منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

ثمانون مسألة فقهية وتربوية من أحكام يوم عاشوراء إعلام الأشرار بحكم الطعن بالصحابة الأبرار مسائل شهر الله المحرم فضل عاشوراء وشهر المحرم شهر الله المُحرَّم وصيام عاشوراء الشيخ علي الطنطاوي والعام الجديد لا مزية لآخر جمعة في العام البدع التي أحدثت في شهر المُحرَّم عاشــــــــــــــــــوريات ورقاتٌ في [يوم عَاشُوراء] مسائلٌ وأحكامٌ 22 فضيلة لمن صام عاشوراء حكم الاحتفال بعاشوراء أو إقامة المآتم فيه عاشوراء بين هدي الإسلام وهدي الجهلاء شهر الله الأصم (المحرم) هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول ولم تكن في المُحرَّم مع الحسين -رضي الله عنه- في كربلاء لماذا يخافون من الإسلام؟ معالم إيمانية من يوم عاشوراء عاشوراء والهجرة النبوية من أيام الله تعالى لماذا لا نجعل يوم مقتل الحسين مأتماً؟ أَثَرٌ مَشْهُورٌ يُرَدَّدُ فِي نَهَايَةِ كُلِّ عَامٍ رأس السنة هــــل نحتفل به؟ هكذا نستقبل العام الجديد فضل شهر الله المحرّم وصيام عاشوراء فتاوى حول صيام عاشوراء الترغيب في صوم المُحرَّم عاشوراء وصناعة الكراهية وتجديد الأحقاد إلى متى؟ عاشوراء ودعوى محبة الحسين أحاديث عاشورية موضوعة منتشرة في بعض المنتديات عاشوراء والهجرة النبوية من أيام الله تعالى مآتم الرافضة في يوم عاشوراء رسالة في أحاديث شهر الله المحرَّم جــــــداول شهـر الله الـمحرم وعاشـوراء ما صح وما لم يصح من أحاديث في يوم عاشوراء مـاذا تعرف عـن عـاشــوراء شهر الله المحرم قصتا عاشوراء صفة صيام النبي صلى الله عليه وسلم لعاشوراء شهر محرم ويوم عاشوراء الطود العظيم في نجاة موسى الكليم وهلاك فرعون اللئيم البدع التي أحدثت في شهر محرم الأحاديث الواردة في صيام عاشوراء الأشهر الحُرم بداية التاريخ الهجري


شاطر | 
 

 لماذا ندرس السيرة؟!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: لماذا ندرس السيرة؟!   18/08/13, 05:48 am

لماذا ندرس السيرة؟!

علي الديب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
فإن الله – عز وجل – خلق الخلق ليعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولم يخلقهم عبثاً بلا أمر، ولا نهي، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، قال الله: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ).
ومقتضى عدله – سبحانه وتعالى – أنه يبعث هؤلاء الخلق بعد الموت ليحاسبهم بمقتضى تلك العبادة.
هذه العبادة التي ضل في فهم معناها كثيرٌ من المتأخرين والمعاصرين، فظنوها مجرد شعائر تؤدى، ثم ليس لله أمر ولانهي، حتى سمعنا من يقول: " حق الله علي خمس صلوات، أعطيهم له، ثم أنا حر فيما أفعل "، والعياذ بالله: ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون )، والله – عز وجل – هو  ( رب الناس * ملك الناس * إله الناس ).
قال - تعالى: ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغى ربًا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ).
فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالظاهرة كالتلفظ بالشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، وتعليم الناس الخير، والدعوة إلى الله – عز وجل – والمباحات مع تحسين النية فيها، ومتابعة السنة، والباطنة كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وخشية الله، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والرغبة إليه، والاستعانة به، والحب والبغض في الله، والموالاهوالمعاداه فيه، وغير ذلك، هذا من حيث أنواعها وأفرادها. ومن حيث معناها وأدائها هي الطاعة المقرونة بكمال الحب وكمال الذل لله تعالى .
والله – عز وجل – أخذ على عباده ثلاثة مواثيق، على أن يعبدوه وحده لا شريك له.
الأول: الميثاق الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم ثم من ظهور بعضهم بعضاً، كما قال – تعالى -: ( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ).
والثاني: الفطرة، ذلك أن الله – سبحانه وتعالى – فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول، كما قال – تعالى -: ( فأقم وجهك للدين حنيفًا * فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )، وكما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ( كل مولود يولد على الفطرة – وفي رواية على هذه الملة – فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء )؟.
والثالث: هو ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، تجديدًا للميثاق الأول، وتذكيرًا به: ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ).
واقتضت رحمة الله وحكمته وعدله أن يكون قيام الحجة على بنى آدم بإرسال الرسل، الذين ذكروا بالميثاق، لا بالميثاق الأول نفسه، إذ لا يذكرونه، فكيف يحتج – سبحانه – على أحد بشيء لا يذكره.
ثم إن الله أيد الرسل بالمعجزات والبراهين على صدقهم، فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته قبله وقام به دون تردد، ومن كان قد انحرف عن فطرته فتلك المعجزات والبراهين مع الرسل، ومالديهم من إقناع فيها الحجة الكافية عليهم إن لم يؤمنوا، فمن وفى بالميثاق دخل الجنه، وإلا فالنار أولى به.
فإذا تبين ما سبق، أن الله إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك الله، وأخذ منهم الميثاق على ذلك، وفطرهم عليه، ثم لم يتركهم بلا تذكير ولا حجاج فأرسل رسله – صلوات الله وسلامه عليهم – ليذكروا العباد بهذا الميثاق، ويردوهم إلى فطرتهم، ويحاجوهم حتى يزيلوا ما طرأ على فطرتهم من انحراف. ثم ختم الله رسله برسوله ونبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – خاتم الرسل وأفضل الرسل، بعثه الله تعالى للإنس والجن، والعرب والعجم، قال – تعالى -: ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته لعلكم تهتدون ).
وأكمل الله –عز وجل– به الدين فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا).
فرضي هذا الدين، ونسخ به كل الأديان، وجعله هو الدين الذي لا يقبل الله من أحد غيره حتى توم الساعة.
أرسله الله – تعالى – على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح الله صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره.
وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي – صلى الله عليه وسلم – فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ولما كان الأمر كما ذكر، وكانت معرفة هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – وسيرته بهذه الأهمية، وكان في السيرة حلولاً للمشاكل التي عايشها أهل عصرنا – فضلاً عن غيرها – أحببت أن أذكر أسباباً – لم ياعى فيها الترتيب ولم يقصد بها الاستقصاء – تحفز وتحث على دراسة السيرة النبوية الشريفة، وتبينأهمية هذا العلم ومكانته، أذكر بها نفسي وإخواني في الله، وأنصح لهم، فالدين النصيحة.
فصل: في اهتمام السلف –رضي الله عنهم– من الصحابة والتابعين وتابعيهم بسيرة النبي –صلى الله عليه وسلم– ومغازيه:
اهتم السلف –رضي الله عنهم– بهذا العلم الجليل اهتمامًا بالغًا، تعلمًا وتعليمًا وتدوينًا، واشتهر منهم أقوام بذلك:
* فمن الصحابة –رضى الله عنهم-:
1- عبد الله بن العباس – رضي الله عنهما – المتوفى سنة 68، روى ابن سعد – رحمه الله تعالى – في الطبقات الكبرى بسنده عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا منهم إلا سُر بإتياني، لقربي من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فجعلت أسأل أبَي بن كعب يومًا – وكان من الراسخين في العلم – عمَّا نزل من القرآن بالمدينة؟ فقال: نزل سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة.
وروى ابن سعد – رحمه الله تعالى – أيضًا في الطبقات بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال، بعلم ما سبقه، وفقهٍ فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، ونائلٍ، وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكرٍ وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأيٍ منه، ولا أعلم بشعرٍ ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علمًا.
2- ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما.
3- ومنهم البراء بن عازب – رضي الله عنه.
* وممن اهتم بهذا العلم من التابعين – رحمهم الله تعالى:
1- محمد بن سعد بن أبي وقاص – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 82، روى الخطيب البغدادي – رحمه الله تعالى – في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع بسنده عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويعدها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها .
2- عروة بن الزبير – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 92 أو 93، عالم المدينة وأحد الفقهاء السبعة: ألف في المغازي، قال الذهبي في السير في ترجمة أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي الأسدي يتيم عروة – وكان أبوه أوصى به إلى عروة – قال: نزل أبو الأسود مصر، وحدث بها بكتاب المغازي لعروة بن الزبير عنه.
3- علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم – المتوفى سنة 94، روى الخطيب البغدادي – رحمه الله تعالى – في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع بسنده عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه قال: سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نُعلم  مغازي النبي – صلى الله عليه وسلم – وسراياه كما نُعلم السورة من القرآن.
4- عامر بن شراحيل الشعبي – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 103، عن عبد الملك بن عمير، قال: مر ابن عمر بالشعبي وهو يقرأ المغازي فقال: كأن هذا كان شاهدًا معنا، لهو أحفظ لها مني وأعلم.
5- أبان بن عثمان بن عفان – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 105، ألف أيضا في المغازي، قال ابن سعد: في ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة: وكان ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرًا ما تقرأ عليه ويأمرنا بتعليمها.
6- عكرمة مولى ابن عباس – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 105، قال قتادة – رحمه الله: كان أعلم التابعين أربعة، كان عطاء أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بسيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام.
7- عاصم بن عمر بن قتادة – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 120، قال ابن سعد – رحمه الله – في الطبقات: وكانت له رواية للعلم، وعلم بالسيرة، ومغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وروى عنه محمد بن إسحاق وغيره من أهل العلم. وكان ثقة كثير الحديث عالمًا.
ووفد عاصم بن عمر على عمر بن عبد العزيز في خلافته في دَين لزمه فقضاه عنه عمر، وأمر له بعد ذلك بمعونة، وأمره أن يجلس في مسجد دمشق فيُحدث الناس بمغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومناقب أصحابه، وقال: إن بني مروان كانوا يكرهون هذا وينهون عنه، فاجلس فحدث الناس بذلك، ففعل، ثم رجع إلى المدينة، فلم يزل بها حتى توفي سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك.أ.هــ.
وفي كلام ابن سعد – رحمه الله – اهتمام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز –رحمه الله ورضي عنه– بعلم المغازي والمناقب أيضًا.
8- محمد بن شهاب الزهري – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 124، روي الخطيب البغدادي – رحمه الله – في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع بسنده عن محمد بن عبد الله، قال: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا.
وذكر الكتاني – رحمه الله – في الرسالة المستطرفة كتاب السيرة له، ثم قال: قال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري.
9- موسى بن عقبة – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 141، صنف كتاب المغازي، روى الخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع بسنده عن مطرف ومعن ومحمد بن الضحاك، قالوا: كان مالك إذا سئل عن المغازي، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنه أصح المغازي.
وذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة وقال: وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، وقال أحمد: عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة.
* وممن اهتم به من تابعي التابعين – رحمهم الله:
1- محمد بن اسحاق بن يسار – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 151، قال ابن سعد – رحمه الله – وكان محمد بن إسحاق أول من جمع مغازي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وألفها، وكان يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان، ومحمد بن إبراهيم وغيرهم أ.هــ.
قال ابن كثير – رحمه الله – عنه: ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب ((السيرة النبوية)) التي جمعها فجعلها عَلَمًا يُهتدى به، وفجرًا يُستجلى به، والناس كلهم عِيالٌ عليه في ذلك، كما قال محمد بن إدريس الشافعي وغيره من أئمة الإسلام.أ.هــ . وقال علي بن المديني: سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب، وسُئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس بها، يعني ابن إسحاق، وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق.
2- محمد بن عمر الواقدي – رحمه الله تعالى – المتوفى 207، قال الذهبي – رحمه الله: القاضي، صاحب التصانيف والمغازي، العلامة أبو عبدالله، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه، وقال: وجمع فأوعى، وخلط الغَث بالسمين، والخَرَزَ بالدر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم.
3- أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة 218، قال ابن كثير: راوي السيرة عن زياد بن عبدالله البكائي، عن محمد بن إسحاق مصنفها، وإنما تنسب إليه فيقال: سيرة ابن هشام، لأنه هذبها وزاد فيها ونقص منها، وحرر أماكن، واستدرك أشياء.
4- محمد بن سعد المعروف بكاتب الواقدي –رحمهما الله تعالى– المتوفى سنة 230، قال الذهبي –رحمه الله: وكان من أوعية العلم، ومن نظر في ((الطبقات)) خضع لعلمه .أ.هــ وفي الطبقات ذكر السيرة والمغازي وسير الصحابة ومن بعدهم.
واستمر أهل العلم – رحمهم الله – في الاهتمام بهذا العلم، فصنفوا فيه استقلالا، وأوردوه في كتب التفسير، وكتب الحديث وشروحه، وفي كتب التاريخ، وليس المقصود هنا ذكر المصنفات في السير والمغازي، إنما المقصود بيان أن أهل العلم اهتموا بهذا العلم اهتمامًا بالغًا، واعتنوا به تعلما وتعليمًا، وتصنيفـًا، وكيف لا يهتمون به، وهو قول وفعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقصة حياته وتفاصيلها، وفيه ذكر ما لاقى في سبيل تبليغ الرسالة، وكيف ضحى، وكيف صبر، وكيف جاهد، وكيف أكمل مراتب العبودية لله – عز وجل – حتى صار أفضل الخلق وأحبهم إلى الله، وفيه ذكر الصحابة – رضي الله عنهم – الذين صحبوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآمنوا به وعزروه ونصروه، وضحوا في سبيل الله بكل غال ونفيس، وفارقوا في سبيل الله الأهل والأوطان، وابتلوا بالجوع والفقر والخوف، ومنهم من عذب العذاب الشديد في سبيل الله، ومنهم من قتل، وكيف صبروا وجاهدوا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى ضربوا هذا المثال الرائع، وبلغوا هذا الفضل الذي لا يكون لمن بعدهم أبدًا، حتى رضى الله عنهم وشرط حصول رضاه عمن بعدهم باتباعهم بإحسان، فقال – تعالى: ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ).
قال ابن القيم -رحمه الله-: فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم، وهم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ولا يختص ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط، وإنما خُص التابعون بمن رأوا الصحابة تخصيصًا عرفيًا ليتميزوا به عمن بعدهم، فقيل: التابعون مطلقًا لذلك القرن فقط. وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين بإحسان، وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وقيد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية بإحسان ليست مطلقة – فتحصل بمجرد النية والاتباع في شيء والمخالفة في غيره ولكن تبعية مصاحبة الإحسان.
وأن الباء هنا للمصاحبة، والإحسان والمتابعة شرط في حصول رضا الله عنهم وجناته.أ.هـ.
فصل: في الاستدلال بفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتركه وإقراره:
لما كانت السيرة تبين ما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – وما ترك، وما فـُعل في زمنه – صلى الله عليه وسلم – واطلع عليه وأقره، وما فـُعل ولم يطلع عليه، لزم معرفة ما هو حكم الاستدلال بهذه الأحوال، ونذكر ذلك على سبيل الاختصار في المباحث التالية.
* المبحث الأول: في أفعال الرسول – صلى الله عليه وسلم.
عني علماء أصول الفقه بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفردوا فيها مصنفات مستقلة، لأنها من أدلة الأحكام الشرعية، ولا خلاف في ذلك، إذ كل ما دل على حجية السنة، فهو دليل على حجية أفعاله – صلى الله عليه وسلم –
لأنها قسم من أقسام السنة، فمن ذلك:
- قوله – تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)، قال ابن كثير: هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أقواله وأفعاله وأحواله.
- وقوله – تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)، قال الطبري: وأما قوله: (واتبعوه لعلكم تهتدون) فإن معناه: فاقتدوا به أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله، (لعلكم تهتدون) يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه.أ.هــ وقال ابن كثير (واتبعوه) أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره.
* وتقع أفعال النبي – صلى الله عليه وسلم – على أحوال، فلابد من معرفتها ومعرفة حكم كل منها، وذلك أن أفعال النبي – صلى الله عليه وسلم إما:
1- أن يكون فعلها على وجه القربة والطاعة، ويدل الدليل على اختصاصه بالفعل، فيحكم بالخصوصية لوجود الدليل، وليس لأحد أن يفعل مثله، فليس للمؤمنين فيه مدخل، كالزيادة في النكاح على أربع نسوة، فيحرم التأسي بالنبي – صلى الله عليه وسلم – فيها.
2- أو أن يكون فعلها على وجه القربة والطاعة، ولم يدل دليل على أن هذا الفعل خاص به – صلى الله عليه وسلم – فلا يحكم بالخصوصية، لأن عدم الخصوصية هو الأصل، لأن الأصل التأسي به – صلى الله عليه وسلم –
 واختلفوا في إفادته:
o فذهب بعض الشافعية، والإمام أحمد  في رواية، والإمام مالك، واختاره ابن السمعاني وقال: هو أشبه بقول الشافعي، إلى أنه يفيد الوجوب، ما لم يدل دليل آخر على الوجوب أو الندب، وقالوا: هذا الوجوب في حقه – صلى الله عليه وسلم – وحقنا، لعموم الأدلة الآمرة بالتأسي به – صلى الله عليه وسلم – ولأنه الأحوط.
o وذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية، والشافعي فيما نسبه إليه الرازي، والإمام أحمد في رواية، والظاهرية، إلى أنه يفيد الندب –يعنى الاستحباب– لأن الندب هو القدر المتحقق المتيقن الذي ثبت بفعل النبي –صلى الله عليه وسلم– ويبقى الوجوب مفتقرًا لدليل آخر خارجي، فأقل ما يتقرب به هو المندوب، ولا دليل يدل على زيادة على الندب، فوجب القول به، ولا ننتقل إلى ما هو أعلى إلا بدليل، ويستدل أصحاب هذا القول أيضًا بعموم الأدلة الآمرة بالتأسي، ويردون على أصحاب القول الأول بأن الائتساء منه ما يكون مندوبًا، ومنه ما يكون واجبًا، ورجح هذا القول إمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المنخول، والشوكاني في الإرشاد، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: إذا فعل شيئًا على وجه العبادة، ولم يأمر به، فالصحيح أنه للاستحباب.
o وذهب الكرخي من الحنفية، وبعض الشافعية، والإمام أحمد في رواية إلى التوقف حتى يدل الدليل، لعدم معرفة المراد، ولتعارض الأدلة، ولأن أفعاله – صلى الله عليه وسلم – منها ما يدل على الوجوب، ومنها ما يدل على الاستحباب، ومنها ما يدل على الإباحة، وهذا أضعف الأقوال، قال الشوكاني: وعندي أنه لا معنى للوقف في الفعل الذي قد ظهر فيه قصد القربة، فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها، والمتيقن مما هو فوقها الندب. أ.هـ.
o وذهب بعض الحنفية إلى أنه يفيد الإباحة.
3- أو أن يفعله – صلى الله عليه وسلم – بيانًا لمجمل، فهذا حكمه حكم المجمل، فإن كان واجبًا فالفعل واجب، وإن كان مندوبًا فالفعل مندوب، لكنه واجب على الرسول مطلقًا حتى يحصل البلاغ، ثم يكون حكمه حكم الأمة في ذلك.
4- أو أن يفعله – صلى الله عليه وسلم - ولكن لم يظهر فيه قصد القربة، ويدخل تحت هذا نوعان:
o ما فعله بمقتضى الجبلة والبشرية كالقيام والقعود والنوم والأكل والشرب، فهذا لا حكم له في ذاته لأنه ليس من باب التكليف، لأن التكليف فيما يمكن فعله وتركه، وهذه الأفعال ليست مشروعة لذاتها أو مقصودًا بها التأسي، لأنه لا يخلو عنها بشر حي، إلا إذا كان الفعل له هيئة معينة، كصفة أكله، وشربه، ونومه – صلى الله عليه وسلم – فهذا له حكم شرعي كما دلت عليه النصوص، وكذلك لو تأسى به متأس فلا بأس ويثاب على قصده التأسي، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكبارًا فلا بأس.
o ما فعله وفق العادات، كلباسه – صلى الله عليه وسلم – فهذا النوع مباح لم يقصد به التشريع، فلا استحباب للمتابعة، لأن اللباس منظور فيه إلى العادة التي اعتادها أهل البلد، ولهذا لم يغير الرسول – صلى الله عليه وسلم – لباسه الذي كان يلبسه قبل النبوة، وإنما وضع الشرع شروطًا وضوابط للباس الرجل والمرأة، تستفاد من الكتاب والسنة.
5- أو أن يفعله – صلى الله عليه وسلم - واحتمل قصد القربة واحتمل أن يكون فعله – صلى الله عليه وسلم – بمقتضى الجبلة، وضابط هذا القسم: أن تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها، لكنه وقع متعلقًا بعبادة بأن وقع فيها أو في وسيلتها، كالركوب إلى الحج، فاختلفوا فيه هل يكون مباحًا أو مندوبًا، لتعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل عدم التشريع، والظاهر من أفعاله – صلى الله عليه وسلم – التشريع، لأنه – صلى الله عليه وسلم – مبعوث لبيان الشرعيات، فمن رجح فعل ذلك والاقتداء به قال: ليس من الجبلي بل من الشرع، ومن رأى أن ذلك يحتمل الجبلي وغيره فيحمله على الجبلي.
* المبحث الثاني: في ترك الرسول – صلى الله عليه وسلم.
والمقصود به تركه – صلى الله عليه وسلم – فعل أمر من الأمور، وهو نوعان بالنسبة لنقل الصحابة – رضي الله عنهم – له:
1- ما صرح فيه الصحابي بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى العيد بلا أذان ولا إقامة، رواه أبو داود، وصححه النووي في المجموع.
2- عدم نقل الصحابة – رضي الله عنهم – للفعل الذي لو فعله – صلى الله عليه وسلم – لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله للأمة، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن، كتركه – صلى الله عليه وسلم – الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه، بعد الصبح والعصر، أو في جميع الصلوات.
مقدمات تنبني عليها حجية ترك النبي – صلى الله عليه وسلم:
1- كمال الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين، فقد أتم الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا، قال – تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا).
2- بيانه – صلى الله عليه وسلم – لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يترك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه أمته، قال – تعالى: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )، وقد امتثل – صلى الله عليه وسلم – لهذا الأمر وقام به أتم قيام، وشهدت له – صلى الله عليه وسلم – الأمة بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في خطبة الوداع، التي رواها البخاري.
3- حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهيأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى قيام الساعة –إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا– قال – تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ).
شروط حجية ترك النبي – صلى الله عليه وسلم:
1- أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده – صلى الله عليه وسلم – وتقوم الحاجة إلى فعله، فإذا ترك – صلى الله عليه وسلم – فعله والحال كذلك، كان تركه  – صلى الله عليه وسلم – لهذا الفعل سنة، يجب الأخذ بها ومتابعته في ترك هذا الفعل، ومثال ذلك الآذان لصلاتي العيدين مع وجود الحاجة لجمع الناس عليهما ومع ذلك لم يفعله – صلى الله عليه وسلم.
2- فإن انتفى السبب المقتضي والموجب لهذا الفعل، فإن ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – حينئذ لا يكون سنة، لأن تركه – صلى الله عليه وسلم – كان بسبب عدم وجود المقتضي الذي لو وجد لفعله – صلى الله عليه وسلم – كما قاتل أبو بكر – رضي الله عنه من منع الزكاة فقط، ولم يكن مخالفًا بذلك لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
3- أن تنتفي موانع وعوارض الفعل، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد يترك فعلاً من الأفعال مع وجود المقتضي له بسبب وجود مانع يمنع من فعله، كتركه – صلى الله عليه وسلم – قيام رمضان مع أصحابه في جماعة – بعد ليال – خشية أن يفرض عليهم، كما في الصحيح، ولذلك لم يكن جمع الناس على قارئ واحد كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مخالفًا لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم.
حكم ترك النبي – صلى الله عليه وسلم:
1- تركه – صلى الله عليه وسلم – للفعل مع وجود المقتضي له وانعدام المانع منه حجة، فيجب حينئذ ترك ما ترك.
2- ما تركه – صلى الله عليه وسلم – لعدم وجود المقتضي له، لا يكون سنة، بل إذا قام المقتضي ووجد – بشرط ألا يحصل المقتضي بتفريط الناس  – كان فعل ما تركه – صلى الله عليه وسلم – مشروعًا غير مخالف لسنته – صلى الله عليه وسلم – بل يكون من سنته لأنه عمل بمقتضى سنته – صلى الله عليه وسلم.
3- ما تركه – صلى الله عليه وسلم – مع وجود مقتضيه، لقيام مانع منه، لا يكون سنة، بل إذا زال المانع بموته أو بعد موته – صلى الله عليه وسلم – كان فعل ما تركه مشروعًا غير مخالف لسنته – صلى الله عليه وسلم – بل يكون من سنته لأنه عمل بمقتضى سنته – صلى الله عليه وسلم.
* المبحث الثالث: في إقرار الرسول – صلى الله عليه وسلم.
وهو أن يسكت النبي – صلى الله عليه وسلم – عن إنكار قول أو فعل وقع بين يديه، أو في عصره وعلم به، كإقراره – صلى الله عليه وسلم – إنشاد الشعر المباح.
والأصل في حجية إقراره – صلى الله عليه وسلم – هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته – صلى الله عليه وسلم– يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لأنه – صلى الله عليه وسلم – معصوم عن أن يقر أحدًا على خطأ أو معصية، فيما يتعلق بالشرع، ولأن من خصائصه – صلى الله عليه وسلم – أنه لا يسقط عنه وجوب إنكار المنكر بالخوف على نفسه، لقوله – تعالى :(والله يعصمك من الناس ).
شروط حجية إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم:
1- أن يعلم – صلى الله عليه وسلم – بوقوع الفعل أو القول، بأن يقع ذلك بحضرته، أو في زمانه – صلى الله عليه وسلم – وينتشر انتشارًا يبعد معه ألا يعلم – صلى الله عليه وسلم – وقوعه معه.
2- ألا يكون القول أو الفعل الذي سكت عنه – صلى الله عليه وسلم – صادرًا من كافر، لأن إنكاره – صلى الله عليه وسلم – لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
حكم إقرار النبي – صلى الله عليه وسلم:
1- إذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا على قوله، فهو كقوله – صلى الله عليه وسلم.
2- إذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا على فعله، فهو كفعله – صلى الله عليه وسلم.
* المبحث الرابع: في ما فعل في زمانه – صلى الله عليه وسلم – ولم يعلم به.
اختلف أهل العلم في ما فعل في زمانه – صلى الله عليه وسلم – 
ولم يعلم به، هل يكون إقرارًا أم لا:
1- فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يكون إقرارًا، لأنه – صلى الله عليه وسلم – لا يعلم الغيب.
2- وذهب آخرون إلى أنه إذا فعل وتكرر يكون إقرارًا، لأنه يبعد أن يكون هذا مما لا يحبه الله ثم لا ينزل الوحي بالنهي عنه، وعليه يحمل حديث جابر في العزل.
3- وقال بعض أهل العلم: فأما ما وقع في عهده ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه، ولكنه حجة لإقرار الله له، ولذلك استدل الصحابة – رضي الله عنهم على جواز العزل – بإقرار الله لهم عليه، قال جابر – رضي الله عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل، متفق عليه.
وقال: ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز.
وإذ قد تبين اهتمام السلف – رضوان الله عليهم – بهذا العلم، وتبينت حجية فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتركه وإقراره، نشرع في ذكر أسباب دراسة السيرة، وبالله التوفيق.




عدل سابقا من قبل ahmad_laban في 19/08/13, 12:07 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا ندرس السيرة؟!   18/08/13, 06:18 am

السبب الأول

* معرفة تفسير كثير من آيات القرآن، ومعرفة كيف امتثل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما أمر به فيها.
 وذلك لاشتمال أحداث السيرة على كثير من أسباب النزول، ولكون كثير من الآيات نزلت تعقيبًا أو تعليقًا على حدث، أو تصحيحًا لمسار، أو أمرًا بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى دعوية أو جهاديه أو غير ذلك، وكذلك يعرف من السيرة بعض مما نزل من السور في مكه وبعض مما نزل من السور في المدينه ولمعرفة المكي والمدني فوائد يأتي ذكر شيء منها.
ففي غزوة بدر نزلت سورة الأنفال، وفي غزوة أحد نزلت آيات من سورة آل عمران، وفي غزوة الأحزاب نزلت سورة الأحزاب، وفي الهجرة نزلت آيات من سورة التوبة، ونزلت آيات منها في غزوة تبوك، وفي المنافقين وفضحهم، وفي تحويل القبلة نزلت آيات من سورة البقرة، وهكذا.
وهنا نذكر كلامًا مختصرًا، عن أسباب النزول، وعن المكي والمدني من القرآن، وعن البيان النبوي للقرآن.
* أما أسباب النزول، فهي: 
كل قول أو فعل أو سؤال ممن عاصروا التنزيل نزل بشأنه القرآن . 
ولا يلزم أن يكون النزول عقب الحدث مباشرة، فقد يتأخر كحادثة الإفك، لكن لا يصح أن يكون النزول قبل الحدث، فهذا لا يدخل في أسباب النزول، بل يدخل في الإخبار عن المغيبات.
فمن ذلك ما رواه البخاري في باب: (يغشى الناس هذا عذاب أليم) من كتاب التفسير من صحيحه – عن مسروق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا، لأن قريشا لما استعصوا على النبي - صلى الله عليه وسلم –دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله –تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس هذا عذاب أليم). قال: فأتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم -فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. قال: (لمضر؟ إنك لجريء). فاستسقى فسقوا. فنزلت: (إنكم عائدون). فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عز وجل: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون). قال: يعني يوم بدر.
ولمعرفة اسباب النزول فوائد ، منها:
• معرفة المعنى المراد بالآية وتعيينه، إذ قد ترد على المعنى احتمالات صحيحه، لكن سبب النزول يحدد أحد هذه المعاني، ويكون هو المراد دون غيره. 
قال الشاطبي – رحمه الله – ما مختصره: 
معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن. 
والدليل على ذلك أمران:
1. أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال؛ كالاستفهام: لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال.
2. أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع، ويوضح هذا المعنى: ما روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعًا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، أنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل بحيث لو فقد ذكر السبب لم يـُـعرف مِن المُـنزَّل معناه على الخصوص دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات. 
وقد قال – عليه الصلاة والسلام: ( خذوا القرآن من أربعة)، وقد قال –رضي الله عنه: والذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أُنزلت.أ.هــ 
وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالمًا بالقرآن. وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير.أ.هــ 
• بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام، وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث، رحمة بالأمة.
• معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين، حتى لا يشتبه بغيره، فيتهم البرئ، ويبرأ المريب – مثلا – ولهذا ردت عائشة – رضي الله عنها على مروان حين اتهم أخاها عبدالرحمن بن أبي بكر بأنه الذي نزلت فيه آية ( والذي قال لولديه أف لكما )، فقالت: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري، أخرجه البخاري.
• تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي، في ذهن كل من يسمع الاية إذا عرف سببها، وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة. كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن، وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر.
* وأما المكي والمدني من القرآن، فقال السيوطي – رحمه الله:
اعلم أن للناس في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة، أشهرها: أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بالمدينة أم بمكة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار. 
أخرج عثمان بن سعيد الدارمي بسنده إلى يحيى بن سلاّم قال:ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني.أ.هـ 
وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحًا. أ.هــ. 
وهذا المصطلح باعتبار زمان النزول وهو أولى المصطلحات لحصره واطراده. 
أما الاصطلاح الثاني فهو باعتبار مكان النزول، فعليه المكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمنى وعرفات والحديبية، والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها: أحد وقباء وسلع، ويشكل على هذا الاصطلاح ما نزل في الأسفار أو ما نزل بتبوك ونحو ذلك. والاصطلاح الثالث: أن المكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة، ويرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر.
ولمعرفة المكي والمدني من السور فوائد عديدة، منها:
• قول الشاطبي – رحمه الله في الموافقات: 
المدني من السور ينبغي أن يكون مُـنزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دلَّ على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق، ومصلحة لما أفسد قبلُ من ملة إبراهيم عليه السلام. ويليه تنزيل سورة الأنعام؛ فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وقد خرَّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة، هذا ما قالوا.. 
ثم لما هاجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبين في غيرها تفاصيل لها؛ كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها، وأيضًا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل. 
فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنيًا عليها. 
وإذا تنزلتَ إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة. 
فلا يغيبن عن الناظر في الكتاب هذا المعنى؛ فإنه من أسرار علوم التفسير، وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه – سبحانه.أ.هــ 
• معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن؛ لأن القول بالنسخ مبني على معرفة المتقدم من المتأخر، والمدني ينسخ المكي لا العكس. 
قال النحاس – رحمه الله – في كتابه الناسخ والمنسوخ: وإنما نذكر ما نزل بمكة والمدينة؛ لأن فيها أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ؛ لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها مما نزل بالمدينة حكم، عـُلم أن المدنية نسخت المكية. أ.هــ 
• الترجيح بين الأقوال في التفسير، قال ابن الجوزي  – رحمه الله – في قوله – تعالى: ( قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى)، قال: وفي قوله – تعالى :(فصلى) ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس ومقاتل، والثاني: صلاة العيدين، قاله أبو سعيد الخدري، والثالث: صلاة التطوع، قاله أبو الأحوص. 
والقول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد .أ.هــ. 
قال مساعد الطيار: وإذا تأملت القول بصلاة العيد، وجدته يدخل في عموم قوله – تعالي: ( فصلى )، لكن أن يكون هو المراد لا غيره، أو يكون هو المراد أولاً، ففيه النظر الذي ذكره ابن الجوزي ( ت 597 هـ)، والله أعلم.أ.هــ.
• تذوق أساليب القرآن والاستفادة منه في أسلوب الدعوة إلى الله: فإن لكل مقام مقالاً، فلكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم وأحوال بيئتهم، ويبدو هذا واضحًا جليًا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب. 
فالداعية يستفيد من هذا في تنويع خطابه، فلا يكون خطابه و أسلوب تعامله واحدًا لا يتغير، فإن كان يخاطب ملحدًا فإن خطابه لا يكون كما يخاطب كافرًا مؤمنـاً بالله، وإذا كان يخاطب كافرًا مؤمنًا بالله – كأهل الكتاب – فإنه يختلف في خطابه لهم عن خطابه لمبتدع، وخطابه لمبتدع، يختلف عن خطابه لعاص فاسق، وهكذا يستخدم مع كل قوم ما يصلح لهم من الخطاب. والله أعلم.
• معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.
* أما الكلام على بيان النبي – صلى الله عليه وسلم – للقرآن، فقد قال الله – تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون )، قال ابن الجوزي – رحمه الله: قوله – تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر ) وهو القرآن بإجماع المفسرين: ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) [فيه] من حلال وحرام، ووعد ووعيد: ( ولعلهم يتفكرون ) في ذلك فيعتبرون. أ.هـ 
وقال – تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )، قال ابن جرير الطبري – رحمه الله: فقد تبين ببيان الله جل ذكره أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه – صلى الله عليه وسلم – ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول – صلى الله عليه وسلم – وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره، واجبه وندبه وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يـُـدرك علمها إلا ببيان رسول الله – صلى الله عليه وسلم لأمته – وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – له تأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله.أ.هــ.
ونذكر هنا مسألتين، الأولي: أنواع البيان النبوي، والثانية: هل فسر النبي – صلى الله عليه وسلم – القرآن كله أم فسر بعضه. 
أما المسألة الأولى: فاعلم أن البيان النبوي للقرآن يقع على أربعة أنواع:
• أن ينص النبي – صلى الله عليه وسلم – على تفسير آية أو لفظه، وله – صلى الله عليه وسلم – في ذلك أسلوبان:
1. أن يذكر التفسير، ثم يذكر الآية المفسرة، ومثال ذلك: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة –رضي الله عنه– أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– قال: ( إذا أحب الله عبدًا نادى: يا جبريل إني أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله تعالي: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا )، وإذا أبغض عبدًا نادي، يا جبريل: إني أبغضت فلانًا فينادى في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض).
2. أن يذكر الآية المفسرة، ثم يذكر تفسيرها، ومثال ذلك: ما رواه مسلم عن أبي علي ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة بن عامر – رضي الله عنه – يقول: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وهو على المنبر يقول: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )، ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي).
• أن يشكل على الصحابة فهم آية فيفسرها لهم، ومثال ذلك: ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: لما نزلت: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.....) الآية، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال :(ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم )).
• أن يذكر في كلامه – صلى الله عليه وسلم – ما يصلح أن يكون تفسيرًا للآية، ومثال ذلك: قوله – تعالى: ( وجيء يومئذ بجهنم )، روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ).
• أن يتأول القرآن، فيعمل بما فيه من أمر، ويترك ما فيه من نهي، وهذا النوع هو المقصود أصالة ذكره وتبيينه بإيراد هذا المبحث، ذلك أن حياته – صلى الله عليه وسلم – ودعوته، وجهاده، وتعليمه، ومعاملته مع المؤمنين والمنافقين والكفار، سواء ما كان من ذلك في مكة أو المدينه، هو من هذا الباب، وبذلك يتضح لك هذا الباب من العلم، وكيف أن معرفة سيرته – صلى الله عليه وسلم – يتضح بها كيفية العمل بكثير من الآيات، وما هو الحد في ذلك، فقوله –تعالى: ( وأنذر عشيرتك الأقربين )، كيف امتثله –صلى الله عليه وسلم– وقوله– تعالى: (فلا تطع الكافرين به وجاهدهم به جهادًا كبيرًا)، كيف امتثله –صلى الله عليه وسلم– وقوله تعالى: ( جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم )، وقوله – تعالى: ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )، وقوله – تعالى: ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )، وقوله – تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )، وغير ذلك من الآيات الكريمات، كيف امتثل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما أمر به فيها.
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله: .... قال الامام أحمد حدثنا عبد اللهبن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: ( وأنذر عشيرتك الأقربين )، أتى النبي –صلى الله عليه وسلم –الصفا فصعد عليه، ثم نادى:( يا صباحاه )، فاجتمع الناس اليه بين رجل يجيء اليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: ( يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم، صدقتموني؟) قالوا: نعم قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فقال أبو لَهَب –لعنهُ اللهُ –تبـَّـا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله –عز وجل: ( تبت يدا أبي لهب وتب )، وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه. 
وقال أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك ابن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لما نَـزَلَـت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين )، دعا رسول الله –صلى الله عليه وسلم –قريشاً فعَمَّ وخَصَّ، فقال: ( يا معشر قريش،أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كَعْب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئًا، إلا أن لكم رحمًا سأَبُـلـُّـها ببلالها)، ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وله طرق أُخَر عن أبي هريرة في (( مسند أحمد)) وغيره، وقال أحمد أيضًا: حدثنا وكيع،ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة–رضي الله عنها –قالت: لما نزلت( وأنذرعشيرتك الأقربين )، قام رسول الله –صلى الله عليه وسلم –فقال: ( يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم )، ورواه مسلم أيضًا.
• أما مسألة: هل فسر النبي – صلى الله عليه وسلم – القرآن كله أم فسر بعضه، فقد قال الشيخ محمد حسين الذهبي – رحمه الله: اختلف العلماء في المقدار الذي بينه النبي –صلى الله عليه وسلم– من القرآن لأصحابه: فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– بين لأصحابه كل معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية، ومنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– لم يبين لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء الخويِّي والسيوطي. أ.هـــ. 
ثم ساق أدلة الفريقين، ثم قال : ومن يتأمل فيما تقدم من أدلة الفريقين يتضح له أنهما على طرفي نقيض، ورأيي أن كل فريق منهم مبالغ في رأيه. وما استند إليه كل فريق من الأدلة يمكن مناقشته بما يجعله لا ينهض حجة على المدعى.أ.هـــ. ثم ناقش أدلة الفريقين واختار أن النبي –صلى الله عليه وسلم– بيَّـن الكثير من معاني القرآن لأصحابه، ولم يبِّـن كل معاني القرآن. 
والتحقيق  يعلم من المسألة السابقة –أنواع البيان النبوي للقرآن– فما نقل من تفسير نبوي صريح لآية من الآيات قليل جدًا إذا ما قيس بعدد الآيات المفسرة إلى عدد آيات القرآن، فمن حمل البيان النبوي على هذا النوع، قال: إن التفسير الوارد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قليل، وهذا صحيح. 
ومن اعتبر جميع أنواع البيان النبوي المذكورة سابقًا –من جعل عموم السنة مفسرة للقرآن– وجد أن التفسير الذي يرجع إلى السنة –بهذا المفهوم– كثير.
ويجب أن يعلم أن أصول الدين من المعاملات والشرعيات والاعتقادات قد بينها الرسول –صلى الله عليه وسلم– بيانًا واضحًا لا لبس فيه، واختلاف الصحابة –رضي الله عنهم– في بعض أفراد ذلك لا يدل على أنه –صلى الله عليه وسلم –لم يبينها. 
ولكن لا يعني هذا أن الرسول –صلى الله عليه وسلم– فسر كل لفظة في القرآن، لأن في القرآن ما هو بين المعنى، فلا يحتاج إلي بيان، وفيه ما هو بلغة القوم، فلم يحتاجوا بمعرفتهم لغتهم إلى أن يسألوا عنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم– لكن إذا استشكلوا شيئًا من القرآن سألوا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهذا ظاهر في سؤالات الصحابة للرسول –صلى الله عليه وسلم– عن معاني بعض الآيات.
ومما يدل على أن الصحابة –رضي الله عنهم– لم يتلقوا بيان جميع ألفاظ القرآن، ما وقع بينهم من خلاف محقق في تفسير بعض الألفاظ القرآنية التي لها أكثر من دلالة لغوية، فحملها بعضهم على معنى، وحملها الآخرون على معنى آخر، مما يدل أنهم لم يتلقوا من النبي –صلى الله عليه وسلم– بيان هذه اللفظة، ومن أشهر الأمثلة في ذلك اختلافهم في معنى القرء، فمنهم من فسره بالحيض ومنهم من فسره بالطهر، وكلاهما معتمد في اللغة، فلو كان عندهم –رضي الله عنهم– خبر عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– في تفسير هذه اللفظة لنقلوه، ولما لم يكن عندهم، اجتهدوا في بيان المراد معتمدين في ذلك على لغتهم.
انتهى الكلام عن هذه المسألة باختصار، وإنما أوردناها هنا مع ما يظن أنه نوع من الاستطراد ليتبين أن النبي –صلى الله عليه وسلم– أبان عن تفسير كثير من القرآن بغير قوله المباشر –صلى الله عليه وسلم– بل بعموم سنته، والكلام هنا عن السيرة وهي كاشفة عن قول وفعل وترك واقرار النبي –صلى الله عليه وسلم– في حياته ودعوته وجهاده، والله أعلم.
السبب الثاني
* أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قدوة واقعية شاملة على وجه الكمال، وفي السيرة بيان ذلك.
قال الله – تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا )، قال ابن جُزَي – رحمه الله: أي قدوة تقتدون به – صلى الله عليه وسلم – في اليقين والصبر وسائر الفضائل.
أما كون النبي – صلى الله عليه وسلم – قدوة واقعية و بيان السيرة لذلك، فقد قال مصطفى السباعي – رحمه الله: إن سيرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم –تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تُضْف عليه الألوهية قليلاً ولا كثيرًا، وإذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيون عن سيرة عيسى –عليه السلام– وما يرويه البوذيون عن بوذا، والوثنيون عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليًا بين سيرته –عليه السلام - وسيرة هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي لاتباعهم، فادعاء الألوهية لعيسى–عليه السلام –ولبوذا جعلهما أبعد منالا من أن يكونا قدوة نموذجية للإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية، بينما ظل وسيظل محمد –صلى الله عليه وسلم –المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيدًا كريمًا في نفسه وأسرته وبيئته، ومن هنا يقول الله– تعالى في كتابه الكريم: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ).أ.هـــ
قال سيد قطب – رحمه الله: وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر. واحد من البشر يحس إحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم.. ومن ثَــمَّ يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بعون من الله وعون منه على وعثاء الطريق.
وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة الممكنة التقليد، لأنه بشر منهم، يتسامى بهم رويدًا رويدًا؛ ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم؛ فيكون هو بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم. وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ينقلونها سطرًا سطرًا، ويحققونها معنىً معننىً، وهم يرونها بينهم، فتهفو نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان، ولو كان ملكًا ما فكروا في عمله ولا حاولوا أن يقلدوه؛ لأنهم منذ البدء يشعرون أن طبيعته غير طبيعتهم، فلا جرم يكون سلوكه غير سلوكهم على غير أمل في محاكاته، ولا شوق إلى تحقيق صورته.
وأما بيان السيرة لكون النبي – صلى الله عليه وسلم – قدوه شاملة على وجه الكمال، فقد قال مصطفى السباعي – رحمه الله: إن سيرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم –شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهي تحكي لنا سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة، كما تحكي لنا سيرة رسول الله الداعية إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته، كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح، كما تحكي لنا سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة، وحسن المعاملة، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد، كما تحكي لنا سيرة الرسول المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم، ومن نفسه إلى نفوسهم، مما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها. كما تحكي لنا سيرة الرسول الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة، ويفي بالتزاماتها وآدابها، مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم، وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع، والقائد المنتصر، والسياسي الناجح، والجار الأمين، والمعاهد الصادق.
وقصارى القول: 
إن سيرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم –شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد ، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مربي، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا..
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريبا منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، فموسى يمثل زعيم الأمة الذي أنقذ أمته من العبودية، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها، ولكننا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين، أو المربين أو السياسيين، أو رؤساء الدول أو الآباء، أو الأزواج مثلاً، وعيسى –عليه السلام –يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالاً، ولا دارًا، ولا متاعًا، ولكنه في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيين، لا يمثل القائد المحارب، ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج -لأنه لم يتزوج- ولا المشرع، ولا غير ذلك مما تمثله سيرة محمد –صلى الله عليه وسلم. 
وقل مثل ذلك في بوذا، وكونفوشيوس، وأرسطو، وأفلاطون، ونابليون، وغيرهم من عظماء التاريخ، فإنهم لا يصلحون للقدوة –إن صلحوا– إلا لناحية واحدة من نواحي الحياة برزوا فيها واشتهروا بها، والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد –صلى الله عليه وسلم.أ.هــــ.
ولذلك قال محمد على الصلابي – وفقه الله – مبينًا هذا الأمر: 
... كما أن السيرة النبوية توضح للمسلم حياة الرسول –صلى الله عليه وسلم–بدقائقها وتفاصيلها منذ ولادته، وحتى موته، مرورًا بطفولته وشبابه، ودعوته وجهاده وصبره، وانتصاره على عدوه، وتظهر بوضوح أنه كان زوجًا وأبًا وقائدًا ومحاربًا، وحاكمًا، وسياسيًا، وداعية وزاهدًا وقاضيًا، وعلى هذا فكل مسلم يجد بغيته فيها، فالداعية يجد له في سيرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم– أساليب الدعوة، ومراحلها المتسلسلة، ويتعرف على الوسائل المناسبة لكل مرحلة من مراحلها، فيستفيد منها في اتصاله بالناس ودعوتهم للإسلام، ويستشعر الجهد العظيم الذي بذله رسول الله –صلى الله عليه وسلم –من أجل إعلاء كلمة الله، وكيفية التصرف أمام العوائق والعقبات والصعوبات، وما هو الموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن.
ويجد المربي في سيرته –صلى الله عليه وسلم –دروسًا نبوية في التربية، والتأثير على الناس بشكل عام, وعلى أصحابه الذين رباهم على يده وكلأهم بعنايته، فأخرج منهم جيلاً قرآنيًا فريدًا، وكوَّن منهم أمة هي خير أمة أخرجت للناس, تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وأقام بهم دولة نشرت العدل في مشارق الأرض ومغاربها.
ويجد القائد المحارب في سيرته –صلى الله عليه وسلم –نظامًا محكمًا، ومنهجًا دقيقًا في فنون قيادة الجيوش والقبائل والشعوب والأمة، فيجد نماذج في التخطيط واضحة، ودقة في التنفيذ بينة, وحرصًا على تجسيد مبادئ العدل وإقامة قواعد الشورى بين الجند والأمراء والراعي والرعية.
ويتعلم منها السياسي كيف كان –صلى الله عليه وسلم– يتعامل مع أشد خصومه السياسيين المنحرفين، كرئيس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سَـلول الذي أظهر الإسلام، وأبطن الكفر والبغض لرسول الله –صلى الله عليه وسلم–وكيف كان يحيك المؤامرات وينشر الإشاعات التي تسيء إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم –لإضعافه وتنفير الناس منه، وكيف عامله رسول الله –صلى الله عليه وسلم–وصبر عليه، وعلى حقده, حتى ظهرت حقيقته للناس فنبذوه جميعًا حتى أقرب الناس له، وكرهوه والتفوا حول قيادة النبي –صلى الله عليه وسلم.
ويجد العلماء فيها ما يعينهم على فهم كتاب الله –تعالى– لأنها هي المفسرة للقرآن الكريم في الجانب العملي، ففيها أسباب النزول وتفسير لكثير من الآيات، فتعينهم على فهمها, والاستنباط منها, ومعايشة أحداثها، فيستخرجون أحكامها الشرعية، وأصول السياسة الشرعية، ويحصلون منها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، وبها يدركون الناسخ والمنسوخ، وغيرها من العلوم، وبذلك يتذوقون روح الإسلام ومقاصده السامية.
ويجد فيها الزهاد معاني الزهد، وحقيقته ومقصده.
ويستقي منها التجار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها.
ويتعلم منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات، فتقوى عزائمهم على السير في طريق دعوة الإسلام، وتعظم ثقتهم بالله –عز وجل– ويوقنون أن العاقبة للمتقين.
وتتعلم منها الأمة الآداب الرفيعة، والأخلاق الحميدة، والعقائد السليمة، والعبادة الصحيحة، وسمو الروح، وطهارة القلب، وحب الجهاد في سبيل الله, وطلب الشهادة في سبيله؛ ولهذا قال علي بن الحسين– رحمه الله: كنا نُعلَّم مغازي النبي –صلى الله عليه وسلم –كما نُعلَّم السورة من القرآن، وقال الواقدي: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا، وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا مغازيرسول الله–صلى الله عليه وسلم –يعدها علينا ويقول هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.أ.هـــ 
وبعد كل ما سبق ذكره نجد كثيرًا من المسلمين يرغبون عن هذه القدوة وعن هذا الهدي النبوي، إما جهلاً، لكون كثير منهم ما علموا من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا قشورا أو لم يعلموا منها شيئـًا بل تربوا على المناهج الغربية التي تعظم من أمر الدنيا جدًا وتضع من أمر الدين خاصة الإسلام، وإما افتتانًا بالكافرين وما سُخر لهم فى هذا الزمان، وافتتانـًا بمناهجهم ومذاهبهم. 
والغريب أنه ليس عند هؤلاء الكفار من القدوات ولا التاريخ مثل ما للمسلمين، فضلاً أن يكون عندهم عن أنبيائهم أو عظمائهم المتقدمين منهم أوالمتأخرين مثل ما عند المسلمين عن نبيهم – صلى الله عليه وسلم – ثم هم يعظمون كبراءهم ومعظموهم ويفتخرون بهم على الدنيا، ويعكفون على دراسة ما نقل من حياتهم – مع ما في قصص حياة الكثير منهم من الخزي والعار الذي يخفونه ويبدون ما يجدون فيها من قدوة يرتضونها – وأقوالهم ويبنون على ذلك علومًا في الاجتماع والخطابة وغير ذلك، وكثير من كتب ما يسمى بالتنمية البشرية يدور على أقوالهم، وعلى أقوال أقوام لا خلاق لهم من الغرب أو من الشرق، تجدهم يقولون قال كونفوشيوس، وصنع نابليون، وخطب لنكولن...إلخ. 
ثم يصدرون ذلك للعالم ويستورده حتى المسلمون. ونحن عندنا هذا الهدى والنور ثم ننسى ما عندنا، وهو خير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم، وقد روى البخاري – رحمه الله – في كتاب الاعتصام من صحيحه عن أبي برزه – رضى الله عنه – قال: إن الله يُغنيكم – أو نَعَشَكم – بالإسلام و بمحمد – صلى الله عليه وسلم. قال البدر العيني – رحمه الله: قوله ( يغنيكم ) من الإغناء بالغين المعجمة والنون. قوله ( أو نعشكم ) بنون ثم عين مهملة وشين معجمة أي: رفعكم أو جبركم من الكسر أو أقامكم من العثر. 
قال الله تعالى: (يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا )، قال الطبري – رحمه الله: ( وسراجًا منيرًا ) يقول: وضياءً لخلقه، يستضئ بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده. ( منيرًا ) يقول: ضياءً ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمَره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته. أ.هــ
قال سيد قطب –رحمه الله: (وسراجًا منيرًا).. يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورًا هادئاً هادياً كالسراج المنير في الظلمات. 
وهكذا كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم– وما جاء به من النور. 
جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الانسان فيه، وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. 
في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض. 
وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابًا مباشرًا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب.أ.هـــ. 
ولكن المشكلة والعيب فينا –نحن المسلمين– كما قال محمد الغزالي –رحمه الله: 
إن المسلمين الآن يعرفون عن السيرة قشورًا خفيفة، لا تحرك القلوب ولا تستثير الهمم، وهم يعظمون النبي وصحابته عن تقليد موروث ومعرفة قليلة، ويكتفون من هذا التعظيم بإجلال اللسان، أو بما قلت مؤنته من العمل. 
ومعرفة السيرة على هذا النحو التافه تساوي الجهل بها. 
إنه من الظلم للحقيقة الكبيرة أن تتحول إلى أسطورة خارقة. 
ومن الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تعرض في أكفان الموتى، إن حياة محمج ليست –بالنسبة للمسلم– مسلاة شخص فارغ أو دراسة ناقد محايد، كلا كلا. 
إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها. 
فأي حيف في عرض هذه السيرة، وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه.أ.هـــ 
وقال أيضًا –رحمه الله: ومحمد ليس قصة تتلى في يوم ميلاده كما يفعل الناس الآن. 
ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التى قد تضم إلى ألفاظ الآذان ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون، ويتأوهون أو لا يتأوهون! 
فرباط المسلم برسوله الكريم أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابيير–في الإبانة عن تعلقهم بنبيهم– إلا يوم تركوا اللباب الملئ وأعياهم حمله، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال. 
ولما كانت هذه المظاهر والأشكال محدودة في الإسلام، فقد افتنوُّا في اختلاق صور أخرى! ولا عليهم!  
فهي لن تكلفهم جهداً ينكصون عنه، إن الجهد الذي يتطلب العزمات هو في الاستمساك باللباب المهجور، والعودة إلى جوهر الدين ذاته فبدلا من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم نفسه وإصلاح شأنه حتى يكون قريباً من سنن محمد –صلى الله عليه وسلم– في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه، وعلمه وعمله، وعاداته وعباداته...أ.هـــ 


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا ندرس السيرة؟!   19/08/13, 12:37 am

السبب الثالث:

* أن السيرة دليل على صدق رسالة النبي –صلى الله عليه وسلم– ونبوته.
روى الإمام البخاري –رحمه الله– كتاب بدء الوحي من صحيحه عن عبد الله بن عباس–رضي الله عنهما- أن أبا سفيان بن حرب أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشأم، في المدة التي كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم– مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسباً، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. 
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها–قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة– قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يأتَسِي بقول قيل قبلَه، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن لِيَذَرَ الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت: أنَّضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون، فذكرت: أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتد أحدٌ سخطة لدينه بعد أن يَدخل فيه، فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين تُخالِطُ بَشَاشَتَهُ القلوبَ، وسألتك: هل يَغدِرُ، فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم، فذكرت: أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً، فَسَيَمْلِكُ موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلُصُ إليه، لتجشَّمت لِقـاءَه، ولو كنت عنده لَغَسَلتُ عن قَدَمِهِ... إلخ الحديث, أخرجه في مواضع من الصحيح، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير من صحيحه.
فانظر وتأمل في استدلالات هرقل، وكيف توصل إلى صدق النبي – صلى الله عليه وسلم – وأقر بذلك بل وسعى في الإسلام – ثم تركه خوفًا من قومه وشحًا بملكه – انظر وتأمل كيف استدل بأحوال النبي – صلى الله عليه وسلم – وسيرته على صدق النبي – صلى الله عليه وسلم - وصحة نبوته ورسالته.
ثم إنه من ظنَّ أن الله – عز وجل – قد علم ورأى وسمع، إنسانًا يزعم أنه نبي مرسل من قِبَلِه، وتنتشر دعوته، ثم يستبيح دماء وأعراض وأموال من خالفه، بالجهاد والسبي والأسر، ويفعل ذلك ناسبًا لله – عز وجل – ذلك، ثم الله – عز وجل – يؤيده وينصره ويمكن له، ويظهره على من ناوأه وعاداه، فقد ظن بالله ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وظن بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلاهية .
كيف وقد قال الله – تعالى: ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين )، قال الطبري – رحمه الله: وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. أ.هــ. 
وقال الزمخشري – رحمه الله: والمعنى: ولو ادعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معالجة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول: وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته. 
وخص اليمين عن اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف – وهو اشد على المصبور لنظره إلى السيف – أخذ بيمينه.أ.هــ
وقال – تعالى: ( وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله * قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآى نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون * فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ).
قال ابن تيمية – رحمه الله: 
وأما من يكذب على الله، ويقول – أي يدعي – أنه نبي: 
فلو أيده الله تاييد الصادق، للزم أن يسوي بينه وبين الصادق. 
فيستوى الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار. 
ويرتفع التمييز بين هذا وهذا. 
وهذا مما يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم. 
ولهذا أمر النبي –صلى الله عليه وسلم: بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج. 
وأمر بالصبر على جور الأئمة. 
ونهى عن قتالهم والخروج عليهم. 
ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة. 
وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم. 
بل لابد أن يهلكهم. 
لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة. 
قال – تعالى: ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ). 
وقال – تعالى: ( أم يقولون افترى على الله كذبًا فإن يشأِ الله يختم على قلبك ) فأخبر: أنه – بتقدير الافتراء – لابد أن يعاقب من افترى عليه.أ.هــ 
قال ابن كثير - رحمه الله – في البداية والنهاية: 
كتاب دلائل النبوة، وهي معنوية وحسية فمن المعنوية إنزال القرآن العظيم عليه – ثم تكلم عن القرآن العظيم بكلام طويل – ثم قال: ومن الدلائل المعنوية أخلاقه –عليه الصلاة والسلام –الطاهرة، وخَلقُه الكامل، وشجاعته، وحلمه، وكرمه، وزهده، وقَناعتُه، وإيثاره، وجميل صُحبته، وصدقُه، وأمانتُه، وتَـقواه، وعبادتُه، وكريمُ أصلِه، وطِيبُ مولدِه ومَنشَئِه ومُرَبَّـاه، كما قدَّمناه مَبسوطًا في مَواضعِه، وما أحسنَ ما ذكره شيخُـنا العلامة أبو العباس بنُ تَيميَّة –رحمه الله- في كتابه الذي ردَّ فيه على فِرَق النصارى واليهود ومن أشبَهَهم منأهل الكتاب وغيرهم، فإنه ذكر في آخرِه دلائل النبوة، وسلك فيها مسَالك حسنةً صحيحةً منتخبة، بكلام بليغٍ يَخضَع له كل من تأمَّله وفهِمه. 
قال في أواخر هذا الكتابِ المذكور: 
فصل: وسيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وأخلاقُه وأقواله وأفعاله من آياتِه -أي من دلائل نبوته– قال: وشَريعته من آياته، وأمَّتُه من آياته، وعِلم أمَّته من آياته، ودينهم من آياته، وكَرامات صالحي أمَّته من آياته، وذلك يظهر بتدبُّر سيرته من حين ولد إلى أن بُعث، ومن حين بُعث إلى أن مات، وتَدبُّر نسَبِه وبلدِه وأصلِه وفصْلِه، فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسَبًا، من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوَّة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبيُّ إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين، إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا، وبشَّر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشَّرت به النُّبواتُ غيره، ودَعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يَبْعَثَ فيهم رسولاً منهم، ثم الرسول –صلى الله عليه وسلم- من قريشٍ صِفوة إبراهيم، ثم من بني هاشم صِفوة قريش، ومن مكة أُمِّ القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجِّه، ولم يزل مَحْجوجًا من عهد إبراهيمَ، مذْكورًا في كتب الأنبياء بأحسن وصف. 
وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم– من أكمل الناس تربيةً ونشأةً، لم يزل معروفًا بالصدق، والبرِّ، ومَكارمِ الأخلاق، والعدل، وترك الفَواحش والظلم وكل وصفٍ مذمومٍ، مشهودًا له بذلك عند جميع من يَعْرِفه قبل النبوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة، ولا يعرف له شيءٌ يُعابُ به، لا في أقواله ولا في أفعالِه، ولا في أخلاقِه، ولا جَرَت عليه كذبةٌ قطُ، ولا ظلمٌ، ولا فاحشةٌ. 
وكان - صلى الله عليه وسلم – خَلْقُـه وصورتُه من أحسن الصوَر وأتمِّها وأجمعها للمحاسن الدالَّة على كماله، وكان أميَّـا من قوم أميين لا يَعرِفُلا هو ولا هم ما يَعرِفُه أهلُ الكتابِ،  [من] التوراة والإنجيلِ، ولم يقرأ شيئًـا من علوم الناس، ولا جالَس أهلَها، ولم يدَّع نبوةً إلى أن أكمل الله له أربعين سنةً، فأتى بأمرٍ هو أعجبُ الأمورِ وأعظمُها، وبكلام لم يسْمَع الأولون والآخِرون بنظيرِه، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرِف مثلَه. 
ثم اتبعه أتباع الأنبياء وهم ضعفاء الناس، وكَذَبَه أهلُ الرياسة وعادَوه، وسَعَوا في هَلاكِه وهَلاكِ مَن اتبعه بكلِّ طَريقٍ، كما كان الكفارُ يفعلون بالأنبياء وأتباعِهم، والذين اتَّبعوه لم يتَّبعوه لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، فإنه لم يكن عنده مالٌ يُعطيهم ولا جِهات يُوَلِّيهم إياها، ولا كان له سيفٌ، بل كان السيف والمال والجاه مع أعدائِه، وقد آذوا أتباعَه بأنواع الأذى وهم صابرون مُحتَسبون لا يرتَدُّون عن دينهم، لِما خالط قلوبَهم من حلاوة الايمان والمعرفة.
وكانت مكة يحُجُّها العرب من عهد إبراهيم –عليه السلام- فيجْتَمِع في الموسم قبائلُ العرب فيَخرُج إليهم يُبَلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابرًا على ما يَلقاه من تَكْذِيب المُكّذب، وجَفاءِ الجَافي، وإعراض المُعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب، وكانوا جيران اليهود، وقد سمعوا أخباره منهم وعرَفوه، فلما دَعاهم عَلِموا أنه النبي المنتظر الذي يُخبِرُهم به اليهود، وكانوا قد سمِعوا من أخباره أيضًا ما عرَفوا به مكانتَه، فإنَّ أمرَه كان قد انتشر وظهَر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه، فهاجر هو ومن اتَّبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار، ليس فيهم من آمن برغبةٍ دُنيويةٍ ولا برَهبةٍ إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حَسُن إسلامُ بعضِهم. 
ثم أُذن له في الجهادِ، ثم أُمر به، ولم يزل قائمًا بأمر الله على أكمل طريقةٍ وأتمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يُحفَظ له كَذبةٌ واحدةٌ ولا ظلمٌ لأحدٍ، ولا غَدرٌ بأحدٍ، بل كان أصدق الناس وأعدَلَهم وأوفاهم بالعهد مع اختلافِ الأحوالِ عليه؛ من حربٍ وسلمٍ، وأمنٍ وخوفٍ، وغنًى وفقرٍ، وقدرةٍ وعجزٍ، وتمكُّنٍ وضعفٍ، وقلةٍ وكثرةٍ، وظهورٍ على العدو تارةً وظهورِ العدوِّ تارةٌ. 
وهو على ذلك كلِّه لازمٌ لأكمل الطرق وأتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءةً من عبادةِ الأوثان، ومِن أخبار الكُهَّان، وطاعةِ المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدماء المُحَرَّمة، وقَطِيعةِ الأرحام، لا يَعْرِفون آخرةً ولا مَعادًا، فصاروا أعْلَمَ أهل الأرض وأدْيَنَهم وأعْدلَهم وأفْضَلهم، حتى إن النصارى لما رَأَوْهم حينَ قدِموا الشامَ قالوا: ما كان الذين صحِبوا المسيحِبأفضل من هؤلاء.وهذه آثارُ عِلْمِهم وعَمَلِهم في الأرض وآثارُ غيرِهم، يَعرِفُ العُقلاءُ فَرقَ ما بين الأمرين.
وهو –صلى الله عليه وسلم –مع ظهورأمره وطاعة الخلق له، وتقديمهم له على الأنفس والأموال، مات ولم يَخْلُف درهمًا ولا دينارًا، ولا شاةً ولا بعيرًا، إلا بغلتَه وسلاحَه، ودِرْعَه مرهونةً عند يهودي على ثلاثين وَسقًا من شعير ابتاعها لأهله، وكان بيده عَقارٌ يُنفِقُ منه على أهله، والباقي يَصرِفه في مَصالحِ المسلمين، فحَكَمَ بأنه لا يُورَثُ ولا يأخُذُ ورثته شيئًا من ذلك. وهو في كل وقتٍ يُظهِر من عجائب الآيات وفُنونِ الكرامات ما يطول وصفُه، ويُخبِرُهم بما كان وما يكون، ويأمُرُهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطيبات ويُحًّرِم عليهم الخبائث، ويَشْرَعُ الشريعةَ شيئًا بعد شيءٍ، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعةٍ، لم يَبقَ معروفٌ تَعرِفُ العُقول أنه معروفٌإلا أمر به، ولا منكرٌ تعرف العقول أنه منكرٌ إلا نهى عنه، ولميأمُر بشيءٍ فقيل: ليتَه لم يأْمُر به. ولا نهى عن شيءٍ فقيل: ليتَه لم ينْهَ عنه. 
وأحل لهم الطيبات لم يُحَرِّم شيئًا منها كما حُرِّم في شرع غيره، وحرَّم الخبائث لم يُحِّل منها شيئًا كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يُذكر في التوراة والانجيل والزَّبور نوعٌ من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجهٍ، وأخْبَر بأشياءَ ليست في الكتبِ،فليس في الكتب إيجابٌ لعدل، وقضاءٌ بفصلٍ، وندبٌ إلى الفضائلِ، وترغيبٌ في الحسناتِ، إلا وقد جاء به وبما هو أحسنُ منه، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيرِه من الأمم ظهَر [له] فضلها ورُجحانُها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع.
وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، وإذا قِيس علمُهم بعلمِ سائرِ الأممِ ظهر فضلُ علمِهم، وإن قِيس دينُهم وعبادتُهم وطاعتُهم لله بغيرهم ظهَر أنهم أديَنُ من غيرهم، وإذا قِيس شجاعتُهم وجهادُهم في سبيلِ الله وصبُرهم على المكارِه في ذاتِ الله ظهَر أنهم أعظمُ جهادًا وأشجعُ قلوبَا، وإذا قيس سخاؤهم وبَذْلُهم وسماحة أنفسهِم بغيرهم ظهر أنهم أسْخَى وأكرمُ من غيرهم. وهذه الفضائلُ به نالوها، ومنه تعَلَّموها، وهو الذي أمَرهم بها، لم يكونوا قبلَه مُتَّبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح – عليه السلام –بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائلُ أتباع المسيح وعُلومُهم بعضُها من التوراة، وبعضها من الزَّبور، وبعضها من النُّبوَّات، وبعضُها من المسيح، وبعضها ممن بعدَه كالحواريين ومن بعد الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا –لمَّا غيروا دين المسيح –في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح.
وأما أمة محمد –صلى الله عليه وسلم– فلم يكونوا قبله يقرءون كتابًا، بل عامَّتُهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزَّبور إلا من جهته، وهو الذي أمَرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويُقِرُّوا بجميع الكتب المُنَزَّلة من عند الله، ونهاهم عن أن يُفَرقوا بين أحد من الرسل، فقال –تعالى– في الكتاب الذي جاء به: ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم )، وقال –تعالى: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير * لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )الآية.
وأمته –عليه الصلاة والسلام- لا يستحلون أن يأخذوا شيئًا من الدين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يَشْرَعون من الدين ما لم يأذن به الله، لكن ماقصه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به، وماحدَّثهم به أهلُ الكتاب مُوافقًا لِما عندهم صدَّقوه، ومالم يعلموا صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا أنه باطل كذَّبوه، ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أوغيرهم، كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع، وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم– والتابعون، وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعةُ المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذمومًا مَدحورًا عند الجماعة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهم الظاهرون إلى قيام الساعة، الذين قال فيهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ).
وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عمومًا، ودين محمد –صلى الله عليه وسلم– خصوصًا، ومن خالف في هذا الأصل كان عندَهم مُلحدا مَذمومًا، ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابرُ علمائِهم وعُبَّادِهم، وقاتل عليه ملوكهم، ودان به جمهورهم، وهو دين مُبتَدَع ليس هو دينَ المسيح ولا دين غيرِه من الأنبياءِ، واللهُ سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع والعمل الصالح، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصَّر في اتباع الأنبياء عِلما وعَملا، ولما بعَث الله محمدًا –صلى الله عليه وسلم– بالهدى ودين الحقِّ، تلقَّى ذلك عنه المسلمونأمته، فكل علمٍ نافعٍ وعملٍ صالحٍ عليه أُمةُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم - أخذوه عن نبيهم، مع ما يَظهَر لكلِّ عاقلٍ أن أُمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلميَّة والعمَليَّة، ومعلومٌ أن كل كمال في الفرع المتعلِّم هو في الأصل المُعَّلِم، وهذا يقتضي أنه –عليه الصلاة والسلام– كان أكمل الناس علما ودينًا، وهذه الأمور تُوجِب العلمَ الضروريَّ بأنه كان صادقا في قوله: ( إني رسول الله إليكم جميعًا )، لم يكن كاذبًا مفتريًا، فإن هذا القول لا يقوله إلا مَن هو مِن خيار الناس وأكملِهم إن كان صادقًا، أو مَن هو مِن أشرِّ الناس وأخبثهم إن كان كاذبًا، وما ذُكر من كمال علمه ودينة يُناقِضُ الشرَّ والخُبثَ والجهلَ، فتعَيَّن أنه مُتَّصِفٌ بغاية الكمال في العلم والدين، وهذا يستلزِمُ أنه كان صادقًا في قوله: ( إنى رسول الله إليكم جميعًا )، لأن الذي لم يكن صادقًا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئًا، والأول يُوجب أنه كان ظالمًا غاويًا، والثاني يقتضي أنه كان جاهلاً ضالاً، ومحمدٌ –صلى الله عليه وسلم - كمالُ علمِه ينافي جهلَه، وكمالُ دينِه ينافي تعمُّد الكذب، فالعلم بصفاتِه يستلزِمُ العلمَ بأنه لم يكنْ مُتَعَمِّدًا للكذب، ولم يكن جاهلاً يَكذِبُ بلا علم، وإذا انْتَفَى هذا وذاك تعيَّن أنه كان صادقًا عالمًا بأنه صادقٌ، ولهذا نزَّهه الله عن هذين الأمرين بقوله– تعالى:( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )، وقال –تعالى عن المَلَكِ الذي جاء به: ( إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين ) ثم قال عنه: ( وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين ) أي؛ بمتهم أو بخيل كالذي لا يُعَلِّم إلا بجُعلٍ، أو لمن يُكرمه ( وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين )، وقال –تعالى: ( وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ) إلى قوله: ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون )، بين –سبحانه - أن الشيطان إنما ينزل على من يُناسِبُه ليُحَصِّلَ به غرضَه، فان الشيطان يقصِدُ الشرَّ، وهو الكذبُ والفجورُ، ولا يقصِدُ الصدقَ والعدلَ، فلا يقْتَرِنُ إلا بمن فيه كذبٌ - إما عمدًا وإما خطأً– وفجورٌ أيضًا، فإن الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضًا، كما قال ابن مسعود لما سُئل عن مسألة: أقول فيها برأيٍ، فإن يكن صوابًا فمِن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئانِ منه . 
فالرسول بريءٌ من تَـنَـزُّل الشيطان عليه في العَمْدِ والخطأِ بخلاف غيرِ الرسولِ فإنه قد يُخطئ، ويكون خطؤُه من الشيطان وإن كان خطؤُه مغفورًا له، فإذا لم يُعرَف له خبرٌ أخبَر به كان فيه مُخطِئًا، ولا أمرٌ أمرَبه كان فيه فاجرًا، عُلم أن الشيطانَ لم ينزِلْ عليه وإنما يَنْزِلُ عليه مَلَكٌ كَريمٌ، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي – صلى الله عليه وسلم :(إنه لقولُ رسولٍ كريمٍ* وما هو بقول شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول كاهنٍ قليلاً ما تَذَكَّرون * تنزيلٌ من رب العالمين ) انتهى ما ذكره– رحمه الله – وهذا عين ما أورده بحروفه .
وقال مصطفى السباعي – رحمه الله: 
إن سيرة –محمد صلى الله عليه وسلم – وحدها تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر، لا عن طريق الخوارق والمعجزات، بل عن طريق طبيعي بحت، فلقد دعا فأوذي، وبلغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيما، موفقاً في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان، لا عن طريق القهر والغلبة، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة حتى تدبير اغتياله، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث وعشرون سنة، أيقن أن محمدًا رسول الله حقًا، وأن ما كان يمنحه الله من قوة وثبات وتأثير ونصر ليس إلا لأنه نبي حقًا، وما كان لله أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ، فسيرة رسولالله –صلى الله عليه وسلم– تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحت، وما وقع له –صلىالله عليه وسلم– من المعجزات لم يكن الأساس الأول في إيمان العرب بدعوته، بل إنا لا نجد له معجزه آمن معها الكفار المعاندون، على أن المعجزات المادية تكون حجة على من شاهدها، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي –صلى الله عليه وسلم–ولم يشاهدوا معجزاته، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة العقلية القاطعة على دعواه النبوة، ومن هذه الأدلة العقلية: القرآن الكريم، فإنه معجزة عقلية، تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق محمد –صلى الله عليه وسلم –في دعوى الرسالة.
وهذا يختلف تمامًا عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لِما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق، دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها، وأوضح مثل لذلك السيد المسيح –عليه السلام–فإن الله حكى لنا في القرآن الكريم أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي المرضى، ويحيي الموتى، وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، كل ذلك بإذن الله –جل شأنه– والأناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سببا في إيمان الجماهير دفعة واحدة به، لا على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم، بل على أنه إله وابن إله–حاشا لله من ذلك– والمسيحية بعد المسيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات – وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك – حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات والخوارق، لا على الإقناع العقلي، ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم– أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته لمعجزة خارقة، بل عن اقتناع عقلي وجداني، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة، فما ذلك إلا إكرام له –صلى الله عليه وسلم –وإفحام لمعانديه المكابرين ومن تتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقلية، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليلاً على صدق رسالته –صلى الله عليه وسلم– يقول الله –تعالى– في سورة العنكبوت: ( وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )، ولما اشتط كفار قريش في طلب المعجزات من رسول الله –صلى الله عليه وسلم –كما كانت تفعل الأمم الماضية، أمره الله أن يجيبهم بقوله:( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ). 
استمع إلى ذلك في قوله –تعالى –في سورة الإسراء:( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ). 
هكذا يقرر القرآن بصراحة ووضوح أن محمدًا –صلى الله عليه وسلم –إنسان رسول، وأنه لا يعتمد في دعوى الرسالة على الخوارق والمعجزات، وإنما يخاطب العقول والقلوب: ( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ).أ.هـــ 
السبب الرابع
* تحقيق فرض الإيمان بمحبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – أكثر من النفس والمال والولد. 
قال الله – تعالى قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ).
قال القاضي عياض – رحمه الله تعالى – في الشفا: فكفى بهذا حضَّا وتنبيهاً ودلالةً وحجةً على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعِظَمِ خَطَرِها، واستحقاقه لها – صلى الله عليه وسلم – إذ قرَّع – تعالى – من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله – تعالى فتربصوا حتى يأتي الله بأمره )، ثم فسَّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضَلَّ ولم يَهدِه الله. 
وعن أبي هريرة – رضى الله عنه: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده).
وعن أنس – رضى الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )، رواهما البخاري – رحمه الله – في كتاب الإيمان من صحيحه: باب حبُّ الرسول – صلى الله عليه وسلم - من الإيمان، وروى مسلم حديث أنس.
وعن عبد الله بن هشام – رضي الله عنه – قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك ). فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر )، رواه البخاري.
وعن أنس – رضى الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم  - قال ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )، رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: إن أشدَّ أمتي لي حبًا، قوم يكونون أو يجيئون بعدي، يودُّ أحدهم أنه أَعطَى أهله وماله وأنه رآني. رواه الإمام أحمد في المسند. وهو حسن لغيره .
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال:( وماذا أعددت لها؟ )، قال: لا، إلا أني أحب الله ورسوله، قال:( فإنك من أحببت ). قال أنس: فما فرحنا بشيء بعد الإسلام، فَرَحَنا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم إنك مع من أحببت )، قال: فأنا أحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبا بكر وعمر، وأنا أرجو أن أكون معهم لحبي إياهم، وإن كنت لا أعمل بعملهم. رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
وقال أبو ذر – رضي الله عنه – قلت: يا رسول الله، الرجل يحب القوم لا يستطيع أن يعمل بأعمالهم؟ قال:( أنت يا أبا ذر مع من أحببت )، قال: قلت: فإني أحب الله ورسوله. يعيدها مرة أو مرتين. رواه الإمام أحمد.
قال ابن رجب – رحمه الله: وأما محبة الرسول: فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به؛ وينشأ ذلك من معرفة مُرسله وعظمته – كما سبق؛ فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله، كما قال – تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
ومحبة الرسول على درجتين – أيضًا:
إحداهما: فرض؛ وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضى بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجًا مما جاء به ويسلم له تسليمًا، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئًا من الخير إلا مما جاء به.
الدرجة الثانية: فضلٌ مندوبٌ إليه، وهي: ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه، وفي أخلاقه الباطنه من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائمًا وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر.
وفي الجملة كان خلقه – صلى الله عليه وسلم – القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولاً وعملاً وحالاً وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم: أبو بكر – خليفته من بعده – وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال – صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم )، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم، قال إي واللذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ).أ.هـــ. 
قال القاضي عياض – رحمه الله: وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه، كحب الصور الجميلة، والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللذيذة، وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليه لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة  شريفه؛ كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف، والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة؛ فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم، والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، وهتك الحرم واخترام النفوس؛ أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه؛ فقد جبلت  النفوس على حب من أحسن إليها.
فإذا تقرر هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه – صلى الله عليه وسلم – فعلمت أنه – صلى الله عليه وسلم – جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة:
أما جمال الصورة  والظاهر، وكمال الأخلاق والباطن، فقد قررنا منها قبل فيما مر في الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة.
وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله – تعالى – له من رأفته بهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ويتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
فأي إحسان أجل قدرًأ، وأعظم خطرًا  من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟ وأي إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؛ إذ كان ذريعتهم  إلى الهداية، ومنقذهم من العماية ، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم، والشاهد لهم، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد .
فقد استبان لك أنه – صلى الله عليه وسلم – مستوجب للمحبة الحقيقية شرعًا بما قدمناه من صحيح الآثار ، وعادةً وجبلةً  بما ذكرناه آنفًا، لإفاضته الإحسان، وعمومه الإجمال ؛ فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا، أو استنقذه من هلكة أو مضرةٍ – مده التأذي بها قليل منقطع -  فمن منحه ما لا يبيد  من النعيم، ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب.
وإذا كان يُحبُّ بالطبع ملك لحسن سيرته، أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته ، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته ، فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب، وأولى بالميل.
وقد قال علي – رضى الله عنه – في صفته – صلى الله عليه وسلم: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه.
وذكرنا عن بعض الصحابه أن كان لا يصرف بصره عنه محبة فيه.أ.هـــ 
وما ذكر من البواعث على محبته – صلى الله عليه وسلم – يعرف من دراسة سيرته – صلى الله عليه وسلم – فبان هذا السبب والحمد لله.
السبب الخامس:
* معرفة الأسباب المانعة من قبول الحق واتباعه.
فربما سأل سائل أو خطر على فكر متفكر هذا السؤال: هل ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – من الهدي والحق، غير مقنع؟ وإذا كان مقنعًا، بل وقامت الأدلة المتضافرة على أن ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – هو الحق، فلماذا لم يتبعه طوائف ممن عاصره، لماذا كفر به من كفر؟، بل لم يكتف بالكفر فبذل دمه وماله في سبيل الصد عن سبيل الله، ومنهم من قتل فعلا على الكفر، ولماذا نافق من نافق؟ ولماذا قاتلته العرب كلها؟ ولماذا لم يؤمن به اليهود – إلا ما ندر – مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؟ بل خانوه أكثر من مره حتى قتل منهم من قتل واسترق منهم من استرق وأجلى منهم من أجلى؟ ولماذا لم يؤمن به من أرسل إليهم الرسائل من الملوك؟ لماذا لم يؤمن به كسرى؟ ولماذا لم يؤمن به هرقل وقد عرفه؟ لابد من وجود أسباب منعتهم من قبول هذا الحق – حتى أظهر الله دينه ونصر عبده – صلى الله عليه وسلم – وأعز جنده.
قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب هداية الحيارى :
والأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جداً فمنها:
• الجهل به ، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئاً عاداه وعادى أهله.
• فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من القبول أقوى.
• فإن انضاف إلى ذلك إلفُهُ وعادته ومَرْبَاه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قوي المانع.
• فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دُعِيَإليه يَحُول بينه وبين جاههِ وعزِّه وشهواتهوأغراضه قوي المانع من القبول جداً.
• فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه، كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم –ازداد المانع من قبول الحق قوة، فان هرقل عرف الحق وهَمَّ بالدخول في الإسلام فلم يُطَاوِعْه قومُه وخَافَهم على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبيَّن له الهدى.
• ومن أعظم هذه الاسباب: الحسد، فإنه داءٌ كامنٌ في النفس، ويرى الحاسدُ المحسودِ قد فُضِّل عليه، وأوتي ما لم يُؤت نَظيرُه فلا يَدَعُهُ الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه.وهل منع إبليسَ من السجود لآدم إلا الحسد؟! فإنه لما رآه قد فُضِّل عليه ورُفِع غَصَّ بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علماً لا شك فيه أنَّه رسول الله جاء بالبيِّنات والهدى، فحَمَلَهُمُ الحسد على أنِ اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقوا عليه، وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهاد والقضاة والملوك والأمراء.هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يات بشريعة تخالفها، ولم يقاتلهم، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّم عليهم تخفيفاً ورحمةً وإحساناً، وجاء مكمِّلاً لشريعة التوراة، ومع هذا فاختاروا كلُّهم الكفر على الإيمان، فكيف يكون حالهم مع نبيِّ جاء بشريعةٍ مستقلةٍ ناسخةٍ لجميع الشرائع، مُبَكِّتاً لهم بقبائحهم، ومنادياً على فضائحهم،ومخرجاً لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنْصَر عليهم ويَظفَر بهم، ويعلوهو وأصحابه، وهم معه دائماً في سَفَال. فكيف لا يملك الحسدُ والبغيقلوبَهم؟ وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى؟ وهذا السبب –وحده– كافٍ في ردِّ الحق؛ فكيف إذا انضاف اليه زوال الرياسات والمآكل كما تقدم؟!. أ.هــ
وقال – رحمه الله في نفس الكتاب : فلم يزل في الناس من يختار الباطل؛ فمنهم من يختاره جهلاً وتقليدًا لمن يُحسِن الظنَّ به، ومنهم من يختاره مع علمه ببطلانه كبرًا وعلوًا، ومنهم من يختاره طمعًا ورغبةً في مأكلٍأو جاهٍأو رياسةٍ، ومنهم من يختاره حَسَدًاوبَغيًا، ومنهم من يختاره محبةً في صورة وعِشقًا، ومنهم من يختاره خشيةً، ومنهم من يختاره راحةً ودعةً، فلم تنحصر أسباب اختيار الكفر في حب الرياسة والمأكلة.أ.هـــ
فما ذكره من الأسباب يتضح، وتتضح تطبيقاته، من دراسة السيرة، ومعرفة حال من كفر بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وناوأه.
وربما صعب تصور كون أحد هذه الأسباب مانعًا من الحق وصادًا عن الهداية، فيتبين من أحداث السيره وقوعه وأنه سبب حقيقي للخذلان واختيار الباطل، وأحيانًا يكون هذا السبب والامتناع من الحق ممن لم يُظَن امتناععه عن اتباع الحق من قبل، وهو يبين خطورة الأمراض القلبية الكامنه، مما يتطلب السعي في علاجها، حتى لا تخون المرء نفسه أحوج ما يكون إليها، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولكنه جعل لكل من الهداية والإضلال أسبابًا، والله المستعان.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا ندرس السيرة؟!   19/08/13, 12:49 am

السبب السادس:

* التعرف على الله – عز وجل – بأسمائه وصفاته.
وما أحاط به رسوله –صلى الله عليه وسلم– وصحابته –رضي الله عنهم– من عنايتة وبره وإحسانه وحفظه، وكيف دبر لرسوله –صلى الله عليه وسلم– ولصحابته أمرهم، وكيف لطف بهم، وكيف كاد لهم، وكيف نصرهم على عدوهم، وأظهرهم على من بغى عليهم، وكيف مكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأبدلهم بعد خوفهم أمنًا.
وكيف أنه من أول يوم بدأت فيه الدعوة، ومرورًا بجميع مراحلها السرية والجهرية، ومراحل الاستضعاف والتمكين، والله –عز وجل– يحوطهم ويرعاهم، ويوجهم، وينزل من القرآن ما يسدد به الخطى، ويصحح المسار.
فبذلك يتعرف العبد على ربه بأسمائه وصفاته، ويرى مقتضيات أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ويعلم سننه – سبحانه وتعالى – مع عباده وأعدائه.
فمن ذلك أن الله – سبحانه وتعالى – هو اللطيف، قال البغوي– رحمه الله: وحقيقة اللطيف الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق . 
وفي التفسير الموضوعي: (إن ربي لطيف لما يشآء) يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، ( إنه هو العليم الحكيم ) الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، حكيم في وضع الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها. 
ومن نظر في السيرة من أولها إلى آخرها رأي لطف الله –عز وجل– برسوله –صلى الله عليه وسلم– أصحابه –رضي الله عنهم– من بداية الدعوة إلى التمكين، فمن ذلك أمرهم بالهجرة وترك الأهل والأوطان، ومن ذلك تقدير غزوة بدر عليهم وتفويت العير عليهم ولقياهم النفير، ومن ذلك ما قدره في غزوة الأحزاب من إسلام نعيم بن مسعود الغطفاني –رضي الله عنه– في أحلك الظروف التي مرت بالمسلمين، وكيف أن إسلامه كان نصرًا للمسلمين بما أوقع بين قريش والأحزاب وبين بني قريظة وأفسد ذات بينهم، وكيف في صلح الحديبية قدر عليهم صلحًا رآه الصحابة –رضي الله عنهم–  كلهم ما عدا أبو بكر –رضي الله عنه– اعطاءًا للدنية في دينهم، ثم كان هذا الصلح فتحًا مبينًا حتى قال الزهري –رحمه الله: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام، وقال الشعبي –رحمه الله– في قوله : (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا)، قال: فتح الحديبية، غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس .
وروى الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه عن البراء – رضي الله عنه – قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع النبي –صلى الله عليه وسلم– أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم– فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
وكذلك قصة الإفك وقوله – تعالى: ( لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم )، قال سيد قطب – رحمه الله: خير. 
فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأهل بيته. 
وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. 
فهي عندئذ لا تقف عند حد. 
إنما تمضي صعدًا إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء.
وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة – بهذه المناسبة – عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم.
أما الآلام التي عاناها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأهل بيته، والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن التجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء!
أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة: ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ).
ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله. 
وبئس ما اكتسبوه، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى: ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم. 
وغير ذلك من المواقف والأحداث التي لطف الله بعباده بها وفيها.
وكذلك أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم والملك والبر والقوي والعزيز والحكيم والعليم وغيرها مما تجلت أثارها ومقتضياتها في السيرة كلها.
وكذلك صفات الله –عز وجل– من أنه فعال لما يريد، وما جاء في مثل قوله –تعالى: ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )، وقوله: ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )، ومن أنه ينصر من ينصره، وما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله عن عياض بن حمار المجاشعي– رضي الله عنه: وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب. 
وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائمًا ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا. فقلت: رب! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك. وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك...الحديث. 
وغير ذلك من صفاته العلى، كيف ظهرت آثارها ومقتضياتها في السيرة كلها.
فبذلك يعرف العبد ربه – سبحانه – ويخلص له العبودية، ويحبه حبًا عظيمًا، ويحمده – عز وجل – ويتوكل عليه وحده، ويحسن الظن بربه، ويرضى بقضائه، ويعلم أن قضاء الله كله خير، فله الحمد - سبحانه وتعالى – في الأولى والآخرة، وهو الحميد المجيد.
قال ابن الجوزي – رحمه الله: 
واعلم أن الحمد ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقًا، وهو: أن الحمد قد يقع ابتداءًا للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة... وقال ابن قتيبة: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أولاكه، وقد يوضع الحمد موضع الشكر. 
فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته.  
وقال ابن جزي – رحمه الله: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الشكر لا يكون إلا جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداءًا، كما أن الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب والجوارح. فإذا فهمت عموم الحمد علمت أن قولك : ( الحمد لله ) يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين ، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عده عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أول كتابه وآخر دعوى أهل الجنة .
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا ندرس السيرة؟!   19/08/13, 12:56 am

السبب السابع:

* معرفة ما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم – في سبيل تبليغ دين الله وإقامة الشرع من ألوان الأذى، وكم جاهد، وكم ابتلي في الله – عز وجل – وهو في ذلك كله صابر محتسب لله، قائم بالعبودية له – عز وجل – والقدوة به في ذلك.
قال الله – تعالى: ( ياأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر).
قال سيد قطب – رحمه الله: إنه النداء العلوي الجليل، للأمر الجليل الثقيل.. نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان.. وهو واجب ثقيل شاق، حين يناط بفرد من البشر – مهما يكن نبيًا رسولاً – فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود.أ.هـ 
 قال الشيخ السعدي – رحمه الله: (قُمِ) أي بجد ونشاط (فَأَنْذِرْ) الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)، أي: عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته.أ.ه
قال قتادة – رحمه الله: (قم فأنذر). أي: أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم ، وشدّة نقمته .
والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون. 
وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئاً حين يضلون، ولا يزيدون في ملكه شيئاً حين يهتدون. 
غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا. 
وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله. 
(وربك فكبر)، قال ابن عطية – رحمه الله: معناه: عظمه بالعبادة وبث شرعه . 
وقال البغوي– رحمه الله: عظمه عما يقوله عبدة الأوثان . 
وقال الطبري – رحمه الله: يقول –تعالى ذكره -: وربك يا محمد فعظم بعبادته ، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد .
قال ابن العربي – رحمه الله: هذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليًا غيره، ولا تعبد ولا تري لغيره فعلاً إلا له، ولا نعمة إلا منه، لأنه لم تكن صلاة عند نزولها، وإنما كان ابتداء التوحيد .
وهو توجيه للرسول – صلى الله عليه وسلم – ليواجه نذارة البشرية، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها، فيستصغر كل كيد، وكل قوة، وكل عقبة، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة، هو الكبير . 
الكبير: الذي كل شيء دونه، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، كما أخبر بذلك عن نفسه نصًا بينًا محكمًا . 
الكبير: الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال. 
الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل وأعلى، فله التعظيم في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه. فهو وحده الكبير، الذي يستحق التكبير.
(وثيابك فطهر)، قال الواحدي: لا تلبسها على معصية ولا على غدر، فإن الغادر والفاجر يسمى دنس الثياب. 
(والرجز فاهجر)، قال البغوي– رحمة الله: اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال .
وقال الواحدي: أي الأوثان فاهجر عبادتها، وكذلك كل ما يؤدي إلى العذاب 
(ولا تمنن تستكثر)، قال الطبري – رحمه الله – اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. 
ثم ساق الرواية بذلك عن ابن عباس – رضي الله عنهما – وضمرة بن حبيب ، وأبي الأحوص، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، وطاووس، ومجاهد.قال ابن عطية – رحمه الله – : وهذا معنى أجنبي عن السورة. أ.ه 
ثم قال – الطبري – : وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ثم ساق الرواية بذلك عن الحسن، والربيع بن أنس. قال – الربيع - : لا يكثرن عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل.
ثم قال – الطبري - : وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. ووجهوا معنى قوله (ولا تمنن)، أي: لا تضعف، من قولهم: حبل منين. 
إذا كان ضعيفًا. ثم ساق الرواية بذلك عن مجاهد.
ثم قال – الطبري - : وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليه منهم أجرًا. ثم ذكر الرواية بذلك عن ابن زيد.
ثم قال – الطبري – وأولى الأقوال عندنا بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك، من أن تستكثر عملك الصالح. 
وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهن أمر الله – جل ثناؤه – نبيه – صلى الله عليه وسلم – بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من نوع تلك، أشبه منها من أن تكون من غيرها. أ.هـ. 
 (ولربك فاصبر)، قال الواحدي – رحمه الله: اصبر لله، على أوامره ونواهيه وما يمتحنك به حتى يكون هو الذي يثيبك عليها. 
قال الطبري – رحمه الله: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. ثم روى بإسناده عن مجاهد – رحمه الله: فاصبر على ما أوذيت، وبإسناده عن ابن زيد – رحمه الله - قال: حُمّل أمرًا عظيمًا، محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في الله. أ.هـ. 
وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت. 
والصبر هو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة. 
معركة الدعوة إلى الله. 
المعركه المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب، ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء، وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله، ويتجه به إليه احتساباً عنده وحده .
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله: فهذه ست وصايا، أوصى الله بها رسوله – صلى الله عليه وسلم – في مبدإ رسالته، وهي من جوامع القرآن، أراد الله بها تزكية رسوله، وجعلها قدوة لأمته.أ.هـ. 
وقد امتثل – صلى الله عليه وسلم – ما أمره به الله أكمل امتثال، وقام به أتم قيام، وبلغ رسالة الله، ونصح لعباده، وأقام شرعه ودينه، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عن أنس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت على ثلاثون، من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما يواري إبط بلال)، رواه الترمذى وقال حسن صحيح، وابن ماجه، والإمام أحمد، وهو في المسند بلفظ (ولعيالي) مكان (ولبلال).
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: جاء جبريل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم = ذات يوم وهو جالس حزيناً، قد خُضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك؟ قال: فقال له: فعل بي هؤلاء وفعلوا، قال: فقال له جبريل – عليه السلام: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فانظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بهذه الشجرة، فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حسبي. رواه الإمام أحمد . 
قال الإمام البخاري – رحمه الله – في كتاب المغازي من صحيحه: باب ما أصاب النبي – صلى الله عليه وسلم – من الجراح يوم أحد. وذكر فيه أربعة أحاديث.
حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه – يشير إلى رباعيته – اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ).
وحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – اشتد غضب الله على من قتله النبي – صلى الله عليه وسلم – في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمّوا وجه نبي الله – صلى الله عليه وسلم.
 وحديث أبي حازم: أنه سمع سهل بن سعد – رضي الله عنه – وهو يُسأل عن جُرح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: أما والله إنى لأعرف من كان يغسل جُرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن كان يسكب الماء، وبما دُووي، كانت فاطمة – عليها السلام – بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تغسله، وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدم. 
وكُسرت رباعيته يومئذ، وجُرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه.
وحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: اشتد غضب الله على من قتله نبي، واشتد غضب الله على من دمّى وجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم. وهو نفس الحديث الثاني من طريق أخرى.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله: 
ومجموع ما ذُكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، ووهى منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ( ضرب وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها كلها )، وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين خقيقتها أو المبالغة في الكثرة.أ.هـ. 
قال ابن القيم – رحمه الله: 
لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها فجاهد في الله حق جهاده، بالقلب والجنان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا.
وأمره الله – تعالى – بالجهاد من حين بعثه، وقال:(ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا)، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال – تعالى: (ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير)، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هو الأقلين عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه كان للرسل – صلوات الله عليهم وسلامه – من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا – صلوات الله وسلامه عليه – من ذلك أكمل الجهاد وأتمه .
وقال أيضًا – رحمه الله: وأكمل الخلق عند الله، من كمل مراتب الجهاد كلها ، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله – عز وجل – فإنه لما نزل عليه: ( ياأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر)، شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ولما نزل عليه: ( فاصدع بما تؤمر)، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمروالأسود، والجن والإنس.
ولما صدع بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى. وهذه سنة الله – عز وجل – في خلقه كما قال – تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك)، وقال: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن)، وقال: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحرٌ أو مجنون ٌ * أتواصوا به بل هم قوم طاغون).
فعزى – سبحانه – نبيه بذلك، وأن له أسوة بمن تقدمه من المرسلين، وعزى أتباعه بقوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).....إلخ.
يتبع إن شاء الله...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 16961
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا ندرس السيرة؟!   19/08/13, 01:04 am

السبب الثامن:

* معرفة كيف ربى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أصحابه وعلمهم وزكاهم،  أو منهج الدعوة إلى الله.
قال الله تعالى: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزيكهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )، قال ابن كثير – رحمه الله: ( من أنفسهم ) أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به.
وقال – ابن كثير: فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال: ( يتلوا عليهم آياته ) يعني: القرآن، ( ويزكيهم ) أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكوا نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) يعني: القرآن والسنة، ( وإن كانوا من قبل ) أي: من قبل هذا الرسول ( لفي ضلال مبين ) أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد. أ.ه.
وقال – تعالى -: ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )
قال الطبري – رحمه الله: ثم اختلف أهل التأويل في معنى ( الحكمة ) التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي السنة.
عن قتادة: ( والحكمة )، أي: السنة. 
وقال بعضهم: الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه فيه.
عن ابن وهب، قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له.
وعن ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله والحكمة )، قال: الحكمة: الدين التي لا يعرفونها إلا به – صلى الله عليه وسلم – يعلمهم إياها. قال: والحكمة: العقل في الدين. وقرأ ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً )، وقال لعيسى ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ). قال: وقرأ ابن زيد: ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها )، قال: لم ينتفع بالآيات حين لم تكن معه حكمة. قال: والحكمة شئ يجعله الله في القلب ينوره له به.
قال الطبري – رحمه الله: والصواب من القول عندنا في (الحكمة) أنها العلم بأحكام الله التي لا يُدرك علمها إلا ببيان الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمعرفة بها، وما دل عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من " الحُكم " الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل، بمنزلة " الجِلسة " و " القِعدة " من الجلوس والقعود، يقال منه: إن فلاناً لحكيم بيّن الحكمة. يعني بذلك أنه لبيّن الإصابة في القول والفعل.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولاً منم يتلوا عليهم آياتك، ويعلمهم كتابك الذي تنزِّله عليهم، وفصل قضائك، وأحكامك التي تعلمه إياها .
قال الطبري – رحمه الله: ( ويزكيهم ) في هذا الموضع: ويطهرهم من الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله.
عن ابن عباس: ( يتلوا عليهم آياتك ويزكيهم )، قال: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.
قال ابن جريج: قوله ويزكيهم )، قال: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه .
لذلك قال الشيخ السعدي: ( ويزكيهم ) بالتربية على الأعمال الصالحة، والتبري من الأعمال الردية التى لا تزكو النفوس معها. أ.ه
وقال – تعالى يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم * هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله: وابتدئ بالتلاوة لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثنى بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يتعلق به من مساوئ الأعمال والطباع. 
وعقب بذكر تعليمهم الكتاب لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تُبين لهم مقاصده ومعانيه، كما قال –تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه)، وقال: (لتبين للناس ما نُزّل إليهم)، وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله، لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة. 
قال –تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به).
فإذا تبينت مهمة السول – صلى الله عليه وسلم - فتفصيل وبيان كيف قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذه المهمة، يعرف من السيرة.
وهذا السبب من أهم أسباب دراسة السيرة، فمعرفة كيف قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا البلاغ والتبيين والتزكيه، تنحل بها كثير من الإشكالات، ككيف ندعوا؟! وبم نبدأ؟! وما هي العلوم التي نبدأ بها؟! أو العبادات التي نبدأ بها؟! وكيف نتعامل مع المخالف؟! وكيف نتعامل مع الانحرافات الطارئة؟! وكيف نستخدم طاقاتنا؟! وأمثال هذه الإشكالات. 
ذلك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قام بهذه المهمة في كل الظروف التي تمر بها الدعوة الإسلامية، ومع كل أصناف الناس. ثم هو – صلى الله عليه وسلم – لم يتخرج عليه نموذج واحد متكرر من المؤمنين، نعم هناك قدر مشترك كبير بين المؤمنين المتبعين لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكنهم لم يكونوا نسخًا متطابقة بأسماء مختلفه، بل كان من هؤلاء الصحابة – رضي الله عنهم – العالم، والمفتي، والقاضي، والعابد، والسياسي، والإداري، والعسكري، والمجاهد، وغير ذلك كما هو معلوم وواضح من سيرهم.
والمشترك بينهم أنهم ثمرة نفس الدعوة، ونفس الداعي القائم بها المبلغ لها – صلى الله عليه وسلم – ثم بينهم القدر المشترك بين كل المسلمين المتبعين للنبي – صلى الله عليه وسلم – فكل منهم منطلق من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص الدين له والقيام بما افترض عليه، والإيمان برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتجريد الاتباع له.
والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يستخرج أفضل ما في أصحابه – رضي الله عنهم – ويدلهم على جوانب قوتهم، ليستعملوها وينتفعوا بها وينصروا بها دينهم، ويدلهم على جوانب ضعفهم التي قد يؤتون منها، ليحذروها ولا يؤتون من قبلها.
ثم النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يعالج الأخطاء الواقعة من صحابته – رضي الله عنهم – سواء وقع هذا الخطأ من خطأ في الفهم عنه – صلى الله عليه وسلم -  أو من غلبة النفس والشيطان، فالأول مثل حديث نافق حنظلة الذي رواه الإمام مسلم، وحديث الثلاثة نفر الذين سألوا عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فكأنهم تقالوها فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إليهم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) متفق عليه ، والثاني مثل حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – الذي رواه مسلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأى خاتماً من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال : ( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده )، فقيل للرجل، بعدما ذهب رسول الله – صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً، وقد طرحه رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
فرسول الله –صلى الله عليه وسلم– إنما أرسل لبشر، من طبيعتهم الخطأ والنسيان، فعالج هذه الأخطاء الواقعة، ثم لم تكن طريقة العلاج واحده مع كل الأفراد، والحمد لله أن هذه الأخطاء وقعت، لنعلم طرق علاجها وأفضلها مع مختلف الحالات.
ولذلك كان من الأهمية بمكان للداعي سواء كان فردًا أو جماعةً الاجتهاد في معرفة واقع الدعوة، وحال المخاطب المدعو، والاجتهاد في استعمال نفس الطريقة التي استعملها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سواء مع الأفراد أم مع المجموع، وعليه فلابد من معرفة جيدة بالسيرة وملابسات الأحداث فيها.
* تنبيه: 
الكلام السابق هو عن العمل الدعوي وطرائق الدعوة، لا عن الأحكام الشرعية، فالشرائع والأوامر والنواهي، قد تمت واكتملت، فلابد عند التعامل مع الأحكام من الرجوع إلى الفقه وأصوله، فلا يقول قائل مثلا نحن في عهد استضعاف فلا تحرم علينا الخمر كما لم تحرم على المسلمين في مكة، أو تحل لنا المشارطة – الرهان – كما حلت لأبي بكر – رضي الله عنه – حين نزلت سورة الروم.
فالأحكام الشرعية تؤخد من مصادرها المعتبره، بطرائق الاستنباط المتبعة عند أهل العلم، لذلك دون أهل العلم في كل مذهب مسائل أصول الفقه ورتبوها ووضحوها، وكذلك القواعد الفقهية، فضلا عن فروع الفقه أو كتب الأحكام.
والحالات المستثناه، كالإكراه، والعجز، والاضطرار، ونحوها، قد بينت أحكامها سواء في ما كتبه أهل العلم سواء في الفروع، أو في القواعد الفقهية، كما في قاعدة ( لا واجب مع العجز )، و ( المشقة تجلب التيسير ). 
ثم لا تؤخذ هده القواعد وأمثالها بدون الرجوع إلى أهل العلم في معرفة حدودها وضوابطها، فمثلا: المشقه، هل هي مطلق المشقه، أم مشقة لها صفة خاصه، إذ لا يخلو التكليف من مشقه؟! لابد من معرفة ذلك، قبل العمل بالقاعدة.
السبب التاسع:

* معرفة فضل صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعظيم منزلتهم، وبذلهم لدين الله، وجهادهم، وتضحياتهم حتى بلغوا هذه المرتبة العظمى، فكانوا أفضل البشر بعد الأنبياء.
قال الله – تعالى:( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك هو الفوز العظيم ).
وقال – تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ).
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين – رضي الله عنه – وغيره أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) قال عمران: فلا أدري أذك بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
وروى الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في المسند – رحمهما الله – عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال:( صلينا المغرب مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلى معه العشاء. قال: فانتظرنا، فخرج إلينا، فقال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا: نعم يا رسول الله، قلنا نصلى معك العشاء، قال: أحسنتم – أو أصبتم – ثم رفع رأسه إلى السماء، قال: وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
وروى الإمام أحمد – رحمه الله – عن ابن مسعود – رضي الله عنه - إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد –صلى الله عليه وسلم –خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ )،وإسناده حسن .
ولذلك قال الإمام الطحاوي – رحمه الله – في عقيدته المشهورة:
ونحب أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.أ.ه
وقال – رحمه الله : ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق.أ.ه
وقال شيخ الإسلام  ابن تيمية – رحمه الله – في العقيدة الواسطية:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما وصفهم الله به في قوله – تعالى - والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ).
وطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – في قوله لا تسبوا أصحابي. فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ).
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع: من فضائلهم ومراتبهم.
فيفضلون من أنفق من قبل الفتح – وهو صلح الحديبية – وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر – وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر - اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كم أخبر به النبي – صلى الله عليه وسلم – بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالجنة، كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب – رضي الله عنه – وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي – رضي الله عنهم – كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع عليه الصحابة – رضي الله عنهم – على تقديم عثمان في البيعة. أ.ه.
وقال: وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أَضل من حمار أهله.
وقال: ويحبون أهل بيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
وقال: ويتولون أزواج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة – رضي الله عنها – أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق – رضي الله عنهما – التي قال فيها النبي – صلى الله عليه وسلم - فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ).
ويتبرأون من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ويتبرأون من طريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون‏:‏ إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب،ومنهاما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون،وإما مجتهدون مخطئون‏.‏
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثموصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرةما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهممن الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله –صلى اللهعليه وسلم - ‏أنهم خير القرون‏ )،‏ وإن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل منجبل أحد ذهبًا ممن بعدهم‏.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسناتتمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد –صلى الله عليه وسلم–الذي هم أحقالناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوبالمحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤافلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم؟!
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائلالقوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة،والعلم النافع، والعمل الصالح‏..
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم منالفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم همالصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى‏.أ.ه 
وكثير مما سبق ذكره، مما أوجب للصحابة – رضي الله عنهم – هذه المنزلة العالية، وهذه الفضائل التي ليست لغيرهم ممن سبقهم، ولا تكون أبدًا لمن يأتي بعدهم، إنما يعرف من السيرة، فيعرف منها الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح وبعده، ويعرف ما هو التغير الذي حدث بعد هذا الفتح، فأوجب التفاوت في الدرجة، كذلك أهل بدر، وفضلهم، وكيف وقعت هذه الوقعة، وفي أي ظروف قاتلوا، وكيف نصر الله بهم دينه، وأهل بيعة الرضوان وفي أي ظروف بايعوا، وعلى أي شيء بايعوا فأوجب ذلك لهم هذه المنقبة العظيمة، فلا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار أبدًا. فضلاً عن الأعمال العظيمة التي قام بها أفراد الصحابة، وكثير من البطولات والتضحيات، من هؤلاء الصحابة.
ولذلك قال الخطيب البغدادي – رحمه الله - : على أنه لو لم يرد من الله –عز وجل –ورسوله فيهم شيء، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء. أ.ه 
وشرح هذه الحال التي ذكرها الخطيب – رحمه الله – وبيانها في السيرة النبوية، والحمد لله.


السبب العاشر

* معرفة السنن الربانية في الصراع بين الحق والباطل.
ذلك أن لله – تعالى – سننًا ثابته في خلقه. والصراع بين الحق والباطل تحكمه هذه السنن، وهذه السنن ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، 
وفي معرفة هذه السنن فوائد:
منها معرفة الحكمة التي من أجلها قدر الله – تعالى – الأحداث.
ومنها معرفة مراد الله – تعالى – من المؤمنين، والقيام به.
ومنها مراجعة النفس، والتوبة، وتصحيح المسار، حين تكون سنن العقوبات هي العاملة، وغير ذلك.
وهذه السنن لا تتخلف ولا تتبدل، وهي تعمل ولا تتوقف عن العمل شاء من شاء، وأبى من أبى، وكل محاولة لتجنب هذه السنن أو التحايل عليها في مواجهة الباطل، هي محاولة فاشلة، بل هي نوع من العبث.
وهذه السنن تتضح بجلاء لمن يتأملها في القرآن العظيم، وفي السنة النبوية، وفي السيرة، فلقد نص الله – تعالى – عليها في القرآن، وذكرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعلمها لصحابته، وفي السيرة بيان لكيفية عمل هذه السنن، فهي مثال تطبيقي عملى لعمل هذه السنن والتعامل معها.
فمن السنن الربانية: سنة الصراع أو التدافع بين الحق والباطل، كما قال – تعالى - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين )، وقال – تعالى - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ). 
فالباطل لا يقبل بالحق ووجوده أبدًا، بل يسعى جاهدًا لتحطيمة وإزالته، ولا يكف ولا ينتهي عن الكيد له والعمل على اجتثاثه والتخلص منه، قال –تعالى-: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ). 
حتى وإن حاولوا التوصل إلى ذلك بطرق ملتويه باظهار خلاف ما يبطنون، كما قال – تعالى -: ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثر فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولائك هم المعتدون ).
ومنها: سنة الابتلاء، قال – تعالى -: ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين )، وقال – تعالى -: ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ).
ومنها: سنة الإملاء للكافرين، وهي تأخير العقوبة عنهم، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، ثم قرأ : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شيد )، وهو في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري – رضى الله عنه.
وقال الله – عز وجل -: ( وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعادٌ وثمودٌ * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكُذِّب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير * فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور * ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون * وكأين من قريت أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير ).
فهذه سنن تعمل وكون أننا نجهلها أو أننا لا نراها، لا يعني ذلك أنها تعمل، وغيرها سنن كثيرة، ذكرها الله في كتابه، وذكرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أحاديثه، وعلمها أصحابه، وعايشوها ورأوها تعمل، وهي اليوم تعمل، وبالأمس كانت تعمل، وفي الغد ستظل تعمل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذا علم شريف، عظيم الفائدة، قليل من اعتنى به، خاصة في زماننا هذا والصراع بين الحق والباطل على أشده، وفي السيرة النبوية بيان لكثير من هذه السنن، كما في قصة حنين، وغزوة أحد، وفتح مكة وغيرها من الأحداث.
الخاتمة

هذه عشرة أسباب لدراسة السيرة النبوية الشريفة، وهناك أسباب أخرى، ولكن ليس المقصد الاستيعاب، بل المقصد التنبيه على أهمية دراسة السيرة، وحث نفسي وإخواني وشحذ الهمم لطلب هذا العلم الشريف.
هذا وما كان من خطأ أو زلل أو خلل فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – منه بريئان، واستغفر الله – تعالى.
وأسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن ينفع به وأن يضع له القبول، وهو ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكتب: علي الديب
22 جمادى الأول 1434.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
لماذا ندرس السيرة؟!
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: القصص والسيرة النبوية العطرة :: كتابات خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم-
انتقل الى: