عن الدعوة والأمر والنهي، ولو بتكوين هذه الجماعة وتقويتها وإمدادها وتهيئتها لوظيفتها، ومراقبتها في أدائها، ولهذا خوطبت بهذا التكليف، وهذا ما فقهه الصحابي الكريم ربعي بن عامر ـ رضي الله عنه ـ حين سأله رستم قائد جيوش الفرس في معركة القادسية: من أنتم؟ فقال له في عزة مؤمنة، وفي إيمان عزيز: نحن قوم ابتعثنا الله، لنخرج من نشاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا، إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فلخص هذا الصحابي ـ الذي لم يتخرج في جامعة، ولم ينقب في الكتب، ولم يختلف إلى المعلمين ـ الأهداف الكلية الكبرى للإسلام في هذه الكلمات الموجزة، وإنما تعلمها في المدرسة المحمدية، التي خرجت هذه الصفوة من البشر، وهذه النماذج الربانية التي لم تر عين الدنيا مثلها، كانت رسالة الإسلام العالمية (رحمة عامة) كما وصفها الله، ودعوة إلى خير الإنسانية، وهذه الرحمة أو هذا الخير يتجلى في جملة مبادئ أو قيم عليا دعا إليها الإسلام أهمها وأبرزها ما يلي:


المبادئ والقيم التي دعا إليها الإسلام:
1. تحرير الإنسان من العبودية للإنسان:
أول هذه المبادئ: أن الإسلام ـ بدعوته إلى التوحيد الخالص، ومقاومته للشرك بكل ألوانه ومستوياته ـ حرر الإنسان من العبودية للإنسان، كما حرره من العبودية للأشياء، أو للأوهام، أو للذات.
أسقط الإسلام الآلهة المزيفين الذين قدسهم الناس، واتخذوهم أربابا من دون الله أو مع الله، سواء كانوا من رجال الدين أم من رجال الدنيا والسلطان، كما قال تعالى في شأن أهل الكتاب: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحد، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).
وكانت الآية التي ختم بها الرسول الكريم رسائله إلى قيصر والمقوقس والنجاشي، وغيرهم من أمراء النصارى قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله)< وكانت هذه الكلمة "لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" إيذانا بميلاد جديد للبشرية، فلا يتأله بعضهم على بعض، ولا ينحني بعضهم لبعض، ولا يسجد بعضهم لبعض، ارتفعت الجباه، فلا تسجد إلا لخالقها، واستقامت الظهور فلا تركع إلا لبارئها، وعز الناس فلا يذلون إلا الله الواحد القهار.
الله وحده هو الذي تتجه إليه القلوب راجية خائفة، (يرجون رحمته ويخافون عذابه) وهو الذي تمتد إليه الأيدي والألسن سائلة ضارعة، وهو الذي يملك وحده العطاء والمنع، والخفض والرفع، والحياة والموت.
وهو وحده الذي يملك حق التشريع المطلق للبشر، بحكم خلقهم إياهم، وإمدادهم بالنعم التي لا تحصى، فهو الذي يملك أن يحرم عليهم، وأن يحل لهم، فهو الذي (له الحكم)، و(له الخلق والأمر)، (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا).


2. الأخوة والمساواة الإنسانية:
ومن ثمار التوحيد الذي دعا إليه الإسلام: الأخوة البشرية، ومن لوازمها: المساواة الإنسانية.


وهذه الأخوة مبنية على أمرين:
الأول: أن الناس جميعا، بمقتضى دعوة التوحيد، عبيد لرب واحد، هو الذي خلقهم فسواهم، فهم متساوون في مرتبة العبودية لله.
والثاني: أنهم جميعا أبناء لأب واحد، فهم ـ مهما اختلفت ألوانهم تباعدت أوطانهم، وتباينت ألسنتهم وتفاوتت طبقاتهم ـ أبناء آدم. فهم متساوون في مرتبة البنوة لآدم.
وهذا ما بلغه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في حجة الوداع حين قال في جموع الناس: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب: لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".
وقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة هذه الدعوات الثلاث:
"اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك له".
"اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك".
"اللهم ربنا رب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة".


فهذا الدعاء النبوي الكريم يتضمن شهادات أساسية ثلاثا: 
أولاها: شهادة لله بالوحدانية.
وثانيها: شهادة لمحمد بالعبودية والرسالة. 
وثالثها: شهادة للعباد كلهم بأنهم إخوة، فهي أخوة إنسانية عامة، والأخوة تتكون من عناصر ثلاثة: المحبة، والمساواة، والتعاون.


وقد يقول بعض الناس: 
إن الله تعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة)، ورسوله يقول: "المسلم أخو المسلم" فاعتبر الأخوة بالدين والإيمان لا بغيرها.
ونقول: 
إن الأخوة الدينية القائمة على الإيمان هي أخص أنواع الأخوة وأعمقها، ولكنها لا تنافي وجود الأنواع الأخرى من الأخوة، مثل الأخوة الوطنية والقومية، مثل قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا)، (وإلى ثمود أخاهم صالحا)، (وإلى مدين أخاهم شعيبا)، (إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون)، (إذ قال لهم أخوهم لوط: ألا تتقون)، فأثبت القرآن هذه الأخوة، بين هؤلاء الرسل، وأقوامهم، وهم مكذبون لهم، متمردون على رسالتهم، لأنهم منهم، وليسوا غرباء عنهم، فهي أخوة قومية.
وهناك الأخوة البشرية بين أبناء آدم عامة، وهي التي شهد بها الرسول في حديثه السابق.


3. العدل لجميع الناس:
ومما دعا إليه الإسلام لخير الإنسانية: إقامة العدل بين الناس كل الناس، فليس عدلا للعرب وحدهم، إنما هو عدل للناس كلهم جميعا.
يقول تعالى في بيان أهداف الرسالات السماوية: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وهكذا تبين أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب إنما كانا لتحقيق هدف أساسي، هو: أن يقوم (الناس) بالقسط، وهو العدل، الذي به يعطي كل ذي حق حقه.
وقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
هكذا بهذا التعميم "إذا حكمتم بين (الناس) لا بين المسلمين فحسب.
وقد أنزل الله تسع آيات في سورة النساء عتابا للرسول الكريم حين هم أن يدافع عن قوم من المسلمين الضعفاء أو من المنافقين، اتهموا يهوديا ظلما بالسرقة، ولم يكن هو بالسارق، وإنما هم السراق. قال تعالى:
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما..) الآيات.
وقد أمر الله المؤمنين أن يقوموا بالقسط شهداء لله، لا يمنعهم من ذلك عاطفة حب لقريب، أو بغض لبعيد، فالعدل فوق عواطف المحبة والكره، ويجب أن يكون لله.
يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين). فهذا هو العدل مع من تحب ولو كان أحد والديك أو أقرب أقربائك، بل لو كان نفسك ذاتها.
ويقول سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله)، فهذا هو العدل مع من تكره من الناس، ممن يحملون لهم (الشنآن). والشنآن هو: شدة البغض والعداوة. ولكن هذا لا يجوز أن يحمل المؤمنين على الظلم، فإن الله لا يحب الظالمين، ولا يهديهم، ولن يفلحوا أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد طبق المسلمون هذا العدل مع الشعوب كلها، في عصر النبوة، وفي العصور الراشدة، وفي القرون الأولى ـ خير القرون ـ بصفة عامة، ووجدنا عمر بن الخطاب يأمر لرجل قبطي مصري بالقصاص من ابن الوالي على مصر: عمرو بن العاص. ويقول لعمرو كلمته التاريخية: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟
وهذه الكلمة التي قالها عمر على البديهة، أصبحت تفتح بها مواثيق حقوق الإنسان ودساتير الأمم المتقدمة في العصر الحديث.


ومما يجب التنويه به هنا: 
أن الإسلام أشعر جماهير الناس، أن العدل فريضة لا تهاون فيها، وأن كل مظلوم سيأخذ حقه ممن ظلمه، فلا غرو أن سافر الرجل من الفسطاط إلى المدينة ـ وهو سفر شاق طويل ـ ليطالب بحقه، وقد كان في عهد الرومان يضرب ويسلب وتنتهك حرماته، فلا يرفع بذلك رأسا، لأنه لا يجد من يشكو إليه، ولو وجده فلن يستمع إليه… وفي عهد علي بن أبي طالب حكم قاضيه شريح لنصراني على أمير المؤمنين، لأنه لم يكن لديه بينة، وهنا لم يملك النصراني، إلا أن يعلن إسلامه على الملأ، ويشهد أن عليا هو صاحب الحق، ويقول: هذه أحكام أنبياء!
والأمثلة على ذلك كثيرة، والتاريخ حافل بالشواهد.


4. السلام العالمي:
ومما دعا إليه الإسلام كذلك: السلام بين البشر، بدل الحروب والنزاع.
وربما كان هذا مستغربا لدى بعض الناس، فقد عرفوا أن الإسلام دين الجهاد في سبيل الله، وأن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال عند الله، وإن الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر، لا يبلغ ثواب المجاهد في سبيل الله.
وهذا صحيح، ولكن الجهاد في الإسلام إنما فرض للدفاع عن الدعوة إذا اعتدى عليها، أو فتن أهلوها، ولقتال من يقاتل المسلمين، ولإنقاذ المستضعفين في الأرض، وتأديب الناكثين للعهود، المتعدين للحدود، ولم يشرع الجهاد للعدوان، على مسالم برئ لم يؤذ المسلمين، ولم يقاتلهم أو يظاهر عدوهم عليهم.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الرابع: أهداف الإسلام   23/05/15, 05:49 am


وهذا واضح في القرآن: 
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين).
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين).
والفتنة: تعني اضطهاد الناس وتعذيبهم من أجل عقيدتهم.
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيراً).
(فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً).
(ألا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة).
(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم).
وتاريخ الدعوة الإسلامية يثبت أن الإسلام أوصى اتباعه بالصبر على الأذى ثلاثة عشر عاما في مكة، كان يقول لهم: (لكم دينكم ولي دين)، (لي عملي ولكم عملكم)، وهم يقولون له: لنا ديننا وليس لك دينك، ولنا عملنا وليس لك عملك، وصبوا عليه وعلى أصحابه سياط العذاب، واشتدوا عليهم بالأذى في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، واضطر الإسلام بعد هذه المدة أن يأذن لأهله بالدفاع عن أنفسهم: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقاتلوا: ربنا الله).
وكانت غزوات وسرايا اضطر المسلمون أن يدخلوها وهم كارهون، كما قال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).


وفي غزوة بدر وصف الله حال المؤمنين بقوله: 
(كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون).
لم يكن المسلمون متعطشين للدماء كما يصورهم أعداء الإسلام، بل كانوا مدافعين عن دين أستبيحت حرماته، وطرد أتباعه من وطنهم، وصودرت أموالهم، وغزوا في عقر دارهم، كما في أحد، والخندق. ومع هذا يعقب القرآن على غزوة الخندق فيقول: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال).
فهذا التعليق القرآني (وكفى الله المؤمنين القتال) يبين أن هذه نعمة عظيمة من الله تعالى للمؤمنين: أن رد أعداءهم عنهم ولم يحققوا هدفهم من غزوتهم، وأن الله كفاهم القتال، وأراحهم من تبعاته وآثاره.
وفي غزوة الحديبية يعقب القرآن على ما تم من صلح بين الرسول والمشركين، فينزل فيه (سورة الفتح) وفيها يقول الله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا)، فيقول الصحابة: أفتح هو يا رسول الله؟ فيقول: نعم.
ويمتن الله على المسلمين بقوله: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم).
فانظر كيف امتن على المؤمنين بكف أيديهم عن المشركين، كما كف أيدي المشركين عنهم، دلالة على أن السلام في ذاته نعمة يذكرها لهم في معرض الامتنان.


ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
"أقبح الأسماء حرب ومرة"، فدل على أنه يكره حتى كلمة (حرب)… وقد كان أهل الجاهلية يسمون بذلك أبناءهم، فنبه المسلمين على قبح هذا الاسم، ولا يمكن أن يصدر ذلك من رجل محب للحرب، متعطش للدم، كما يقول الذين لا يعلمون، أو الذين يتبعون أهواءهم.


5. التسامح مع غير المسلمين:
ومن المبادئ والقيم التي دعا إليها الإسلام هنا: التسامح مع غير المسلمين، والتعامل معهم بروح إنسانية عالية، لا تتعصب ولا تحقد على من خالفها.
وهذا مع كل من خالف الإٍسلام من غير المسلمين، ولكن لأهل الكتاب ـ من اليهود والنصارى ـ معاملة خاصة، باعتبارهم أهل دين سماوي في الأصل، وينتسبون جميعا إلى أبي الأنبياء إبراهيم، ولهذا سماهم القرآن (أهل الكتاب) وأباح أكل ذبائحهم، وتزوج نسائهم، كما قال تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم).
والمصاهرة أحد رابطين أساسيين ربط بهما بين البشر، كما قال تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً).
كما أن الزواج في نظر القرآن يقوم على دعائم من السكون والمودة والرحمة، كما قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).


ومعنى زواج المسلم من كتابية:
أن يكون أصهاره وأجداد أولاده وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم من أهل الكتاب، وهؤلاء لهم حقوق صلة الرحم وذوي القربى التي يفرضها الإسلام.
ولا نجد في السماحة مع المخالف في الدين أرحب ولا أعلى من هذا الأفق الذي وجدناه في شريعة الإسلام.


وقد فرق القرآن تفريقاً واضحاً في المعاملة: 
بين صنفين من غير المسلمين: صنف (المحاربين) المقاتلين لهم في الدين، الذين شردوهم من ديارهم، وعاونوا على تشريدهم، وصنف آخر مسالم لهم لم يشارك في شيء من هذه الأعمال، وذلك في آيتين كريمتين تعتبران دستورا محكما في تحديد العلاقة بغير المسلمين، يقول تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم.. وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). والبر هو: الخير، والقسط هو: العدل، وقد نزلت هاتان الآيتان في شأن المشركين الوثنيين، كما دلت على ذلك أسباب نزول السورة. فأهل الكتاب أولى بالبر والقسط من المشركين.


ثم إن المعاهدين صنفان:
(أ) من لهم عهد مؤقت، وهؤلاء يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم.
(ب) والثاني من لهم عهد دائم ومؤبد، وهم الذين يسميهم المسلمون "أهل الذمة" بمعنى أن لهم ذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذمة جماعة المسلمين، وهم الذين قال فيهم الفقه الإسلامي: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، أي في الجملة إلا ما اقتضته طبيعة الاختلاف الديني، وأهل الذمة يحملون "جنسية دار الإسلام" وبتعبير آخر: هم مواطنون في الدولة الإسلامية، فليست عبارة "أهل الذمة" عبارة ذم أو تنقيص، كما قد يتوهم بعض الناس! بل هي عبارة توحي بوجوب الرعاية والوفاء، تدينا وامتثالا لشرع الله.
وإذا كان الإخوة المسيحيون يتأذون من هذا المصطلح، فليغير أو يحذف، فإن الله لم يتعبدنا به، وقد حذف سيدنا عمر رضي الله عنه ما هو أهم منه، وهو لفظ "الجزية"، رغم أنه مذكور في القرآن، وذلك استجابة لعرب بني تغلب من النصارى، الذين أنفوا من هذا الاسم، وطلبوا أن يؤخذ منهم ما يؤخذ باسم الصدقة، وإن كان مضاعفا. فوافقهم عمر، ولم ير في ذلك بأسا، وقال: هؤلاء القوم حمقى، رضوا بالمعنى، وأبو الاسم.
وهذا تنبيه من الفاروق على أصل مهم، وهو النظر إلى المقاصد والمعاني، لا إلى الألفاظ والمباني، والاعتبار بالمسميات والمضامين لا بالأسماء والعناوين. ومن هنا نقول: إنه لا ضرورة للتمسك بلفظ "الجزية" الذي يأنف منه إخواننا النصارى في مصر وأمثالهم في البلاد العربية والإسلامية، والذين امتزجوا بالمسلمين، فأصبحوا يكونون نسيجا قوميا واحدا. فيكفي أن يدفعوا "ضريبة" مالية، كما يدفع المسلمون "الزكاة"، وأن يشتركوا بأنفسهم في الدفاع عن الأمة والوطن، كما يشترك إخوانهم من المسلمين، وقد رأينا الإمام الأوزاعي يقف مع جماعة من أهل الذمة في لبنان ضد الأمير العباسي قريب الخليفة، وقد رأينا الإمام ابن تيمية يخاطب تيمور لنك في فكاك الأسرى عنده، فيعرض عليه أن يفك أسرى المسلمين وحدهم، فيأبى إلا أن يفرج عن أهل الذمة معهم.


أعلى درجات التسامح عند المسلمين وحدهم:
ثم إن التسامح الديني والفكري له درجات ومراتب:


فالدرجة الدنيا من التسامح: 
أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك.


والدرجة الوسطى من التسامح: 
أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب، ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته.
فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت، فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم، لأنه لا يفعله إلا وهو يشعر بمخالفة دينه.
وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، فلا يجوز أن يمنع ذلك في هذا اليوم.


والدرجة التي تعلو هذه في التسامح: 
ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم، وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك.
وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة، إذ ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح.
فقد التزموا احترام كل ما يعتقد غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم، وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك، مراعاة لشريعة الدولة ودينها، ولا يتهموا بكثير من التعصب أو قليل، ذلك لأن الشيء الذي يجله دين من الأديان ليس فرضا على أتباعه أن يفعلوه.
فإن كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير، فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير، وفي لحوم البقر والغنم والطير متسع له.
ومثل ذلك الخمر، فإذا كان بعض الكتب المسيحية قد جاء بإباحتها، أو إباحة القليل منها لإصلاح المعدة، فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر، بل إن بعض المسيحيين يعتقدون حرمة الخمر في ديانتهم.


فلو أن الإسلام قال للذميين: 
دعوا شرب الخمر، وأكل الخنازير، مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين، لم يكن عليهم في ذلك أي حرج ديني، لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكراً، ولا أخلوا بواجب مقدس، ومع هذا لم يقل الإسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون!


روح التسامح عند المسلمين:
على أن هناك شيئا آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات.
ذلك هو "روح السماحة" التي تبدو في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء. وهذه روح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي.
تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: (وصاحبهما في الدنيا معروفا).
وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين كما في آية الممتحنة.


وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: 
(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المصرين: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).
وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدون مذهبه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل مكة مالا لما قحطوا ليوزع على فقرائهم، هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.
وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟! قال: "نعم، صلي أمك".
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب يهودا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.
وذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران ـ وهم من النصارى ـ لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم" فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.


الأساس الفكري لتسامح المسلمين:
وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم.


وأهمها:
1. اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيا كان دينه أو جنسه أو لونه. قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
ومن الأمثلة العملية: ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن جنازة مرت على النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها واقفاً، فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفساً"؟! ، بلى ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!
2. اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين).
والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب، كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة، علم الناس ذلك أو جهلوه، ولهذا لا يفكر المسلم يوما أن يجبر الناس ليصيروا كلهم مسلمين، كيف وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
3. إن المسلم ليس مكلفا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين، قال تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير).
وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
4. إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم لكافر. قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وقال صلى الله عليه وسلم: "دعوة المظلوم ـ وإن كان كافرا ـ ليس دونها حجاب"، إن سماحة الإسلام مع غير المسلمين سماحة لم يعرف التاريخ لها مثيلا، وخصوصا إذا كانوا أهل كتاب، وبالأخصب إذا كانوا مواطنين في دار الإسلام، ولا سيما إذا استعربوا وتكلموا بلغة القرآن.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الباب الرابع: أهداف الإسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: مدخل لمعرفة الإسلام :: الباب الرابع-
انتقل الى: