منتدى إنما المؤمنون إخوة The Blievers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي والمحبة الدائمة بيننا إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

أغــــــــنى فقـــــــــر

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أغــــــــنى فقـــــــــر

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 27/05/14, 12:12 am

أغــــــــنى فقـــــــــر
إعداد: ثريا بنت إبراهيم السيف
غفر الله لها ولوالديها ولجميع المسلمين..
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى فهو أهل الحمد والثناء الذي أغنى وأقنى ومنع وأعطى وصلى الله وسلم على نبيه المصطفى وأله وصحبه ومن أجتبى.
وبعد فقد قرأت هذه الرسالة التي ألفتها الأخت ثُريا بنت إبراهيم السيف وتتضمن الحث على الزهد في الدنيا والاستعداد للدار الآخرة وإظهار الفقر والفاقة إلى الله تعالى والحث على الأعمال الصالحة التي هي التجارة الرابحة وقد أحسنت فيما كتبت واختارت النقول المفيدة والجُمل الجميلة ودعت إلى الاستكثار من العمل الصالح الذي هو وسيلة إلى النجاة في الآخرة أثاب الله الأخت على انتقائها ونفع بهذه الرسالة والله اعلم وصلى الله على محمد وأله وصحبه وسلم.
20/9/1426هـ
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
عضو إفتاء متقاعد
بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة
الحمد لله الغني الحميد .. والصلاة والسلام على من أنزل عليه الكتاب المجيد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن العبد محتاج في كل أحواله إلى غيره ولا يستطع العيش بلا معين.. وتتفاوت مكانة من يحتاج إليه، فقد يلجأ إلى نظيره من المخلوقات، وإن كان موفقاً لجأ إلى رب هذه المخلوقات وخالقها ومصرفها ومالكها سبحانه، وإذا افتقر إلى الله اغتنى! بل أصاب أغنى الغنى!
وشتان بين من يلوذ ويفتقر إلى القائل في كتابه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاء} [آل عمران: 26].
وبين من يريق ماء وجهه باللجوء، إلى الخلق المحاويج المساكين الذين لا يملكون قطميراً، ولا يملكون لأنفسهم صرفا ولا عدلا فكيف لغيرهم؟! !
*قال ابن القيم:
 «والمراد بالفقر شيء أخص من ذلك كله، وهو تحقيق العبودية والافتقار إلى الله في كل حالة»
ومن هنا تكمن أهمية هذا الموضوع حيث الفقر لله والتعلق به وتفويض الأمور إليه هو لب العبودية، لا سيما أننا في زمن الإعجاب بالجمادات والتعلق بحطام الدنيا أو الاتكال على النفس ثم العجب فيها والإدلاء على المتفضل المنعم!! فيسقط العبد من عين الله ويملك - عياذاً بالله - ويصبح فقير النفس وان كان غنياً بالمال !! مشتت الهم، مفرق الشمل!! وقد صدق -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس».
والغنى نوعان:
‏غنى بالله، وغنى عن غير الله. والسعيد حقّاً من زهد في الدنيا وما فيها، ورغب في الله والدار الآخرة، والآخرة خير وأبقى.
‏والله أعلم وأحكم ...
الهدى النبوي في تعليق النفوس بالله:
‏لقد كان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حريصاً كل الحرص على أن يربي نفوس أصحابه من خلال مواقفه ومواعظه وانتهازه الفرص لتوجيههم؛ وقد استطاع -صلى الله عليه وسلم- أن يطهرهم من حظوظ النفس وأهوائها؛ ويلين قلوبهم؛ ويجعلها تتعلق ‏بالآخرة؛ ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما رواه أنس بن مالك t : أن ناساً قالوا لرسول -صلى الله عليه وسلم- حين أفاء الله على ‏رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل؛ فقالوا: يغفر الله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يعطي قريشاً ويدعنا؛ وسيوفنا تقطر من دمائهم !!. 
‏سبحان الله! موقف عجيب استثار بعض الأنصار- ‏رضي الله عنهم - وكاد يذهب ببعضهم مذهباً بعيداً؛ لكن لننظر إلى موعظة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم؛ وكيف أنه هذب نفوسهم؛ وطهرها من علائق الدنيا؛ مواعظ يسيرات؛ لكنها تجاوزت ‏الآذان لتستقر في القلوب!
‏قال أنس -رضي الله عنه-: فحُدّث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمقالتهم؛ فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم؛ ولم يدع معهم أحداً غيرهم؛ فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما كان حديثٌ بلغني عنكم»؛ فقال فقهاؤهم: أما ‏ذووا آرائنا يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حدية أسنانهم؛ فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ يعطي ‏قريشاً ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني لأعطي رجالاً حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله -صلى الله عليه وسلم-! فوالله إن ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» قالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا فقال لهم: «إنكم سترون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض»[خرجه البخاري].
‏إن هذه الموعظة البليغة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، تهذب النفوس وتروض كبرياءها، وهي تدفع المرء إلى الافتقار إلى الله وحده وتعلي همته في الترفع عن لعاعة الدنيا، وتعلق ‏القلوب بما عند الله.. فما عند الله خير وأبقى في الدنيا والآخرة.
إن القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئة بالأدلة والآيات التي تدفع القلوب إلى الانكسار والافتقار لخالقها الذي يده ملكوت السماوات والأرض.. وهذا الأمر من الموضوعات المهمة.
والذي غفل عنه الكثيرون مع مسيس الحاجة إليه بل إن ‏الافتقار إلى الله وسؤاله وحده هو أصل العبودية والتوحيد.
‏قال تعالى:
 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ واللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} [ فاطر: 15]
تعريف الفقر إلى الله:
‏ ‏والافتقار إلى الله عرفه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: حقيقة الفقر: أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثم ملك ‏واستغناء مناف للفقر). ثم قال: (الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعال من كل وجه).أ.هـ.
‏فالافتقار إلى الله تعالى أن يجرد العبد قلبه من كل حظوظها وأهوائها، ويقبل بكليته إلى ربه - عزَّ وجلَّ - متذللاً ‏بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته.
قال تعالى:
 {قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [ الأنعام: 162-163].
‏قال يحيى بن معاذ:
 (النسك هو العناية بالسرائر، وإخراج ما سوى الله عزَّ وجلَّ من القلب).
‏والمتأمل في جميع أنوع العبادة القلبية (توكل، خوف، رجاء، صبر، محبة، تعظيم، رضا، شكر).
والعملية (صلاة، صيام، حج) يرى أن الافتقار فيها إلى الله هي الصفة الجامعة لها.
‏فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبنا أن نتأمل في (الصلاة) ‏أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في مكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع ‏سجوده، يفتتحها بالتكبير (الله أكبر) وفي ذلك دلالة جلية على تعظيم الله وحده والافتقار إليه وترك ما سواه، من الأحوال والديار والمناصب؟
وأرفع مقامات الذلة والافتقار ‏أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفر جبهته بالتراب مستجيرًا بالله منيبا إليه، ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله تعالى، وكان السجود مكان السؤال.
قال -صلى الله عليه وسلم-: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب عزَّ وجلَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم» [أخرجه مسلم في كتابه الصلاة] .
‏ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي» [أخرجه مسلم في كتاب ‏صلاة المسافرين وقصرها].
‏ * قال الحافظ ابن رجب:
(إشارة إلى أن خشوعه في ركوعه قد حصل لجميع جوارحه، ومن أعظمها القلب الذي هو ملك الجوارح كلها والأعضاء فإذا خشع خشعت الجوارح والأعضاء كلها؛ تبعاً له ولخشوعه) ثم قال: (ومن تمام خشوع العبد لله - عزَّ وجلَّ - وتواضعه في ركوعه وسجده، أنه إذا ذل لربه بالركوع والسجود، وصف ربه حينئذ بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول ( الذل والتواضع وصفي، والعلو والكبرياء وصفك) الخشوع في الصلاة لابن رجب.
‏إذ هذه المنزلة الجليلة التي يصل إليها القلب هي سر ‏حياته وهي أصل لذة العبادة وهي أساس إقباله على ربه سبحانه؛ فالافتقار واستشعار حاجة العبد إلى الافتقار إلى الله ‏وحده يدفع العبد إلى ملازمة التقوى ومداومة الطاعة.
‏ويتحقق الافتقار إلى الله تعالى وتعلق القلوب به سبحانه بأمرين:
‏الأول: إدراك عظمة الخالق وجبروته:
‏فكلما كان العبد أعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه كان  ‏أعظم افتقاراً إليه وتذللاً بين يديه،  قال تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} وقال: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * ويَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * ويَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 – 109].
‏* قال الفضيل بن عياض:
(أعلم الناس بالله أخوفهم منه)، وقال (رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله ) إن من تدبر الآيات البينات والأحاديث الشريفة التي جاء فيها ذكر صفاته العلى وأسمائه الحسنى انخلع قلبه إجلالاً لربه، وتعظيماً ‏لمقامه، وهيبة لسطوته وجبروته سبحانه وتعالى.
‏قال تعالى:
{اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [ البقرة: 255].
وقال تعالى:
{وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [ الأنعام: 59-61].
قال تعالى:
{ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ الزمر: 67].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون». [ أخرجه مسلم].
‏* قال الإمام ابن القيم: (القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارةً يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال؛ فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء، وتارةً يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات والأفعال الدال على كمال الذات سبحانه، فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها؛ بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح عبده فارغاً إلا من محبته فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة به أبي قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء).
‏ثم قال: (وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهية تارة، وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود ‏صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودد بطاعته، واللهج بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه. ويوجب له شهود صفات الربوبية. التوكل والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل والخضوع والانكسار له). [الفوائد: 81-82].
‏الثاني: إدراك ضعف المخلوق وعجزه:
‏أيَّا كان هذا المخلوق وزيراً أو أميراً، أو صاحب مال أو جاه ‏أو سلطان، فمن عرف قدر هذا المخلوق وأنه مهما بلغ فهو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه صرفاً ولا عدلاً، أو نفعاً أو خيراً تصاغرت نفسه وذلت لربه، وذهب كبرياؤه، وخضعت ‏جوارحه، وعظم تعلقه بمولاه والتجاؤه إليه، وتضرعه بين يديه.
قال تعالى:
{فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ * إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا نَاصِرٍ}. [ الطارق: 5-10].
‏وقد جمح الإمام ابن القيم بين هذين الأمرين بقوله: (من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه؟ عظمت عنده مخالفته -‏معصيته- لأن مخالفة العظيم ليست كمخالفة من هو دونه، ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها؛ وفقرها الذاتي إلى مولاها الحق ‏في كل لحظة ونفس، وشدة حاجتها إليه، عظمت عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه سبحانه في كل لحظة ‏ونفس. وأيضاً فإذا عرف حقارة نفسه مع عظم قدر من خالفه؛ عظمت الجناية، فشمر في التخلص منها (الجناية والمعصية)، ويحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به (إيمانه باليوم الآخر) يكون تشميره في التخلص منها (المعصية والجناية) [مدارج السالكين].
‏إذن كلما قرب العبد من خالقه وكانت صلته به عامرة ‏سعى إلى التخلص من معصيته بالتوبة مما اقترف منها، واجتناب ما لم يقترف منها والحذر منه والبعد عن وسائله، فهو إذا أدرك عظمة خالقه، وضعف نفسه وعجزه، زاد إلحاحه في التعلق به وإدراك مسيس العوز إليه والفقر والفاقة وتعلق قلبه بربه وحده ونبذ ما سواه.
‏إذن: النتيجة الافتقار إلى الله تعالى والتعلق به، ‏وشعور العبد بفقره وحاجته إلى ربه عزَّ وجلَّ يدفعه إلى الإنابة إليه، ويتعلق قلبه بذكره وحده والثناء عليه، والتزام مرضاته، والامتثال لمحبوباته.
* قال بعض الصالحين:
(مفاوز الدنيا تقطع بالإقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب).
ولهذا نرى العبد الذي افتقر إلى ربه وإن اشتغل في دنياه وبيعه وشرائه، أو مع أهله وولده مقيماً على طاعته، مقدماً محبوباته على محبوبات نفسه وأهوائه أو ‏محبوبات أهله، لا تلهيه زخارف الدنيا عن مرضاة ربه، فهو واقف عند حدود الله.
* ثبت في الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم «رجل قلبه معلق في الساجد».
‏* قال الحافظ ابن حجر:
(إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وان كان جسده خارجا عنه) ولنلاحظ هذا التعبير البليغ «قلبه معلّق» وهذا يعني أنه دائم الصلة بالله تعالى ودائم الاستحضار لأوامره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصرفه عنه صارف، ولهذا قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ (36) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وإقَامِ الصَلاةِ وإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ} [ النور 36-37].
‏وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكون في مهنة أهله –يعني خدمة أهله– فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
‏إن المؤمن إذا قدم مرضاة الله ومحابه على عاب النفس والناس اجتمع قلبه والتم شمله عليه سبحانه، وأصبح صافي العبودية، عامر السر بينه وبين الله خالص الود والمحبة، فيصبح ويمسي لا هم له غير ربه ولا محبة في قلبه إلا محبته سبحانه، وتصير كل محبة أخرى تبعاً لمحبته سبحانه.. فيكفيه الله عزَّ وجلَّ هم الدنيا والآخرة ويجمع عليه شمله، وتأتيه الدنيا وهي راغمة.. والجزاء من جنس العمل.
‏كما أن من افتقر إلى ربه وجد لذة في طاعته لا تدانيها لذة: (فأوامر المحبوب قرة العيون، وسرور القلوب، ونعيم الأرواح، ولذات النفوس، وبها كمال النعيم، فقرة عين المحب في الصلاة والحج، وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك، وفي الصيام والذكر والتلاوة، وأما الصدقة فعجب من العجب.
وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ‏والصبر على أعداء الله سبحانه وتعالى؛ فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف، ولا يدركه من ليس له نصيب منه وكل من كان ‏به أقوم كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم) [طريق الهجرتين].
‏وأعظم الناس ضلالاً وخسراناً من افتقر إلى غير الله تعالى، وكلما زاد افتقاره إلى غير الله سبحانه ازداد ضلالة وخسارًا ولهذا ركون العبد إلى الدنيا أو شيء من زخرفها آية ‏وعلامة من آيات العبودية لها، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [ الجاثية: 23] (سمى الهوى إلهاً لشدة تعلقه به).
قال -صلى الله عليه وسلم-: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعُطي منها رضي، وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» [ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد] ‏ولهذا قيل إن الزهد الحقيقي ألا تملك الدنيا قلب العبد، وعندما سئل الإمام أحمد: (أيكون الرجل زاهدًا وعنده ألف ألف ‏درهم؟ قال: نعم إذا زادت لم يفرح، وإذا نقصت لم يحزن).
‏ولهذا فإن من الخذلان أن يفتقر القلب إلى غير الله، فإنه يفوته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به.. فإن ما تعلق به معرض للزوال والفوات.. ومثل المفتقر إلى غير الله كمثل المستظل من الحر والبرد بيت ‏العنكبوت أوهن البيوت.
من علامات الافتقار إلى الله:
1‏- مداومة الذكر والاستغفار:
‏إن مداومة الذكر والاستغفار آية من آيات الافتقار إلى الله تعالى، فالعبد يجتهد في إظهار فاقته وحاجته وعجزه ويمتلئ ‏قلبه مسكنة وإخباتا، ويرفع يديه تذللاً وإنابة، فهو ذاكر لله في كل شأنه، في حضره وسفره، ودخوله وخروجه، وأكله وشربه، ويقظته ونومه، بل حتى إتيانه أهله، فهو دائم الافتقار إلى عون الله تعالى وفضله لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك عن الاستعانة والالتجاء إليه.
‏فقلب العبد المؤمن عاكف على ذكر مولاه، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في كل حال من أحواله، دائم التوبة والاستغفار عن الزلل والتقصير، يجد لذته وأنسه بتلاوة ‏القرآن، ويرى راحته وسكينته بمناجاة الرحمن {الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} [ الرعد: 28].
‏وقد وصف الله أهل الإيمان بقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ الزمر: 9].
ومقتضى ذلك أنه لا يركن إلى نفسه، ولا يطمئن إلى حوله وقوته ولا يثق بماله وجاهه وصحته، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه: «اللهم لا تكلهم إلي فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليه»‏. [ أخرجه أحمد وصححه الألباني].
‏وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ‏قال: « دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، أصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» [ أخرجه أحمد وحسنه الألباني].
والمتأمل أذكار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدعيته يرى عجباً في هذا ‏الأمر، ففي سيد الاستغفار تتجلى أعظم معاني العبود‏ية، وتبرز أسمى معاني الانكسار والتذلل: «اللهم أنت ربي لا ‏إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ‏[أخرجه البخاري في كتاب الدعوات].
‏إن حمد الله تعالى وشكره، والثناء عليه بما هو أهله، مع الاعتراف بالذنب والعجز؛ يعمر القلب بالنور، ويوجب لها الطمأنينة والسعادة.
٢ ‏- الوجل من عدم قبول العمل:
‏العبد المفتقر إلى ربه يقبل على الطاعات، ويتقرب إلى مولاه بأنواع القربات إلا أنه مشفق على نفسه أشد الإشفاق، يخشى أن يحرم من القبول، سئل أصحاب أبي عثمان الحيري: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمر بالتزام الطاعات، ورؤية التقصير فيها.
‏وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‏عن هذه الآية {والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ} أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [ أخرجه أحمد وصححه الألباني].
‏فعلى الرغم من حرمهم على أداء هذه ‏العبادات الجليلات فإنهم لا يركنون إلى جهدهم، ولا يدلون بها على ربهم؛ بل يزدرون أعمالهم؟ ويظهرون الافتقار التام لعفو الله ‏ورحمته، وتمتلئ قلوبهم مهابة ووجلاً، يخشون أن ترد أعمالهم، ويرفعون  أكف الضراعة ملتجئين إلى الله يسألونه أن ‏يتقبل منه.
ولتتأمل قصة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تموت، فلما جلس قال:
 ‏أبشري، فقالت: أيضًا! فقال ما بينك وبين أن تلقي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنت أحب نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى رسول الله، ولم يكن رسول الله يحب إلا طيباً، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يصبح في المنزل، وأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله عزَّ وجلَّ أن ‏تيمَّمُّوا صعيداً طيباً، فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله عزَّ وجلَّ لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء به الروح الأمين، فأصبح ليس لله مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه؛ يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار.
‏ما الظن بعائشة رضي الله عنها بعد هذا الثناء..؟!
هل ركنت إلى عملها واطمأنت على حالها..؟!
‏حاشاها رضي الله عنها بل قالت: (دعني منك يا ابن ‏عباس، والذي نفسي بيده! لوددت أني كنت نسياً منسياً) [أخرجه أحمد ورواه مختصراً في البخاري في كتاب النعي].
‏قال ابن حجر في تعليقه على قول عائشة رضي الله عنها: (وهو على عادة أهل الورع من شدة الخوف على أنفسهم). وتتأكد حقيقة الوجل من عدم قبول العمل من أهل الإيمان بأن الله عزَّ وجلَّ غني عن طاعات العباد.
‏قال تعالى:
{ومَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [ لقمان: 12].
يتبع إن شاء الله...


عدل سابقا من قبل ahmad_laban في 29/05/14, 01:31 am عدل 1 مرات



أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12295
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أغــــــــنى فقـــــــــر

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 27/05/14, 12:28 am


‏وقد جاء في الحديث القدسي قوله تعالى:
«يا عبادي، إنكم ‏لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك في ملكي شيئاً.. الحديث» [ أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة].
ثم إن قبول الأعمال إنما هو من أفضل الله ورحمته، فإذا كان سيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: «لن ينجى أحداً منكم عمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» فكيف بغيره من الناس.
وهذا أعجل الصحابة وأعلاهم منزلة أبو بكر الصديق –رضي الله عنه– يقول له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلى أ،ت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» [ أخرجه البخاري في كتاب الآذان].
إنها تربية ربانية تجعل العبد يوقن بضعفه وعجزه، ويزداد تضرعاً وافتقاراً إلى ربه عزَّ وجلَّ ولا يتعاظم في نفسه أو يعجب بجهده وعمله، وهي تدفع العبد إلى دوام الافتقار إلى ربه والتعلق به والانكسار بين يديه، وإذا كانت هذه وصيته -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وهو الذي نصر الدين وذب عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون؟!
‏وقد كان الفاروق -رضي الله عنه- يخشى النفاق على نفسه ‏وهو الذي بشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، ولا عجباً في ذلك! فإن العبد كلما ازداد عبودية وافتقاراً لربه ازداد ازدراءًا للنفس وخوفاً عليها وتعلقا بربه سبحانه وتعالى.
‏* قال الحسن البصري:
(ما خافه -يعني النفاق– إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق).
‏* قال ابن أبي مليكة:
(أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحد يقول إنه على ‏إيمان جبريل وميكائيل).
3- إن العبد لا يأمن على نفسه الفتنة:
‏فالعبد مهما بلغت منزلته لا يأمن على نفسه الفتنة ويخشى أن تجرفه رياح الأهواء والفتن ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».
‏فإمام المتقين يتضرع إلى الله عزَّ وجلَّ بهذا الدعاء افتقاراً ‏فكيف بنا ونحن الفقراء المحاويج ومن كان لا يأمن على نفسه الفتنة فهو أشد وجلاً على نفسه وأشد تعلقاً بربه وانطراحًا عند ‏بابه قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: (والله إن الرجل ليفتن في ‏ساعة واحدة فينقلب عن دينه).
‏فالحذر الحذر من الإعجاب بالطاعة والإدلاء بها على الله عزَّ وجلَّ فهذا من أعظم الأدواء والآفات التي تسقط العبد، وتجعله على شفا جرف هار من الضلال والانتكاس، ‏والعياذ بالله.
‏* قال ابن القيم: (إنك إن تبيت نائماً وتصبح نادمًا؛ خير من أن تبيت قائمًا وتصبح معجباً؛ فإن المعجب لا يصعد له عمل...) إلى أن قال: (وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلاً هو فيك ولا تشعر) أ. هـ.
٤ - تعظيم الأمر والنهي، وسرعة التوبة بعد المعصية:
تعظيم الأمر والنهي من تعظيم الله عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [ الحج: 30] {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} [ الحج: 32].
‏وما انتشرت المعاصي، وكثرت المنكرات والأهواء في ‏بلاد المسلمين إلا بسبب ضعف الإيمان، والتهاون في تعظيم أمر الله ونهيه.

‏وتعظيم الأمر والنهي يعني:
الوقوف عند حدود النصوص الشرعية، والالتزام الصادق بمقتضياتها ودلائلها، والعض عليها بالنواجذ، {ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [ الأحزاب: 36].
* قال ابن القيم: استقامة القلب بشيئين:
1) أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب.
2) تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر ‏الناهي سبحانه؛ فإن الله سبحانه ذم من لا يعظمه، ولا ‏يعظم أمره ونهيه، قال سبحانه وتعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا} [نوح: 13].
قالوا في تفسيرها:
(ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة).
ثم قال علامة تعظيم الأوامر:
(رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها والحرم على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة لها عند وجوبها ‏والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها).
ثم ذكر بعض علامات تعظيم المناهي:
1) الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها و يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب إليها - كالابتعاد عن مظان الشبهات.
2) أن يغضب لله عزَّ وجلَّ إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنًا وكسرة إذا عصي الله تعالى في أرضه، ولم ‏ يطع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك... إلخ كلامه رحمه الله.
‏فإذا أخطأ العبد الفقير إلى ربه وزل، أسرع إلى الندم ‏ورجع إلى ربه، لأن قلبه حيٌّ بالإيمان فلم يسرف على نفسه في فعل العصيان، ولم يصر على غيه، بل سرعان ما يرجع إلى ربه تائباً منيباً إليه.
قال تعالى: {والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُون} [ آل عمران: 135].
ولهذا كان السلف يتحرجون أشد ‏الحرج من الوقوع في المعاصي كبيرها وصغيرها فعن أنس ابن مالك -رضي الله عنه- قال: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إذ كنا نعدها على عهد النبي من الموبقات».
‏وها هو ذا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول: (إن ‏المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وان الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا، ‏قال أحد رواة الحديث. بيده فوق أنفه) [أخرجه البخاري].

‏قال ابن حجر في شرح هذا الأثر:
(قال ابن أبي جمرة: ‏السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه.
والحكمة في التمثيل بالجبل:
أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة.
‏وحاصله:
أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة ، ‏يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيء) [فتح الباري].
‏ومن أجمل ما قيل في حد التوبة، قول أبي حامد الغزالي:
‏(هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب).
فالتوبة تملأ القلب افتقاراً إلى الله عزَّ وجلَّ ويشعر ‏العبد بذل المسكنة والفاقة، فيلجأ إلى ربه منكسراً بين يديه، معترفاً بذنبه، باكيًا على خطيئته، مستغفراً ربه، مستجيرًا به، وقد امتدح الله المستغفرين: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [ الذرايات: 17- 18].
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: قال لقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فابتدأته، فأخذت بيده، قال: فقلت: يا رسول الله، ما ‏نجاة المؤمن؟! قال: «يا عقبة، احرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» [أخرجه أحمد وحسنه الألباني].
٥ ‏- من علامات الافتقار إلى الله -وهي من أهمها-:
‏سؤال الله وحده والاستغناء عن سؤال المخلوق:
‏وقد عده بعض العلماء أصل التوحيد، وقد خرج بعضهم بقاعدة: (أصل التوحيد سؤال الله تعالى، وأصل الشرك سؤال غير الله تعالى).
‏* يقول شيخ الإسلام:
(والرب سبحانه أكرم ما تكون ‏عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه؛ والخلق أهون ما تكون عليهم أحوج ما تكون إليهم، لأنهم كلهم‏ محتاجون في أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك بل هم جهله بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم).
‏(وكلما اعتاد العبد سؤال المخلوق فتح على نفسه باب ‏الشرك، وأغلق عنها باب التوحيد) وحسبنا بهذه القاعدة.
‏وهذه القضية خطيرة مهملة، وهي أولى ما نربي عليها ‏نفوسنا - سؤال الله وحده - وأولى ما نربي عليه أولادنا وأهلينا.
وأولى ما نربي الناس عليه.

‏والأدلة في ذلك أكثر من الحصر:
‏فإذا تتبعنا آي القرآن وجدناها تحرض على سؤال الله ‏وحده تأمر به:
‏* تارة ببيان الفضل له سبحانه: {واسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} [‏النساء: 32].
* وأخرى ببيان قربه من عباده: {وإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} [ البقرة: 186].
‏* وثالثة بوعيد من استغنى فلم يرفع حاجاته إلى الله تعالى، واستكبر عن سؤاله، قال سبحانه: {وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [ غافر: 60].
‏‏والملك كله لله والخلق لا يملكون شيئاً قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الملك:1].
‏وإذا التفتنا إلى السنة وجدناها تفصل في ذلك تفصيلاً دقيقاً.
‏وقد كان عليه الصلاة والسَّلام يستغل كل مناسبة وحادثة ليبين للناس أن سؤال الله تعالى أجدى لهم من سؤال غيره، فيقول: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد ‏فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» [رواه الترمذي في الزهد في صحيح الترمذي).
ويخبرنا -صلى الله عليه وسلم- أن الجنة ثواب من عف عن سؤال الناس، يقول ثوبان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً فأتكفل له بالجنة؟ فقلت أنا. فكان لا ‏يسأل أحداً شيئاً». [رواه أبو داود في زكاة الفطر].
‏ويبلغ به الحرص لتأصيل هذا الركن فيجعله من بيعته لأصحابه، عن عوفه بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون؟» وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله!! ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا قد بايعناك يا رسول الله! ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فبسطنا أيدينا، وقلنا قد بايعناك يا رسول الله! فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا». وأسر كلمة خفية: «ولا تسألوا الناس شيئاً» ‏فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا ‏يسأل أحداً يناوله إياه) [رواه مسلم في الزكاة].
‏وفي حديث ابن عباس المشهور دلالة على أنه كان يبادر به الصبيان لكون هذا الأمر أصلا من أصول الدين فها هو. يقول لابن عباس -رضي الله عنهما- وهو صغير: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
‏ويؤكد له هذا المعنى بقوله: 
«واعلم أن الأمة لو ‏اجتمعت على أن ينفعوك بشي، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف». [ صحيح الترمذي].
وعن أبي سعيد الخدري أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومَنْ يستعفف يُعفه الله، ومَنْ يستغن يُغنه الله، ومَنْ يتصبر يُصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» [رواه مسلم].
‏ولقد انتفع الصحابة من موعظة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، ورسخت فيهم هذه القاعدة، فكانوا لا يسألون أحداً شيئاً ‏كما مرَّ في حديث عوف وثوبان.
جاء حكيم من حزام فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه، فقال: «يا ‏حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسعادة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع؛ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى».
يتبع إن شاء الله...



أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12295
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أغــــــــنى فقـــــــــر

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 27/05/14, 12:40 am


‏قال حكيم: 
فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا ‏أرزأ أحدًا بعدك شيئاً، حتى أفارق الدنيا)، فكان أبو بكر -رضي الله عنه- يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر -رضي الله عنه- دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال: (إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني ‏أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه) فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى توفي -رضي الله عنه- وأرضاه. [‏رواه البخاري في الزكاة].
‏لقد كان الأصل في كبار الصحابة أنهم لا يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً لأنفسهم، هذا في أمور دنياهم، أما في أمور دينهم فقد كانوا ينتظرون ما يأتي به، ولم يكونوا يتقدمون بين يديه وكان من أدبهم أنهم لم يسألوه إلا أربع عشرة مسألة كلها في القرآن.
نعم؛ كان بعض الصحابة الذين لم يلازموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الملازمة الكاملة يسألونه شيئاً من أمور دنياهم، فما كان ‏من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يترفق بهم، ويربيهم ويدلهم على الأحسن والأفضل.
‏مثال ذلك المرأة التي كانت تصرع فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ‏يدعو لها فقال لها: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»،
‏فخيرها بين الدعاء والصبر وجعل صبرها ورغبتها إلى الله تعال خيراً من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لها وفي كل هذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلق قلوب الصحابة بالله تعالى بالسؤال والرغبة.
‏والنتيجة:
• تشرب الصحابة تلك القاعدة العظيمة.
• تلاشى من بينهم التنازع والتناحر.
• أخلصوا عملهم لله تعالى.
‏وكان ذلك من أهم عوامل ثباتهم على دينهم من بعده، ولما مات -صلى الله عليه وسلم- قام تلميذه الأول: أبو بكر -رضي الله عنه- في الناس خطيبًا فقال: (أما بعد: مَنْ كان منكم يعبد محمدًا، فإن محمداً قد مات، ومَنْ كان يعبد الله فإن اللهَ حيٌ لا يموت).
قال تعالى: { ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين} [ آل عمران: 144‏].
‏فقد كان النبي عليه الصلاة والسَّلام علمهم أن يعبدوا الله وحده ويسألوه وحده كل شيء «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شسع نعله إذا انقطع».
‏فلما مات كانت قلوبهم قد اتصلت بربها الحي الذي لا ‏يموت فتسلّتْ وصبرت وثبتت، فلم تنتكس وقامت بما عليها من واجب تجاه دينها، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام رباهم على التعلق به لا بالله تعالى لما كان منهم ذلك، بل لما انتشر الدين، ولما عز الإسلام من بعد.
‏لقد عاش الصحابة وهم يحملون في قلوبهم تعظيم الله وحده والثقة به، وسؤاله على الدوام كل صغيرة وكبيرة، ولذا كانوا نموذجاً فريدًا في التاريخ من حيث التحمل والصبر والبذل والثقة بالله تعالى والإيمان.

‏فائدتان لسؤال الله وحده:
‏ * الأولى:
لذة المناجاة، فالإنسان له حوائج لا تنتهي ‏ومسائل لا تنقضي، فإذا كان لا يسأل إلا الله تعالى، فإنه يكون دائم الصلة به، وذلك يفتح له باب معرفة الله تعالى، ‏وهذه المعرفة وتلك الصلة من خلال التضرع والسؤال ‏الملح تفتح على الإنسان من أبواب الرحمة والإيمان ما لم يكن يعلم فيجد لذة الإيمان ولذة المناجاة..
فالقرب من الرحيم ‏الكريم العظيم يورث النفس طمأنينة وسعادة بخلاف الذي لا يسأل الله تعالى فإنه يفقد الصلة به.. وإذا لم يتصل ‏به اتصل بغيره من المخلوقين والاتصال بالمخلوقين وذكرهم بلية وداء، كما يذكر عن عبد الله بن عون قوله: ( ‏ذكر الناس داء، وذكر الله دواء) فهذا التوجه إلى الله تعالى ‏يعود بالأثر الطيب على النفس.
‏كما يُذكر عن بعضهم قوله:
(أنه ليكون لي إلى الله حاجة، فأدعوه، فيفتح لي من لذيذ معرفته، وحلاوة مناجاته، ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي، خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك، لأن النفس لا تريد إلاّ حظها، فإذا قضت انصرفت وصدق الله تعالى حين قال: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [ النساء: 19].
‏* الثانية:
محبة الله تعالى، فإن الإنسان إذا كان لا يسأل ‏إلا الله، عرف الله تعالى حق المعرفة من إجابته له، فما يسأل ‏الإنسان ربه شيئاً من الخير إلا أعطاه، فإذا جرب سؤاله على الدوام، رأى كيف يكون إكرام الله له من حيث الإجابة، أو ‏صرف السوء، أو ادخار الحسنات له.
كما جاء الحديث أن الداعي له إحدى ثلاث:
• إما أن يعجل له بالإجابة.
• وإما أن يصرف عنه السوء مثلها.
• وإما أن يدخر له.
‏وهذا مما يولد في قلبه المحبة لله تعالى، حيث يراه محسناً ‏رحيماً به، رءوفاً، كريمًا، جواداً، عفواً، توابًا، برَّا، رزاقاً... سبحانه.
‏فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والذي يعتاد سؤال الله يعرف مدى إحسان الله تعالى إليه في قضاء ‏حوائجه كلها.

‏ولسؤال المخلوق مفاسد كثيرة منها:
1- أن سؤاله يورث القلب الظلمة والألم: لأنه اتصال بمن خلق ظلوماً جهولاً، والاتصال بالظالم الجاهل يؤثر في النفس الظلمة والجهل.
2- التعلق بالمخلوقين: إن هم أجابوه حبَّا وخضوعاً وطاعة، وهذا فيه طعن في توحيده وإخلاصه.
3- أن يبقى في منة المخلوقين، علوهم عليه، وذله لهم، ومثل هذه عبودية لا تنبغي إلا لله تعالى.
4- أنه يجب عليه أن يكافئهم، فلا يقدر فيبقى أسيراً. قال بعضهم: ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذلّت له.
‏وقال بعضهم: احتجْ إلى من شئت تكن أسيرَه، واستغن عمن شئت تكن نظيرّه، وأحسن إلى من شئت تكن أميرَه.
‏وقد يقدر على المكافأة، لكن لا يمكن ذلك إلا بخرق دينه والتنازل عن مبادئه، وإذا قدر على المكافأة دون أن يخرب دينه فلا أقل من أن يكون قد استهلك زمناً من عمره في هم قضا، الدين ما لو قضاه في سؤال الله والسعي في الرزق لكان خيرًا له.
5- التناحر والقطيعة: فالمفاسد السابقة كلها حال إجابتهم سؤاله، فإذا لم يجيبوه فالنتيجة: التنازع، والتناحر، والقطيعة، والتباغض، والحقد والحسد، فكم من عداوات وقعت وأرحام تقطعت، وأحوال طيبة تبدلت بسؤال سائل ‏لم يجد إجابة أو عوناً.
‏والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من صنع إليكم معروفاً فكافؤه، فإن لم تجدوا ما تكافؤه، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه».
‏إن خزائن الله ملأى لا تنفذ، والله تعالى يرزق من يشاء ‏بغير حساب ويريدنا أن نسأله، نلح عليه وهو غني عنا سبحانه، نحن الفقراء المحتاجون إليه.

‏فينبغي لنا عند سؤال الله أن:
1- نثق بالله تعالى وندعو ونحن موقنون بالإجابة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»[ رواه الترمزي].
2- أن ندعوه تضرعاً وخفية كما قال سبحانه وتعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} [ الأعراف: 55].
3- أن ندعوه بعزم وإلحاح قال عليه الصلاة والسَّلام: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له» (رواه الترمذي).
4- ألا نستعجل الإجابة قال عليه الصلاة والسَّلام: «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول: قد ‏دعوتُ فلم أرَ يُستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء» [ رواه مسلم].
‏فإذا فعلنا ذلك رأينا كيف يكون إكرام الله تعالى لمن ‏دعاه،  فالله تعالى يفرح بدعوة العبد له، وهذا بعكس المخلوق فإنه يغضب من السؤال لشعوره بالنقص والفقر.
خـــــــــــــاتمة:
إن الافتقار إلى الله في الحقيقة ليس بفقر بل هو الغنى ‏الحقيقي فالعبد المفتقر إلى ربه الذي هو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين لجأ هذا العبد إلى مّنْ خزائنه ملأى ولا تنفد، وكرمه وعطاؤه واسع لا ينقطع، والعطاء ‏أحب إليه من المنع، بيد أنه سبحانه يعلم ما يُصلح العبدَ وهو رؤوف به، فقد لا يصلح له إلا هذا المستوى المعيشي ولو زاد لطغى وظلم نفسه أو صده ذلك عما هو أصلح له، أو صرف قلبه عن التعلق بالله جل جلاله إلى التعلق بمن دونه من الخلق أو الجمادات!! فيُذَل من بعد عِزَّ.. ويُهَان من بعد إكرام.. واللهُ عزَّ وجلَّ لا يرضى لعبده ذلك..
‏اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمَّنْ سواك... آمين.
وكتبته:
ثريا بنت إبراهيم السيف.
غفر الله لها ولوالديها ولجميع المسلمين..
اللهم آمين.



أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12295
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى