منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 المجلس الأول من سلسلة الحسبة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19887
العمر : 66

مُساهمةموضوع: المجلس الأول من سلسلة الحسبة   27/01/14, 12:21 am

سِلْسِلَة مُحَاضَرَات: الحِسْبَة
المجلس الأول من سلسلة الحسبة
فَضِيْلَة الْشَّيْخ: أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي (حَفِظَه الْلَّه)
مقدمة
إن الْحَمْد لِلَّه تَعَالَى نَحْمَدُه وَنَسْتَعِيْن بِه وَنَسْتَغْفِرُه وَنَعُوْذ بِاللَّه تَعَالَى مِن شُرُوْر أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَات أَعْمَالِنَا مَن يَهْدِى الْلَّه تَعَالَى فَلَا مُضِل لَه وَمَن يُضْلِل فَلَا هَادِى لَه وَأَشْهَد أَن لَا إِلَه إِلَّا الْلَّه وَحْدَه لَا شَرِيْك لَه وَأَشْهَد أَن مُحَمَّداً عَبْدُه وَرَسُوْلُه.      
أَمَّا بَعــــــد.
فَإِن أَصْدَق الْحَدِيْث كِتَابُ الْلَّه تَعَالَي وَأَحْسَن الْهَدْي هَدْي مُحَمَّدٍ -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، وَشَّر الْأُمُور مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعِه وَكِلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي الْنَّار، الْلَّهُم صَلّى عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَى آَل مُحَمِّد كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيْم وَعَلَى آَل إِبْرَاهِيْم فِي الْعَالَمِيْن إِنَّك حَمِيْدٌ مَجِيْد، وَبَارِك عَلَى مُحَمدٍ وَعَلَى آَل مُحَمِّد كَمَا بَارَكْت عَلَى إِبْرَاهِيْم وَعَلَى آَل إِبْرَاهِيْم فِي الْعَالَمِيْن إِنَّك حَمِيْدٌ مَجِيْد.  
الْمَجْلِس الْأَوَّل مِن سِلْسِلَة الحِسْبَة
آدَابِهَا وَضَوَابِطُهَا:
لَا يَتِم تَوْحِيْد الْلَّه- عَز وَجَل- إلا بالْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر: 
دَرْسُنَا هَذَا الْمَسَاء يَتَعَلَّق بِمَوْضُوْع مَن الْأَهَمِّيَّة بِمَكَان، وَلَا يَتِم تَوْحِيْد الْلَّه -عَز وَجَل- وَلَا يَتِم الْمَقْصُوْد مِن إِرْسَال الْرُّسُل وَلَا إِنْزَال الْكُتُب إِلَا بِهَذَا الْمَوْضُوْع الْكَبِيْر الْخَطِيْر أَلَا (وَهُو الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر).
الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر, الْمَقْصُوْد الْأَعْظَم مِن الْدِّيْن وبه بُعِثَ الرُّسُل: 
وَهَذَا الْمَوْضُوْع هُو الْمَقْصُوْد الْأَعْظَم مِن الْدِّيْن وَهُو الَّذِي بَعَث الْلَّه بِه جَمِيْع الْمُرْسَلِيْن ، وَقَد ذَلَّت فِيْه أَقْدَام وَضَلَّت فِيْه أَفْهَام وَتَاهَت فِيْه أَوْهَام بِسَبَب دِقَّة هَذَا الْمَوْضُوْع وَتَشَعُّبِه وَأَنَّه يَحْتَاج إِلَى ضَبْطٍ لِلْمَصَالِح وَالْمَفَاسِد ، وَهَذَا لَا يَكُوْن إِلَّا بِالْعِلْم.
وَكَان بِسَبَب الْجَهْل بِهَذَا الْمَوْضُوْع ، حَدِّثْت مَشَاكِل كَثِيْرَة فِي بِلَاد الْمُسْلِمِيْن نَظَراً لِكَثْرَة الْمُخَالَفَات الَّتِي يَرَاهَا الْمَرْء فِي الْطُّرُقَات ، وَفِي الْحَوَانِيْت ، بَل وَوَصَل الْأَمْرُ إِلَى دَوْر الْعِبَادَة ، فَتَجِد فِي الْمَسَاجِد أَشْيَاء مِن الْبِدَع وَالْحَوَادِث الَّتِي نَصَّ كَثْيَر مِن أَهْل الْعَلِم عَلَى بِدْعِيَّتِهَا ، فَإِذَا رَأَى الْمَرْءُ مِثْل هَذَا الْتَفَشِّي ، وَلَم يَكُن عِنْدَه مِن الْعِلْم مَا يَتَعَامَل بِه مَع هَذِه الْمَنَاكِيْر قَلَّ صَبْرُه وَضَاق صَدْرُه وْعَطْنّه ، فيَتَصَرَّف عَلَى حَسَب مَا يَرَاه سَوَاء كَان بِعِلْمٍ أَو بغَيْر عِلْم لِذَلِك أَرَى أَن هَذَا الْمَوْضُوْع وَإِن كُنَّا تَكَلَّمْنَا فِيْه قَبْل ذَلِك ، وَلَكِنَّنِي أُجَدِّدُ الْكَلَام فِيْه بِطَرِيْقَةٍ أَوْسَع وَأَشْمَل وَأَكْثَر عَائِدَةً إِن شَاء الْلَّه تَعَالَي.
وَقَد رَأَيْتُ أَن يَنْتَظِم حَدِيْثِي مَعَكُم فِي مُحَاوِر سِتَّة:
الْمُحَاوِر الْرَّئِيْسِيَّة الَّتِي  سَيَتَحَدَّث عَنْهَا الْشَّيْخ حَفِظَه الْلَّه:
الْمِحْوَر الْأَوَّل: 
مَاهِيَّةُ الْمَوْضُوْع وَحَقِيْقَتُه وَذِكَر الْأَدِلَّة عَلَى وُجُوْبِه وَذِكَر فَضْلِه وَمَا أَعَدَّهُ الْلَّه -عَز وَجَل- لِمَن قَام بِه.
الْمِحْوَر الْثَّانِي: 
أَرْكَان الْمَوْضُوْع ، أَرْكَان الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر وَهِي ثَلَاثَة أَرْكَان.
الْمِحْوَر الْثَّالِث: 
الْشُّرُوْط الَّتِي وَضَعَهَا الْعُلَمَاء لِهَذِه الْأَرْكَان الثَّلَاثَة، أَرْكَان الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر الْثَّلاثَة، المحور الأول: ( الْمُحْتَسِبُ ، أَو الْآَمِر ، أَو الْمُنْكِرُ ، وَالْمِحْوَر الْثَّانِي الْمُحْتَسَبُ عَلَيْه ، أَو الْمُنْكَر عَلَيْه ، وَالْمِحْوَر الْثَّالِث: مَوْضُوْع الْإِنْكَار نَفْسِه  فَهَذِه محَاوِر ْثَّلاثَة ، كُل مِحْوَر مِن هَذِه الْمُحَاوِر لَهَا شُرُوْط ، سَنَذْكُر شُرُوْط كُل رُكُن مِن هَذِه الْأَرْكَان الْثَّلاثَة .
الْمِحْوَر الْرَّابِع: 
الْشُّرُوْط.
الْمِحْوَر الْخَامِس: 
دَرَجَات الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر الْأَرْبَعَة وَمَا يَلْحَقُ كُل دَرَجَة مِن الْدَّرَجَات مَن الْأَحْكَام الْجُزْئِيَّة .
الْمِحْوَر الْسَّادِس: 
هَل يُنْكِر فَي مَسَائِل الْخِلَاف أَم لَا؟
تَعْرِيْف مَوْضُوْع الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر:
فَنَبْدَأ إِن شَاء الْلَّه تَعَالَي بِذِكْر تَعْرِيْف هَذَا الْمَوْضُوْع، الْمَوْضُوْع كُلِّه يَتَلَخَّص فِي أَرْبَع كَلِمَات (الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر)، الْكَلِمَات الْأَرْبَع مُتَقَابِلَات، أَمَرٌ يُقَابِلُه نَهْيٌ، وَمَعْرُوْفٌ يُقَابِلُه مُنْكَر  فَالأَمْر بِالْمَعْرُوْف سَابِقٌ دَائِماً فِي الْذِّكْر سَوَاءٌ فِي الْقُرْءَان أَو فِي الْسُّنَّة عَلَى الْنَّهْي عَن الْمُنْكَر لِأَن هَذَا يُدُّلُنا عَلَى أَن الْلَّه -عَز وَجَل- لِّمَا خَلَق الْخَلْق خَلَقَهُم عَلَى الِاسْتِقَامَة لَا اعْوِجَاج وَلَا انْحِرَاف، كَمَا قَال -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَة قَال: " كُلُّ مَوْلُوْدٍ يُوْلَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاه إِمَّا يُهَوِّدَانِه أَو يُنَصِّرَانِه أَو يُمَجِّسَانِه ".
لِمَاذَا لَم يَقُل الْرَّسُوْل -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أَو يُسَلِّمَانِه، وَلَم يَقُل (أَو يُسَلِّمَانِه)؟
لِأَن الْفِطْرَة هِي الْإِسْلَام فَيَكُوْن كُل مَوْلُوْدٍ يُوْلَد عَلَى الْفِطْرَة: (أَي كُل مَوْلُوْد يُوْلَد عَلَى الْإِسْلَام)، فَأَبَوَاه إِمَّا يُهَوِّدَانِه فَنَقَلُوه عَن أَصْل الْخِلْقَة، وَهَذَا هُو الْمُنْكَر الَّذِي حَدَث، فَالْمَعْرُوْف مُتَقَدِّم وَهُو أَن الْلَّه -عَز وَجَل- خَلْق الْنَّاس عَلَى الْتَّوْحِيْد، لَيْس فِيْهِم شِرْك، كَمَا قَال رَبُّنَا -عَز وَجَل-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172). 
أَقْدَم الْمَوَاثِيْق الَّتِي أُخِذْت عَلَى بَنِي أَدَم مِيْثَاق الْعُبُوْدِيَّة, وَهُم فِي عَالَم الذَّر: 
كَمَا قَال -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- مُوَضِّحا هَذِه الْآَيَة: "إِن الْلَّه -عَز وَجَل- لَمَّا خَلَقَ أَدَم مَسَح ظَهْرَهُ بِيَدِه فَاسْتَخْرَج مِن ظَهْرِه كُلَّ نَسَمَة هُو خَالِقُهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثُم خَاطَبَهُم أَلَسْت بِرَبِّكُم قَالُوْا بَلَى جَمِيْعاً" لَم يَشُذ عَنْهُم أَحَد. ﴿شَهِدْنَا﴾ أَي أَنَّك رَبُّنَا، فَقَال الْلَّه -عَز وَجَل- لَهُم: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ الْعِلَّة الَّتِي مِن أَجْلِهَا تَقَدَّم الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر: أَي لِئَلَّا تَقُوْلُوْا: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾  فَأَشْهَدَهُم عَلَى أَنْفُسِهِم أَنَّهُم عِبَاد لِلَّه -تَبَارَك وَتَعَالَى-.فَإِذاً الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف مُتَقَدِّم عَلَى ذِكْر الْنَّهْي عَن الْمُنْكَر لِأَجْل هَذِه الْعِلَّة، أَمَّا الْمُنَافِقُوْن فَيَعْكِسُون، ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: 67)، وَسَنَذْكُر هَذَا فِي جُمْلَة كَلَام يَأْتِي بَعْد ذَلِك إِن شَاء الْلَّه تَعَالَى الْأَمْر.
الْدِّيْن كُلِّه أَمَر وَنَهْي: 
وَالْنُّصُوص الْشَّرْعِيَّة كُلُّهَا فِي الْقُرْءَان وَالْسُّنَّة تَدُوْر عَلَى خَمْسَة مُحَاوِر لَيْس لَهُم سَادِس ، إِلَا مَا كَان مُصْطَلَحاً لِلأَحْنَاف وَهُو مُصْطَلَح ، أَي لَن نَتَعَرَّض لَه لِأِن هَذَا لَيْس مَجَالُه.
دَرَجَات الْأَوَامِر وَالَنَّوَاهِي: 
وَالْأَمْر يَنْتَظِم تَحْتَه ثَلَاث دَرَجَات:
* الدرجة الأولي إِمَّا أَن يَكُوْن أَمْر إِيْجَاب.
* الدرجة الثانية أَو أَمْر اسْتِحْبَاب.
* الدرجة الثالثة أَمْر إِبَاحَة.
هَذِه أَصْنَاف الْأَوَامِر الَّتِي هِي تَأْتِي بِصِيَغَة افْعَل.
وَالْنَّهْي يَنْتَظِم تَحْتَه دَرَجَتَان:
*حَرَامٌ.
* وَمَكْرُوْه.
فمَعْنَى ذَلِك أَن الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر تَشْمَلُه الْأَحْكَام الْشَرْعِيَّة الْخَمْسَة (فَقَد يَجِب أَحْيَاناً، وَقَد يُسْتَحَب أَحْيَاناً وَقَد يُبَاح أَحْيَاناً وَقَد يَحْرّمُ أَحْيَاناً، وَقَد يُكْرَه أَحْيَاناً)، وَهَذَا الْكَلَام إِنَّمَا يَرْتَبِط بِالْمُنْكِرِين أَنْفُسِهِم وَمَا عِنْدَهُم مِن الْعِلْم كَمَا سَنُفَصِّلُه بَعُد ذَلِك إِن شَاء الْلَّه تَعَالَي.
تَعْرِيْف أَمَر الْوُجُوْب: 
مَا طَلَب فَعَلَه مِن الْمُكَلَّف عَلَي سَبِيِل الْحَتْم وَالْإِلْزَام، أَمَرَك الْلَّه -عَز وَجَل-، أَمَرَك الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، أَمْرِك مَن فَوْقَك، فَهَذَا أَمْر إِيْجَاب لَا اخْتِيَار لَك فِيْه.
الْأَوَامِر مِن جِهَة الْآمِر عَلَى ثَلَاثَة أَنْحَاء:
وَكَمَا قُلْنَا قَبْل ذَلِك الْأَوَامِر تَكُوْن عَلَى ثَلَاثَة أَنْحَاء مِن جِهَة الْآمِر:-
*أَمْرٌ مِن فَوْق إِلَى تَحْت.
*وَأَمَرٌ مِن تَحْت إِلَى فَوْق.
*وَأْمُرٌ الْنَّظِيْر مَع الْنَّظِيْر، أَو الْنَّد مَع الْنَّد.
طَبِيْعَة الْأَوَامِر الَّتِي مِن فَوْق إِلَى تَحْت: 
طَبِيْعَتِهَا الْإِلْزَام وَالْوُجُوْب لِأَن الَّذِي يَأْمُر الْجِهَة الْعُلْيَا وَأَنْت لَا اخْتِيَار لَك، فَإِذَا أَمَرَك الْلَّه -عَز وَجَل- بِأَمْرٍ، أَو أَمَرَك الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- بِأَمْرٍ فَالْأَصْل فِي الْأَمْر أَنَّه يُفِيْد الْحَتْم وَالْإِلْزَام لَا اخْتِيَار لَك فِيْه لَا تَسْتَطِيْع أَن تَقُوْل لَا، لِأَن الْأَمْر جَاء مِن فَوْق، مِثَال ذَلِك: (وَأَقِيْمُوْا الْصَّلاة) (وَآَتُوا الْزَّكَاة)، هَذَا أَمْر إِيْجَاب.
طَبِيْعَة الْأَوَامِر الَّتِي مِن تَحْت إِلَى فَوْق: 
أَو الْأَمْر مِن تَحْت إِلَى فَوْق، مِثَال ذَلِك: عِنْدَمَا نَدْعُوَا الْلَّه -عَز وَجَل- فَأَقُوْل: (رَبِّي اغْفِر لِي) مِثْل: (أَقِم الصَّلَاة) (أَقِم): فِعْل أَمْر (وَاغْفِر) فِعْل أَمْر، لَكُن الَّذِي قَال لِي: أَقِم الْصَّلاة رَب الْعَالَمِيْن -تَبَارَك وَتَعَالَى- الْجِهَة الْعُلْيَا الَّتِي فَوْق، فَكَان الْأَمْر عَلَى سَبِيِل الْوُجُوْب، لَيْس لَك اخْتِيَار فِيْه لَابُد أَن تُنَفِّذ  فَأَنَا لمَّا اسْتخْدِمَت فَعَل الْأَمْر وَأَنَا مِن تَحْت أَدْعُوْ رَب الْعَالَمِيْن، هَل هَذَا فِعْل أَمْر آَمُر رَبَّنَا -سُبْحَانَه وَتَعَالَى-؟ لَا، هَذَا عَلِي سَبِيِل الْتَّضَرُّع وَالتَّذَلُّل.
وَالْأَمْر مِن الْنَّد لِلْنَّد: 
الْطَّلَب. فَنَحْن لِمَا نَأْتِي وَنَرَى جِهَة الْآمِر، نَقُوُل الْأَمْر مِن الْلَّه -عَز وَجَل- وَمِن الْرَّسُوْل -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- يُفِيْد الْوُجُوْب، أَو يُفِيْد الِاسْتِحْبَاب إِن كَان فِيْه قَرِيْنَة.
مَالَّذِي يَدُل عَلَي أَن الْأَمْر يُفِيْد الِاسْتِحْبَاب مَع الْدَّلِيل:  
أَو يُفِيْد الِاسْتِحْبَاب إِن كَان فِيْه قَرِيْنَة, الدليل: كَمَا قَال الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (النور: 33)، فَخَيْر أَو جَعَل الْمَسْأَلَة مَنُوْطَة بِعِلْمِك أَنْت، إِن عَلِمْت فِيْهِم خَيْرا كَاتِبَهُم، وَإِن لَم تُعْلَم خَلَاص  وَكَقَوْلِه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-: "صَلُّوْا قَبْل الْمَغْرِب، صَلُّوْا قَبْل الْمَغْرِب، صَلُّوْا قَبْل الْمَغْرِب، ثُم قَال: لِمَن شَاء"، فَجَعَل الْمَسْأَلَة مَنُوْطَة بِالْمُكَلَّف، وَهَذِه الْمَسْأَلَة دَاخِلَة فِي بَاب الاسْتِحْبَاب أَو الْمَشْرُوْعِيَّة.
الْدَّرَجَة الْثَّالِثَة مِن الْأَمْر الْإِبَاحَة: 
أَن يَسْتَوِي طَرَفَاه ، تَفْعَل أَو لَا تَفْعَل .
الْخُلَاصَة أَن دَرَجَات الْأَمْر ثَلَاثَة:
الْدَّرَجَة الْأَوَّلِي: الْوُجُوْب لَازِم تَفْعَل وَإِلَا تُعَاقِب.
الْدَّرَجَة الْثَّانِيَة: الِاسْتِحْبَاب  يُسْتَحَب لَك أَن تَفْعَل فَإِن لَم تَفْعَل لَا تُعَاقب.
الْدَّرَجَة الْثَّالِثَة: مَا اسْتَوَي طَرَفَاه  اسْتَوَي الْفِعْل مَع الْتَّرْك، وَهُو الَّذِي يُسَمُّوْنَه الْجَوَاز، يَقُوْل هَذَا جَائِز، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: 187)، هَذَا أَمْر إِبَاحَة. 
الْحَرَام عَكْس الْوُجُوْب، مَا طُلِب تَرَك فَعَلَه مِن الْمُكَلَّف عَلَى سَبِيِل الْحَتْم وَالْإِلْزَام ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (الإسراء: 32)، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: 151)، وَهَكَذَا, إِذاً الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف أَمْر بِمَعْرُوْف، عَرَفْنَا مَا هُو الْأَمْر، وَعَرَّفَنَا مَا هُو الْنَّهْي.
يُبْقِي الْمَعْرُوْف وَالْمُنْكَر:
الْمَعْرُوْف: 
هُو كُل مَا أَحَبَّه الْلَّه تّعالَي مِن الْأَفْعَال وَالْأَقْوَال، وَمَا اجْتَمَع عَلَى مَحَبَّتِه وَالْثَّنَاء عَلَيْه وَتَرَك الْإِنْكَار عَلَيْه الْمُؤْمِنُوْن .
الْمُنْكَر: 
عَكْس ذَلِك. هَذِه مَاهِيَّة الْمَوْضُوْع، أَصْل الْمَوْضُوْع الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، إِنَّمَا هُو كَذَلِك.
الْأَدِلَّة عَلَى وُجُوْب الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر: 
الْمَسْأَلَة فِيْهَا نَص وَإِجْمَاع  وَالْإِجْمَاع تَالِي لِلْنَّص َأَجْمَع أَهْل الْعِلْم وَنَقَل إِجْمَاعِهِم جَمَاعَة مِن الْعُلَمَاء كَأَبِي مُحَمَّد بْن حَزْم، وَكَأَبِي بَكْر الْجَصَّاص، وَكَذَلِك بْن عَطِيّه، وَشَيْخ الْإِسْلَام بْن تَيْمِيَّة، وَالْنَّوَوِي وَالْحَافِظ بْن حُجْر الْعَسْقَلَانِي وَغَيْرِهِم جَمَاعَات كَثِيْرَة نَقَلُوْا الْإِجْمَاع عَلَى وُجُوْب الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، وَسَاقُوْا عَلَى ذَلِك أَدِلَّة كَثِيْرَة، لَا نَسْتَطِيْع أَن نَأْتِي عَلَي الْأَدِلَّة جَمِيْعَهَا، وَلَكِن سَنَذْكُر بَعْضُهَا. 
الْأَدِلَّة عَلَى وُجُوْب الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر:
مِن ذَلِك قَوْلُه -تَبَارَك وَتَعَالَى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (البقرة: 110)، الشاهد من الآية: فَجَعَل الْخَيْرِيَّة مَنُوْطَة بِهَذَا الْوَصْف، وَالْحُكْم إِذَا عُلِّق بِوَصْف كَان الْوَصْف سَبَبا لِثُبُوْت أَحْكَامِه، هَذِه الْخَيْرِيَّة مَشْرُوْطَة بِالْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر ثُم ذَكَر الإِيْمَان بِاللَّه بَعْد ذَلِك.
لِمَاذَا أُخَر الْإِيْمَان بِالْلَّه فِي الْذِّكْر بَعْد الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر؟:
أَنْت تُرْجَع إِلَى سِيْرَة الْنَّبِيِّيْن جَمِيْعاً، وَسِيْرَة الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- عَلَى وَجْه الْخُصُوْص لَتَعْلَم لِمَاذَا قُدِم الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر عَن الْإِيْمَان بِالْلَّه، قَال الْلَّه -عَز وَجَل- عَن الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157). 
قَال بْن كَثِيْر -رَحِمَه الْلَّه-: أَن الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- مَذْكُوْرٌ فِي الْكُتُب الْسَّابِقَة بِهَذِه الْأَوْصَاف، وَأَوَّل أَوْصَافِه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوْف وَيَنْهَاهُم عَن الْمُنْكَر.
مَا هُو أَعْظَم الْمَنَاكِيْر عَلَى الْأَرْض؟:
الْكُفْر بِالْلَّه، الْشِّرْك، وَلِذَلِك جَاء كُل الْأَنْبِيَاء لِإِزَالَة هَذَا الْمُنْكَر الْعَظِيْم الَّذِي عَلَق بِأَبْنَاء أَدَم بَعْدَمَا خَلَقَهُم الْلَّه -عَز وَجَل- حُنَفَاء مُوَحِّدِيْن، فأَعْظَم الْمُنْكَرَات الْشِّرْك، وَأَنَا لَم أَجِد الْحَقِيقَة وَصْفاً لِمَا فَعَلَه الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أَجْوَد مِمَّا قَالَه جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب -رَضِي الْلَّه عَنْه- فِي الْحَدِيْث الَّذِي رَوَاه الْإِمَام أَحْمَد عَن إِبْرَاهِيْم بْن سَعْد، وَرَوَاه الْبَيْهَقِي فِي دَلَائِل الْنُّبُوَّة عَن يُوْنُس بْن بُكَيْر كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق قَال حَدَّثَنِي الْزُّهْرِي عَن أَبِي بَكْر عبد الرحمن بْن الْحَارِث بْن هِشَام عَن أُم سَلَمَه أَم الْمُؤْمِنِيْن -رَضِي الْلَّه عَنْهَا- فَذَكَرْت حَدِيْثاً طَوِيْلاً فِي هِجْرَتِهِم إِلَى الْحَبَشَة  وَفِي أَمْر قُرَيْش لَمّا أرْسِلُوْا خَلْفَهُم عَمْر بْن الْعَاص، وعبد الله بْن أَبِي رَبِيْعَة، وَحُصِّل مُحَاوَرَات بَيْن الْنَّجَاشِي وَبَيْن عُمَر بْن الْعَاص وَبَيْن الْنَّجَاشِي وَبَيْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب.
الْحَقِيقَة هَذَا الْكَلَام يُذَكِّرُنَا بِقَوْل الْقَائِل: الْإِسْلَام قُضِي نَاجِحَة تَحْتَاج إِلَى مُحَام جَيِّد يُحْسِن الْتَّرَافُع وَيُحَسِّن مَا يَعْرِضُه كَمَا سَنَذْكُر بَعْض الْنَّمَاذِج.
وَالنْمُوذَج الْآَن الَّذِي سَأَذْكُرُه لَكُم هُو مَا رَوَاه الْإِمَام أَحْمَد وَالْبَيْهَقِي فِي دَلَائِل الْنُّبُوَّة عَن إِسْحَاق، وَقَد ذَكَرَه مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي كِتَاب السِّيْرَة بِطُوْلِه هَذَا، لِمَا عمرو بْن الْعَاص وعبد الله بْن أُبَي رَبِيْعَة ذَهَبُوْا إِلَى الْنَّجَاشِي وَقَالُوْا إِن فِيْه جَمَاعَة مِن الْصِّبْيَة الْغِلْمَان الَّذِيْن خَالَفُوُا أَعْرَاف قَوْمَهُم وَخَالِفُوْا آَبَائِهِم وَأَعْمَامِهِم وَأَخْوَالِهِم، وَشَتَمُوا الْآَلِهَة وحَقَرُوْهَا وَخَرَجُوْا عَن كُل الْأَعْرَاف، هَؤُلَاء الْجَمَاعَة هَرَبُوْا عِنْدَك فِي الْحَبَشَة وَنَحْن نُرِيْد أَن تُسْلِم لَنَا هَؤُلاء الْأَوْلاد حَتَّى نُرْجِعَهُم إِلَى آَبَائِهِم وَأَعْمَامِهِم يَتَصَرَّفُون مَعَهُم، فَإِن آَبَائِهِم هُم الَّذِيْن يَعْرِفُوْنَهُم حَق الْمَعْرِفَة وَأَنْتُم أَيُّهَا الْمَلِك لَا تَعْرِفُوْن عَنْهُم شَيْئاً.
عَدَالَة الْنَّجَاشِي: 
فَالنَّجَاشِي لِأَنَّه كَان رَجُلاً عَادِلاً قَال: لَا أَنَا لَا أَرْجَعَهُم وَلَا أَسْلَمَهُم إِلَى آَبَائِهِم حَتَّى أَسْمَع مَا عِنْدَهُم، الْمُهِم لَمَّا وَصَل الْكَلَام إِلَى الْطَّائِفَة الْمُؤْمِنَة اجْتَمَعُوْا وَخَافُوَا، قَالُوْا هُم سَيُسْلَمُوْنا إِلَى أَقْوَامِنَا مرةً أُخْرَى، وَهُم فَرُّوْا مِن أَقْوَامِهِم بِسَبَب أَنَّهُم سَامُوْهُم سُوَء الْعَذَاب، فَلَمَّا تَشَاوَرُوْا اخْتَارُوْا جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب لِيعْرَض قَضِيَّتَهُم الْعَادِلَة عَلَى الْنَّجَاشِي، فَلَمَّا دَخَل جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب عَلَى الْنَّجَاشِي، وَسَأَلَه الْنَّجَاشِي مَا هُو مَوْضُوْعِكُم؟ وَلِمَاذَا خَالَفْتُم قَوْمَكُم؟ وَخَالَفْتُم دِيْنَهُم؟ وَلَم تَدْخُلُوَا لَا فِي دِيْنِهِم وَلَا فِي دِيْنِي، لِأَن الْنَّجَاشِي كَان نَصْرَانِي فِي الْأَصْل قَبْل أَن يُسَلم، فَانْبَرَى جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَقَال هَذَا الْخِطَاب الْعَظِيْم وَهَذَا الْكَلَام الْرَّائِع يُبَيِّن فِيْه بَعْثَة الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، يُبَيِّن فِيْه كَيْف كَانَت قُرَيْش وَلَمَّا جَاء رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- مَاذَا فَعَل، وَلِذَلِك حدث هَذَا الَتَناطِح وَهَذَا الْتَضَارُب بَيْن الْجَمَاعَة الْمُسْلِمَة الْوَلِيِّدَة وَبَيْن قُرَيْش الَّتِي كَانَت تَعْبَد الْأَصْنَام.
الْبَيَان الَّذِي أَلْقَاه جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب عَلَي الْنَّجَاشِي: 
قَال (يَا أَيُّهَا الْمَلِك: كُنَّا قَوْماً أَهْل جَاهِلِيَّة نَعْبُد الْأَصْنَام وَنَأْكُل الْمَيْتَة وَنَأْتِي الْفَوَاحِش وَنَقْطَع الْأَرْحَام وَنُسِيْء الْجِوَار يَأْكُل الْقَوِي مِنَّا الضَّعِيْف، فَكُنَّا عَلَى ذَلِك حَتَّى بَعَث الْلَّه رَسُوْلا مِنَّا نَعْرِف نَسَبَه وَصِدْقَه وَأَمَانَتَه وَعَفَافَه، فَدَعَانَا لِنَعْبُد الْلَّه -عَز وَجَل- وَحْدَه وَنَوَحِّدَه وَنَخلَع مَا كُنَّا نَعْبُد نَحْن وَآُبَاؤُنَا مِن الْأَنْدَاد مِن دُوْنِه مِن الْحِجَارَة وَالْأَوْثَان، وَأَمَرَنَا بِصِدْق الْحَدِيْث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَصِلَة الْرَّحِم وَحُسْن الْجِوَار وَالْكَف عَن الْمَحَارِم وَالْدِّمَاء، وَنَهَانَا عَن الْفَوَاحِش وَقَوْل الْزُّوْر وَأَكْل مَال الْيَتِيْم، وَقَذْف الْمُحْصَنَات. 
وَأَمَرَنَا أَن نَعْبُد الْلَّه وَحْدَه لَا نُشْرِك بِه شَيْئا، وَأُمِرْنَا بِالصَّلَاة وَالْزَّكَاة وَالصِّيَام وَعَدَّد لَه أُمُوْر الْإِسْلَام، فَصَدَّقْنَاه وَآَمَنَّا بِه وَاتَّبَعَنَاه عَلَى مَا جَاء بِه فَعَبَدْنَا الْلَّه وَحْدَه فَلَم نُشْرِك بِه شَيْئا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّم عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَل لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَّفَتَنُوْنَا عَن دِيْنِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَة الْأَوْثَان من عُبَادَة الْلَّه، وَأَن نَسْتَحِل مَا كُنَّا نَسْتَحِل مِن الْخَبَائِث، فَلَمَّا قَهَرُوْنَا وَظَلَمُوَنَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوْا بَيْنَنَا وَبَيْن دِيْنِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِك وَاخْتَرْنَاك عَلَى مَن سِوَاك وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِك وَرَجَوْنَا أَن لَا نُظْلَم عِنْدَك أَيّهَا الْمَلِك).
بَيَان فِي مُنْتَهَى الْجَمَال وَفِي مُنْتَهَى الرَّوْعَة وَلَخَّص الْإِسْلام كُلُّه فِي بِضْع كَلِمَات، فَالَنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- لمَّا جَاء خَالَف أَعْرَاف الْجَاهِلِيَّة كُلُّهَا إِلَا مَا كَان حَسَناً يُوَافِق الْمُرُوءَة وَيُوَافِق مَكَارِم الْأَخْلاق فَأَقَرَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-.
مُخَالَفَة الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- لأَعْرَاف الْجَاهِلِيَّة إِلَّا مَا كَان حَسَنَا فَأَقَرَّه:
مَثَل مَسْأَلَة الْوَفَاء بِالْعَهْد وَمَسْأَلَة تَرَك الْغَدْر... ألي آخره من الصفات، وَافَقَهُم عَلَيْه، لِأَن تَرْك الْغَدْر وَالِالْتِزَام وَالْوَفَاء هَذَا مِن مَأْمُوْر الْلَّه -عَز وَجَل- بِه لِكُل الْأَنْبِيَاء.
وَنَحْن نَذْكُر قِصَّة الْمُغِيْرَة بْن شُعْبَة لَمَّا صَحِب ثَلَاثَة عَشَر رَجُلاً فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَان الْمُغِيْرَة كَافِراً، فَشَرِبُوْا الْخَمْر حَتَّى ثَمِّلُوَا وَسْكَرُوا، فَقَطَعَ رِقَابهم جَمِيْعاً وَاسْتَلَب أَمْوَالَهُم وَهَرَب إِلَى الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فِي الْمَدِيْنَة، ثُم قَال: "يَا رَسُوْل الْلَّه إِنِّي جِئْت مُسْلِماً، فَقَبِل الْإِسْلَام مِنْه وَقَال هَذَا الْمَال بَيْن يَدَيْك، مِن أَيْن هَذَا الْمَال؟، قَال أَنَا ذَبَحْت الْجَمَاعَة وَأَخَذَت الْمَال مِنْهُم، فَقَال -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- لَه: "أَمَّا الْإِسْلَام فَأُقَبِّلُه مِنْك، أَمَّا الْمَال فَلَا آَخُذُه، إنه أُخذ غَدْراً".
أَوَّل عَلَامَات الْنَّبِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر:
فَمَا كَان مِن مَكَارِم الْأَخْلَاق فِي الْجَاهِلِيَّة أَقَرَّه الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، لَكِن كَانَت أَكْثَر أَعْرَاف الْجَاهِلِيَّة عَلَى غَيْر الْهُدَى فَخَالَفها ْالْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فَلِذَلِك رَمَتْه الْعُرْب عَن قَوْس وَاحِدَة، فَالَنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أُوُل مَا جَاء أَمْر بِالْمَعْرُوْف وَنَهْى عَن الْمُنْكَر وَهَذِه أَو ل عَلَامَاتُه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- وَلِذَلِك نَقَلَ هَذِه الْعَلَّامَة لِأَصْحَابِه، وَلِذَلِك قَال الْلَّه - عَز وَجَل- مُمْتَدِحاً هَذِه الْأُمَّة: ﴿كُنْتُم خَيْر أُمَّة أُخْرِجَت لِلْنَّاس﴾.
مَا الَّذِي أَدْخَل الَّذِيْن أَسْلَمُوا من السبايا الْجَنَّة عَلَى الْحَقِيقَة كَسَبَب؟:
قَوْم يَدْخُلُوْن الْجَنَّة بِالْسَّلاسِل بَيْن أَبُو هُرَيْرَة فِي الْحَدِيْث الَّذِي رَوَاه الْبُخَارِي فِي كِتَاب الْتَّفْسِيْر مِن صَحِيْحِه قَال: "نَحْن خَيْر الْنَّاس لِلْنَّاس نَأْتِي بِالْنَّاس فِي الْسَّلَاسِل لِيَدْخُلُوَا الْجَنَّة"، وَقَد أَخَذ أَبُو هُرَيْرَة هَذَا مِن كَلَام رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، وَهَذَا الْحَدِيْث أَخْرَجَه أَيْضاً الْبُخَارِي فِي أَوَاخِر كِتَاب الْجِهَاد مِن صَحِيْحِه، وَأَخْرَجَه أَبُو دَاوُد وَأَحْمَد وَغَيْرُهُم مِن حَدِيْث مُحَمَّد بْن زِيَاد عَن أَبِي هُرَيْرَة –رَضِي الْلَّه عَنْه- أَن الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- قَال: "عَجِب رَبُّنَا مِن قَوْم يَدْخُلُوْن الْجَنَّة فِي الْسَّلَاسِل". 
الشاهد من الحديث:
رَجُلٌ يَدْخُل الْجَنَّة فِي سِلْسِلَة تَجُرُّه إِلَى الْجَنَّة بِسِلْسِلَة، وَمَن الَّذِي لَا يَرْضَى أَن يَدْخُل الْجَنَّة؟، فَبَيَّن الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أَن الْسَّلاسِل هُنَا هِي سَلَاسِل الْحَرْب، لِّمَا كَان الْمُسْلِمُوْن يُحَارِبُوْن أَعْدَاءهُم وَكَانُوْا يَظْفَرُوْن عَلَيْهِم كَانُوْا يَأْخُذُوْن الْرِّجَال وَالْنِّسَاء سَبَايَا وَيَكُوْنُوْن مِلْك لِهَؤُلَاء الْمُجَاهِدِيْن، وَكَانَت تُعْقَد سُوْق نِخَاسَه فِي بِلَاد الْمُسْلِمِيْن، فَكَان هَذَا الْرَّجُل الَّذِي صَار مِلْك يَمِيْن أَو صَار سَبْياً بَعْد ذَلِك يَرَى سَيِّدِه مُؤْمِناً مُسْلِماً يُصَلَّى وَيُزَكِّي وَيَصُوْم وَيَفْعَل الْمَعْرُوْف، فَيَحْمِلُه مَا يَرَاه مِن مَكَارِم الْأَخْلاق وَمَا يَرَى عَلَى أَن يُسَلِّم.
فَهَذَا الْرَّجُل لَو نَحْن دَعَوْنَاه بِلَا حَرَب رُبَّمَا ظَلَ عَلَى كُفْرِه، وَلَكِن مَّن الَّذِي جَعَلَه يُسَلِّم؟ سَلَاسِل الْحَرْب هِي الَّتي جَعَلْتَه يُسَلِّم، لمَّا جِيْء بِه قَسراً إِلَى بِلَاد الْمُسْلِمِيْن فَرَأَى هَذِه الاسْتِقَامَة وَهَذِه الْعِبَادَة فَحَمَلَه ذَلِك عَلَى أَن يُسَلِّم، فَالَّذِي أُدْخِلَه الْجَنَّة عَلَى الْحَقِيقَة كَسَبَب إِنَّمَا هُو سَلَاسِل الْحَرْب الَّتِي جَعَلْتَه مُسْتَعْبَداً بعدما كَان حُراً، وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيْث: "عَجِب رَبُّنَا مِن قَوْم يَدْخُلُوْن الْجَنَّة فِي الْسَّلَاسِل". فـ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
مَّا يُشْنّع بِه أَعْدَاؤُنَا عَلَيْنَا: 
كُنَّا خَيْر الْنَّاس لَهُم، الرِّق الَّذِي أَعْدَاءنَا يُشَنِّعُون عَلَيْنَا بِمَسْأَلَة الْرَّق وَيَقُوْلُوْن أَن الْإِسْلَام وَالْقُرْءَان فِيْه رِق، وَيَدَعُوْك إِلَى عَتَق الْرَّقَبَة وَهَذَا الْكَلَام وَالْأَصْل أَن الْنَّاس يَكُوْنُوْا أَحْرَاراً، الرِّق عِنْدَنَا فِي بِلَاد الْمُسْلِمِيْن خَيْر لِلْنَّاس، كَمَا صَرَّح بِذَلِك الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- كَمَا اسْتَنْبَطَه أَبُو هُرَيْرَة مِن كَلَام الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-.
غَيْرِنَا مِن الْأَعْدَاء لَا يَسْتَرْقُون الْأَفْرَاد إِنَّمَا يَسْتَرْقُون دُوَلاً بِأَكْمَلِهَا: 
وَنَحْن نَقْرَأ فِي الْأَبْحَاث وَفِي الْجَرَائِد وَالْمَجَّلَات عَن الْقَمْح الَّذِي يُرْمَى فِي الْمُحِيْط، وَالْلَّبَن الَّذِي يُرْمَى فِي الْمُحِيْط وَالْزُّبَد وَالْدَّقِيْق الَّذِي يُرْمَى فِي الْمُحِيْط وَثُلُث الْكَرَّة الْأَرْضِيَّة يَمُوْت جُوْعاً الْمُسْلِمُوْن لَا يَفْعَلُوْن هَذَا مُطْلَقاً، إِن امْرَأَة دَخَلَت الْنَّار فِي هِرَّة حَبَسَتْهَا لَا هِي أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِي تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِن خَشَاش الْأَرْض، وَامْرَأَة بغِي دخلَت الْجَنَّة فِي كَلْب سَقَتْه، وَهَذِه الْأَحَادِيْث كُلُّهَا فِي صَحِيْح الْبُخَارِي وَمُسْلِم، امْرَأَة بَغِي حرفَتْهَا الْزِّنَا دخلَت الْجَنَّة فِي كَلْب سَقَتْه لَمَا رَأَتْه يَلْهَث الْثَّرَى مِن الْعَطَش.
إِذَا كَان مَقَاليد الْأَمْر بِيَد الْمُسْلِمِيْن أَوَّل الْنَّاس يَسْعَد هُم الْعَالَم أَجْمَع: 
فَالِاسْتِرْقَاق عِنْد الْمُسْلِمِيْن لَيْس ذِلّة وَلَا إِرْهَاق وَلَيْس تَعْذِيباً، وَلَيْس وَلَيْس... إِلَى آَخِرِه، أَنَّمَا الْرِّق حَتَّى عِنْد الْمُسْلِمِيْن رِق يُدْخِل الْجَنَّة.
ثانياً: أَن الْشَّرْع نَدَب الْمُسْلِم إِلَى عِتَق الْرِّقَاب، وَفِيْه بَعْض الْذُّنُوب إِنَّمَا تَكُوْن الْكَفَّارَة عِتْق رَقَبَة، فَهَذَا إِذاً مَعْنَاه أَن الْإِسْلَام لَا يَحُض عَلَى أَن يَبْقَى الْرَّقِيْق رَقِيْقاً، بِالْعَكْس لَمَّا جَعَل بَعْض الْذُّنُوب الْتَّحِلَّة مِن هَذِه الْذُّنُوب عَتَق الْرَّقَبَة عَلِمْنَا أَن الْإِسْلَام لَا يَرْغَب فِي أَن يَكُوْن الْنَّاس عَبِيْداً إِلَا لِلّه -تَبَارَك وَتَعَالَى-.
وَضَّح تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فِي سُنَن الْإِمَام الْتِّرْمِذِي -رَحِمَه الْلَّه- فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة، قال النبي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-: "أَنْتُم تتمون سَبْعِيْن أُمَّة أَنْتُم خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى الْلَّه -عَز وَجَل-".. وَجْه الْدَّلَالَة مِن الْآَيَة: عَلَي خَيْرِيَّة هَذِه الْأُمَّة مَا تَمَسَّكَت بِهَذَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر.
إِذاً لَا يَتِم تَوْحِيْد الْلَّه -عَز وَجَل- إِلَا بِإِزَالَة الْمُنْكَرَات كَمَا حَدَث لِلْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-:
جَاء فَوَجَد الْغَدْر وَأَكْل مَال الْيَتِيْم وَقَذْف الْمُحْصَنَة وَوَأْد الْبِنْت وَهِي حَيَّة، فَهَذِه كُلُّهَا مَنَاكِيْر فَلَابُد أَن يُزِيْل هَذِه الْمَنَاكِيْر لِتَتِم عِبَادَة الْلَّه -عَز وَجَل- وَحْدَه، وَمِن أَعْظَم الْمَنَاكِيْر كَمَا قُلْنَا وُجُوْد الْأَصْنَام أَيا كَانَت الْأَصْنَام إِن كَانَت حِجَارَة، أَو كَانَت شَجَرَاً، أَو كَانَت حَجَراً، أَو كَانَت بَشَراً, وَمَن الْأَدِلَّة أَيْضا قَوْل الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).
حُكْم الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر: 
الْعُلَمَاء الَّذِيْن اخْتَلَفُوَا فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، هَل هُو فَرْض عَلَي الْكِفَايَة أَو فَرْض عَيْن؟ كِلَاهُمَا أَحْتَج بِهَذِه الْآَيَة فَالَّذِين قَالُوْا: أَنَّهَا فَرْض عَلَي الْكِفَايَة إِذَا قَام بِه جَمَاعَة سَقَط عَن الْبَاقِيْن جَعَلُوٓا (مِن) فِي قَوْلُه -تَبَارَك وَتَعَالَي-: ﴿مِنْكُمْ﴾ للتبعيض ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾: أَي وَلْيَكُن بَعْضُكُم   (مِن): لِلْتَّبْعِيْض أَي تُفِيْد الْبَعْضِيَّة.
الْعُلَمَاء الْآَخَرُوْن الَّذِيْن قَالُوْا: لَا الْآَيَة هَذِه تَدُل عَلَي فَرْضِيَّة الْعَيْن، قَالُوْا: إِن (مِن) هُنَا لَيْسَت لِلْتَّبْعِيْض، وَلَكِنَّهَا لِلْبَيَان وَإِرَادَة الْجِنْس مَثَل قَوْلُه -تَبَارَك وَتَعَالَي-: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ﴾ (الحج: 30)، (مِن) هُنَا لَيْسَت تَبْعِيْضِيَّة، لِأَن الْمَعْلُوْم أن الْأَوْثَان كُلَّهَا يَجِب أَن تَجْتَنِب لَيْس بَعْضُهَا، وَأَيْضا مَثَل قَوْلُه -تَبَارَك وَتَعَالَي-: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82)، (مِن): هُنَا لَإِرَادَة الْجِنْس وَالْبَيَان أَي وَنُنَزِّل مِن جِنْس الْقُرْآَن مَا هُو شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِيْن وَجَد أَن بَعْض الْقُرْآَن، وَبَعْضُه لَيْس بِشِفَاء، وَفِي الْحَدِيْث الْمَوْقُوْف: "عَلَيْكُم بِالَّشِّفَائِيْن الْقُرْآَن وَالْعَسَل" إِذاً الْقُرْآَن لِلَّذِيْن آَمَنُوْا كُلُّه شِفَاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44)، وَالَّذِين لَا يُؤْمِنُوْن هَؤُلَاء هُو عَلَيْهِم عَمَى لَا يَسْتَفِيْدُوْن، وَلَا يَزِيْدُهُم إِلَا خَسَارا. 
الْمُؤْمِنُوْن الْقُرْآَن كُلَّه شِفَاء بِالْنِّسْبَة لَهُم ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أَي مِن جِنْس الْقُرْآَن فَمَن بَيَانِيَّة، وَمَعْنِي الْآَيَة عَلَي هَذَا أَي وَلْيَكُن كُلُّكُم دُعَاة: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وَأَيْضا مَن الْأَدِلَّة عَلَي وُجُوْب هَذِه الْفَرِيضَة الْعَظِيمَة وَعَلَي فَضْلِهَا قَوْل الْلَّه -تَبَارَك وَتَعَالَي- وَهُو يُعَدِّد صِفَات الْمُؤْمِنِيْن الْتِّسْع فِي سُوْرَة الْتَّوْبَة قَال تَعَالَي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 112) فَهَذِه صِفَات تِسْعَة ذكر أَيضا مِنْهَا الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر.
وَأَيْضا قَوْلُه تَبَارَك وَتَعَالَي: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)، فِي مُقَابِل هَذَا قَبْل هَذِه الْآَيَة بِآَيَة أَو آَيَتَيْن قَوْل الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (التوبة: 67).
يتبع إن شاء الله...




عدل سابقا من قبل ahmad_laban في 03/02/14, 08:55 am عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19887
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: المجلس الأول من سلسلة الحسبة   27/01/14, 12:53 am

فَالْحَاصِل أَن الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف، وَالْنَّهُي عَن الْمُنْكَر وَاجِبٌ عَلَي الْأُمَّة كُلِّهَا:

لَا يَنْفَك عَنْه أَحَد قَط، لَكِن دَرَجَات كَمَا سَنَذْكُر فِي حَدِيْث أَبِي سَعِيْد ألخدري: "مَنْ رَأْي مِنْكُم مُنْكَرا فَلْيُغَيِّرْه بِيَدِه، فَإِن لَم يَسْتَطِع فَبِلِسَانِه، فَإِن لَم يَسْتَطِع فَبِقَلْبِه" فَالَّدَّرَجَة الْأَوَّلِي وَالْثَّانِيَة عَلَي حَسَب الاستطاعة، أَمَّا الْدَّرَجَة الْثَالِثَة فَهِي فَرَض عَيْن عَلَي كُل مُكَلَّف لَا يَنْفَك عَنْه أَبَداً وَهُو الْإِنْكَار بِالْقَلْب، وَلِذَلِك الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- قَال: "وَلَيْس وَرَاء ذَلِك مِن الْإِيْمَان حَبَّة خَرْدَل"، كَمَا سَنَذْكُر مِن حَدِيْث ابْن مَسْعُوْد -رَضِي الْلَّه عَنْه- بَعُد ذَلِك إِن شَاء الْلَّه تَعَالَي.
بَعْدمَا نَقَلْنَا إِجْمَاع أَهْل الْعِلْم عَلَي وُجُوْب هَذِه الْشَّعِيْرَة، وَإِن الْمَرْء إِذَا رَأَي مُنْكَراً فِلَابُد أَن يَكُوْن إِيْجَابِياً فِي مُجْتَمَعِه بِشَرْط الضَّوَابِط الْمَعْرُوْفَة الَّتِي سَنَذْكُرُهَا نَذْكُر بَعْد ذَلِك فَضْل مَا وَرَد عَن هَذِه الْطَّائِفَة الْمُبَارَكَة مِن حَدِيْث الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- وَقَد وَرَد فِي هَذَا أَحَادِيْث مِن أَشْهَرِهَا حَدِيْث ابْن مَسْعُوْد -رَضِي الْلَّه عَنْه- وَهُو الَّذِي رَوَاه الْإِمَام مُسْلِمٌ  فِي صَحِيْحِه مِن حَدِيْث أَبِي رَافِع مَوْلِي رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- قَال ابْن مَسْعُوْد: قَال رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-: "مَا مِن نَبِي بَعَثَه الْلَّه -تَبَارَك وَتَعَالَي- فِي أُمَّة قَبْلِي إِلَا كَان لَه مِن أُمَّتِه حَوَارِيُّوْن وَأَصْحَاب يَأْخُذُوْن بِسُنَّتِه، وَيَقْتَدُوْن بِأَمْرِه ثُم إَنَّهَا تخْلِف خُلُوْفٌ بَعْدَهم يَقُوْلُوْن مَالْا يَفْعَلُوْن، وَيَفْعَلُوْن مَالْا يُؤْمَرُوْن فَمَن جَاهَدَهُم بِيَدِه فَهُو مُؤْمِن، وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِه فَهُو مُؤْمِن، ومِن جَاهَدَهُم بِقَلْبِه فَهُو مُؤْمِن، وَلَيْس وَرَاء ذَلِك مِن الْإِيْمَان حَبَّةُ خَرْدَل " أَي لَيْس وَرَاء هَذِه الْدَّرَجَات لَاسِيَّمَا الْدَّرَجَة الْثَّالِّثَّة وَهِي الْإِنْكَار بالقلب، لِأَن الْإِنْكَار بِالْيَد سَيَجُرّ عَلَيْك مَشَاكِل، وَالْإِنْكَار بِالْلِّسَان سَيَجُرّ عَلَيْك مَشَاكِل الْإِنْكَار بِالْقَلْب أَي مَشَاكِل تُجُرّ عَلَيْك إِذَا أَنْكَرْت بِقَلْبِك؟ أَنْت مُمْكِن تُجْلِس مَع إِنْسَان وَأَنْت تَلْعَنُه، وَأَنْت تَسُبُّه، وَأَنْت تَدْعُو الْلَّه عَلَيْه، لَكِنَّه لَا يَشْعُر بِشَيْء مِّن ذَلِك، لَا يعلم أَنَّك تَدَّعِي، أَنْت تُوَقِّرُه، وَتُبَجِلَّه، وَتَمْدَحُه, وَقَلْبُك يَلْعَنُه فَهُو لَا يَطَّلِع عَلَي الْقَلْب.
فَعَدَم إِنْكَار الْقَلْب دَلَالَة عَلَي اسْتِمْرَاء الْمَعَاصِي: 
وَلِذَلِك كَان أَقْتُل دَاء لِلْقَلْب هُو إِلْف الْعَادَة، إِنْسَان يَعِيْش فِي مَكَان فِيْه مَعَاصِي مُسْتَمِرَّة هُو الْأَوَّل يُنْكِر، وَبَعْد ذَلِك الْإِنْكَار يَخَف شَيْئاً فَشَيْئاً حَتَّى يسْتَمْرِئ هَذَا الْمُنْكَر بَعْد ذَلِك.
وَأَنَا أَذْكُر لَكُم شَيْئاً وَقَع لِي عِنْدَمَا كُنْت أَسْكُن فِي الْقَاهِرَة أَمَام الْقَرَافَة الْصُّغْرَى، الْقَرَافَة الْصُّغْرَى أَشْهُر قَرَافَتَان فِي الْتَّارِيْخ الْقَرَافَة الْكُبْرَى وَالْقَرَافَة الْصُّغْرَى مَجْمُوْعَة الْمَقَابِر الَّتِي تَصِل إِلَي عَشَرَات الأَفْدَنّة. 
فَكَان فِي الْيَوْم الْوَاحِد كَانُوْا يُدْفَنُوَا فِي الْقَرَافَة هَذِه سِتَّة، سَبْعَة، ثَمَانِيَة، عَشْرَة، فَأَوَّل مَا أَسْمَع الْصُّرَاخ أَطَّلِع عَلَي الْنَّافِذَة أَنْظُر إِلَيْهِم وَهُم يَحْمِلُوْن الْجُثَّة وَالْنَّعْش، وَبَعْد ذَلِك أَنَا رَأَيْتَهُم يَفْتَحُوْا الْقَبْر وَيَضَعُوا الْجُثَّة، وَبَعْدمَا يَنْتَهُوْا مِن كُل ذَلِك يَنْصَرِف الَّذِي يَرْكَب عَرَبَتِه، وَالَّذِين يَرْكَبُوْا أُتُوَبيْسَات وَالْكَلَام هَذَا، وَأَنَا مُسْتَحْضَر لِأَحَادِيْث الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- حَدِيْث الْبَرَاء بْن عَازِب، وَحَدِيْث عَبْد الْلَّه بْن عُمَر وَابْن مَسْعُوْد فِي سُؤَال الْقَبْر وَالْمَلَكِين وَالْكَلَام هَذَا. 
فَأَجْلِس بَعْدمَا يَنْصَرِفُوَا كُلُّهُم وَأَتَذَكَّر هَذِه الْأَحَادِيْث، وَأَتَصَوَّر هَذَا الَّذِي دُفِن الْآَن كَيْف قَام مِن قَبْرِه؟ وَكَيْف يُسْأَل؟، وَتَرَي هَل هُو مُسَدَّد؟، أَأَجَاب عَن أَسْئِلَة الْمَلَكَيْن أَم لَم يَجِب؟، وَذِهْنِي محْتَار وَلَا أَسْتَطِيْع أَن أَنْتَفِع بِنَفْسِي أَيَّاماً لَا أَعْرِف أَن أَكَل وَلَا أَن أَشْرَب وَلَا الْكَلَام هَذَا بِسَبَب حَيَاة الْمَعَانِي عِنْدِي. 
وَبَعْد سَاعَة أَسْمَع الْصُّرَاخ أَجْرِي أَيْضاً عَلِي الْنَّافِذَة أَجِدْهُم يَحْمِلُوْن نَفْس الْنَّعْش وَنَفْس الْقِصَّة مُكَرَّرَة. 
لَم يَمْضِ ثَلَاثَة أَشْهُر إِلَّا وَبَدَأَت رِجْلَي تَخَف عَن الْنَّافِذَة، أَسْمَع الْصُّرَاخ لَم أَعُد أَجْرِي مِثْل الْأَوَّل، بَعْد ذَلِك رَصَفَوْا فِي وَسَط الْمَقَابِر طَرِيْقَيْن، كُنْت أَرْكَب الْسَّيَّارَة، وَأَعْبُر فِي وَسَط الْمَقَابِر عَادِي خَالِص أَدعِي الْدُّعَاء لَكِن لَا تُوْجَد مَشَاكِل الْقَلْب تَعُوْد عَلَي هَذِه الْمَسْأَلَة مَيْت فِي مَيِّت فِي مَيِّت فِي مَيِّت خَلَاص تَعَوَّدْت عَلَي الْمَسْأَلَة هَذِه وَخَفَّت الْمَسْأَلَة، بِخِلَاف الَّذِي لَا يَزُوْر الْمَقَابِر إِلَّا قليلاً أول مَا يَذْهَب إِلَي الْمَقَابِر يَشْعُر بِقُشَعْرِيْرَة فِي بَدَنِه، بِخِلَاف الْحَانُوتِي، الْحَانُوتِي مَثَلا يَأْتِي يَعْدِل الْجُثَّة لَا تَتَعَدَّل يَقُوْل: يَا أَخِي أَتَعْدِل يَضَع تَحْتَه طَوْبَة وَالْكَلَام هَذَا، وَأَحْيَانا الْحَانُوتِي ينكت عَلَي الْمَيِّت يَقُوْل: يَا سَلَام عَلَي فَمِه، يَا سَلَام عَلَي أَنْفِه، يَا سَلَام عَلَي كَذَا الْحَانُوتِي تَعُوْد عَلَي ذَلِك، وَمَسْأَلَة الْمَوْت بِالْنِّسْبَة لَه أَصْبَحْت مَسْأَلَة رَاتِبَة بِالْعَكْس إِذَا لَم يُدْفَن الْمَوْتَي يَشْعُر بِوَحْشَة فِي قَلْبِه، وَإِن فِي شَيْء فِي حَيَاتِه لَيْسَت سَلِيْمَة إِذَا لَم يَكُن فِيه مَوْتِي، بِسَبَب إِلْف الْعَادَة.
لِمَاذَا نَهْي رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- عَن الْعَيْش فِي الْأَمْاكِن الَّتِي تَكْثُر فِيْهَا الْمَنَاكِيْر:
نَهَانَا رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أَن نَعِيِش فِي الْدِّيَار الَّتِي تَكْثُر فِيْهَا الْمَنَاكِيْر وَالْفَوَاحِش حَتَّى أَنَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- عِنْدَمَا مَرَّ عَلَي الْحِجْر مِن دِيَار ثَمُوْد أَسْرَع بِنَاقَتِه وَنَكَس رَأْسِه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- وَجَعَل ثَوْبَه عَلَي رَأْسَه وَقَال: "أَسْرِعُوا إِذَا مَرَرْتُم بِمَقَابِر الَّذِيْن ظَلَمُوَا فَأَسْرَعُوا حَتَّى لَا يُصِيْبَكُم مَا أَصَابَهُم" هَؤُلَاء مَوْتِي الْحَي مَثَلاً، الْحَي مَثَلا الْطَّبْع سرَّاق كَمَا يُقَال هَذَا حَي مُمْكِن تَأْخُذ مِن طَبْعِه، وَيَأْخُذ مِن طَبْعِك، لَكِن هَذَا مَيِّت مَدْفُون وَقَد أَرِم عِبَارَة عَن عِظَام نَخِرَة، وَمَع ذَلِك النَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-  يَقُوْل: "أَسْرِعُوا إِذَا مَرَرْتُم بِمَقَابِر الَّذِيْن ظَلَمُوَا فَأَسْرَعُوا حَتَّى لَا يُصِيْبَكُم مَا أَصَابَهُم" فَكَيْف بِالسُكِنِي مَعَهُم؟، فَكَيْف بِمَلابَسَّتِهُم وكَيْف بِتَقْلِيْدِهِم؟، فَكَيْف بِنَقْل شَعَائِرِهِم، وَنَقَل أَخْلَاقِهِم، وَخِصَالِهِم، وَعَادَاتِهِم، وَتَقَالِيْدِهِم؟ لَاشَك أَن هَذَا أَقْتُل لِلْقَلْب.
هُنَا يَسْرُد الْشَّيْخ بَعْض الْمَوَاقِف أَثْنَاء وُجُوْدِه فِي بَعْض الْبِلَاد الْأَجْنَبِيَّة: 
عِنَدَمّا كُنْت فِي بِلد مِن الْبِلَاد الْأَجْنَبِيَّة ذَهَبَت مَع بَعْض إِخْوَانَنَا لِشِرَاء شَيْء مِن مَحَل مِن الْمَحَلِات فِي شَارِع مُزْدَحِم، وَكَان الْشَّارِع هَذَا فِيْه سَيْنَمّا، وَالسِيْنَّما عَلَيْهَا طَابْوُر طَوِيْل، وَالطَابُوّر الْطَّوِيْل طَبْعاً رِجَال وَنِسَاء يُقبلُوا بَعْض وَالْكَلَام هَذَا عَلِي مَا يَأْتِي دُوْرِهِم فِي قَطْع الْتَّذَاكِر، وَبَعْد ذَلِك يَدْخُلُوَا الْفَيْلَم. 
أَنَا طَبْعا الْجَمَاعَة الَّذِيْن كَانُوْا مَعِي سَبَقُوْنِي، وَأَنَا كُنْت وراءهم، الْمُهِم فَعِنْدَمَا نَظَرَت إِلَي هَذَا الْمَنْظَر كَأَنَّمَا رَمَانِي أَحَدٌ بِحَجَر شَعَرْت بِقُشَعْرِيْرَة فِي بَدَنِي لَسْت مِتْعَوِّد عَلَي الْمَنْظَر هَذَا، عِنْدَمَا نَظَرُوْا إِلَي وَجَدُونِي كَذَلِك نُظِر بَعْضُهُم إِلَي بَعْض وَتَبْسِم، عِنَدَمّا رَجَعْنَا إِلَي الْسَّكَن سَأَلْتَهُم، قُلْت لَهُم: يَا جَمَاعِة أَنْتُم تَبَسَمْتم وَكُنْتُم مَع بَعْض كَأَنَّكُم تَقُوْلُوْن لِبَعْض كَلَاماً، قَالُوْا: نِعْم وَالْلَّه نَحْن قُلْنَا: سَنَنْظُر عَلَيْك هَل سَيَظْهَر عَلَيْك مَا ظَهَر عَلَيْنَا أَوَّل مَرَّة عِنَدَمّا جِئْنَا هَذِه الْبِلاد أَم لَا؟.
هُم أَوْل مَا جَاءُوَا هَذِه الْبِلاد أَيْضا كَانُوْا أَوَّل مَا يَرَوْا الْمَنَاظِر هَذِه كَانُوْا عَلَي الْفَوْر تَقْشَعِر وَقَلْبِه يَنْقَبِض، بِسَبَب مَاذَا؟ إِن هَذَا مُخَالِف لِدِيْنِه، وَمَا يَعْلَمُه مِن أَبْجَدِيّات دِيْنِه، وَبَعْد ذَلِك عِنْدَمَا عَاش وَأَشْتُغّل وَعَاش سَنَة وَسَنَتَيْن، وَعَشَرَة وَعِشْرِيْن، مَاذَا سَيُنْكِر؟ فَتَعُود قَلْبِه أَن يري مِثْل هَذَا فاستمرئ هَذَا، إِذَا لَم يسْتَمْرِئِه عَلَي قَلْبِه لَا يُنْكِرُه، لِأَجْل هَذَا النَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-  نَهَانَا عَلَي أَن نُلَابِس أَهْل الْمَعَاصِي.
وَحَدِيْث الْرَّجُل الَّذِي قَتَل تِسْعَة وَتِسْعِيْن نَفْساً كُلُّكُم يَحْفَظُه، وَفِيْه الْرَّجُل الذي ْقَتْل عِنْدَمَا ذَهَب إِلَي الْعَالَم الْثَّانِي وَقَال لَه: "إِنِّي قَتَلْت مِائَة نَفْساً أَلِي تَوْبَة؟ قَال: نَعَم، وَمَن يَحْجِز عَنْك بَاب الْتَّوْبَة؟ أَخْرَج إِلَي أرض كَذَا وَكَذَا فَإِن فِيْهَا قَوْما يَعْمَلُوْن الْصَّالِحَات فَاعَمِل مَعَهُم" فَالَّرَّجُل الَّذِي اسْتَمْرِئ الْعِصْيَان فِي أَرْض مِن الْأَرَاضِي لِدَرَجَة أَن أَهْل الْأَرْض عَجَزُوُا أَن يَرُدُّوْه، رَجُل قَتَل مِائَة نَفْس يَعْنِي يُذَبِّح الْإِنْسَان مِثْل الْدَّجَاجَة فَكُل إِنْسَان خَائِف عَلَي نَفْسِه أُوُل مَا يَأْتِي يَعْتَرِض عَلَيْه يَقُوْل: سَيَذِبَحَنِي يَجْعَلْنِي أَنَا رَقِم عِشْرِيْن، رَقِم ثَلَاثِيْن لِأَي رَقِم مِن الْأَرْقَام فَكُلْه خَائِف، وَكَلَه يَتَمَلْقِه وَيُنَافَقِه حَتَّى لَا يُؤْذِيه. 
هَذَا الْرَّجُل طَالَمَا ظَل فِي أَرْض الْعِصْيَان الْكُل يُنَافَقِه فَإِنَّه لَن يَتُوْب، قَال لَه: أَفْضَل شَيْء إِذَا أَرَدْت أَن تَتُوْب أن تَخْرُج مِن إِلْف عَادْتَك إِلَي بِلَاد الْصَّالِحُوْن فِيْهَا كَثِيْرُوْن، وَلَا يَدَعُوْن أَحَدا يَجْهَر بِمَعْصِيَة إِلَّا أُخِذُوْا عَلَي يَدَيْه أَبَداً، فَلَا يجرؤ فَاسِق وَلَا رَجُل يُرِيْد أَن يَعْصِي الْلَّه أَن يَعْصِي الْلَّه فِي وَسَطِهِم، قَال لَه: أُخْرَج مِن أَرْضِك أَرْض الْسُّوْء إِلَي أَرْض كَذَا وَكَذَا فَإِن فِيْهَا قَوْماً يَعْمَلُوْن الْصَّالِحَات فَاعَمِل مَعَهُم ، فَعِنْدَمَا خَرَج الْرَّجُل مِن الْأَرْض وَهُو يُرِيْد أَن يَتُوْب مَات ، فَاخْتَصَمَت فِيْه مَلَائِكَة الْرَّحْمَة وَمَلَائِكَة الْعَذَاب عَلَي آخَر الْحَدِيْث الَّذِي تَعْرِفُوْنَه جَمِيْعاً إِن شَاء الْلَّه تَعَالَي.

أَكْثَر شَيْء يُهَدِّد الْقَلْب هُو إِلْف الْعَادَة: 
وَلِذَلِك كَان مِن عُقُوْبَات تَرْك الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر الْخَتْم عَلَي الْقَلْب، وَقَد وَرَد هَذَا فِي حَدِيْث حُذَيْفَة بْن الْيَمَان الَّذِي أَخْرَجَه الْشَّيْخَان فِي صَحِيْحَيْهِمَا "أَن عُمَر بْن الْخَطَّاب -رَضِي الْلَّه عَنْه- جَلَس يَتَذَاكَر مَع جَمَاعَة مِن الْصَّحَابَة الْفِتَن الَّتِي ذَكَرَهَا الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فَقَال: أَيُّكُم يَذْكُر الْفِتْنِة الَّتِي تَمُوْج مَوْج الْبَحْر؟ فَقَال بَعْض الْجُلُوْس: أَفِتْنّة الْرَّجُل فِي أَهْلِه وَمَالِه؟ إِن الْوَاحِد مَثَلا يَكُوْن يُحِب وَلَدَه جِداً فَلَا يُخْرُج الْزَّكَاة لِكَي يَتْرُك فْلُوس لِلْوَلَد هَذِه فِتْنَة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14).
لَيْس شَرْط الْعَدَاوَة إِن الْوَلَد يُمْسِك سِكِّيْناً لأبيه، أَو إِن الْوَلَد يَجْهَر بِالْعَدَاوَة له، لَا، مِن الْعَدَاوَة أَن يُحِب الْوَالِد وَلَدَهُ بِدَرَجَة مَرْضِيَّة تَمْنَعُه مِن الْتَّعَلُّم وَالْجِهَاد وَإِخْرَاج الْزَّكَاة، وَإِخْرَاج الْصَّدَقَات، وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، وَيَكُوْن خَائِف عَلَي الْوَلَد بِسَبَب كَثْرَة حُبِّه لِلْوَلَد.
فَيَكُوْن الْوَلَد هَذَا حَرمَه مِن الْجَنَّة، أَو مِن دَرَجَات الْجَنَّة صَار عَدُوِّه، هَذَا الْرَّجُل يُحِب زَوْجَتَه جِداً فَكُلما تَأْمُرُه بِأَمْر وَلَو كَان مَعْصِيَة يَفْعَلُه، أَو إِن امْرَأَتَه تَكَلَّفَه فَوْق طَاقَتِه طَلَبَاتِهَا لَا تَنْتَهِي, فَيُضَيِّع الصَّلَاة وَيَأْتِي الصَّلَاة كُلِّهَا فَوْق بَعْضِهَا آخَر الْنَّهَار فَالْمَرْأَة هَذِه صَارَت عَدْوَة لِزَوْجِهَا.
فَالْحَاصِل إِنهُم عِنْدَمَا قَالُوْا لَه: فِتْنَة الْرَّجُل فِي أَهْلِه وَمَالِه، قَال لَهُم: لَا، أَنْظَر إِلَي كَلَام عُمَر بْن الْخَطَّاب: "تِلْك تُكَفِّرُهَا الْصَّلَاة، وَالْزَّكَاة، وَالْصَّدَقَة" زَاد الْبُخَارِي: "وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، إِنَّمَا أُرِيْد الْفِتْنِة الَّتِي تَمُوْج كَمَوْج الْبَحْر، قَال حُذَيْفَة: أَنَا، قَال: لِلَّه أَبُوْك، مَا هِي؟" فذكر حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- بعض ما أثره عن رسول الله -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فقال: "تُعْرَض الْفِتَن عَلَي الْقُلُوْب كعَرْض الْحَصِير عُوْداً عُوْداً، فَأَيُمَا قَلْبٌ أَنْكَرَهَا نُكِت فِيْه نُكْتَة بَيْضَاء، وَأَيُّمَا قَلْبٌ أُشْرَبُهَا نُكِت فِيْه نُكْتَةٌ سَوْدَاء، حَتَّى تَصِيْر الْقُلُوْب عَلَي قَلْبَيْن أَبْيَض مِثْل الْصَّفَا، لَا تَضُرُّه فِتْنَة مَادَامَت الْسَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَقَلْب أَسْوَد، مُرْبَد لَا يَعْرِف مَعْرُوْفاً وَلَا يُنْكِر مُنْكَراً إِلَّا مَا أُشْرِب مِن هَوَاه كَالْكُوز مُجَخِّيا". 
فَمَن عُقُوْبَة تَرْك الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر الْخَتْم عَلَي الْقَلْب يَصِيْر الْقَلْب كَالْكُوز مُجَخِّياً، الْكُوْز الْمُجَخِّي: الْمَقْلُوْب مَعْرُوْف مَثَلا هَذَا الْإِنَاء مُّسْتَقِيْم، أَنَا هَكَذَا أَقْدِر أَن أَضَع فِيْه أَي سَائِل أَنْتَفِع بِه، فَإِذَا مَا قَلَّبَتُهُ لَم يَكُن لَه فَرَاغ يَسْتَوْعِب شَيْئاً، بِسَبَب هَذَا الْقَلْب لَا يَنْطَلِق إِلَّا مِن هَوَاه، مَسْأَلَة فِقْهِيَّة مُخْتَلِف فِيْهَا يَبْحَث عَن مَا يُوَافِق هَوَاه فِي الْمَوْضُوْع، وَلَا يَزَال يَفْعَل هَذَا مَع هَذِه الْمَسْأَلَة، ومَرَّة ثَانِيَة مَع  الْمَسْأَلَة الْثَّانِيَة، وَمَرَّة ثَالِثَة مَع الْمَسْأَلَة الْثَّالِثَة، حَتَّى يَكُوْن أَسْوَد مِرْبَداً لَا يَنْطَلِق إِلَّا مِن هَوَاه.
حكم الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهِي عَن الْمُنْكَر: 
وَاجِب لَا يَنْفَك عَنْه أَحَد مُطْلَقاً عَجَز بِالْلِّسَان عَجَز بِالْيَد يَمْشِي الْحَال هَذِه نَحْن سَنَتَكَلَّم عَنْهَا، وَنُبَيِّن أن الْنَّاس يَتَفَاوَتُوْن فِيْهَا، لَكِن الْقَلْب، رَجُل يُرِي مَعْصِيَة وَلَا يَكْرَه فَاعِلُهَا، يَرِي مَعْصِيَة بَل يُوَافِق فَاعِلُهَا وَقَد يُشَارِكُه كَمَا حَدَث لِبَنِي إِسْرَائِيْل ضَرَبَ الْلَّه -عَز وَجَل- قُلُوْب بَعْضِهِم بِبَعْض بِسَبَب أَن الْرَّجُل كَان يَفْعَل الْمَعْصِيَة فَيَرَاه الْآخِر مِن بَنِي إِسْرَائِيْل فَيَقُوْل: يَا فُلَان لَا يَحِل لَك أَن تَفْعَل، ثُم لَا يَمْنَعُه ذَلِك أَن يَكُوْن أَكِيْلَه، وَشَرِيْبَه، وَجَلِيْسُه فَضَرَب الْلَّه قُلُوْب بَعْضِهِم بِبَعْض وأهلكهم جَمِيْعاً، وَلِذَلِك رَبِّنَا -عَز وَجَل- قَال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: 79)، لا يَتَنَاهَوْنَ: أَي لَا يُنْكَر بَعْضَهُم عَلَي بَعْض، فالْخَتْم عَلَي الْقَلْب هُو أَوَّل الْعُقُوْبَات. 
عُقُوْبَة تَرْك الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر لِلْأُمَم :فِيْه عُقُوْبَة أَشَد وَأَطَم ، وَالْعُقُوْبَة هَذِه عُقُوْبَة تُعَاقَب بِهَا الْأُمَم الَّتِي ترَكَت الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر وَهُو الْهَلَاك الْعَام ، كَمَا حَدَث لِبَنِي إِسْرَائِيْل قَال الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163).
حَرَّم عَلَيْهِم الِاصْطِيَاد يَوْم الْسَّبْت، مَاذَا فَعَلُوْا؟ حَفَرُوْا الْأَخَادِيْد وَالْحُفَر بِجَانِب الْبِحَار وَالْتُرَع تُرْعَة أَو بَحْر قَال: نَحْفِر حُفْرَة وَاسِعَة وَعَمل مَاسُوْرَة مَا بَيْن الْحُفْرَة وَبَيْن الْبَحْر فَالسَّمَك يَدْخُل وَمَتَى يَفْتَح فَتَحْتُه؟ يَوْم الْسَّبْت, يَقُوْل: أَنَا لَم أَصْطَاد، أَصْطَاد أَي أَنْصُب شَبَكَة أَعْمَل أَي شَيْء، لَكِن الْسَّمَكَة أَتَت مِن الْبَحْر عَلَي الْحُفْرَة ودَخَلْت بِمَحْض إرادتها، كَمَا قَال الله -عز وجل-: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ الشُّرَّع: أَي مِن كَثْرَة الْسَّمَك يَرْكَب بَعْضُه فَظَاهِر مِن الْمَاء، وَطَبْعا مُحَرَّم عَلَيْهِم يَصْطَادُوْا يَوْم الْسَّبْت، يَوْم الْأَحَد وَلَا سَمَكَة, قَالُوْا: نَحْفِر الْحُفْرَة هَذِه وَنَعْمَل مَاسُوْرَة وَالْسَّمَك سَيَدْخُل، عندما يدْخل الْسَّمَك إِلَي الْحُفْرَة الَّتِي فَعَلْنَاهَا نَسّد عَلَيْه الْمَاسُورَة وَنَتْرُكَه لِيَوْم الْأَحَد، وَنَصْطَادِه يَوْم الْأَحَد، فَنَكُوْن هَكَذَا لَم نُخَالِف، فَاللَّه -عَز وَجَل- يَقُوْل: لِلْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، أي قريبة من البحر ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾.

مفهوم الحوت:
الْحُوت هُو جِنْس الْسَّمَك سَوَاء كَان صَغِيْراً أَو كَبِيْراً وَاخْتَصَّه الْعُرْف بِالْحَجْم الْكَبِيْر، يَقُوْل حوت أَي الْحَاجَة الْكَبِيْرَة جِداً، لَكِن الْسَّمَك أَيا كَان حَجَمَه اسْمُه حوت، قَال بِن عَبَّاس اشْتَهَيْت حِيَتَانا وَذَكَر حَدِيْثاً أَي يُرِيْد أَن يَأْكُل سَمَك ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ كما قلت السمك يركب بعضه ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ لما يمر يوم السبت ويأتي يوم الحد لا تأتيهم: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، سُئِل بَعْض الْعُلَمَاء هَل تَعّلَم فِي كِتَاب الْلَّه آَيَة فِيْهَا أَن الْحَلَال يَأْتِيَك قُوْتاً، وَالْحَرَام يَأْتِيَك جَزْفاً جَزْفاً، يَأْتِيَك الْحَرَام بِكَثْرَة؟ قَال: نَعَم وَتَلَا هَذِه الْآَيَة، فَمَا أَحْسَن انْتِزَاعُه لِلْمَعَانِي: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. 
فَالَّذِي حَصَل أَن وَاحِد فَعَل هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْأَّوَل كَمَا قَال الْسُّدِّي -رَحِمَه الْلَّه-، وَأَنْتُم تَعْرِفُوْن أَن الْسَّمَك لَمَّا يُشْوَى يَكُوْن لَه رَائِحَة، فَالَّرَّجُل دَخَل الْبَيْت وَشَوَى كِيْلُو سَمَك أَو مِثْل ذَلِك جَارَه شَم الْسَّمَك، مِن كَثْرَة مَا يَأْتِي لَهُم الْسَّمَك يَوْم السَّبْت وَهُو مُحَرَّم عَلَيْهِم وَالْأَحَد لَا يَجِدُوْن وَلَا سَمَكَة كَان سَيُصِيْبُهُم الْجُنُوْن، يُرِيْدُوْن أَن يَأْكُلُوْا سَمَك، قَالُوْا: إِنَّا قَرمنا الْسَّمَك.
الْقَرْم: هُو شِدَّة الْشَّهْوَة إِلَى أَكْل الْلَّحْم، أَي سَيُجَن وَيَأْكُل الْسَّمَك، فَلَمَّا هَذَا شُوَي الْسَّمَك هَذَا وَالْثَّانِي جَارَه شَم الْرَّائِحَة، فَذَهَب إِلَيْه وَقَال لَه مَا هَذَا، فَقَال لَه: أَنَا سَأَقُوْل لَك سَر لَكِن لَا تَقُوْل لِأَحَد، أَنَا عَمِلَت كَذَا وَكَذَا وَمُمْكِن تَشْوِي فِي الْدَّار سِراً، بَدَأ يَشْوِي سِراً، وَهَذَا يَشْوِي سِراً، وَطَبْعا رَائِحَة الْسَّمَك تَنْتَشِر، وَبَدَأ الْنَّاس يَتَتَابَعُوْن عَلَى اصْطِيَاد الْسَّمَك يَوْم الْسَّبْت.
انْقَسَم بَنَوْ إِسْرَائِيْل إِلَى ثَلَاثَة فَرْق فِي مُقَابِل هَذِه الْمَعْصِيَة:
1- فِرْقَة اصْطادَت وَأَكَلْت.
2- وَفِرْقَة لَم تَصْطَد وَلَم تُنْكِر.
3- وَفِرْقَة أَنْكَرْت.
الْجَمَاعَة الَّذِيْن اصْطَادُوْا نَحْن سَنَتْرُكُهُم عَلَى جَنْب، وَتَبْقَى الْفِرْقَتَان الْبَاقِيَتَان، لَم يَأْكُلُوْا وَلَم يُنْكِرُوْا، وَالْفِرْقَة الْثَّالِثَة أَنْكَرُوْا وَطَبْعا لَم يَأْكُلُوْا، وَحَدَث نَوْع مِن الْحِوَار بَيْن الْفُرْقَة الْثَّانِيَة وَالْثَّالِثَة، فَقَالَت الْفِرْقَة الْثَّانِيَة الَّتِي لَم تَصْطَد وَلَم تُنكِر لَمَا رَأَت الْفُرْقَة الْثَالِثَة وَهِي تُنْكِر عَلَى هَؤُلَاء الْجَمَاعَة وَيَشْتَدُون عَلَيْهِم فِي الْنَّكِيْر، فَقَالَت الْفُرْقَة الْثَّانِيَة لِلْثَّالِثَة: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: 164). 
يَقُوْلُوْن الْجَمَاعَة هَؤُلَاء صَارُوْا صُماً بُكْماً عُمْياً، هُو نَفْسُه يَأْكُل سَمَك وَلَن تَعْرِف أَن تَصَدَّه، وَأَنْت تَعْرِف أَن إِنْكَارِك لَن يَبْلُغ مَدَاه وَلَن يَسْمَعُوْا الْكَلَام، فَلِمَاذَا أَنْت تَتَكَلَّم، وَأَنْت تَعْرِف سَلَفاً أَنَّهُم لَن يَسْتَجِيْبُوْا، قَالَت الْفُرْقَة الْفَاقَهة الْفَقِيهَة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، نحن نفعل هذا إعذاراَ  إلى الله، حتى إذا سُئِلْنَا يَوْم الْقِيَامَة، وَقَال الْلَّه لَنَا- عَز وَجَل-: لَمَّا لَم تَنَكَّرُوا عَلَي هَؤُلَاء الَّذِيْن خَالَفُوُا أَمْرِي؟ نَقُوُل: يَا رَب أَنْكَرْنَا وَلَم يَسْتَجِيْبُوْا. 
﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أَي نُقَدِّم الْعُذْر إِلَي لِلَّه -عَز وَجَل- إِذَا سُئِلْنَا لَمَّا لَم تَنَكَّرُوا؟ نَقُوُل: أَنْكَرْنَا، أَمَّا اسْتِجَابَتِهِم فَلَيْس عَلَيْنَا هُدَاهُم.
لِأَن إِقَامَة الْعَبْد عَلَي طَرِيْق الْهَدْي هَذَا مِن شَأْن الْلَّه -عَز وَجَل- وَحْدَه:  
وَلِذَلِك قَال الْلَّه -عَز وَجَل- لِلْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: 56)، أَي خَلْق الْهِدَايَة فِي قَلْب الْعَبْد إِنَّمَا هُو لِلَّه -تَبَارَك وَتَعَالَي-، إِنَّمَا عَلَيْك دَلَالَة الْبَيَان أَو هِدَايَة الْبَيَان.
فَلَمَّا جَاء الْبَلَاء الْعَام وَالْهَلاك الْعَام قَال الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165)، فَنَجَت الْفُرْقَة الْثَّانِيَة، وَالْفِرْقَة الْثَّالِثَة.
كَيْف حَدَث الْبَلَاء الْعَام؟:
عِنَدَمّا بَدَأ الْجَمَاعَة يَأْكُلُوْا الْسَّمَك سِراً، وَبَعْد ذَلِك بَدَأ شَيْئاً فَشَيْئا ، وَبَدَءُوا يَصْطَادُوْا الْسَّمَك وَيَبِيْعُوْنَه فِي الْأَسْوَاق، الْجَمَاعَة الْمُؤْمِنُوْن قَالُوْا: لَا أَنْتُم هَكَذَا سَتَذْهَبُوْن بِنَا إِلَي الْجَحِيْم، هَذِه الْقَرْيَة سَنَقَسْمُهَا نِصْفَيْن، وَفِعْلا الْجَمَاعَة الْمُؤْمِنُوْن كَانُوْا فِي نِصْف الْقَرْيَة، وَالْجَمَاعَة الْآَخَرِيْن كَانُوْا فِي نِصْف الْقَرْيَة، وَبَنَوْا جِدَاراً عَالِياً بَيْن الْقَرْيَتَيْن، كُل قَرْيَة أَصْبَح لَهَا بَاب مُسْتَقِل الْنَّاس يَخْرُجُوْا مِنْه، الْمُؤْمِنُوْن يَخْرُجُوْن مِن بَاب، وَالْفَاسِقُوْن يَخْرُجُوْن مِن بَاب. 
ظَلَّت الْمَسْأَلَة هَذِه سَارِيَة لِحِيْن يَوْم مِن الْأَيَّام الْجَمَاعَة الْمُؤْمِنُوْن خَرَجُوْا مِن الْبَاب، وَوَجَدُوْا بَاب الْجَمَاعَة الْكَافِرِيْن مُغْلَق عَلَي غَيْر الْعَادَة، انْتَظِرُوَا فَتْرَة أَيْضا الْبَاب لَم يَفْتَح، مَا الَّذِي حَدَث لَهُم كُلُّهُم هَكَذَا؟ مَوْتِي كُلُّهُم أَم نِائِمِين كُلُّهُم؟ قَالُوْا: وَالْلَّه إِن لِلْقَوْم لشَأْناً، مَا الَّذِي حَدَث؟ وَاحِد تَسَلَّق عَلَي الْجِدَار يَنْظُر وَجَدَهُم قِرَدَة يْنِزُوا بَعْضَهُم عَلَي بَعْض، مَسَخَهُم الْلَّه -عَز وَجَل- وَجَعَلَهُم قِرَدَة. 
لِمَاذَا مَسَخَهُم الْلَّه -عَز وَجَل- وَجَعَلَهُم قِرَدَة؟.
لِأَنَّهُم احْتَالُوْا أَمْرِه، الاحْتِيَال فِيْه اسْتِهْزَاء بِالْلَّه- عَز وَجَل- بِخِلَاف الْمَعْصِيَة الْمُجَرَّدَة ، أَي وَاحِد مَثَلا كَمَا قُلْنَا قَبْل ذَلِك، بَنَوْا إِسْرَائِيْل اسْتَحَلُّوْا الْرِّبَا، وَقَتَلُوْا الْأَنْبِيَّاء، وَحَرَّفوا الْتَّوْرَاة وَمَع ذَلِك لَم يُمْسَخُوا قِرَدَة وَلَا خَنَازِيْر, فَلَمَّا احْتَالُوْا عَلَي الْلَّه -عَز وَجَل- وَخَالِفُوْا أَمْرِه بِالْحِيْلَة مَسَخَهُم قِرَدَة  لِأَن الْحِيْلَة فِيْهَا اسْتِهْزَاء بِالْلَّه -عَز وَجَل-، لَيْس رَجُل يَعْصِي فَقَط يَعْنِي مُمْكِن يَعْصِي، وَيَكُوْن هَوَاه هُو الَّذِي دَفَعَه إِلَي الْمَعْصِيَة، يَأْكُل رَبّا وَتَقُوْل لَه: يَا أَخِي حَرَام عَلَيْك لَا تَأْكُل رَبّا، يَقُوْل: الْلَّه يَتُوْب عَلَيْ، ادْع لِي رَبُّنَا يَتُوْب عَلَي، أَنَا عِنْدِي مَصْرُوْفَات وَعِنْدِي مَسْئُوْلِيَّات، وَعِنْدِي كَذَا، وَأَنَا أُحَاوِل أُرِي عَمَل شَرِيْف حَتَّى أَقْتَات مِنْه وَلَا أَكَل الْرِّبَا، هَذَا مُمْكِن إِذَا كَان صَادِقا فِيْمَا يَقُوْل يُرِيْد أَن يَتَخَلَّص مِن الْمَعَاصِي، لَكِن رَجُل يَحْتَال عَلَي الْلَّه -عَز وَجَل- فِيْه اسْتِهْزَاء بِالْلَّه -عَز وَجَل - فَصَار مُسْتَهْزِئا وَعَاصِيا فِي نَفْس الْوَقْت.
إِذاً تَرَك الْمُنْكَر الْعَام يَعُم بِدُوْن يَكُوْن فِي نَاس مُحْتَسِبِيْن يَقُوْمُوْا بِإِنْكَار هَذَا الْمُنْكَر فِيْه خَشْيَة أَن يَكُوْن هُنَاك بَلَاء عَام يَجْتَاح الْأُمَم، وَفِي هَذَا الْمَعْنَي حَدِيْث الْنُّعْمَان بْن الْبَشِيْر عِنْد الْبُخَارِي، وَالْتِّرْمِذِي، وَأَحْمَد، وَغَيْرِهِم أَن الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- قَال: "مَثَل الْقَائِم فِي حُدُوْد الْلَّه وَالْوَاقِع فِيْهَا كَمَثَل قَوْم فِي سَفِيْنَة اسْتَهَمُوا، فَأَصَاب بَعْضُهُم أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُم أَسْفَلَهَا، فَكَان الَّذِيْن مِن أَسْفَل إِذَا أَرَادُوْا الْمَاء مَرُّوْا عَلَي الَّذِيْن مِن أَعْلَي، فَقَال احَدُهُم: لَو خَرَقْنَا فِي نَصِيْبِنَا خَرْقا، وَلَم نُؤْذِي مِن فَوْقِنَا، قَال -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- فَلَو تَرَكُوْه لَهَلَك وَهَلَكُوا جَمِيْعا  وَلَو أَخَذُوْا عَلَي يَدَه لَّنَجي وَنَجَوْا جَمِيْعا".
فَنَحْن كَمُجْتَمَع مِثْل السَّفِيْنَة بِالضَّبْط وَاحِد يَقُوْل: أَنَا أَخْرَق فِي نَصِيْبِي خَرْقا، فَالَخُرْق هَذَا سَيَدْخُل الْمَاء فِي السَّفِيْنَة وَالْكُل سَيَغْرَق.

لَابُد مِن الْضَّرْب عَلَي يَد هَذَا الْفَاسِق أَو عَلَي يَد هَذَا الْمُجْرِم: 
الَّذِي يَسُب الْلَّه -عَز وَجَل- أَو يَسُب الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، أَو يُجَاهِر بِالْمَعَاصِي فِي الْشَّوَارِع، وَفِي الْحَوَانِيْت، وفِي الْطُّرُقَات، وَلَا يَسْتَحِي لَا مِن الْلَّه، وَلَا مِن عِبَاد الْلَّه. 
إِذا هَذَا الْرَّجُل لَابُد أَن يُؤْخَذ عَلَي يَدَه، وَإِلَا يِكُوُن هُنَاك هَلَاك عَام عَلَي الْمُجْتَمَع كُلِّه، وَقَد وَرَد مَنْصُوْص هَذَا فِي كَلَام الْلَّه -عَز وَجَل-: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25)، أَي أَن الْفِتْنَة إِذَا جَاءَت، وَالْمِحْنَة إِذَا جَاءَت لَا تُصِيْب الَّذِيْن ظَلَمُوَا وَحْدَهُم، إِنَّمَا تُصِيْب الَّذِيْن سَكَتُوْا عَن ظُلْمِهِم.
نَحْن إِذَا نَظَرْنَا إِلَي الْنُصُوص الَّتِي تُوَجِّب الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر، وَأَن كُل وَاحِد لَابُد أَن يَقُوْم بِدَوْرِه، لِأَن فِيْه نَاس كَمَا نَقُوُل فِي الْأَمْثَال: يَخَاف لَا يَخْتَشِي، يَخَاف وَلَكِن لَا يَسْتَحِي، لَا تُدْرِكُه فَضِيْلَة الْحَيَاء، الَّذِي مَثَّل هَذَا يَرْقُب الْنَّاس يَقُوْل: أَنَا لَو جَهَرْت بِهَذِه الْمَعْصِيَة، هَل سِيُنَكُرُون عَلَي أَم لَا؟ فَإِذَا عَلِم أَنَّهُم سَيَّنْكِرُوْن عَلَيْه لَم يَجْهَر بِهَا، هَذَا خَاف لِأَنَّه لَو اسْتِحِي مَا سَأَل نَفْسُه هَذَا الْسُّؤَال.
فَفِيْه طَائِفَة إِذَا كَان هُنَاك حَيَاء فِي الْمُجْتَمَع كَكُل، وَإِن كُل وَاحِد قَام بِدَوْرِه عَلَي الْشُّرُوْط الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعْد ذَلِك، لِأَن فِيْه بَعْض نَاس قَد يُنْكِر الْمُنْكَر فَيَأْتِي بِمُنْكَر هُو أَعْظَم مِن الْمُنْكَر الْأَوَّل، مِثْل مَا ضَرَبْنَا الْمَثَل قَبْل ذَلِك، أَيَّام مَا كَان فِي مَسْأَلَة الْأَفْرَاح وَلْيَأْتُوا بِالْجَمَاعَة وَالمُوسيقِي وَالْكَلَام هَذَا يَطْلُع مَجْمُوْعَة مِن الْشَّبَاب يَقُوْلُوْا: نَحْن مُحْتَسِبُوْن، وِيْطَلّعوا وَيُكْسِّروا الْطَّنَابِيْر، وَيَضْرِبُوْا الْمَعَازِيم وَالْكَلَام هَذَا، مَاذَا كَانَت النَّتِيْجَة؟ الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف قَائِم عَلَى رِعَايَة المَصَالِح وَالْمَفَاسِد أَن الْأَفْرَاح هَذِه حَمِيَت بَعْد ذَلِك بِالْقُوَّة، لَا، يَا جَمَاعِة الْمَسْأَلَة تَحْتَاج إِلَي رِعَايَة المَصَالِح وَالْمَفَاسِد.
الْأَمْر بِالْمَعْرُوْف وَالْنَّهْي عَن الْمُنْكَر كُلِّه قَائِم عَلى رِعَايَة المَصَالِح وَالْمَفَاسِد: 
فَالَّشَّرِيْعَة تَأْمُر بِكُل مَا هُو رَحِمة، وَكُل مَا هُو مَصْلَحَة، وَكُل مَا هُو عَدْل، فَإِذَا أَنْتَقِل الْمَرْء إِلَي عَكَس هَذَا أَنْتَقِل إِلَي الْظُّلْم، وَإِلَي الْقَسْوَة، وَإِلَي الْمِضَّرَة لَم يَكُن مِّن الْشَرِيعَة بِحَال، وَإِن دَخَل فِيْهَا بِتَأْوِيْل.
الْشَرِيعَة كُلُّهَا رَحْمَة: 
هَكَذَا الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- بَعْدَمَا مُكِّن لَه، وَصَارَت لَه دَوْلَة فِي الْمَدِيْنَة قَال لِعَائِشَة -رَضِي الْلَّه عَنْهَا-: "إِن قَوْمَك لَّما بَنَوْا الْبَيْت قَصُرَت بِهِم الْنَّفَقَة فَقصَّروا عَن قَوَاعِد، وَلَوْلَا حِدَثَان قَوْمَك بِالْكُفْر لَهدمت الْبَيْت وَبِنْيَتُه عَلَي قَوَاعِد إِبْرَاهِيْم". مَع إِن النَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- لَو هَدَم الْكَعْبَة آَنَذَاك مَا اجْتَرِأ  أَحَد أَن يَتَكَلَّم نِصْف كَلِمَة, كَان لَه دَوْلَة، وَقَال هَذَا الْكَلَام فِي أَوَاخِر حَيَاتِه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم-، وَمَع ذَلِك راعِي نُفُوْس قُرَيْش الَّتِي شَبَّت عَلَي احْتِرَام الْبَيْت، وَتَعْظِيْم الْبَيْت أُوُل مَا يَرَوْا الْنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- يَهْدِم الْبَيْت لَا يَقُوْلُوْا: أَنَّه لَا يُرِيْد أَن يُرْجِعَه إِلَي قَوَاعِد إِبْرَاهِيْم، وَلَكِن يَقُوْلُوْا: هَدْم الْبَيْت.
كَيْفِيَّة الْتَّعَامُل مَع الْمَفَاسِد وَالْمَصَالِح فَالَنَّبِي -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- رِعِي الْمَصْلَحَة فِي ذَلِك، فَفَوْت مَصْلَحَة نَعَم وَلَكِنَّه ثَبَت مَصْلَحَة هِي أَعْظَم مِنْهَا، فَالْمَسْأَلَة فِي تَعَارُض مَصَالِح، تَعَارَض مَفَاسِد.
قواعد هامة: 
إِذَا تَعَارَضَت مَصْلَحَتَان قَدَّمَت الْأَعْلَى مِنْهُمَا، وَإِذَا تَعَارَضَت مَفْسَدَتَان قَدَّمَت الْأَخَف مِنْهُمَا, وَإِذَا تَعَارَضَت مَفْسَدَة وَمَصْلَحَة دَفَعْت الْمَفْسَدَة وَارْتُكِبَت الْمَصْلَحَة:
هَذِه كُلَّهَا قَوَاعِد، لَكِن لَا يحْكَم فِيْهَا إِلَا الْعِلْم، شَاب مَثَلا مُتَحَمِّس لَم يَصْبِر عَلَي مُنْكَر رَآَه مُمْكِن يَدْخُل يَفْعُل جِنَايَة، يَعْنِي أَرَاد أَن يَبْنِي قَصْراً فَهَدَم مِصْراً. 
هَذَا كُلُّه بِسَبَب مَاذَا؟ بِسَبَب عَدَم رِعَايَة المَصَالِح وَالْمَفَاسِد.
مِثَال يُبَيِّن أَنَّه يَجُوْز تَأْخِيْر الْحُدُوْد لِدَرْء الْمَفَاسدْ: 
أَنتُم تَعْرِفُوْن مَثَلا إِقَامَة الْحُدُوْد هَذَا أَمْر الْلَّه -عَز وَجَل- وَشَرْعِه، وَإِقَامَة الْحَد إِنَّمَا صَار حَق الْلَّه تَعَالَي بَعْدَمَا يَصِل إِلَي الْحَاكِم، وَمَع ذَلِك نَهَى رَسُوْل الْلَّه -صَلَّي اللَّهُ عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم- أَن تُقَام الْحُدُوْد فِي أَرْض الْعَدُو، لِمَاذَا؟ وَاحِد سَرَق، نَحْن فِي غَزْوَة مِن الْغَزَوَات وَرَجُل مِن الْمُسْلِمِيْن سَرَق، الْمَفْرُوْض أَن تَقَطَّع يَدَه إِذَا بَلَغَت النِّصَاب، رُبْع دِيْنَار، قَال: لَا، لَا تَقْطَع يَدَه وَأُخَّر الْحَد حَتَّى تَرْجِع الْبَلَد، فَمَا هِي الْمَصْلَحَة؟.
قَال: لِأَنَّك أَنْت لَو قطعت يَدُه مُمْكِن يَلْتَحِق بِالْعَدُو حَمِيَّة وَهُو قَرِيْب مِنْه، يَقُوْل قَطَعْتُم يَدَي، فَلَن أَقْعُد مَعَكُم، وَيَفِر وَيُذْهِب إِلَى الْعَدُو، فَأَنَا لِكَي أَدْفَع هَذِه الْمَضَرَّة أَخَّرْت إِقَامَة الْحَد، مَع إِن إِقَامَة الْحَد فِيْه مَصْلَحَة، فَكُل الْمَسْأَلَة هِي مَسْأَلَة تَأْخِيْر إِقَامَة الْحَد، سَأُقِيْمُه عِنْدَمَا نَرْجِع إِلَى بِلَادِنَا، وَنَحْن فِي الْبَلَد وَمُتُمَكِنِين وَيُصَعِّب عَلَيْه أَن يَلْتَحِق بِالْعَدُو مرَّة أُخْرَى، فَهَذَا دَاخِل فِي بَاب الْمَصْلَحَة.
وَلِذَلِك كَان الْعِلْم هُو الْحَاكِم، أَي لَا يَجُوْز لِأَحَد أَن يُقدِم عَلَى مَسْأَلَة لْيُنْكَرَهَا إِلَا إِذَا كَان عَالِماً بِالْمَسْأَلَة التي يُنْكِرُهَا وَكَان مُسْتَطِيْعا لَهَا: 
فَإِذَا فُقِد الْعِلْم لَا يَحِل لَه الْإِنْكَار، وَإِذَا فُقِد الِاسْتِطَاعَة لَا يَحِل لَه الْإِنْكَار، وَالْمَسْأَلَة كَمَا قُلْنَا تَتَأَرْجَح بَيْن الْمَصَالِح وَالْمَفَاسِد وسنْبْسّط هَذَا الْكَلَام بَعْد ذَلِك، وَأَرْجُو أن ينْتَفع إِخْوَانِي بِمِثْل هَذِه الْمُحَاضَرَات، لَعَل الْلَّه أَن يُمْكِن لَنَا الِاسْتِقَامَة عَلَى دِيْنِه، لِأَن الْمَطْلُوْب مِنَّا الاسْتِقَامَة وَلَيْس الْمُطْلُوب مِنَّا بُلُوْغ الْغَايَة، كَمَا قَال الْلَّه -تَبَارَك وَتَعَالَى-: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود: 112).
نَسْأَل الَلَه تَبَارَك وَتَعَالَى أَن يَهْدِيَنَا وَإِيَّاكُم إِلَى مَرَاضِيَه إِنَّه وَلِي ذَلِك وَالْقَادِر عَلَيْه أَقُوْل قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الْلَّه الْعَظِيْم لِي وَلَكُم وَصَلَّى الْلَّه وَسَلَّم وَبَارَك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد. 
وَالْحَمْد لِلَّه رَب الْعَالَمِيْن.
 نَسْأَلُكُم الْدُّعَاء (أُخَتُكُم أَم مُحَمَّد الْظَّن).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
المجلس الأول من سلسلة الحسبة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: سِلْسِلَة الحِسْبَة-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: