منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 الْمَجْلِس الثالث مِن سِلْسِلَة الحِسْبَة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21024
العمر : 66

مُساهمةموضوع: الْمَجْلِس الثالث مِن سِلْسِلَة الحِسْبَة   02/02/14, 01:40 am

الْمَجْلِس الثالث مِن سِلْسِلَة الحِسْبَة
آدَابِهَا وَضَوَابِطُهَا
فقد ذكرنا في الدرس الماضي، أمس، صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فذكرنا أن أول الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الآمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر الإخلاص، ثم العلم، ثم الحلم، ثم الصبر، فكنا وقفنا أمس على الصفة الثالثة ألا وهي الحلم.
ولكن هل يجوز للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يفارق الحلم وأن يشتد؟
هذا السؤال مبنيٌ على معرِفتنا بأن هذا الباب كله مبنيٌ على المصالح ورعايتها والمفاسد وتقليلها أو إلغائها، فحيثما وجَدتَ المصلحة فَثَم، لذلك نحن قلنا العلم، لأن بعض الناس قد يعتبر مصالح موهومة بسبب الجهل بالواقع وبسبب الجهل بالنص الشرعي فيتصور أن المصلحة أن يفعل كذا وتكون هي عين المفسدة، فإذا كانت هناك مصلحة حقيقية فينبغي أن نراعيها، فقد تصلح الشدة أحيانًا وما يصلح الحلم.
مثلاً:
كما حدث للنبي  -صلى الله عليه وسلم- مع الشاعر عمر بن أبي عزة ، عمر بن أبي عزة هذا استعان به المشركون ليشبب بنساء المسلمين  وليهجوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، المرة الأولى لما ظفر به النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ( يا محمد كن خير آخذ ) فتركه على وعد أنه لا يفعل  ذلك ، وفي المرة الثانية لما خالف هذا الوعد وظفر به النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( يا محمد كن خير آخذ ولا أعود ) فلما كان في غزوة أُحد استعان به المشركون على هجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى التشبيب والتنديد بالمجتمع المسلم ، فلما ظفر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه المرة وقال له " يا محمد كن خير آخذ  قال: " لا أدعُك تمشي في طرقات مكة وتقول ضحكت أو خدعت محمداً مرتين لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين وأمر به فقُتل " ، فإذا المسألة ينظر إلى هذا المحتَسَبُ عليه.
هل المحتسب عليه يصلح معه الرفق أم يصلح معه الشدة؟
بعض المواقف لا يصلُح فيها إلا الشدة مثال: 
كما في حديث في الصحيحين: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على عائشة يومًا فإذا من نِمرقة أو وسادة يعني عليها صور، فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- غاضباً على الباب واحمرَّ وجهه ولم يدخل ، فقالت عائشة يا رسول الله أتوب إلى الله مما صنعت ، قال: إن أصحاب هذه الصور يُعذبون إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ أو صورة ، فقطعته "  فالعلماء أوردوا هذا الحديث وبوبوا عليه بباب (ترك إجابة الداعي إذا كان في الدعوة منكر).
حكم الحضور الأفراح التي بها الموسيقي وآلات اللهو:
أجمع أهل العلم: 
على أنه لا يجوز الحضور، إلا بشرطٍ واحد عند الشافعية وغيرهم أن تغير هذا المنكر، إن استطعت أن تغيره فافعل، بل قد يجب عليك في هذه الحالة ، فإنكار المنكر لا يتم إلا بذلك ، خلاص تحضر، إذا عجزت وكنت رجلاً مُقتديً به فلا يحل لك الحضور واحتجوا بهذا الحديث ، واحتجوا أيضًا بحديث رواه أبي يعلى وبن حبان بنحوه:" أن علي بن أبي طالب دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على طعام ، فلما دخل فوجد صورة، رجع " وطبعًا لما يكون المدعو هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكون مصيبة كبيرة على أهل البيت ألا يحضر النبي -صلى الله عليه وسلم- وألا يأكل .وفي سنن أبي داود بسند حسن:" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعته فاطمة- رضي الله عنها- إلى طعام في بيتها، فوجد سِترًا على الباب، فرجع وقال لا أدخل بيتاً مذوقًا وأبى أن يطعم طعامها "، وطبعًا هذه مسألة كبيرة بالنسبة لفاطمة- رضي الله عنها-، وهذه التي تدخل في مسألة الستائر.
حكم الستائر؟
كما  في صحيح مسلم حديث عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رآها قد غطت الباب بقِرامٍ أو نحو ذلك فهتكه وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين".
ذهب أكثر أهل العلم: 
إلى أن هذه مكروه كراهة تنزيه فقط قالوا: إن الله لم يأمرنا ولم ينهنا، فدخلت المسألة في باب المباح، فحيثما وجدت المصلحة في ذلك فافعل، لا سيما في مثل أعصارِنا الآن، البيوت متقاربة والشوارع كذلك، ولو رجلٌ همس همسًا في بيته يسمعه جاره.
عندي نافذة أو عندي بلكونة، شرفة، وإذا لم أضع ستارًا عليها صرت مكشوفاً وانكشفت، حرمة نسائي، ففي هذه الحالة أشد ستارًاً لكي أستطيع أن أتحرك، ولا يراني أحد ،و يدخل لي النور من النافذة هذا لا بأس به، بل قد يُستحب، لأن هذا يدخل في باب ستر العورات.
إنما من كرهه من أهل العلم:

أن تأتي على الجدران الأربعة وتغطيها كلها بالستائر ومع ذلك لا يظهر منها الحرمة.
وأيضًا ذكر العلماء في مثل هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ (النساء: 140).
ما حكم الجلوس مع من يخوض في آيات الله:
يستهزئ بالقرآن، يستهزئ بالسنة، يستهزئ بالمؤمنين، ويقوم بعمل مجالس نصب وينصب ويؤلف قصص على العفيفات المسلمات الغافلات أو يؤلف قصص على هؤلاء المتبعين للشرع،؟
ففي هذه الحالة لا يجوز أن تقعد معه وهو يستهزئ بآيات الله عز وجل أو بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يغير الكلام ، فلو جلس معه ، كان مثله بحكم الآية: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهو الذي جالس فداهن ﴿ وَالْكَافِرِينَ﴾ وهو المتكلم والمستهزئ ، إذًا المستهزئ بآيات الله كافر، والذي جلس فداهن منافق ، فيجمعه الله- عز وجل- مع هذا الرجل لهذه المداهنة.
وكما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ (الأنعام: 68) أي أنت نسيت فتذكرت فلا تقعد ، إذًا أي مجلس من المجالس فيه استهزاء بآيات الله فلا يحل للمسلم أن يجلس إلا إذا كان يغير ، هذا هو الشرط الوحيد الذي يجعله يجلس مع هؤلاء.
وكذلك ما يذكر في الشدة في النهي عن المنكر ، ما رواه الإمام أحمد في كتاب الواعظ وكذلك رواه مسدد بن مُسرهد في مسنده ، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه بسندٍ قوي وهو عند البيهقي أيضًا: " أن عبد الله بن عمر دعا الناس وآذنهم في عرس ابنه سالم فجلس بعض الصحابة ويشاركون عبد الله بن عمر فرحته بزواج ولده سالم ، إذ جاء أبو أيوب الأنصاري فوجد ستورًا مُرخاةً على الأبواب ، فأخذ بعُضاضة الباب وقال: أأنتم الذين تسترون الجدران؟ قال سالم: فاستحيا أبي وخفض رأسه وقال: غلبنا النساء يا أبا أيوب ، قال : لئن كنت أخشى أن يغلب النساء أحداً فلا يغلبنك ، فلا ذقت طعامكم ، أو قال: فلا طعمت عندكم سائر اليوم ورجع ". 
الشاهد من الحديث:
1-فإما أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم بدليل أن فيه من الصحابة جلوس ويكفي أن بن عمر لم ير بأسًا في ذلك ، فهو على الأقل الكلام مجتهدين مع بعض ، المسألة غير متفق عليها ، فإما أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم ، تحريم الستائر وهذا الكلام.
2-أو كان يحاكم بن عمر إلى ورعه ، لأن بن عمر وما يُعرف عنه من الإتباع وما إلى ذلك كان ينبغي أن يأخذ بالأقوى وببالأفضل وبالأورع ، فإذا كان هذه المسألة فيها اختلاف فعلى مقتضى الورع ، أنت تترك الفعل رعاية للخلاف في المسألة ، لأن هذا باب الورع ومع ذلك المسألة كما قلت لكم ، بن عمر لا يرى في ذلك بأساً، وكذلك الصحابة الذين كانوا يجلسون لا يروا في ذلك بأساً ، فهذا بلا شك شدة  أن الرجل يأتيك في عرس ابنك والمفروض أنه يجاملك وما إلى ذلك ، ويتخذ منك هذا الموقف ويقول ، والله ما طعمت طعامكم سائر اليوم ثم يرجع ! وأبو أيوب طبعًا هذا رجل وزنه ثقيل ، رجل كبير نزل النبي  -صلى الله عليه وسلم- على داره  يوم نزل إلى المدينة مهاجرًا .
وكذلك الحديث الذي تعرفونه جميعاً، حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "لما النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في بستان أحد الأنصار والصحابة خافوا عليه وبحثوا عنه فلم يجدوه، فأبو هريرة دخل من جدول ماء ومن قبوٍ في نهاية أصل سور هذا البستان، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- مسندًا ظهره إلى الحائط فلما رآه ، قال: أبو هريرة؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: ما جاء بك؟ قلت: يا رسول الله قُطعتَ دوننا وخشينا أن تًصاب بأذى ففزع الناس وفيهم أبو بكر وعمر وكنت أول من فزع، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- خذ نعلي هاتين فأول من تلقاه خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، لما خرج لقي عمر بن الخطاب وبشره بالجنة، ماذا فعل عمر بن الخطاب معه؟ ضربه، فلما رجع أبو هريرة ووجهه أحمر يكاد أن يبكي قال: أجهشت بكاءاً، أي قاربت على البكاء، فلما سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عما جرى له؟ قال: ضربني عمر، وكان عمرُ على أثره، فقال: يا رسول الله أأنت قلت لهذا كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله خل الناس اعملوا، قال: خلهم يا عمر"، ولم يعتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عمر بن الخطاب أنه ضرب أبا هريرة، ولم يقل له لا يجوز لك ذلك أو لا يحل لك ذلك.
إذًا، مسألة أنك تشتد على المُحتَسَبُ عليه أو ترفق به هذه ترجع إلى الآمر الناهي:
الذي مازلنا نذكر الصفات الخاصة به، ولهذا قلنا: لابد من العلم أولاً، فالعلم هذا يعطي بصيرة للإنسان، متى يقول الكلمة ومتى يمسك عنها، ورب كلمة قالت لصاحبها: دعني، ممكن للإنسان أن يتكلم بالكلمة يفسد وهو يريد أن يصلح.
فالعلم هو الحاكم في هذه المسألة:
إذًا عندما نقول الحلم، فهذا هو الأصل بالحلم وبالرفق تستخرج الحية من جُحرها، لكن إذا كان الأمر يستحق أن تشتد فلا بأس بذلك إذا رأيت المصلحة.
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر  كوضع السيف في موضع الندى
فعندما يكون واحد مثلًا يحتاج إلى عملية جراحية يريد أن يقوم بعملية الزائدة مثلًا، ويتألم أشد الألم ولا يستطيع أن يتحمل الألم، لا آتي بدهان وأدهن له، لأنني يصعب علي أن أفتح بطنه، لا نفتح بطنه، لماذا؟ لأن هذا هو الصح، سلامته وراحته أن أستخدم المشرط، إذا كان استخدام المشرط هو الصح وهو الرحمة أستخدمه، وإذا كان استخدام المرهم هو الرحمة أستخدمه، إذًا المسألة مربوطة بالمصلحة.
ونحن إن شاء الله فيما يستقبل من هذا الدرس غدًا بإذن الله سنتحدث عن المصلحة وضوابط المصلحة وماهي المصلحة عندما نتحدث عن درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الصبر:
ولولا الصبر لكفر الناس.
تعريف الصبر:
لأن الصبر هو إمساك النفس عن الجزع إذا وقع قضاءُ الله، وهو احتمال النفس الكد وهو ثبات باعث الدين إذا اعتراه باعث الشهوات.
في كم آية  من كتاب الله تكرر ذكر الصبر؟
وتكرر الصبر في أكثر من سبعين موضعًا في القرآن الكريم، ولذلك قال الدَّقَّاق عندما تلا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153) قال: فاز الصابرون بعز الدارين وبمعية الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ (النحل: 128)، وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ (المعارج :5).
الصبر الجميل:
هو الذي لا شكوى معه والصبر مر، مأخوذ من اسمه، فلما يكون شيئًا شديد المرارة تقول: هذا صبر ، صبر أي شديد المرارة، فالصبر لاشك أنه مع هذه المرارة يحتاج إلى احتمال ، والآيات كثيرة جدا في ذكر الصبر﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ (البقرة: 45)، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ (أل عمران: 120)، فلابد من الصبر.
مايدل علي صبر النبي -صلى الله عليه وسلم-:
موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية ياله من صابر ، ياله من صابر على الاشتراطات التي جاء بها سُهيل بن عمر ما يكاد إنسان يتحملها ، خلاص بنكتب شروط الهدنة بيننا وبين قريش فيقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا جاءك رجلٌ من عندنا مسلم يجب عليك أن ترده إلينا، وإذا جاء من عندكم  من فارق الإسلام ورجع إلى الكفر لا نرجعه إليكم ، عمر بن الخطاب لم يتحمل هذه المسألة ويقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: فلم نرضى بالدنية في ديننا لأجل أي شيء؟ فنحن لو خرجنا عليهم سوف نقضي عليهم  فكان الصحابة شُجعانًا، وكانوا أقوى الناس قلوبًا ومع قلة عدتهم وعددهم ما غُلبوا قط.
إلا عند المخالفة في غزوة أحد، ومع ذلك كانت الدولة لهم أول النهار اكتسحوهم أول ما بدأ القتال، فلما خالفوا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- غُلِبوا.

وهكذا تجد الهزيمة ،الضنك دائما مع المخالفة:
المخالفة والضنك والهزيمة شقيقان قرينان لا يفارق أحدهما الآخر، سواءٌ كان على مستوى الأفراد أو الجماعات، كان على مستوى الدول أو على مستوى الأسر، فلما خالفوا غُلبوا، لكن كانت الدولة في أول النهار للمسلمين. إذًا، لما ننظر للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف صبر، ويقول له: " أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، يقول: أما الرحمن فلا نعلمه، ولكن أكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فيوافقه ويقول له: أكتب باسمك اللهم،" واحد يتلكأ، واحد لا يريد أن يفعل شيء  وجاء وهو رافع أنفه في السماء ، فالصحابة لا يتحملون هذا أبدًا ، ومع ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول له: أكتب يقول له: من محمد رسول الله، يقول له: " لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، لكن انسب نفسك إلى أبيك "، أكتب من محمد بن عبد الله ، يقول له: خلاص "من محمد بن عبد الله، والله إني لرسول الله حقًا" في بعض الروايات أن الذي كان يكتب علي بن أبي طالب فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- -صلى الله عليه وسلم-: "ياعلي امح رسول الله، فقال علي: والله لا أمحوك أبدًا فأمسك النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكتاب وحكه وما يحسن يكتب ونسب نفسه إلى أبيه،" ومع ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ (الفتح: 1)، بسبب صلح الحديبية ، وليس بسبب فتح مكة، لأجل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري"، برغم أن الموقف شكل هزيمة وشكل مرارة وشكل ذل، ومع ذلك يقول لعمر بن الخطاب: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، إذًا هو متبع، قال له اعمل هكذا، خلاص يتبع ما الذي يأتي بعد ذلك؟ أنا لا أعرف ، لكنه إذا كان آتيًا من مصدر قطعي الثبوت قطعي الدلالة، لا يحل لي أن أخالف.
قطعي الثبوت:
أي عن الله عز وجل
قطعي الدلالة:
أن الله سينصره قولاً واحدا، إذًا ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ ما عليك إحراز النتائج ولكن عليك الاستقامة.
أهمية الصبر لمن يتخذ القرار:
فمسألة الصبر وضبط النفس هذه مسألة مهمة جدًا بالذات بالنسبة لمن يتخذ القرار لابد أن يكون صبورًا ولابد أن يكون حليمًا، لا يعجل كعجلة أحدنا، لماذا؟
لماذا أعجل عندما أهان من قبل أحد؟
لأنني أولًا: أخشى أن يفوتني مناط الانتقام، واحد آذاني، فأنا إذا لم آخذ بحقي الآن ربما عجزت أن أأخذ حقي بعد ذلك، لكن لو أنا السلطان ومسألة ثواب أخذ حق، لا لن يفوت، إذن أنا لماذا أتعجل؟ لماذا لا أكون حليما؟ وأعرف أن هؤلاء الناس استرعاني ربي عليهم- تبارك وتعالى- وجعل كلمتي ماضية عليهم فلماذا أنا أعجل؟ طيب أطلب الحلم مرة واثنين وثلاثة وأربعة ، وفي العقوبة أترقى لا آخذ أقصى درجات العقوبة مرة واحدة، لا أترقى معه في العقوبة إلى أن يصل أنه رجل ملاحي لا يوجد فائدة فيه، وأخذته تدريجيا شيئا فشيئا فشيئا فشيئا ولا يوجد فيه فائدة في هذه الحالة أنا ممكن أن أعاقبه بأقصى درجات العقوبة.
لذلك يَقبُح دائمًا من السلطان أن يصل إلى سفك العقوبة مرة واحدة، لماذا؟ لأنه لابد من الرفق، ولابد من الرحمة، وأن أهيئ لهذا المخالف من يقنعه.
مثال:
بالذات في مسألة الفكر المنحرف، الفكر المنحرف عندما تأتي بعلماء رسميين هذا الإنسان يعتقد أن كل العلماء الرسميين مواليين للدولة، ويعتقد أنهم منافقون وأنهم باعوا دينهم، هذه مسألة مستقرة عند كل صاحب فكر منحرف يُناهض الدولة  فليس من الحكمة أن أأتي له بالمتهم من وجهة نظره لكي يقنعه، حتى لو كان أعلم الناس لن يقتنع، فأبحث عمن يكون مُحترم عند هذه الجهة، وكلامه ممكن أن يكون مسموعًا وبعد ذلك أقنعه، لأن رجوع هذا الإنسان المخالف إلى سياق الحياة المدنية المستقيمة المتبعة أفضل من أن يبقى طول عمره هكذا أو أن أسجنه. 
فقد يكون إنسان له ذهن وله فكر والمجتمع ينتفع به، فاستصلاحه أولى من إعدامه أو أولى من سجنه  وكم من طاقاتٍ مهدرة أو المجتمع هدرها بسبب العجلة في هذا الأمر، إذًا المصلحة أنى أتي له بأناس محترمون يناقشوه وانتهى الأمر، يستطيع أن يقتلع الفكر من رأسه يستطيع أن يقنعه وهذا الكلام، ماشي الحال، ولكن لا آتي بواحد متهم حتى ولو كان أعلم الناس، وأنا لا أُناقش الآن صاحب الفكر المنحرف، أهو محق في رمي هؤلاء بالنفاق أم لا ؟هذه ليست موضوعنا، أنا لا أناقش هذا لكن هذا الإنسان كيف يستصلح؟ فالمسألة تحتاج إلى صبر وتحتاج إلى ضبط نفس .
لذلك عندما ذكر الله عز وجل وصية لقمان لابنه قال: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ (لقمان: 17)، أي رجل متصدر لدعوى الإصلاح لابد أن يُردأ، ولأجل ذلك نقول العلم.
للعلم شقان ضروريان:
الشق الأول: العلم نفسه.
الشق الثاني: سياسة العلم.
سياسة العلم هذه خاضعة لما يسميه العلماء بــ: ( فقه النفس)، وطبعًا أي إنسان يفتقد فقه النفس، يضر بعلمه أكثر مما ينفع، فقه النفس هو الحكمة، أن تضع الشيء في موضعه.
مثال يدل علي فقه النفس:
أذكر مرة فيه بعض الناس ذكر أنه كان يوجد ولد صغير عمره حوالي عشر سنوات ، وكان هذا الولد يسرق ما يجده أمامه ، كراسة ، قلم ، أي شيء كان يسرقها ، فهذا الولد له خالان، خالٌ عجول وخالٌ حكيم ، هذا الولد سرق قلما من خاله العجول وبدون أن يفكر خاله ، من الذي سرق ؟ الولد، أتى به وضربه وفي آخر الضرب قال له الولد: لم أر شيئاً ، خاله الحكيم ماذا قال ؟ قال: لا هو لم يسرق أنا الذي أعطيته القلم ، وقال للولد: هل تعرف القلم الذي أعطيته لك ليلة أمس؟ أذهب وائتني به، فذهب الولد وأتى به، حتى الولد عمره عشر سنوات ، فأنت تأتي وتقول له أنت حرامي، هل تظن أنه سيسلم لك؟ أم سيوافقك أن تتهمه أنه حرامي أو لص ؟  طبعًا لا ، فانظر إلى هذا الخال الحكيم، أحب أن يستخرج هذه المسألة خلاص، هات القلم بطريقة كريمة ، أنا القلم الذي أعطيته لك ليلة أمس هاته  خلاص يذهب ويأتي به .
هذه هي سياسة العلم، وسياسة العلم هي الحكمة.
فاليوم رجل أنا أريد أن أأمره وأنهاه، عندي علم وعندي فقه، أستطيع أن أوزن هذا الشخص وأعرف متى أقول له الأمر ، في كلمة ونصف.
مثال: 
عندنا ابن حزم أبو محمد الذي يقولون فيه: إن لسانه وسيف الحجاج شقيقان فسيف الحجاج كان مثل المنشار أي رقبة تصل له يجب أن تقطع، سواء كان الرجل محق أم غير محق كما لو كان الحجاج يقوم بما يسمى حظر التجول، وقال: من يتأخر عن الساعة الفلانية، ورجل لم يبلغه الأمر وجاء بالمواشي الخاصة به آخر النهار ويسير فمسكته الشرطة، ورفعته للحجاج، قال له الرجل: أنا لا أعرف، قال له: أعرف أنك مظلوم ولكن بك صلاح الأمة وقطع رأسه.
فقال: 
أن الآن سأتهاون معك فيكون هناك استثناء في القانون، وكل فرد أقوم بعمل استثناء في القانون له إذن ذهب القانون، لا، أقطع رقبتك لكي يستقر القانون، هذا هو الحجاج بن يوسف الثقفي، فلسان بن حزم كان أيضًا شديدًا قارصًا، وبن حزم جعل الأندلس ظاهره مع أنهم مالكية، فالمذهب الرسمي للأندلس في جنوب أسبانيا كان المذهب المالكي كما هو المذهب السائد في بلاد المغرب، بن حزم لما كان له من القوة العارضة استطاع أن ينتصر عليهم وفي كل مناظرة يتغلب عليهم فيها.
ومن عاقبة عدم إحسان سياسة العلم:
ما آل إليه أمر بن حزم أحرقوا كتبه وأرجعه السلطان إلى مسقط رأسه بسبب أنه لم يكن يحسن سياسة العلم، لا يوجد عنده فرق ما بين الإمام الكبير والصغير، لا يُراعي منازل أحد، يقول: أهم شيء عندي الحق، الحق فوق الجميع، لا يفرق عندي كبير من صغير، لا.
لابد من رعاية منازل الناس:
وهذه مسألة تكاد تكون متواترة عند السلف والخلف من الأئمة يراعي منازل الناس، الرجل العامل الكبير لا يُعامل معاملة الجاهل أبدًا، ينبغي أن يُعامل العالم بما يليق به وبمنزلته وبعلمه ويُعامل الجاهل أيضا معاملة تليق بمنزلته وعلمه.
إذن العلم عندنا شقان: 
العلم نفسه ، وسياسة العلم وهي: ( فقه الواقع  ومعرفة الواجب في الواقع )، أنا الآن فقدت الواقع وعرفت أن هذا الرجل رجل سيء وعلى وجهه قتيل وهذا الكلام، إذن هذا الواقع، طيب أنا أريد أن أأمره وأنهاه إذًا لابد أن تعرف الواجب في هذا الواقع، أتأمره وتنهاه أم لا، وطبعًا أنتم تحفظون قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعون نفسًا، ما الذي حدث؟
أراد أن يتوب ذهب إلى رجل راهب ولكنه ليس بعالم، قال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، أليَّ توبة؟ قال له: لا وقنطه، فهذا رجل يقتل القتلة أي ذبح تسعة تسعون نفسًا ولم يشتكي ولم يئن ضميره يومًا من الأيام وهو يذبح الناس ذبح الدجاج، هل سيصعب عليه أن يجعل التسعة والتسعون مائة؟ فمباشرة الحق الراهب بمن قتلهم من الضحايا وأكمل به المائة، فهذا رجل جاهل ولذلك الحديث يقول: " ثم أذن الله له بتوبة فقال دلوني على أعلم أهل الأرض فدلوه على راهب عالم ".
فلما وصف الراهب الثاني بالعلم علمنا أن الأول كان جاهلًا، وحتى ولو لم يكن راهب عالم لعلمنا أن الأول جاهل ، لماذا؟ لأن هذا رجل قاتل، لا يتورع أن يقتله كان يمكن أن يقول له، تعالى غدًا أو في الليل مثلًا، أو انتظر أسأل لك أو نتشاور أو يهرب منه، يعمل أي شيء، ولكن يضع نفسه أمام القطار، فهذا هو معرفة الواجب في الواقع.
إذًا فقه الواقع أو فقه النفس، علمت الواقع، تمام، ما هو الواجب في هذا الواقع؟
هذا علم ثاني أيضًا وهو مسألة تنزيل النص على الواقع، فالأمر ليس سهلًا، إذًا أنا.
عندي شرط العلم قبل الإنكار، هذا شرط ضروري، ركن: 
لابد أن يكون المرء عالمًا بالجهتين معًا، العلم، ويكون عالمًا بفقه الواقع أيضًا، وأن يكون صبورًا وألا يكون عجولًا، العجلة من الشيطان، والعجلة لا تأتي أبدًا بخير.
وأنا من واقع خبرتي وتجربتي الطويلة ما وجدتُ أفضل من الصبر عن المسيء: 
فالإنسان المسيء اصبر عليه وأحلم عليه لا سيما إذا كنت متصدرا للإصلاح أو إذا كنت من أهل العلم أو من طلبة العلم أو تتزين في أهله ، لابد من الصبر والصفح  ولهذا أمر الله- عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- قال له: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ (المعارج: 5) ووصف الجميل في أكثر من موضع لكن كل المواضع فيها نوع من الملاحاة ﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ (المزمل: 10)، ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ الصبر الجميل: الذي لا شكوى معه ، والهجر الجميل ، الذي لا أذى معه: ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ (الحجر: 85)، الصفح الجميل: الذي لا عتاب معه.
إذًا عندنا، صبر جميل، وصفح جميل، وهجر جميل أليس كل هذه مواضع الواحد منا يغضب فيها؟ فهو لماذا سيهجر؟ أليس لأنه زعلان؟ هو سيصفح عن ماذا؟ أليس عن ذنب؟ هو سيصبر على ماذا؟ أليس على مر؟ المواضع الثلاثة كلها فيها ماهو ضد طمأنينة النفس فيأمرنا الله -عز وجل- أن نرتكب الجميل في هذه المواضع الثلاثة.
إذن نرى صفات الآمر بالمعروف الناهي عن النكر، الإخلاص، ويمكن أن نضع صفات أخرى لكن هذه هي الصفات التي عليها أكثر المحاور، أي صفة ستضيفها يمكن أن تندرج تحت هذه الصفات التي ذكرناها، إذن: ( الإخلاص والعلم يسبقه والحلم معه والصبر بعده )، إذًا هذه هي الصفات.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21024
العمر : 66

مُساهمةموضوع: ماهي شروط الآمر بالمعروف والناهي (المُحتَسِب) عن المنكر؟   02/02/14, 02:16 am

ماهي شروط الآمر بالمعروف والناهي ( المُحتَسِب ) عن المنكر؟

1- الإسلام: 
كما قلنا في مطلع الدرس الماضي أن الكافر ارتكب أعظم المنكرات جميعاً ألا وهو الكفر فلا يُقال لمن ارتكب الكفر أنكر! فماذا يُنكر إذا؟! كل ما يأتي بعد ذلك يعتبر الكفر بالنسبة له سماح، ولأن الحسبة من التكاليف الخاصة من الولايات ولا يتولى كافر على مسلم، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾.
2- التكليف: 
لابد أن يكون مكلفًا، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " رُفع القلم عن ثلاث، عن الصغير حتى يحتلم " إذًا لا تكليف والحسبة طبعًا نوع من أنواع التكليف وهذا الصبي لم يكلف ، إذًا ليس عليه وجوب الحسبة في درجاتها المعروفة.
3- الاستطاعة: 
وهذه سنتكلم عنها إن شاء الله عندما نتكلم عن درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الثلاث شروط متفق عليها بين أهل العلم.
يبقى شرطان:
4- الأول من المختلف فيه: العدالة.
5- الثاني من المختلف فيه: إذن الإمام.
ما هي العدالة؟ 
العدالة: هي الدين، أن يكون رجلا متدينًا، العدالة هي هيئة راسخة في النفس، تحمل صاحبها على ملازمة أمر الدين والورع مع البراءة من أسباب الفسق و خوارم المروءة، رجل متدين محترم.
قالوا: 
لا ينكر إلا عدل لأنه هناك تصور أن يكون هناك رجلاً متلبسًا بمنكر وينكر على واحد يعمل منكر الأولى أن ينهى نفسه ، ولهم حجج في ذلك، حجة قوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (البقرة: 44)، قال فذمهم، وقال الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ( الصف: 2،3)، فهذا نهي من الله- عز وجل- أن يفعل المرء شيئا وينكر على غيره أن يفعل نفس الشيء وهو يفعله.
والعلماء ردوا على هذه المسألة: 
قالوا: هل قول الله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ذمهم على ماذا؟ نحن عندنا شيئين، أتأمرون، وتنسون: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾، ذمهم على ماذا؟ على الأمر أم النسيان؟ النسيان، والنسيان أي المخالفة، إذًا ما ذمهم على أنهم أمروا بالبر، إنما ذمهم على أنهم نسوا أنفسهم، وطبعًا الإنسان مأمورٌ في حدود نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومأمورٌ أن يأمر غيره بالمعروف وينهى عن المنكر فلا يُتصور إذا فرط في حق نفسه أن يفرط في حق الآخرين، أي إذا قصر في جهة لا يقصر في الاثنين، لا، لا يكون ارتكب مخالفتين.
مثال: 
فرد يدخن، والذي عليه المحققون أن التدخين حرام، رأى واحد آخر يدخن، هل ينكر عليه أم لا؟ هو يقول لنفسه أنا أنكر عليه وأنا أدخن؟ فلا يُنكر، فهذا ماذا فعل؟ أولًا: ارتكب المعية بالتدخين، وارتكب المعصية بأنه لم ينه هذا المدخن إذن ارتكب بذلك معصيتين، في حين أنه لو قال له: اتق الله ولا تدخن، يكون ارتكب معصية واحدة، وهي معصية أنه فعل التدخين، إذًا هؤلاء ذُموا ليس لأنهم أمروا بالمعروف.
أي عندما تأتي لتنصحني لا تأتي على رؤوس الأشهاد هكذا وتقول لي: 
ما هذا وهذا الذي تفعله علنًا أمام الناس ، طبعًا أنا سأغضب لأنك بذلك تقلل من قيمتي أمام الناس، وكما قلنا أمس كلمة سليمان بن طرخان التيمي، الإمام المبارك قال: ما أغضبت رجلا فقبل منك، لا تهيج قلبه حتى يقبل منك، قال:
تعمدني بنصحك في إنفراد
ولا تُلقي النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناسِ نوعٌ
من التوبيخ لا أرض إتباعه
فإن خالفتني وعصيت قولي
فلا تجزع إذا لم تُعطَ طاعة
وأكره من تجارته المعاصي
ولو كنا سواءًا في البضاعةأنا أرتكب معصية معينة، وهذا يرتكب نفس المعصية أنا أكرهه وإن كنت أنا أرتكب نفس المعصية، لأن هذه متعلقة بحياة القلب، مسألة إنكار المنكر هذه متعلقة بحياة القلب تعلقًا مباشرًا.
والرجل الذي لا ينكر أي منكر هذا مات قلبه:
كما قال ﷺ في حديث ابن سعيد: " فلينكر بقلبه قال: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "، طالما أن قلبه استمرأ المنكر بالرغم من أنه إذا أنكر بقلبه لا يناله أذى ، فكيف لم ينكر؟  ولذلك قلنا أن مسالة إنكار المنكر هذه تتعلق تعلقا مباشرًا بحياة القلب.
إذًا ذمهم رب العالمين -تبارك وتعالى- لأنهم نسوا أنفسهم، ولم يدخلوها في جملة الأمر لا أنهم أمروا بالبر لأن هذا لا يُنكر، وكذلك احتجوا بحديث أسامة بن زيد وهو في الصحيحين: " يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه من دبره فيدور حولها كما يدور الحمار في الرحى، فيقولون يا فلان: ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ يقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه "، والكلام عن هذا هو نفس الجواب عما ذكرناه في تفسير الآيتين، وكذلك أيضا سينتظم الجواب على الحديث الذي رواه الإمام أحمد.
حديث أنس رضي الله عنه: " أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى ليلة أُسري به رجال تُقرض شفاههم بالمقاريض فسأل عنهم ، فقالوا: هؤلاء خطباء أمتك الذين كانوا يأمرون بالبر وينسون أنفسهم ).
اشتراط العدالة في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر اشتراط فاسد: 
ومن ثم لو كان من شرط الآمر الناهي أن يكون عدلًا، بمعنى لا يرتكب عصيانًا لانسد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن كل واحد منا يشتمل على معصية، فلو كان من شرط الآمر الناهي أن لا يعصي ربه، لانغلق هذا الباب، وهذا إذا تبنيناه كان فيه من الفساد مالا يعلمه إلا الله، لأننا نقطع جميعًا فيما لا يدع مجالًا للشك أن كل الناس فيما عدا الأنبياء ليسوا بمعصومين، وأنه تصدر منهم الخطايا، وتصدر منهم الذنوب وطبعًا واضح في قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لو لم تذنبوا لخسف الله بكم الأرض ثم جاء بأقوام يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم "، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" كل بني آدم خطاء ".
إذًا الذنب يلازم الإنسان لا ينفك عنه مطلقًا، ولكن يجب عليه أن يتوب: 
إذا فعل الذنب، إذن مسألة اشتراط العدالة بمعنى ألا يقع منه ذنب ، هذا اشتراط فاسد  والصواب عدم اشتراط العدالة في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، يبقى إذن الإمام
هل لابد أن يأذن الإمام أو الوالي لك حتى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ 
الذي عليه جماهير العلماء: 
أنه لا يشترط، إذن الإمام، إلا في استخدام السلاح، وهذا شرط ما بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، أحد الفُروقات ما بين الجهاد وما بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز لآحاد الرعية أن يستقبل السلاح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ".
إذًا هناك ثلاث درجات و (من) عند العلماء علماء الأصول من صيغ العموم لأنها تعم كل المخاطبين من هذه الأمة.
يشترط إذن الإمام في الجهاد ولا يُشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
نخرج نجاهد وتعقد الراية وهذا الكلام، نشترط إذن الإمام فيها، إنما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا، قصاراها أن تستخدم يدك إذا كنت ترى أن المصلحة في ذلك تكون صاحب سلطان.
ما مدي صحة هذه المقولة؟
هناك جماعة قالوا: من رأى منكم منكرا فليغيره باليد قال: هذه للحاكم، فإن لم يستطع فبلسانه، قال: هذه للعلماء، فإن لم يستطع فبقلبه: قال هذه للعوام، وهذا الكلام فاسد لا يصح ولا يجوز، إنما يستخدم يده إذا كان له ولاية، أيا كان هذا الإنسان.
مثال: 
أنا مثلا لي ولاية على أولادي إذن أستخدم يدي، فعندما أضرب ابني أنا لي الحق في ذلك، إذن هذه لمن له ولاية، أو كان الضرب باليد يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون حصول مفسدة راجحة تكون أكثر من المنكر الذي أنكرناه، كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله عندما سنتكلم عن درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ما يدل من السنة علي عدم اشتراط إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 
أدلة كثيرة جداً من السنة تدل على عدم اشتراط إذن الإمام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منها: الحديث الذي ذكرناه أمس، وهو: " أن رجلاً أعرابيًا دخل المسجد فبال في الناحية من المسجد، فهمَّ الصحابة به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تذرموه ولكن أريقوا على بوله ذنوبا من الماء ".
الشاهد من الحديث: 
فالصحابة عندما أحبوا أن ينكروا هل استأذنوا؟ بل هذا إنكارٌ في حضرة الإمام، ومع ذلك لم يقل لهم لا يجوز لكم أن تُنكروا والصحابة أنكروا بدون أن يرجعوا وينظروا للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما استقر في نفوسهم من نجاسة البول، هذه مسألة مستقرة عند الناس، كون الأعرابي مع ما للمسجد من مكانة وهذا الكلام، كونه لا يعلم: نعم جاهل يُعلم لكن الصحابة أنكروا عليه.
فيه دليل على جواز الإنكار قبل التعليم: 
لأن فيه بعض المناقشة لبعض الناس يفهم من كلامي أمس عندما قلت: علمه الأول وبعد ذلك تنكر عليه، أخشى إن بعض الناس يتصور أن هذا لابد! لا، فيه شيء معين أنكره وبعد ذلك أعلمه، لكنه يحتمل أولا أعلمه ومن ثم أنهاه، خلاص إذا كان لا يحتمل.
مثال: 
رجل ينشد الضالة في المسجد، النبي -صلى الله عليه وسلم- علمنا أننا إذا رأينا رجلًا ينشد الله في المسجد أن نقول له: لا وجدت، النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى رجلًا ينشد الجمل الأحمر في المسجد، قال: لا وجدت، لم يقل له تعالى: أنت لماذا تفعل ذلك؟ لأن الموقف يقتضي ذلك، وهنا سندخل في فقه النفس ومعرفة الواجب في الواقع.
أيهُما يُقدم الإنكار على التعليم، أم التعليم على الإنكار؟ 
وهذه تريد علم أيضًا ، إذًا ليس بشرط عندما أقول الأمر بالمعروف والنهي مقدم عن المنكر أن تعلمه الأول على حسب الحاجة، إذا رأيت أن هذا أنجع في إيصال الخير وفي النهي عن المنكر افعل، إذا رأيت أن تقديم النهي الأول قبل التعليم افعل، بشرط أن تتحقق المصلحة في ذلك، بل إن الحديث الذي ورد في درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه ما يدل على عدم اشتراط إذن الإمام.
ومما يدل علي عدم اشتراط إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
حديث أبي سعيد ألخدري، قال أبو سعيد ألخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والخلفاء كانوا يبدءون يوم العيد بالصلاة ثم الخطبة، حتى كان أيام مروان بن الحكم فأبو سعيد ألخدري خرج للمصلى وإذا كثير بن السلط، قد بني منبرًا من طين لمروان بن الحكم، وأبو سعيد يسير مع مروان بن الحكم وأيديهم في يد بعض، فأبو سعيد يقول: ( جعلت أجره ليصلي، وجعل يجرني إلى المنبر ) طيب هذا طالع المنبر لماذا الآن؟ الأصل يصلي وبعد ذلك يخطب، فالمهم لازال يشد أبو سعيد ألخدري طالع المنبر وأبو سعيد يجذبه من ملابسه، فانتزع ملابسه منه، فأبو سعيد يذكره يقول له: كيف تفعل ذلك؟ وأنت تعلم أن الصلاة قبل الخطبة ،" قال يا أبا سعيد ذهب ما تعلم ، قال: والله لا تأتون بخير مما أعلم،" وفي رواية خارج الصحيح " قال: ورب المشارق والمغارب لا تأتون بأفضل مما أعلم ." 
فقام رجل في رواية صالح بن شهاب قام رجل فأنكر وقال: "يا مروان الصلاة قبل الخطبة، فأبى "، لماذا؟ قال: الناس بعد الصلاة يمشون فنحن نريد أن نكلمهم كلمتين، فلكي أضمن أنه سوف يسمع رغمًا عنه، فيجب أن أخطب الأول، لأنه لن يذهب قبل أن يصلي، فقال: إذن نقلب هذه المسألة، فأبو سعيد ألخدري لما رأى هذا الرجل، وهو رجل آخر غير أبو سعيد في حديث طارق بن شهاب: الرجل الذي أنكر على مروان غير أبو سعيد ألخدري، يحتمل أن يكون أبو سعيد أنكر أولًاً بينه وبين مروان لأنهم كانوا يسيرون بجوار بعضهم البعض.
فيسأله: أين أنت ذاهب؟ فقال له: أنا قلبت، يقول له: صلي الأول وهكذا ومن ثم جذب ملابسه وصعد على المنبر، فكأنه لما صعد على المنبر، الرجل الذي كان جالسًا أنكر على مروان "، فقال له: الصلاة قبل الخطبة، قال: ذهب ما تعلم، قال أبو سعيد: أما هذا فأدى ما عليه ".
الشاهد من الكلام: 
الذي أنكر هذا، وهذا أنكر على من؟ أنكر على الإمام، هل أخذ إذن الإمام، لا، لم يأخذ إذن الإمام، إذًا مسألة اشتراط إذن الإمام سيغلق هذا الباب، ليس ممكنًا وأنا أسير في الطريق الآن، ووجدت منكر أستطيع أن أزيله، بدون ما يترتب عليه منكر أكبر منه، أقول له: اثبت مكانك إلى أن أأتي، وأذهب لكي أستصدر الأمر أن أنكر عليه، ممكن هذا الأمر لا أعرف أن سيصدره إلا بعد ستة شهور أو في آخر اليوم يكون خلاص انتهى الموضوع.
هكذا، لو اشترطنا هذا الإذن، أغلقنا هذا الباب بالكلية، وهنا عندنا الحديث الذي هو نص في المسألة أنه أنكر على الوالي قال: أما هذا فأدى ما عليه، لكن ليس معنى ذلك أنه لا يسمع الكلام أقوم أقف له وأنتزعه وأقوم بعمل معركة لا، وكما قلنا هذه المسألة كلها مربوطة بمسألة المصالح ومربوط بمسألة المفاسد.
عندنا أيضًا الحديث في صحيح مسلم، حديث الحسن البصري: 
أن عائد بن عمر -رضي الله عنه- دخل عليه عُبيد الله بن زياد، وعائد بن عمر من الصحابة الفضلاء الذي كان وكأنه يموت، قال: " لو كنت أعلم أن حياتي ستطول ما قلت لك " ولكن أنا أعلم أني سأموت ولن تستطيع أن تعمل معي شيئاً لأني سأكون مت خلاص – فعبيد بن زياد عندما دخل عليه ليعوده ، فيوصيه وينكر عليه، قال:" إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول شر الرِّعاء الحُطّمة   فلا تكن منهم "، عُبيد بن زياد كان غشومًا فيقول له: ترفق بالرعية فإن شر الرعاء الحطمة.
الحُطَمة: 
هو رجل راعي غنم وأنت تعلم الغنم كل غنمة لها رأس، رعايتها صعبة تلتفت كل واحدة حسب الجهة التي تريدها وتترك القطيع، ولذلك راعي الغنم لابد أن يكون صبورًا، فيصبر على حركة هذه وتلك، فيقول له: " شر الرِّعاء الحطمة "، أي أنه كلما تمل من أحد الرعية كما لو أمللتك الغنم فحملتها وألقيتها على الأرض فستعود آخر اليوم بدون غنم، فلا بد أن تكون رفيقًا، يريد أن يقول له: أرفق بالرعية  ليس كل من يُخطيء تعاقبه، فنحن نعرف أن معك السلطان، ونحن نعرف أنك تستطيع أن توقع به العقوبة، فعلى أي شيء تستعجل بتعجيل العقوبة؟ لا تتعجل ولكن خذهم بحلمك، والناس يكسر أعناقٌهم  الحلم والعقل والصفح.
لكن العقوبة تُقَّسِّي القلب وتورث الضغائن، فيريد أن يوصيه بهذه المسألة فيقول له: 
"أثبت فإنك من نخالة أصحاب محمد"، فما الذي يجعلك تتكلم هو أنت لك قيمة؟ وأنت طبعًا تعلم النخالة تكون آخر شيء في الدقيق، ليس هو حر الدقيق، يريد أن يقول له أنت من الجماعة الذين ليس لهم قيمة، فقال له: "أوكان فيهم نخالة؟"، هذا الجيل كان فيه نخالة؟ هل تستطيع أن تقول: هذا ممتاز وهذا نصف ممتاز، "أكان فيهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة فيمن بعدهم وفيمن في غيرهم"، لكن هم لا، مسألة النخالة لا، لم يكن فيهم أبدًا.
ودخل بن كثير -رحمه الله- وطبعًا عُبيد بن زياد كان أمير فينكر عليه، فلم يقل له بعد إذنك أنكر عليك إنما أنكر عليه ووعظه ونصحه، ونقل بن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ (الحج: 41)، قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- :  أما إنها ليست في الوالي ، ولكنها للوالي والمولَّى عليه: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾.
الخلاصة:
إذًا ليس للوالي فقط ولكن أيضًا لآحاد الرعية إذًا مسألة اشتراط إذن الإمام لا يكون إلا في الجهاد، ولا يكون حتى بالنسبة لآحاد الرعية إذا أراد أن يستخدم السلاح فيها، لكن لا يكون إلا بإذن الوالي وإلا فلا يجوز له ذلك، هذه هي صفات الآمر الناهي وشروط الآمر الناهي.
أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة:
1- الآمر الناهي أو المُحتَسِب: الذي تحدثنا عنه وأنهينا الكلام عنه على سبيل الإيجاز.
2- المُحتَسَبُ عليه: الذي ستنكر عليه، قال: يشترط أن يكون مكلفاً، لأن الصغير أو غير المكلف لا يُنكر عليه إلا من باب التعليم فقط.
مثال: 
وجدت ولد صغير في السن، يلبس خاتم ذهب، والذهب هذا حرام على الرجال، وهذا ولد صغير، تنكر عليه أم لا؟
قال العلماء: 
يُنكر عليه تأديبًا وتهذيبًا، لو يلبس حرير، لو بيعمل أي منكر من المناكير هكذا دخل في باب التعليم كذلك البهائم، ولهم بحث لطيف جدا في البهائم.
هل يُنكر علي البهائم؟ 
قال: لو أنت تربط البهيمة في الغيط، حرنت، ومن ثم خلعت الوتد ودخلت على زرع غير صاحبها ومظنة وجود البهائم في الزرع يفسده، هل يتعين عليك أن تأخذ هذه البهائم ثانية وأن تربطها وتلف ورائهم وتجري ورائهم؟ لأنها ستفسد زرع رجل مسلم آخر هل يتعين عليك ذلك أم لا؟
الجواب: 
لا يتعين، لا يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن يدخل في باب الحرص على مصلحة المسلم، ومحبة الخير له، إذا كان عندك وقت تجري وراء هذه البهائم وتخرجها كان بها، ليس عندك وقت ومشغول، خلاص، وإذا كنت سوف تقوم بعمل هذه المسألة وتدخلك في مشاكل دينيه أو مشاكل دنيويه أو يحط من حشمتك أو ما شابه ذلك، إذن ليس عليك ذلك، إنما إن استطعت ماشي الحال، وإلا لو أحدنا سيمشي في هذا الطريق ممكن لا يعرف يذهب ولا يأتي لأنه طول النهار يعمل للناس، عمال يربط في هذه ويفك هذه، وكل ذلك لا يجب عليه وجوبًا ولكن هذه تدخل في مسألة التصرف.
يُراعى  مُقتضي حال المحتسب عليه، فإنكارك على الغني بخلاف إنكارك على الفقير.
مثال: 
رجل غني طول عمره متعود أنه صاحب ترف، ويصرف ويتوسع في المأكولات والمشروبات وهذا الكلام، طول ما هو لم يرتكب حرامًا، وداخل في باب الكراهة أنت تًقدِّر في هذه الحالة، المسألة، أنكر عليه أم لا؟
أنا ممكن أعادي واحد مثلًا يحب أن يدخل محل فخم، مع أنه يوجد محل في مكان آخر أقل منه فخامة, يقدم نفس المأكول، فالمحلات في الأماكن الراقية تبيع لك سمعة المحِل ونفس موقع المحِل، لا يبيع الطعام فقط، لا، لما تكون في مكان راقي مثلًا، أدخل لكي أأكل سمك، أكلة سمك في هذا المكان بـخمسمائة جنيه، فبماذا سيأتي لي؟ بسمك لم يحدث من قبل؟! نفس السمك هو هو سواء مشوي أو مقلي، فيه محل مثله ولكن في مكان شعبي ولكن أيضًا على نفس الجودة ، ولكن الـخمسمائة جنيه لأجل المكان الفلاني ويبيع لك سمعة المحِل ومكان المحِل وهذا الكلام.
فهو لا يحب أن يأكل إلا هنا، وأنا أريد أن أنهاه أقول له: 
بدلًا من أن تصرف كل هذا المبلغ في أكلة سمك والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: " يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت "، هو الجسم ماذا سيأكل، أنت أكلت مثلا اثنين كيلو سمك الجسم يريد نصف كيلو فقط، والكيلو والنصف الباقية أين ستذهب؟ إلى حيث تعلم، فهكذا كأنك رميت ثلاثمائة جنيه على الأرض، لا هذا الرجل الغني لا يعرف أن يحسب هذه الحسبة هو عنده مُعطيات أخرى تعود طوال عمره عليها، خلاص، لا، إذًا نترقى مع هذا الإنسان، في الإنكار أو في التوجيه لأن نفسه لا تتحمل.
مثال على ذلك قصة قارون: 
قارون هذا كان مفاتيح الخزائن يحملها الرجال وهم لا يستطيعوا أن يقفوا على أقدامهم من ثقلها، فأنا جلست أحسب في مجلة من المجلات أغنياء العالم، رقم ثمانية وعشرين من أغنياء العالم رأس ماله اثني عشر مليار دولار أي اثني عشر ألف مليون دولار، أول واحد عنده مائة وتسعة وأربعون مليار دولار، جلست أحسب من واحد إلى ثمانية وعشرين أنا قَدرت بما قرأته من ثروة قارون، أن هذا كان عبارة عن كيسة في خزائن قارون، أي أن أغنياء العالم جميعًا كل الأموال التي كانت عندهم ولا تساوي شيء، وهي عبارة عن كيسة ملقاة في المخزن الخاص بقارون  فالجماعة عندما رأوا قارون الغني ويريدون أن يحدوه على أن يتق الله وأن يعمل هذا المال في طاعة الله ماذا قالوا له؟.
هذا من فقه النفس لو قالوا له: ارمي كل الذي وراءك والذي أمامك واتبعنا فإن هذا من الدنيا والدنيا دار فناء وما إلى ذلك ، لا يسمع كلامهم ولكن قالوا له: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ لا يوجد مانعًا ، أنت رجل طول عمرك غني تمتع ولكن الأول أي شيء تنفقه أنفقه لله لكي لا يذهب هدر.
مثال: 
لو جاءني الآن واحد سوف أتصدق عليه، أنا الصدقة خرجت خلاص طيب أنوى أن أعملها لله لكي تذهب في رصيدي بدل أن تذهب هدر على الأرض، والمسألة كلها عقد نية، ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (القصص: 77)، تمتع طالما أن المسألة مباحة تمتع، فيه واحد مثلًا يقول لك أنا لا أستطيع ، أنا أريد أن أقسم البيت، ورجل طول عمره في الترف وما إلى ذلك، يقول لك: هذا الأنتريه أو هذا الصالون بـمائة ألف جنيه، ويقول لك لا، أنا لا أعرف أن أجلس إلا عليه، لماذا؟ لأن الجماعة الذين يعزمهم في البيت عارفين قيمة العفش فيحدث له نوع من الرضا.
مثال آخر: 
واحد يرتدي حذاء بـخمسمائة جنيه في هذه الحالات لا تفرق معه الـخمسمائة من العشرة جنيهات ولا يمكن أعرف أن هذا بـخمسمائة، ولكن عند الجماعة الذين يجلس معهم كلهم يعرف سعر هذا الحذاء، فهو يريد أن يظهر بنفسه، وغني ولا يستطيع إلا كذلك، أنا لا أنكر عليه، طالما أنه أتى بالمال الحلال ومباح وصرف هذا الكلام ، خلاص ماشي لأني لا أعرف أن أفهمه بدلا من أن يصرف الـخمسمائة جنيه في الحذاء، هات حذاء بـخمسين جنيه وتصدق بالآخر، لكي تلبس أناس ليس عندهم أحذية ، يمشون بلا أحذية.
الشاهد أن هذا الرجل لا يتحمل هذا، ارتق به شيئًا فشيئًا.
فهذه هي وصية قوم قارون لقارون:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا وأحسن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾، يرققون قلبه مثلما أحسن الله إليك أنت أيضًا أحسن إلى الناس بما أعطاك الله من المال، فالحقيقة وصية هؤلاء القوم لقارون نريد أن نخصص لها محاضرة مستقلة، لكي نعلم الآمر الناهي فقه النفس وكيف يترقى بالناس.
الفرق بين تزهيد العالم للناس في الدنيا وبين تزهيد الزاهد للناس في الدنيا: 
بن القيم -رحمه الله-: وهو يتكلم عن الفرق زهد العالم، وبين تزهيد العالم للناس في الدنيا وبين تزهيد الزاهد للناس في الدنيا، يقول: (عندما يتواجد واحد زاهد في الدنيا يقول للناس: طلقوا الدنيا، الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، والناس إنما فُطموا على الدنيا وإلى الآن مازالوا يرتضعون منها بحب الدنيا، فعندما يقول له: أترك أمك وتعالي لا يعرف أن يتركها، إنما العالم إذا أردا أن يزهد الناس في الدنيا يحببهم في الله فيسهل عليهم ترك الدنيا ).
إذًا تفرق عندما تقول لواحد: أترك ما معك وتعالي، غير لما واحد تحببه في الله وفي الدار الآخرة يقوم يستعلي بها فتهون عليه الدنيا، هذا هو الفرق.
ما الذي جعل الفارق بين هذا وهذا بهذا الحجم؟ 
العلم، فالذي يزهد عالم، والذي يزهد في المرة الأولى رجل زاهد فقط ، لذلك ينظر فيمن تُنكر عليهم، إذا كان بعيداً عن المحرمات والمسألة فيها إباحة إذن لا مانع أن تراعي حاله غني، فقير، رجل أمير أو رجل عادي، الأمراء والولاة لا يحتملون أن تصدعهم بالأمر والنهي، تدخل عليه مرة واحدة  وتقول له اتق الله وهذا الكلام! لا سيما وأنت تعرف أن هذا الأمير ليس كمثل عمر بن الخطاب ولا مثل عمر بن عبد العزيز مثل أن تقول له: اتق الله يبكي، لا الدنيا اختلفت فالمعروف عندما أنهى هذا أأمره بماذا، غير لما أنهى هذا أو آمره.
لابد من مراعاة حال المُحتَسب عليه هل سأنكر عليه وكيف أنكر عليه؟ 
قد يكون هذا الإنسان يرتكب شيئًا محرمًا، لكن لو أنكرت عليه يصيبني من الأذى أضعاف أضعاف ما أردته من المصلحة، في هذه الحالة أنزل لا استطيع استعمال يدي طبعًا معه، ولو استخدمت لساني سأؤذى أشد الأذى، إذًا بقي قلبي إذن أنا لي الحرية أن أنزل من درجة إلى درجة على حسب المصلحة غدًا إن شاء الله سنتكلم عن الركن الثالث من هذه الأركان مع الكلام عن درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الْمَجْلِس الثالث مِن سِلْسِلَة الحِسْبَة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: سِلْسِلَة الحِسْبَة-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: