منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 الشــــورى في الإســــــلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الشــــورى في الإســــــلام   22/10/13, 10:31 pm

الشورى في الإسلام


مقدمة

الشورى ممارسة تتصل بكل ما يخص نظم الجماعة، سواء المتعلقة في شؤونها الاجتماعية أو السياسية أو التنظيمية أو المالية، وليست الشورى خاصة بالشؤون السياسية وحدها. 

وهي القرار الملزم الصادر من الجماعة.

ومن جهة أخرى، فإن حق الفرد في الشورى، نابع من حريته وحقوقه الإنسانية، التي يستمدها من فطرته الآدمية، ومن شريعة الله تعالى.

والمشورة والاستشارة: 

هي تبادل الرأي في غير إلزام. 

ويدخل في المشورة والاستشارة: 

النصيحة، والفتوى، والاستشارة العلمية والقانونية.

وقد تُستعمل الشورى بهذا المعنى الأخير أيضاً، فيكون لها معنيان، أحدهما خاص عرفي يستعمل أساساً في المجال السياسي؛ والآخر واسع وعام يستعمل في كافة المجالات.

والشورى -عادة- ملزمة لجماعة المسلمين في المجال الذي تقدم فيه، بينما المشورة أو الاستشارة اختيارية.

وتمتاز الشورى في الإسلام بالشمول، حيث لا يقتصر ذلك على حق الأفراد في المشاركة في القرار الملزم الصادر عن الجماعة، بل تتجاوز ذلك إلى المشورة الاختيارية، واستشارة أهل الخبرة وتبادل النصيحة، فالإسلام يندب أفراد المجتمع إلى الاستشارة والتناصح، قبل الإقدام على الأمر، سواء تعلق بالفرد أو الجماعة.

فالشورى شعيرة إسلامية مندوب لها الجميع: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران: 159)، لتدريب الأفراد والجماعات على تبادل الرأي، بحرية كاملة واحترام متبادل.

درج كثيرون على اعتبار الشورى، مبدأ يقوم عليه نظام الحكم، ويقيد سلطة الحكام، بينما يجب اعتبارها نظرية عامة شامة للمبادئ، التي تقوم عليها حرية الأفراد، وحقوق الشعوب، وتضامن المجتمع في جميع النواحي، السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها.

فالشورى في الإسلام مبدأ إنساني أولاً، واجتماعي وأخلاقي ثانياً، ثم هي قاعدة دستورية لنظام الحكم، ولذلك فإن نطاق تطبيقها واسع شامل.

كما تطبق النظرية العامة للشورى، في مجال الفقه، فلا يخفي ما للإجماع والاجتهاد من دور في استنباط الأحكام الشرعية. 

ولا تقل أهمية الشورى في هذا المجال عن أهميتها في المجال السياسي.

ويمكننا وصف الشريعة الإسلامية بأنها شريعة الشورى، بالقدر نفسه الذي توصف فيه بأنها من عند الله. فهي إلهية من حيث مصادرها، ولكنها تعتمد، أيضاً، على مصادر اجتهادية، كالإجماع والاجتهاد.

إن الفقه الدستوري الإسلامي، يقوم على مبدأ سيادة الشريعة الإسلامية واستقلالها وهيمنتها على المجتمع والدولة، ومن ثم، فكل عرض لأصول الحكم في الإسلام لا يكون صحيحاً إلاّ في ضوء استقلال الشريعة، وحمايتها لحقوق الإنسان، فاستقلال الشريعة وحرية الشورى الفقهية، هما محور النظام الإسلامي.

وقد رسمت الشريعة الإسلامية حدوداً للشورى، ليس لها أن تتجاوزها. 

وهي حدود ثابتة خالدة ما بقي الإسلام وبقيت شريعته.

إن ارتباط الشورى بالشريعة يجعلها خاضعة لمبادئها الأخلاقية الثابتة، وملتزمة بسيادة الشريعة، وأصولها وشمولها. 

لذلك فالشورى شرعية، أي: 

قررها الشرع، وهي ملتزمة به. 

وهي ليست تشريعاً مستقلاً، بل تشريع منضبط بالشريعة الإسلامية.

إن ما حققته الحضارة الإسلامية من قوة وعظمة، في عهود الخلفاء والسلاطين، الذين يوصفون اليوم بالاستبداد، سببه التزامهم بمبدأ سيادة الشريعة، ونجاح الأمة وعلمائها في فرض حرية الفقه عليهم، مما جعل استبداد الحكام في الماضي لا يصل إلى ما وصل إليه طغيان بعض حكام اليوم، الذين يستخدمون سلطة التشريع الوضعي، وسيلة ضد حقوق الأفراد وحرياتهم، وبقوة القانون.

بينما يشهد الواقع المعاصر أن أكثر الدول تباهيا بديموقراطيتها، هي أكثر الدول عدواناً وفساداً في الأرض. 

ويتم ذلك بقرارات ديموقراطية، وبعد تشاور حر يرضي الأهواء والمصالح، من دون التزام بمبدأ إلهي أو أخلاقي أو إنساني.

إن الإسلام عندما فرض الشورى، بعد ختم رسالة الأنبياء جميعاً، عَدّ الإنسانية قد بلغت رشدها، ووصلت حدّ الرقي الاجتماعي، الذي يُمكِّن الشعوب من تقرير مصيرها وإدارة شؤونها.

والشورى في الإسلام ليست نظرية سياسية وحسب، أو قاعدة لدستور الحكم، بل هي الأساس الشرعي لنظام المجتمع، الذي يلتزم بحقوق الإنسان، وسلطان الأمة، والتضامن الاجتماعي.

لذلك، فإن دراسة الشورى ليست محدودة في نطاق نظام الحكم الإسلامي، ولا المبادئ السياسية العامة، التي تقيد سلطة الحكام، كما هو الشأن في النظريات الديموقراطية، التي تحصرها الدراسات العصرية في نطاق العلوم السياسية، أو القوانين الدستورية، أو نظام الدولة.

إن الشورى أعمق من ذلك، وأوسع نطاقاً، فكما تستمد منها الأمة وحدتها وسلطانها، يستمد منها المجتمع تضامنه وتكافله.

إن مبدأ الشورى في الإسلام، يلتزم بأهم أصول الشريعة، وهو: 

استقلال الشريعة عن الحكم والحكام. 

وتطبيق هذا الأصل يستوجب، أن تكون الشورى في نطاق الفقه هي تبادل للرأي مستقل ومنفصل، عن الشورى في مجال السياسة، مما يعنى أن تقلبات السياسة، التي قد تعطل الشورى في مجالها، لا تنعكس بالضرورة على الشورى في نطاق الفقه؛ وهذا ما حمى فقه الشريعة طوال التاريخ الإسلامي، من آثار انحراف نظم الحكم عن الالتزام بالشورى السياسية. 

فالتاريخ الإسلامي لم يشهد ما نراه اليوم في النظم الوضعية، التي يستطيع فيها من يستولي على السلطة أن يغير الدساتير والقوانين، ولا يكتفي بتغيير نظام الحكم، والتحكم في الإدارة والجيش.

وأساس الشورى: كيان الجماعة وحقوقها، ومسؤوليتها مستمد من تضامن مجموع الأفراد. ويعني مبدأ الشورى أن كل قرار ينسب للجماعة، يجب أن يكون تعبيراً عن إرادة جمهور الجماعة، أو مجموع أفرادها، بشرط أن يتمتع الجميع بحرية كاملة في المعارضة والمناقشة، بل والامتناع أيضاً.

فأساس الشورى أن حرية الفرد في الجماعة، تعطيه حقه الفطري في المشاركة في كل ما يخص الجماعة. 

فالحرية حق أساسي لجميع الأفراد، ولهم حق ممارسته على قدم المساواة، والمساواة لا يمكن أن يتمتع بها الجميع إلاّ بالعدالة. 

ولهذا، فالشورى لا بد أن تستند إلى العدالة، التي تقيم توازناً دقيقاً بين حرية الأفراد والجماعات، من ناحية، وبين وجود سلطة عامة، من ناحية أخرى.

وبذلك تكون الشورى ميزاناً، تمثل الحرية إحدى كفتيه، والسلطة والحكم الكفة المقابلة لها، وترتكز كلتاهما على محور شرعي ثابت، من أصول الشريعة ومبادئها، ولا يجوز للسلطة أن تفرض قيودا على الحريات.

إن الشورى ليست هدفاً لذاتها، وإنما هي مشروعة في الإسلام كوسيلة لتحقيق العدل، وتنفيذ مقاصد الشريعة. 

وقد تميز الإسلام بأنه يربط الشورى بالعقيدة والشريعة فيقول المولى عز وجل: ]وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون[ (سورة الشورى: الآية 38).

والأخذ بمبدأ الشورى يعني: 

حرية الفكر والرأي والكتابة والنشر والإعلام، وهذا يستلزم القضاء على احتكار الدولة ومؤسساتها، للصحافة والإعلام بوسائله المتعددة.

إن النظرة الشاملة للشورى في مجال الفقه والحكم في الإسلام، تكشف أن للشورى دورها الخطير فيما يتعلق بحريات الأفراد وحقوق الإنسان؛ لأنها تجعل الفرد ـ وليس الحكومة ـ هو صاحب الدور الأول في المجتمع.

وهو من يفوض أهل الحل والعقد لكي يمثلوا الأمة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   22/10/13, 11:50 pm

2. الشورى في القرآن الكريم



حفل القرآن الكريم بالشورى، وجعلها عنصراً من العناصر، التي تقوم عليها الدولة الإسلامية. ففي الكتاب الكريم سورة عرفت باسم (سورة الشورى)، وقد سُميَت بذلك، لأنها السورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصراً من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة، ونظمتها في عقد حياته: طهارة القلب بالإيمان، والتوكل، وطهارة الجوارح من الإثم والفواحش، ومراقبة الله بإقامة الصلاة، وحسن التضامن بالشورى، والإنفاق في سبيل الله، ثم عنصر القوة بالانتصار على البغي والعدوان.

إن الاتفاق على تسمية هذه السورة "الشورى"، يحوي أهمية الشورى كأساس من أسس التعايش بين المؤمنين في المجتمع المسلم على جميع المستويات.

وقد أوجب الله سبحانه وتعالى الشورى على الأمة في آيتين، ورد فيهما النص صريحاً على وجوب اتباع هذا المبدأ، أولهما: ]فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159).

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد، ومناسبتها أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان قد استشار أصحابه فيما يفعل. 

فأشار الشباب، ومن لم يحضر بدراً، بالخروج لملاقاة جيش الأعداء، وأشار بعض الصحابة بأن يتحصن المسلمون بالمدينة، وأن يتولوا الدفاع من دورها وحاراتها. 

وكان الرسول، -صلى الله عليه وسلم-، يميل إلى هذا الاتجاه، ولكن الاتجاه الأول حظي بتأييد أغلبية المسلمين، وخاصة من لم يحضروا بدراً رجاء أن ينالوا ما ناله البدريون من شرف، وخرج الرسول، -صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين، إلاّ أن الهزيمة كانت من نصيبهم. ومع هذا نزلت الآية الكريمة: ]فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159). 

أي: لا يحملنك ما كان من نتائج المشاورة على أن تتركها، بل شاورهم في الأمر.

وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى، يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى، فلا يستبد بها فرد.

وينقل القرطبي في هذه الآية أربعة أقوال:

أ. أنه أمر بمشاورتهم في الحروب، ليستقر لهم الرأي الصحيح.

ب. أنه أمر بمشورتهم تألفاً لهم، وتطييباً لأنفسهم.

ج. أنه أمر بمشورتهم لما علم فيها من الفضل.

د. أنه أمر بمشورتهم ليستن به المسلمون، ويتبعه المؤمنون، وإن كان عن مشورتهم غنياً، قاله سفيان. 

قال: وحمل ابن عباس هذه المشاورة على المناظرة عند القتال، فأمره بمناظرتهم ليتبين لهم الصواب، فعدل بها عن ظاهرها، وجعل مشاورته لهم مشورة منه عليهم.

وفي تفسير هذه الآية قال الرازي قالا:

 (إنما أمر "أي الرسول -صلى الله عليه وسلم-" بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة) وأشار إلى معنى دقيق، هو أن هذه الآية الكريمة نزلت عقب ما ابتلى به المسلمون يوم أحد، ومع أن ما وقع في ذلك اليوم قد أبان أن رأي من أشار على الرسول r بالخروج لم يكن صواباً، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل الأمر بالعفو عنهم ومشاورتهم أيضاً: أي أن الأمر هو أمر بالاستمرار في مشاورتهم، على الرغم مما ظهر من خطأ رأيهم، وهذا يؤكد أهمية الشورى، ويبين مقدار عناية الدين بها. 

ومن الوجوه التي ذكرها المفسر أيضاً أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أُمر بالشورى، لا لأنه محتاج إلى آراء من يستشيرهم، ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر، اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها. 

ثم قال: (وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد).

وقال صاحب الكشاف: 

"في الأمر": أي في أمر الحرب ونحوه، مما لم ينزل عليك فيه وحي، لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسهم، والرفع من أقدارهم. 

وعن الحسن  قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وفي المأثور من القول: ما تشاور قوم قط إلاّ هدوا لأرشد أمرهم، فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ: ]قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاَءِ الأُسَارَى فَذَكَرَ قِصَّةً فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَوِيلَةً. 

وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [-صلى الله عليه وسلم- (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1636).

ويرى بعض الباحثين، أن النص في الآية جاء في صورة أمر للرسول، r فمن باب أولى أن تكون أمته مأمورة به.

أما الآية الثانية، فتتحدث عن صفات المؤمنين الأساسية، وأنهم يتصرفون في الأمور، ويقررون الآراء، بالتفاهم والمشاركة وتبادل الرأي: أي بالشورى. 

يقول تعالى: ]فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ (سورة الشورى: الآيات 36 ـ 38).

فقد بين الله، سبحانه وتعالى، في هذه الآيات الصفات الأساسية، التي تميز المؤمنين، وهي:

(1) على ربهم يتوكلون.

(2) يجتنبون كبائر الإثم والفواحش.

(3) وإذا ما غضبوا هم يغفرون

(4) يستجيبون لربهم.

(5) يقيمون الصلاة.

(6) أمرهم شورى بينهم.

(7) مما رزقوا ينفقون.

يقول القرطبي: 

قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ[ (سورة الشورى: الآية 38) قال عبدالرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيباً منهم قبل الهجرة.

وقوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (سورة الشورى: الآية 38) أي: يتشاورون في الأمور.

فكانت الأنصار قبل قدوم النبي إلى المدينة إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش.

وقال الحسن: 

أي أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، مدحوا باتفاق كلمتهم. 

قال الحسن: 

ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم.

وقال الضحاك: 

هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وورود النقباء إليهم، حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان والنصرة له.

وقيل: تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخير دون بعض.

وقال ابن العربي: 

الشورى ألفة للجماعة، وسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلاّ هدوا.

قال القرطبي: 

(فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك).

وقد ذكرت عقب الصلاة وقبل الزكاة، مما يدل على بالغ أهميتها. فهذه من الصفات الأساسية الكبرى، التي بها يتميز مجتمع المؤمنين. 

وإذا كانت الآية الكريمة نزلت ـ كما رأي بعض المفسرين ـ في سبب خاص، وهو الثناء على مسلك الأنصار في اتباعهم سنة الشورى، فإن الحكم الذي يستنبط منها عام، يشمل سائر الأمة، شأنها شأن كثير من الآيات، التي وردت في القرآن على هذه الشاكلة.

والقاعدة المقررة أصولياً: 

أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فأياً كان السبب الخاص، الذي نزلت فيه الآية ، فإن الحكم الذي يستنبط منها عام يشمل سائر الأمة.

ويضيف الأستاذ الإمام محمد عبده، إلى هاتين الآيتين، آية ثالثة يرى أنها أقوى منهما في الدلالة على وجوب الشورى، وقيام الحكم عليها. هذه الآية هي قوله تعالى: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ (سورة آل عمران: الآية 104).

يقول الشيخ محمد عبده في هذه الآية: 

إن المعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية على أصول الشورى، وهذا صحيح، والآية أدل دليل عليه، ودلالتها أقوى من قوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (سورة الشورى: الآية 38)؛ لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة، أكثر مما يدل أن هذا الشيء ممدوح في نفسه، ومحمود عند الله تعالى، وأقوى من دلالة قوله تعالى: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر[ (سورة آل عمران: الآية 159)، فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبها عليه، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر، فماذا يكون إذا هو تركه.

وأمّا هذه الآية، فإنه تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء، يتولون الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل، ولا منكر أنكر من الظلم.

وينتقد بعض الباحثين هذا الرأي، ويرون أن آية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة منا، أولى أن تلفتنا إلى أداة فعالة لحراسة المجتمع من البغي والظلم والعدوان، وإقرار العدل منه، من أن تكون دليلا على وجوب مبدأ الشورى.

وقد ورد في القرآن الكريم، آيات أخرى غير صريحة في هذا المجال، ولكنها تفيد وجوب الشورى وضرورة العمل بها. 

ومن هذه الآيات قوله تعالى: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[ (سورة النساء: الآية 83).

وفي هذه الآية دليل على أن الأمور المهمة، التي تعرض للأمة يجب أن ترد إلى أهل العلم بها ليروا فيها رأيهم، ويستنبطوا منها ما فيه مصلحة الأمة. 

ولا شك أن أهل الشورى هم هؤلاء، الذين ترد إليهم هذه الأمور، وأن سبيل الشورى هو خير سبيل للهداية والرشاد.

وكما يريد الإسلام للأمة، كجماعة سياسية، أن يكون قاعدة الحكم فيها بالشورى، فإنه أراد للبنة المجتمع (الأسرة)، أن تعتاد الشورى في أمورها، وتتخذها منهجاً فقال تعالى: ]فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا[، (سورة البقرة: الآية 233).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   22/10/13, 11:50 pm

2. الشورى في القرآن الكريم



حفل القرآن الكريم بالشورى، وجعلها عنصراً من العناصر، التي تقوم عليها الدولة الإسلامية. ففي الكتاب الكريم سورة عرفت باسم (سورة الشورى)، وقد سُميَت بذلك، لأنها السورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصراً من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة، ونظمتها في عقد حياته: طهارة القلب بالإيمان، والتوكل، وطهارة الجوارح من الإثم والفواحش، ومراقبة الله بإقامة الصلاة، وحسن التضامن بالشورى، والإنفاق في سبيل الله، ثم عنصر القوة بالانتصار على البغي والعدوان.

إن الاتفاق على تسمية هذه السورة "الشورى"، يحوي أهمية الشورى كأساس من أسس التعايش بين المؤمنين في المجتمع المسلم على جميع المستويات.

وقد أوجب الله سبحانه وتعالى الشورى على الأمة في آيتين، ورد فيهما النص صريحاً على وجوب اتباع هذا المبدأ، أولهما: ]فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159).

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد، ومناسبتها أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان قد استشار أصحابه فيما يفعل. 

فأشار الشباب، ومن لم يحضر بدراً، بالخروج لملاقاة جيش الأعداء، وأشار بعض الصحابة بأن يتحصن المسلمون بالمدينة، وأن يتولوا الدفاع من دورها وحاراتها. 

وكان الرسول، -صلى الله عليه وسلم-، يميل إلى هذا الاتجاه، ولكن الاتجاه الأول حظي بتأييد أغلبية المسلمين، وخاصة من لم يحضروا بدراً رجاء أن ينالوا ما ناله البدريون من شرف، وخرج الرسول، -صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين، إلاّ أن الهزيمة كانت من نصيبهم. ومع هذا نزلت الآية الكريمة: ]فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159). 

أي: لا يحملنك ما كان من نتائج المشاورة على أن تتركها، بل شاورهم في الأمر.

وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى، يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى، فلا يستبد بها فرد.

وينقل القرطبي في هذه الآية أربعة أقوال:

أ. أنه أمر بمشاورتهم في الحروب، ليستقر لهم الرأي الصحيح.

ب. أنه أمر بمشورتهم تألفاً لهم، وتطييباً لأنفسهم.

ج. أنه أمر بمشورتهم لما علم فيها من الفضل.

د. أنه أمر بمشورتهم ليستن به المسلمون، ويتبعه المؤمنون، وإن كان عن مشورتهم غنياً، قاله سفيان. 

قال: وحمل ابن عباس هذه المشاورة على المناظرة عند القتال، فأمره بمناظرتهم ليتبين لهم الصواب، فعدل بها عن ظاهرها، وجعل مشاورته لهم مشورة منه عليهم.

وفي تفسير هذه الآية قال الرازي قالا:

 (إنما أمر "أي الرسول -صلى الله عليه وسلم-" بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة) وأشار إلى معنى دقيق، هو أن هذه الآية الكريمة نزلت عقب ما ابتلى به المسلمون يوم أحد، ومع أن ما وقع في ذلك اليوم قد أبان أن رأي من أشار على الرسول r بالخروج لم يكن صواباً، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل الأمر بالعفو عنهم ومشاورتهم أيضاً: أي أن الأمر هو أمر بالاستمرار في مشاورتهم، على الرغم مما ظهر من خطأ رأيهم، وهذا يؤكد أهمية الشورى، ويبين مقدار عناية الدين بها. 

ومن الوجوه التي ذكرها المفسر أيضاً أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أُمر بالشورى، لا لأنه محتاج إلى آراء من يستشيرهم، ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر، اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها. 

ثم قال: (وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد).

وقال صاحب الكشاف: 

"في الأمر": أي في أمر الحرب ونحوه، مما لم ينزل عليك فيه وحي، لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسهم، والرفع من أقدارهم. 

وعن الحسن  قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وفي المأثور من القول: ما تشاور قوم قط إلاّ هدوا لأرشد أمرهم، فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ: ]قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاَءِ الأُسَارَى فَذَكَرَ قِصَّةً فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَوِيلَةً. 

وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [-صلى الله عليه وسلم- (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1636).

ويرى بعض الباحثين، أن النص في الآية جاء في صورة أمر للرسول، r فمن باب أولى أن تكون أمته مأمورة به.

أما الآية الثانية، فتتحدث عن صفات المؤمنين الأساسية، وأنهم يتصرفون في الأمور، ويقررون الآراء، بالتفاهم والمشاركة وتبادل الرأي: أي بالشورى. 

يقول تعالى: ]فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ (سورة الشورى: الآيات 36 ـ 38).

فقد بين الله، سبحانه وتعالى، في هذه الآيات الصفات الأساسية، التي تميز المؤمنين، وهي:

(1) على ربهم يتوكلون.

(2) يجتنبون كبائر الإثم والفواحش.

(3) وإذا ما غضبوا هم يغفرون

(4) يستجيبون لربهم.

(5) يقيمون الصلاة.

(6) أمرهم شورى بينهم.

(7) مما رزقوا ينفقون.

يقول القرطبي: 

قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ[ (سورة الشورى: الآية 38) قال عبدالرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيباً منهم قبل الهجرة.

وقوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (سورة الشورى: الآية 38) أي: يتشاورون في الأمور.

فكانت الأنصار قبل قدوم النبي إلى المدينة إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش.

وقال الحسن: 

أي أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون، مدحوا باتفاق كلمتهم. 

قال الحسن: 

ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم.

وقال الضحاك: 

هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وورود النقباء إليهم، حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان والنصرة له.

وقيل: تشاورهم فيما يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم بخير دون بعض.

وقال ابن العربي: 

الشورى ألفة للجماعة، وسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلاّ هدوا.

قال القرطبي: 

(فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك).

وقد ذكرت عقب الصلاة وقبل الزكاة، مما يدل على بالغ أهميتها. فهذه من الصفات الأساسية الكبرى، التي بها يتميز مجتمع المؤمنين. 

وإذا كانت الآية الكريمة نزلت ـ كما رأي بعض المفسرين ـ في سبب خاص، وهو الثناء على مسلك الأنصار في اتباعهم سنة الشورى، فإن الحكم الذي يستنبط منها عام، يشمل سائر الأمة، شأنها شأن كثير من الآيات، التي وردت في القرآن على هذه الشاكلة.

والقاعدة المقررة أصولياً: 

أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فأياً كان السبب الخاص، الذي نزلت فيه الآية ، فإن الحكم الذي يستنبط منها عام يشمل سائر الأمة.

ويضيف الأستاذ الإمام محمد عبده، إلى هاتين الآيتين، آية ثالثة يرى أنها أقوى منهما في الدلالة على وجوب الشورى، وقيام الحكم عليها. هذه الآية هي قوله تعالى: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ (سورة آل عمران: الآية 104).

يقول الشيخ محمد عبده في هذه الآية: 

إن المعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية على أصول الشورى، وهذا صحيح، والآية أدل دليل عليه، ودلالتها أقوى من قوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ (سورة الشورى: الآية 38)؛ لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة، أكثر مما يدل أن هذا الشيء ممدوح في نفسه، ومحمود عند الله تعالى، وأقوى من دلالة قوله تعالى: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر[ (سورة آل عمران: الآية 159)، فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبها عليه، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر، فماذا يكون إذا هو تركه.

وأمّا هذه الآية، فإنه تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء، يتولون الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل، ولا منكر أنكر من الظلم.

وينتقد بعض الباحثين هذا الرأي، ويرون أن آية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة منا، أولى أن تلفتنا إلى أداة فعالة لحراسة المجتمع من البغي والظلم والعدوان، وإقرار العدل منه، من أن تكون دليلا على وجوب مبدأ الشورى.

وقد ورد في القرآن الكريم، آيات أخرى غير صريحة في هذا المجال، ولكنها تفيد وجوب الشورى وضرورة العمل بها. 

ومن هذه الآيات قوله تعالى: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[ (سورة النساء: الآية 83).

وفي هذه الآية دليل على أن الأمور المهمة، التي تعرض للأمة يجب أن ترد إلى أهل العلم بها ليروا فيها رأيهم، ويستنبطوا منها ما فيه مصلحة الأمة. 

ولا شك أن أهل الشورى هم هؤلاء، الذين ترد إليهم هذه الأمور، وأن سبيل الشورى هو خير سبيل للهداية والرشاد.

وكما يريد الإسلام للأمة، كجماعة سياسية، أن يكون قاعدة الحكم فيها بالشورى، فإنه أراد للبنة المجتمع (الأسرة)، أن تعتاد الشورى في أمورها، وتتخذها منهجاً فقال تعالى: ]فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا[، (سورة البقرة: الآية 233).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 12:11 am

3. الشورى في السُّنة النبوية



جاءت الأحاديث مؤيدة لما ورد في القرآن، من الإشادة بشأن الشورى، والحث على إتباعها، والتنويه بفضائلها. 

فقد حفلت السنة النبوية بكثير من النصوص، التي تدل على التزام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهج المشاورة قولاً وعملاً، حتى صارت الشورى صفة لصيقة به، لا يدانيه فيها غيره وهو المعصوم.

أ. الشورى في السنة القولية
(1) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ]إِذَا اسْتَشَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُشِرْ عَلَيْهِ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 3737).

(2) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: ]الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ[ (سنن أبو داود، الحديث الرقم 4463).

(3) فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ]مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَمَنْ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ فَقَدْ خَانَهُ وَمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 7918).

(4) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-]إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 2192).

(5) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ]الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَالثَّيِّبُ تُشَاوَرُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ سُكُوتُهَا رِضَاهَا[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 6834).

(6) عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ]لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لأَمَّرْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 3745) وفي رواية ]لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لاَسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 134)؛ ومعنى الحديث أنه لا يجوز أن يولى على المسلمين والٍ، أو يستخلف خليفة، بغير مشورة المؤمنين.

ب. الشورى في السنة العملية
السنة العملية حافلة بالشواهد، التي تدل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان دائم التشاور مع أصحابه، يكره الاستبداد بالرأي؛ وكثيراً ما نزل عند حكمهم، وإن كان رأيه في بادئ الأمر يخالف ما ذهبوا إليه. والوقائع في ذلك كثيرة:

(1) استشارته -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه، في الخروج إلى قتال قريش في غزوة بدر: 
فإنه لما بلغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خروج قريش ليمنعوا غيرهم، استشار أصحابه. 

فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ]فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[ (سورة المائدة: الآية 24)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ـ موضع بناحية اليمن ـ لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه. 

فقال له الرسول خيراً ودعا له به، ثم قال: أشيروا على أيها الناس ـ وإنما يريد الأنصار ـ وذلك لأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنّا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك ما نمنع به أبناءنا ونساءنا، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخوف ألاّ تكون الأنصار ترى عليها نصره إلاّ ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو خارجها. 

فلما قال ذلك رسول الله، قال له سعد بن معاذ، وكان سيد الخزرج من الأنصار: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. 

فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به من الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. 

فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذه البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عيناك فسر على بركة الله. 

فسُرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: سيروا وأبشروا.

(2) استشارته -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في شأن اختيار المكان، الذي ينزل فيه المسلمون يوم بدر:
وأخذه برأي الحباب بن المنذر، حين قال له: أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخره؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال الحباب: فإن هذا ليس بمنزل وأشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- برأيه فوافقه.

(3) استشارته فيما يعمل بشأن من أُسروا في تلك الموقعة:
وقبوله -صلى الله عليه وسلم- من أسرى بدر الفداء نزولاً على رأي أكثر المؤمنين بعد استشارتهم. فالواقع أن الذين طلبوا منه، اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذُكر في أكثر الروايات أبو بكر لأنه أول من استشارهم الرسول وأول من أشار بذلك، كما أنه أكبرهم مقاماً.

ويوضح ذلك ما رواه ابن المنذر عن قتادة، قال في تفسير آية ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ[ (سورة الأنفال: الآية 67)، أراد أصحاب محمد r يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف، فعَنْ أَبي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: ]كُنْتُ غُلاَمًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ الإِسْلاَمُ قَدْ دَخَلَنَا فَأَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ أَسْلَمَ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَهَابُ قَوْمَهُ وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلاَمَهُ وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ عَدُوُّ اللَّهِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَذَلِكَ كَانُوا صَنَعُوا لَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ إِلاَّ بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلاً فَلَمَّا جَاءَنَا الْخَيْرُ كَبَتَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ وَوَجَدْنَا أَنْفُسَنَا قُوَّةً قَالَ وَكَانَ فِي الأُسَارَى أَبُو وَدَاعَةَ بْنُ صُبَيْرَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّ لَهُ بِمَكَّةَ ابْنًا كَيِّسًا تَاجِرًا ذَا مَالٍ لَكَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ جَاءَنِي فِي فِدَاءِ أَبِيهِ وَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ لاَ تَعْجَلُوا بِفِدَاءِ أُسَارَاكُمْ لاَ يَتَأَرَّبُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ صَدَقْتُمْ فَافْعَلُوا وَانْسَلَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَخَذَ أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَانْطَلَقَ بِهِ وَقَدِمَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأَخْيَفِ فِي فِدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْر ٍو وَكَانَ الَّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ أَخُو بَنِي مَ الِكِ بْنِ عَوْفٍ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 22744).

(4) قبوله لرأي الكثرة منهم حين أشارت بالخروج يوم أحد:
فكان من عاقبة شوراهم ما كان. والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بلغه مجيء المشركين من قريش وأبنائهم إلى المدينة، للانتقام مما أصابهم يوم بدر فلما سمع بنزولهم أُحُداً قال لأصحابه: (أشيروا علي ما أصنع؟) فقالوا: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، وقالت الأنصار: يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا (أي يرون عدم الخروج). 

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، يعجبه ذلك الرأي، ثم إنه دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوا ذلك ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله والوحي يأتيه، فقاموا فاعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت. فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ]رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَرَأَيْتُ بَقَرًا يُنْحَرُ فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْمَدِينَةُ وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ وَلَوْ أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا دُخِلَتْ عَلَيْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَتُدْخَلُ عَلَيْنَا فِي الإِسْلاَمِ قَالَ فَشَأْنَكُمْ إِذًا وَقَالَتْ الأَنْصَارُ لِبَعْضٍ رَدَدْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْيَهُ فَجَاءُوا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنُكَ فَقَالَ الآنَ إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 2065) فقبل رأي الكثرة التي أشارت عليه بالخروج.

(5) واستشار أصحابه قبل غزوة الأحزاب:
فأشار عليه سلمان الفارسى بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة.

(6) حين جاءه وفد هوازن مسلمين:
فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ]‏‏أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ ‏ ‏قَفَلَ ‏ ‏مِنْ ‏ ‏الطَّائِفِ ‏ ‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏لَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم‏ ‏إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا ‏عُرَفَاؤُكُمْ ‏ ‏أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ ‏ ‏عُرَفَاؤُهُمْ ‏ ‏ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 2142).

(7) عمله بمشورة السّعدين: 
ابن معاذ وابن عبادة، إذ أشارا يوم الأحزاب بعدم مصالحة رؤساء غطفان. 

ففي غزوة الأحزاب عندما اشتد الأمر بالمسلمين، دارت مفاوضات بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين المهاجمين من أهل الطائف، وتم الاتفاق على أن يرجع أهل الطائف ولهم ثلث ثمار المدينة، فسأل سعدُ بن معاذ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان للوحي دخل في هذا الاتفاق، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (إنما هو أمر صنعته لكم رجوت من ورائه الخير)، فأخذ سعد المعاهدة ومزقها، وقد كانت معدة للتوقيع، قائلا: إنهم لم ينالوا منا تمرة إلاّ قرى، أفبعد أن أعزنا الله يأخذون ثلث ثمار المدينة عنوة، لا والله، فلم يغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسُرَّ بذلك المسلمون جميعاً.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 3. الشورى في عهد الصحابة   23/10/13, 12:22 am

3. الشورى في عهد الصحابة
من الثابت تاريخياً أن الخلفاء الراشدين، رضوان الله عليهم، اقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يتشاورون في كل الأمور المهمة.

أ. وصف أحد كبار التابعين ـ وهو ميمون بن مهران ـ خطة الحُكم في عهدّي الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: ]كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَعَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ الأَمْرِ سُنَّةً قَضَى بِهِ فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَتَانِي كَذَا وَكَذَا فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r فِيهِ قَضَاءً فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 161).

ب. كانت الخلافة أول ما تشاور فيه الصحابة، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ينص عليها، وكان فيها ما كان، بين أبي بكر والأنصار، في حديث السقيفة المشهور.

ج. وتشاوروا في أهل الردة، واستقر رأي أبي بكر على القتال، وأقنع المسلمين به.

من الثابت تاريخياً أن الخلفاء الراشدين، رضوان الله عليهم، اقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يتشاورون في كل الأمور المهمة.

أ. وصف أحد كبار التابعين ـ وهو ميمون بن مهران ـ خطة الحُكم في عهدّي الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: ]كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَعَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ الأَمْرِ سُنَّةً قَضَى بِهِ فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَتَانِي كَذَا وَكَذَا فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِ قَضَاءً فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 161).

ب. كانت الخلافة أول ما تشاور فيه الصحابة، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ينص عليها، وكان فيها ما كان، بين أبي بكر والأنصار، في حديث السقيفة المشهور.

ج. وتشاوروا في أهل الردة، واستقر رأي أبي بكر على القتال، وأقنع المسلمين به.

د. كما استشار أبو بكر صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المهاجرين والأنصار في غزو الشام، ذاكرا لهم أن رسول الله r كان عول أن يصرف همته إلى الشام، فقبضه الله إليه، واختار له ما لديه، ثم أضاف إن (العرب بنو أم وأب، وقد أردت أن أستنفرهم إلى الروم والشام، فمن هلك منهم هلك شهيداً، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله عز وجل ثواب المجاهدين)، ثم طلب إليهم رأيهم، وبعد مناقشة أبدى فيها بعض كبار الصحابة، كعمر وعبدالرحمن، رأيهم، انتهت المناقشة بتفويض الخليفة في الأمر، فقام أبو بكر يدعو القوم إلى الاستعداد لغزو الروم والشام ويقول (فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

هـ. ]وعن عبدالله بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولاَ كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ[ (رواه البخاري، الحديث الرقم 4276).

و. والروايات عن عمر في جمعه للقراء (أي العلماء)، واستشارتهم في كل ما يهم المسلمين، كثيرة متواترة، ومن ذلك تشاوره معهم في أمر الخراج[1]. 

وهكذا كان مثله مثل غيره، من باقي الولاة والخلفاء في صدر الإسلام.

ز. وكان عمر يجمع كبار الصحابة في عهده، ويمنعهم من الخروج من المدينة لحاجته إلى استشارتهم.

ح. ومن الصور الرائعة للاستشارة، ما قام به عمر بن الخطاب قبل موقعة نهاوند. فقد وردت الأخبار للخليفة بتجمعات للفرس واستعداداتهم ضد المسلمين، ونادى عمر بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون بالمسجد، حيث عقد لهم مجلس شورى افتتحه بأن عرض ما وصل له من أخبار، وسأل المسلمين أن يشيروا عليه بما يفعل. 

وقال لهم: أوجزوا في القول، فان هذا يوم له ما بعده. فوقف طلحة بن عبيد الله يدلي برأيه، فأعلن طاعة المسلمين للخليفة ولما يراه. 

ووقف عثمان بن عفان يقترح أن يندب الجند من الشام ومن اليمن، للزحف إلى فارس، وأن يقود عمر مسلمي الحجاز وهناك يتولى القيادة العامة. 

ثم وقف على بن أبى طالب ينتقد هذا الرأي، على أساس أن جنود المسلمين لو أخلوا الشام واليمن، لأمكن أن تهب بهما ثورات يشعلها أعداء الإسلام، واقترح أن يسير ثلث الجيش ويبقى الثلثان في كل مصر من الأمصار الإسلامية، وأن يبقى الخليفة بالعاصمة يدبر الأمر ويمد الجيش بما يحتاجه من عتاد ورجال، وارتأى المسلمون هذا الرأي، وسار عليه عمر.

ط. ومن ذلك أيضاً استشارته في مسألة الوباء، لمّا خرج إلى الشام وأخبروه إذ كان في (سرغ) أن الوباء وقع في الشام. 

فاستشار المهاجرين الأولين، ثم الأنصار فاختلفوا، ثم طلب من كان هنالك من شيوخ قريش فاتفقوا على الرجوع وعدم الدخول على الوباء، فنادى عمر بالناس: إني مصبح على ظهر (أي مسافر، والظهر: الراحلة) فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرار من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة t نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فأخبره بالحديث المرفوع الموافق لرأي شيوخ قريش.

فهذا كله يقطع بأن نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، كان نظاماً شورياً أساسه الشورى.

[1] الخراج: هو قيمة ما يؤخذ من الذمي (الذي ظل على دينه ولم يُسلم) مقابل انتفاعه بالأرض، في البلاد التي فتحها المسلمون عن طريق الحرب، وأول من فرضه الخليفة عمر بن الخطاب.
 كان عول أن يصرف همته إلى الشام، فقبضه الله إليه، واختار له ما لديه، ثم أضاف إن (العرب بنو أم وأب، وقد أردت أن أستنفرهم إلى الروم والشام، فمن هلك منهم هلك شهيداً، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله عز وجل ثواب المجاهدين)، ثم طلب إليهم رأيهم، وبعد مناقشة أبدى فيها بعض كبار الصحابة، كعمر وعبدالرحمن، رأيهم، انتهت المناقشة بتفويض الخليفة في الأمر، فقام أبو بكر يدعو القوم إلى الاستعداد لغزو الروم والشام ويقول (فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

هـ. ]وعن عبدالله بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولاَ كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ r خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ[ (رواه البخاري، الحديث الرقم 4276).

و. والروايات عن عمر في جمعه للقراء (أي العلماء)، واستشارتهم في كل ما يهم المسلمين، كثيرة متواترة، ومن ذلك تشاوره معهم في أمر الخراج[1]. 

وهكذا كان مثله مثل غيره، من باقي الولاة والخلفاء في صدر الإسلام.

ز. وكان عمر يجمع كبار الصحابة في عهده، ويمنعهم من الخروج من المدينة لحاجته إلى استشارتهم.

ح. ومن الصور الرائعة للاستشارة، ما قام به عمر بن الخطاب قبل موقعة نهاوند. 

فقد وردت الأخبار للخليفة بتجمعات للفرس واستعداداتهم ضد المسلمين، ونادى عمر بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون بالمسجد، حيث عقد لهم مجلس شورى افتتحه بأن عرض ما وصل له من أخبار، وسأل المسلمين أن يشيروا عليه بما يفعل. 

وقال لهم: أوجزوا في القول، فان هذا يوم له ما بعده. 

فوقف طلحة بن عبيد الله يدلي برأيه، فأعلن طاعة المسلمين للخليفة ولما يراه. 

ووقف عثمان بن عفان يقترح أن يندب الجند من الشام ومن اليمن، للزحف إلى فارس، وأن يقود عمر مسلمي الحجاز وهناك يتولى القيادة العامة. 

ثم وقف على بن أبى طالب ينتقد هذا الرأي، على أساس أن جنود المسلمين لو أخلوا الشام واليمن، لأمكن أن تهب بهما ثورات يشعلها أعداء الإسلام، واقترح أن يسير ثلث الجيش ويبقى الثلثان في كل مصر من الأمصار الإسلامية، وأن يبقى الخليفة بالعاصمة يدبر الأمر ويمد الجيش بما يحتاجه من عتاد ورجال، وارتأى المسلمون هذا الرأي، وسار عليه عمر.

ط. ومن ذلك أيضاً استشارته في مسألة الوباء، لمّا خرج إلى الشام وأخبروه إذ كان في (سرغ) أن الوباء وقع في الشام. فاستشار المهاجرين الأولين، ثم الأنصار فاختلفوا، ثم طلب من كان هنالك من شيوخ قريش فاتفقوا على الرجوع وعدم الدخول على الوباء، فنادى عمر بالناس: إني مصبح على ظهر (أي مسافر، والظهر: الراحلة) فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرار من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة t نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فأخبره بالحديث المرفوع الموافق لرأي شيوخ قريش.

فهذا كله يقطع بأن نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، كان نظاماً شورياً أساسه الشورى.
*************
[1] الخراج: 
هو قيمة ما يؤخذ من الذمي (الذي ظل على دينه ولم يُسلم) مقابل انتفاعه بالأرض، في البلاد التي فتحها المسلمون عن طريق الحرب، وأول من فرضه الخليفة عمر بن الخطاب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 4. حكم الشورى   23/10/13, 12:27 am

4. حكم الشورى

اختلف الفقهاء في أمر الشورى: هل تعد واجبة على الحكام أم هي مندوبة فقط؟

فذهب بعض الفقهاء، إلى أن الأمر بالشورى لم يكن للوجوب، وإنما كان للندب، وأن أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمشاورة أصحابه إنما كان تطييباً لقلوبهم، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه.

ولعل الأوفق في هذا المقام، أن الشورى واجبة على الحكام، ويُستند في ذلك إلى ما يلي:

أ. إن القرآن الكريم قد أشار إلى الشورى في آيتين، إحداهما وضعت فيها الشورى إلى جانب ركنين أساسين من أركان الإسلام (الصلاة والزكاة)، حتى لكأنه يعدها بالنسبة للمسلم المؤمن إحدى صفاته، أو شرائطه الأساسية. 

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن سورة الشورى سميت كذلك، لأنها السورة الوحيدة التي قررت الشورى، عنصراً من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة.

وفي الآية الثانية، وجه الله الخطاب إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن يلجأ إلى الشورى، وذلك بصيغة الأمر: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159).

ب. إن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان يشاور أصحابه في كل ما يجد من أمور مهمة، تمس الجماعة المسلمة. وقد فهم الصحابة، أن الأمر في الشورى هو للوجوب. 

لذلك، كانوا حين ينزل بهم أمر، لا يبرمونه من غير شورى، وكان عمر يقول (لا خير في أمر أبرم من غير شورى). 

ويدل على هذا الفهم أن كلاًّ من أبي بكر وعمر، خطبا أثر تولي الخلافة، فقال الأول: (فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني)، وقال الثاني: (يا أيها الناس .. من رأي منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه، فقام رجل أعرابي فقال: والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوّم عوج عمر بسيفه).

ومعنى التقويم في الخطبتين، هو التنبيه إلى الحق والإرشاد إلى الطريق المستقيم. وهذا ما يدل على وجوب الشورى.

وهذا الرأي، الذي يذهب إلى أن الشورى واجبة على الحاكم، هو الرأي الراجح في الفقه، فإن ظاهر الأمر يفيد الوجوب، ولا توجد قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب أو إلى غيره، وبناء عليه فالأمر في قوله: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159)، هو أمر على الوجوب بمقتضى القاعدة الأصولية، ولا دليل على أنه أريد به غير الوجوب. 

وهو أيضاً عام في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغيره من المكلفين، وليست هناك قرينة لاختصاصه به.

وفي ذلك يقول العلماء: إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه.

وأنه يجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحروب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. 

(وإذ أوجب الله المشاورة على رسوله -صلى الله عليه وسلم- فغيره أولى، وسيرة الخلفاء الراشدين، وإجماع الأمة ناطق بذلك، وإن جهل ذلك من جهله من الفقهاء فجعلوها فضيلة لا واجبة؛ لإرضاء الملوك والأمراء).

فليس أدل على وجوب الشورى من التزام النبي -صلى الله عليه وسلم- للمشاورة، وهو المعصوم بالوحي، فكان التزام غيره به أولى. 

وكذلك، التزام الخلفاء الراشدين طريق الشورى، في الولاية والحكم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 06:07 am

5. خصائص الشورى



أ. الشورى استجابة لله

حينما قرر الإسلام مبدأ الشورى، قضى بذلك على الاستبداد بالحكم والرأي، واحتكار التشريع، والتصريف، والإدارة، وحقق للفرد كرامته الفكرية، وللجماعة حقها الطبيعي في تدبير شؤونها.

والقرآن لا يريد من (الشورى)، حين يضعها بين عبادتي الصلاة والإنفاق في سبيل الله، تلك الصورة الهزيلة، التي ألفتها الأمة في الماضي، وإنما يريدها القرآن حقيقة نقية في واقعها.

فالإسلام رفع الشورى إلى الحد، الذي اعتبرها فيه من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، فسوى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: ]وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ (سورة الشورى: الآية 38). 

فجعل للاستجابة لله نتائج، بين أبرزها وأظهرها، وهي: إقامة الصلاة، والشورى، والإنفاق.

ب. الشورى فريضة إسلامية

وعلى ذلك، تكون الشورى فريضة إسلامية، واجبة على الحاكمين والمحكومين. 

فعلى الحاكم أن يستشير في أمور الحكم، والسياسة وكل ما يتعلق بمصلحة المسلمين. 

وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم، بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم.

وقد تنبه فقهاء الإسلام، إلى هذا كله، فقرروا أن الشورى من أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، ومن عزائم الأحكام، التي لا بد من نفاذها. 

ورتبوا على ذلك، أن من ترك الشورى من الحكام، فعزله واجب من دون خلاف.

ج. الشورى من طبيعة نظام الحكم الإسلامي

إن طبيعة نظام الحكم، الذي يقرره الإسلام لابدّ أن يكون نظاماً شورياً. 

فقد أوجب الله تعالى الشورى في القرآن الكريم، كما التزم بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في كافة أموره، وجعلها الخلفاء الراشدون مبدأ لازما من مبادئ الخلافة.

ولم يخل كتاب من الكتب، التي تبحث في أمور الحكم والولاية، مما ألفه علماء المسلمين، في أي عصر بعد ذلك، من التحدث عن الشورى، والتنويه بفضائلها، ومحاولة إقامة الأدلة على وجوب اتباعها، والدعوة لأن تكون هي القاعدة في كل حكم إسلامي.

د. الشورى ملزمة

ذهب فريق من الفقهاء إلى أن الشورى غير ملزمة للحكام، وسندهم في ذلك أنه لا يوجد في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، نص يلزم الحاكم بالأخذ بالرأي، الذي يشير به أهل الشورى.

فالآية الكريمة التي أمر الله فيها رسوله عليه الصلاة والسلام بالشورى: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159)، يعقبها قوله تعالى: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[ (سورة آل عمران: الآية 159)، فمن هذه الآية يتبين أن على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يمضى ـ بعد المشورة ـ في تنفيذ الرأي، الذي عزم عليه، لا ذلك الذي أُشير عليه به.

وبعبارة أخرى، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غير ملزم بإتباع رأي أهل الشورى، إذا هو لم يقتنع به. 

وفي ذلك يقول القرطبي:

(الشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر في أقربها قولا إلى الكتاب والسنة، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما يشاء منه عزم عليه، وأنفذه متوكلاً عليه، ثم نقل بعد هذا عن قتادة أنه قال في تأويل قوله تعالى: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه[ (سورة آل عمران: الآية 159)، أنه قال: أمر الله تعالى نبيه، إذا عزم على أمر أن يمضى فيه، ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم. 

ثم يقول القرطبي: (والعزم هو الأمر المَرْوي المنقح، وليس ركوب الرأي دون روية عزماً).

وقال الطبري في: (فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك، فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفه، وتوكل فيما تأتى من أمورك وتَدَعْ، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه دون آراء سائر خلقه ومعونتهم).

ويضيف أحد القائلين بهذا الرأي إلى ما تقدم، أنه: 

إذا رجعنا إلى صدر الإسلام لنستعرض الحالات، التي التجأ فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدون إلى الشورى، فإننا نجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأخذ برأي أصحابه في حادثة أسرى بدر، وإنما أخذ برأيه الذي كان يشاركه فيه أبو بكر.

كما أن أبا بكر، لم يأخذ برأي الجماعة في مسألتين:

أحدهما: المسألة الشهيرة المعروفة بقتال المرتدين، أو أهل الردة. 

وكان ذلك في بداية عهد الخلافة، حيث أعلن أبو بكر عزمه على قتالهم، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة. 

فطلب المسلمون من أبى بكر أن يقبل منهم ذلك، وطلبوا من عمر أن يخلو بأبي بكر ليثنيه عن عزمه. 

ولكن أبا بكر صمم على قتالهم ونفذ ما صمم عليه، ولم يحتج عليه أحد بأنه خالف الرأي، الذي أشار به المسلمون، بما يقرب من الإجماع.

أمّا المسألة الثانية، التي خالف فيها أبو بكر رأي الجماعة؛ فهي الخاصة بإنفاذ بعث أسامة بن زيد. 

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أعد الجيش وجعل أسامة على قيادته؛ فلما توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم-

أنف الناس من قيادة أسامة للجيش بسبب صغر سنه، وظنوا أن أبا بكر سيعين بدلاً منه قائداً آخر. 

وينتهي أصحاب هذا الرأي من ذلك إلى القول، بأن الشورى ليست ملزمة للحكام.

ويرى علماء آخرون، أن ما أورده هؤلاء العلماء من حجج، لا تساعدهم على ذلك، بل المتأمل في تلك الوقائع، التي استشهدوا بها، يرى أنه جرى الالتزام بالشورى، ولم يخرج عنها المستشير في أي منها.

أمّا واقعة أسرى بدر، فإنهم لم يتفقوا على رأي يشيرون به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكن الأغلبية، وعلى رأسهم أبو بكر، أشاروا بما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخذ به.

أمّا واقعة حروب الردة وبعث الشام، فإن تفاصيل الواقعة تدل على أن أبا بكر لم يمض لأمره، حتى حاجّهم، وظهر لهم صواب رأيه، فاجتمعوا عليه، فأمضاه أبو بكر بعد ذلك.

وذهب رأي وسط إلى أن الرجوع إلى سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسيرة الخلفاء الراشدين، يبين أن المشورة، التي قدمها لهم المسلمون، اتبعوها، والتزموا بها بصفة عامة، وأنه في الحالات النادرة، التي لم يتبع فيها الخلفاء هذه المشورة، كان لديهم الأسباب الجدية، التي تبرر ذلك. 

فأبو بكر حين أصر على قتال المرتدين، على خلاف رأي أهل الشورى، استند في ذلك إلى حجة شرعية. 

وينتهي أصحاب هذا الرأي إلى القول بأن الخليفة ـ كمبدأ ـ ملتزم بإتباع مشورة المسلمين، ما لم يكن لديه سبب جدّي يحمله على خلاف ذلك.

ويعاب على هذا الرأي، أنه لا يبين متى يلتزم الخليفة برأي المسلمين، ومتى لا يلتزم‍‍‍‍‌‍‍‌‌‍‍‍‍! فقد ترك المسألة، من دون أن يضع لها ضابطاً محدداً‍‍‍‍‍‍‍‍‍ وهذا يؤدي إلى أن يُترك الأمر لرئيس الدولة، ليحدد بنفسه ـ ووفق هواه ـ متى يلتزم، ومتى لا يلتزم برأي المسلمين؛ فكأن الالتزام وعدمه متروك له إن شاء التزم، وإن شاء لم يلتزم.

وهكذا، فإن هذا الرأي يمكن أن يؤدي إلى النتيجة نفسها، التي انتهي فيها الرأي السابق، وهي أن الحاكم لا يلتزم برأي المسلمين.

وذهب فريق ثالث إلى أن الشورى ملزمة للحكام. 

ويأخذ بعض الباحثين على هذا الفريق، أنهم لا يناقشون تفسيرات كبار المفسرين للآية القرآنية، التي نزلت بأمر الرسول بالشورى، تلك التفسيرات التي تذهب إلى عدم إلزام الشورى. 

كما أن هذا الفريق، لا يقدم أسانيد معقولة تؤيد رأيهم.

ولاستدراك ما فات هذا الفريق، قال العلماء:

(1) إن المفسرين، الذين تعرضوا لتفسير آية  ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر[ (سورة آل عمران: الآية 159)، ومنهم الطبري والقرطبي وغيرهما، إن كانوا قد استخلصوا من الآية أن الشورى غير ملزمة، فقد كانوا يقصدون أنها غير ملزمة للرسول -صلى الله عليه وسلم- فقط، باعتباره يوحى إليه، ومؤيد من الله تعالى، وليس ذلك شأن خلفائه والحكام من بعده. 

فهي إذن خاصية له، لا يشاركه فيها غيره. ويؤيد هذا النظر عبارة الطبري، في تفسيره لهذه الآية، مع ملاحظة أن الخطاب موجه إلى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك، وما أشاروا به عليك أو خالفه ..) الخ.

والذي يلفت النظر عبارة القرطبي (فامض لما أمرناك به)، فإذا كان رأي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الواقعة هو ما أمره الله به، فمن المنطقي، بل من الواجب عليه ألاّ يلتزم ـ وهو ينطق بما أمره الله به ـ برأي غالبية المسلمين، بل ولا بإجماعهم.

إذن فالخطاب في آية ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[ (سورة آل عمران: الآية 159)، موجه للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان الفقهاء قد استخلصوا من الشق الثاني، وهو قوله تعالى: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غير مقيد بالشورى، فإن ذلك لأنه رسول يوحى إليه، وليس ذلك لأحد من بعده، وعلى هذا فلا يصح قياس خلفائه، ولا غيرهم من الحكام عليه. 

ولم يَدْعِ ذلك أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يصنعه، بل سيرتهم تدل على خلاف ذلك.

وإضافة إلى ما تقدم، فإن التفسير الذي قال به الطبري والقرطبي، ليس هو التفسير الوحيد لآية ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ . 

فقد أخرج ابن مردويه عن على كرم الله وجهه قال: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن العزم أي قوله تعالى: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (مشاورة أهل الرأي ثم إتباعهم)، فقوله تعالى: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه[، أي: فإذا عزمت بعد المشاورة في الأمر على إمضاء ما ترجحه الشورى، وأعددت له عدته، فتوكل على الله في إمضائه.

ويستدل على ذلك بمناسبة النص، وهو ما كان من استشارة الرسول أصحابه في الخروج يوم أحد، ونزوله على رأي أغلبية المشيرين. 

فالعزم هو ثمرة المشاورة. 

فالشورى إذا جُرِدَت من ثمرتها، وهو القرار والعزم، كانت عقيماً. 

وهذا يدل على أن الحاكم، يتعين عليه أن يلتزم برأي أهل الشورى.

(2) على الرغم من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مؤيد بالوحي، إلاّ أنه التزم برأي أصحابه في كل الأمور، التي استشارهم فيها. 

ففي غزوة بدر استشار -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فأشاروا بالخروج لملاقاة قريش، فوافق على ذلك. 

وفي الغزوة نفسها قبل التحام الجيشين، قَبِل مشورة الحباب بن المنذر بشأن موقع جيش المسلمين.

وفي غزوة أحد نزل -صلى الله عليه وسلم- على رأي المسلمين بالخروج من المدينة للقتال عند جبل أحد، مع أنّ ذلك كان مخالفاً لرأيه، إذ كان يفضل عدم الخروج من المدينة.

فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما يتبين من تلك الأمثلة، قد التزم برأي المسلمين، وهو رسول، أفلا يلتزم بهذا الرأي خلفاؤه من بعده، وسائر حكام المسلمين من باب أولى.

(3) غير صحيح ما ذهب إليه بعضهم، من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لم يأخذ برأي أصحابه في حادثة أسرى بدر، وأنه إنما أخذ برأيه الذي كان يشاركه فيه أبو بكر. 

ذلك أن الثابت تاريخياً أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد موقعة بدر، استشار أصحابه بشأن الأسرى، وقبل الفداء من أسرى بدر، برأي أكثر المؤمنين بعد استشارتهم. 

فالواقع أن الذين طلبوا منه، -صلى الله عليه وسلم-، اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذكر في أكثر الروايات أبو بكر لأنه أول من استشارهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأول من أشار بذلك، كما كان أكبرهم مقاماً، ويؤيد ذلك ما رواه ابن المنذر عن قتادة قال في تفسير آية (ما كان لنبي أن يكون له أسرى): أراد أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر الفداء. 

فقد ذكر أن الذي أراد ذلك هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، وليس فقط أبو بكر.

(4) أما بالنسبة لما يقرره بعض الباحثين من أن أبا بكر لم يأخذ برأي الجماعة في مسألتين:

(أ) قتال المرتدين ومانعي الزكاة.

(ب) وإنفاذ بعث أسامة بن زيد.

فإنه بالنسبة إلى المسألة الأولى، فإن أبا بكر كان يستند إلى أصل شرعي، فلم تكن المسألة اجتهاداً ليغلب رأي هذا أو ذاك، وإنما كان أصلا شرعيا ذكره أبو بكر، فخضع له الجميع، فلم يستبد أبو بكر برأيه، بل حاججهم حتى تبين الصواب للكل. 

وقد عبر أبو بكر عن هذا الأصل الشرعي بقوله: (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه لرسول الله لحاربتهم عليه).

وكذلك الأمر بالنسبة لإنفاذ بعث أسامة بن زيد. 

فقد كان رسول الله هو الذي بعثه، وكان وهو على فراش الموت يقول (أنفذوا بعث أسامة)، فرأى أبو بكر أنه لا يحق له، ولا لجماعة المسلمين، ولا للأمة مجتمعة أن تخالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو تنقض أمراً قرره. 

وهذا المسلك من أبى بكر يجد سنده في قول الله تبارك وتعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا[ (سورة الأحزاب: الآية 36). 

ولهذا سرعان ما رأي أصحاب الشورى صواب رأي أبي بكر، فأمضوه، ولم يستبد أبو بكر دونهم بالأمر.

(5) إن الإسلام، الذي رفع الشورى إلى الحد، الذي اعتبرها فيه من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، فسوى بينها وبين الصلاة والإنفاق، لا يمكن أن يريد من الشورى فقط (محمدة اختيارية)، يُقصد بها تأليف القلوب، وتطييب النفوس دون التزام بها، كما يذهب إلى ذلك بعض الحكام، وإلاّ كانت شكلاً فارغاً من أي مضمون.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 06:18 am

6. الشورى ومجالها في الإسلام
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يشاور أصحابه في الآراء، المتعلقة بشؤون الحياة، ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزّلة من عند الله، على جميع الأقسام من: الفرض، والندب، والمكروه، والمباح، والحرام.
وكان الصحابة يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة. 
وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما كان في حديث السقيفة المشهورة، وقال عمر: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا.
وتشاوروا في أهل الردة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده، وتشاوروا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحروب، حتى شاور عمر الهَرْمَزان، حين وفد عليه مُسْلِماً في المغازي، فقال الهَرْمَزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين، مثل طائر له ريش، وله جناحان ورجلان فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح، والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان، والرأس كسرى، والجناح الواحد قيصر، والآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى.
الشورى والسلطتان التنفيذية والتشريعية:
يختلف مجال الشورى عن مجال التشريع، وأهل التشريع ليسوا هم أهل الشورى، ونطاق الشورى، أو مجالها يختلف، تبعاً لذلك، عن مجال التشريع.
فالتشريع هو وضع القواعد القانونية العامة الملزمة، بمعرفة السلطة المختصة. 
وما فيه نص فمرده إلى الله ورسوله، وما ليس فيه نص، فإن السلطة المختصة بالتشريع هي الأمة، ممثلة في أهل الحل والعقد. 
وليس للخليفة أي سلطة في التشريع.
أمّا الشورى فإنها تتعلق بالمجال التنفيذي، وليس لها أي شأن بالمجال التشريعي، فالخليفة أو رئيس الدولة له اختصاصات تنفيذية معينة. 
وفي نطاق هذه الاختصاصات التنفيذية، يتعين عليه، إذا عرضت مسألة مهمة تتعلق بمصلحة عامة للأمة، أن يستشير الأمة فيها.
مثال ذلك: 
من اختصاصات الخليفة سلطة إعلان الحرب، هذا اختصاص تنفيذي له، لكنه عليه قبل أن يباشر سلطته في إعلان الحرب أن يستشير الأمة، باعتبار أن إعلان الحرب من المسائل الخطيرة، التي تتعلق بأمن الأمة وسلامتها ومستقبلها.
والدليل على أن الشورى غير التشريع، وأن أهل الشورى غير أهل التشريع. 
فقد أُمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاستشارة، وكان يستشير فعلاً، ولا يمكن أن يكون ذلك بقصد التشريع، لأنه في عهده كان هو المشرِّع وحده.
كما أن الفقهاء اختلفوا في محل الشورى، فذكر بعضهم أنها في مسائل الحرب فقط، وزاد آخرون مسائل أخرى.. إلى آخر الخلاف المعروف في نطاق الشورى. 
كما اختلفوا حول ما إذا كانت الشورى واجبة على الحاكم أو غير واجبة، ملزمة له أو غير ملزمة؟، ولو كان المقصود بالشورى التشريع، لما كان من المتصور أن يثور مثل هذا الخلاف.
وعلى هذا يتبين أن الشورى، تتعلق بأعمال التنفيذ، وليس بأعمال التشريع، لذلك يتعين أن تُحدد أعمال التنفيذ، التي يجب على الحاكم أو رئيس الدولة، أن يلجأ فيها إلى الأمة طالباً مشورتها.
فمن غير المتصور، بطبيعة الحال أن يمتد مجال الشورى إلى كل أعمال التنفيذ، وإلاّ لما كان لرئيس الدولة أية سلطة مستقلة، أو تقديرية في أمر من الأمور، ولأصبح الأمر فوضى بتدخل الأمة في كل صغيرة وكبيرة من مهام الدولة، وهو أمر يؤدي إلى تعقيد الأمور لا إلى تبسيطها. 
فالأمة تختار من يمثلها، لذلك فالشورى لا تتعارض مع الديموقراطية.
لذلك، ذهب بعض الفقهاء إلى أن الشورى إنما تكون في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو.
وذهب آخرون إلى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يستشير أصحابه في كل الأمور العامة. 

وذهب غيرهم إلى أن الشورى تكون فيما لم يرد بشأنه نص، لأن لفظ (الأمر) عام، خُص بما نزل فيه وحي، فيبقى حجة في الباقي.
والرأي الأول، بقصر الشورى على مكائد الحروب، يضيّق كثيراً في نطاق الشورى، بل هو يحصرها في نطاق معين، ولعل القائلين بهذا الرأي قد بنوه على أساس أن غالبية الوقائع، التي نقل التاريخ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استشار فيها أصحابه، إنما كانت متعلقة بحروب وغزوات.

على أنه لا ينبغي الوقوف عند الحرب باعتبارها حربا وكفي؛ وإنما يتعين النظر إليها باعتبارها حدثاً بارزاً، وأمراً مهماً من أمور المسلمين، يتعلق بمستقبلهم ومستقبل العقيدة التي اعتنقوها.

 وفي هذه الحالة فإنه يتعين أن يُقاس على الحروب كل أمر مهم، له شأنه بالنسبة للجماعة ومستقبلها.
فالواقع أن قَصْر الشورى على أمور الحرب، من دون غيرها، لا يسنده دليل واضح، سوى ما تمسكوا به من مناسبة نزول النص. ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو سلمنا بما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو بعيد، فما الذي يمنع من قياس كل أمر يمس مصالح الأمة، أو يتعلق بشؤون الدولة على أمر الحرب؟
كما أن وقائع الشورى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، لم تكن قاصرة على أمور الحرب. 
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستشير في أمور كثيرة كتعيين الولاة والأمراء، واستشار علياً وأسامة في حادث الإفك، وهو من الأمور الخاصة. 
وكذلك، لجأ الراشدون إلى أسلوب الشورى في كثير من الوقائع، التي تتعلق بأمور الدين، ومصالح الأمة العامة، كجمع القرآن، وتدوين الدواوين.
ويؤخذ على كل من الرأيين، الثاني والثالث، أنهما واسعان أكثر مما ينبغي؛ فالقول بالاستشارة في كل الأمور، أو في كل ما لم يرد فيه نص، معناه الاستشارة في كل أعمال التنفيذ؛ وهذا ما يؤدي إلى الفوضى، والقضاء على سلطة رئيس الدولة كلية.
لذلك، فأقرب الآراء إلى الصواب، هو القول، بأن الشورى إنما تكون في المسائل ذات الأهمية والخطر بالنسبة للجماعة، ومستقبلها، وذلك فيما لا نص فيه شرعي؛ فإن تجارب الشورى في عهد النبي، تبين بوضوح أن الصحابة قد فهموا أن الشورى لا تكون إلاّ في الأمور، التي لم ينزل فيها وحي من السماء؛ لأن ما كان فيه أمر من الله سبحانه، أو من رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلا مجال للرأي فيه، لوجوب طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من دون أدنى مناقشة  ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا[  (سورة الأحزاب: الآية 36).
لذا قال الحباب بن المنذر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخره؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بل هو الرأي والحرب والمكيدة. 
فقال الحباب: فإن هذا ليس بمنزل وأشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- برأيه فوافقه.
وكذلك، قال سعد بن معاذ للنبي -صلى الله عليه وسلم- حين هم بمصالحة غطفان ـ يوم الخندق ـ على بعض ثمار المدينة: أمر تحبه فنصنعه؟ أم شيء أمرك الله عز وجل به لا بد لنا من عمله؟ أم شيء تصنعه لنا؟.
أما بخصوص المجال التشريعي: 
فإن ما نزل فيه وحي من الله، ولم يكن قاطعا في دلالته، فهو محل للاجتهاد والاستنباط، ويمكن أن يدخل في مجال الشورى من ناحية الحكم والقضاء والتشريع، فيكون من اختصاص السلطة التشريعية، التي تُبنى أيضاً على تشاور أهل الحل والعقد، أو الاجتهاد الجماعي.
وقد ذكر العلماء، ما كان يفعله الراشدان، أبو بكر وعمر، حين تطرأ مسألة ليس في حكمها نص من كتاب أو سنة. 
وكذلك كانوا يتشاورون في الاستنباط من النصوص، التي لا تدل على معناها دلالة قطعية.
إن هذه الشورى قد حدثت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو عهد نزول الوحي والتشريع. 

فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: ]لَمَّا نَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، قَالَ لِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَرَى دِينَارًا، قُلْتُ لاَ يُطِيقُونَهُ، قَالَ فَنِصْفُ دِينَارٍ، قُلْتُ لاَ يُطِيقُونَهُ، قَالَ فَكَمْ، قُلْتُ شَعِيرَةٌ، قَالَ إِنَّكَ لَزَهِيدٌ، قَالَ فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ الآيَةَ، قَالَ فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 3222). 
وسبب نزول هذه الآية، أن المسلمين نهوا عن مناجاة النبي -صلى الله عليه وسلم- (أي أن يسرّوا إليه بحديث خاص)، حتى يتصدقوا. 
فلم يناجه إلاّ علي بن أبي طالب، قدم ديناراً صدقة تصدق به ثم ناجي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة. 
قال علي، آية في كتاب الله عزّ وجل لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصدقت بدرهم فنُسخت، ولم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي.
قال الحافظ ابن حجر: ففي هذا الحديث المشاورة في بعض الأحكام.
وواضح أن مشاورة النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب في هذه الآية، كان في قدر ما يتصدقون به إذا أرادوا مناجاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو ما لم توضحه الآية، ولم تدل عليه دلالة قطعية، بل تركته للاجتهاد، فشاور النبي -صلى الله عليه وسلم- علياً في هذا القدر.
وفي هذا بيان أن الشورى تجوز في الأحكام الظنية، بمعنى أنها تجوز في كل ما يجوز فيه الاجتهاد.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 06:38 am

7. نظام الشورى



والسؤال الذي يطرح نفسه هو: 

هل جاء الإسلام بنظام محدد للشورى، يبين نطاقها، أي الموضوعات، التي يمكن استشارة الأمة فيها، ويبين أهلها أي، الذين يمكن استشارتهم، ويبين كذلك كيفية إبداء المسلمين لآرائهم، والأغلبية المطلوبة لكي يصبح الرأي ملزماً؟

إن الإجابة عن كل ذلك، لا شك، النفي. 

فلم يأت الإسلام بنظام محدد، لا يجوز غيره في كل هذه المسائل، بل أتى بالمبادئ العامة، التي لا تتغير مهما تغير الزمان والمكان. 

وترك تفاصيل الأمور، وما هو أشبه بالإجراءات، إلى ما تقرره المصلحة، ويختلف شأنه باختلاف الزمان والمكان.

فالنبي، أقام الشورى في زمنه بحسب مقتضى الحال، من حيث قلة المسلمين، واجتماعهم معه في مسجد واحد في زمن الهجرة، التي انتهت بفتح مكة. 

فكان يستشير السواد الأعظم من المسلمين، كما فعل يوم بدر ويوم أحد. 

وكان، صلوات الله وسلامه عليه، يستشير في كل أمر من أمور الأمة، إلاّ ما ينزل الوحي فيه.

ولما كثر المسلمون، وامتد حكم الإسلام بعد الفتح إلى الآفاق البعيدة عن المدينة، أضحت الحاجة ماسة إلى وضع نظام للشورى، يبين كل مسألة من المسائل السالف بيانها. 

ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم يضع هذا النظام، لأسباب عديدة كان من أهمها:

•   إن تنظيم الشورى أمر يختلف، باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان.

•   لو وضع النبي -صلى الله عليه وسلم-، نظماً مؤقتة للشورى، حسب حاجة ذلك الزمن، لاتخذها المسلمون ديناً، وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين. 

ولأصبح من الصعوبة إقناع الأمة، بأنه يجوز لها أن تتصرف في هذه النظم، بحسب المصلحة.

أ. كيفية إبداء الرأي والأغلبية المطلوبة:

قرر الإسلام مبدأ الشورى، لأنه من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل. 

وتقرير هذا المبدأ قصد به، أن يكون توجيها للمسلمين، لمراقبة الحكام ومحاسبتهم والحد من سلطانهم.

أمّا أساليب تنفيذ المبدأ وفنون تطبيقه، فهي مما يتطور حتماً مع تطور أساليب المعيشة، وفنون الحياة الجماعية بصفة عامة، من دون أن يكون في هذا التطور ما يغير من مضمون المبدأ، أو يضيف إليه. 

ولذلك ترك الإسلام أمره لأولي الأمر والرأي في الجماعة الإسلامية، ينظمونه بما يتفق مع ظروفهم، وفي حدود استطاعتهم.

فالشورى، التي كان يطبقها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسماعه رأي من حوله من أصحابه، أو يطبقها خليفته أبو بكر حينما يخرج على باب خبائه، ويقول: أشيروا علي أيها الناس، هي من ناحية الجوهر، لا تختلف عن استفتاء الشعب، الذي تنظم له قوانين الانتخاب وصناديقه.

فالشكل إذن لا يُهم، لأن الأمة تستطيع أن تنظم كيفية إبداء الرأي، على النحو الذي تراه محققاً للغاية المرجوة من الشورى.

إنما الذي يهم هو أنه، لا يجوز ولا يتفق مع مبادئ الإسلام أن تنقسم جماعة المسلمين، عند إبداء رأيها إلى جماعات وأحزاب، بل على كل منهم أن يبدي رأيه بصفته الفردية. 

فالإسلام يأبى أن يتحزب أهله شيعاً وأحزاباً، ويكون كل فريق مع حزبه، سواء أكان على حق أو على باطل، بل الذي يقتضيه الإسلام أن يدور كل منهم مع الحق حيث دار، وأن لا يحيد عنه.

وأوضح مثال على ذلك، واقعة أسرى هوازن، فإشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى (العرفاء) هي حديث عن الإجراءات، وكيفية استطلاع رأي الناس. 

وتفيد هذه الواقعة أن على كل فرد، ممن تعلقت به، أن يبدى رأيه بكامل حريته.

إن الشورى يجب أن تقوم على الإخلاص لله، وطاعة المسلمين، من دون نظر إلى المنافع الذاتية، والعصبيات القبلية، أو الإقليمية. 

ولا يصح أن تقوم الشورى على كذب، أو غش، أو خداع، أو إكراه، أو رشوة. فكل ذلك يحرمه الإسلام لذاته، ومن يفعله في الشورى فإنما هو خائن لله ولرسوله، وخائن للأمانة، التي حمّله الله إياها. 

لأن الشورى أمانة في عنق صاحبها، والمستشار مؤتمن، كما يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإن خان أمانته فقد خان الله ورسوله.

وأمّا عن الأغلبية المطلوبة، فليس من الضروري أن تجمع الأمة على رأي واحد، وإنما الرأي ما اتفقت عليه أكثرية المشيرين، ويعبر عن أكثرية المسلمين بجماعتهم، بدليل حديث حذيفة المشهور: ]كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 3338).

فالجماعة في هذا الحديث ليست كل المسلمين، وإنما هي أكثر المسلمين. وقد اعتُبرت على حق من دون غيرها، وأساس ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ]عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 2093).

ب. كيف نصل إلى قرار الشورى:

إذا اجتمعت كلمة أهل الشورى على رأي واحد، فلا خلاف على ضرورة الالتزام بهذا الرأي. 

أما إذا اختلفوا وتفرقوا على أكثر من رأي، فبأي الآراء يؤخذ القرار؟

يرى بعض الفقهاء في هذه الحالة، الأخذ برأي الأغلبية، مستدلين بما حدث في غزوة أحد من نزول الرسول على رأي الأغلبية في الخروج، رغم أنه كان على خلاف رأيه. 

فرأي الأكثرية يكون أقرب إلى الصواب.

بينما يذهب آخرون إلى عدم اعتماد رأي الكثرة دون تمحيص، بل يجب في هذه الحالة عرض الآراء المختلفة على الكتاب والسنة، والأخذ بما يوافق الكتاب والسنة، ومصلحة الأمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يأمرنا برد الأمر المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[ (سورة النساء: الآية 59).

ج. الخلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى

إذا حدث خلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى فالعمل هو رد الأمر إلى الكتاب والسنة، فإن وجد الحكم صريحاً في الكتاب والسنة وجب إتباعه، ولا طاعة لأحد في خلافه، وإن لم يوجد الحكم صريحاً، فأي الآراء أشبه بكتاب الله، وسُّنة نبيه، عُمِلَ به.

أما إذا لم يظهر الرأي الموافق للكتاب والسُّنة، فبأي الآراء يأخذ القرار؟

هناك ثلاثة اتجاهات في هذا الخلاف:
الأول: 

أن يأخذ الرئيس برأي الأغلبية، وإن خالف رأيه، كما فعل النبي، حين استشار أصحابه في الخروج للمعركة يوم أحد.

الثاني: 

الأخذ برأي رئيس الدولة دون تقيد برأي الأغلبية أو الأقلية، وذلك لأن رئيس الدولة مسؤول ومحاسب على عمله، فيجب أن يمنح الحرية في اتخاذ القرار، الذي يراه ما دام أمراً اجتهادياً لا يخالف نصاً قطعياً، ويصدق هذا على الأمور التي هي من صميم عمل الرئيس والمسؤول عنها. 

أما الموضوعات، التي يجب عليه أن يعرضها على أهل الشورى فلا يستقيم الأخذ فيها برأيه وحده، وإلاّ لما كان لعرضها فائدة.

الثالث: 

عرض الخلاف على لجنة للتحكيم ، يكون لها سلطة التقرير، وبيان أصلح الآراء.

والواقع أن تشريع الشورى في النظام الإسلامي، يتسع لكل هذه الآراء، وعلى الأمة أن تأخذ منها ما يتلاءم مع ظروفها، وتترك ما لا يحقق لها هذا التلاءم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 06:46 am

8. أهل الشورى

قال تعالى: ]فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159).

قال العلماء: 

أمر الله تعالى نبيه بهذه الأوامر، التي أتت بتدريج بليغ، ذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم في ما له في خاصته عليهم من تبعة، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضاً، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور.

فنستفيد من ذلك أن أهل الشورى لا بد أن يكونوا، ممن يرضى الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عنهم، إيماناً واعتقاداً، علماً وفقهاً، عملاً وسلوكاً.

وكما أن هناك من خلط بين الشورى والتشريع، هناك أيضاً من خلط بين أهل الشورى وأهل التشريع، فرأى أن الاثنين بمعنى واحد. فالذين وقعوا في هذا الخلط، فاعتبروا الشورى والتشريع أمراً واحداً، قد ضيقوا من أهل الشورى فرأوا أنهم أهل الحل والعقد.

ومع ذلك فقد انتحى أحد المفسرين ناحية أخرى، فذهب إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قد أقام الشورى في زمنه، بحسب مقتضى الحال، من حيث قلة المسلمين واجتماعهم في مسجد واحد في زمن وجوب الهجرة، التي انتهت بفتح مكة. 

وكان يستشير السواد الأعظم منهم، وهم الذين يكونون معه، ويخص أهل الرأي والمكانة من الراسخين بالأمور التي يضر إفشاؤها، فكان يستشير جمهور المسلمين فيما لهم به علاقة عامة، ويعمل برأي الأكثر، وإن خالف رأيه كاستشارتهم في غزوة أحد في أحد الأمرين: الحصار في المدينة أو الخروج إلى (أحد) للقاء المشركين فيه، وكان رأيه ورأي كبار الأمة الأول، ورأي الجمهور الثاني: فنفذ رأي الأكثر، ولكنه استشار في مسألة أسرى (بدر) خواص أولي الأمر، وعمل برأي أبي بكر.

فكأن هذا المفسر يرى، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفرق بين أهل الشورى حسب موضوع الشورى، فإن كان أمراً عاماً يهم المسلمين كلهم، استشار فيه جمهور المسلمين.

أما إذا كان أمراً من الأمور، التي يضر إفشاؤها، استشار فيه أهل الرأي والمكانة، أو خواص أولي الأمر، كما قرر في موضع آخر، واستشهد على ذلك بموضوع أسرى بدر.

ويؤخذ على هذا الرأي ـ القائل بالتفرقة ـ أنه لا دليل عليه.

فليس هناك ما يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة لأسرى بدر ـ قد استشار خواص أولي الأمر فقط، من دون جمهور المسلمين، بل إن صاحب الرأي نفسه قد نفى ذلك في موضع آخر حيث قال: (قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- من أسرى بدر الفداء برأي أكثر المؤمنين بعد استشارتهم).

ويضيف في موضع آخر: 

(والذين طلبوا منه  اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذكر في أكثر الروايات أبو بكر؛ لأنه أول من أشار بذلك، ولأنه أول من استشارهم، كما أنه أكبرهم مقاماً ويوضحه ما رواه ابن المنذر عن قتادة قال في تفسير الآية: أراد أصحاب محمد  يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف.

وحتى إن صح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قد استشار في أسرى بدر، خواص أولي الأمر من دون جميع المسلمين، فإن ذلك إنما تم قبل أن تنزل آية الأمر له بالمشاورة؛ إذ من المعروف أن الآية المذكورة إنما نزلت في غزوة (أحد).

لذلك فالأقرب إلى الصواب، أن أهل الشورى هم جمهور المسلمين. 

وليس أهل الحل والعقد فقط، والدليل على ذلك:

أ. أن الشورى حق مقرر للمحكومين. 

وهذا الحق مستمد من قوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم[ (سورة الشورى: الآية 38) فقد وصف الله الأمر هنا بأنه (أمرهم) جميعا. 

وإذا كان الأمر للجميع فقد استوى في استحقاقه والقيام عليه الحاكم والمحكوم، فليس لأحد أن يستأثر به من دون الآخر.

ورب قائل إن أهل الحل والعقد إنما ينوبون في ذلك عن الأمة. 

ولكن النص الآمر، الذي قرر الشورى، إنما أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يشاور المؤمنين مباشرة دون واسطة، أو نيابة وذلك بقوله: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159)، فالنص لم ينشئ نيابة على غرار النص الوارد في تأسيس السلطة، الذي يقول ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر[ (سورة آل عمران: الآية 104)، فأشار بذلك إلى قيام جماعة نائبة عن الأمة، هم أهل الحل والعقد، لكي تتولى حق الأمر والنهي.

ب. أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان يستشير جمهور المسلمين، وليس فئة معينة منهم، ولقد فعل ذلك في غزوتي بدر وأحد.

ج. أن رجوع الحاكم إلى الأمة في المسائل المهمة، هو الأولى بالاتباع، لأن الأمة هي الأصل والأمر أمرها، وما أهل الحل والعقد إلاّ نواباً عنها، ومن حق الأصيل أن يحتفظ لنفسه ببعض المسائل المهمة، التي لا يرى أن للنائب ولاية فيها.

الفرق بين أهل الشورى وأهل الحل والعقد:

تأسيسا على ما تقدم، فللأمة أن تُبقي من الأمور العامة، ما لا بد فيه من الشورى بين أفرادها، ومن الممكن أن تُسمى (شورى العامة)، أو (الشورى العامة).

كما لها أن تفوض، أو توكل من ينوب عنها في الشورى، في بعض الأمور الأخرى، ومن الممكن أن تُسمى (شورى الخاصة)، أو (الشورى الخاصة).

والذي يتضح أن صفات أهل الشورى ـ بقسميها العامة والخاصة ـ أعم وأوسع من صفات أهل الحل والعقد.

فأهل الشورى العامة: 

يشترط فيهم ما يشترط من حد التكليف الشرعي: 

الإسلام، والبلوغ، والعقل.

وأهل الشورى الخاصة: 

يشترط فيهم إضافة إلى ذلك: 

سعة التجربة، والخبرة، وأن يكونوا من أهل الكفاءات المتميزة، والعقول الراجحة، والرأي الصائب.

أما أهل الحل والعقد: 

فإضافة إلى شروط أهل الشورى الخاصة: 

يشترط فيهم ما يشترط في المجتهد، من اكتمال العلم بالكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس ... إلى آخر ما ذكره الأصوليون في شرائط المجتهد.

فأهل الحل والعقد داخلون في أهل الشورى العامة، بطبيعة الحال. 

كما يجوز اختيارهم ضمن أهل الشورى الخاصة، لكن مع ملاحظة اختلاف نطاق المجالين.

على أن السوابق التاريخية، والتطبيقات العملية، في عهد الرسول، والخلفاء الراشدين، جاءت واسعة فضفاضة، فتارة يكون المُستشار واحدا بعينه، منتدباً أو متطوعاً[1]، وتارة يكون أهل الشورى اثنين[2].

وتارة يكون أهل الشورى عدد يصعب حصره، وقد يكونون جمهور المسلمين، وقد يكون أهل الشورى جماعة منتخبين يمثلون جماعة المسلمين[3].

وقد يكون المستشار امرأة، خاصة في الأمور التي تخص النساء، وتكون المرأة فيها أكثر خبرة ودراية من الرجل[4].

والذي ينبغي أن يُقرر هو، أن الشريعة بنصوصها وسوابقها التطبيقية لم تضع نظاماً محدداً للشورى، وهذا من حسناتها واحتياطها للمستقبل، لأن تحقيق الشورى عملاً مما يختلف باختلاف الزمان والمكان، فتركه للأمة تنظمه حسب الظروف والأحوال، هو السبيل الأقوم للشورى.

وعلى هذا، فالشورى في منهاج الإسلام السياسي تتسع لكل فكرة، وكل نظام يحقق عملاً المشاورة. 
فيجوز أن تختار الأمة أهل الشورى، الذين يشاورهم رئيس الدولة، على أن يشترط في المرشح بعض الشروط العلمية التي تؤهله للمشاورة.

ويجوز لرئيس الدولة مشاورة أهل الاختصاص، في موضوع اختصاصهم، سواء كانوا من أهل الشورى المنتخبين، أو من غيرهم. 

ويجوز أن تحدد سلفاً الموضوعات التي يجب على رئيس الدولة عرضها على أهل الشورى، فلا يستطيع أن يبرمها بغير مشورتهم. 

ويجوز أن تعرض بعض المسائل على الأمة جميعها عن طريق الاستفتاء الشعبي

وهكذا، نرى أن الشورى فريضة إسلامية، أمر بها القرآن الكريم، والتزمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون. 

وأن الإسلام إنما جاء بمبادئ عامة، وترك المجال رحباً أمام اختلاف الزمان والمكان، بحيث تتخذ الأمة ما يناسبها من أساليب ونظم لممارسة الشورى، بما يحقق المقاصد الشرعية، والمبادئ الإسلامية.

[1] كما كان الحباب بن المنذر في بدر، وسلمان الفارسي في الخندق.

[2] كما كان السعدان في الخندق.

[3] وهم الذين يسمون النقباء أو العرفاء.

[4] كاستشارة عمر ابنته حفصة في المدة التي تصبر فيها المرأة عن زوجها


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الشــــورى في الإســــــلام   23/10/13, 06:51 am

المصادر والمراجع



أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً: كتب الحديث المعتمدة.

ثالثاً: الكتب

1.   أبو الأعلى المودودي، "في تدوين الدستور الإسلامي"، دار الفكر،  بيروت، د ت.

2.   أبو القاسم محمد الزمخشري، "الكشاف"، المكتبة التجارية، 1354هـ.

3.   أحمد شلبي، "السياسة والاقتصاد في التفكير الإسلامي"، النهضة المصرية، ط 2، 1967.

4.   أحمد كمال أبو المجد، "نظرات حول الفقه الدستوري الإسلامي"، مطبعة الأزهر، 1381هـ/ 1961، ضمن محاضرات الموسم الثقافي الرابع.

5.   إسماعيل بن عمر بن كثير، عماد الدين أبو الفداء، "تفسير القرآن العظيم، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، بيروت، 1418هـ/1997م.

6.   تقي الدين أحمد، ابن تيمية، "السياسة الشرعية"، دار الشعب، 1971.

7.   توفيق الشاوي، "فقه الشورى والاستشارة"، دار الوفاء، ط 1، 1412هـ/1992.

8.   جمال أحمد المراكبي، "الخلافة الإسلامية"، مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1414هـ.

9.   شمس الدين أبو عبدالله محمد الزرعي، ابن قيم، "زاد المعاد في هدى خير العباد"، مؤسسة الرسالة، ط 15، 1987.

10. ضياء الدين الريس، "النظريات السياسية الإسلامية"، مكتبة دار التراث، ط 7 ، 1979.

11. عبدالحميد متولي، "مبادئ نظام الحكم في الإسلام"، دار المعارف، القاهرة، 1966.

12. عبدالرزاق أحمد السنهوري، "الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية"، مترجم عن الفرنسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989.

13. عبدالقادر عودة، "الإسلام وأوضاعنا السياسية"، دار الكتاب العربي، 1951.

14. عبدالملك بن هشام، "السيرة النبوية"، مكتبة الحلبي، ط 2، 1375هـ/ 1955.

15. عبدالوهاب خلاف، "السلطات الثلاث في الإسلام"، بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، يونيه 1935، مارس 1936، أبريل 1937.

16. فتحي عبدالكريم، "الدولة والسيادة"، مكتبة وهبة، ط 2، 1404هـ/ 1984م.

17. فخر الدين الرازي، "مفاتيح الغيب"، مطبعة البهية المصرية، ط 1، د ت.

18. محمد أبو طاهر، الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، دار الفكر، بيروت، 1415هـ/ 1995م.

19. محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي، أبو عبدالله، القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، دار الغد العربي، 1990.

20. محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، "جامع البيان عن تأويل أي القرآن"، دار المعارف، القاهرة، د ت.

21. محمد بن علي بن محمد الشوكاني، "فتح القدير"، مطبعة مصطفي البابي الحلبي، ط 1، د ت.

22. محمد حسين هيكل، "الصديق أبو بكر"، النهضة المصرية، 1362هـ.

23. محمد رشيد رضا، "الخلافة"، مطبعة المنار، 1341هـ.

24. محمد رشيد رضا، "الوحي المحمدي"، مكتبة القاهرة بالأزهر، د ت.

25. محمد رشيد رضا، "تفسير المنار"، مطبعة المنار، ط 1.

26. محمد عمارة، "الإسلام وحقوق الإنسان"، سلسلة عالم المعرفة، 1985.

27. محمد يوسف موسى، "نظام الحكم في الإسلام"، دار المعرفة، ط 2، 1964.

28. محمود شلتوت، "الإسلام عقيدة وشريعة"، دار الشروق، ط 12، 1983.

تم بحمد الله.

المصدر:


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
الشــــورى في الإســــــلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: الشورى في الإسلام-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: