منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19436
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-   14/01/14, 02:07 am


حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهد الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا ِإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } (سورة آل عمران: 102)، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (سورة النساء: 1)، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } (سورة الأحزاب:70،71 ). أما بعد...، فإن أصدق الحديث كتاب الله -تعالى- وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحبتي في الله...
مما لا شك فيه أن نعم الله تعالى علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (النحل: 18)، ومن نعم الله علينا أن أكمل علينا هذا الدين وأتمَّه ثم رضيه لنا، كما قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } (المائدة3)، وكانت اليهود تحسد المسلمين علي هذه الآية، كما جاء في الصحيحين عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر -رضي الله عنه-، فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال عمر: وأي آية؟ قال: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } (المائدة: 3)، فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفات في يوم جمعة.
وعلى هذا فإن كل مَن يأتي بجديد في هذا الدين، فقد اتهم الدين بالنقص، واتهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيانة في أداء الرسالة. ونحن نشهد بأن الدين كَمُل، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، فقد وقف علي عرفات في حجة الوداع فقال للصحابة: "ألا هل بلغت؟" فقال الصحابة جميعاً: نعم. فقال: "اللهم فاشهد". 
بل شهد الأعداء بهذا، فقد أخرج الإمام مسلم أن يهودياً قال لسلمان -رضي الله عنه-: قد علَّمكُم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة. لكن هناك مَن حاد عن الجادَّة، واستهوته الشياطين، فراح يستحسن بعقله في شرع الله، ويبتدع فيه ويُدخل فيه ما ليس منه، كما كان من بعضهم أن أدخل بدعة المولد النبوي في الإسلام، وجعلها من الدين حتى أصبحت سُنَّة رُفعت لها الأعلام، ونُصبت لها السرادقات ويستعد لها الناس في كل عام، وكل مَن قام ينكر هذه البدعة وينادي ببطلانها ونقضها فإنهم يتهمونه في دينه، وأنه لا يحب النبي -رضي الله عنه-، فأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً. 
كما أخبر النبي -رضي الله عنه- أنه سيأتي زمان يكون هذا حاله فقال: "كيف بكم أيها الناس إذا طغي نساؤكم وفسق شبابكم؟ قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟! قال: نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟! قال: نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً". (هذا الحديث أخرجه الطبراني وفيه ضعف)، إلا أنه يؤيده ما جاء عند الدارمي والحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربوا فيها الصغير ويتخذها الناسُ سُنَّة فإذا غُيّرت، قالوا غُيِّرت السنة".
وكان عمر بن عبد العزيز –رحمه الله– يقول: ألا وإني أعالج أمراً لا يعينُ عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحقَّ غيره.
وبعد هذه المقدمة ... 
آن الشروع للدخول في الموضوع
أول من احتفل بهذه البدعة:
أخي الحبيب... اعلم أنه قد مضت القرون المفضلة الأولى: القرن الأول والثاني والثالث، ولم تسجل لنا كتبُ التاريخ أن أحداً من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم ومَن جاء بعدهم- مع شدة محبتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكونهم أعلم الناس بالسنة، وأحرص الناس علي متابعة شرعه -صلى الله عليه وسلم- احتفل بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم-. 
ثم جاء بنو عبيد القداح الذين يُسَمُّونَ أنفسهم بالفاطميين، وينسبون أنفسهم إلى ولد علي بن أبي طالب وهم في الحقيقة من المؤسسين لدعوة الباطنية، فَجَدُّهم هو ابن ديصان المعروف بالقداح –وكان مولي لجعفر بن محمد الصادق– وكان من الأهواز، وهو أحد مؤسسي مذهب الباطنية وذلك بالعراق، ثم رحل إلى المغرب وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في الدعوة قومٌ من غُلاة الرافضة ادَّعَى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق فقبلوا ذلك منه مع أن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق مات ولم يترك ذرية. (راجع: الفَرْقُ بين الفِرَقِ صـ 268، ووفيات الأعيان: 3/117).
قـال الإمام أبو شـامة المؤرخ المُحَدِّث المتوفى سنة 665هـ، صاحب كتـاب "الروضتين في أخبار الدولتين صـ 200 -202" عن الفاطميين العبيديين: أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون، فملكوا البلاد، وقهروا العباد، وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنهم لم يكونوا لذلك أهلاً، ولا نسبهم صحيحاً. 
بل المعروف أنهم ( بنو عبيد ) وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي، وكان عبيد الله هذا زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام، متظاهراً بالتشيع، متستراً به، حريصاً على إزالة الملة الإسلامية، قتل من الفقهاء والمحدثين جماعة كثيرة، وكان قصده إعدامهم من الوجود ليبقى العالم كالبهائم، فيتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم، والله مُتم نوره ولو كره الكافرون. أهـ بتصرف.
وقد صنف القـاضي البـاقلاني ـ رحمه الله ـ كتـاب في الرد علي هؤلاء سَمَّـاهُ " كشف الأسرار وهتك الأستار" بيَّن فيه فضائحهم وقبائحهم وقال فيهم: "هم قومٌ يظهرونَ الرفض ويُبْطِنونَ الكفرَ المحضَ"، وقد سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عنهم فأجاب: بأنهم من أفسق الناس ومن أكفر الناس، وأن مَن شهد لهم بالإيمان والتقوى أو بصحة النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء: 36)، وقال تعالى: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (الزخرف: 86).
وجمهور الأمة يطعن في نسبهم ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، وهذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وأهل الحديث وأهل الكلام، وعلماء النَّسَب، والعامة وغيرهم.
وقد دخل الفاطميون (العبيديون) مصر سنة 362هـ في الخامس من رمضان، وكان ذلك بداية حكمهم لها، وأخذوا في نشر البدع، وإدخال في الدين ما ليس منه، فجاءت فكرة الاحتفال بالموالد عموماً، ومنها مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفتحوا باب الاحتفالات البدعية علي مصراعيه، حتى إنهم كانوا يحتفلون بأعياد المجوس والنصارى كالنوروز، والغطاس، والميلاد.
وكان القمع والتعذيب ينتظر كل مَن يُنكر عليهم، كما حدث مع الإمام أبي بكر النابلسي -رحمه الله- لمّا أنكر عليهم، وقال لهم: إنكم غيرتم الملَّة، وأطفأتم نور السُنَّة، فأمروا رجلاً يهودياً بسلخه حيّاً.
وكانوا يحتفلون بهذه الموالد وينفقون عليها الأموال الطائلة، ويحاربون كل مَن أنكر عليهم؛ لأنهم كانوا يظنون أن إقامة هذه الموالد تثبت للناس صحة نسبهم وانتسابهم إلى آل البيت.
فأول مَن قال بهذه البدعة –الاحتفال بالمولد النبوي– هم الباطنية الذين أرادوا أن يُغَيروا علي الناس دينهم، وأن يجعلوا فيه ما ليس منه؛ لإبعادهم عما هو من دينهم، فإشغال الناس بالبدع طريق سهل لإبعاد الناس عن شريعة الله السمحة، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- المطهرة.
وجاء في كتاب الإبداع في مضار الابتداع صـ 251، والبدعة الحولية للتويجري صـ 257،137، أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام صـ 44 لمفتي الديار المصرية سابقاً الشيخ/ محمد بن بخيت المطيعي: أن أول مَن أحدث الموالد في مصر الفاطميون، وهم من الشيعة الروافض، وذلك في القرن الرابع الهجري فابتدعوا سنة الموالد وهي: المولد النبوي، ومولد علي بن أبي طالب، ومولد فاطمة الزهراء، ومولد الحسن والحسين، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت هذه الموالد مدة من الزمن حتى أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش، ثم أعيدت في عهد الخليفة الآمر بأحكام الله سنة 524هـ بعد ما كاد الناس ينسونها. 
وكان الفاطميون (العبيديون) يسبون أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان احتفالهم بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس محبة في النبي -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته، وإنما كان من أصل تحقيق هدفهم الوحيد، وهو بلوغ أغراضهم السياسية، ونشر مذهبهم الشيعي الرافضي، وذلك باستمالة عامة الناس إليهم، بإقامة الموالد التي تتجلي فيها مظاهر الكرم والهدايا النفيسة من النقود والجوائز للشعراء والعلماء وكذلك الإحسان إلى الفقراء، وإقامة ولائم الطعام، وكل هذه الأمور جديرة بأن تستميل قلوب عوام الناس على اعتناق مذهبهم الشيعي الرافضي الخبيث. 
أدلة عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي:
لا يجوز الاحتفال بذكرى مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- للأدلة الآتية:-
أولاً: هذا العمل ليس له أصلٌ في الكتاب والسنة، ولم يفعله السلف الصالح:
فليس هناك دليلٌ علي مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من الكتاب والسنة، ولم يؤثر عن الصحابة -رضي الله عنهم– أو التابعين –رحمهم الله- ولا أحد من القرون الثلاثة المفضلة أنهم فعلوه، فعُلِمَ أنه من المُحدثات. 
1ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله– في شأن اتخاذ مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- عيداً:
إن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له وعدم المانع فيه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف –رضي الله عنهم– أحق به منَّا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيماً له منا، وهم علي الخير أحرص. (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 615).
2ـ ويقول الإمام تـاج الدين الفاكهاني -رحمه الله-  كما في المورد في عمل المولد صـ 20: 
لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا في سُنَّة، ولا يُنْقَلُ عملُهُ عن أحد من علماء الأمة، والذين هم القدوة في الين، المتمسكون بآثار المتقدمين.
3ـ وقال الحافظ ابن حجر الشافعي –رحمه الله –: 
أصل عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة. 
4ـ وقال الحافظ السخاوي الشافعي –رحمه الله–: 
عمل المولد الشريف لم يُنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعد. (نقلاً عن سبل الهدى والرشاد للصالحي (1/ 439) ط. وزارة الأوقاف المصرية).
5ـ وقال الشيخ ظهير الدين جعفر الترمنيتي –رحمه الله–: 
هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح، مع تعظيمهم وحبهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- إعظاماً ومحبة لا يبلغ جمعنا الواحد منهم، ولا ذرة منه.
6ـ وقال الشيخ/ محمد بن عبدالسلام الشقيري -رحمه الله- في كتابه "السُّنَن والمبتدعات صـ 138 ـ 139":
فاتخاذ مولده موسماً، والاحتفال به بدعة منكرة وضلالة، لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير، كيف يغفل عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسائر الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، والأئمة وأتباعهم؟!. أهـ.
7ـ وأخيراً نقول بما قال به الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في" فضل علم السلف صـ 31":
"فأمَّا ما اتفق السلف على تركه، فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يُعمل به".
وكان حذيفة -رضي الله عنه- يقول: 
كل عبادة لا يتعبَّدها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً.
هذا وقد أخرج الدارمي عن أبي البختري قال: 
أخبر رجلٌ عبد الله بن مسعود -صلى الله عليه وسلم- أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول كَبِّروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا كذا، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأْتني فأخبرني بمجالسهم، فأتاهم فجلس، فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلاً حديداً، فقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً، ولقد فضلتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- علماً، فقال عمر بن عتبة: أستغفر الله، فقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً.
وفي رواية أخرى عند الدارمي أيضاً عن عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني قال: 
حدثني أبي قال: "كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قُمنا إليه جميعاً، فقال: له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حِلَقَاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحِلَقِ فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحَكُمْ يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟!، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه...." (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 2005 (5/ 11).
وبعد عرض الدليل الأول، والذي يسلمنا إلى حقيقة ودليل آخر، ويجعلنا نقول وبقوة:
ثانياً: إن الاحتفال بالمولد من البدع المُحدثة في الدين التي حذر الشرع منها:
يقول الشيخ محمد إبراهيم –رحمه الله–: 
تخصيص يوم من الأيام، وتمييزه علي غيره بشيء من الطاعات أمر توقيفي إنما يُصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة، ولم تخصِص الشريعة يوماً من الأيام باتخاذه عيداً للإسلام سوى يومي العيدين: عيد الفطر، وعيد النحر وما يتبعه من أيام التشريق الثلاثة، وسوى العيد النسبي وهو: يوم الجمعة فإنه عيد الأسبوع، فليس للمسلمين أن يتخذوا عيداً سواها. 
1ـ هذا وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه-: 
"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خطب علا صوته واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش، وكان يقول: "أما بعد... فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".
2ـ وأخرج أبو داود عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال:
صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغة ذرفتْ لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كانَ عبداً حبشياً، فإنه مَن يعشْ منكم بعدي يرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة".
فهل سنَّ لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عيداً لميلاده يُحْتَفل به كعيد الأضحى، وعيد الفطر، وعيد الجمعة؟ فإذا لم يفعله -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه –رضوان الله عليهم– ولا الخلفاء الراشدون فاعلم أنه من شرار الأمور، وأنه من المحدثات.
كما بين ذلك الإمام مالك فقال:
كل ما لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ديناً لم يكن اليوم ديناً. وقال أيضاً: مَن ابتدع في الإسـلام بدعة يراهـا حسنة فقد زعم أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- خـان الرسـالة؛ لأن الله تعالى يقول: { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } (المائدة: 3). فما لم يكن يومئذ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً. (الاعتصام للشاطبي: 1/ 49) فانظر إلى ما تتقرب به إلى الله، هل هو من شرع الله الحكيم؟ أم من اختراع المبتدعين؟ والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن خائناً للرسالة، حيث قال في خطبة الوداع: "ألا هل بلغت؟" فقال الصحابة -رضي الله عنهم-: نعم، فقال: "اللهم فاشهد". فشهد الصحابة له أنه بلغ ونصح وأرشد ودل، فاللهم أحينا علي سنته، وأمتنا علي ملته، واحشرنا في زمرته.
وكان ابن عمر –رضي الله عنهما– يقول: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } (الشورى: 21) فأي إنسان قد أوجب علي نفسه أو علي غيره ما لم يوجبه الله عليه، أو استحب ما لم يستحبه الله له ولرسوله، فقد اتخذ شريك لله -صلى الله عليه وسلم- فكأنه شرع بشرع لم يأذن به الله، ولم يأذن به رسوله -صلى الله عليه وسلم-. أهـ. 
وعلي هذا فكل مَن يأتي بجديد في هذا الدين، فقد اتهم الدين بالنقص، واتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخيانة في أداء الرسالة، وأن الرسول غفل أو نسي أو جَهِلَ ذلك فلم يبلغه لنا، والرسول -صلى الله عليه وسلم- منزَّه عن كل هذا ومُبَرَّأ منه، فقد بلغ وأدَّى ونصح وأكمل الرسالة، وتركنا علي المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقال ابن القيم -رحمه الله- كما في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين": " فإن تركه -صلى الله عليه وسلم- سنة، كما أن فعله -صلى الله عليه وسلم- سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق".
ثالثاً: الاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم معين من أيام السنة، وهو ما يُعْرَف بالعيد الزماني: 
فهو أمرٌ منهيٌ عنه، وممّا يُستأنس به: ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تجعلوا قبري عيداً وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، ومعنى الحديث: أي صلُّوا عليَّ في أي مكان، فإن صلاتكم معروضة عليَّ وتبلغني، ولا يلزم لمَن يُصلي عليَّ أن يذهب إلى قبري ليُصلي عليَّ؛ لأنه لو فعل ذلك فقد اتخذه عيداً -وهو ما يُعْرَف بالعيد المكاني-.
ونحن بصدد الكلام عن العيد الزماني: 
وهو الاحتفال بمناسبة معينة في وقت معين، وكلما جاء وقتها كان الاحتفال بها، وهذا ما يفعله المسلمون عندما يحتفلون بعيد ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما يُعْرَف بالمولد.
وقد بيَّن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يجوز أن نحتفل إلا بيومي الأضحى والفطر، وهما عيدا المسلمين.
فقد أخرج أبو داود والنسائي والترمذي عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يوم عرفة ويوم النَّحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله".
وعند أبي داود والنسائي وأحمد من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم النحر، ويوم الفطر"، وبهذا استدل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من أهل العلم على بدعية كل عيد وكل موسم مبتدع مبتكر، وهذه الأعياد متفاوتة بين الحرمة والكراهة، وبين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، بحسب ما يفعل فيها، ولا يخفى علينا ما يُفْعَل في هذه الموالد. 
رابعاً:الاحتفال بالمولد النبوي واتِّخاذه عيداً فيه تشبه بأهل الكتاب في أعيادهم الذين نُهينا عن التشبه بهم وتقليدهم:  
لما قام النصارى بأعياد عديدة أشهرها احتفالاتهم الكبرى بذكري ميلاد عيسى -صلى الله عليه وسلم- في نهاية كل سنة ميلادية، فقام المسلمون وفعلوا مثلما فعلوا، فاحتفلوا بعيد ميلاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهذا من المشابهة التي نهينا عنها. قال ابن القيم – رحمه الله – كما في زاد المعاد (1/ 95): مَن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله. 
لكن الأمر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري ومسلم: "لتتبعنَّ سُنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ -أي: من غيرهم-.
خامساً: ومما يدل علي عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي أنه لو جاز الاحتفال لكان الاحتفال ببعثته -صلى الله عليه وسلم- أولى من الاحتفال بمولده:
فقد قال تعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } (آل عمران: 164)، فالله -تعالى- يمتن علي المؤمنين ببعثة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا بمولده؛ ليلفت أنظارنا ويوجه عنايتنا إلى البعثة التي هي وجه الامتنان ومظهر النعمة، فقال تعالى: { إِذْ بَعَثَ } ولم يقل: "إذ ولد" ثم نبه -تعالى- إلى الغاية من البعثة، وهي تلاوته القرآن وبيانه والعمل به، حتى تزكوا النفوس، وتَطْهُر به القلوب، وتسمو به الأرواح بعد العماية والضلالة التي كان العرب غارقين فيها قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

سادساً: ومما يدل علي عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي: أن هذه البدعة ليس لها أساس من الدين، كما ليس لها أساس من التاريخ: 
حيث اختلف المؤرخون في تعيين تاريخ ولادته -صلى الله عليه وسلم- علي سبعة أقوال:
فقيل: أنه ولد في اليوم الثـاني من الشهر -أي شهر ربيع الأول-، وبعضهم قـال في الثامن، 
وبعضهم قال في التاسع، وبعضهم قال في العاشر، وبعضهم قال في الثاني عشر، وبعضهم قال في السابع عشر، وبعضهم قال في الثـاني والعشرين، فهذه أقوال سبعة ليس لبعضها ما يدل علي رجحانه علي الآخر، فيبقي تعيين مولده -صلى الله عليه وسلم- من الشهر مجهولاً. 
قال ابن كثير في البداية (2/ 219) مختصراً: ثم الجمهور علي أن ذلك -أي يوم مولده- كان في شهر ربيع الأول فقيل: لليلتين خلتا منه. (قاله ابن عبد البر في الاستيعاب، ونقله الواقدي عن أبي معشر المدني)، وقيل: لثمان خلون منه. (حكاه الحميدي عن ابن حزم، ورواه مالك عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم)، وقيل: لعشر خلون منه. (نقله ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير، ورواه ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر والشعبي)، وقيل: لثنتي عشرة خلت منه. (نص عليه ابن إسحاق وهو المشهور عند الجمهور)، وقيل: لسبع عشرة خلت منه. وقيل: لثمان بقين منه. 
وقال فضيلة الشيخ/ عطية صقر -رحمه الله-: 
وقد حقق صاحب كتاب "تقويم العرب قبل الإسلام" بالحساب الفلكي الدقيق، فوجد أن الميلاد كان في يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، الموافق للعشرين من شهر أبريل سنة 571م". (فتاوى الأزهر عام 1977م ـ نشر مجمع البحوث الإسلامية).
والذي يعرف أحوال العرب يعلم أنهم كانوا أمةً أمُّيةً لم يكونوا يؤرخون بالأيام، بل كانوا يؤرخون بالأعوام، فيقولون: عام الفيل، وعام بناء الكعبة، وعام الحديبية، وعام حجة الوداع، والعرب في هذا الوقت لم يكن لهم سجلات تُحْصَى فيها أسماء المواليد، ولم يكن أحدٌ من الناس تفرَّس حين ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيكون له شأن، حتى يضبط ذلك الحدث باليوم والشهر والسنة، وعلى هذا فتحديد يوم مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشهر أمر صعب.
ملاحظة: 
هناك قول: أنه ولد في رمضان. (نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار، وهو قول غريب جداً)، وقيل: ولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. (وهو لا يقل غرابة عن سابقه)، ومما يدل على الاختلاف في تاريخ مولده -صلى الله عليه وسلم- ما قاله الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في "فتح الباري" شرح حديث رقم 3641: "وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة، فقال: كانت القضايا التي اتفقت له، ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم. أهـ. 
انتبه... يا من تحتفل بميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا اليوم، واعلم... أنك تحتفل بموته -صلى الله عليه وسلم-، فقد مر بنا كثير من أقوال المؤرخين أنه مختلف في يوم مولده، بل هناك اختلاف في الشهر الذي ولد فيه (لكنه خلاف بعيد)، لكن الذي ليس عليه خلاف أنه مات في ربيع الأول؛ فينبغي عليك أن يركبك الهم والغم إذا تذكرت مصابك في النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن موت النبي -صلى الله عليه وسلم- من أعظم المصائب التي أصيب بها المسلمون.
ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- كما عند البيهقي بسند صحيح: "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب". (صحيح الجامع: 347). 
يقول ابن الحاج -رحمه الله- في "المدخل" (2 /15): ثم العجب العجيب! كيف يعملون المولد للمغاني والفرح والسرور لأجل مولده -عليه الصلاة والسلام- في هذا الشهر الكريم -ربيع الأول-  وهو -عليه الصلاة والسلام- فيه انتقل إلى كرامة ربه -صلى الله عليه وسلم-، وفُجِعت الأمة فيه، وأصيبت بمُصابٍ عظيم لا يَعدل ذلك غيرها من المصائب أبداً، فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير، وانفراد كل إنسان بنفسه لِمَا أصيب به. أهـ. 
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19436
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-   15/01/14, 01:18 am


سابعاً: ومما يدل علي عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي:
ما يتضمنه الاحتفال من مفاسد ومنكرات ومخالفة ما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- به: فتجد في هذا اليوم أن الذين يحتفلون بالمولد يحتفلون بخلاف ما دعا إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- 
ومنها:
1ـ أنه نهاهم -صلى الله عليه وسلم- أن يمدحوه ويطروه فقال -صلى الله عليه وسلم- كما عند البخاري ومسلم:
"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله" (متفق عليه).
ومع ذلك تجد أن القصائد والمدائح التي يُتَغَنَّى بها في المولد لا تخلو من عبارات الغلو وألفاظ الشرك، فها هو البوصيري يقول في بردته: 
يا أكرم الخلق ما لي مَن ألوذ به
سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جـودك الدنيا وضرتها
ومن علومك عـلم اللوح والقلم
والغلو في الأنبياء والصالحين يؤدي إلى الهلكة في الدين كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمين. فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي أن الحبيب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إياكم والغلو، فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو"
والموالد التي تقام للأنبياء والأولياء هي ثمرة من ثمرات الغلو فيهم.
بل هناك من يعتقد حضور النبي -صلى الله عليه وسلم- مجلس الاحتفال وقد ردّ سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- علي هذا، فقال: ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين عند قولهم ولد الهدى، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، وروحه في أعلي عليين عند ربه في دار الكرامة. (حكم الاحتفال بالمولد النبوي صـ 6). إن الاحتفال بالمولد النبوي أصبح عند بعض الناس هو العلامة على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن هؤلاء من يعصي النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلاً ونهاراً، ولا يلتزم بسنته، ومع ذلك فهو يحتفي بيوم المولد، ويولي فيه ويعادي، وكأن غاية الحب عنده هو إحياء هذا اليوم بالمدائح والأوراد، وبعد ذلك ليفعل ما يشاء؟. يقول الشيخ/ محمد رشيد -رحمه الله-: مَن تتبع التاريخ يعلم أن أشد المؤمنين حباً واتباعاً للنبي -صلى الله عليه وسلم- أقلهم غلواً فيه، ولا سيما أصحابه -رضي الله عنهم- ومَن يليهم من خير القرون، وأن أضعفهم إيماناً وأقلهم اتباعاً له هم أشدهم غلواً في القول، وابتداعاً في العمل". ( تعليق محمد رشيد رضا على كتاب "صيانة الإنسان للسهسواني صـ 244).
2ـ ويحتفلون كذلك بالتمـاثيـل (العروسة والفـارس الذي يركب الفرس) التي نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذها وأمر بكسرها.
كمـا جـاء في الحديـث الذي أخرجه الإمـام مسلم عن أبي الهيـاج الأسـدي –حيان بن حصين- قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته -وفي رواية- ولا صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته. ويدخل في حكم الصورة التمثال، فكيف نحتفل بعيد ميلاد الرسول بذات الأصنام التي أمر بكسرها، وإن لم تعبد من دون الله، فإنه لا يُتَصور من صحابي السجود لصنم، وكذلك الناسُ اليوم، ومع ذلك ينبغي أن لا تكون، إما سداً لباب الشرك، أو عدم المضاهاة بخلق الله، أو لمنع دخول الملائكة البيت. كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب". ولو لم يكن هناك إلا هذا الحديث لكفي به نهياً عن اقتناء هذه التماثيل وشرائها والمشاركة في تداولها.
3ـ وكذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاختلاط بين الرجال والنساء حتى في المسجد، ونهي عن استعمال الأغاني وآلات الطرب، وشرب الخمر، وإضاعة المال، وانتهاك حرمات المسجد، وكل هذا تجده يُفْعَل في مثل هذه الموالد. 
يقول ابن الحاج ـ رحمه الله ـ في "المدخل أول الجزء الثاني": ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من مولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة".أهـ.
• ومن هذه المحرمات: الاخــتــلاط:
فتجد في هذا اليوم الاختلاط الفاحش الذي يؤدي إلى إراقة ماء الوجه وظهور الفتنة، ويظهر هذا جلياً في هذه الحـادثة التي يرويها لنا الدكتور: علي الشريف (وكيل كلية أصـول الدين) حيث قال فضيلته: أثناء جلوسنا في المسجد وبعد صلاة الظهر، وكان ذلك بمسجد "السلطان برقوق" الكائن بحي الجمالية، فوجئنا برجل يقبل امرأة دون خجل أو حياء، فسألناه بعد أن استدعيناه لنعرف هل هي من محارمه؟ فيهون الخطب وتقل حدته ووقعه في النفس، وإذا بنا نُصْدَمْ بهول الفاجعة التي كانت كالصاعقة عندما قال: هذا المغرم الولهان، والعاشق المحبوب إنها أختنا في الطريقة، وأختنا في الله. ياالله !!! هل الأُخُوَّة في الطريقة تبيح لهم ما حرم الله تعالى؟! في التقبيل فضلاً عن النظر الذي حرمه الإسلام، هذا ما وقع أمامنا من التقبيل، وما خفي كان أنكر وأعظم. أهـ.
وقال المؤرخ الجبرتي المعاصر للفرنسيين إبَّان احتلالهم مصر عن دعمهم لعمل الموالد:
"ورخَّص الفرنساوية ذلك للناس لما رأوا فيه من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء، واتباع الشهوات، والتلاهي، وفعل المحرمات". (عجائب الآثار: 2/ 306).
وتجد الناس في هذا اليوم يحتفلون بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- بما حرم النبي نفسه، فتجد في هذا اليوم مواكب من الناس تسير في الشوارع مع دق الطبول، وأناشيد المنشدين، وآلات الطرب، وما يتبع ذلك من الرقص والتصفيق، وفي نهاية اليوم تقام السرادقات، وتضرب المعازف، ويبدأ الإنشاد والإطراء والمدح، فأين هؤلاء من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ كما عند البخاري: "ليكوننّ في أمتي أقوام يستحلون الحِرَّ والحرير والخمر والمعازف"، الحِرّ: فروج النساء.
• وتجد في هذه الليلة أيضاً مَن يحتفل بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك بشرب الخمر.
يقول الدكتور/ سعيد عبد الفتاح عاشور - كما في كتاب "السيد أحمد بدوي شيخ الطريقة" ص 250: إن هذه الموالد صارت مهرجانات عظيمة يجتمع فيها ما لا يحصى من النساء والصبيان والفسَّاق، فتُنصب لهم الخيام الكثيرة، حيث يحتسون الخمور، ويرتكبون مختلف أنواع المنكر، وقد عُثر مرة صبيحة مولد الشيخ الإمبابي بالقاهرة علي أكثر من مائة وخمسين جرة خمر متناثرة في المزارع المجاورة، بعد أن شُرِبَ ما بها ليلة المولد، هذا خلاف ما كان في تلك الليلة من الفساد والزنا واللواط والتجاهر بذلك.
• أضف إلى ذلك... ما يحصل أيام المولد ٍمن تبذير الأموال الباهظة؛ لإقامة الحفلات والسرادقات، ونفقات الزينة، وغيرها من ألوان الإسراف.
يقول الشيخ/ محمد عبد السلام الشقيري – في كتابه "السنن والمبتدعات": ثم أي فائدة تعود، وأي ثواب في هذه الأموال الباهظة، التي تعلق بها هذه التعاليق، وتنصب بها هذه السرادقات، وتضرب بها الصواريخ؟! وأي رضا لله في اجتماع الرقَّاصين والرقَّاصات والطبالين والزمّارين واللصوص والنشالين، والحاوي والقرداتي؟! وأي خير في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والسوداء -أهل الشخير والنخير والصفير والتمايل والرقص- بزعمهم أن هذا ذكر، ما فائدة هذا كله؟!.
فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا، وأخذُ صورِ هذه الجماعات لأهل أوربـا فيفهمون أن محمداً -صلى الله عليه وسلم-، –حاشاه حاشاه– كان كذلك هو وأصحابه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم هو خراب ودمار فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض، فلماذا لا تنفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس مصانع يعمل فيها الآلاف من العاطلين أو غير ذلك من الأمور النافعة للبلاد والعباد؟!. ويقول الشيخ علي محفوظ -رحمه الله- كما في كتابه "الإبداع في مضار الابتداع": ولا شبهة في أن هذه الموالد لا تخلو من المحرمات والمكروهات، وقد أصبحت مراتع الفسوق والفجور، وأسواقاً تباع فيها الأعراض، وتنتهك فيها محـارمُ الله تعالى، وتعطل فيها بيوت العبادة، فلا ريبة في حرمتها، والمصلحة المقصودة منها لا تبيح هذه المحظورات التي فيها، 

ومنها:-
1ـ إضاعة الأموال بكثرة الوقود (الإضاءة) في المساجد والطرق، وإيقاد الشموع والمصابيح في الأضرحة، وفي الحديث الذي رواه مسلم: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
2ـ ومنها انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها، وكثرة اللغط فيها، ودخول الأطفـال بالنعال، فلا تقـام أو تيسر إقامة الشعائر في المساجد التي فيها موالد.
3ـ ومنها خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يُؤمن معه وقوع الفاحشة.
4ـ ومنها استعمال الأغاني وآلات الطرب علي الوجه المحرم بالإجماع، وغير ذلك مما يفسد أخلاق الأمة ويبعث في نفوس الشبان روح العشق والميل إلى الفجور. أهـ.
وغير ذلك من ألوان البدع والمنكرات والمفاسد التي تكون في الموالد، فمن أجل ذلك يقول فضيلة الدكتور: محمد محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف الأسبق، كما جاء ذلك في جريدة الأهرام المصرية الجمعة 19 ديسمبر 1970م: إن الموالد شرها أكثر من نفعها، ولابد من إلغائها، لكن إلغاء الموالد يحتاج إلى شجاعة وإلى تعاون كل الهيئات وعلي رأسها الأزهر.
* كلام أهل العلم حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي:
قال الفاكهاني: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البَطَّالون، وشهوة نفسٍ اغتنى بها الأكَّالون. 
بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة، قلنا: إما أن يكون:
واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً. وهو ليس بواجب إجماعاً، ولا مندوباً؛ لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون (فيما علمت)، وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحاً؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً، أو حراماً.

وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين:
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئاً من الآثام: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة؛ إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سُرُجُ الأزمنة، وزيْن الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يُعطى أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو، ونسيان يوم المخاف.
وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } (الفجر: 14). وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يَحِلُّ ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإن لله وإنا إليه راجعون. بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ.
ولله در شيخنا القشيري، حيث يقول فيما أجازَناه:
قد عُرف المنكر واستنكر الـ
معروف في أيـامنا الصعبة
وصار أهل العلم في وهـدةٍ
وصار أهل الجهل في رتبة
حـادوا عن الحق فما للذي
سـادوا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهـل التـقى
والدين لمـا اشتدت الكربة
لا تنكروا أحـوالكم قد أتت
نوبتكم فـي زمن الـغربة

ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء حيث يقول:
لا يزال الناس بخير ما تُعُجِّبَ من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- (وهو ربيع الأول) هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول. (المورد في حكم المولد، للشيخ الإمام: أبي حفص تاج الدين الفاكهاني -رحمه الله-، المتوفي سنة 734 هـ).
• فتوى فضيلة الشيخ/ محمد إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله-:
يقول فضيلة الشيخ: لا شك أن الاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- من البدع المحدثة في الدين، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي، وقوى فيه سلطان التقليد الأعمى، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل علي مشروعيته، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه عِلاَّن.  فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يُذكر لدى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا لدى التابعين وتابعيهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (البخاري). وفي رواية: " مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". (مسلم).
وإذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول -صلى الله عليه وسلم- وإحياء ذكره، فلا شك أن تعزيره وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة، وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات، قال تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (الشرح: 4) فذكره مرفوع في الأذان، والإقامة، والخطب، والصلوات، والتشهد، والصلاة عليه في الدعاء، وعند ذكره، فلقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "البخيل مَن ذُكرت عنده فلم يُصلِّ عليَّ". (الترمذي).
وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهي عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، فهو -صلى الله عليه وسلم- أجَلُّ من أن تكون ذكراه سنوية فقط، ولو كانت هذه الاحتفالات خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف الصالح –رضي الله عنهم– أحق بها منا، فإنهم كانوا أشد منا محبة وتعظيماً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم علي الخير أحرص، ومع ذلك لم يحتفلوا بمثل هذا، فمن تعظيم النبي ألا نبتدع في دينه بزيادة أو نقصان أو تبديل أو تغير. (أهـ بتصرف).
• فتوى فضيلة الشيخ/عبد العزيز بن باز –رحمه الله– حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي:
يقول فضيلة الشيخ: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة –رضي الله عنهم– ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حُباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". أي مردود عليه، وقال في حديث آخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وفي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال الله –عز وجل-: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (الحشر: 7)، وقال تعالى: { وَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النور: 63).
والآيات في هذا المعني كثيرة، وإحداث مثل هذه الموالد يُفهم منه أن الله تعالى لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض علي الله -صلى الله عليه وسلم- وعلي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتمّ عليهم النعمة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد عن النار إلا بينه للأمة. كمـا ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قـال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَ ما يعلمه لهم" (مسلم).
ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أفضل الأنبيـاء وخـاتمهم وأكملهم بلاغاً ونصحاً، فلو كان الاحتفـال بالمولد من الدين الذي يرضـاه الله -صلى الله عليه وسلم- لبيَّنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه -رضي الله عنهم- فلما لم يقع شيء من ذلك، عُلِمَ أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- منها أمته، وقد صرح جماعةٌ من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها، عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات، كالغلو في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنه من البدع الحسنة، والقاعدة الشرعيةُ رد ما تنازعَ فيه الناسُ إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليوم الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } (النساء: 5)، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى: 10).
وقد رددنا هذه المسألة –وهى الاحتفال بالمولد– إلى كتاب الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدناه يأمرنا بإتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله -صلى الله عليه وسلم- قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فيكون من غير الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه، ولقد رددنا هذا أيضاً إلى سنة الرسـول، فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به، ولا فعله أصحـابه –رضي الله عنهم– فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
• وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه، أن الاحتفال بالمولد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثة التي أمر الله سبحانه رسوله -صلى الله عليه وسلم- بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يحتفل من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يُعْرَف بكثرة الفاعلين، وإنما يُعْرَف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود النصارى: { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (البقرة: 111)، وقال تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } (الأنعام: 116).
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالمولد – مع كونها بدعة – لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى: كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها أكبر من ذلك، وهو الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في رسول الله أو غيره من الأولياء، ودعائه والاستغاثة به، وطلب المدد منه، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره ممن يسمونهم بالأولياء.

وقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله"، ومن العجائب أن كثيراً من الناس ينشط ويجتهد في حضوره لهذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه أتى بذلك منكراً عظيماً، ولا شك أن ذلك من قلة الإيمان، وضعف البصيرة وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله لنا ولكم ولسائر المسلمين العفو والعافية. أهـ.
يا صاحب البدعة... نقول لك كما قال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: فقال له: هل علمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان وعليٌ أو لم يعلموها؟ فقال الرجل: لم يعلموها، قال محمد بن عبد الرحمن: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟! قال الرجل: فإني أقول قد علموها، قال: أفوسعهم أن لا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها أم لم يسعهم؟ قال الرجل: بل وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضراً: لا وسع الله على مَن لم يسعه ما وسعهم. فليعلم كل صاحب بدعة... أنه كلما ازداد اجتهاداً في بدعته، ازداد بعداً عن ربه.
فقد قال أيوب السختياني: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله -عز وجل- بعداً. يا صاحب البدعة... لا تقحم نفسك في الهلاك فقد أخرج الإمام أحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إني تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك". وأخرج البيهقي بسند صححه الألباني في إرواء الغليل عن سعيد بن المسيب -رحمه الله-: أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا. ولكن يعذبك على مخالفتك للسنة.
أخي الحبيب ...
عليك باتباع السنة ولا يضرك كثرة المخالفين، قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: اتَّبِع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإيَّاك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم... لو أن أهل الأرض جميعاً أطاعوا الله وعصيت أنت لن تنفعك طاعتهم، يا ابن آدم... لو أن أهل الأرض جميعاً عصوا الله وأطعت أنت لن تضرك معصيتهم.
هدية لمن تمسك بالسنة في زمن الغربة:
أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } (المائدة: 105). فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك أمر نفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما،ً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيها مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، -وزاد في غيره- قال: يا رسول الله أجر خمسين منهم? قال: أجر خمسين منكم".
فإلى كل مَن يريد النجاة... أقول لكم كما قال الزهري -رحمه الله-: الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
فعليكم أحبتي في الله... بالتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإياكم والبدع والمحدثات فإنها من سبل الشيطان، أخرج الإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خط لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } (الأنعام: 153) (رواه أحمد والنسائي والدارمي). عن مجاهد قال: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ } قال: البدع والشهوات، فالكتاب والسنة أصل السعادة في الدنيا والآخرة، والإعراض عنها سبب للشقاء في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى {123} وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } (طه: 123ـ124 ).
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19436
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-   15/01/14, 06:57 am


أحبتي في الله... أقول لكم كما قال الحسن البصري – رحمه الله –:
السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا علي سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة إلى أن تقوم الساعة.
فقد جاء في الصحيحين عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"
فنسأل الله –عز وجل- أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم بمنِّه وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأخيراً... أحبتي في الله...
إن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- تتمثل في اتباع سنته، واقتفاء أثره، والاهتداء بهديه، وعدم الابتداع في دينه.
فليست المحبة هي الاحتفال بيوم مولده، وبما يخالف هديه من اختلاط وأغانى وإسراف ورفع أعلام وصياح ومواكب ومدائح، فأين المحبة في هذا؟!.
إن محبة النبي تتمثل في:-
o الثناء عليه وكثرة ذكره والصلاة عليه:
امتثالاً لقوله –عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب: 56).
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
المقصود من هذه الآية، أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر -سبحانه وتعالى- العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه؛ ليجتمع عليه الثناء من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً.
ويقول ابن القيم كما في كتابه ( جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام): ومعنى الآية: أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فصلوا أنتم أيضاً عليه، فأنتم أحق بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليماً، لما نالكم ببركة رسالته، ويُمن سفارته من خير وشرف الدنيا والآخرة. أهـ
وحسبك أنك إذا صليت على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن الله –عز وجل- يصلي عليك (أي يثني عليك في الملأ الأعلى) فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
" من صلى عليّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً"
والصلاة على النبي فيها ما فيها من الثواب الجزيل والأجر الوفير، فهي سبب لشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة، وتكفي المؤمن همّ الدنيا والآخرة، وسبب لرفع الدرجات وحط الخطيئات، والأدلة على ذلك كثيرة.
o تقديم محبة النبي فوق كل المحاب:
فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" بل تُقَدّم محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على محبة النفس.
فقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال:
كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال له عمر: يا رسول الله،
لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا. والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إليّ من نفسي،
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الآن يا عمر". والنبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر كل من قدّم محبة الله ومحبته على أي محبة كانت، يبشره بحلاوة الإيمان.
فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقْذف في النار" وأبشر أيها المحب... بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- الثابت في صحيح البخاري ومسلم: "أنت مع من أحببت"

o عدم مخالفته:
قال الهروي في "ذم الكلام" (3/54/1): عن الزبير بن بكار قال: حدثني سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال:
يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟، قال: من ذي الحلَيفة، من حيث أحرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل؛ فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟! إنما هي أميال أزيدها!! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّرَ عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النور:63)

o طاعته فيما أمر:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (النساء :59)
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (آل عمران: 132)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } (محمد: 33)
{ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } (الأحزاب: 71)
{وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (النساء: 13)
فطاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي السبيل لدخول الجنة.
فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ( صحيح الجامع:4513)
o الـذب عـنـه:
لا عذر لنا عند الله غداً إن لم نذب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو نذب عن سنته، وأستشهد بحديث واحد لعدم الإطالة.
أخرج الحاكم عن زيد ابن ثابت -رضي الله عنه- قال:
بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد لطلب سعد بن الربيع -رضي الله عنه- وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كيف تجدك؟ قال زيد: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت له: يا سعد. إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله السلام وعليك السلام، قل له: أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيكم شُفر يطرف، قال: وفاضت عيناه"
ـ شُفر: بالضم، وقد يفتح، وهو حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر.
o نشر سنته:
لقوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري: " فليبلغ الشاهد الغائب " ولقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: "بلِّغوا عني ولو آية" (البخاري).
وبعد هذا العرض والتحليل، هل يُتَصَوّر من عاقل أن يشارك في مثل هذه الاحتفالات البدعية؟ فمن رجع عنها وتاب، وإلى ربه أناب، فقد سلك طريق الحق، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن أصرّ على إقامتها أو المشاركة فيها، فلا نجد له إلا قول رب العالمين، حيث يقول في كتابه الكريم:
{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص: 50).
شبهات مَن أجاز الاحتفال بالمولد النبوي و الرد عليها
خالف بعض المتأخرين من العلماء؛ فأجازوا الاحتفال بليلة المولد النبوي تبركاً وقربةً, إذا لم يشتمل على منكرات , حتى ادَّعى بعضهم وجوب القيام بذلك.
ولهؤلاء جملة من الشُّبَهِ والتعليلات يستندون عليها في استحسان بدعتهم وإثبات شرعية فعلهم هذا, وسأذكر أبرز هذه الشُّبَه مع مناقشتها و الرد عليها:ـ الشُّبْهَةُ الأولى:
أن عمل المولد النبوي من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها.
الــرد عـلـيـها: يجاب على هذه الشبهة بما يأتي:
1 - إن السنة الحسنة هي التي تكون لها أصل في الشرع، وقد سنها النبي -صلى الله عليه وسلم- كالصدقة التي هي سبب الحديث الشريف.
2 - أن هذا الفعل بذاته من البدع المحدثة المذمومة , حتى لو سلم من المنكرات والمفاسد , فكيف إذا قام عليها أيضاً, مع أنه لا يخلو منها غالباً.
3 – أن البدع في الدين كلها مذمومة بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
" إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "
فلا توجد بدعة حسنة في الدين على الصحيح؛ فلفظ "كل" من ألفاظ العموم, وقد جزم أهل اللغة بأن فائدة هذا اللفظ هو رفع احتمال التخصيص إذا جاء مضافاً إلى نكرة, أو جاء للتأكيد, وكذلك إذا أضيفت لنكرة تدل على العموم المستغرق لسائر الجزئيات, وتكون نصاً في كل فرد دلت عليه تلك النكرة, مفردا كان أو تثنية أو جمعاً ويكون الاستغراق للجزيئات بمعنى أن الحكم ثابت لكل جزء من جزئيات النكرة وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازما له وعند تطبيق هذا الحكم اللغوي الأصولي على الحديث النبوي: " وكل بدعة ضلالة" نجد أن "كل"  أضيفت إلى نكرة؛ وهي لفظ
" بدعة" فيُطَبَّق عليها المعنى الذي ذكره أهل الأصول واللغة، وعليه فلا يمكن أن تخرج أي بدعة عن وصف الضلال.
4 – أن القاعدة في هذه المسألة كما قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – :
كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، فإنه  يكون من البدع المنكرات، ولا يقول أحد في مثل هذا: "إنه بدعة حسنة"........إلخ
وهذا ينطبق تماماً على بدعة المولد النبوي كما سلف بيانه وتفصيله.
قال الشيخ/ عبد الرحمن الوكيل ـ حفظه الله ـ:
عجباً لهذه الأمة الهازلة!! من ذا الذي زعم لهم أن الاحتفال بمولد الرسول سنة حسنة ؟!
إني لأسال هؤلاء العُبَّاد بالبدعة وللبدعة: إما أن يكون الاحتفال بالمولد بدعة أو غير بدعة ؟!
أو بمعنى آخر: من الدين أو ليس من الدين، هم لا يقولون بأنه بدعة، ولا أنه  ليس من الدين فلم يبق إلا قولهم: أن الاحتفال بمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أيَّة صُوَرِهِ من الدين أو ليس بدعة. ونحن لو قلنا هذا رمينا أصحاب محمد بالقصور والتقصير؛ بالقصور عن إدراك معاني الدين وعن سبيل تكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- وتمجيد رسالته، وبالتقصير في حق الدين وحق محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو بمعنى أصرح: نتهمهم بأنهم كانوا قاصري الفكر والدين، ونقول: إننا أحكم وأزكى عقيدة، وأبعد نظراً في الدين، وأسلم بصيرة في التدين، وأشد حباً لمحمد -صلى الله عليه وسلم- من أبي بكر وأصحابه، وما يقول بكل ذلك إلا وثني أو مَن في عقله دَخَلٌ.
من ذا الذي أحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- حب أبي بكر وأصحابه ؟ لا أحد. أفيستطيع قائل القول: إننا نكرم بهذا المولد محمد -صلى الله عليه وسلم- أكثر مما كرمه أصحابه ؟! أفندرك نحن اليوم ما يجب له وما ينبغي لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من أولئك الأمجاد الأحبة الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله وقاتلوا وقُتِلُوا ابتغاء رضوان الله ؟! أين نحن من هؤلاء القوم الأعزة المؤمنين الموحدين؟! أنقول أن أبا بكر قَصَّر في حق صاحبه، فلم يصنع له مولداً ولا احتفل بذكرى مولده ؟!
أنقول قَصَّر عمر فلم يجئ بمنشد ماجن متكسر متخلع سِكِّير عربيد يتلو له قصة محمد , ويتغزل في "بطن ووجنات وحواجب وعيون" محمد -صلى الله عليه وسلم-؟، أنقول قَصَّر عثمان ذو النورين، وعلي الرَضِي فلم يصنعا عرائس المولد أو أحصنة ولم يقيما احتفالاً حكومياً بمولد محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!. لو قلنا:إن الاحتفال بمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- دين أو سنة حسنة، رمينا القرآن بالقصور فهو لم يبين لنا ذلك فالله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} (المائدة: 3). ورمينا الرسول -صلى الله عليه وسلم- إما بالقصور، وإما بإخفاء ما أُمِرَ بإبلاغه؛ لأن السنة لم تأمرنا بالاحتفال بمولده، بل حذرت من ذلك كل التحذير، أفيجرؤ إنسان عنده أَثَارِةٌ من إسلام على القول بما ذكرنا. (مجلة التوحيد ـ العدد الثالث للسنة الثلاثين)

الشُّبْهَة الثـانية:
يستدلون بما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: " نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون"، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله" (صحيح البخاري، باب فضل من قام رمضان). فيستدل المخالف بقول عمر -رضي الله عنه-: " نعم البدعة هذه" على ما يستحدثه  المبتدعة.
الــرد عـلـيـها:
إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال هذه الكلمة، حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح وفعلُها جماعة ليست بدعة في الشريعة؛ بل هي سنة بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفعله لها في الجماعة، فقد صلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً.
فقد أخرج النسائي والترمذي عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال:
" صمنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله !
لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، قال:" إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة"،
ثم لم يصلِ بنا ولم يقم، حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه، حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح؟، قال: السحور" (صححه الألباني).
وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد.
وفي قوله: هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد على عهده -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرهم، وإقراره سنة منه -صلى الله عليه وسلم-.
وفي قوله في رواية البخاري المذكورة أعلاه: " ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط"
ما يدل على أن من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من كانوا يصلون التراويح جماعة في عهد عمر -رضي الله عنه-، قبل أن يجمعهم  كلهم على إمام واحد.
إذا عُلِم ما تقدم، فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر -رضي الله عنه-، وإنما أراد -رضي الله عنه- بقوله المذكور: البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تُسْتخدم إلا في موضع الذم، بخلاف اللغة فإن كل ما أحدث على غير مثال سابق بدعة، سواء أكان محموداً أو مذموماً. وعلى هذا حمل العلماء قول عمر -رضي الله عنه-.
فقد قال الإمام ابن كثير- رحمه الله - عند تفسير الآية (17) من سورة البقرة ما نصه: والبدعة على قسمين:
تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: " نعمت البدعة هذه" ....

وقال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ:
" فإذا كان نص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقاً، ولم يُعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر -رضي الله عنه-، فإذا عمل هذا العمل بعد موته، صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمى بدعة، ويسمى محدثاً في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- المهاجرين إلى الحبشة: "إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف"
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة، ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد علم أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل بدعة ضلالة"،
لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتُدأ من الأعمال التي لم يشرعها هو -صلى الله عليه وسلم-.
وإذا كان كذلك، فالصحابة كانوا  يصلون قيام رمضان على عهده -صلى الله عليه وسلم- جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة، أو الرابعة، لما اجتمعوا: " إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة"،
فعلل -صلى الله عليه وسلم- عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر -رضي الله عنه- جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل؛ فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته -صلى الله عليه وسلم- فانتفى المعارض" أهـ
( اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم:2/592ـ593)
الشُّبْهَة الثـالثة:
يقولون: إن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لم يحتفلوا بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لقرب عهدهم بالنبي، وهم ليسوا في حاجة إلى الاحتفال لهذا السبب.
الــرد عـلـيـها:
نقول: إن بُعد المسافة الزمنية بيننا وبين نبينا -صلى الله عليه وسلم- لا يبرر إحداث بدع في دين الله تعالى، خاصة وأن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد حذرنا من الابتداع في الدين، وما دام أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة لم يحتفلوا بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه ينبغي علينا أن نسير على نهجهم؛ لننال المحبة الحقيقية لنبينا -صلى الله عليه وسلم-.
الشُّبْهَة الرابعة:
ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم وُلِدْتُ فيه ويوم بعثت – أو أُنْزِلَ عليّ -  فيه" فهذا الحديث يدل على تشريف يوم الولادة، ويفيد شرعية الاحتفال بالمولد.
الــرد عـلـيـها: يُرَدُّ على هذه الشبهة من عدة وجوه:
أحدها: إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ميلاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه؛ فإن المعقول والمنقول يُحَتِّم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ربه بِه، وهو: صيام يوم الاثنين، وعليه فلنصم كما صام، وإذا سُئِلْنَا قلنا: إنه يوم ولد فيه نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، وتَأَسِّياً برسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو المشروع.
أم أن صوم يوم الاثنين صعب، وليس فيه مظهر الاحتفال والتجمع والإنشاد وما يتبع ذلك من الأكل والشرب والتسلية، حتى أصبحت هذه الظاهرة ظاهرة اجتماعية أكثر من كونها دينية؟!
الوجه الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يخص يوم ولادته ـ وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول على المشهور أو غيره ـ بالصيام ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، وهذا يدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يفضله على غيره، وإنما صام يوم الاثنين ـ الذي يتكرر كل أسبوع ـ وقد قال الله –عز وجل-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ } (الأحزاب:21)
الوجه الثالث: هل النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صام يوم الاثنين شكراً لله تعالى على نعمة إيجاده، وعلى ما مَنَّ عليه به من نعمة النبوة والرسالة أضاف إلى الصيام احتفالاً؛ كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات، ومدائح، وأنغام، وطعام، وشراب؟! والجواب: بالنفي قطعاً؛ وإنما اكتفي -صلى الله عليه وسلم- بالصيام فقط؛ إذاً ألا يكفي الأمة ما كفي نبيها، ويسعها ما وسعه؟!
أضف إلى ذلك أن قياس ما هو مشروع وهو الصيام على ما لم يشرعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الاحتفال بيوم مولده قياس مع الفارق، وهو قياس باطل.
الشُّبْهَة الخامسة:
حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على صوم يوم عاشوراء؛ شكراً لله  تعالى على نجاة موسى -عليه السلام- ومن معه؛ فيُستفاد من هذا شرعية الاحتفال بيوم مولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنواع العبادة؛ شكراً لله تعالى على ما من به من إيجاد نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم-.
الــرد عـلـيـها: يُرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أن الأمة الإسلامية جمعاء تدرك مشروعية صيام يوم عاشوراء على سبيل الاستحباب؛ امتثالاً لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشكراً لله تعالى على تأييد الحق وإزهاق الباطل، ولكن ليس في علماء المسلمين ممن يُعتد بعلمهم.  من يعتبر في هذا التوجيه النبوي الكريم تأصيلاً لقاعدة إقامة الموالد، وإحداث مراسم دينيه لترتبط هذه الأزمنة بالأحداث كما يزعمون؛ فتتعد الأعياد وتكثر المناسبات؛ وعليه فإن أمره -صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم عاشوراء لا يعني اتخاذه عيداً من الأعياد، ولا الاستدلال به على إقامة الموالد؛ وإنما يعني القيام بشكر الله تعالى بصيام هذا اليوم، وفقاً لما شرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
الوجه الثاني: أننا حينما نفرح بميلاده -صلى الله عليه وسلم-، فإن بعثته بالرسالة أولى بالفرح والابتهاج، وعلى أي حال فميلاده -صلى الله عليه وسلم- وبعثته، وهجرته، وسائر مواقفه المشرفة في ميادين الجهاد والتعليم والدعوة، كل هذه أمور نفرح بها، ونستلهم منها العبر والعظات، لكن ذلك كله لا يكون في ليلة واحدة من السنة؛ وإنما يُشرع كل وقت، وفي كل مكان؛ كالمساجد، والمدارس، والمجالس العامة والخاصة.
الوجه الثالث: أن تخريج بدعة المولد على صيام عاشوراء، إنما هو من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع.
الوجه الرابع: أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيداً؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله ولم يُرغب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذرهم منه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"

الشُّبْهَة السادسة:
إن إقامة المولد النبوي مُشعرٌ بمحبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه.
الــرد عـلـيـها:  يُرد على هذه الشبهة من وجهين:
أحدهما: أن محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه لا يكون بارتكاب البدع التي حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة؛ وإنما كمال محبته وتعظيمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يكون على الوجه المشروع؛ وذلك بالإيمان به وطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر ما دعا إليه، والجهاد على ذلك بالقلب واللسان، وتقديم محبته على النفس والأهل، والمال والولد، والناس أجمعين.
الوجه الثاني: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا أشد محبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيماً له منا، وكانوا أعلم الناس بما يصلح له -صلى الله عليه وسلم- وكانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم، ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيداً، ولو كان في ذلك أدني شيء من الفضل، والمحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- والتعظيم له، لكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أحرص وأسبق عليه من غيرهم؛ وإنما الذي أُثر عنهم هو ما عرفوه من الحق من محبته وتعظيمه، وعلى هذا مضي السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ.
الشُّبْهَة السابعة:
إن الاحتفال بالمولد النبوي يتضمن أفعال البر النافعة المشروعة؛ كالاجتماع على تلاوة القرآن والذكر، أو الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أو سماع شمائله الشريفة وقراءة سيرته العطرة، أو إطعام الطعام والتوسعة على الفقراء.
الــرد عـلـيـها: يُرد علي هذه الشبهة بما يأتي:
1. أن هذه المحاسن وأفعال البر المذكورة مشروعة بلا شك، ومن أعظم القرب، وفيها البركة العظيمة؛ ولكن إذا فُعلت على الوجه الشرعي ـ لا بنية المولد ـ حيث لا بدعة حينئذٍ.
2. إنما البدعة هنا جعل هذا الاجتماع المخصوص، بالهيئة المخصوصة، والوقت المخصوص من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع؛ بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أن ذلك من أعمال القرب المطلوبة شرعاً، بينما هو بهذه القيود بدعة سيئة ـ ولو خلا من وجود القبائح والمنكرات، ودرء مفاسد البدع مقدم على جلب مصالحها ـ إن وُجِدَتْ.
3. أن النظر في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر محبوب ومطلوب؛ لأخذ الدروس والعبر، لكن ذلك لا يكون في ليلة واحدة؛ بل ينبغي أن يكون ذلك كل وقت وفي كل مكان.
4. أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- مشروعة في كل وقت، وتتأكد في مواطن عديدة، ليس منها ليلة مولده -صلى الله عليه وسلم-.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19436
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: حكم الاحتفال بمولد الرسول العدنان -صلى الله عليه وسلم-   15/01/14, 07:23 am


الشُّبْهَة الثامنة:
قال السيوطي: " ومما يستدل به على جواز الاحتفال حديث أنس -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عقّ عن نفسه بعد النبوة"، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تُعاد مرة ثانية؛ فيُحمل ذلك على أن الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- إظهار الشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته؛ كما كان يُصلي علي نفسه؛ لذلك فيُستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات.
الــرد عـلـيـها:
أن هذا الحديث لم يثبت عند أهل العلم:
1. فقد قال عبد الرزاق في " مصنفه": 
أنبأنا عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عقّ عن نفسه بعد النبوة".
قال ابن قيم الجوزية بعد إيراده هذا الحديث وعزوه إلى عبد الرزاق في "مصنفه": قال عبد الرزاق: إنما تركوا ابن محرر؛ لهذا الحديث.
2. وذكر الحافظ ابن حجر في " فتح الباري":
إن هذا الحديث لم يثبت، ونسبه للبزار، وقال: قال البزار تفرد به عبد الله بن محرر، وهو ضعيف.
3. قال النووي في " المجموع شرح المهذب":
وأما الحديث الذي ذكره في عق النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس، وهذا حديث باطل، وابن محرر ضعيف متفق على ضعفه، قال الحفاظ: متروك.
4. قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " بعد أن ذكر ترجمة ابن محرر:
وكلام الحفاظ فيه إنه متروك وليس بثقة ومن بلاياه حديث أنس: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عق عن نفسه بعدما بُعث".
الشُّبْهَة التاسعة:
قال السيوطي:" ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمي "عرف التعريف بالمولد الشريف" ما نصه: " قد رُئي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يُخفف عني كل يوم اثنين، وأمُص بين أصبعي ماءً بقدر هذا ـ وأشار لرأس أصبعه ـ؛ وإن ذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبإرضاعها له.
فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمة جُوزَيَ في النار بفرحة ليلة مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- به؛ فما حال المسلم الموحد من أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته -صلى الله عليه وسلم-، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم".
الــرد عـلـيـها:
أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلاً في باب: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} (النساء: 23) "ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" من " صحيحه" بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته: أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها:أنها قالت:
يا رسول الله، أنكح أختي بنت أبي سفيان. فقال:" أو تحبين ذلك؟" فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " إن ذلك لا يحل لي"، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: " بنت أم سلمة ؟"، قلت: نعم، فقال: " لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن". قال عروة: ثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها؛ فأرضعت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشر حِيْبَةٍ، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم رخاء، غير أني سقيت في هذه -وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه- بعتاقتي ثويبة.
ـ حِيْبَة: بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء: أي بشر حال، والحِيبة والحوبة: الهمُّ والحُزن. (النهاية: 1/466) قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالي: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } (الفرقان: 23).

وأجيب عن هذا الحديث من وجوه منها:
1. أن الخبر مرسل: أرسله عروة، ولم يذكر مَن حدثه به ـ كما تقدم.
2. وعلى تقدير أن يكون موصولاً؛ فالذي في الخبر رؤيا منام؛ فلا حجة فيها، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد؛ فلا يحتج به.
3. أن ما ورد في مرسل عروة هذا من إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما ذكره ابن الجوزي من أنه أعتقها عندما بشرته بولادة النبي -صلى الله عليه وسلم-: يخالف ما عند أهل السير من إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل.
قال ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر-الواقدي- عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تُكرمها -وهى يومئذ مملوكة- وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه؛ لتعتقها، فأبَى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، اعتقها أبو لهب، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبعث إليها بصلة كسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع، مرجعه من خيبر.
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن ذكر إرضاع ثويبة للرسول -صلى الله عليه وسلم-: "وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة"، وقال ابن الجوزي: "وكانت ثويبة تدخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما تزوج خديجة فيكرمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكرمها خديجة -رضي الله عنها- وهى يومئذ أمة، ثم أعتقها أبو لهب."
4. أنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أن ثويبة بشرته بولادته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقدم ذلك، فكل هذا لم يثبت ومَن أدعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما أدعاه ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً، وهب أنه ثبت، فهو فرح طبيعي، وليس تعبدياً؛ إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له أو لأحد إخوته، والفرح إن لم يكن لله فلا يُثاب عليه صاحبه، وأهل السنة لا يمانعون المسلم من الفرح بميلاد ومبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهم أشد الناس فرحاً بمبعثه، وأحرص الناس على سنته؛ بل يُطلب من المسلم أن يحمد الله تعالى وأن يشكره على بعثته للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ بل ويفرح بذلك أشد الفرح ويتقرب إلى الله عز وجل  شكراً له على ذلك؛ ولكن على النحو الذي يرضاه الله؛ وهو ما سنَّه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كصيام الاثنين مثلاً، وليس بما يفعله المبتدعة من بدعهم المعروفة المستقبحة عند من كان له قلب سليم واتبع الشرع القويم.
5. أن أكثر أهل العلم من السلف والخلف على أن الكافر لا يُثابُ على عمل صالح عمله إذا مات على كفره؛ لقوله تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } (الفرقان: 23).
الشُّبْهَة العاشرة:
ومن الشُّبَهِ التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم: إن الفرح به -صلى الله عليه وسلم- مطلوب بأمر القرآن؛ في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس: 58) فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم رحمة؛ قال الله تعالي: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (الأنبياء: 107).
الــرد عـلـيـها:
1ـ إن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل حمل كلام الله تعالى على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهذا أمر لا يليق.
لما بَيَّنَهُ الشاطبي في كتابه " الأدلة الشرعية من الموافقات"وهو: أن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح بالنص عليه لا يقبل ممن بعدهم دعوى دلالة النص عليه. 
قال: إذ لو كان دليل عليه، لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادماً لمقتضى هذا المفهوم ومعارضاً له، ولو كان ترك العمل، فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مُخالف لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطيء، وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى وليس إلا صواباً أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأٍ، وهذا كافٍ.
وكثيراً ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونهما مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة؛ منها: استدلال التناسخية -القائلون بتناسخ الأرواح- على صحة ما زعموا بقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } (الانفطار: 8)، واستدلال كل من اخترع بدعة واستحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ككتابة المصحف، وتدوين الدواوين، وتصنيف الكتب، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكر الأصوليون في أصل المصالح المرسلة؛ فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين؛ فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما شابهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها؛ فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلاً جماعياً على أن هؤلاء في استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة.
2ـ إن كبار المفسرين قد فسروا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالرحمة في هذه الآية: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما، ما عنته الآية وهو: قول الله تعالي: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }.
قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس: 57،58)، قال ابن جريرـ في تفسيره (15/105): " قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ـ لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: { قُلْ}  يا محمد لهؤلاء المكذبين بك ومما أُنزل إليك من عند ربك {بِفَضْلِ اللّهِ} أيها الناس الذي تفضل به عليكم؛ وهو: الإسلام؛ فبينه لكم، ودعاكم إليه {وَبِرَحْمَتِهِ} التي رحمكم بها؛ فأنزلها إليكم؛ فعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه؛ فبصركم بها معالم دينكم؛ وذلك: القرآن {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس: 58) يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم خير مما يجمعون من حطام الدنيا وكنوزها".
وقال القرطبي  في تفسيره (8/353): قوله تعالي: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} (يونس: 58) قال أبو سعيد الخدري وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام. وعنهما أيضاً: فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله. وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن.على عكس القول السابق.
وقال ابن كثير في تفسيره (2/421): يقول الله تعالى مُمتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ } أي: زاجر عن الفواحش،{وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ} أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 57) أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله  تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه؛ كقوله تعالي: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً } (الإسراء: 82) وقوله تعالي: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} (فصلت: 44) وقوله تعالي: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس: 58) أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا؛ فإنه أولى ما يفرحون به، أي: من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة...".
وقال ابن قيم الجوزية في تفسير قوله تعالي: { قلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس: 58)، وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة"
وقال ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي في الرد على السبكي": "ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف الصالح، ولا عرفوه، ولا بيَّنُوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر؛ فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه؟!....".

الشُّبْهَة الحادية عشرة:
- يقولون: إن المولد أمر أستحسنه العلماء والمسلمون من جميع البلاد، وجرى به العمل في كل صقع، فهو مطلوب شرعاً؛ للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح" (أخرجه أحمد).
الــرد عـلـيـها:
أولاً: إن المراد بالمسلمين فيه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذلك لما رواه الحاكم في "المستدرك "من قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "مـا رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمـون سيئاً فهو عند الله سيء وقد رأي الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر -رضي الله عنه-" وكذلك روى أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه؛ فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح".
ثانياً: إن المراد بالإجماع هنا ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً لا ما رآه بعضهم واستحسنه.
قال ابن حزم فيه: "فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه لو تُيقن، وليس ما رآه بعض المسلمين أولى بالاتباع مما رآه غيرهم من المسلمين ولو كان ذلك، لكنا مأمورين بالشيء وضده وبفعل شيء وتركه معاً، وهذا محال لا سبيل إليه". (الإحكام في أصول الأحكام ج 6/ صـ 18،19)، وقال ابن القيم:" في هذا الأثر دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً فهو عند الله حسن، لا ما رآه بعضهم؛ فهو حجة عليهم". ( كتاب الفروسية صـ 60).
وقال الشاطبي:" إن ظاهرة يدل على أن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، والأمة لا تجتمع على باطل؛ فاجتماعهم على حُسن شيء يدل على حُسْنِهِ شرعاً؛ لأن الإجماع يتضمن دليلاً شرعياً؛ فالحديث دليل عليكم لا لكم. (كتاب الاعتصام: 2/ 130).
الشُّبْهَة الثانية عشرة:
يقولون: إن هذه الاجتماعات هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله، وهي فرصة ذهبية ينبغي ألا تفوت؛ بل يجب على الدعاة أن يذكروا الأمة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبأخلاقه، وآدابه، وأحواله، وسيرته، ومعاملته وعبادته... وغير ذلك.
الــرد عـلـيـها:
نقول: إن الدعوة إلى الله تعالى ليست حولية، والتذكير برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعبادته ليس حولياً؛ فإننا حينما نقتصر على ذلك فهذا يعني هجرانه -صلى الله عليه وسلم- والتنكب عن ذكراه إلا عند ذكرى مولده ليلة كل عام؛ كما أنه يحصل في هذه الاحتفالات والاجتماعات البدعية من الهرج والمرج، واللغط والغلط ما يُغضبُ الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، لا يتمشي مع مصلحة الدعوة.
الشُّبْهَة الثالثة عشرة:
قولهم: الترك لا يقتضي التحريم: وينسبون مثل هذا الكلام إلى الأصوليين، بل ويبالغ بعضهم، ويغلو عندما يزعم أنه إجماع.
الــرد عـلـيـها:
نعم. الأصوليون لم يجعلوا الترك من أنواع التحريم، فالتحريم يكون بالنص ونحوه مما يدل على التحريم، لكن هاهنا فرق لابد من التنبه له، هو سبب هذا الإشكال: كلام الأصوليين إنما هو في العادات لا في العبادات. فالأصل في العادات الإباحة، فالترك في باب العادات لا يدل على التحريم، فمثلاً النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأكل الضب، فهل هذا يدل على تحريمه؟
الجواب: لا.؛ لأن الترك لا يدل على التحريم، هذا في باب العادات، وهكذا كل شيء من المنافع الدنيوية الأصل فيها الإباحة، إلا إذا ورد ما يمنع، وهذا من التوسيع والرحمة.
وأما العبادات: فالأصل فيها  التحريم إلا إذا ورد الإذن، وعلى ذلك فما تركه الشارع فهو محرم، إذ لو كان مشروعاً لفعل، فالترك دل على عدم المشروعية، فكل ما نوقعه من عبادات، من  صلاة وصيام وحج وزكاة، كلها لم يكن لنا القيام بها لولا إذن الشارع، وهذا هو مقتضى التسليم وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
ولو كان لكل إنسان الحق أن يخترع عبادة كيفما شاء، لم يكن من داع لإرسال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لتبليغ رسالة الرب إلى الخلق، بل يترك لكل قوم وكل إنسان أن يخترع ما شاء من العبادات، وهذا باطل.
والدليل على أن الأصل في العبادات المنع، قوله-صلى الله عليه وسلم-: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة" وعلى ذلك فالمولد هل هو من باب العبادات أم من باب العادات؟!
لننظر فيما يكون في المولد كما يراه صالحوهم، إنه اجتماع لتلاوة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع إنشاد المدائح النبوية بأصوات ملحنة، ثم تقام الولائم لأجل ذلك، وهم يفعلون ذلك في كل عام مرة على الأقل في تاريخ محدد، وهذا بلا ريب عبادة محضة.

والأدلة على ذلك:-
أولاً: من حيث أنهم يتخذون ذلك اليوم عيداً، والعيد هو ما يعتاد مجيئه في كل زمن، فالجمعة عيد؛ لأنه كل أسبوع، والفطر والأضحى عيد؛ لأنه كل عام، وعلى ذلك فقس المولد، فهو يحتفل به كل عام، وهذا تشريع، واتخاذ ليوم لم يأذن به الشارع أن يكون عيداً، ونحن نعلم أن المسلمين ليس لهم إلا عيدان يحتفلون بهما: الفطر والأضحى، ولا يجوز لهم أن يتخذوا عيداً ثالثاً، والحاصل في المولد أنه صار عيداً يُحْتَفل به، أي صار عيداً ثالثاً في الإسلام، وهذه هي الضلالة.
ثانياً: أن الموالد ذكر، والذكر عبادة.
ثالثاً: أن أهل الموالد يقصدون التقرب إلى الله تعالى بما يفعلون، والتقرب عبادة.
إذاً الموالد عبادة وليست عادة، فتدخل في باب: الأصل في العبادات المنع إلا بنص، ولا تدخل في باب: الأصل في العادات الإباحة إلا بنص.
ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بقاعدة "الترك لا يقتضي التحريم"؛ إذ هذه القاعدة يُعمل بها في العادات لا في العبادات. ثم إن دعوى أن " الترك لا يقتضي التحريم" هكذا بإطلاق صادم النص النبوي: " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة" فيصبح هذا النص لا معنى له، إذا عمل بتلك الدعوى على إطلاقها دون التفصيل المذكور، ودائماً ما يخلط دعاة الاحتفال بالمولد بين البدعة والمصلحة المرسلة.
والضابط الذي تتميز به المصلحة المرسلة من البدع المحدثة، هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم: 2/594": " والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحة؛ إذ لو اعتقدوه مفسدة؛ لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين.
فما رآه الناس مصلحة؛ نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث به النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعارض زال بموته.
وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موجوداً، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل: يُعْلَم أنه ليس بمصلحة. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحة..." إلخ.
وخلاصة القول:
 أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين، وليست البدع عند من يدعيها هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرب إلى الله، وإن لم يكن هناك حاجة لإح