منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 10:10 pm

الباب الثاني

مقـــومـــــات الإســــــلام
-------------------
الفهرس
العقيدة
العبادة
الأخلاق
التشريع
------------------
1- العقيدة
وجود الله تعالى
الإيمان بالنبوات
إنما الله إله واحد
الإيمان بالآخرة
كمال الله تعالى
------------------
خصائص العقيدة الإسلامية:
العقيدة الإسلامية هي خاتمة العقائد السماوية، وقد تكفل بيانها والتدليل عليها القرآن الكريم، وسنة الرسول العظيم، متمثلة في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.


هذه العقيدة هي التي تحل لغز الوجود، وتفسر للإنسان سر الحياة والموت وتجيب عن أسئلته الخالدة: 
من أين؟ والى أين؟ ولم؟ هذه العقيدة ليست من متحدثات الإسلام، ولا مما ابتكره محمد عليه الصلاة والسلام، إنها العقيدة المصفاة، التي بعث بها أنبياء الله جميعا، ونزلت بها كتب السماء قاطبة، قبل أن ينال منها التحريف والتبديل، إنها الحقائق الخالدة التي لا تتطور ولا تتغير، عن الله وعن صلته بهذا العالم.. ما يبصره منه وما لا يبصره، وعن حقيقة هذه الحياة ودور الإنسان فيها وعاقبته بعدها. 
إنها الحقائق التي علمها آدم لبنيه، وأعلنها نوح في قومه، ودعا إليها هود وصالح، عادا وثمود، ونادى بها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وغيرهم من رسل الله، وأكدها موسى في توراته، وداود في زبوره، وعيسى في إنجيلهكل ما فعله الإسلام، هو أنه نقى هذه العقيدة من الشوائب الدخيلة، وصفاها من الأجسام الغريبة، التي أدخلتها العصور عليها، فكدرت صفاءها، وأفسدت توحيدها بالتثليث والشفاعات، واتخاذ الأرباب من دون الله.
وأفسدت تنزيهها بالتشبيه والتجسيم، ونسبة ما في البشر من قصور ونقص إلى الله تعالى علوا كبيرا، وشوهت نظرتها إلى الكون والحياة والإنسان، وعلاقته بالله ووحيه وما جاء به من تعاليم، كما عرض الإسلام هذه العقيدة عرضا جديدا، يليق بالرسالة التي اقتضت حكمة الله أن تكون خاتمة الرسالات الإلهية، وأن تكون غاية لكل الشر، إلى قيام الساعة.
جاءت عقيدة الإسلام فنقت فكرة التوحيد وكمال الألوهية مما شابها على مر العصور، ونقت فكرة النبوة والرسالة مما عراها من سوء التصور، ونقت فكرة الجزاء الأخروي مما دخل عليها من أوهام الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين؟ ودجل المشعوذين.


والعناصر الأساسية لهذه العقيدة هي: 
الإيمان بالله، والإيمان بالنبوات، والإيمان بالآخرة.


ويمكن أن تجمل في: 
الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده، والإيمان بوحدانيته، والإيمان بكماله.


وجود الله تعالى:
لقد قامت الأدلة على أن وراء هذا الكون قوة عليا تحكمه وتديره وتشرف عليه، سماها أحدهم "العلة الأولى"، وسماها غيره "العقل الأول"، وسماها ثالث: "المحرك الأول"، وسماها القرآن العربي المبين، وكتب السماء بهذا الاسم الجامع لصفات الجمال والجلال: "الله".


هذه القوة العليا، وبعبارة أخرى: 
هذا الإله العظيم، ليس في استطاعة العقل البشري إدراك كنهه، ولا معرفة حقيقته، كيف وقد عجز عن معرفة كنه ذاته وعن كنه النفس وحقيقة الحياة وكثير من حقائق الكون المادية من كهربية ومغناطيسية وغيرها؟ وما عرف إلا آثارها، فكيف يطمع في معرفة ذات الله العلي الكبير؟ (ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).


هذا الإله ليس إله فصيلة محدودة، ولا إله شعب خاص، ولا إله إقليم معين. 
وإنما هو (رب العالمين).. (رب السموات والأرض)... (رب المشرق والمغرب)... (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء).


ولنستمع إلى ما قصه القرآن علينا من حوار موسى وفرعون ليتبين لنا شمول ربوبيته سبحانه وتعالى:
( قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آباؤكم الأولين، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون).


وقد دلل القرآن على وجود الله بطرق عديدة:
1- فهو يلفت العقول والأذهان إلى ما في الكون من آيات تنطق بأن وراءها صانعا حكيما. 
وهو قانون بديهي عند العقل الذي يؤمن بمبدأ "السببية" إيمانا طبيعيا لا يحتاج إلى اكتساب أو تدليل: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).


هذا الخلق لا بد له من خالق، وهذا النظام لا بد له من منظم:
(أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات والأرض)، (قال فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى).
2- ويستثير الفطرة الإنسانية السليمة التي بها يدرك المرء إدراكاً مباشراً أن له رباً وإلهاً قوياً عظيماً يكلؤه ويرعاه: (فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وإذا اختفت هذه الفطرة في ساعات الرخاء واللهو فإنها تعود إلى الظهور عند الشدة والبأساء، وسرعان ما يذوب الطلاء الكاذب، وينكشف المعدن الأصيل للنفس البشرية، فتعود إلى ربها داعية متضرعة: (هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).
وتبدو هذه الفطرة حين يفاجأ الإنسان بالسؤال عن مصدر هذا الكون ومدبره فلا يملك بفطرته إلا أن ينطق معلنا "الله": (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله).
(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون).
3- ويتشهد القرآن بالتاريخ الإنساني على أن الإيمان بالله وبرسله كان سفينة النجاة لأصحابه، وأن التكذيب به وبرسله كان نذير الهلاك والبوار، ففي نوح يقول: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين)، وفي هود يقول: (فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين).
وفى صالح وقومه ثمود يقول: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)، وفى رسل الله جميعا يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقا علينا نصر المؤمنين).


إنما الله إله واحد:
وهو تعالى إله واحد ليس له شريك، ولا له مثيل في ذاته أو صفاته أو أفعاله: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد)... (وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم).
وكل ما في الكون من إبداع ونظام يدل على أن مبدعه ومدبره واحد، ولو كان وراء هذا الكون أكثر من عقل يدبر، وأكثر من يد تنظم، لاختل نظامه، واضطربت سننه، وصدق الله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون)... (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون).
هو تعالى واحد في ربوبيته، فهو رب السموات والأرض ومن فيهن وما فيهن، خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولا يستطع أحد من خلقه أن يدعي أنه الخالق أو الرازق أو المدبر لذرة في السماء أو في الأرض: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون).
وهو تعالى واحد في ألوهيته، فلا يستحق العبادة إلا هو، ولا يجوز التوجيه بخوف أو رجاء إلا إليه. فلا خشية إلا منه، ولا ذل إلا إليه، ولا طمع إلا في رحمته، ولا اعتماد إلا عليه، ولا انقياد إلا لحكمه.
والبشر جميعا ـ سواء أكانوا أنبياء وصديقين أم ملوكا وسلاطين ـ عباد الله، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فمن أله واحدا منهم، أو خشع له وحنى رأسه، فقد جاوز به قدره، ونزل بقدر نفسه.


ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى الناس كافة وإلى أهل الكتاب خاصة: 
(تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله).


ومحمد نبي الإسلام لم يقل القرآن عنه إلا أنه: 
(رسول قد خلت من قبله الرسل).. ولم يقل هو عن نفسه إلا أنه "عبد لله ورسوله"، والأنبياء جميعا ليسوا ـ في نظر القرآن ـ إلا بشراً مثلنا، اصطفاهم الله لحمل رسالته إلى خلقه، ودعوتهم إلى عبادته وتوحيده.
ومن هنا كان عنوان العقيدة الإسلامية يتمثل في هذه الكلمة العظيمة التي عرفت لدى المسلمين بكلمة "التوحيد" وكلمة "الإخلاص" وكلمة "التقوى" وهي: "لا إله إلا الله".
كانت "لا إله إلا الله" إعلان ثورة على جبابرة الأرض وطواغيت الجاهلية، ثورة على كل الأصنام والآلهة المزعومة من دون الله: سواء أكانت شجرا أم حجرا أم بشرا.
وكانت "لا إله إلا الله" نداءً عالمياً لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان والطبيعة وكل من خلق الله وما خلق الله.
وكانت "لا إله إلا الله" عنوان منهج جديد، ليس من صنع حاكم ولا فيلسوف، إنه منهج الله الذي لا تعنو الوجوه إلا له، ولا تنقاد القلوب إلا لحكمه ولا تخضع إلا لسلطانه.
وكانت "لا إله إلا الله" إيذاناً بمولد مجتمع جديد، يغاير مجتمعات الجاهلية، مجتمع متميز بعقيدته، متميز بنظامه، لا عنصرية فيه ولا إقليمية ولا طبقية، لأنه ينتمي إلى الله وحده، ولا يعرف الولاء إلا له سبحانه.
ولقد أدرك زعماء الجاهلية وجبابرتها ما تنطوي عليه دعوة "لا إله إلا الله" من تقويض عروشهم والقضاء على جبروتهم وطغيانهم وإعانة المستضعفين عليهم، فلم يألوا جهدا في حربها، وقعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجا.
لقد كانت مصيبة البشرية الكبرى أن أناسا منهم جعلوا من أنفسهم أو جعل منهم قوم آخرون آلهة في الأرض أو أنصاف آلهة، لهم يخضع الناس ويخشعون، ولهم يركعون ويسجدون، ولهم ينقادون ويسلمون، لكن عقيدة التوحيد سمت بأنفس المؤمنين فلم يعد عندهم بشر إلها، ولا نصف إله، أو ثلث إله، أو ابن إله، أو محلا حل فيه الإله!
ولم يعد البشر يسجد لبشر أو ينحني لبشر، أو يقبل الأرض بين يدي بشر، وهذا أصل الأخوة الإنسانية الحقة، وأصل الحرية الحقة، وأصل الكرامة الحقة، إذ لا أخوة بين عابد ومعبود، ولا حرية لإنسان أمام إله أو مدعي ألوهية، ولا كرامة لمن يركع أو يسجد لمخلوق مثله أو يتخذه حكما من دون الله.


كمال الله تعالى:
ولا بد مع الإيمان بوجود الله ووحدانيته من الإيمان بأنه تعالى متصف بكل كمال يليق بذاته الكريمة، منزه عن كل نقص: (لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد).. (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).


دل على ذلك: 
هذا الكون البديع وما فيه من إحكام عجيب، وهدت إلى ذلك الفطرة البشرية النيرة، وفصلت ذلك رسالات الله تعالى إلى أنبيائه، فهو سبحانه العليم الذي لا يخفى عليه شيء: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).
وهو العزيز الفعال لما يريد، الذي لا يغلبه شيء، ولا يقهر إرادته شيء: (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير)، وهو القدير الذي لا يعجزه شيء، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء ويحيى العظام وهى رميم، ويعيد الخلق كما بدأهم أول مرة وهو أهون عليه: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير).
وهو الحكيم الذي لا يخلق شيئا عبثا، ولا يترك شيئا سدى، ولا يفعل فعلا، أو يشرع شرعا إلا لحكم، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها هذا ما شهد به الملائكة في الملأ الأعلى: (قالوا سبحانك لا علم لا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم)، وما شهد به أنبياء الله وأولياؤه، وأولو الألباب من عباده: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك).
وهو الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه، ووسعت رحمته كل شيء، كما وسع علمه كل شيء، وقد حكى القرآن دعاء الملائكة: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً)... وقال: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء)... وقد بدأ سور القرآن بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم) للدلالة على سعة رحمته وتقوية الرجاء في قلوب عباده، وإن تورطوا في الذنوب والآثام: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم).
الإله في الإسلام ليس بمعزل عن هذا الكون وما فيه من فيه كإله أرسطو الذي سماه "المحرك الأول" أو "العلة الأولى" ووصفه بصفات كلها "سلوب" لا فاعلية لها ولا تأثير، ولا تصريف ولا تدبير، فإذا هذا الإله كما صورته الفلسفة الأرسطية ـ لا يعلم إلا ذاته، ولا يدري شيئا عما يدور في هذا الكون العريض.
إنه أرسطو والفلسفة اليونانية لم يخلق هذا الكون من عدم، بل العالم عندهم أزلي غير محدث ولا مخلوق، وإله أرسطو لا صلة له بهذا العالم، ولا عناية له به، ولا يدبر أمرا فيه، لأنه لا يعلم ما يجرى فيه مما يلج في الأرض أو يخرج منها، وما ينزل من السماء أو يعرج فيها.  
كل ما يقوله أرسطو ومن تبعه عن الإله أنه ليس بجوهر ولا عرض، وليس له بداية ولا نهاية، وليس مركباً ولا جزءا من مركب وليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلاً عنه، وهذه السلبيات لا تجعل الإله كان يرجى ويخشى، ولا تربط الناس بربهم رباطا محكما يقوم على المراقبة والتقوى والثقة والتوكل والخشية والمحبة.
هذا الإله المعزول عن الكون، الذي عرفه الفكر اليوناني، وعنه انتقل إلى الفكر الغربي الحديث ـ لا يعرفه الإسلام، وإنما يعرف إلها: (خلق الأرض والسموات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى).
(الله لا إله إلا هو، الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم).
الإله في الإسلام هو خالق كل شيء، ورازق كل حي، ومدبر كل أمر، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، ووسع كل شيء رحمة، فخلق فسوى، وقدر فهدى، يسمع ويرى، ويعلم السر والنجوى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة).
له الخلق والأمر، وبيده ملكوت كل شيء، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويرزق من يشاء بغير حساب.


الكــــــــــون كــــــله: 
عاليه ودانيه، ناطقه وصامته، أحياؤه وجماداته، أفلاكه ونجومه... كلها خاضع لأمر الله، منقاد لقانون الله، شاهد بوحدانيته وعظمته، ناطق بآيات علمه وحكمته، دائم التسبيح بحمده: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً).
إن تسبيح الكون لله، وسجوده لله، حقيقة كبيرة، عميت عنها أعين، وصمت عنها آذان، ولكنها تجلت للذين ينظرون بأعين بصائرهم، ويسمعون بآذان قلوبهم، فإذا هم يرون الوجود كله محرابا، والعوالم كلها ساجدة خاشعة، ترتل آيات التسبيح والثناء على العزيز الحكيم، الرحمن الرحيم: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال).. 
(ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس)... (سبح لله ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم، له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هو بكل شيء عليم)


الإيمان بالنبوات:
والإيمان بالنبوة ليس بالأمر العجيب بعد الإيمان بكمال الله وحكمته ورحمته ورعايته للكون وتدبير للعالم، وتكريمه للإنسان، بل هذا الإيمان فرع عن ذلك ولا بد، فما كان الله ليخلق الإنسان، ويسخر له ما في الكون جميعا، ثم يتركه يتخبط على غير هدى، بل كان من تمام الحكمة أن يهديه سبيل الآخرة كما هداه سبيل الحياة الدنيا، وأن يهيئ له زاده الروحي، كما هيأ له زاده المادي، وأن ينزل الوحي من السماء لحيي به القلوب والعقول، كما أنزل من السماء ماء لتحيى به الأرض بعد موتها.
ما كان من الحكمة أن يترك الإنسان لنفسه تتنازع الفرد قواه وملكاته المختلفة، وتتنازع الجماعة أهواؤها ومصالحها المتضاربة، وإنما كانت الحكمة في عكس هذا، كانت الحكمة في إرسال رسله بالبينات، ليهدوا الناس إلى الله، ويقيموا الموازين بالقسط بين العباد.
ولهذا استنكر رسل الله من قومهم أن يعجبوا لإرسال الله رسولا عنه يبلغهم بأمره ونهيه، فيقول نوح: (يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون، أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون)، ويقول هود لقومه ما يقرب من هذه المقالة.


يقول القرآن رداً على المشركين الجاحدين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم:
(أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجلٍ منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، قال الكافرون إن هذا لساحرٌ مبين).


والهداية بالوحي هي أعلى مراتب الهداية التي منحها الله للإنسان:
فهناك الهداية الفطرية الكونية، وهي التي عبر عنها أحد العلماء حين قيل له: متى عقلت؟ قال: منذ نزلت من بطن أمي، جعت فالتقمت الثدي وتألمت فبكيت!!.
وهذه الهداية ليست خاصة بالإنسان، بل تشمل الحيوان والطير والحشرات وهي التي عبر عنها بالوحي في شأن النحل: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) بل هي منبثة في أجزاء الكون كله: في النبات الذي يمتص غذاءه من عناصر الأرض بنسب محدودة وقدر معلوم، وفي الكواكب التي يسير كل منها في مداره الذي لا يتعداه، وفق قانون لا يتخطاه: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) فهي هداية عامة للمخلوقات علويها وسفليها، ولهذا ذكر لنا القرآن جواب موسى لفرعون قال: (فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى).
وقال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى).


والمرتبة الثانية للهداية: 
مرتبة الحواس الظاهرة كالسمع والبصر والشم والذوق، والباطنة كالجوع والعطش والفرح والحزن، وهذه المرتبة أرقى من الأولى، ففيها نوع من الانتباه، وقدر من الإدراك، وإن كانت لا تسلم من الخطأ، كما نرى في السراب الذي يحسبه الرائي ماء، وفى الظل الذي يظنه ساكنا وهو متحرك.


والمرتبة الثالثة: 
هداية العقل بملكاته وقواه المختلفة، وهو أرقى رتبة من الحواس وإن كان كثيرا ما يعتمد على الحس في الحكم والاستنباط. وبذلك يتعرض للخطأ، كما يتعرض له في ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج. والعقل في عملياته العليا من خصائص الإنسان، التي تفرد بها عن الحيوان.


والمرتبة الرابعة: 
هي هداية الوحي، وهي التي تصحح خطأ العقل، وتنفي وهم الحواس، وترسم الطريق إلى ما لا سبيل العقل أن يصل إليه وحده، وترفع الخلاف فيما لا يمكن أن تتفق عليه العقول.
(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).


الإيمان بالآخرة:
أهذا ملخص قصة الحياة والإنسان؟ أرحام تدفع وأرض تبلع ولا شيء بعد هذا؟ أو كما عبر القرآن عن قوم: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين)
إذن فما سر هذا الشعور الخفي، والوجدان الكامن الذي يغمر فطرة الإنسان من قديم الزمن بأنه لم يخلق لمجرد هذه الحياة، ولتلك المدة القصيرة؟ ما سر هذا الشعور بأن الإنسان في هذه الدنيا غريب أو عابر سبيل وأنه ضيف يوشك أن يرتحل إلى دار إقامة؟
هذا الشعور الذي رأيناه عند قدماء المصريين فحنطوا ـ استجابة له ـ جثث الموتى، وبنوا الأهرام، والذي ظهرت آثاره في أمم شتى بأساليب مختلفة.
ثم كيف يسيغ العقل أن ينفض سوق هذه الحياة وقد نهب فيها من نهب، وسرق فيها من سرق، وقتل فيها من قتل. 
وبغى فيها من بغى، وتجبر من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى فأفلت ونجا.. أو تمكن من إخضاع الناس له بسيف القهر والجبروت.


وفي الجانب الآخر: 
كم أحسن قوم، وضحوا وجاهدوا ولم ينالوا جزاء ما قدموا، إما لأنهم كانوا جنودا مجهولين، أو لأن الحسد والحقد جعل الناس يتنكرون لهم بدل أن يعرفوا فضلهم، أو لأن الموت عاجلهم قبل أ، ينعموا بثمرة ما عملوا من خير. 
وكم من قوم دعوا إلى الحق، واستمسكوا به، ودافعوا عنه، فوقف الظالمون في طريقهم، وأوذوا وعذبوا واضطهدوا وشردوا، وسقطوا صرعى في سبيله. وأعداؤهم الطغاة في أمن وعافية بل في ترف ونعيم.
ألا يسيغ العقل ـ الذي يؤمن بعدالة الإله الواحد ـ بل يطلب، أن توجد دار أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؟ هذا ما تنطق به الحكمة السارية في كل ذرة في السموات والأرض: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون، إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين)، (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار).
(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون، وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون).
(ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى).


أما بعث الأحياء بعد الموت فليس بعزيز على من خلقهم أول مرة:

(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم).
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 10:20 pm

خصائص العقيدة الإسلامية:

1- عقيدة واضحة:
للعقيدة الإسلامية مزايا لا تتوافر لغيرها من العقائد.. فهي عقيدة واضحة بسيطة لا تعقيد فيها ولا غموض، تتلخص في أن وراء هذا العالم البديع المنسق المحكم رباً واحداً خلقه ونظمه، وقدر كل شيء فيه تقديراً، وهذا الإله أو الرب ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد: (بل له ما في السموات والأرض، كل له قانتون).
وهذه عقيدة واضحة مقبولة، فالعقل دائماً يطلب الترابط والوحدة وراء التنوع والكثرة، ويريد أن يرجع الأشياء دوماً إلى سببٍ واحدٍ، فليس في عقيدة التوحيد ما في عقائد التثليث أو المثنوية ونحوها من الغموض والتعقيد الذي يعتمد دائماً على الكلمة المأثورة عند غير المسلمين: "اعتقد وأنت أعمى".


2- عقيدة الفطرة:
وهى عقيدة ليست غريبة عن الفطرة ولا مناقضة لها، بل هي منطبقة عليها انطباق المفتاح المحدد على قفله المحكم، وهذا هو صريح القرآن: (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).


وصريح الحديث النبوي: 
"كل مولود يولد على الفطرة ـ أي على الإسلام وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فدل على أن الإسلام هو فطرة الله، فلا يحتاج إلى تأثير من الأبوين، أما الأديان الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية فهي من تلقين الآباء والأمهات.


3- عقيدة ثابتة:
وهى عقيدة ثابتة محددة لا تقبل الزيادة والنقصان، ولا التحريف والتبديل فليس لحاكم من الحكام، أو مجمع من المجامع العلمية، أو مؤتمر من المؤتمرات الدينية، أن يضيف إليها أو يحور فيها، وكل إضافة أو تحوير مردودة عل صاحبها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" أي مردود عليه.
والقرآن يقول مستنكرا: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله).. وعلى هذا فكل البدع والأساطير والخرافات التي دست في بعض كتب المسلمين أو أشيعت بين عامتهم باطلة مردودة لا يقرها الإسلام ولا تؤخذ حجة عليه.


4- عقيدة مبرهنة:
وهي عقيدة "مبرهنة" لا تكتفي من تقرير قضاياها بالإلزام المجرد والتكليف الصارم، ولا تقول كما تقول بعض العقائد الأخرى: "أعتقد وأنت أعمى" أو "آمن ثم اعلم" أو "أغمض عينيك ثم اتبعني" أو "الجهالة أم التقوى"، بل يقول كتابها بصراحة: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، ولا يقول أحد علمائها ما قاله القديس الفيلسوف المسيحي "أوغسطين": "أومن بهذا لأنه محال"! بل يقول علماؤها: إن إيمان المقلد لا يقبل.
وكذلك لا تكتفي بمخاطبة القلب والوجدان والاعتماد عليهما أساسا للاعتقاد، بل تتبع قضاياها بالحجة الدامغة، والبرهان الناصع، والتعليل الواضح، الذي يملك أزمة العقول، ويأخذ الطريق إلى القلوب، ويقول علماؤها: إن العقل أساس النقل… والنقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح.
فنرى القرآن في قضية الألوهية يقيم الأدلة من الكون ومن النفس ومن التاريخ على وجود الله وعلى وحدانيته وكماله.
وفى قضية البعث يدلل على إمكانه بخلق الإنسان أول مرة، وخلق السموات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ويدلل على حكمته بالعدالة الإلهية في إثابة المحسن، وعقوبة المسيء: (ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى).


5- عقيدة وسط: 
وهى عقيدة وسط لا تجد فيها إفراطاً ولا تفريطاً..
هي وسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم، وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله، بل يحلون روح الإله في الملوك والحكام! بل في بعض الحيوانات والنبات مثل الأبقار والأشجار! فقد رفضت الإنكار الملحد، كما رفضت التعديد الجاهل، والإشراك الغافل، وأثبتت للعالم إلها واحدا، لا إله إلا هو: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله، قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله، قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله، قل فأنى تسحرون).


وهي عقيدة وسط في صفات الإله..
فليس فيها الغلو في التجريد الذي جعل صفات الإله مجرد سلوب لا تعطى معنى، ولا توحي بخوف أو رجاء ـ كما فعلت الفلسفة اليونانية ـ فكل ما وصفت به الإله أنه ليس بكذا وليس بكذا.. من غير أن تقول ما صفات هذا الإله الإيجابية؟ وما أثرها في هذا العالم؟
ويقابل هذا أنها خلت من التشبيه والتجسيم الذي وقعت فيه عقائد أخرى كاليهودية، التي جعلت الخالق كأحد المخلوقين من الناس، ووصفته بالنوم والتعب والراحة، والتحيز والمحاباة والقسوة..و.. وجعلته يلتقي ببعض الأنبياء فيصارعه فيغلبه ويصرعه، فلم يتمكن الرب من الإفلات منه حتى أنعم عليه بلقب جديد!


2- العبادة
مهمة الإنسان في هذا الوجود:
لماذا وجدت؟ وما مهمتي في هذا الوجود؟ ورسالتي في هذه الحياة؟
سؤال واجب على الإنسان -كل إنسان- أن يسأله لنفسه، وأن يفكر ملياً في جوابه، فإن كل جهل ـ مهما عظمت نتائجه ـ قد يغتفر، إلا أن يجهل الإنسان سر وجوده، وغاية حياته، ورسالة نوعه وشخصه في هذه الأرض!
وأكبر العار على هذا الكائن الذي أوتي العقل والإرادة ـ الإنسان ـ أن يعيش غافلاً، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، لا يفكر في مصيره، ولا يدري شيئا عن حقيقة نفسه، وطبيعة دوره في هذه الحياة حتى يوافيه الموت بغتة، فيواجه مصيره المجهول، دون استعداد له، ويجني ثمرة الغفلة والجهل والانحراف في عمره الطويل أو القصير، وحينئذ يندم حين لا ينفع الندم ويرجو الخلاص ولات حين مناص، لهذا كان لزاماً على كل بشر عاقل أن يبادر فيسأل نفسه بجد: لماذا خلقت؟ وما غاية خلقي؟


لماذا خلق الإنسان..؟
والجواب عن هذا السؤال عند المؤمنين حاضر: ذلك أن كل صانع يعرف سر صنعته: لماذا صنعها؟ ولماذا صنعها على نحو معين دون غيره؟


والله تعالى هو صانع الإنسان وخالقه ومدبر أمره، فلنسأله: 
يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟ هل خلقته لمجرد الطعام والشراب؟ هل خلقته للهو واللعب؟ هل خلقته لمجرد أن يمشى على التراب، ويأكل مما خرج من التراب، ثم يعود كما كان إلى التراب، وقد ختمت القصة؟ هل ليعيش تلك الفترة القصيرة المعذبة ما بين صرخة الوضع وأنة النزع؟ إذن فما سر هذه القوى والملكات التي أودعتها الإنسان من عقل وإرادة وروح؟
وسيرد الله على تساؤلنا بما بين لنا في كتابه ـ كتاب الخلود ـ أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض، وهذا واضح في آدم وما كان من تمنى الملائكة لمنزلته: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون).
وأول شيء في هذه الخلافة أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته ويعبده حق عبادته، قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيءٍ قدير وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علماً)، وفي هذه الآية جعلت معرفة الله هي الغاية من خلق السموات والأرض، ويقول تعالى: (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرازق ذو القوة المتين).
إن المتأمل في هذا الكون الذي نعيش فيه يرى كل شيء فيه يحيا ويعمل لغيره، فنحن نرى أن الماء للأرض، والأرض للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ هذا هو السؤال.


والجواب الذي تنادي به الفطرة، وتنطق به مراتب الكائنات في هذا الكون: 
أن الإنسان لله.. لمعرفته، لعبادته.. للقيام بحقه وحده.. ولا يجوز أن يكون الإنسان لشيء آخر في الأرض أو في الأفلاك، لأن كل العوالم العلوية والسفلية مسخرة له، وتعمل في خدمته كما هو شاهد، يكون هو لها أو يعمل في خدمتها؟
ومن هنا كانت عبادة الإنسان لقوى الطبيعة ومظاهرها من فوقه ومن تحته، كالشمس والقمر والنجوم والأنهار والأبقار والأشجار ونحوها، قلبا للوضع الطبيعي، وانتكاسا بالإنسان أي انتكاس!!
والإنسان إذن بحكم الفطرة ومنطق الكون، إنما هو الله سبحانه لا لغيره، لعبادته وحده، لا لعبادة بشر ولا حجر، ولا بقر ولا شجر، ولا شمس ولا قمر، وكل عبادة لغير الله إنما هي من تزيين الشيطان عدو الإنسان.


النداء الأول في كل رسالة: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره":
هذه العبادة لله وحده هي العهد القديم الذي أخذه الله على بني الإنسان، وسجله بقلم القدرة في فطرهم البشرية، وغرسه في طبائعهم الأصيلة، منذ وضع في رؤوسهم عقولا تعي، وفي صدورهم قلوبا تخفق، وفي الكون حولهم آيات تهدي: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) .
فلا عجب أن يكون المقصود الأعظم من بعثة النبيين، وإرسال المرسلين، وإنزال الكتب المقدسة، هو تذكير الناس بهذا العهد القديم، وإزالة ما تراكم على معدن الفطرة من غبار الغفلة أو الوثنية أو التقليد. ولا عجب أن يكون النداء الأول لكل رسول: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره).
بهذا دعا قومه نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وكل رسول بعث إلى قوم مكذبين. قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتبوا الطاغوت)، (وما أرسلا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).


معنى العبادة وحقيقتها
معنى العبادة في اللغة:
في القاموس: العبدية والعبودية والعبادة: الطاعة.
وفي الصحاح: أصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد: التذلل.
يقال: طريق معبد. والبعير المعبد: المهنوء بالقطران المذلل.
والعبادة: الطاعة. والتعبد: التنسك. تفرق بين المعاني بحسب الاشتقاق.
(فادخلي في عبادي) أي في حزبي. فأضاف معنى جديدا وهو الولاء. وفي المخصص (ج13 ص96):


أصل العبادة: 
التذليل، من قولهم: طريق معبد أي بكثرة الوطء عليه، ومنه أخذ "العبد" لذله لمولاه، والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني.
يقال: تعبد فلان لفلان ـ إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر، وفي (لسان العرب) نحو ذلك.


العبادة في الشرع خضوع وحب:
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع، فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة، فيبرز إلى جوار المعنى الأصلي في اللغة ـ وهو غاية الطاعة والخضوع ـ عنصرا جديدا له أهمية كبرى في الإسلام، وفي كل الأديان. عنصرا لا تتحقق العبادة ـ كما أمر الله ـ إلا به، وذلك هو عنصر "الحب" فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق، وبعث بها الرسل، وأنزل الكتب.


وفي توضيح ذلك يقول شيخ الإسلام في رسالته عن "العبودية":
"الدين يتضمن معنى الخضوع والذل. يقال: دنته فدان، أي أذللته فذل. ويقال: يدين الله ويدين لله: أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له".


"والعبادة أصل معناها: 
الذل أيضاً، يقال: طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له. فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام، وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم. يقال: تيم الله، أي عبد الله، فالمتيم: المعبد لمحبوبه".
قال: "ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا لم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل، فقال الله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره).


وبهذا الشرح العميق لمعنى العبادة وحقيقتها، ندرك أن العبادة المشروعة لابد لها من أمرين:
الأول: 
هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما. وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله، فليس عبداً ولا عابداً لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع نهجه، والانقياد لشرعه وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، ولابد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية. وبهذا يتحقق معنى (إياك نعبد وإياك نستعين).
وأساس الخضوع لله تعالى هو الشعور الواعي بوحدانيته تعالى، وقهره لكل من في الوجود، وما في الوجود، فكلهم عبيده وخلقه، وفى قبضة قدرته وسلطانه، وفى هذا يقول القرآن الكريم: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال، قبل من رب السموات والأرض، قل الله، قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون أنفسهم نفعا ولا ضرا، قل هل يستوي الأعمى والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، قل الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار).
أساس الخضوع الله الواحد القهار هو الشعور الذاتي بالحاجة إلى من يملك الضر والنفع والموت والحياة، ومن له الخلق والأمر، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن إذا أراد شيئا قال له "كن" فيكون.. الشعور بالضعف أمام من يملك القوة كل القوة. والشعور بالجهل أمام من أحاط بكل شيءٍ علماً. 
والشعور بالعجز أمام من يملك القدرة كل القدرة، والشعور بالفقر أمام من يملك الغنى كل الغنى. وباختصار شعور العبودية المخلوقة الفانية الفقيرة بالذات أمام الربوبية الخالقة الأزلية الأبدية، المالكة لكل شيء، والمدبر لكل أمر.
وكلما ازداد الإنسان معرفة بنفسه، ومعرفة بربه، ازدادت هذه المشاعر وضوحا وقوة، فقوى اعتماده على الله، واتجاهه إليه، وتوكله عليه، واستعانته به، وتذلله له، ومد يد الضراعة إليه، ووقوفه ببابه سائلا داعيا منيبا إليه، فإذا جهل الإنسان قدر نفسه، وجهل قدر ربه لم تمت هذه المشاعر، ولكنها تنحرف وتتحول فتبحث لها عن رب تتجه إليه، وتخضع له، وتنقاد إليه ولا بد، وإن لم تشعر بذلك، أو لم تسمه خضوعا، وانقيادا، ولم تسم مقصودها رباً وإلهاً.


والثاني: 
أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يحب؟ فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، وخلق له ما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسنتقويم وصورة فأحسن صورته، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ورزقه من الطيبات، وعلمه البيان، واستخلفه في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن أولى من الله بأن يحب؟ ومن يحب الإنسان -إذن- إن لم يحب الله تعالى؟! إن أساس محبة الله تعالى هو الشعور بفضله ونعمته، وإحسانه ورحمته، والإحساس بجماله وكماله، فمن كان يحب الإحسان فالله هو واهبه وصاحبه، ومن كان يحب الجمال فالله هو مصدره، ومن كان يحب الكمال فلا كمال في الحقيقة إلا كماله، ومن كان يحب ذاته. فالله هو خالقه.
فمن عرف الله أحبه، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس حبا لله؛ لأنه كان أعرفهم بالله، وكانت قرة عينه في الصلاة؛ لأنها الصلة المباشرة بين قلبه وبين الله، وكان في دعائه يسأل الله الشوق إلى لقائه، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه، ولما خير بين البقاء في الدنيا وبين اللحوق بربه قال: أختار الرفيق الأعلى!
أما علماء الكلام أو بعضهم ممن زعموا أن الحب الحقيقي لا يتصور من جانب العبد لله، وقالوا: إن معنى حب الله هو المواظبة على طاعته تعالى أما حقيقة الحب فهو محال، إلا مع الجنس والمثال، فقد رد عليهم الغزالي في "الإحياء" ردا مفصلا، مبينا أن الذي يستحق المحبة الكاملة بكل وجوهها، وكافة أسبابها هو الله وحده.
إذا كان الله قد خلقنا لنعبده، أي لنطيعه طاعة مصحوبة بأقصى الخضوع، الممزوج بغاية الحب، ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟ ـ طاعة الخضوع والحب ـ وفي أي مجال يجب أن تكون؟ إن الجواب عن هذا التساؤل سيبين لنا حقيقة هامة، هي: شمول معنى العبادة في الإسلام، وسعة آفاقها.


وهذا الشمول له مظهران:
الأول:
شمولها للدين كله وللحياة كلها.


الثاني:
شمولها لكيان الإنسان كله ظاهره وباطنه. كما سنشرح ذلك فيما يلي.


شمول العبادة للدين كله:
لقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول الله عز وجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب رحمه الله عن ذلك إجابة مبسوطة مفصلة تضمنتها رسالته المعروفة باسم العبودية، وقد بدأها بقوله:
"العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة".
وهكذا نجد أن للعبادة ـ كما شرحها ابن تيمية ـ أفقا رحبا ودائرة واسعة، فهي تشمل الفرائض والأركان الشعائرية من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد.
وهي تشمل حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد، كبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل، والرحمة بالضعفاء، والرفق بالحيوان، وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.
وأخيرا تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج ذلك كله وملاكه وهما: 1- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. 


2- وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله.
بل تشمل العبادة أمرا له أهميته وخطره في الحياة المادية للناس، ذكره ابن تيمية في موضع آخر من رسالته، وهو الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن التي أقام الله عليها الكون، قال: "فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة"، وأكثر من ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: أن الدين كله داخل في العبادة. 


إذ الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان، أي أذللته فذل. ويقال: يدين الله ويدين لله، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له،  فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أمل معناها الذل أيضاً، وبهذا يلتقي معنى الدين بأصل معنى العبادة لغة وشرعاً.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 11:09 pm


العبادة تسع الحياة كلها:
وإذا عرفنا أن الدين كله عبادة كما قال الإمام ابن تيمية، وعرفنا أن الدين قد جاء يرسم للإنسان منهج حياته، الظاهرة والباطنة، ويحدد سلوكه وعلاقاته، وفقاً لما يهدى إليه هذا المنهج الإلهي -عرفنا أن عبادة الله تسع الحياة كلها- وتنظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.
ولهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية، تتناول جوانب شتى من الحياة، وفى سورة واحدة ـ هي سورة البقرة ـ نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة " كتب عليكم".


ولنقرأ هذه الآيات الكريمة:
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)، (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف)، (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).
فهذه الأمور كلها من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال، مكتوبة من الله على عباده، أي مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها.
وبهذا البيان يتضح لنا حقيقة هامة لا زال يجهلها الكثيرون من المسلمين. فبعض الناس لا يفهم من كلمة "العبادة" إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، ونحو ذلك من الأدعية والأذكار، ولا يحسب أن لها علاقة بالأخلاق والآداب، أو النظم والقوانين، أو العادات والتقاليد.
إن عبادة الله ليست محصورة -إذن- في الصلاة والصيام والحج وما يلحق بها من التلاوة والذكر والدعاء والاستغفار، كما يتبادر إلى فهم كثير من المسلمين إذا دعوا إلى عبادة الله، وكما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفوا الإلهية حقها، وقاموا بواجب العبودية لله كاملا.
إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء الإسلام ـ على منزلتها وأهميتها ـ إنما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده.
والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة، إنها تشمل شؤون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعاً.


العبادة انقياد لمنهج الله وشرعه:
إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده: أن يخضع أموره كلها لما يحبه تعالى ويرضاه، من الاعتقادات والأقوال والأعمال، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقا لهداية الله وشرعه، فإذا أمره الله تعالى أو نهاه، أو أحل له أو حرم عليه كان موقفه في ذلك كله: (سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير).


ففرق ما بين المؤمن وغيره: 
أن المؤمن خرج من العبودية لنفسه وللمخلوقين إلى العبودية لربه، خرج من طاعة هواه إلى طاعة الله، ليس المؤمن "سائبا" يفعل ما تهوى نفسه أو يهوى له غيره من الخلق، إنما هو "ملتزم" بعهد يجب أن يفي به، وميثاق يجب أن يحترمه، ومنهج يجب أن يتبعه، وهذا التزام منطقي ناشئ من طبيعة عقد الإيمان ومقتضاه.


مقتضى عقد الإيمان: 
أن يسلم زمام حياته إلى الله، ليقودها رسوله الصادق، ويهديه الوحي المعصوم.


مقتضى عقد الإيمان: 
أن يقول الرب: أمرت ونهيت، ويقول العبد: سمعت وأطعت.


مقتضى عقد الإيمان: 
أن يخرج الإنسان من الخضوع لهواه إلى الخضوع لشرع مولاه.


وفي هذا يقول القرآن الكريم: 
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)، ويقول: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون).


ليس بعابد لله إذن من قال: 
أصلي وأصوم وأحج، ولكني حر في أكل لحم الخنزير، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو رفض ما لا يروقني من أحكام الشريعة، فأحكم فيه بغير ما أنزل الله: ليس بعابد لله من أدى الشعائر، ولكنه لم يخضع لآداب الإسلام وتقاليده في نفسه أو أهله، كالرجل الذي يلبس الحرير الخالص ويتحلى بالذهب، ويتشبه بالنساء، والمرأة التي تلبس ما يبرز مفاتنها، ولا يغطي جسدها، ولا تضرب بخمارها على جيبها. 


ليس بعابد لله من ظن أن عبوديته لله لا تعدو جدران المسجد:
فإن انطلق في ميادين الحياة المتشعبة، فهو عبد نفسه فقط، وبعبارة أخرى: هو حر في اتباع هواها، أو اتباع أهواء عبيد أنفسهم من المخلوقين!


الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة:
وأكثر من ذلك: 
أن الإسلام قد فسح مجال العبادة ووسع دائرتها، بحيث شملت أعمالا كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله.
إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعله الخير، لا تصيد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلاً، أو يؤوي غريباً، أو يدفع شراً عن مخلوق أو أذىً عن طريقٍ، أو يسوق نفعاً إلى ذي كبدٍ رطبةٍ ـ فهو عبادةٌ وقربةٌ إلى الله إذا صحت فيه النية.
أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله، فليست الصلاة أو الصيام أو الذكر والدعاء هي وحدها التي تكتب لك عبادة في يومك، وتستوجب بها الأجر عند ربك، كلا.. إنك تستطيع في اليوم الواحد أن تضيف إلى ميزان عبادتك وحسناتك أشياء كثيرة، لها ثقلها وقيمتها في تقدير الحق تبارك وتعالى، وإذ بدت عندك هينة خفيفة في الميزان.


من ذلك ما قاله رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم-:
من الإصلاح بين المتخاصمين قال: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"؟ قالوا: بلى.. قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة"، وفي رواية: "لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"، ويقول عليه الصلاة والسلام في عيادة المريض وما لها من مكانة عند الله لما فيها من تخفيف ومواساة: "من عاد مريضاً ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا".
والإسلام يجعل هذه الأعمال الاجتماعية فريضة يومية على كل مسلم، بل إننا لنقرأ أحاديث النبي الكريم في هذا الباب، فنرى أنه لم يكتف بفرض هذه العبادة العامة على الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بل يشتد في طلبها، فيفرضها على كل ميسم من مياسمه، أو كل مفصل من مفاصله. 


فيروي أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
"كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة".


عمل الإنسان في معاشه عبادة بشروط:
وأعجب من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية، فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهادا في سبيل الله.


إذا التزم فيه الشروط الآتية:
1- أن يكون العمل مشروعاً في نظر الإسلام:
أما الأعمال التي ينكرها الدين كالعمل في الربا والحانات، والمراقص ونحوها، فلا تكون ولن تكون عبادة أبداً.. إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
2- أن تصحبه النية الصالحة: 
نية المسلم إعفاف نفسه، وإغناء أسرته، ونفع أمته، وعمارة الأرض، كما أمر الله.
3- أن يؤدي العمل بإتقان وإحسان:
ففي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
4- أن يلتزم فيه حدود الله:
فلا يظلم ولا يخون، ولا يغش، ولا يجور على حق غيره.
5- ألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية: 
كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون)، (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).


حتى أعمال الغريزة وقضاء الشهوة:
على أن الأروع مما تقدم كله أن تشمل العبادة الحاجات الضرورية التي يؤديها المسلم استجابة لدافع الغريزة البشرية، فالأكل والشرب ومباشرة الزوج لزوجته، وما كان من هذا القبيل يدخله الإسلام في دائرة العبادة الفسيحة بشرط واحد هو "النية"، فالنية هي المادة السحرية العجيبة التي تضاف إلى المباحات والعادات فتصنع منها طاعات وقربات.


وأوضح شاهد على ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
"وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر"؟ قالوا: نعم، قال: "كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"!!، قال العلماء: وهذا من تمام رحمة الله على عباده، يثيبهم على ما فيه قضاء شهواتهم إذا نووا أداء حق الزوجة، وإحصان الفرج، ولله الحمد.


آثار هذا الشمول في النفس والحياة:
إن شمول معنى العبادة في الإسلام ـ كما شرحناه ـ له آثار مباركة في النفس والحياة يحسها الإنسان في ذاته. ويلمسها في غيره. ويرى ظلالها في الحياة من حوله. 


وأبرز هذه الآثار وأعمقها أمران: الأول: 
أنه يصبغ حياة المسلم وأعماله فيها بالصبغة الربانية، ويجعله مسدودا إلى الله في كل ما يؤديه للحياة، فهو يقوم به بنية العابد الخاشع. وروح القانت المخبت، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كل عمل نافع. وكل إنتاج صالح، وكل ما ييسر له ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة، على أمثل وجوهها. 
فإن ذلك يزيد رصيده من الحسنات والقربات عند الله عز وجل، كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدنيوي وتجويده وإتقانه، ما دام يقدمه هدية إلى ربه سبحانه، ابتغاء رضوانه وحسن مثوبته.


والثاني: 
أنه يمنح المسلم وحدة الوجهة، ووحدة الغاية في حياته كلها، فهو يرضي ربا واحدا، في كل ما يأتي ويدع، ويتجه إلى هذا الرب بسعيه كله: الديني والدنيوي، لا انقسام ولا صراع ولا ازدواج في شخصيته ولا في حياته، إنه ليس ممن يعبدون الله في الليل، ويعبدون "المجتمع" في النهار.
وليس ممن يعبدون الله في المسجد، ويعبدون "الدنيا" أو "المال" في ساحة الحياة، وليس ممن يعبدون الله في يوم من أيام الأسبوع ثم يعبدون ما سواه ومن سواه سائر أيام الأسبوع، لا.. إنه يعبد الله وحده حيثما كان، وكيفما كان، وفي أي عمل كان.. فوجه الله لا يفارقه في عمل ولا حال ولا زمان: (ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله).
وبهذا ينصرف همه كله إلى الله، ويجتمع قلبه كله على الله، ولا يتوزع شمل حياته وفكره وإرادته ووجدانه بين شتى الاتجاهات، والتيارات والانقسامات، إن حياته كلها وحدة لا تتجزأ، منهجه فيها عبادة الله، وغايته رضوان الله، ودليله وحي الله.
على أن هذا التقسيم إنما يأتي إذا كتبوا في الفقه ـ فإذا كتبوا في غيره وجدنا مثل ابن تيمية يصرح بأن العبادة تشمل الدين كله، كما ذكرنا، ووجدنا مثل ابن القيم يدخل الدين كله أيضا في (إياك نعبد) كما سيأتي قريبا في بيانه لمراتب العبودية الخمسين.


شمول العبادة لكيان الإنسان كله:
هذا هو المظهر الثاني لشمول العبادة في الإسلام، فكما شملت العبادة في الإسلام الحياة كلها، استوعبت كذلك كيان الإنسان كله، فالمسلم يعبد الله بالفكر، ويعبد الله بالقلب، ويعبد الله باللسان، ويعبد الله بالسمع والبصر وسائر الحواس، ويعبد الله ببدنه كله، ويعبد الله ببذل المال، ويعبده ببذل النفس، ويعبده بمفارقة الأهل والوطن.


المسلم يتعبد الله بالفكر:
 عن طريق التأمل في النفس والآفاق، والتفكر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، والتدبر لآيات الله المنزلة وما فيها من هدى وحكمة، والنظر في مصائر الأمم وأحداث التاريخ وما فيها من عظة وعبرة.


ويتعبد المسلم لله بالقلب:
عن طريق العواطف الربانية والمشاعر الروحية، مثل: حب الله وخشيته، والرجاء في رحمته والخوف من عقابه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر لنعمائه، والحياء منه، والتوكل عليه، والإخلاص له.


ويتعبد المسلم لله باللسان:
عن طريق الذكر والتلاوة والدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير.


ويتعبد المسلم لله ببدنه كله: 
إما كفاً وامتناعاً عن ملذات البدن وشهواته، كما في الصيام، وإما حركة وعملاً ونشاطاً، كما في الصلاة التي يتحرك فيها البدن كله: اللسان والأعضاء، مع العقل والقلب.


ويتعبد المسلم لله ببذل المال:
الذي هو شقيق الروح، كما في الزكاة والصدقات، وهذا ما يسميه الفقهاء "العبادة المالية" كما سموا الصلاة والصوم "العبادة البدنية" ويعنون بكلمة "البدن" هنا كيان الإنسان كله لا الجسم المادي وحده، فإن النية شرط لكل عبادة، ومحلها القلب بالإجماع، وعبادة المجنون والسكران ونحوها لا تصح ولا تقبل: (حتى تعلموا ما تقولون).


ويتعبد المسلم لله ببذل مهجته والتضحية بنفسه وبمصالحه المادية العاجلة:
ابتغاء مرضاة الله، كما في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.


ويتعبد المسلم لله بمفارقة الأهل والوطن والضرب في الأرض: 
إما للحج والعمرة، وإما للهجرة إلى أرض يستطيع فيها المسلم إقامة دينه، وإما للجهاد في سبيل الله، وإما لطلب علم نافع، أو نحو ذلك، مما يبذل فيه المسلم عادة ـ راحة بدنه وحر ماله، ولهذا نعتبر هذا النوع من العبادات "بدنيا وماليا" معا حسب التقسيم الفقهي المتعارف.


سر العبادة وغايتها:
لماذا نعبد الله؟
عرفنا أن رسالة الإنسان في الوجود هي عبادة الله وحده... وعرفنا أن العبادة هي غاية الخضوع الممزوج بغاية الحب لله... وعرفنا أن العبادة -في الإسلام- تشمل الدين كله، وتسع الحياة بمختلف جوانبها، وبقى هنا سؤال قد يسأله بعض الناس وهو: لماذا نعبد الله تعالى؟


وبعبارة أخرى: لماذا فرض الله علينا عبادته وطاعته وهو الغنى عنا؟
وما الغاية من تكليفنا هذه العبادة؟ هل يعود عليه -سبحانه- نفع من عبادتنا له، وخشوعنا لوجهه؟ ووقوفنا ببابه، وانقيادنا لأمره ونهيه جل شأنه؟ أم النفع يعود علينا نحن المخلوقين؟ وما حقيقة هذا النفع إن كان؟ أم الهدف هو مجرد الأمر من الله والطاعة منا؟، والجواب: أنه -تبارك اسمه- لا تنفعه عبادة من عبده، ولا يضره إعراض من صد عنه.


وقد أخبرنا على لسان سليمان في القرآن: 
(قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم) وقال تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد)، وقال عز وجل في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً"، وإذا كان الله سبحانه له هذا الغنى المطلق فلماذا إذن كلف عباده أن يعبدوه ويطيعوه؟


وأظن بعد أن يعرف الإنسان جواب الأسئلة الخالدة: 
من أين، وإلى أين، ولم، أن من السهل أن يعرف جواب هذا السؤال. إنه كامن في طبيعة الإنسان نفسه، وطبيعة مهمته في الأرض، والغاية التي أعد لها من وراء هذه الحياة.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 11:22 pm


العبادة غذاء الروح:
(أ) فالإنسان ليس هو هذا الغلاف المادي الذي نحسه ونراه، والذي يطلب حظه من طعام الأرض وشرابها، ولكن حقيقة الإنسان في ذلك الجوهر النفيس الذي صار به إنسانا مكرما سيدا على ما فوق الأرض من كائنات، ذلك الجوهر هو الروح.. الذي يجد حياته وزكاته في مناجاة الله عز وجل، وعبادة الله هي التي توفر لهذا الروح غذاءه ونماءه، وتمده بمدد يومي لا ينفد ولا يغيض.
ولئن تراكم على هذا الجوهر المعنوي الغفلة والغرور، وران عليه صدأ الجحود أو الشك، لقد تهب عواطف المحن فتزيح الغبار، أو تندلع نار الشدائد فتجلو الصدأ، وسرعان ما يعود الإنسان إلى ربه فيدعوه ويتضرع إليه:


وهذه حقيقة ذكرها القرآن، وأيدتها وقائع الحياة:
(هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)، إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل صادق لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود وهذا ما تقوم به العبادة إذا أديت على وجهها.


يقول ابن تيمية رحمه الله:
"القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة.. ومن جهة الاستعانة والتوكل.. فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر، ولا يلتذ ولا يطيب، ولا يسكن ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه -بالفطرة- من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور، واللذة والنعمة، والسكون والطمأنينة).


العبودية لله سبيل الحرية:
(ب) ثم إن العبودية الخالصة لله هي -في واقع الأمر- عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي -وحدها- التي تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلهة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد، وإن ظهروا -صورة وشكلاً- بمظهر السادة الأحرار!
ذلك أن في قلب الإنسان حاجة ذاتية إلى رب، إلى إله، إلى معبود، يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على رضاه، فإذا لم يكن هذا المعبود هو الله الواحد الأحد، تخبط في عبادة آلهة شتى وأرباب أخر، مما يرى وما لا يرى، وممن يعقل، وما لا يعقل ومما هو موجود وما ليس بموجود، إلا في الوهم والخيال.
وليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد مَن خلقه فسواه فعدله، ويطرح عبادة كل ما سواه ومَن سواه، وليس أجلب لسعادته وسلام ضميره من توجيه همه إلى إله واحد يخصه بالخضوع والحب، فلا تتوزع قلبه الآلهة والأرباب المزيفون: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاءُ متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً)؟.
فالعبد السالم لسيد واحد قد استراح؛ إذ عرف ما يرضى سيده فأداه بارتياح وانشراح، أما العبد الذي يملكه شركاء متشاكسون يأمره أحدهم بعكس ما يأمره غيره، فما أتعسه وما أشقاه!!.


العبادة ابتلاء إلهي يصقل الإنسان:
(ج) والحياة التي نحياها هذه -طالت أو قصرت- ليست هي الغاية ولا إليها المنتهى، وما هي إلا محطة انتقال إلى حياة أخرى ودار أخرى؛ حياة البقاء، ودار الخلود. وفي بعض الآثار: "إنكم خلقتم للأبد، وإنما تنقلون من دار إلى دار".


وقال الشاعر:
وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي، فالمعول عليه إذن إنما هو الدار الأخرى: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون).
والإنسان في هذه الدار الفانية إنما يستصلح لتلك الدار الباقية، يستخلفه الله هنا ليعد ويصقل للخلود هناك، ولا شيء يصقله ويهذبه ويعده مثل الابتلاء، فهو البوتقة التي تصهر فيها النفس ويصفو الروح.
فقد شاء الله أن يخلق الإنسان نوعاً متميزاً على غيره، بما ركب فيه من عناصر مزدوجة، يمكن أن تصعد به إلى السماء، وأن يهبط بها إلى الأرض، ففيه الغريزة والشهوة، وفيه العقل والإرادة، فيه المادة، وفيه الروح.


العبادة حق الله على عباده:
(د) والعبادة -فوق ذلك كله- هي حق الخالق -جل شأنه- على خلقه، وفى ذلك روى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: "يا معاذ.. أتدري ما حق الله على العباد"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً".
وليس بمستنكر أن يكون لله علينا حق عبادته وحده سبحانه، بل المستنكر أن يكون غير هذا.. المستنكر أن نعبد ما دون الله أو من دون الله، فنؤدي الحق لغير أهله، أو نزعم لأنفسنا الاستقلال عن الله فنجحد عبوديتنا له بغير حق.


إننا لم نكن شيئاً مذكوراً ثم كنا: 
خرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ثم كنا نوعاً مكرماً من الخليقة: خلقنا في أحسن تقويم، وصورنا في أحسن صورة، وعلمنا البيان، وأوتينا العقل والإرادة، وسخرت الكائنات حولنا لخدمتنا: الأرض لنا مهاد وفراش، والسماء لنا سقف وبناء، والشمس تمدنا بالضوء والحرارة، والكواكب تهدينا وتزين سقفنا، والبحار تجري فيها سفائننا بأرزاقنا، والماء ينزل من السماء ليكون لنا شراباً طهوراً، ونسقي منه أنعاماً وأناسي كثيراً.


ترى مَن الذي فعل ذلك كله؟ 
أما نحن فلم نخلق أنفسنا ولم نصنع ذرة مما حولنا.. ولم يدَّع بشر ولا جن ولا ملاك: أنه صانع ذلك ومدبره.. فمَن هو صاحب العلم الواسع والحكمة البالغة والقدرة القاهرة والإرادة الفعالة.. الذي صنع هذا الكون الدقيق فأحكمه، ورتبه فأحسنه؟ والذي خلق الإنسان فأحسن خلقه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة؟، إنه الله الذي شهدت ربوبيته الفطر السليمة، وأقرت بوجوده وكماله ووحدانيته العقول النيرة.
فلا عجب أن يكون لهذا الخالق المنعم حق العبادة والاستعانة به، والابتهال إليه، والوقوف ببابه الكريم موقف الضراعة والتسليم والانقياد: (سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى)، (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم).


3- الأخلاق
مكانة الأخلاق في رسالة الإسلام:
جرت عادة الباحثين في رسالة الإسلام أن يقسموه إلى شعب أربع:
عقائد وعبادات، ومعاملات، وأخلاق، وربما أوهم تأخير شعبة الأخلاق أنها آخر ما يهتم به الإسلام، وأنها لا ترقى إلى مستوى الشعب الأخرى، والحقيقة التي تتجلى لمن يتدبر الإسلام في آيات كتابه وسنة نبيه، ويتأمل نصوصها وروحها: أن الإسلام في جوهره رسالة أخلاقية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من عمق وشمول، ولا غرو أن تكون "الأخلاقية" خصيصة من خصائصه العامة.
وليس ذلك لمجرد أن الإسلام حث بقوة على الفضائل، وحذر بقوة من الرذائل، ووصل في هذا وذاك إلى أعلى درجات الإلزام، ورتب على ذلك أعظم مراتب الجزاء، ثواباً وعقاباً، في الدنيا والآخرة.
وليس ذلك أيضاً لمجرد أن الإسلام عنى بالأخلاق عناية بالغة حتى أن القرآن حين أثنى على الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجد أبلغ ولا أرفع من قوله: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وحتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلخص الهدف من رسالته فيقول في إيجاز بليغ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ليست الأخلاقية من خصائص الإسلام لمجرد هذا وذاك، ولكن -بالإضافة إلى ذلك- لأن الأخلاقية تسري في كيان الإسلام كله، وفي تعاليمه كلها، حتى في العقائد والعبادات والمعاملات، وتدخل في السياسة والاقتصاد، والسلم والحرب.


العقائد الإسلامية والأخلاق:
العقائد الإسلامية أساسها التوحيد، وضده الشرك، هنا نجد الإسلام يضفي على التوحيد صبغة خلقية، فيعتبره من باب "العدل" وهو فضيلة خلقية، كما يعتبر الشرك من باب "الظلم" وهو رذيلة خلقية: (إن الشرك لظلم عظيم)، وذاك لأنه وضع للعبادة في غير موضعها، وتوجه بها إلى من لا يستحقها.
بل اعتبر القرآن الكفر بكل أنواعه ظلماً، كما قال تعالى: (والكافرون هم الظالمون).
والإيمان الإسلامي حين يتكامل ويؤتى أكله، يتجسد في فضائل أخلاقية فاضت بها آيات القرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.


نقرأ في القرآن مثل قوله تعالى: 
(قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، الذين هم لفروجهم حافظون...، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون...).
(إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَت قُلوبُهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة وممَّا رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقاً).
(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)
(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً.. والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللهُ إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاماً...) الآيات.


والأحاديث النبوية كذلك تربط الفضائل الأخلاقية بالإيمان فتجعلها من لوازمه وثمراته: 
"مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".


العبادات الإسلامية والأخلاق:
والعبادات الإسلامية الكبرى ذات أهداف أخلاقية واضحة، فالصلاة وهي العبادة اليومية الأولى في حياة المسلم، لها وظيفة مرموقة في تكوين الوازع الذاتي، وتربية الضمير الديني: (وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، والصلاة كذلك مدد أخلاقي للمسلم يستعين به في مواجهة متاعب الحياة: (يا آيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة).
والزكاة وهى العبادة التي قرنها القرآن بالصلاة ـ ليست مجرد ضريبة مالية، تؤخذ من الأغنياء، لترد على الفقراء. إنها وسيلة تطهير وتزكية في عالم الأخلاق، كما أنها وسيلة تحصيل وتنمية في عالم الأموال: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
والصيام في الإسلام، إنما يقصد به تدريب النفس على الكف عن شهواتها، والثورة على مألوفاتها، وبعبارة أخرى: إنه يهيئ النفس للتقوى وهى جماع الأخلاق الإسلامية: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
الإسلام تدريب للمسلم على التطهر والتجرد والترفع عن زخارف الحياة والحج في وترفها، وخضامها وصراعها، ولذا يفرض في الإسلام الإحرام ليدخل المسلم حياة قوامها البساطة والتواضع والسلام والجدية والزهد في مظاهر الحياة الدنيا: (الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
وحين تفقد هذه العبادات الإسلامية هذه المعاني ولا تحقق هذه الأهداف تفقد بذلك معناها وجوهر مهمتها، وتصبح جثة بلا روح، ولا غرو أن جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد ذلك بأسلوب بليغ واضح.


فتقول عن الصلاة: 
"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء، فلا صلاة له"، "كم من قائم (أي الليل بالتهجد) ليس له من قيامه إلا السهر".


وعن الصيام: 
"من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".


الأخلاق والاقتصاد:
وللأخلاق الإسلامية مجالها وعملها في شئون المال والاقتصاد، سواء في ميدان الإنتاج أم التداول أم التوزيع أم الاستهلاك، فليس للاقتصاد أن ينطلق -كما يشاء- بلا حدود ولا قيود، دون ارتباط بقيم، ولا تقيد بمثل عليا، كما هي دعوة بعض الاقتصاديين للفصل بين الاقتصاد والأخلاق، ليس للمسلم أن ينتج ما يشاء ولو كان ضاراً بالناس مادياً أو معنوياً، وإن كان يستطيع أن يحصل هو من وراء هذا الإنتاج أعظم الأرباح، وأكبر المنافع.
إن زراعة التبغ "الدخان" أو "الحشيش" ونحوه من المواد المخدرة أو الضارة قد يكون فيها مكسب مادي كبير، ولكن الإسلام ينهاه أن يكون كسبه ونفعه من وراء خسارة غيره وضرره.
وإن تصنيع الأعناب ليصبح عصيرها خمراً يجلب أرباحاً وفيرة ويحقق منافع اقتصادية للمنتجين من أصحاب الكروم، ولكن الإسلام أهدر هذه المنافع في مقابل المضار الضخمة التي تترتب على الخمر في العقول والأبدان والأخلاق، وتتمثل فساداً في الأفراد والأسر والجماعات. 


يقول القرآن: 
(يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما).
وليس للمسلم -في ميدان التبادل- أن يتخذ بيع الخمر أو الخنزير أو الميتة أو الأصنام، تجارة، أو يبيع شيئا لمن يعلم أنه يستعمله في شر أو فساد أو إضرار بالآخرين. كالذي يبيع عصير العنب -أو العنب نفسه- ممن يعلم أنه يتخذه خمرا، أو يبيع السلاح ممن يعلم أنه يقتل به بريئا، أو يستخدمه في ظلم وعدوان، وفي الحديث: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه"، وفيه: "من حبس العنب أيام القطاف، حتى يبيعه من يهودي ـ أي له ـ أو نصراني، أو ممن يتخذه خمرا ـ أي ولو كان مسلما ـ فقد تقحم النار على بصيرة".
وليس للمسلم أن يحتكر الطعام ونحوه مما يحتاج إليه الناس رغبة في أن يبيعه بأضعاف ثمنه، وفي الحديث الصحيح: "لا يحتكر إلا خاطئ" أي آثم. كما قال تعالى: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وليس للتاجر المسلم أن يخفي مساوئ سلعته وعيوبها، ويبرز محاسنها مضخمة مكبرة، على طريقة الدعاية الإعلامية المعاصرة، ليبذل المشترون المخدوعون فيها من الثمن أكثر مما تستحق. فهذا غش يبرأ منه الإسلام، ورسول الإسلام: "من غش فليس منا".


وفى مجال التوزيع والتملك:
لا يجوز للمسلم أن يتملك ثروة من طريق خبيث، ولا يحل له أن يأخذ ما ليس له بحق لا بالعدوان ولا بالحيلة، كما لا يحل للمسلم الملك بطريق خبيث، لا يحل له تنمية ملكه بطريق خبيث كذلك، لهذا حرم الله الربا والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، والظلم بكل صوره، والضرر والضرار بكل ألوانه.


وفي مجال الاستهلاك:
لم يدع الإسلام للإنسان حبله على غاربه، ينفق كيف يشاء، ولو آذى نفسه أو أسرته أو أمته، بل قيده بالاعتدال والتوسط فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)، (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين)، وحمل على الترف والمترفين، وحرم كل ما هو من مظاهر الترف مثل أواني الذهب والفضة، فحرمها على الرجال والنساء جميعا، كما حرم على الرجال لبس الذهب والحرير، وبهذا تميز الاقتصاد الإسلامي بهذه الخصيصة العظيمة من خصائصه، أنه "اقتصاد أخلاقي"، وشهد له بذلك الباحثون الأجانب.


يقول الكاتب الفرنسي "جاك أوستروي" في كتابه عن "الإسلام والتنمية الاقتصادية":
"الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية الرفيعة معا، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبدا، ومن هنا يمكن القول: إن المسلمين لا يقبلون اقتصادا (علمانيا)، والاقتصاد الذي يستمد قوته من وحي القرآن يصبح بالضرورة، اقتصاداً أخلاقياً، وهذه الأخلاق تقدر أن تعطي معنى جديدا لمفهوم "القيمة" وتملأ الفراغ الفكري الذي يوشك أن يظهر من نتيجة (آلية التصنيع).
"لقد استنكر (بركس) النتائج المؤذية لنمو حضارة (الجنس) في الغرب، ويقلق الاقتصاد اليوم من سطوة "قيم الرغبات" على القيم الحقيقية.
"والآن بدأ الغرب يعي النتائج المؤذية من جراء مفاوضات عالمية لعالم غير مستقر... فلقد وجد الرجل نفسه مفصولا عن عمله، فالآلة أصبحت السيد، وحياة التطرف في وسائل الراحة كالسيارات وغيرها، والاهتمام بالتوافه، ولم يهتم الغرب أبدا عداء (الآلة) للإنسان، وهى تشكل أفقا لقسم هام من الإنسانية".
"ولم يغب عن الإسلام الواعي هذا الدرس في متناقضات الغرب، ولكي يقف في مواجهة الغرب -محققاً في الوقت نفسه وجهته الاقتصادية- عمد الإسلام لإدخال قيمه الأخلاقية في الاقتصاد... وهكذا يخضع العناصر المادية في الاقتصاد لمتطلبات العدل.
"وهذا اللقاء بين الأخلاق والاقتصاد الذي يلج عليه (ج. يرث) لم يوجد صدفة في الإسلام الذي لا يعرف الانقسام بين الماديات والروحيات، "وإذا كان اقتران البروتستانية مع الوثبة الصناعية مزورا، وإذا كانت الصلة بينهما موضع نقاش، فهذا غير كائن في الإسلام، لأن غالبية تشريعه الإلهي تمنع كل تنمية اقتصادية لا تقوم عليها.


"وعلى النقل التقليدي السريع لتجربة الغرب: 
(أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) يجب ألا يخفي استحالة هذا التمييز في الإسلام، وفصل الدين عن الدولة الذي أدخل الفاعلية المادية في الغرب، لا معنى له في الإسلام، حيث لا تولد الفعالية في المجال الفكري وخارجه، بل باستلهام من قوة الإسلام ومن الوحي المنزل".


وإذا استقرأنا الواقع التطبيقي:
وجدنا أثر هذا الاقتران بين الاقتصاد والأخلاق، واضحا وعميقا في تاريخ المسلمين، وخاصة يوم كان الإسلام هو المؤثر الأول في حياتهم، والموجه الأول لنشاطهم وسلوكهم.


السياسة والأخلاق:
وكما ربط الإسلام الاقتصاد بالأخلاق، ربط بها السياسة أيضا، فليست السياسة الإسلامية سياسة "ميكافيلية" ترى أن الغاية تبرر الوسيلة أيا كانت صفتها، بل هي سياسة مبادئ وقيم، تلتزم بها، ولا تتخلى عنها، ولو في أحلك الظروف، وأحرج الساعات، سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخلياً، أم في علاقتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.
إن الإسلام يرفض كل الرفض الوسيلة القذرة، ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، فالخبيث من الوسائل، كالخبيث من الغايات مرفوض، ولا بد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة.


في علاقة الدولة بمواطنيها يقول الله تعالى مخاطباً أولي الأمر في المسلمين: 
(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعاً بصيراً).
فأداء الأمانات -بمختلف أنواعها المادية والأدبية- إلى مستحقيها، والحكم بين الناس -كل الناس- بالعدل، هو واجب الدولة المسلمة مع رعاياها.
ولا يجوز للحاكم المسلم أن يحابى أحد أقاربه أو حاشيته، فيوليه ما لا يستحق، ويحرم من يستحق، والرسول صلى الله عليه وسلم يجعل هذا إيذانا باقتراب ساعة هلاك الأمة، فقد سأل رجل يوما عن الساعة فقال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؟ قيل: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
كما لا يجوز إسقاط عقوبة مقررة عمن يستحقها لنسبه أو جاهه أو قربه من ذوي السلطان، وفي هذا جاء الحديث: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
إن السياسة الإسلامية في الداخل يجب أن تقوم على أساس العدل والإنصاف والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات والعقوبات، وعلى الصدق مع الشعب ومصارحته بالحقيقة دون تضليل أو تدجيل وكذب عليه، فإن أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم "ملك كذاب" كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي علاقة الدولة بغيرها من الدول يجب عليها الوفاء بعهودها، وجميع التزاماتها، واحترام كلمتها.


يقـــول الله تعـــالى: 
(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة، إنما يبلوكم الله به، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون).
ففي هاتين الآيتين يأمر الله تعالى باحترام العهود والمواثيق ويضيفها إلى الله تعالى "عهد الله" ويحذر من نكث العهود بعد إبرامها، كفعل تلك المرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد إحكامه، وقوة إبرامه، وينادي بأن تكون المعاهدات والاتفاق بين الأمم مبنية على الإخلاص وحسن النوايا، دون الدخل والغش الذي يقصد به أن تكون أمة هي أربى وأزيد نفعا من أمة، فتستفيد من المعاهدة على حساب أمة أخرى، وهو ما نشاهده في معاهدات هذا الزمان.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً يُحتذى في احترام الاتفاقات، ورعاية العهود، وإن رأى أصحابه فيها أحياناً ما يعتقدونه إجحافاً بالمسلمين، كما في صلح الحديبية.
ولما جاء رجل يريد أن ينضم إلى جيش المسلمين في إحدى الغزوات ضد قريش، وكان الرجل قد عاهدهم ألا يحارب في صف عدوهم، لم يستجب له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بالوفاء قائلاً: "نفى لهم، ونستعينُ اللهَ عليهم"، فإذا كان بعض الناس يعتقد أن السياسة لا أخلاق لها، فهذا أبعد ما يكون عن سياسة الإسلام، التي تقوم -أول ما تقوم- على العدل والوفاء والصدق والشرف ومكارم الأخلاق.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 11:35 pm


الحرب والأخلاق:
وإذا كانت تلك هي سياسة الإسلام في السلم، فإن سياسته في الحرب أيضاً لا تنفصل عن الأخلاق، فالحرب لا تعني إلغاء الشرف في الخصومة، والعدل في المعاملة، والإنسانية في القتال وما بعد القتال.
إن الحرب ضرورة تفرضها طبيعة الاجتماع البشري، وطبيعة التدافع الواقع بين البشر الذي ذكره القرآن الكريم بقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)، (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين).
ولكن ضرورة الحرب لا تعني الخضوع لغرائز الغضب والحمية الجاهلية وإشباع نوازع الحقد والقسوة والأنانية، إذا كان لا بد من الحرب، فلتكن حربا تضبطها الأخلاق، ولا تسيرها الشهوات، لتكن ضد الطغاة والمعتدين لا ضد البرآء والمسالمين.
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام، أن تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب).
إذا كان لا بد من الحرب، فلتكن في سبيل الله، وهو السبيل الذي تعلو به كلمة الحق والخير -لا في سبيل الطاغوت- الذي تعلو به كلمة الشر والباطل، (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً).


لتكن من أجل استنقاذ المستضعفين، لا من أجل حماية الأقوياء المتسلطين: 
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)، ولتتقيد الحرب بأخلاق الرحمة والسماحة، ولو كانت مع أشد الأعداء شنآنا للمسلمين، وعتوا عليهم.
وإذا كان كثير من قادة الحروب وفلاسفة القوة، لا يبالون أثناء الحرب بشيء إلا التنكيل بالعدو، وتدميره، وإن أصاب هذا التنكيل من لا ناقة له في الحرب ولا جمل، فإن الإسلام يوصى ألا يقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار، وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحراثة الأرض، وفي هذا جاءت آيات القرآن الكريم، ووصايا الرسول الكريم، وخلفائه الراشدين، ففي القرآن: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين).


وفي السنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا توجهوا للقتال بقوله: 
"اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً...".


وكذلك كان الخلفاء الراشدون المهديون من بعده يوصون قوادهم: 
ألا يقتلوا شيخاً، ولا صبياً، ولا امرأة، وألا يقطعوا شجراً، ولا يهدموا بناءً"، بل نهوهم أن يتعرضوا للرهبان في صوامعهم، وأن يدعوهم وما فرغوا أنفسهم له من العبادة.
يذكر المؤرخون المسلمون أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه -في المعارك الكبرى التي دارت بين المسلمين والإمبراطوريتين العتيدتين فارس والروم- أرسل إليه رأس أحد قادة الأعداء من قلب المعركة إلى المدينة عاصمة الدولة الإسلامية، وكان القائد يظن أنه يسر بذلك الخليفة، ولكن الخليفة غضب لهذه الفعلة لما فيها من المثلة، والمساس بكرامة الإنسان فقالوا له: إنهم يفعلون ذلك برجالنا، فقال الخليفة في استنكار: آستنان بفارس والروم؟ لا يحمل إلى رأس بعد اليوم!


وبعد أن تضح الحرب أوزارها:
يجب ألا ينسى الجانب الإنساني والأخلاقي في معاملة الأسرى وضحايا الحرب، يقول الله تعالى في وصف الأبرار من عباده: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً).


بين أخلاق الإسلام وأخلاق اليهودية والمسيحية:
كانت اليهودية ديانة شعب خاص في مرحلة معينة من تاريخه، ولم يقصد بها أن تكون رسالة عامة، ولا شريعة خالدة، كما قالت التوراة نفسها، ولهذا استحفظ الله علماء إسرائيل وأحبارهم هذا الكتاب الإلهي، ولم يتول هو سبحانه حفظه، فعدت عليه العوادي، وأصابه التحريف والتبديل، حتى رأينا التوراة تحتوي كثيراً من قصص الأنبياء، تنسب إليهم ارتكاب أشنع الرذائل الخلقية، كما رأينا في أخلاقها الطابع الدنيوي المادي الحسي، والطابع العنصري البشع، المتسم بكثير من العنف والقسوة، مع اهتمام زائد بالرسوم والشكليات.
والمسيحية جاءت علاجاً لهذا الغلو المادي الذي غرق فيه اليهود -ومثلهم الرومان- فكانت أشبه بحقنة روحية قوية مضادة، وكثيراً ما تكون الحكمة في علاج الغلو بغلو مثله، شرط أن يكون ذلك لمرحلة معينة، وفترة مؤقتة، حتى يحدث التوازن، ويتحقق الانسجام والاعتدال، وهكذا كانت المسيحية، روحانية عالية، ومثالية محلقة، لم يقصد بها أن تكون شريعة العالم، ولا رسالة الخلود. 
ولهذا كان أتباعها ـ وخصوصاً الغربيون هم أبعد الناس عن تنفيذ ما تأمر به من الزهد والعفو والسماحة، وحب الأعداء! كما أن التصورات، والقيم والتقاليد التي أضافتها الكنيسة على توالي العصور، ومن صورها الرهبانية -صبغت المسيحية- وخصوصاً في الغرب بالتزمت والجمود وإماتة الحياة، أما الإسلام فقد تضمن كلمة الله الأخيرة للبشرية، بعد أن بلغت أشدها، وأصبحت مستعدة لأن تخاطب برسالة عامة خالدة. لهذا تكفل الله بحفظ كتاب الإسلام بنفسه، فلم تتغير فيه كلمة، ولم ينقص فيه حرف،على توالي القرون: (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون). 


خصائص الأخلاق الإسلامية:
لهذا شاء الله أن تتميز الأخلاق في الإسلام بخصائص انفردت بها عن اليهودية أو المسيحية أو كليهما، وهي الخصائص التي جعلتها صالحة لكل الأفراد وكل الطبقات وكل الأجناس، وكل البيئات، وكل الأزمان، وكل الأحوال.


1- أخلاق معللة مفهومة:
أولى هذه الخصائص أنها برئت من الطابع التعبدي التحكمي الذي عرفت به اليهودية، والذي ظنه بعض الباحثين في الأخلاق لازما ذاتيا لأسلوب الدعوة الأخلاقية في الأديان جميعا، وجهل هؤلاء أن الإسلام على عكس ذلك تماما. 
إنما يعتمد دائما على الحكم المعقولة، والعلل المقبولة، مخاطبا العقل القويم، والوجدان السليم، مبينا المصالح من وراء ما يأمر به، والمفاسد من جراء ما ينهى عنه، مفصلا تارة، ومجملا تارة.


اقرأ في التعليل التفصيلي: 
(وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).


وفي التعليل الإجمالي: 
(فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)، (أو لحم خنزير فإنه رجس).


2- أخلاق عالمية:
والأخلاق في الإسلام إنسانية عالمية، لا تبيح لجنس ما تحرمه على آخر، العرب والعجم فيها سواء، بل المسلمون وغيرهم أمام أخلاقها سواسية، الربا حرام مع المسلم والكافر، والسرقة حرام لمال المسلم والكافر، والزنا حرم بالمسلمة وغير المسلمة، والعدل واجب مع المسلم وغير المسلم، والعدوان حرام على المسلم وغير المسلم. وفي هذا يقول القرآن: (لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وبهذا تنزهت الأخلاق الإسلامية عن النزعة العنصرية القومية التي اتسمت بها الأخلاق اليهودية، والأخلاق القبلية والبدائية على وجه العموم.


3- ملاءمة الفطرة:
جاء الإسلام في مجال الأخلاق بما يلائم الفطرة والطبيعة البشرية ويكملها، لا بما يصادرها ويصدمها فما كان الله ليخلق الإنسان على طبيعة ثم يكلفه أن يقهرها ويقتلها، أو يبطل أثرها ويجمدها.


ومن هنا اعترف الإسلام بالكائن الإنساني، كما خلقه الله:
بدوافعه النفسية، وميوله الفطرية، وكل ما صنعه أنه هذبها وسما بها، ووضع لها الحدود التي تصان بها مصلحة المجتمع، ومصلحة الفرد ذاته، ولهذا أباحت الشريعة التمتع بالطيبات والزينة، وشرعت الملكية الخاصة، ولم تنظر للغرائز على أنها رجس من الشيطان، ورغب الإسلام في النظافة والزينة، وجعلهما من مقدمات الصلاة وشروطها (خذوا زينتكم عند كل مسجد).


أنكر القرآن بشدة على الذين يحرمون:
(زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، فإذا كانت المسيحية ترى أن الغنى لا يدخل ملكوت السموات، فالإسلام يقول: "نعم المال الصالح للرجل الصالح".
وإذا كانت المسيحية قد أنشأت نظام الرهبانية العاتي بما فيه من قسوة على الجسد، ومصادرة للنوازع الفطرية، فالإسلام ينهى عن التبتل، ويحض على الزواج، ويرى أن الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، بل يعتبر السعي على العيال، والقيام على شؤونهم ضربا من الجهاد في سبيل الله، ولكن الإسلام في كل ما أباحه -مراعياً الطبيعة البشرية- قد وضح له الضوابط والحدود التي تقف عند حد الاعتدال، ولا يستحيل بالإفراط والغلو إلى انطلاق حيواني ذميم.


4- مراعاة الواقع:
ومن خصائص الأخلاق الإسلامية: 
أنها أخلاق واقعية، لا تصدر أوامرها ونواهيها لأناس يعيشون في أبراج عاجية، أو يحلقون في أجواء المثالية المجنحة، إنما تخاطب بشرا يمشون على الأرض، لهم دوافع وشهوات، ولهم مطامع وأمال، ولهم مصالح وحاجات، ولهم من دوافع الجسد ما ينزع بهم إلى الأرض، كما لهم من أشواق الروح ما يرتفع بهم إلى السماء.
لم يكلف القرآن الإنسان أن يحب أعداءه، وأن يبارك لاعنيه -كما أمر الإنجيل- فهذا شيء لا تطيقه النفس البشرية -إلا شذوذاً- وإنما أمر القرآن المؤمنين أن يعدلوا مع أعدائهم، ولا تحملهم عداوتهم وبغضهم على الاعتداء عليهم (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وهذا هو المقدور للبشر، وأنه مع ذلك لقمة لا يرتقي إليها إلا المؤمنون.


ولم يقل القرآن ما قال الإنجيل: 
"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن سرق قميصك، فأعطه إزارك" فهذا لا يستطيعه ـ كما يشهد الواقع ـ كل الناس، ولا في كل الأحوال، بل قال القرآن: (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله).
(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فأقر مبدأ العدل، ثم فتح الباب للمتطلعين إلى السمو والكمال، ليعفوا ويصفحوا، الشيء الذي يحرمه الإسلام هو العدوان: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وبذلك وفق الإسلام بين عدل التوراة وسماحة الإنجيل، وهذه هي الواقعية المالية المتوازنة.


لم يقل القرآن ما قال الإنجيل: 
"إذا أعثرتك عينك فاقلعها، وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى بدنك كله من جهنم"، بل أمر المؤمنين والمؤمنات أن يغضوا من أبصارهم، كما أمرهم بالتوبة مما قد يبدر منهم، فقال: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)، وعفا الرسول عن نظرة الفجاءة، وقال: "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة".
ومن واقعية الأخلاق الإسلامية أنها لم تفترض في المؤمنين المتقين أن يكونوا ملائكة أولى أجنحة، لا تسول لهم أنفسهم سوءاً يوماً، ولا يتورطون في أوحال الرذيلة أبدا، كلا إن الإنسان خلق على طبيعة مزدوجة، جمعت بين طين وحمإ مسنون، وبين نفخة من روح الله. 
فليس بمستنكر أن يذنب، ثم يتوب، إنما المنكر أن يتمادى في الذنوب ويستمرئ الرذيلة والعصيان. لقد أذنب آدم -أبو البشر- وتاب فتاب الله عليه، فلا غرابة أن يكون بنوه مثله، لهذا جعل القرآن من أصناف المتقين: (والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
كما فرق القرآن بين كبائر الإثم وفواحشه، وبين صغائر السيئات ولمم الذنوب التي قلما يسلم منها أحد، فهي في دائرة المسامحة والغفران ما اجتنبت الموبقات: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلا كريما).


ومن واقعية الأخلاق الإسلامية أنها قدرت للضرورات قدرها: 
راعت الأعذار والظروف المخففة، ولم تتزمت تزمت المثاليين المتطرفين الذين يقبلون أي استثناء. ولهذا بعد أن ذكر القرآن محرمات الأطعمة، عقب عليها بقوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفورا رحيم).


5- الإيجابية:
ومن خصائص الأخلاق في الإسلام: 
أنها أخلاق إيجابية، فهي لا ترضى من المتحلي بها مسايرة الركب، أو المشي مع التيار، أو العجز والاستسلام للأحداث توجه قياده كالريشة في مهب الريح، إنما تحث على القوة والكفاح، ومواصلة السعي في ثقة وأمل، وتقاوم العجز واليأس، والتماوت والكسل، وكل أسباب الضعف، وفي القرآن الكريم: (خذ الكتاب بقوة).


وفى الحديث النبوي الشريف: 
"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان"، ويوصي الرسول بالعمل لعمارة الحياة حتى آخر لحظة في عمر الدنيا، ولو لم ينتفع بثمرة العمل أحد، ولكن احترام لقيمة العمل في ذاته، "إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة يريد أن يغرسها، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها".
يرفض الإسلام الإتكالية المنهزمة التي نراها في قول أصحاب موسى له: (فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون)، ولكن يريد الإيجابية الفعالة التي تتمثل في قول أصحاب محمد: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون".
لم يكتف الإسلام من المسلم أن يكون مستقيماً في نفسه، حتى يعمل على استقامة غيره، ولم يقبل المرء في عداد الفضلاء الصالحين إذا صلح هو، ولم يأبه لفساد المجتمع من حوله، بل فرض على كل مسلم -بقدر كفايته واستطاعته- الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والمرحمة، والنصيحة في الدين، والاهتمام بأمر المسلمين: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله)، (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، "الدين النصيحة"، "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
بهذا رفض الإسلام السلبية أمام الفساد الاجتماعي والسياسي، والتحلل الخلقي والديني، وطلب إلى المسلم أن يغير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، والتغيير بالقلب ليس سلبيا كما يظن، ولكنه تعبئة نفسية وشعورية ضد الفساد، لا بد أن تتجسد يوما في عمل ملموس.


6- الشمول:
ومن خصائص الأخلاق الإسلامية أنها أخلاق شاملة مستوعبة، فإذا ظن بعض الناس أن الأخلاق في الأديان تنحصر في أداء الشعائر التعبدية ونحو ذلك، فهذا إن صح في أخلاق دين ما، لا يصح أن يوصف به قانون الأخلاق في الإسلام. 


فإن هذا القانون لم يدع للنشاط الإنساني من ناحيتيه: 
الفردية والاجتماعية مجالا حيويا، أو فكريا، أو أدبيا، أو روحيا، إلا رسم له منهجا للسلوك وفق قاعدة معينة، بل تخطى علاقة الإنسان بنفسه علاقته ببني جنسه، فشمل علاقته بالكون في جملته وتفصيله، ووضع لذلك كله ما شاء الله من الآداب الراقية، والتعاليم السامية، وهكذا جمع ما فرقه الناس باسم الدين، وباسم الفلسفة، ثم كان له عليهما المزيد.


من أخلاق الإسلام ما يتعلق بذات الفرد:
1. جسما: له حاجاته وضروراته: 
"إن لبدنك عليك حقا"، (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)


2. وعقلاً له مواهبه وآفاقه: 
(قل انظروا ماذا في السموات والأرض)، (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تفكروا).


3. ونفساً لها مشاعرها ودوافعها وأشواقها: 
(قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها)، (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).


4. ومن أخلاق الإسلام ما يتعلق بالمجتمع: في آدابه ومجاملاته:
(لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها)، (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا).


5. وفي اقتصاده ومعاملاته: 
(ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا، إن كنتم مؤمنين)، "من غش فليس منا".


6. وفى سياسته وحكمه: 
(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، "الدين النصيحة. . لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فلا انفصال في شرعة الإسلام بين السياسة والأخلاق، ولا بين الاقتصاد والأخلاق، كما تنادي بذلك بعض الاتجاهات الحديثة في العالم الغربي، ومن أخلاق الإسلام ما يتعلق بغير العقلاء من الحيوان والطير: "في كل كبد رطبة أجر"، "دخلت امرأة النار في هرة حبستها".


ومنها ما يتعلق بالكون والحياة
(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء)، وقبل ذلك كله ما يتعلق بحق الخالق العظيم سبحانه وتعالى، الذي لا يعبد غيره ولا يستعان سواه: (إياك نعبد وإياك نستعين).


7- التوازن: ومن خصائص الأخلاق الإسلامية
التوازن الذي يجمح بين الشيء ومقابله في اتساق وتناسق، بلا غلو ولا تفريط.


من ذلك: التوازن بين حق الجسم وحق الروح
فلا حرمان للجسم يصل إلى حد التعذيب، كما في البرهمية الهندية، والمانوية الفارسية، والرواقية اليونانية، والرهبانية المسيحية ونحوها، ولا إغفال لأمر الروح، كما في اليهودية إلى حد كبير، ثم في المذاهب المادية التي لم تعترف للروح بوجود، فضلاً عن أن يكون لها حق، ولهذا قال الرسول لبعض أصحابه الذين عزم أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام أبداً، وعزم الثاني أن يصوم النهار فلا يفطر أبداً، وعزم الثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبداً: "إنما أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".


ومن ذلك: التوازن بين الدنيا والآخرة
فإذا كانت اليهودية تجعل أكبر همها هذا العالم الأرضي الحاضر، والمسيحية تحصر كل توجيهها في ملكوت السماء حيث العالم الآخر، فالإسلام يزاوج بين النظرتين، ويمزج بين الحياتين، فهذه مزرعة لتلك، والله قد استخلف الناس في الأرض، واستعمرهم فيها، فلا ينبغي أن يخربوها أو يعطلوها، والسعيد من فاز بحسنة الدنيا وحسنة الآخرة: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة)، (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا)، ومن ذلك التوازن بين الحقوق والواجبات، فلا تدليل للفرد بكثرة الحقوق وإطلاق العنان له باسم الحرية، فيسترخي ويطغى وينحرف ويفسد.. ولا إرهاق له بكثرة الواجبات والأعباء، وان ناء بها ظهره، وخارت قواه، لا باسم المجتمع، ولا باسم غيره.


ومن ذلك: التوازن بين الواقعية والمثالية
فمع الاعتراف بالواقع الذي يعيشه أكثر الناس، يدع المجال مفتوحاً -مع الترغيب والتشويق- لأصحاب السبق والهمم، للسمو والارتفاع والمسارعة في الخيرات. 


فإن درجات الناس تختلف:
(فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله)، (والسابقون السابقون، أولئك المقربون)، إن الناظر إلى توازن الأخلاق الإسلامية، وتناسقها المعجز، يأخذه العجب كيف اجتمعت فيها الفضائل المتقابلة، التي يحسب الكثيرون أن التقاءها ضرب من المحال. 
ولهذا يتعذر على الباحث أن ينسبها إلى لون أو مذهب من الألوان أو المذاهب الأخلاقية، التي عرفها الناس قديماً وحديثاً: أهي أخلاق قوة أم أخلاق محبة؟ هل هي أخلاق زهد أم أخلاق حياة؟ أهي أخلاق روحية أم أخلاق مادية؟ أهي أخلاق ربانية أم أخلاق إنسانية؟ أهي أخلاق عقلية أم أخلاق دينية؟ أهي أخلاق مثالية أم واقعية، أهي أخلاق فردية أم اجتماعية؟
والحق أنها ليست واحدة من هؤلاء، ولكنها كل أولئك جميعاً، لأن فيها قدراً من كل نوع من هذه الأنواع، هو خير ما فيها، مع تنزهها عن مساوئه وتطرفاته، فالحق الذي لا ريب فيه أنها: أخلاق متكاملة متوازنة: لأنها أخلاق إسلامية، وكفى.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   19/05/15, 11:54 pm


تعقيب:
لقد شاء الله للإسلام أن يكون الرسالة العامة الخالدة، فهو هداية الله للناس كافة، من كل الأمم، وكل الطبقات، وكل الأفراد، وكل الأجيال.
والناس تختلف مواهبهم وطاقاتهم الروحية والعقلية والوجدانية، وتتفاوت مطامحهم وآمالهم، ودرجات اهتمامهم، ولهذا جمعت الفكرة الأخلاقية في الإسلام، ما فرقته الطوائف الدينية، والمذاهب الفلسفية -مثالية وواقعية- في نظرتها إلى الأخلاق وتفسيرها لمصدر الإلزام الخلقي، فلم يكن كل ما قالته هذه المذاهب والنظريات باطلا، كما لم يكن كله حقا، إنما كان عيب كل نظرية أنها نظرت من زاوية، وأغفلت أخرى، واهتمت بجانب على حساب جانب آخر، وهو أمر لازم لتفكير البشر، الذي يستحيل عليه أن ينظر في قضية ما نظرا يستوعب كل الأزمنة والأمكنة، وكل الأجناس والأشخاص، وكل الأحوال والجوانب، فهذا يحتاج إلى إحاطة إله عليم حكيم.
فلا غرو إذا كانت نظرة الإسلام، جامعة محيطة مستوعبة، لأنها ليست نظرية بشر، بل وحي من أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عدداً، لهذا أودع الله في هذا الدين ما يشبع كل نهمة معتدلة، وما يقنع كل ذي وجهة، ويلائم كل تطور، فمن كان مثاليا ينزع إلى الخير لذات الخير، وجد في أخلاقية الإسلام ما يرضى مثاليته، ومن كان يؤمن بمقياس السعادة، وجد في الفكرة الإسلامية ما يحقق سعادته وسعادة المجموع معه، ومن كان يؤمن بمقياس المنفعة ـ فردية أو اجتماعية ـ وجد في الإسلام ما يرضى نفعيته، ومن كان يؤمن بالترقي إلى الكمال، وجد فيه ما يحقق طلبته، ومن كان همه التكيف مع المجتمع، وجد فيه ما يلائم اجتماعيته، حتى الذي يؤمن بأهمية اللذة الحسية يستطيع أن يجدها فيما أعد الله للمؤمنين في الجنة من نعيم مادي، ومتاع حسي (فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين)، وبهذا تسمع كل أذن الأنشودة التي تحبها، وتجد كل نفس الأمنية التي تهفو إليها.


هناك أصناف ثلاثة لا مكان لها في الأخلاقية الإسلامية: الأول: 
من لا يؤمن إلا باللذة الحسية الحاضرة، أو بالمنفعة الدنيوية الشخصية العاجلة، ولا يقيم وزنا لما هو مدخر له من لذائذ أكبر، ومنافع أعظم في حياة هي خير وأبقى، شعاره قول الشاعر:
ما مضى فات، والمؤمل غيبٌ      ولك الساعة التي أنت فيها


والثاني: 
الفرد الذي يرفض جميع القيم، حبا لذاته، واتباعا لهواه، أو يزعم أن القيم الأخلاقية من وضع لاستغلال طبقة أخرى، وما شابه ذلك من لغو القول.


والثالث: 
المغرور المتعصب الذي يصر على ألا ينظر إلى الحياة والأحياء، إلا من زاوية واحدة، وأفق ضيق، فهو سجين مذهب معين، أو سجين نظرة خاصة، لا يستطيع أن يخلص منها إلى الأفق الفسيح الذي جاءته به رسالة الإسلام.


4- التشريع
من مقومات الإسلام الأساسية: التشريع، ونعني به الجانب الذي يضبط سير الحياة الإسلامية بمجموعة من الأحكام الشرعية العملية، التي تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض في جوانب الحياة المختلفة، وتبين لهم ماذا يحب الله منهم ولهم وماذا يكره.


التشريع بين النص وعدمه:
ومن المعلوم لدارس الإسلام: أنه لم ينص بالتشريع على كل شيء، بل هناك أشياء بينها وفصل فيها، وأشياء بينها بإجمال، وأشياء سكت عنها ولم يقل فيها شيئا.
وقد روى أبو الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا: (وما كان ربك نسيا)"، ومن هنا نجد أن الإسلام ترك قصدا منطقة فراغ من التشريع الملزم، وهي التي سميناها (منطقة العفو) أخذا من هذا الحديث.
وقد بين حديث آخر من أحاديث "الأربعين النووية" الشهيرة: أن ترك هذه المنطقة المسكوت عنها كان رحمة من الله بنا، وتوسعة لنا، وتيسيرا علينا، يقول عليه السلام: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"، والمستقرئ لهذه المنطقة يجد أنها في المجالات الكثيرة التغير، السريعة التطور، التي تختلف كثيرا باختلاف البيئات والإعصار والأحوال والظروف كالأمور السياسية والعسكرية والإدارية والإجرائية ونحوها.
وهنا نستطيع أن نملأ الفراغ التشريعي ـ الذي تركته لنا النصوص عمدا ـ عن طريق القياس على المنصوص بشروطه، أو الاستحسان عندما لا يجمل القياس، أو الاستصلاح بضوابطه، أو الاستصحاب، أو مراعاة العرف، أو سد الذرائع، أو رعاية المقاصد…الخ.
وأحيانا ينص الإسلام في بعض المجالات، ولكن على وجه كلي، بحيث يضع الأسس والمبادئ، ويرسم الإطار العام، ولكنه يدع التفصيل لاجتهاد المجتهدين، يختارون لأنفسهم ما هو أليق بهم، وبتحقيق مصالحهم في مكانهم وزمانهم وحالهم.
هذا مثل (الشورى) التي نص عليها القرآن والسنة مثل قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، وقوله: (وشاورهم في الأمر) وثبوت مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في وقائع شتى، ولكنه لم يفصل لنا: من هم أهل الشورى؟ أو كيف يختارون؟ ومن يختارهم؟ وإلى متى يظلون هكذا؟ وفيم يتشاورون؟ وهل يؤخذ برأي الأكثرية أو لا؟
لم يلزمنا الشرع في ذلك بصورة معينة، قد تصلح لعصر ولا تصلح لآخر، وتصلح لبلد ولا تصلح لغيره، فلم يشأ أن يجمدنا على حالة، بل ترك لنا السعة والحرية لنجتهد لأنفسنا ونقتبس ـ إن شئنا ـ من غيرنا.


متى تفصل النصوص في التشريع؟
وفي بعض المجالات يفصل التشريع الإسلامي، وذلك حيث يكون الثبات هو الأصل، والتغير لا يحدث إلا قليلا، كما في شؤون الأسرة والمواريث وما يسمونه اليوم (الأحوال الشخصية).
حتى إن القرآن ليفصل في هذه الأمور ما يفصل في غيرها، حتى لا يضل الناس، وتلتبس عليهم الدروب، كما قال تعالى في هذه آخر آية من سورة النساء، وهي متعلقة بالميراث: (يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم)، أي كراهية أن تضلوا فتهلكوا. 


من رحمة الله: 
أن ما فصله الإسلام من الأحكام نوعان: نوع فصله بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، وهذا قليل، ولكنه في غاية الأهمية، لأنه هو يجمع الأمة على كلمة واحدة، ويجسد وحدتها العملية والسلوكية، بجوار الوحدة العقدية والوجدانية.
ونوع فصله بنصوص ظنية الثبوت أو الدلالة أو ظنيتهما معا، وهذا معظم أحكام الشرع، ففيها مجال لتعدد الأفهام، وتعدد المشارب والاجتهادات.


من أهداف التشريع في الإسلام:
وللتشريع في الإسلام أهداف سامية، ومقاصد عليا، يحرص الشارع الحكيم على تحقيقها في حياة الناس، وهذا يدلنا على أن أحكام الشرع معللة ومفهومة ومربوطة بمصالح الخلق، وهذا متفق عليه بين المسلمين كافة، إلا فئة قليلة من أهل الظاهر ومن سلك سبيلهم.
والدليل على هذا آيات لا تحصى من كتاب الله، وأحاديث لا تحصى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلها تعلل الأوامر والنواهي والأحكام، حتى العبادات نفسها، فالصلاة (تنهى عن الفحشاء والمنكر)، والزكاة تؤخذ من أصحاب المال (تطهرهم وتزكيهم بها)، والصيام كتب على الذين آمنوا (لعلكم تتقون)، والحج قد أذنوا به (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات)، وهذا ـ وغيره كثير ـ يدلنا على أن للشرع حكما ومقاصد فيما شرع يجب أن يبحث عنها، وأن تراعى. 


ومن هذه المقاصد:
1- أن تقوم المعاملات بين الناس على أساس العدل، الذي قامت به السموات والأرض، فلا تجيز لغني ضد فقير، ولا محاباة لقوي على ضعيف، ولا يفضل عربي على عجمي، ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى، وهذا العدل هو هدف الرسالات السماوية جميعا، كما قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).
2- أن يقوم الإخاء بين الناس، وتمتد جسور الثقة والتفاهم، وتزول أسباب التخاصم والنزاع، وذلك بتحديد الحقوق والواجبات، وتوضيح أركان وشروط المعاملات، ومنع الظلم والغرر والجهالات، وبذلك يعطي كل ذي حق حقه، فتطمئن الأنفس، وتصان الحرمات والدماء والأعراض والأموال، ويستقر التعامل على أساس مكين.
3- المحافظة على مصالح الخلق، بمراتبها الثلاث: الضرورية ـ التي لا يعيش الإنسان بدونها ـ والحاجية ـ التي بدونها يكون الإنسان في حرج وضيق ـ والتحسينية ـ التي بها تكتمل حياة الإنسان وتترفه وتمضي على أفضل المسالك، وأحسن العادات والأحوال.
4- أن يفرغ الناس ـ بعد أن يطمئنوا في معاملاتهم ومبادلاتهم، وسائر علاقاتهم المادية والبشرية ـ لأداء رسالتهم على الأرض: عبادة الله تعالى، وعمارة لأرضه، وقياما بخلافته فيها، ودعوة للعالم إلى رسالته التي جعلها رحمة للعالمين، وهي رسالة غايتها: الحق والخير ومكارم الأخلاق، وسبيلها: الإيمان وعمل الصالحات، والتواصي بالحق وبالصبر. 
وبهذا ينجو الإنسان ـ فردا ومجتمعا ـ من خسران الدنيا والآخرة. وهذا ما لخصته سورة العصر من كتاب الله في هذه الكلمات الموجزة: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).


مكانة الحدود في التشريع:
وأحب أن أبين هنا أمرين مهمين:
أولهما: 
أن الجانب التشريعي أو القانوني ليس هو كل الإسلام ولا جله، كما يتصور بعض الناس أو يصورون، فالإسلام عقيدة تلائم الفطرة، وعبادة تغذي الروح، وخلق تزكو به النفس، وأدب تجمل به الحياة، وعمل ينفع الناس، ويمكث في الأرض ودعوة لهداية العالم إلى الله، وجهاد في سبيل الحق والخير، وتواص بالصبر والمرحمة. كما أنه ـ في الوقت نفسه ـ تشريع يضبط سير الحياة، وينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه، وعلاقته بدولته، وعلاقة دولته به، وعلاقتها بالدول الأخرى مسالمة ومحاربة، إن الإسلام توجيه وتربية وتكوين للفرد الصالح، وللمجتمع الصالح، قبل أن يكون قانونا وتشريعا.


والأمر الثاني: 
أن الحدود والقصاص والعقوبات جزء محدود في التشريع الإسلامي الواسع، وآيات الحدود والقصاص في القرآن لا تتجاوز عشر آيات من نحو ستة آلاف آية أو تزيد، كما هو معلوم.
ثم إن العقاب للمنحرفين من الناس، وهؤلاء ليسوا هم الأكثرين، وليسوا هم القاعدة، بل هم الشواذ عن القاعدة، والإسلام لم يجئ لعلاج المنحرفين أساسا، بل لتوجيه الأسوياء ووقايتهم أن ينحرفوا، والعقوبة ليست هي العامل الأكبر في معالجة الجريمة في نظر الإسلام، بل الوقاية منها بمنع أسبابها هو العامل الأكبر، فالوقاية دائما خير من العلاج.


مكانة الحد في جريمة الزنا:
فإذا نظرنا إلى جريمة كالزنا نجد أن القرآن الكريم ذكر في شأن عقوبة الحد فيها آية واحدة في مطلع سورة النور، وهي قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).
ولكن السورة نفسها اشتملت على عشرات الآيات الأخرى التي توجه إلى الوقاية من الجريمة، وحسبنا قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة)، وقوله سبحانه في تنظيم التزاور وآدابه، واحترام البيوت ورعاية حرماتها: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خيرٌ لكم لعلكم تذكرون).
ويدخل فيها آداب الاستئذان للخدم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم).
وأهم من ذلك تربية المؤمنين والمؤمنات على خلق العفاف والإحصان، بغض البصر وحفظ الفرج، وذلك في قوله جل شأنه: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن..)
وهنا برز عنصر جديد في الوقاية من الزنا وجرائم الجنس، وهو منع النساء من الظهور بمظهر الإغراء والفتنة للرجال، وإثارة غرائزهم وأخيلتهم، حتى جاء في الآية الكريمة قوله تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) ثم تختم الآية بقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون).
وأهم من ذلك كله الأمر بتزويج الأيامى من الرجال والنساء ومخاطبة المجتمع كله بذلك، باعتباره مسئولا مسئولية تضامنية: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم)
ومسئولية المجتمع هنا ـ وعلى رأسه الحكام ـ تتمثل في تيسير أسباب الارتباط الحلال، إلى جوار سد أبواب الحرام، وذلك بإزاحة العوائق المادية والاجتماعية أمام راغبي الزواج، من غلاء المهور، والإسراف في الهدايا والدعوات والولائم والتأثيث، وما يتصل بذلك من شئون..
فليست إقامة الحد هنا هي التي تحل المشكلة، والواقع أن الحد هنا لا يمكن أن يقام بشروط الشرعية إلا في حالة الإقرار في مجلس القضاء، أربع مرات على ما يراه عدد من الأئمة، أو شهادة أربعة شهود عدول برؤية الجريمة رؤية مباشرة أثناء وقوعها، ومن الصعب أن يتاح ذلك، فكأن القصد هنا هو منع المجاهرة بالجريمة، أما من ابتلى بها مستترا فلا يقع تحت طائلة العقاب الدنيوي. وأمره في الآخرة إلى الله سبحانه.
ولهذا نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وحدودها، موقنين أن القوانين والعقوبات وحدها لا تصنع المجتمعات، ولا تبنى الأمم، إنما تبنى الأمم وتصنع المجتمعات بالإيمان الصادق والخلق الفاضل، والتوجيه الرشيد، والتربية المستمرة، يسندها تشريع عادل، وقانون محكم، لا يفرق بين سيد ومسود.


مكانة الحد في جريمة السرقة:
وإذا نظرنا إلى جريمة أخرى مثل السرقة، نجد أن القرآن الكريم تحدث عن عقوبتها في آيتين فقط من سورة المائدة، وهما قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم، فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم).
وهذه الآية التي أوجبت قطع يد السارق، إنما نزلت في سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل من القرآن، أي بعد أن توطدت أركان المجتمع الإسلامي الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهو مجتمع يقول على العدل والتكافل والأخوة، وأهله كالأسرة الواحدة، بل كالجسد الواحد، أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، يأخذ قويه بيد ضعيفه، ويصب غنيه على فقيره، ويتكافل أهله في سرائهم وضرائهم. 
فليس بمؤمن فيه مَن بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع، وليس بمسلم مَن يستأثر بالخير دون أخيه، الغني فيه مستخلف في ماله، بل في مال الله عنده، وفي ماله حق معلوم للسائل والمحروم، والزكاة فريضة دينية مالية اجتماعية، تؤخذ من أغنياء المجتمع لترد على فقرائه، هي الركن الثالث من أركان الإسلام، من لم يدفعها طوعا أخذت منه كرها، ومن أبى وكان ذا شوكة أعلنت عليه الحرب حتى يؤديها، ولو كانت عناقا أو عقال بعير، كما فعل الخليفة الأول أبو بكر، الذي أعلن الحرب لانتزاع حقوق الفقراء من براثن الأغنياء.
والزكاة هي أول الحقوق في المال وليست آخرها، ومن كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له، لقد نزلت قبل آية حد السرقة عشرات الآيات، بل مئاتها، تأمر بإيتاء الزكاة، وتحض على طعام المسكين، وتدعو إلى الإنفاق في سبيل الله، وتحث على إقامة العدل والقسط بين الناس، وتنهى عن الظلم في كل عصوره وأشكاله، وتحذر من مصاير الظالمين في الدنيا والآخرة.
ولهذا لا يتصور في ظل "التطبيق الإسلامي" الصحيح أن تقطع يد السارق في مجتمع لا يجد العاطل فيه عملا، ولا الجائع خبزا، ولا العريان كساء، ولا المريض علاجا، ولا الأمي مدرسة يتعلم فيها، في حين تلعب فئة قليلة منه بالملايين من الجنيهات أو الدنانير أو الريالات تنثرها يمينا وشمالا، إلا على الفقراء والمتعبين!
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21088
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام   20/05/15, 12:14 am

من خصائص التشريع في الإسلام الشمول:
من خصائص التشريع في الإسلام أنه تشريع شامل كذلك، إنه لا يشرع للفرد دون الأسرة، ولا للأسرة دون المجتمع، ولا للمجتمع منعزلا عن غيره من المجتمعات في الأمة المسلمة، ولا للأمة معزولة عن غيرها من أمم الأرض، كتابية كانت أو وثنية، إن تشريع الإسلام يشمل التشريع للفرد في تعبده وصلته بربه، وهذا ما يفصله قسم "العبادات" في الفقه الإسلامي، وهو ما لا يجد في التشريعات الوضعية.
ويشمل التشريع للفرد في سلوكه الخاص والعام، وهذا يشمل ما يسمى "الحلال والحرام" أو الحظر والإباحة، ويشمل التشريع ما يتعلق بأحوال الأسرة من زواج وطلاق ونفقات، ورضاع، وميراث، وولاية على النفس والمال ونحوها، وهذا يشمل ما يسمى في عصرنا "الأحوال الشخصية".


ويشمل التشريع للمجتمع في علاقاته المدنية والتجارية:
وما يتصل بتبادل الأموال والمنافع، بعوض أو بغير عوض، من البيوع والإجارات، والقروض، والمداينات، والرهن، والحوالة، والكفالة، والضمان وغيرها، مما تضمنته في عصرنا القوانين المدنية والتجارية.


ويشمل التشريع ما يتصل بالجرائم وعقوبتها المقدرة شرعاً كالحدود والقصاص:
 والمتروكة لتقدير أهل الشأن كالتعازير، وهذا يشمل ما يسمى الآن بـ "التشريع الجنائي" أو "الجزائي" وقوانين العقوبات.


ويشمل التشريع الإسلامي ما يتعلق بواجب الحكومة نحو المحكومين، وواجب المحكومين نحو الحكام:
وتنظيم الصلة بين الطرفين، مما عنيت به كتب السياسة الشرعية والخراج والأموال، والأحكام السلطانية في الفقه الإسلامي، وتضمنه في عصرنا "التشريع الدستوري" أو "الإداري" و"المالي"، ويشمل التشريع الإسلامي ما ينظم العلاقات الدولية في السلم والحرب بين المسلمين وغيرهم، مما عنيت به كتب "السير" أو "الجهاد" في فقهنا الإسلامي، وما ينظمه في عصرنا "القانون الدولي".
ومن هنا لا توجد ناحية من نواحي الحياة إلا دخل فيها التشريع الإسلامي آمراً أو ناهياً، أو مخبراً، وحسبنا أن أطول آية نزلت في كتاب الله تعالى، نزلت في تنظيم شأن من الشؤون المدنية، وهو المدانية، وكتابة الدين.


ويبدو شمول التشريع الإسلامي في أمر آخر، أو بعد آخر:
وهو النفاذ إلى أعماق المشكلات المختلفة، وما يؤثر فيها، وما يتأثر بها، والنظر إليها نظرة محيطة مستوعبة، مبنية على معرفة النفس الإنسانية، وحقيقة دوافعها وتطلعاتها وأشواقها، ومعرفة الحياة البشرية وتنوع احتياجاتها وتقلباتها، وربط التشريع بالقيم الدينية والأخلاقية، بحيث يكون التشريع في خدمتها وحمايتها، ولا يكون معولا لهدمها.
ومن عرف هذا جيداً، استطاع أن يفهم موقف التشريع الإسلامي وروعته من قضايا كثيرة، كالطلاق وتعدد الزوجات، والميراث، والربا، والحدود، والقصاص، وغيرها. مما أثبتت الدراسات المقارنة، وأثبت الاستقراء التاريخي والواقعي فضل الإسلام فيه، وتفوقه على كل تشريع سابق أو لاحق.
إن عيب البشر الذي هو من لوازم ذواتهم المحدودة أنهم ينظرون إلى الأمور والأشياء من جانب واحد، غافلين عن جانب أو أكثر من جوانبها الأخرى. والحقيقة أنهم لا ذنب لهم في هذا القصور ولا حيلة، لأن النظرة المحيطة الشاملة، التي تستوعب الشيء من جميع جوانبه، وتعرف كل احتياجاته، وتدارك كل احتمالاته وتوقعاته، لا يقدر عليها إلا رب البشر وخالق الكون: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

واقعية التشريع الإسلامي:
ومن خصائص التشريع في الإسلام: 
الواقعية، فهو لم يغفل الواقع في كل ما أحل وما حرم، ولم يهمل هذا الواقع في كل ما وضع من أنظمة وقوانين للفرد، وللأسرة، وللمجتمع، وللدولة، وللإنسانية.


في التحليل والتحريم:
فمن مظاهر هذه الواقعية في مجال الحلال والحرام، وهو ما يتعلق غالباً بشؤون الفرد، رجلاً أو امرأة:


1- أن شريعة الإسلام: 
لم تحرم شيئا يحتاج إليه الإنسان في واقع حياته، كما لم تبح له شيئا يضره في الواقع.
ومن ثم أنكر القرآن تحريم الزينة والطيبات، معلنا إباحتها لبني الإنسان جميعا بشرط القصد، والاعتدال، وعدم الإسراف في استعمالها: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)؟


2- وراعت الشريعة: 
فطرة البشر في الميل إلى اللهو والترويح عن النفس، فرخصت في أنواع من اللهو كالسباق وألعاب الفروسية وغيرها، إذا لم تقترن بقمار ولا بحرام، ولا تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وخصوصاً في المناسبات السارة، كالأعراس والأعياد. 
وقد غنت جاريتان عند عائشة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد"، وقال يومئذ: " لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة… وأني بعثت بحنيفية سمحة"!، وأذن للحبشة أن يلعبوا في مسجده بالحراب، وسمح لزوجته عائشة أن تنظر إليهم حتى اكتفت.
وقد راعت الشريعة فطرة المرأة وواقعها في حب الزينة، وعمق الرغبة في التجمل، فأباحت لها بعض ما حرمت على الرجال كالتحلي بالذهب ولبس الحرير.


3- ومن واقعية الشريعة: 
أنها قدرت الضرورات ـ التي تعرض الإنسان وتضغط عليه ـ حق قدرها، فرخصت في تناول المحرمات على قدر ما توجب الضرورة. وقرر فقهاء الشريعة: أن الضرورات تبيح المحظورات، استناداً إلى ما جاء في القرآن عند ذكر الأطعمة المحرمة من مثل قوله تعالى: (إنما حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم).


4- ومن واقعية الشريعة:
أنها عرفت ضعف الإنسان أمام كثير من المحرمات، فسدت الباب إليها بالكلية، ولهذا حرمت قليلها وكثيرها، كما في الخمر، لأن القليل يجر الكثير، كما أنها عدت ما يوصل إلى الحرام حراما، سدا للذريعة، وإقرارا بواقع الكثير من البشر، الذين لا يملكون أنفسهم إذا فتح لهم طريق إلى الحرام. 


ومن هنا كان تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، إغلاقا لباب قد تهب منه رياح الشر، فلا يستطاع صدها، ومثل ذلك النظر بشهوة إلى الجنس الآخر، فإن العين رسول القلب، والنظرة المشتهية بريد الفتنة، وقديما قال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر      ومعظم النار من مستصغر الشرر


وحديثا، قال شوقي:
نظرة، فابتسامة، فسلام فكلام، فموعد، فلقاء!


في تشريعات الزواج والأسرة:
5- ومن واقعية الشريعة الإسلامية:
أنها راعت قوة الدوافع الجنسية لدى الإنسان فلم تطرحها دبر الأذن، ولم تنظر إليها باستخفاف، ولا باستقذار، كما فعلت بعض الملل والنحل، ولم ترض للإنسان أن يقاد من غرائزه وحدها، كما فعلت بعض الفلسفات... فشرعت إشباع الدافع الجنسي بطريقة نظيفة، تضمن بقاء الإنسان، وكرامة الإنسان، وارتفاع الإنسان عن الحيوان، وذلك بشرعية "نظام الزواج"، وقد أشار القرآن إلى ذلك بعد ما ذكر ما حرم الله من النساء، وما أحله وراء ذلك بشرطه، ثم قال: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم، والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا)، فالمفهوم من وصف الإنسان بالضعف في هذا المقام: ضعفه أمام الغريزة الجنسية.


6- وانطلاقا من هذه النظرة الواقعية للحياة والإنسان: 
كانت إباحة تعدد الزوجات كما شرعه الإسلام.


شرعية الحدود والقصاص والتعزير:
7- ومن واقعية الشريعة:
أنها عملت بكل قوة على تطهير المجتمع من أسباب الجريمة، وتربية الأفراد على حياة الاستقامة، ولكنها مع هذا لم تكتف بالوازع الأخلاقي، وإن حرصت عليه كل الحرص، ولم تقتصر على التربية وحدها، وإن كانت تراها فريضة وضرورة دينية واجتماعية، ولكن في الناس من لا يرتدع إلا بعقوبة زاجرة، ولا تكفيه الموعظة الحسنة، ولا التوجيه الرشيد، ولهذا كان لا بد من سوط السلطان، بجوار صوت القرآن، حتى جاء عن عثمان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن!


ومن هنا أوجبت الشريعة العقوبات من الحدود والقصاص والتعازير:
ولم تذهب إلى ما يذهب إليه الخياليون من الناس الذين ينادون بإلغاء عقوبة الإعدام إشفاقا على القاتل المسكين!! دون أن ينظروا إلى مصيبة المقتول وأهله، وما جر عليهم من ويلات وأحزان، ثم إلى أمن المجتمع كله من ناحية أخرى!! 
أو الذين يعطلون (حد السرقة) بزعم الرحمة بالمجرم (السارق) الذي لم يرحم نفسه ولا غيره، حيث انتهك الحرمات، وسطا على الأموال، وهدد أمن الجماعة، ولم يبال ـ في سبيل تحقيق مآربه، والحرص على الإفلات من قبضة العدالة ـ أن يسفك دم البرآء وأن يقتل النساء والأطفال!


يقول تعالى في شأن القصاص: 
(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).


وفي شأن السرقة: 
(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم).


التيسير ورفع الحرج:
ومن خصائص التشريع في الإسلام: التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. وهذا التيسير روح يسري في جسم الشريعة كلها، كما تسري العصارة في أغصان الشجرة الحية، وهذا التيسير مبني على رعاية ضعف الإنسان، وكثرة أعبائه، وتعدد مشاغله، وضغط الحياة ومتطلباتها عليه، وشارع هذا الدين رؤوف رحيم، لا يريد بعباده عنتا ولا رهقا، إنما يريد لهم الخير والسعادة وصلاح الحال والمآل. في المعاش والمعاد.


كما أن هذا الدين لم يجئ لطبقة خاصة، أو لإقليم محدود، أو لعصر معين:
بل جاء عاما لكل الناس، في كل الأرض، وفي كل الأزمان والأجيال، وإن نظاما يتسم بهذا التعميم وهذه السعة، لا بد أن يتجه إلى التيسير والتخفيف، ليتسع لكل الناس، وإن اختلف بهم المكان والزمان والحال، وهذا ما يحسه يلمسه كل من عرف هذا الدين.
فالقرآن ميسر للذكر، والعقيدة ميسرة للفهم، كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ والتطبيق، ليس فيها تكليف واحد يتجاوز طاقة المكلفين، كيف وقد أعلن القرآن هذه الحقيقة في أكثر من آية، فقال: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، (لا تكلف نفس إلا وسعها)، (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها)، كما علم المؤمنين أن يدعوا ربهم فيقولون: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وقد ورد في الصحيح: أن الله استجاب لهم.


وقد نفي القرآن كل حرج عن هذه الشريعة:
كما نفي عنها العنت والعسر، وأثبت لها التخفيف واليسر. قال تعالى وهو يحدثنا عن رخص الصيام، من الفطر للمريض والمسافر: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).


وجاءت الأحاديث النبوية تؤكد هذا الاتجاه القرآني إلى التيسير نقرأ فيها: 
"بعثت بحنيفية سمحة"، "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".


وقد كانت سمة الرسول المميزة له في كتب أهل الكتاب هي سمة الميسر:
ورافع الآصار، والأغلال التي أرهقت أهل الأديان السابقة، كما قال تعالى: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).


ومن أدعية القرآن التي علمها للمؤمنين: 
(ربنا ولا تحمل عليا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا)، ولا غرو أن شرع الإسلام الرخص عند وجود أسبابها، وذلك كالترخيص في التيمم لمن خاف التضرر باستعمال الماء لجرح أو لبرد شديد، ونحو ذلك، لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
وكذلك الترخيص في الصلاة قاعدا لمن تضرر الصلاة قائماً، والصلاة بالإيماء مضطجعا، أو مستلقيا لمن تؤذيه الصلاة قاعداً، ومثل ذلك الترخيص في الإفطار للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، وكذلك لمن كان مريضا أو على سفر، ومثله الترخيص للمسافر في القصر والجمع في الصلاة.


وجاء في الحديث النبوي الشريف: 
"إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تؤتى معصيته"، وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على مَن شدد على نفسه، وصام في السفر، مع شعوره بشدة المشقة، وحاجته إلى الفطر، فقال في مثله: "ليس من البر الصيام في السفر".
ومن هنا أصبح من القواعد الفقهية الأساسية المقررة لدى المذاهب الإسلامية كافة، هذه القاعدة الجليلة: "المشقة تجلب التيسير"، وهي أصل له فروع كثيرة وفيرة في شتى أبواب الفقه، وقد ذكرها العلامة ابن نجيم الحنفي، تفريعا على هذه القاعدة، أو تأكيدا لها، لا يتسع المجال هنا لإثباتها، فليرجع إليها من شاء التوسع والتفصيل.
وهناك أشياء متعددة اعتبرتها الشريعة من أسباب التيسير والتخفيف، منها: المرض، والسفر، والإكراه، والخطأ والنسيان، وعموم البلوى، ولكل منها أحكام فصلتها كتب الشريعة.


مراعاة سنة التدرج:
ومن تيسير الإسلام على البشر: 
أنه راعى معهم سنة التدرج فيما يشرعه لهم، إيجاباً أو تحريماً، فتجده حين فرض الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة، فرضها على مراحل ودرجات حتى انتهت إلى الصور الأخيرة، فالصلاة فرضت أول ما فرضت ركعتين ركعتين، ثم أقرت في السفر على هذا العدد، وزيدت في الحضر إلى أربع، أعني الظهر والعصر والعشاء.


والصيام فرض أولا على التخيير:
من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى، أي: أطعم مسكينا عن كل يوم يفطره، كما روى ذلك البخارى عن سلمة بن الأكوع، تفسيرا لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون)، ثم أصبح الصيام فرضا لازما لكل صحيح مقيم لا عذر له: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).


والزكاة فرضت أولا بمكة:
مطلقة غير محددة ولا مقيدة بنصاب ومقادير وحول، بل تركت لضمائر المؤمنين، وحاجات الجماعة والأفراد، حتى فرضت الزكاة ذات النصب والمقادير في المدينة.


والمحرمات كذلك، لم يأت تحريمها دفعة واحدة:
فقد علم الله سبحانه مدى سلطانها على الأنفس، وتغلغلها في الحياة الفردية والاجتماعية، فليس من الحكمة فطام الناس عنها بأمر مباشر يصدر لهم، إنما الحكمة إعدادهم نفسيا وذهنيا لتقبلها، وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها، حتى إذا جاء الأمر الحاسم كانوا سراعا إلى تنفيذه قائلين: سمعنا وأطعنا.


ولعل أوضح مثل معروف في ذلك هو:
تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي، حتى إذا نزلت الآيات الحاسمة في النهي عنها من سورة المائدة، وفي ختامها: (فهل أنتم منتهون)؟، قال المؤمنون في قوة وتصميم: قد انتهينا يا رب.
ولعل رعاية الإسلام للتدرج، هي التي جعلته يبقى على نظام "الرق"، الذي كان نظاما سائدا في العالم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يؤدي إلى زلزلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكمة في تضييق روافده بل ردمها كلها ما وجد إلى ذلك سبيل، وتوسع مصارفه إلى أقصى حد، فيكون ذلك بمثابة إلغاء الرق بطريق التدرج.


وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج، ينبغي أن تتبع في سياسة الناس:
وعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة، واستئناف حياة إسلامية متكاملة، فإذا أردنا أن نقيم (مجتمعا إسلاميا حقيقيا) فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية، والأخلاقية والاجتماعية.
وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم، لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عاما في مكة، كانت مهمته فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن الذي يستطيع فيما بعد أن يحمل عبء الدعوة، وتكاليف الجهاد لحمايتها ونشرها في الآفاق.
ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع وتقنين، بل مرحلة تربية وتكوين، وكان القرآن نفسه فيها يعني ـ قبل كل شيء ـ، بتصحيح العقيدة وتثبيتها، ومد أشعتها في النفس والحياة، أخلاقا وأعمالا صالحة، قبل أن يعنى بالتشريعات والتفصيلات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الباب الثاني: مقـــومـــــات الإســــــلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: مدخل لمعرفة الإسلام :: الباب الثاني-
انتقل الى: