منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 تلخيص ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: تلخيص ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله    13/10/13, 01:03 am

المبحث الرابع
تلخيص ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله 
في مسائل الحج والعمرة
من كتابيه:
زاد المعاد في هدي خير العباد
تهـــذيب ســــنن أبي داود
ترجمة مختصرة للإمام ابن القيِّم رحمه الله
اسمه ونسبه:
هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زين الدين الزَّرعي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قيم الجوزية.
وقيم الجوزية هو والده رحمه الله، فقد كان قيمًا على المدرسة الجوزية بدمشق مدة من الزمن، واشتهر به ذريته وحفدتهم من بعده، وقد شاركه بعض أهل العلم بهذه التسمية.
وتقع هذه المدرسة بالبزورية المسمى قديمًا سوق القمح، وقد اختلس جيرانها معظمها، وبقي منها الآن بقية، ثم صارت محكمة إلى سنة (1372هـ).
مولده:
ولد في السابع من شهر صفر لعام (691هـ). قيل: إنه ولد في زرع، وقيل: في دمشق.
وفاتــه:
توفي رحمه الله في ليلة الخميس (13/7/751هـ) وقت أذان العشاء، وقد كمل له من العمر ستون سنة.
وصلي عليه في الجامع الأموي، ثم بجامع جراح، وقد ازدحم الناس للصلاة عليه، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

أولاً: مسائل الحج والعمرة
من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد
(1) الصحيح أن عمرة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية سميت بالقضية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاضى عليها أهل مكة.(91)
(2) في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته...)، ولا يناقض هذا ما في الصحيحين أيضًا عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين)( )؛ لأنه أراد العمرة المفردة المستقلة التي تمت، ولا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة القران لم تكن مستقلة، وعمرة الحديبية صد عنها وحيل بينه وبين إتمامها.(92)
(3) لا تناقض بين حديث أنس رضي الله عنه: (أن عُمَره صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة إلا التي مع حجته)، وبين قول عائشة وابن عباس: (لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة)؛ لأن مبدأ عمرة القران كان في ذي القعدة، ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها.(92)
(4) فأما قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعـًا إحداهن في رجب) فوهم منه، قالت عائشة رضي الله عنها لما بلغها ذلك عنه: (يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط).(93)
(5) ما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان، فأفطر وصمتُ، وقصر وأتممتُ، فقلت: بأبي وأمي! أفطرت وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: أحسنت يا عائشة)، فهذا الحديث غلط؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط، وعمرُه صلى الله عليه وسلم مضبوطة العدد والزمان، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة) رواه ابن ماجه وغيره.(93)
(6) لا خلاف أن عُمَره صلى الله عليه وسلم لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسًا، ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستًا، إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع اعتماره في ذي القعدة، كما قال أنس، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وقد روى أبو داود في سننه عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في شوال)، وهذا إذا كان محفوظًا فلعله في عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة.(93)
(7) لم يكن في عُمُرِهِ عُمْرَةٌ واحدة خارجًا من مكة، كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلاً إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجًا من مكة في تلك المدة أصلاً.(94)
(8) عمر النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في أشهر الحج، مخالفة لهدي المشركين؛ فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويقولون: هي من أفجر الفجور، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك.(95)
(9) المفاضلة بين الاعتمار في أشهر الحج وبين الاعتمار في رمضان موضع نظر، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أم معقل رضي الله عنها لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة. وأيضًا فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان، وأفضل البقاع، ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عُمرِه إلا أولى الأوقات وأحقها بها، فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتـًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج، وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه.(95) 
(10) لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في السنة إلا مرة واحدة، ولم يعتمر في سنة مرتين.(97)
(11) وقع الخلاف في حكم تكرار العمرة أكثر من مرة في العام الواحد؛ فمنعه بعضهم، ولا أرى أن يمنع أحد من التقرب إلى الله بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير في موضع، ولم يأتِ بالمنع منه نص، وقد صح عن بعض الصحابة أنه كرر العمرة أكثر من مرة في العام.(98)
(12) معنى قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (ارفضي عمرتك): اتركي أفعالها والاقتصار عليها، وكوني في حجة معها، ويتعين أن يكون هذا هو المراد بقوله: (حللتِ منهما جميعـًا)، لما قضت أعمال الحج، وقوله: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)، فهذا صريح في أن إحرام العمرة لم يرفض، وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها، وأنها بانقضاء حجها انقضى حجها وعمرتها، ثم أعمرها من التنعيم تطييبـًا لقلبها، إذ تأتي بعمرة مستقلة كصواحباتها، ويوضح ذلك إيضاحًا ما روى مسلم في صحيحه بلفظ: قالت عائشة: (وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فحضت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ولم أهل إلا بعمرة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط وأهل بالحج وأترك العمرة، قالت: ففعلت ذلك، حتى إذا قضيت حجي بعث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحل منها)، فهذا حديث في غاية الصحة والصراحة أنها لم تكن أحلت من عمرتها، وأنها بقيت محرمة بها حتى أدخلت عليها الحج، فهذا خبرها عن نفسها، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، كل منهما يوافق الآخر.(99)
(13) لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر.(101)
(14) حديث الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة) قال عنه البخاري رحمه الله: «لا يعد هذا الحديث محفوظًا».(101)
(15) فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر.(101)
(16) قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) [البقرة:196]، ليس فيه فرضية الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.(101)
(17) خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع من المدينة نهارًا بعد الظهر، لست بقين من ذي القعدة، بعد أن صلى الظهر بها أربعًا، وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه، والظاهر أن خروجه كان يوم السبت.(102)
(18) قلـّد النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها.(107)
(19) أحرم النبي صلى الله عليه وسلم قارنًا، وإنما قلنا ذلك لبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك.(107)
(20) غلط في عُمَرِ النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف: 
إحداها: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط؛ فإن عمره مضبوطة محفوظة، لم يخرج في رجب إلى شيء منها ألبتة. 
الثانية: من قال: إنه اعتمر في شوال، وهذا أيضًا وهم. 
الثالثة: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه، وهذا لم يقله أحد من أهل العلم، وإنما يظنه العوام ومن لا خبرة له بالسنة. 
الرابعة: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلاً، والسنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول. 
الخامسة: من قال: إنه اعتمر عمرة حل منها، ثم أحرم بعدها بالحج من مكة، والأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول وترده.(122)
(21) وَهِمَ في حج النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف: 
الطائفة الأولى: التي قالت: حج حجًا مفردًا لم يعتمر معه. 
الثانية: من قال: حج متمتعًا تمتعًا حل منه ثم أحرم بعده بالحج.
الثالثة: من قال: حج متمتعًـا تمتعـًا لم يحل منه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا، كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب (المغني) وغيره. 
الرابعة: من قال: حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى له سعيين. 
الخامسة: من قال: حج حجًا مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم.(123)
(22) غلط في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف: 
إحداها: من قال: لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها. 
الثانية: من قال: لبى بالحج وحده واستمر عليه. 
الثالثة: من قال: لبى بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وزعم أن ذلك خاص به. 
الرابعة: من قال: لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحج في ثاني الحال. 
الخامسة: من قال: أحرم إحرامـًا مطلقـًا لم يعين فيه نسكًا، ثم عينه بعد إحرامه.(123)
(23) الصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معـًا من حين أنشأ الإحرام، ولم يحل حتى حل منهما جميعـًا، فطاف لهما طوافـًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث. والله أعلم.(124)
(24) فحصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة -أوصلها الشيخ إلى خمسة عشر ترجيح- وهي: 
أحدها: أن من روى أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا أكثر ممن روى غير ذلك. 
الثاني: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت. 
الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحـًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. 
الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربع عمر لها. 
الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل، بخلاف روايات الإفراد.
السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها، والذاكر الزائد مقدم على الساكت، والمثبت مقدم على النافي. 
السابع: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس رضي الله عنهم، والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلفت؛ كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة رضي الله عنهم، وغيرهم من الصحابة. 
الثامن: أنه النسك الذي أمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه. 
التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. 
العاشر: أنه النسك الذي أمر به آله وأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه.
الحادي عشر: قوله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)( )، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءًا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يفصل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه.
الثاني عشر: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصبي ابن معبد وقد أهل بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صوحان أو سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: (هديتَ لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم).
الثالث عشر: أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين، فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما، وعمل كل فعل على حدة. 
الرابع عشر: أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي. 
الخامس عشر: أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد، والقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق الهدي؛ لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحل، فكيف يجعل مفرد لم يسق هديًا أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحل؟! فكيف إذا جعل أفضل من قارن ساقه من الميقات؟! وهذا بحمد الله واضح.(133)
(25) التمتع أفضل من القران لوجوه كثيرة، منها: 
أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه.
ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة).
ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي.
ومنها: أن الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي.(135)
(26) الجواب على حديث معاوية: (أنه قص شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة، وذلك في حجته): هذا مما أنكره الناس على معاوية وغلطوه فيه، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة، كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه إلا يوم النحر، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير ولا حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حلق يوم النحر، ولعل معاوية قصر عن رأسه في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذٍ قد أسلم، ثم نسي فظن أن ذلك كان في العشر. وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط وخطأ، أخطأ فيه الحسن بن علي فجعله عن معمر عن ابن طاوس، وإنما هو عن هشام بن حجير عن ابن طاوس، وهشام ضعيف.(136)
(27) أهلَّ النبي صلى الله عليه وسلم في مصلاه، ثم ركب على ناقته وأهلَّ أيضًا، ثم أهلَّ لما استقلت به على البيداء.(158)
(28) وَلَدتْ أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهما بذي الحليفة محمد بن أبي بكر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتستثفر بثوب، وتحرم وتهل. وكان في قصتها ثلاث سنن: إحداها: غسل المحرم، والثانية: أن الحائض تغتسل لإحرامها، والثالثة: أن الإحرام يصح من الحائض.(160)
(29) لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه الروحاء رأى حمار وحش عقيرًا، فقال: (دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه. فجاء صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق)، وفي هذا دليل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله، وأما كون صاحبه لم يحرم فلعله لم يمر بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصته.(161)
(30) لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه الأُثايَة بين الروَيْثة والعَرْج، إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس، حتى يجاوزوا. والفرق بين قصة الظبي وقصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالاً فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال، وهم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، ووكل من يقف عنده؛ لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه، وفيه دليل على أن قتل المحرم للصيد يجعله بمنزلة الميتة في عدم الحل؛ إذ لو كان حلالاً لم تضع ماليته.(162)
(31) نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالعَرْجِ، وكانت زِمالته وزمالة أبي بكر رضي الله عنه واحدة، وكانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى جانبه، وعائشة رضي الله عنها إلى جانبه الآخر، وأسماء زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظر الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ قال: فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ويقول: (انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع!).(162)
(32) وقع خلاف حول ما أهداه الصعب بن جثامة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ( )، في كون الذي أهداه حيًا، أو لحمًا، فرواية من روى لحمًا أولى؛ لثلاثة أوجه: 
أحدها: أن راويها قد حفظها وضبط الواقعة، حتى ضبطها أنه يقطر دمـًا، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يؤبه له. 
الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار، وأنه لحم منه، فلا يناقض قوله: أهدى له حمارًا؛ بل يمكن حمله على رواية من روى لحمًا، تسمية للَّحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. 
الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا في ذلك البعض: هل هو عجزه، أو شقه، أو رجله، أو لحم منه؟(164)
(33) اختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت، ولم يمكنها الطواف قبل التعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردًا، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالأول: فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز، منهم الشافعي ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه.(167)
(34) نصوص السنة صريحة أن عائشة رضي الله عنها كانت في حج وعمرة لا في حج مفرد، وصريحة في أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة؛ بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحل منه، وفي بعض ألفاظ الحديث: (كوني في عمرتك فعسى الله أن يرزقكيها)، ولا يناقض هذا قوله: (دعي عمرتك)، فلو كان المراد به رفضها وتركها لما قال: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)، فعُلم أن المراد: دعي أعمالها، وليس المراد به رفض إحرامها.(168)
(35) أما قوله صلى الله عليه وسلم: (انقضي رأسك وامتشطي)، فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيه أربعة مسالك:
المسلك الأول: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. 
المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه. 
المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. قالوا: وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها في الحج، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي..) وذكر تمام الحديث، قالوا: فهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة رضي الله عنها. 
المسلك الرابع: أن قوله: (دعي العمرة)، أي: دعيها بحالها لا تخرجي منها.(169)
(36) الصواب أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة مفردة.(170)
(37) للناس في العمرة التي أتت بها عائشة رضي الله عنها من التنعيم أربعة مسالك: 
المسلك الأول: أنها كانت زيادة تطييبًا لقلبها وجبرًا لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها وعمرتها، وكانت متمتعة، ثم أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة، وهذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره. 
المسلك الثاني: أنها لما حاضت أمرها أن ترفض عمرتها، وتنتقل عنها إلى حج مفرد، فلما حلت من الحج أمرها أن تعتمر قضاء لعمرتها التي أحرمت بها أولاً. 
المسلك الثالث: أنها لما قرنت لم يكن بد من أن تأتي بعمرة مفردة؛ لأن عمرة القارن لا تجزىء عن عمرة الإسلام. 
المسلك الرابع: أنها كانت مفردة، وإنما امتنعت من طواف القدوم لأجل الحيض، واستمرت على الإفراد حتى طهرت وقضت الحج، وهذه العمرة هي عمرة الإسلام، ولا يخفى ما في هذا المسلك من الضعف، بل هو أضعف المسالك في الحديث.(174)
(38) حديث عائشة هذا يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك: 
أحدها: اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد.
الثاني: سقوط الطواف عن الحائض، كما أن حديث صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أصل في سقوط طواف الوداع عنها. 
الثالث: أن إدخال الحج على العمرة للحائض جائز كما يجوز للطاهر وأولى؛ لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك. 
الرابع: أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها، إلا أنها لا تطوف بالبيت. 
الخامس: أن التنعيم من الحل. 
السادس: جواز عمرتين في سنة واحدة، بل في شهر واحد. 
السابع: أن المشروع في حق المتمتع إذا لم يأمن الفوات أن يدخل الحج على العمرة، وحديث عائشة أصل فيه.(175)
(39) حاضت عائشة رضي الله عنها بسرف بلا ريب، واختلف في موضع طهرها، فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها، واتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا، وأنها طهرت يوم النحر، وهما أقرب الناس منها.(176)
(40) روى عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم كلها صحاح؛ وهم: عائشة وحفصة أما المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنهم.(178)
(41) عمر رضي الله عنه لم ينه عن المتعة ألبتة، وإنما قال: (إن أتم لحجكم وعمرتكم أن تفصلوا بينهما)، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى.(209)
(42) أما قول من قال: إن التمتع نسك مجبور بالهدي، فكلام باطل من وجوه: 
أحدها: أن الهدي في التمتع عبادة مقصودة، وهو من تمام النسك، وهو دم شكران لا دم جبران، فإنه ما تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل. 
الوجه الثاني: أنه لو كان دم جبران لما جاز الأكل منه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من هديه.
الوجه الثالث: أن سبب الجبران محظورٌ في الأصل، فلا يجوز الإقدام عليه إلا لعذر، فإنه إما ترك واجب أو فعل محظور، والتمتع مأمور به، إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره، أو أمر استحباب عند الأكثرين، فلو كان دمه دم جبران لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر، فبطل قولهم: إنه دم جُـبران، وعلم أنه دم نسك.(220)
(43) قال تعالى: ((فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)) [الحج]، ههنا والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، امتثالاً لأمر ربه بالأكل؛ ليعم به جميع هديه.(222)
(44) ذكر الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر إلى البيت قال: (اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً)، وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً، وزد من حجه أو اعتمره تكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًا)، وهو مرسل، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوله.(224)
(45) لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد الحرام الطواف، فلما حاذى الحجر الأسود استلمه، ولم يزاحم عليه، ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه.(225)
(46) لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من البدع المنكرات.(225)
(47) لم يحاذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على شقه، بل استقبله واستلمه، ثم أخذ عن يمينه وجعل البيت عن يساره.(225)
(48) لم يدع عند الباب بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقَّت للطواف ذكرًا معينًا، لا بفعله ولا بتعليمه؛ بل حفظ عنه بين الركنين: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [البقرة].(225)
(49) رمل النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه الثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع في مشيه ويقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعل طرفيه على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه.(225)
(50) كلما حاذى النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود أشار إليه، أو استلمه بمحجنه وقبل المحجن. والمحجن عصا محنية الرأس.(225)
(51) ثبت عنه أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبله، ولا قبل يده عند استلامه.(225)
(52) روى الدارقطني عن ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه)، وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، قال الإمام أحمد: صالح الحديث، وضعفه غيره، ولكن المراد بالركن اليماني هاهنا الحجر الأسود.(225)
(53) لما انتهى من الطواف صلى ركعتين عند المقام، فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود.(227)
(54) روي عند مسلم روايتان: إحداهما تدل على أنه صلى الله عليه وسلم سعى راكبًا، والأخرى على أنه سعى ماشيًا، قال ابن حزم: لا تعارض بينهما؛ لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله، وانصبت قدماه أيضًا مع سائر جسده. وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا: وهو أنه سعى ماشيًا أولاً، ثم أتم سعيه راكبًا.(228)
(55) أما طوافه بالبيت عند قدومه فاختلف فيه: هل كان على قدميه أو كان راكبـًا؟ فذكرت عائشة رضي الله عنها أنه طاف على بعيره، وحكى جابر أنه رمل، والرمل لا يكون إلا ماشيًا، وقول عائشة -والله أعلم- في طواف الإفاضة.(229)
(56) قال ابن حزم: «وطاف صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة أيضًا سبعًا، راكبـًا على بعيره، يخب ثلاثًا ويمشي أربعًا»، وهذا من أوهامه وغلطه رحمه الله، فإن أحدًا لم يقل هذا قط غيره، ولا رواه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبتة، وسألت شيخنا عنه فقال: هذا من أغلاطه، وهو لم يحج رحمه الله.(231)
(57) أقام صلى الله عليه وسلم بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة، يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء.(232)
(58) سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفة، وكان من أصحابه الملبي ومنهم المكبر، وهو يسمع ذلك، ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء.(233)
(59) قال ابن حزم: «وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية -وهي أم عبد الله ابن عباس- بقدح لبن، فشربه أمام الناس وهو على بعيره، فلما أتم الخطبة أمر بلالاً فأقام الصلاة»، وهذا من وهمه رحمه الله، فإن قصة شربه اللبن إنما كانت بعد هذا حين سار إلى عرفة ووقف بها، هكذا جاء في الصحيحين مصرحًا به عن ميمونة رضي الله عنها: (أن الناس شكّوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون)، وفي لفظ: (وهو واقف بعرفة).(234)
(60) لما أتم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة صلى الظهر والعصر ركعتين ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع، ومن قال: إنه قال لهم: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)، فقد غلط فيه غلطـًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين.(234)
(61) أصح أقوال العلماء: أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة ألبتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببًا وهو السفر، هذا مقتضى السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون.(235)
(62) في عرفة سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي، وفي هذه القصة اثنا عشر حكمًا:
الحكم الأول: وجوب غسل الميت، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به. 
الحكم الثاني: أنه لا ينجس بالموت؛ لأنه لو نجس بالموت لم يزده غسله إلا نجاسة.
الحكم الثالث: أن المشروع في حق الميت أن يغسل بماء وسدر، ولا يقتصر به على الماء وحده.
الحكم الرابع: أن تغيّر الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته، كما هو مذهب الجمهور، وهو أنص الروايتين عن أحمد.
الحكم الخامس: إباحة الغسل للمحرم.
الحكم السادس: أن المحرم غير ممنوع من الماء والسدر.
الحكم السابع: أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكفن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه.
الحكم الثامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، وهما إزار ورداء، وهو الصحيح.
الحكم التاسع: أن المحرم ممنوع من الطيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس طيبًا، مع شهادته له أنه يبعث ملبيـًا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطيب. 
الحكم العاشر: أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه.
الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه.
الحكم الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا ينقطع به.(238)
(63) الصحيح أنه لا بأس بأن يغيب المحرم رأسه في الماء، وقد فعله عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما.(240)
(64) الصواب جواز الماء والسدر للمحرم، للنص -أي: حديث الذي وقصته الناقة- ولم يحرم الله ورسوله على المحرم إزالة الشعث بالاغتسال، ولا قتل القمل، وليس السدر من الطيب في شيء.(240)
(65) الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان وإقامتين، كما فعل بعرفة.(247)
(66) لم يحي النبي صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء.(247)
(67) حديث عائشة رضي الله عنها: (أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعني عندها)، حديث منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره، ومما يدل على إنكاره أن فيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة)، وفي رواية: (توافيه بمكة، وكان يومها، فأحب أن توافيه)، وهذا من المحال قطعًا.(248)
(68) الذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل من مزدلفة بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل. والله أعلم.(252)
(69) صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر بعدما طلع في أول الوقت لا قبله قطعـًا، بأذان وإقامة، يوم النحر؛ وهو يوم العيد؛ وهو يوم الحج الأكبر؛ وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك.(252)
(70) احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة بحديث عروة بن مضرس؛ وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما.(253)
(71) أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وهو في طريقه إلى منى أن يلقُط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة، كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل.(254)
(72) لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطن محسِّر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه؛ فإن هنالك أصابَ أصحابَ الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسِّر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي: أعيا وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود؛ فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير.(255)
(73) محسِّر برزخ بين منى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسِّر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعرنة ليست مشعرًا وهي من الحل، وعرفة حل ومشعر.(256)
(74) لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة وقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكبـًا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية.(256)
(75) رمى بلال وأسامة رضي الله عنهما معه صلى الله عليه وسلم، أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر، وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة، وإن كانت بعده في أيام منى فلا حجة فيها، وليس في الحديث بيان في أي زمن كانت. والله أعلم.(256)
(76) كان الناس يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئًا أو أخرت شيئًا، فكان يقول: (لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك)، وقوله: (سعيت قبل أن أطوف) في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض.(259)
(77) نحر صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين بدنة بيده، وكان ينحرها قائمةً معقولةً يدها اليسرى، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره، ثم أمسك وأمر عليـًا أن ينحر ما غبر من المائة، ثم أمر عليـًا رضي الله عنه أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئًا منها، وقال: (نحن نعطيه من عندنا)، وقال: (من شاء اقتطع). (259)
(78) إن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها، فلما أصبح ركب راحلته، فجعل يهلل ويسبح، فلما علا على البيداء لبى بهما جميعًا، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قيامًا، وضحى بالمدينة كبشين أملحين)؟
(79) فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين. قال أبو محمد بن حزم: «مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة: 
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن، كما قال أنس، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر عليـًا رضي الله عنه فنحر ما بقي.
الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم للباقي، فأخبر كلٌّ منهما بما رأى وشاهد.
الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم نحر بيده منفردًا سبع بدن، كما قال أنس، ثم أخذ هو وعلي الحربة معـًا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غَرَفة بن الحارث الكندي، أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ قد أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليـًا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر. والله أعلم».(259)
(80) إن قيل: كيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن علي قال: (لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها)؟ 
قلنا: هذا غلط انقلب على الرواي، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر سبعًا بيده لم يشاهده علي ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى، فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها علي، فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي صلى الله عليه وسلم.(260)
إن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر)، وهو اليوم الثاني. قال: (وقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال.. فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع)؟ 
قيل: نقبله ونصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالاً، فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرَّسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن.(261)
(81) إن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين من حديث أبي بكرة في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى، وقال في آخره: (ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا)، لفظه لمسلم. ففي هذا أن ذبح الكبشين كان بمكة، وفي حديث أنس أنه كان بالمدينة؟ 
قيل في هذا: إن القول قول أنس، وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين، وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين، ففصل أنس وميز بين نحره بمكة للبدن، وبين نحره بالمدينة للكبشين، وبين أنهما قصتان، ويدل على هذا أن جميع من ذكر نحر النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إنما ذكروا أنه نحر الإبل، وهو الهدي الذي ساقه، وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق؛ وجابر قد قال في صفة حجة الوداع: (إنه رجع من الرمي، فنحر البدن)، وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد، فظن أنه كان بمنى فوهم.(262)
(82) ذهب أبو محمد بن حزم إلى أنه لا هدي على القارن، وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج. قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني وخرج إلى التنعيم فأهللت بعمرة، فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20468
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: تلخيص ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله    13/10/13, 01:07 am

(82) ذهب أبو محمد بن حزم إلى أنه لا هدي على القارن، وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج. قالت: ففعلت، فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني وخرج إلى التنعيم فأهللت بعمرة، فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم).
وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس، والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع؛ بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة، وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحًا به، فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها... فذكرت الحديث وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.(263)
(83) قال أبو محمد بن حزم: «إن كان وكيع جعل هذا الكلام -أي: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة- لهشام؛ فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكل منهما ثقة، فوكيع نسبه إلى هشام لأنه سمع هشامًا يقوله، وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثًا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع، وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف، ومن اتبع هواه، والصحيح من ذلك: أن كل ثقة فمصدق فيما نقل، فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة صدقا لعدالتهما، وإذا أضافه وكيع إلى هشام صدق أيضًا لعدالته، وكلٌّ صحيح، وتكون عائشة قالته، وهشام قاله». 
قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله، ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم؛ بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد، الذين يميزون بين الجيد والرديء، ولا يلتفتون إلى خطأ من لم يعرف ذلك. ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجـًا يحتمل أن يكون من كلامهما، أو من كلام عروة، أو من هشام، فجاء وكيع ففصّل وميّز، ومن فصّل وميّز فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره. نعم، لو قال ابن نمير وعبدة: قالت عائشة، وقال وكيع: قال هشام؛ لساغ ما قال أبو محمد، وكان موضع نظر وترجيح.(264)
(84) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين بالمغفرة ثلاثًا، وللمقصرين مرة، وحلق كثير من الصحابة بل أكثرهم، وقصر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: ((لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)) [الفتح:27]، ومع قول عائشة رضي الله عنها: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يحل)، دليل على أن الحلق نسك، وليس بإطلاق من محظور.(270)
(85) أفاض صلى الله عليه وسلم إلى مكة قبل الظهر راكبـًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو طواف الصدر، ولم يطف غيره، ولم يسع معه، هذا هو الصواب.(270)
(86) أتى النبي صلى الله عليه وسلم زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون، فقال: (لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم)، ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم، فقيل: هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائمًا، وقيل: بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى، وقيل: بل للحاجة. وهذا أظهر( ).(278)
(87) قال ابن حزم: «وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية، استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم فأذن لها»، واحتج عليه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: «شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. قالت: فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ: ((وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)) [الطور])، ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور، ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس، وقد بين أبو محمد غلط من قال: إنه أخره إلى الليل، فأصاب في ذلك، وقد صح من حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)، فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته: ((وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)) [الطور]؟! هذا من المحال، فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء، وأما أنها كانت يوم النحر، ولم يكن ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قطعًا؛ فهذا من وهمه رحمه الله.(283)
(88) طافت عائشة في يوم النحر طوافـًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا أجزأها عن حجها وعمرتها، وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت، فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع، ولم تودع، فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف أو قبل الوقوف، أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع.(284)
(89) مشى النبي صلى الله عليه وسلم من رحله إلى الجمار، ولم يركب، فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، يقول مع كل حصاة: (الله أكبر)، ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل، فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفه الأول، ثم أتى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي، كما ذكره غير واحد من الفقهاء.(285)
(90) لما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل -وهو أصح-: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو في صلبها، فأما بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه، وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانًا يدعو بدعاء عارض بعد السلام، وفي صحته نظر. 
وبالجملة: فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها وعلمها الصِّديق إنما هي في صلب الصلاة، وأما حديث معاذ بن جبل: (لا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السلام، كقوله: (تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة...) الحديث. والله أعلم.(286)
(91) لم يزل في نفسي: هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها؟ والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي، وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبًا، وأيام منى ماشيًا في ذهابه ورجوعه.(287)
(92) تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء: الموقف الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث: بعرفة، والرابع: بمزدلفة، والخامس: عند الجمرة الأولى، والسادس: عند الجمرة الثانية.(287)
(93) خطب صلى الله عليه وسلم الناس بمنى خطبتين: خطبةً يوم النحر، وقد تقدمت، والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق، فقيل: هو ثاني يوم النحر، وهو أوسطها، أي: خيارها، واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أتدرون أي يوم هذا؟ -قالت: وهو اليوم الذي تدعون يوم الرءوس - قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أوسط أيام التشريق. هل تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام، ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت؟ فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات صلى الله عليه وسلم). رواه أبو داود.(288)
(94) أذن النبي صلى الله عليه وسلم للعباس والرعاة أن يبيتوا خارج منى. وقال ابن عيينة: في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يومـًا ويدعوا يومـًا، فيجوز لطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى، وأما الرمي فإنهم لا يتركونه، بل له