منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي والمحبة الدائمة بيننا إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

فـقــــــــــــه الخــلـــع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 08/03/13, 01:52 am

فـقــه الخــلـــع



قُدِّم هذا البحث لاستكمال متطلبات الحصول على درجة البكالوريوس في تخصص الدراسات الإسلامية


إعــــداد الدارس:

محمــد بـن علــي بـن جـمـيــل المـطــري
الرقم الجامعي : 200812542


إشراف الدكتور:

عبــد الغـنــي حـيـــدر
العام الجامعي: 2011/ 2012م


بسم الله الرحمن الرحيم

قـــال اللـــه تعـالــــى:

"الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" (سورة البقرة: 229).


الـمـقـدمـــة

الحمد لله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وتعالت صفاته، وأشهد أن لا إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، ورضي عن أصحابه، ووفقنا لاتباعهم بإحسان إلى يوم لقائه.


أما بعد:

فإن التفقه في الدين من أجل الأعمال, ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين, وأهم علم يحتاج إليه الناس علم الفقه, فكل ما يصدر من المكلفين من قول أو فعل له حكم في هذه الشريعة الربانية الكاملة الشاملة التي رضيها الله لعباده.

والعلماء هم الذين يبينون للناس أحكام تصرفاتهم في عباداتهم ومعاملاتهم في دينهم ودنياهم, وقد ألف العلماء المؤلفات الكثيرة في بيان الأحكام الفقهية والمسائل الشرعية التي استنبطوها من القرآن الكريم والسنة النبوية, فجزاهم الله خير الجزاء، ونفعنا بآثارهم المباركة.

وقد ضعفت همم أكثر الناس عن الاطلاع على كتب العلماء النافعة, وذلك بسبب طولها أو لعدم اعتيادهم على أسلوب العلماء المتقدمين, ففاتهم خير كبير وعلم -لو يعلمون- عظيم, وما لا يدرك كله لا يترك جله, فمن حق هؤلاء على المشتغلين بالعلم أن يقربوه لهم ويسهلوه عليهم, وذلك من النصح لهم, والدين النصيحة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.


أهمية البحث وسبب اختياره:

إن من أهم الأبواب الفقهية الطلاق والخلع, فما أكثر الفتاوى التي تتعلق بهذين البابين العظيمين, والفتوى فيهما عظيمة الخطر, كبيرة الأثر؛ ولذا نجد بعض العلماء يتوقف عن الفتوى في بعض مسائل هذين البابين, ويود أنه لم يُسأل وأنه كُفِي بغيره, ولكن هيهات هيهات, فالعامة يهرعون إلى أهل العلم زرافات ووحدانا يسألونهم عن كثير من مسائل هذين البابين مما يقع لهم.

وقد أمر الله العامة أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون, وأمر العلماء أن يبينوا لهم الحق ولا يكتمونه, فحري بكل طالب علم أن يُفرِّغ وسعه في تحقيق مسائل هذين البابين المهمين, لشدة حاجة الناس إليهما, لا سيما أن الناس قد لا يجدون من يفتيهم إلا طالب علم, فإن كان جاهلا بهذين البابين فسيفتيهم بغير علم، فيُضلهم ويوقعهم في الحرج, ويحل لهم الحرام ويحرم عليهم الحلال.

وإن كان محققا لمسائل هذين البابين فإنه سيبين لهم الحكم الشرعي فيما هم فيه متحيرون, ويهديهم بأمر الله لما يصلحهم وينفعهم, فإن هذه الشريعة الربانية الحكيمة تحقق المصالح للعباد وتكملها لهم, وتدفع عنهم المفاسد وتقللها ما أمكن.

ولأجل هذا اخترت أن يكون بحث تخرجي من الجامعة (البكالوريوس) في أحكام الخلع، وفي النية -إن شاء الله- أن يكون بحث (الماجستير) في أحكام الطلاق لتكتمل الفائدة لي ولمن شاء الله من المسلمين.


أهـــداف البحـــــث:

• هدفي من هذا البحث معرفة أحكام هذا الباب المهم بأدلته.

• معرفة الراجح من أقوال العلماء فيما اختلفوا فيه عسى أن يهديني ربي للصواب.

• تسهيل هذا الباب لمن أراد الإلمام به من طلاب العلم والعامة؛ فإن الهمم قد ضعفت عن القراءة في كتب الفقه، وخاصة المطولة منها، فأحببت أن أبحث هذا الموضوع، وأجمع مسائله المهمة من بطون كتب الفقه وأقربها للناظرين، وأحقق فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


منهــج البـحـــث:

سلكت في بحثي المنهج التالي:

• الحرص على ذكر الدليل من الكتاب الكريم أو السنة النبوية بقدر المستطاع.

• حرصت على بيان الراجح في كل مسألة فيها اختلاف بين العلماء بقدر استطاعتي مستعينا بالله ومسترشدا بأقوال العلماء وأدلتهم بلا تعصب لأحد إن شاء

• إذا كان الحديث في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم أكتفي بعزوه إليهما، وأما إن كان في غيرهما فإني أذكر بعض كلام المحدثين في الحكم عليه حتى يتبين إمكانية الاحتجاج به أو عدمها.

• قسَّمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وخمسة فصول يتضمن كل فصل مباحث وخاتمة ثم ذكرت قائمة بأهم المصادر والمراجع التي استعنت بها في بحثي ثم الفهرس.


وذلك كما يلي:


الفصل الأول: تعريف الخلع وبيان مشروعيته وحكمته.

المبحث الأول: تعريف الخلع لغة وشرعاً.

المبحث الثاني: أدلة مشروعية الخلع.

المبحث الثالث: الحكمة من مشروعية الخلع.


الفصل الثاني: أركان الخلع.

المبحث الأول: المخالِع (الزوج).

المبحث الثاني: المختلعة (الزوجة).

المبحث الثالث: صيغة الخلع.

المبحث الرابع: عوض الخلع.


الفصل الثالث: شروط الخلع.

المبحث الأول: ما يشترط في الخلع.

المبحث الثاني: ما لا يشترط في الخلع.


الفصل الرابع: حكم الخلع.

المبحث الأول: بيان أن الخلع محظور إلا لحاجة.

المبحث الثاني: حكم طلب الخلع من قِبل الزوجة.

المبحث الثالث: حكم طلب الخلع من قِبل الزوج.

المبحث الرابع: حكم إجابة الزوج طلب زوجته بالخلع.

المبحث الخامس: حكم الوكالة في الخلع.

المبحث السادس: حكم مخالعة الأجنبي عن الزوجة.


الفصل الخامس: أحكام الخلع.

المبحث الأول: هل الخلع فسخ أو طلاق؟

المبحث الثاني: عدة المختلعة.

المبحث الثالث: جواز الخلع في الطهر والحيض.

المبحث الرابع: حكم لحوق المختلعة الطلاق.

المبحث الخامس: أثر الخلع في إسقاط الحقوق الزوجية.

المبحث السادس: الاختلاف في الخلع.


ولقد تم هذا البحث بعد جهد ليس باليسير، حيث إني توسعت في الاطلاع على أمهات الكتب الفقهية المختلفة، وكلما ازددت قراءة ازددت علما بمسائل لم أكن أعرفها من قبل، وكنت أقمّش الفوائد في المسودة، ولكن البحث محدد بصفحات أراها قليلة بالنسبة لما وجدت من تشعب الموضوع وكثرة فوائد الكتب، حيث لا يخلو كتاب من فائدة زائدة، فاقتصرت على ما كنت قد جمعت في المسودة، واكتفيت بما يسره الله لي من الغنيمة، واجتهدت في تلخيص وتهذيب وتحقيق ما جمعته، بما يحقق هدفي من البحث.


وختمت البحث بالنتائج التي توصلت إليها، ومن أهمها:

معرفة سماحة الشريعة، وأنها ليس فيها حرج بوجه من الوجوه، وأنها كاملة شاملة حكيمة، جاءت بما يصلح العباد، ويدفع عنهم الفساد، فمن مقاصدها جلب المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، ويظهر هذا في معرفة مشروعية الخلع وحكمته وأحكامه العظيمة: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)" [المائدة:50].

ومما توصلت إليه معرفة قدر ما كتبه علماء الإسلام والفقهاء الأعلام، فقد خلفوا لمن بعدهم علما جما، فجزاهم الله عنا خيراً، وأنه لا يستغني طالب العلم أبدا من النظر في كتب المذاهب الفقهية المختلفة، إن أراد التحقيق ولم يرض بالقليل، ففوق كل ذي علم عليم.

أسأل الله أن يبارك في هذا البحث، وأن يجعله نافعا لي وللمسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.

وكتب/ محمد بن علي بن جميل المطري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
2 رجب 1433هـ - 22/5/2012م


التـمـهـيـــد

أباح الله تبارك وتعالى لعباده النكاح فقال: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)" [النساء: 3].

وأمر الزوجين بحسن العشرة فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].

وقال: "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)" [البقرة: 228].

فالحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة وحسن المعاشرة وأداء كل واحد من الزوجين ما عليه من حقوق، لكن قد يطرأ على الزواج أمور تنافي الحكمة من مشروعيته، فقد يتزوج الرجل امرأة ثم يتبين أن بينهما اختلافا في الأخلاق وتنافرا في الطباع، فيكره الرجل زوجته أو تكره المرأة زوجها، والإسلام في هذه الحالة يوصي بالصبر والاحتمال، وشرع وسائل حكيمة لعلاج المشاكل الأسرية.

يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].

وفي الحديث الصحيح: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقاً رضي منها خُلقاً آخر» وقال الله سبحانه: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)" [النساء: 35].

وقال سبحانه: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)" [النساء: 130].

فالإسلام شرع كل ما يدفع الفرقة، لكن قد يتضاعف البغض من الزوجين أو أحدهما، ويشتد الشقاق بينهما، ويصعب العلاج، وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح، وحينئذ فمن حكمة الإسلام ورحمته أن رخص بالفراق بينهما دفعا للضرر، ولا مصلحة للزوجين حينئذ إلا في هذا العلاج الوحيد، فإن كانت الكراهية من جهة الرجل فبيده الطلاق، وهو فراق بغير بدل، وهو حق من حقوق الزوج له أن يستعمله في حدود ما شرع الله.

وإن كانت الكراهة من جهة الزوجة فلها أن تطلب الخلع، وهو فراق ببدل، وهو حق من حقوق الزوجة لها أن تطلبه في حدود ما شرع الله، وفي ذلك يقول الله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].


الفصل الأول

تعريف الخلع وبيان مشروعيته وحكمته

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تعريف الخلع لغة وشرعاً.

المبحث الثاني: أدلة مشروعية الخلع.

المبحث الثالث: الحكمة من مشروعية الخلع.


المبحث الأول

تعريف الخلع لغة وشرعاً

المطلب الأول: تعريف الخلع لغة:

الخلع لغة: النزع والإزالة فخلع الرجل ثوبه أي أزاله.

وقال ابن الأثير في النهاية: يقال: خلع امرأته خُلعاً وخالعها مخالعة واختلعت هي منه فهي خالع وأصله من خلع الثوب.

ويقال: خالع زوجته، وخالعت زوجها.

قال ابن قدامة في المغني: يسمى خلعاً لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها، قال الله تعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)" البقرة: 187].

ويسمى افتداءً لأنها تفتدي نفسها بمال تبذله، قال الله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

والفرق بين الخُلع والخَلع بالضم والفتح من وجهين:

الأول:

الخَلع بالفتح يستعمل في الإزالة الحسية، والخُلع بالضم يستعمل في الإزالة المعنوية.

وهو فراق الزوجة على مال، وهو مأخوذ من خلع الثياب لأن المرأة لباس الرجل معنى، فضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي.

الثاني:

الخَلع بالفتح للفعل، والخُلع بالضم للمعنى مثل الغَسل والغُسل، الغَسل للفعل والغُسل للمعنى.


المطلب الثاني: تعريف الخلع شرعاً:

عرّف الفقهاء الخلع بعدة تعاريف منها:

1) الخلع فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة.

2) الخلع هو فرقة بين الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع.

3) الخلع إزالة ملك النكاح ببدل بلفظ الخلع.

4) الخلع أن تبذل المرأة أو غيرها للرجل مالاً على أن يطلقها أو تسقط عنه حقاً لها عليه.


والتعريف المناسب عندي أن الخلع:

فراق الزوجة بعوض، ولا حاجة لتقييده بألفاظ مخصوصة فسيأتي في مبحث «صيغة الخلع» بيان أنه لا يشترط في الخلع لفظ معين ولا صيغة معينة، وليس في الشرع ما يدل على لفظ مخصوص في الخلع، فكل فراق بين الزوجين بعوض فهو خلع، والله أعلم.


المطلب الثالث: الفرق بين الطلاق والخلع:

الطلاق والخلع كلاهما تحل به الرابطة الزوجية، والفرق بينهما أن الخلع يتوقف وقوعه على رضا الزوجين وببذل الزوجة مالاً لزوجها، أما الطلاق فهو تصرف بإرادة الزوج وحده وبدون عوض من الزوجة.


المبحث الثاني

أدلة مشروعية الخلع

المطلب الأول: دليل الخلع من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].


قال القرطبي في تفسيره:

الآية للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بألا ينفرد الرجل بالضرر، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم لأن العرف من الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقاً وجهازاً، فلذلك خص بالذكر.

وقوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

حرَّم اللهُ على الزوج في هذه الآية أن يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ.

والخطاب للزوجين، والضمير في أن لا يخافا لهما.

وقوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

أي على أن لا يقيما "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)" البقرة: 187].

أي فيما يجب عليهما من حسن الصحبة وجميل العشرة، والمخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكماً.. وترك إقامة حدود لله هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه.اهـ.

وقال الله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)" [النساء: 128]

ذكر القرطبي في تفسيره: أن قوله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)" النساء: 128] لفظ عام مطلق يدخل فيه جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك.

وذكر ابن حزم هذه الآية مع قوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229]

وقال: فهاتان الآيتان قاضيتان على كل ما في الخلع.

وذكر ابن حجر هذه الآية من أدلة الخلع.

وقال الله تعالى: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)" [النساء: 4].

أمر الله في هذه الآية الأزواج أن يعطوا زوجاتهم مهورهن نحلة أي عطية وقيل: أي فريضة واجبة.

قال القرطبي: قوله تعالى: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)" [النساء: 4].

مخاطبة للأزواج ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها جائزة.

وذكر ابن عبد البر أن هذه الآية من جملة الآيات التي هي أصل في هذا الباب أي باب الخلع..

وذكر ابن حجر هذه الآية من أدلة الخلع.

وقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].


العضل هو المنع، والفاحشة المبينة في هذه الآية قيل:

هي البغض والنشوز، والبذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً.

ففي الآية دليل على جواز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، وقيل: الفاحشة هي الزنا. قال ابن عطية: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال.


المطلب الثاني: دليل الخلع من السنة:

عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فردت عليه، وأمره ففارقها).

وفي رواية للبخاري: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).

ورواه ابن ماجه من طريق عكرمة عن ابن عباس وسماها جميلة بنت سلول.

وعن عَمرة بنت عبد الرحمن عن حبيبة بنت سهل الأنصارية ل أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (لزوجها)، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هذه حبيبة بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر، وقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لثابت بن قيس: خذ منها، فأخذ منها وجلست في أهلها.

وأخرجه أبو داود من طريق آخر عن عَمرة عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر بعضها، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الصبح فاشتكته إليه فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- ثابتاً فقال: خذ بعض مالها وفارقها، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: خذهما ففارقها، ففعل.

وأخرجه ابن ماجه وأحمد من طريق آخر بسند ضعيف وفيه أن ثابتاً كان رجلاً دميماً، وأن حبيبة بنت سهل قالت: يا رسول الله والله لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه.


قال ابن عبد البر:

هذا الحديث -أي حديث حبيبة بنت سهل- أصل في الخلع عند العلماء.

وقال أيضاً:

روي من وجوه أن جميلة ابنة أُبيّ بن سلول كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه كما روي ذلك في حبيبة بنت سهل.


وقال الحافظ ابن حجر:

قال ابن عبد البر:

اختُلِف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل.

قال ابن حجر:

والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأما الرواية هل هي جميلة بنت أُبي أو سهلة بنت سهيل أو أخرى، فهذا مما اختلفت فيه الرواية، فإما أن يكونا قصتين أو ثلاثاً، وإما أن أحد الراويين غلط في اسمها، وهذا لا يضر مع ثبوت القصة، فإن الحكم لا يتعلق باسم امرأته، وقصة خلعه لامرأته مما تواترت به النقول، واتفق عليه أهل العلم.


المطلب الثالث: نقل الإجماع على جواز الخلع:

نقل الإجماع على مشروعية الخلع غير واحد من العلماء كابن قدامة في المغني، وابن حجر في فتح الباري، وذكر أن بكر بن عبدالله المزني التابعي المشهور خالف في ذلك، قال ابن حجر: وانعقد الإجماع بعده على اعتبار الخلع.


المبحث الثالث


الحكمة من مشروعية الخلع:


الإسلام يراعي جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس، ويراعي جميع مشاعر القلوب، والخلع دليل على واقعية الشريعة الإسلامية، فإذا كانت المرأة كارهة لزوجها لا تستطيع الحياة معه لسبب يخص مشاعرها، فيجوز لها أن تطلب الطلاق منه على أن تعوضه بمال.

قال ابن رشد: والفقه أن الفداء إنما جُعِل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لمّا جُعِل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة -أي أبغضها- جُعِل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل.

وفائدة الخلع تخليص المرأة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها.


الفصل الثاني


أركـــــــــان الخــلــــــــــع

المبحث الأول: المخالِع (الزوج).

المبحث الثاني: المختلعة (الزوجة).

المبحث الثالث: صيغة الخلع.

المبحث الرابع: عوض الخلع.


المبحث الأول

الـمـخــالـــع الـــــزوج

المطلب الأول: مَن يصح خُلعه؟

يصح الخلع ويلزم ممن يقع طلاقه وهو الزوج البالغ العاقل المختار، والسفيه يصح طلاقه وخلعه، ويُسلَّم عوض الخلع إلى وليه.

ويصح خلع المريض مرض الموت؛ لأنه لو طلق في مرض موته بغير عوض لصح طلاقه، فلَئن يصح بعوض أولى بالجواز والصحة.


المطلب الثاني: مَن لا يصح خُلعه؟

لا يصح الخلع من الصبي ولا المجنون، لأنه لا يصح طلاقهما، وليس لهما مقصد معتبر شرعاً خصوصاً فيما يضرهما، ولا يجوز لوليهما أن يخالع عنهما إلا إذا رأى الولي المصلحة في ذلك.

ولا يصح خلع المُكره.

والسكران لا يصح خلعه على القول الراجح، وهو قول أبي ثور وابن المنذر واختاره الكرخي والطحاوي من الحنفية؛ لأنه ليس للسكران قصد صحيح، والإيقاع يعتمد القصد الصحيح، وطلاق النائم لا يقع فطلاق السكران أولى.


ولا معنى لقول من يقول:

غفلته هنا بسبب المعصية، وذلك للتشديد عليه لا للتخفيف؛ فإن السكران لو ارتد لم تصح ردته بالاتفاق، ولا تقع الفرقة بينه وبين امرأته، ولو اعتبر هذا المعنى لحكم بصحة ردته.

يتبع إن شاء الله...


avatar
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 16625
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف abdulmohsun_2010 في 12/03/13, 09:02 pm

المبحث الثاني



الـمـخـتـلــــع (الزوجة)


المطلب الأول: مَن يصح الخُلع معها؟

يصح الخلع مع الزوجة البالغة الرشيدة، ويصح خلع المعتدة من طلاق رجعي؛ لأنها تعتبر في حكم الزوجة.

ويصح خلع المريضة مرض الموت بلا خلاف، لكن اختلف الفقهاء في لزوم العوض، والجمهور على أن خلع الزوجة المريضة مرض الموت ليس كخلع الزوجة الصحيحة في لزوم العوض؛ لأن المريض مرض الموت متهم بالمحاباة والإضرار بالورثة.


قال النووي:

إذا اختلعت في مرض موتها إذا كان بمهر المثل نفذ ولم يعتبر من الثلث، وإن كان بأكثر فالزيادة كالوصية للزوج، فيعتبر من الثلث،ولا يكون كالوصية للوارث لخروجه بالخلع عن الإرث، ومرض الزوج لا يؤثر في الخلع فيصبح خلعه في مرض الموت بدون مهر المثل.

ويجوز لولي السفيهة أن يخالع عنها إذا أذنت له بذلك وكان في خلعها مصلحة ظاهرة لها كتخليصها من سوء عشرته ومن ظلمه لها واعتدائه عليها.


قال ابن قدامة:

ويحتمل أن يملك الولي ذلك إذا رأى الحظ فيه، ويمكن أن يكون الحظ لها فيه بتخليصها ممن يتلف مالها وتخاف منه على نفسها وعقلها، ولذلك لم يعد بذل المال في الخلع تبذيراً ولا سفهاً، فيجوز لها بذل مالها لتحصيل حظها وحفظ نفسها ومالها، كما يجوز بذل مالها في مداواتها وفكها من الأسر، والأب وغيره من أوليائها في هذا سواء.

ويجوز كذلك من الأجنبي إذا كان مطلق التصرف في المال صحيح الالتزام وهو العاقل الرشيد, وكان متبرعا ببذل العوض, ويريد المصلحة للمرأة كتخليصها من زوجها الذي لا يصلي أو المسيء لعشرتها الظالم لها.

لكن لا يجوز للأجنبي أن يتفق مع امرأة لا تريد زوجها أن تخالعه على أن يدفع هو العوض وتتزوجه بعد أن تخالع زوجها؛ لأن هذا من المواعدة في السر التي نهى الله عنها بقوله: "وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)" البقرة: 235].

ولأن هذا من إفساد الحياة الزوجية بين الأزواج, والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها).


المطلب الثاني: من لا يصح الخُلع معها؟

لا يصح مخالعة الصغيرة أو السفيهة إذا كانت هي الملتزمة ببدل الخلع, وكذا لا يصح مخالعة المجنونة.

وليس للأب خلع ابنته الصغيرة أو المجنونة أو السفيهة بشيء من مالها.

ولا يجوز لولي السفيهة أن يخالع عنها إلا إذا أذنت له بذلك وكان في خلعها مصلحة ظاهرة لها كتخليصها من سوء عشرته ومن ظلمه لها واعتدائه عليها.

ولا يصح الخلع مع المعتدة من طلاق بائن، إذ لا يملك زوجها نكاحها حتى يزيله، وقد أكد بعض المصنفين في الفقه على هذا بأن جعلوا بضع الزوجة ركناً من أركان الخلع.


قال النووي معدداً أركان الخلع:

المعوض وهو البضع، وشرطه أن يكون مملوكاً للزوج -أي يملك الاستمتاع به- فأما البائن بخلع وغيره فلا يصح خلعها، ويصح خَلع الرجعية لأنها زوجة.

ولا يصح الخلع مع المكرهة على القبول.


المبحث الثالث


صـيغـــة الخـلـــع:



المطلب الأول: ما ينعقد به عقد الخلع:

صيغة الخلع هي ما ينعقد به عقد الخلع، وركن الإيجاب والقبول، فلا تقع الفرقة ولا يستحق الزوج العوض بدون القبول.

وليس في الشرع ما يدل على لفظ مخصوص في الخلع، ولا يشترط لفظ معين ولا صيغة مخصوصة لصحة إيقاع الخلع فكل لفظ يؤدي إلى التفريق بين الزوجين بعوض وتراض هي صيغة صحيحة للخلع؛ لأن العبرة في العقود بمعانيها لا بالألفاظ.


قال الشوكاني:

المراد حصول التراضي بأي لفظ كان وعلى أي صيغة وقع.

وتصح ترجمة الخلع بكل لغة من أهلها.


المطلب الثاني: الخلع المنجز والمعلق:


صيغة الخلع نوعان:


1) منجزة:

مثل أن يقول الزوج لزوجته: خالعتك بما أعطيتك من المهر، أو بألف درهم، فتقول الزوجة: قبلت، أو تقول الزوجة: اخلعني وأعطيك المهر الذي أعطيتني أو اخلعني بألف درهم فيقول الزوج: قبلت.


2) معلقة:

مثل أن يقول الزوج لزوجته: إن أعطيتني ألفاً فقد خالعتك، فقالت: قبلت أو لم تقل شيئاً لكن أعطته فيقع الخلع عندما تعطيه وإن تراخى.

فلابد من الإيجاب والقبول في صيغتي الخلع المنجزة والمعلقة، ولا بد فيهما من الرضا، ويشترط في الصيغة المنجزة الموالاة بين الإيجاب والقبول، فلا يقع بينهما فاصل طويل، ويشترط في الإيجاب والقبول التوافق ولو معنى، فإن اختلف القبول عن الإيجاب فهو لغو باطل، كأن يقول: خالعتك بألف درهم فتقول: قبلت بمائة درهم.

والخلع المعلق لا يشترط فيه القبول لفظاً لأن الصيغة لا تقتضيه، ولا الإعطاء فوراً في المجلس.


قال إمام الحرمين الجويني:

لما كان الخلع طلاقاً بمال فإلى الزوج أن يوقعه على صيغة المعاوضة، وله أن يوقعه على صيغة التعليق، وسبب جواز إيقاعه على صيغة المعاوضة ما فيه من العوض، وسبب جواز إيقاعه على صيغة التعليق أن الطلاق يقبل التعليق فلا امتناع من تعليقه بمال.

فالخلع المعلق جائز على القول بأن الخلع طلاق، أما على القول بأن الخلع فسخ فلا يصح التعليق، قال النووي: التعليق يمنع صحة الخلع إن قلنا: فسخ، وإن قلنا: طلاق فلا.

وإذا قال: إن أعطيتني أو إذا أعطيتني فهذا اللفظ يقتضي التنجيز، ولو قال: متى أعطيتني أو متى ما أعطيتني فهذا لا يقتضي التنجيز، فاللفظ صريح في اقتضاء التأخير، فإن أخرت فمهما أعطت على القرب أو البعد حكم بوقوع الطلاق.

وإذا علق الطلاق بالإعطاء لا يقع إلا بالإعطاء في المجلس إلا إذا كان بصيغة«حتى»وما في معناها فلا تختص بالمجلس، فإن سلمت المال إليه فقبضه فذاك، وإن وضعته بين يديه كفى ووقع الطلاق، وإن امتنع من قبضه على الصحيح؛ لأنها أعطته وهو يفوت حقه.

وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط حصول الإيجاب والقبول في مجلس العقد.


قال في الروض النضير:

اعلم أن الفقهاء اشترطوا في صحة الخلع حصول الإيجاب والقبول أو ما في حكمه في مجلس العقد أو الخبر به قبل الإعراض وليس في الأدلة ما يفيده.


وقد أشار المحقق الجلال إلى ذلك فقال:

ظاهر حديث اختلاع امرأة ثابت يقضي بعدم اشتراط العقد وأن المعاطاة كافية في صحة الخلع، وذلك أيضا ظاهر في أنه لا يشترط كون القبول في مجلس العقد أو في مجلس الخبر به. اهـ.

قلت: والأمر كما قال, والله أعلم.


المطلب الثالث: حكم شرط الرجعة في الخلع:

لو خالع الرجل زوجته على أن له الرجعة فالشرط باطل والخلع واقع، وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك والحنابلة، وقال الشافعية: يبطل الخلع وله الرجعة والعوض مردود.


قال الشوكاني:

يلغو شرط صحة الرجعة، لكون مقتضى الخلع هو عدم صحة الرجعة، وأن الأمر مفوض إلى اختيار المرأة ولم تفتد بمالها إلا لهذا المقصد، ولو علمت أنه يفارقها في هذا الوقت ويراجعها في الوقت الثاني شاءت أم أبت لم ترض بما افتدت به، فإن ذلك لا يفعله عاقل فليس هذا من الشروط الشرعية، بل من الشروط التي يراد بها المخادعة والمخالفة لما شرعه الله.


المطلب الرابع: حكم تعليق الخلع بالمشيئة:

إن خالع الرجل زوجته وعلق الخلع على مشيئة الزوجة كأن يقول: خالعتك على ألف إن شئت، فالخلع واقع إن شاءت في المجلس، أما إن قال لها: خالعتك على ألف متى شئت، وقع الخلع متى شاءت ولا يختص بالمجلس.


قال النووي:

لو قال: أنت طالق إن شئت أو أنت طالق على ألف إن شئت، اشترط وجود مشيئتها في مجلس التواجب بخلاف التعليق كسائر الصفات؛لأنه استدعاء لجوابها واستبانة رغبتها، ولا يشترط تسليم المال في المجلس.

ولو علق طلاقها بالمشيئة بصيغة «متى» طلقت متى شاءت ولا يختص بالمجلس كسائر الصفات.


المبحث الرابع


عـــــــوض الخـلــــــع:


المطلب الأول: مشروعية العوض:


عوض الخلع هو ما تلتزم الزوجة ببذله إلى الزوج وينعقد عليه عقد الخلع، وأخذ الزوج لعوض الخلع جائز بنص كتاب الله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

ولحديث امرأة ثابت بن قيس عندما خالعته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لزوجها: (اقبل الحديقة).

وقد أجمع العلماء على مشروعية أخذ العوض في الخلع.

لكن يحرم على الزوج أن يضار زوجته لأجل أن تطلب الخلع منه قال الله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].

وقال سبحانه: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

فإن عضل الزوج زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه ففعلت، فالخلع باطل والعوض مردود.

فأما إن ضربها الزوج على نشوزها، ومنعها حقها تأديباً لها لترجع إلى طاعته، فخالعته فلا يحرم عليه أخذ عوض الخلع، وهكذا لو ضربها ظلماً لسوء خلقه ولا يريد بذلك أن تفتدي منه، فخالعته لم يحرم عليه أخذ العوض؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها ولكن عليه إثم الظلم.

فإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت صح الخلع لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].

ولأنها متى زنت لم يأمن أن تُلحق به ولداً من غيره وتفسد فراشه ولا تقيم حدود الله في حقه، قال الله سبحانه: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

وقد اختلف العلماء في صحة الخلع بلا عوض، فذهب الحنابلة في رواية والشافعية أنه لا يصح بلا عوض، ومذهب الأحناف والمالكية أنه يصح بلا عوض، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما سيأتي في مبحث ما لا يشترط في الخلع.


المطلب الثاني: مقدار العوض:

عوض الخلع يجوز بما اتفق عليه الزوجان لعموم قوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

فهو كالصداق يصح أن يكون قليلاً أو كثيراً، سواء بمهر المثل أو أقل أو أكثر، وسواء من جنسه أو من غيره جنسه، وسواء كان ديناً في الذمة أو عيناً أو منفعة.

ويجوز عند الأئمة الأربعة أن يكون العوض أكثر من المهر الذي أعطاها.

لكن المروءة تقتضي ألا يأخذ أكثر مما أعطاها، إلا إذا كان أعطاها المهر في وقت رخص ثم طلقها في وقت المهور فيه مرتفعة فلا غضاضة في أخذه الزيادة.


المطلب الثالث: أنواع العوض:



1) المهر المؤجل:


المهر الذي قبضته الزوجة لا خلاف في جواز مخالعتها به، ويصح كذلك أن يكون المهر المؤجل عوضاً في الخلع لأنه دين في ذمة الزوج.

ويجوز أن تختلع منه بمال مؤجل إذا كان الأجل معلوماً.

قال الشافعي: وإذا اختلعت المرأة من زوجها بشيء مسمى إلى أجل فالخلع جائز، وما سميا من المال إلى ذلك الأجل كما تكون البيوع، ويجوز فيه ما يجوز في البيع والسلف إلى الآجال.


2) العوض المجهول:

يصح الخلع بالعوض المجهول.

فالخلع بالمجهول جائز، وللزوج ما جعل له؛ لأن الخلع إسقاط لحق الزوج من البضع، وليس بتمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة.

ولا يقال: كيف يصح مع نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر؟! لأن هذا ليس معاوضة محضة، وإنما الغرض منه التخلص من الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعاً فله ذلك، إذا كان الشيء المجهول مآله إلى العلم.


قال الشوكاني:

إذا خالعها على شيء مجهول القدر أو الجنس ورضيا بذلك ثبت الخلع، ويلزمها تسليم أوسط الجنس المسمى لا أعلاه ولا أدناه، فهذا هو الذي ينبغي اعتماده ولا يتم العدل إلا به.


وقال الشوكاني:

الزوجة إذا غررت على زوجها كأن تقوله له: طلقني على ما في هذا المكان فطلقها عليه ثم انكشف أنه لم يكن في ذلك المكان شيء فالطلاق غير واقع؛ لأنه أوقعه مقيداً بقيد وهو العوض الذي غررت به ولم يوقعه مطلقاً، فلا يصح في هذا طلاق خلع ولا غير خلع، ولو قدرنا أنه قد صح الطلاق ولزمها ما غررت به لم يكن للرجوع إلى مهر المثل وجه، بل ينبغي الرجوع إلى المقدار الذي يكون به الاختلاع في العرف الغالب لأنه المقصود لهما.


3) الخلع على نفقة المختلعة ونفقة ولدها:

لا خلاف بين الفقهاء على جواز الخلع على أن يكون العوض فيه سقوط ما على المخالع من نفقة ماضية واجبة عليه لزوجته.

ويجوز للمرأة أن تخالع زوجها بإسقاطها حقها من نفقة الحمل.

ويجوز أن يكون العوض في المخالعة تحمل الزوجة المختلعة نفقة الصغير وحضانته وإمساكه عندها مدة معلومة.

ولا يجوز أن يكون العوض في الخلع إسقاط الزوجة المختلعة حقها في حضانة ولدها الصغير بالتنازل عنه لأبيه؛ لأن حضانة الأم أنفع للولد الصغير، ولابد من النظر في مصلحة الصغير.


4) الخلع على إرضاع ولد المخالع:

يصح أن يكون العوض في الخلع إرضاع المختلعة ولد المخالع عند المذاهب الأربعة.


5) الخلع على محرم:

إن خالعها على محرم يعلمان تحريمه فهو كالخلع بغير عوض سواء لا يستحق شيئاً، فيكون الخلع صحيحاً ولا شيء للزوج، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد.


وقال الشافعي:

يرجع بمهر المثل والخلع صحيح.


الفصل الثالث


شــــــروط الخــلــــع:



المبحث الأول: ما يشترط في الخلع.


المبحث الثاني: ما لا يشترط في الخلع.


المبحث الأول


ما يشترط في الخلع


المطلب الأول: أهلية الزوجين:

لا يصح الخلع إلا من الزوج البالغ العاقل المختار، ويشترط أن تكون الزوجة بالغة رشيدة مختارة.


قال ابن عابدين:

شرط الخلع أهلية الزوج وكون المرأة محلاً للطلاق منجزاً أو معلقاً على الملك.


المطلب الثاني: التراضي بين الزوجين.


قال ابن حزم:

إنما يجوز بتراضيهما.


قال الشوكاني:

المراد حصول التراضي بأي لفظ كان، وعلى أي صيغة وقع.

وإذا امتنع الزوج من الخلع فللقاضي إلزام الزوج بالخلع، وله أن يخلع الزوجة من زوجها ولو بغير رضاه، وإنما يشترط رضا الزوج ابتداءً نظراً لعظم حق الزوج، فإن امتنع فلا عبرة برضاه دفعاً للضرر عن المرأة.


قال الشوكاني:

لابد من التراضي بين الزوجين على الخلع أو إلزام الحاكم مع الشقاق بينهما لقوله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)" [النساء: 128].

وأما اعتبار إلزام الحاكم فلارتفاع ثابت وامرأته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلزامه بأن يقبل الحديقة ويطلق.


وقال الشوكاني أيضا:

إذا لم يقع الرضا من الزوج ولم يظهر منه ما يدل على الرضا، فللمختلعة الرجوع قبل القبول في العقد والشرط.


المطلب الثالث: مخافة الزوجين ألا يقيما حدود الله.

ظاهر الآية أنه لا يجوز الخلع إلا بشرط الخوف ألا يقيما حدود الله، والجمهور على أن الخلع جائز مع التراضي ولو لم يكن هنا شقاق بينهما.

وقيل: يحرم الخلع من غير حاجة، فلو طلبت الخلع من غير حاجة أثمت ولم يصح الخلع، وبه قال داود وابن المنذر وهو رواية عن أحمد رجحها ابن قدامة.


قال ابن المنذر:

حرم الله على الزوج أن يأخذ منها شيئاً آتاها إلا بعد الخوف الذي ذكره الله في قوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

ثم أكد تحريم ذلك بتغليظه الوعيد على من تعدى أو خالف أمره: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].


وقال الظاهرية:

بأن المخالعة في حال الوفاق بين الزوجين باطلة، ولا يترتب عليها شيء من الفرقة أو سقوط الحقوق أو تملك العوض.


قال ابن حزم:

قال الشافعي: الخلع جائز بتراضيهما، وإن لم يخف منهما نشوزاً ولا إعراضاً ولا خافا أن لا يقيما حدود الله.

وهذا خطأ لأنه قول بلا برهان.


وقال الشوكاني:

قيد سبحانه حل الافتداء بمخافتهما ألا يقيما حدود الله وظاهر الآية أن الخلع لا يجوز إلا بحصول المخافة منهما جميعاً، بأن يخاف الزوج ألا يمسكها بالمعروف، وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها، ولكنه دل في حديث المختلعة على أن المخافة لعدم إقامة حدود الله من طريق الزوجة كافية في جواز الاختلاع.

وذكر أن هذه الآية: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)" [النساء: 35].

كما تدل على بعث حكمين تدل على اعتبار الشقاق في الخلع، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

ويدل عليه قصة امرأة ثابت وقولها: أكره الكفر بعد الإسلام، وقولها: لا أطيقه بغضاً.


وقال الحافظ في الفتح:

الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيد ذلك بوجوده منهما جميعاً، ويشرع إذا كرهت المرأة عشرة الرجل ولو لم يكرهها.


واختار ابن المنذر:

أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعاً وإن وقع من أحدهما لا يندفع الإثم، وهو قوي موافق لظاهر الآيتين.

وبه قال طاووس والشعبي وجماعة من التابعين، وأجاب الطبري وغيره عن ظاهر الآية بأن المرأة إذا لم تقم بحقوق الزوج التي أمرت بها كان ذلك منفرا للزوج عنها غالبا ومقتضيا لبغضه لها فنسبت المخافة إليهما لذلك.


أما العلامة محمد بن إبراهيم الوزير فقد رد على الذين اشترطوا النشوز بقوله:

تأملت فإذا الأمر المشترط فيه خوف أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ) ولم يقل: في الخلع، يوضحه أنه لو ضارها حرم عليه لقوله تعالى: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) نقله في الروضة الندية وقال بعده: والجمهور على أنه ليس بشرط وهو الحق؛ لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها، ولذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق.


وقال القرطبي في تفسيره:

تمسك بهذه الآية: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق والضرر وأنه شرط في الخلع، والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، وأما الآية فلا حجة فيها لأن الله تعالى لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)" [النساء: 4].


وقال ابن الرفعة:

ذكْر الخوف في الآية خرج مخرج الغالب، فإن الأعم الأغلب أن المخالعة إنما تقع في حالة التشاجر، ولأنه إذا جاز في هذه الحالة وهي مضطرة إلى بذل المال، فلأن يجوز في حالة الرضا كان أولى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)" [النساء: 4].

ولأنه حل عقد بالتراضي جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر كالإقالة في البيع.

والراجح أنه يشترط لجواز الخلع أن تكون هناك حاجة للزوجة لطلب الخلع من بغض منها لزوجها أو من سوء معاشرته لها أو من خشية أن لا يقيما حدود الله، وهذا شرط ذكره الكتاب العزيز فلا ينبغي تجاوزه وعدم اعتباره، وأقل مراتب اعتباره ثبوت الكراهة بفواته.

فإذا طلبت الخلع بلا حاجة وخالعها زوجها صح الخلع مع إثم الزوجة، ومن الحاجة أن يكون الخلع مخرجاً يقصد به بقاء المرأة مع زوجها وهو ما يسمى خلع الحيلة، كأن يطلقها ثلاثاً ويعلقه على دخول رمضان مثلاً ثم يخلعها قبل دخوله على عوض حذراً من وقوع الطلاق، فإذا خرج رمضان عقد عليها، وقد رجح ابن تيمية عدم صحته؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها كما يقصد بنكاح المحلل أن يطلقها لتعود إلى الأول.


وقال في الإنصاف:

غالب الناس واقع في هذه المسألة وكثيراً ما يستعملونها في هذه الأزمنة ففي هذا القول فرج لهم، واختاره ابن القيم في أعلام الموقعين، ونصره من عشرة أوجه.

قلت: أخرج البيهقي عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: إذا جاء رمضان فأنت طالق ثلاثاً.

وبينه وبين رمضان ستة أشهر فندم فقال ابن عباس: يطلق واحدة فتنقضي عدتها قبل أن يجيء رمضان فإذا مضى خطبها إن شاء.

ويستفاد من هذا جواز الحيلة الشرعية بالخلع فهو كالطلاق كلاهما فرقة فإذا تعين أحدهما مخرجاً لبقاء الزوجة فلا حرج: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)" [البقرة: 185].


قال الشوكاني:

ليس المعتبر في صحة الخلع إلا ما ذكره الله تعالى من وقوع المخافة من الزوجين ألا يقيما حدود الله، فإذا حصل ذلك ووقع منها الافتداء طيبة به نفسها فهذا هو الخلع الذي شرعه الله.

وإذا وقع على غير هذا الوجه كأن تكون الزوجة مكرهة أو الزوج مكرهاً أو كان أحدهما صغيراً فهذا ليس هو الخلع الذي أذن الله به، فلا يصح من الأصل ولا يصير رجعياً؛ لأن إيقاع الطلاق إنما كان إلى مقابل المال الذي افتدت به المرأة، فإذا وجد مع كونهما مكلفين مختارين خائفين ألا يقيما حدود الله، فهو خلع بأي صيغة كان وعلى أي صيغة وقع، وإن اختل أحد هذه الأمور فلا يكون خلعا، ولا يثبت به طلاق لا بائن ولا رجعي.

ولا يعتبر في صحة الخلع صدور النشوز من المرأة بالفعل أو عدم إحسان العشرة من الزوج بل المراد حصول مجرد المخافة، فإن كان قد وقع ما خافاه أو أحدهما جازت المخالعة.


المطلب الرابع: النية:

يشترط لوقوع الخلع النية من الزوجين.


قال في حاشية الروض المربع:

وإن تخالعا هازلين فلغو، ما لم يكن بلفظ الطلاق أو نيته.


وقال النووي:

تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ فهو كبيع الهازل وفيه خلاف.


وفي حاشية رد المحتار:

خلعها ثم قال: لم أنو به الطلاق لم يصدق قضاء بل ديانة؛ لأن الله عالم بسره، لكن لا يسع المرأة أن تقيم معه؛ لأنها كالقاضي لا تعرف منه إلا الظاهر.

وفيه إشارة إلى اشتراط النية للوقوع بها ديانة وكذا قضاءً إذا لم تكن قرينة من ذكر مال ونحوه كما هو الحكم في سائر الكنايات إلا أن المشايخ قالوا: لا تشترط النية في لفظ الخلع؛ لأنه بحكم غلبة الاستعمال صار كالصريح.


المبحث الثاني

ما لا يشترط في الخلع


المطلب الأول: العوض في الخلع.

مذهب الأحناف والمالكية أنه يصح الخلع بلا عوض، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية لأمرين:

1. أن العوض حق للزوج فإذا أسقطه باختياره فلا حرج.

2. أنه يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق لأنه لو كان الطلاق رجعياً لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه، فكأنها بذلت له عوضاً.


المطلب الثاني: إيقاع الخلع في طهر الزوجة.

ذهب الجمهور إلى عدم اشتراط إيقاع الخلع في طهر الزوجة الذي لم يمسها زوجها فيه، فيجوز الخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه.

وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المبحث الثالث من الفصل الخامس.


المطلب الثالث: حصول الإيجاب والقبول في مجلس العقد.

قال في الروض النضير:

اعلم أن الفقهاء اشترطوا في صحة الخلع حصول الإيجاب والقبول أو ما في حكمه في مجلس العقد أو الخبر به قبل الإعراض، وليس في الأدلة ما يفيده.


وقد أشار المحقق الجلال إلى ذلك فقال:

ظاهر حديث اختلاع امرأة ثابت يقضي بعدم اشتراط العقد وأن المعاطاة كافية في صحة الخلع، وذلك أيضاً ظاهر في أنه لا يشترط كون القبول في مجلس العقد أو في مجلس الخبر به.


المطلب الرابع: إذن القاضي.

لا يشترط عند جمهور الفقهاء إذن القاضي في الخلع؛ لأنه عقد بين الزوجين لإنهاء العلاقة الزوجية بالتراضي بينهما، وبإيجاب من أحدهما وقبول من الآخر، وهذا قول الأئمة الأربعة وهو ظاهر لأن الطلاق جائز دون إذن الحاكم وكذلك الخلع.

وفي صحيح البخاري أن عمر وعثمان أجازا الخلع دون السلطان.


الفصل الرابع


حـكـــــم الـخــلـــــع:


المبحث الأول: بيان أن الخلع محظور إلا لحاجة.

المبحث الثاني: حكم طلب الخلع من قِبل الزوجة.

المبحث الثالث: حكم طلب الخلع من قِبل الزوج.

المبحث الرابع: حكم إجابة الزوج طلب زوجته بالخلع.

المبحث الخامس: حكم الوكالة في الخلع.

المبحث السادس: حكم مخالعة الأجنبي عن الزوجة.


المبحث الأول:


بيان أن الخلع محظور إلا لحاجة:

الخلع جائز للحاجة إذا توافرت فيه شروطه، والأصل فيه الحظر، فلا يجوز إلا للحاجة، فإذا طلبته المرأة من غير مسوغ شرعي فهي آثمة، والوصف الشرعي للخلع هو الوصف الشرعي للطلاق، فالأصل فيه أنه مكروه لما فيه من قطع النكاح الذي هو مطلوب الشرع.

عن ثوبان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة).

وعن أبي هريرة وثوبان وعقبة بن عامر مرفوعاً: (المختلعات هن المنافقات).


قال سيد سابق:

والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه، فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور.


قال الحافظ في الفتح:

وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما أو واحد منهما ما أُمر به، وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة إما لسوء خُلُق أو خَلْق، وكذا تُرفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يئول إلى البينونة الكبرى.


المبحث الثاني

حكم طلب الخلع من قِبَل الزوجة:

طلب المرأة الخلع قد يكون محرماً أو مكروهاً أو جائزاً أو مستحباً أو واجباً بحسب اختلاف الأحوال، وتفصيل ذلك فيما يأتي:


1. تحريم طلب الخلع:

وذلك في حال الوفاق بين الزوجين، وهذا قول ابن المنذر وداود الظاهري، قال ابن المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم؛ وذلك لأن الله تعالى قال: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

وهذا صريح في التحريم إذا لم يخافا أن لا يقيما حدود الله، ثم قال: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف.

وعن ثوبان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة).

وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة فحرم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار).


2. كراهة طلب الخلع:

ذكر بعض الفقهاء أن الخلع لغير حاجة مكروه وجوزه الشافعية بلا كراهة، والراجح -والله أعلم- أنه يحرم بلا حاجة وهو قول داود وابن المنذر كما تقدم قريباً.

لكن إن كانت المرأة كارهة لزوجها ومبغضة لخَلقه أو خُلُقه أو لغير ذلك من صفاته، وكان للرجل ميل إليها ومحبة فينبغي لها أن لا تختلع منه وأن تصبر كما قال أحمد، وقال ابن تيمية بكراهة الخلع في حقها، وكذلك يكره الخلع إذا تنافرا أدنى منافرة أو كان يمنعها كمال الاستمتاع لتختلع.


3. إباحة طلب الخلع:

يباح للزوجة أن تطلب الخلع إذا كرهت زوجها بسبب طبيعي كدمامته أو لسبب شرعي كنقص في ديانته أو لكبر سنه وعجزه عن أداء حقوقها وخشيت أن يؤدي بها ذلك إلى تفريطها بحقه وما يترتب على هذا التفريط من لحوق الإثم بها.


4. استحباب طلب الخلع:

يسن أن تختلع الزوجة إن كان زوجها مفرطاً في حقوق الله غير الصلاة، أما إن كان متعمداً ترك الصلاة فيجب على الزوجة طلب الخلع.


5. وجوب طلب الخلع:

يجب على الزوجة أن تطلب الخلع إذا كان الزوج مصراً على ترك الصلاة ولم يقبل النصيحة والتذكير، وكذا إذا كان متلبساً باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام ويجعله مرتداً، ولا تستطيع المرأة إثبات ذلك أمام القاضي ليحكم بالتفريق بينهما، أو تستطيع ذلك ولكن القاضي لا يحكم بردته ولا يحكم بوجوب التفريق.

وكذا إن كان يُكرهها على فعل بعض المحرمات أو يجامعها في الحيض أو في الدبر أو طلقها ثلاثاً وأنكر ذلك وهي تعلم أن قد طلقها ثلاثاً فيحرم عليها أن تمكنه من نفسها، ويجب عليها أن تفتدي منه وتطلب الخلع وتؤجرعلى ما تبذله من مال، فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وطلبها للخلع في هذه الحال من تقوى الله: "وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)" [الطلاق: 3].

يتبع إن شاء الله...
avatar
abdulmohsun_2010

عدد المساهمات : 3
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 25/03/13, 02:18 am

المبحث الثالث

حكم طلب الخلع من قِبَل الزوج

طلب الزوج المخالعة من زوجته قد يكون مباحاً وقد يكون حراماً كما يلي:


1. إباحة طلب الخلع:

يباح للزوج أن يطلب من زوجته المخالعة معه على عوض تدفعه له إذا رأى منها نشوزاً ونحوه، ولم ينفع معها الوعظ والهجر والضرب.

وله أن يضيق عليها في هذه الحالة لتطلب الخلع منه فجوازه بدون تضييق عليها أولى.

وإن ضارها الزوج بالضرب والتضييق والمنع من الحقوق لزناها أو لنشوزها أو تركها فرضاً كصلاة وصوم فالخلع صحيح والمال الذي يأخذه الزوج مباح لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)" [النساء: 19].

وقال في أحكام الخلع: وقد يكون مندوباً عند الحاجة إليه كأن يحلف بالطلاق الثلاث على عدم فعل ما لا بد له من فعله كالأكل مثلاً فيخالع ثم يفعل المحلوف عليه فيكون وسيلة للتخلص من وقوع الثلاث، وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن هذا من الحيل الباطلة ثم أجاز هذه الحيلة في موضع آخر من كتابه.


2. تحريم طلب الخلع:

يحرم على الزوج التضييق على زوجته لحملها على طلب الخلع بغير وجه حق.

قال ابن قدامة:

فأما إن عضل زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك ظلماً لتفتدي نفسها منه ففعلت؛ فالخلع باطل والعوض مردود.


المبحث الرابع


حكم إجابة الزوج طلب زوجته بالخلع:


إذا طلبت الزوجة المخالعة فيشرع للزوج إجابة طلبها إذا رأى منها صدق الطلب وعزمها عليه كما في حديث ابن عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس ي حيث أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخالعها.


قال الحافظ في الفتح:

وأمره هذا أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب.

وتعقبه الشوكاني بقوله:

لم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته.

وقال ابن عثيمين:

قول الجمهور:

إن هذا للإرشاد فيه نظر، والقول بالوجوب هو الراجح، قال في الفروع: إنه ألزم به بعض القضاة في عصره.

والراجح -والله أعلم- أن إجابة الزوج طلب زوجته يختلف باختلاف حكم طلب الخلع من قبل الزوجة؛ فإن كان طلبها محرماً فلا يجب على الزوج إجابتها، وإن كان طلبها مكروهاً فكذلك لا يجب عليه إجابتها، وأما إن كان طلبها مباحاً فالظاهر أنه يجب عليه أن يجيبها إن أصرت عليه،وكذا إن كان طلبها مستحباً يجب عليه أن يجيبها، وأما إن كان طلبها واجباً فلا إشكال أنه يجب عليه أن يجيبها والله أعلم.


المبحث الخامس


حكم الوكالة في الخلع:


يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع، فكل من صح أن يتصرف بالخلع لنفسه جاز توكيله ووكالته ذكراً أو أنثى مسلماً أو كافراً.

ويكون توكيل المرأة في ثلاثة أشياء:

استدعاء الخلع أو الطلاق، وتقدير العوض، وتسليمه.

وتوكيل الرجل في ثلاثة أشياء:

شرط العوض، وقبضه، وإيقاع الطلاق أو الخلع.

وإذا وكل الزوج في خلع امرأته شخصاً وكالة مطلقة ولم يحدد العوض صح التوكيل، والأولى تقدير العوض للوكيل؛ لأنه أسلم من الغرر وأسهل على الوكيل.

واتفق الفقهاء على أن وكيل الزوج في الخلع إذا التزم بما أوصى موكله أو خالفه إلى ما هو أحسن في عوض الخلع، فإنه ينفذ ويلزم المبلغ المعين.

واختلفوا إذا خالف الوكيل أمر موكله إلى ما فيه ضرر كأن ينقص الوكيل عما سماه له الموكل؛ فقيل: لا يلزم الخلع إلا إذا أكمل الوكيل أو الزوجة ما سماه له موكله، وهو مذهب المالكية.

وقيل: لا يقع الخلع، وهو مذهب الأحناف والشافعية إلا أن الشافعية قالوا: إذا أطلق الوكالة ولم يحدد مبلغاً معيناً فيقع الطلاق ويلزمها مهر المثل.

وقيل: يصح الخلع ويضمن الوكيل النقص من مهرها إذا وكل في الخلع مطلقاً، أما إن حدد للوكيل مبلغاً محدداً فنقص منه لم يصح الخلع.

واتفق الفقهاء على أن الزوجة لو حددت العوض للوكيل فخالعها به أو بأقل منه صح الخلع ونفذ ولزمها المال؛ لأنه زادها خيراً.

وأما إذا خالعها بأكثر مما حددت له صح الخلع ولم تلتزم بالزيادة، ولكن الوكيل هو الذي يضمنها فكأنها من الوكيل للزوج، وهذا مذهب المالكية والحنابلة, وقال الشافعية: لا يلزمها إلا مهر المثل.

وأما إذا أطلقت الوكالة ولم تحدد الزوجة للوكيل مبلغاً معيناً فإن خالعها بمهر المثل أو بأقل من مهر المثل صح الخلع، وأما إن خالعها على أكثر من مهر المثل فلا تلزمها الزيادة ويضمنها الوكيل، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وقال الشافعية: لا يلزمها إلا مهر المثل فقط.


المبحث السادس


حكم مخالعة الأجنبي عن الزوجة:


المراد بالأجنبي الذي يخالع عن الزوجة الفضولي الذي ليست له صفة تخوله إجراء المخالعة عنها، إذ ليس بولي لها ولا بوكيل عنها.

وقد اختلف الفقهاء في صحة خلع الفضولي عن الزوجة، فأجازه أكثر الفقهاء وقالوا بصحته، وهو مذهب الأئمة الأربعة.

قال ابن قدامة:

ويصح الخلع مع الأجنبي بغير إذن المرأة مثل أن يقول الأجنبي للزوج: طلق امرأتك بألف علي، وهذا قول أكثر أهل العلم.

وقال الظاهرية وأبو ثور:

لا يصح الخلع مع الأجنبي.

ودليل عامة أهل العلم أن الزوج له حق على المرأة يجوز أن تسقطه عن نفسها بعوض، فجاز ذلك لغيرها كما لو كان عليها دين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وفي مذهب الشافعي وأحمد وجه أنه إذا قيل: إنه فسخ، لم يصح من الأجنبي؛ لأنه حينئذ يكون إقالة، والإقالة لا تصح مع الأجنبي، والصحيح في المذهبين أنه على القول بأنه فسخ هو فسخ وإن كان من الأجنبي، ذكره أبو إسحاق الشيرازي وغيره؛ لأنهم جعلوه كافتداء الأسير لا كالإقالة، فإن المقصود به رفع ملك الزوج عن رق المرأة لتعود خالصة من رقة، ليس المقصود منه نقل ملك إليها، فهو شبيه بإعتاق العبد وفك الأسير، لا بالإقالة في البيع؛ فلهذا يجوز باتفاق الأئمة بدون الصداق المسمى، وجوّزه الأكثرون بأكثر من الصدقات، ويجوز أيضاً بغير جنس الصداق، وليست الإقالة كذلك، بل الإقالة المقصود بها تراد العوض.

والراجح صحة خلع الأجنبي بشرط أن يكون هناك حاجة ومصلحة لذلك، مثل أن تكره زوجها وتخاف أن توفيه حقه أو كان الزوج يضارها وهي ترغب في مخالعته ولكن ليس عندها من المال ما يغريه على مخالعتها أو يعلم الأجنبي أن الزوج مع زوجته على حال لا يقرها الشرع فيجوز حينئذ للأجنبي أن يخالع عنها، والأفضل أن يكون بإذنها صراحة أو دلالة.

أما أن يخالعها الأجنبي بدون حاجة ومصلحة للزوجة أو للزوج أو لهما فلا يجوز، كما لو خالع عنها ليغري زوجها على تطليقها إضراراً بها أو يخالع عنها لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيرهما كما لو أراد أن يفرق بينهما ليتزوجها أو يزوجها قريباً منه أو يزوج زوجها قريبة له، فهذا كله لا يجوز لمناقضته مقاصد الشريعة في النكاح وهي إبقاء النكاح وإصلاح ذات البين بين الزوجين.

قال شيخ الإسلام:

يجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة، ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطاً بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج لمصلحتها في ذلك كما يفتدي الأسير.


الفصل الخامس


أحــكــــام الـخـلـــــع


المبحث الأول: هل الخلع فسخ أو طلاق؟


المبحث الثاني: عدة المختلعة.

المبحث الثالث: جواز الخلع في الطهر والحيض.

المبحث الرابع: حكم لحوق المختلعة الطلاق.

المبحث الخامس: أثر الخلع في إسقاط الحقوق الزوجية.

المبحث السادس: الاختلاف في الخلع.



المبحث الأول


هــل الخـلــع فـســخ أو طـــلاق؟

المطلب الأول: خلاف الفقهاء في كون الخلع فسخاً أو طلاقاً:

اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في الخلع هل هو طلاق ينقص عدد الطلاق أو هو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق؟ على قولين:

القول الأول:

إن الخلع طلاق، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد ورجحه ابن حزم.

القول الثاني:

إن الخلع فسخ، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المنذر وداود الظاهري وأصحابه غير ابن حزم ورواية عن أحمد ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وعبد الكريم زيدان.

قال في بداية المجتهد:

سبب الخلاف هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم ليس يخرجها؟.

وقد ادُعي إجماع العلماء على أنه إذا صرح الزوج بلفظ الطلاق في الخلع أو نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقاً.

قال ابن قدامة:

هذا الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على فراقها فهو طلاق لا اختلاف فيه، وإن وقع بغير لفظ الطلاق ونوى به الطلاق، فهو طلاق أيضاً؛ لأنه كناية نوى الطلاق فكانت طلاقاً كما لو كان بغير عوض، فإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان. والله أعلم.

وقال الحافظ ابن حجر:

الطحاوي نقل الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق، ومحل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه.

وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية دعوى الإجماع هذه فقال:

ذهب ابن عباس وأصحابه إلى أن الخلع فسخ بأي لفظ وقع، ولم يشترطوا لفظاً معيناً، ولا عدم نية الطلاق، وهو المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه، وألفاظهم صريحة أنه فسخ بأي لفظ كان، والشافعي لم يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره، بل لما ذكر قول ابن عباس وأصحابه ذكر عن عكرمة أنه قال: كل ما أجازه المال فليس بطلاق، وقال: وأحسب من لم يجعله طلاقا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق.

ومن هنا ذكر محمد بن نصر والطحاوي ونحوهما أنهم لا يعلمون نزاعاً في الخلع بلفظ الطلاق، ومعلوم أن مثل هذا الظن لا يُنقل به مذاهب السلف ويعدل به عن ألفاظهم وعلمهم وأدلتهم البينة في التسوية بين جميع الألفاظ.


المطلب الثاني:


أدلة القائلين بأن الخلع طلاق:


استدل الجمهور بما ورد في بعض طرق حديث ابن عباس في قصة فاطمة بنت قيس وفيه: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة).

أخرجه البخاري بهذا اللفظ من طريق أزهر بن جميل وقال في آخره: لا يتابع فيه عن ابن عباس.

قال الألباني:

قد أثبت الشوكاني في النيل أن هذه اللفظة شاذة والصواب: (وخل سبيلها) كما روته صاحبة القصة نفسها وغيرها.

وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بالطلقة هنا الفسخ واستدل بحديث فيروز الديلمي عندما أسلم وتحته أختان فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: طلق أيتهما شئت قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها، قال ابن تيمية: وهو حديث حسن، فقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطلق إحداهما وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة، وليست من الطلاق الثلاث، فدل على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث.

وذكر شيخ الإسلام توجيهاً آخر للحديث وهو أنه إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة.

واستدلوا بكونه قول جماعة من الصحابة خلافاً لابن عباس، قال ابن عبد البر: خالفه عثمان وجماعة الصحابة فقالوا: الخلع تطليقة واحدة إلا أن يريد بها أكثر فيكون ما أراد وسمى.

وروى مالك بسنده عن عثمان قال:

هي تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت.

قال محمد بن الحسن:

وبهذا نأخذ، الخلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثاً أو نواها فتكون ثلاثاً.

وقال ابن عبد البر:

واختُلف فيه عن عثمان، والأصح عنه أن الخلع طلاق.

واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الخلع تطليقة، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود.

وأجاب ابن تيمية بأن المشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة، وهو قول ابن عباس وآخر القولين عن ابن عمر، ولم يثبت عن صحابي خلافه، فإنه روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف.

واستدلوا بقولهم:

هو طلاق لأنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقاً، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصداً فراقها فكان طلاقاً كغير الخلع، ولأنه فرقة لا تفتقر إلى تكرار اللفظ، ولا تنفرد به المرأة فكان طلاقاً كصريح الطلاق.

وقالوا:

الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق مما ليس يرجع إلى اختياره، وهذا راجع إلى الاختيار فليس بفسخ.

وقال الشيرازي:

الفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون الخلع طلاقاً.

وقال القرطبي في تفسيره:

قال القاضي إسماعيل بن إسحاق:

كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته:

طلقني على مال، فطلقها أنه لا يكون طلاقاً، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيءٍ فطلقت نفسها كان طلاقاً؟!.

وتُعُقب كلامه بما ذكره الحافظ بقوله: وتُعُقب بأن محل الخلاف ما إذا لم يقع لفظ طلاق ولا نية وإنما وقع لفظ الخلع صريحاً أو ما قام مقامه من الألفاظ مع النية فإنه لا يكون فسخاً تقع به الفرقة ولا يقع به طلاق.

قلت:

ويجاب عن كلام القاضي إسماعيل: بأن الشريعة فرقت بين الخلع والطلاق، فالخلع لا تصح فيه الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد وبإذن المرأة، والطلاق تصح فيه الرجعة ولولم تأذن المرأة, فكيف يجمع بين المختلفين؟!

وقد ذكر شيخ الإسلام الفرق بين الخلع والطلاق وسيأتي كلامه في أدلة القائلين بأن الخلع فسخ.

وقال ابن حجر:

لو كان فسخاً لما جاز على غير الصداق كالإقالة لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر فدل على أنه طلاق.

واحتج الكاساني على أن الخلع طلاقاً بأن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج فتكون طلاقاً، ولأن لفظ الخلع يدل على الطلاق لا على الفسخ؛ لأنه مأخوذ من الخلع وهو النزع، والنزع إخراج الشيء من الشيء في اللغة، فمعنى خلعها أي أخرجها عن ملك النكاح وهذا معنى الطلاق البائن، وفسخ النكاح رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن رأساً، فلا يتحقق فيه معنى الإخراج؛ ولأن فسخ العقد لا يكون إلا بالعوض الذي وقع عليه العقد كالإقالة في باب البيع، والخلع على ما وقع عليه النكاح وعلى غيره جائز، فلم يكن فسخاً.

وقال السرخسي: المعنى فيه أن النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ألا ترى أنه لا يفسخ بالهلاك قبل التسليم، والفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام، فأما الخلع يكون بعد تمام العقد، والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال.


المطلب الثالث:


أدلة القائلين بأن الخلع فسخ:

استدل ابن عباس ب بأن الخلع فسخ بقوله تعالى: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة:230].

عن طاووس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عباس فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229]

وقرأ: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة:230].

قال في بداية المجتهد: احتج من لم يره طلاقا بأن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الطلاق فقال: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229]

ثم ذكر الافتداء ثم قال: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة:230]

فلو كان الافتداء طلاقاً لكن الطلاق الذي له لا تحل له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع.

قال في فتح الباري: أخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن ابن أبي نجيح أن طاووساً لما قال: إن الخلع ليس بطلاق.

أنكره عليه أهل مكة فاعتذر وقال: إنما قاله ابن عباس.

قال إسماعيل: لا نعلم أحداً قاله غيره.

وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية بمناقشات كثيرة، منها:

قال الكاساني:

لا حجة في الآية لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين إلا أنه ذكرهما بغير عوض ثم ذكر بعوض ثم ذكر سبحانه الثالثة بقوله: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة: 230] فلم تلزم الزيادة على الثلاث.

وقال السرخسي:

فأما الآية فقد ذكر الله تعالى التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض وبهذا لا يصير الطلاق أربعاً.

وقال في بداية المجتهد:

وعند المخالف أن الآية إنما تضمنت حكم الافتداء على أنه شيء يلحق جميع أنوع الطلاق لا أنه شيء غير الطلاق.

وقال ابن حزم:

أما احتجاج من احتج بأن الله ذكر الطلاق ثم الخلع ثم الطلاق، فنعم هو في القرآن كذلك، إلا أنه ليس في القرآن أنه ليس طلاقاً ولا أنه طلاق، فوجب الرجوع إلى بيان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث محمد بن عبد الرحمن أن ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته عن اختلاع امرأة ثابت منه وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى ثابت بن قيس بن شماس فقال له: خذ الذي لها وخل سبيلها، قال: نعم، فأمرها رسول الله صلى الله وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها.

قال ابن حزم:

وقد احتج بهذا من قال: إن الخلع فسخ. وهو حجة قاطعة لو لم يأت غيره لكن في البخاري عن ابن عباس في قصة امرأة ثابت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة، فهذا الخبر فيه زيادة لا يجوز تركها.

وقد سبق عن ابن تيمية بيان أن المراد بالطلاق هنا الفسخ وذكرنا ما استدل به على ذلك والله أعلم.

يتبع إن شاء الله...


avatar
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 16625
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 25/03/13, 02:50 am

وقال القرطبي في تفسيره نقلاً عن القاضي إسماعيل بن إسحاق قال:

وأما قوله تعالى: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة: 230] فهو معطوف على قوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

لأن قوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229] إنما يعني به أو تطليق، فلو كان الخلع معطوفاً على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلاً إلا بعد تطليقتين، وهذا لا يقوله أحد.

وقال غيره:


ما تأولوه في الآية غلط، فإن قوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229]

أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع، فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما، إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض، والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج.

وفي فتح القدير لابن الهمام:


ليس في الآية حجة على أن الخلع فسخ فإن الله تعالى بعد ما أفاد شرعية الثلاث وبين ذلك نص على حكم آخر هو جواز دفعها البدل تخلصاً من قيد النكاح وأخذه منها من غير تعرض لكونه غير طلاق أو طلاقا هو الثالثة أو لا، بل نص على شرعية الثلاث وبين حكماً آخر هو جواز الافتداء عن ملك النكاح.

وأما ما ذكروه عن عثمان فبتقدير ثبوته ليس فيه سوى أنه قال: لا عدة عليها ولا تُنكح حتى تحيض حيضة، فقوله: لا عدة عليها يعني العدة المعهودة للمطلقات، وللشارع ولاية الإيجاد والإعدام، ولا تلازم بين عدم العدة وكونه فسخاً، وقد روى مالك عن نافع أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان فبلغ عثمان فلم ينكره، فقال ابن عمر: عدتها أوعدتك عدة المطلقة، وقال: بلغنا عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء.

واستدلوا بأدلة أخرى غير الآية المذكورة، من ذلك ما في رواية النسائي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لثابت: خذ الذي لك عليها وخل سبيلها، قال: نعم. فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها.

وقال أبوبكر بن أبي عاصم:


مما دل على أن الخلع فسخ لا طلاق حديث حبيبة بنت سهل زوجة ثابت بن قيس عندما خالعته فقال له رسول الله -صلى الله وسلم-: خذ منها. فأخذ منها وجلست في بيتها.

قال ابن أبي عاصم:


ولم يذكر طلاقاً، وفي حيضة واحدة دليل على أنها ليست بمطلقة، وكذلك في عدتها في بيتها.

قال الألباني:


أمْر المختلعة أن تعتد بحيضة أخرجه الترمذي والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم، وضعفه البيهقي بدون حجة، وله طريق أخرى عند النسائي صحيحة ايضاً.

وقد نوقش هذا بأن اعتداد المختلعة بحيضة واحدة لا يمنع أن يكون الخلع طلاقاً وعدته حيضة لا ثلاث حيض، وقد رُوي عن أحمد.

لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قيل: إن عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة فهذا لم يقل به أحد من العلماء.

قلت:


ظاهر ما نقل عن عثمان أنه يقول بذلك، فقد رجح ابن عبد البر أن عثمان يرى الخلع طلاقاً، وثبت أنه أمر المختلعة أن تعتد بحيضة، لكن المنقول عن عثمان في سنده ضعف، فقد ضعفه أحمد وابن المنذر والله أعلم.

وقالوا:

لو كان طلاقاً لاقتضى فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تُمس فيه المطلقة، ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:


لو كان الخلع طلاقاً لما جاز في الحيض، فإن الله حرم طلاق الحائض.

ومن أدلة من قال:


الخلع فسخ لا طلاق أنه لا يصح جعل الخلع طلاقاً بائناً ولا رجعياً، أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة، وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:


الطلاق المطلق في كتاب الله له ثلاثة أحكام: جعله الله رجعياً، وجعل فيه تربص ثلاثة قروء، وجعله ثلاثاً، والخلع ليس برجعي بدلالة النص والإجماع، ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء بالسُنة، فلذلك يجب أن لا يُجعل من الثلاث؛ وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى الطلاق عند الإطلاق، وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما يُسمى الحلف بالنذر نذر اللجاج والغضب، فيسمى نذراً مقيداً لأن لفظه لفظ النذر، وهو في الحقيقة من الأيمان لا من النذور، وكذلك لفظ الماء عند الإطلاق لا يتناول المني، وإن كان يسمى ماء مع التقييد كقوله تعالى: "خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)" [الطارق: 6].

وقال أيضاً:


الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن، فلم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة، فلو كان الافتداء طلاقاً لثبت فيه الرجعة، وهذا يزيل معنى الافتداء إذ هو خلاف الإجماع، لكن قال طائفة: هو غير لازم فإن شاء رد العوض وراجعها.

وقال أيضاً:


الطلاق الذي جعله الله ثلاثاً هو الطلاق الرجعي، وكل طلاق في القرآن في المدخول بها هو الطلاق الرجعي غير الطلقة الثالثة، فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى رجعي وبائن فقد خالف الكتاب والسنة بل كل ما فيه بينونة فليس من الطلاق الثلاث، فإذا سمي طلاقاً بائناً ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع فيه.

وقال: في السنن أن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: طلق أيتهما شئت، قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها، وهو حديث حسن، فقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطلق إحداهما، وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة، وليست من الطلاق الثلاث، فدل على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث.

وقال أيضاً:


الطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق الذي يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة، وما كان بعوض فلا رجعة له فيه، وليس من الطلاق المطلق، وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها، وهذا الفداء ليس من الطلاق الثلاث، سواء وقع بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء، أو السراح، أو الفراق، أو الطلاق، أو الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ، ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجمهور من الأجنبي، فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة.

وقال أيضاً:


الفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث لم يعرف عن أحد من السلف، والمنقول عن السلف قاطبة إما جعل الخلع فرقة بائنة وليس بطلاق، وإما جعله طلاقا، وما رأيت في كلام أحد منهم أنه فرق بين لفظ ولفظ ولا اعتبر فيه عدم نية الطلاق, فإنهم اعتبروا مقصود العقد لا لفظا معيناً، والتفريق بين لفظ ولفظ مخالف للأصول والنصوص، وببطلان هذا الفرق يستدل من يجعل الجميع طلاقاً، فيبطل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الفرق إذا قيل به كان من أعظم الحجج على فساد قول من جعله فسخاً، ولهذا عدل الشافعي عن ترجيح هذا القول لما ظهر له أن أهله يفرقون.

وقال:

الطلاق لم يجعل الشارع له لفظ معيناً بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية، فإذا قال: فارقتك، أو سرحتك، أو سيبتك ونوى به الطلاق وقع، وكذلك سائر الكنايات، فإذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف.

فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف.

وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكنايات في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟!.

وقال أيضاً:

القول الذي ذكرنا من أن الخلع فسخ تبين به المرأة بأي لفظ كان هو الصحيح الذي عليه تدل النصوص والأصول، وعلى هذا فإذا فارق المرأة بالعوض عدة مرات كان له أن يتزوجها سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره، وإذا قيل: الطلاق صريح في إحدى الثلاث فلا يكون كناية في الخلع، قيل: إنما الصريح اللفظ المطلق، فأما المقيد بقيد يخرجه عن ذلك فهو صريح في حكم المقيد، كما إذا قال: أنت طالق من وثاق أو من الهموم والأحزان، فإن هذا صريح في ذلك لا في الطلاق من النكاح.

وإذا قال:

أنت طالق بألف فقالت: قبلت فهو مقيد بالعوض، وهو صريح في الخلع، لا يحتمل أن يكون من الثلاث البتة، فإذا نوى أن يكون من الثلاث فقد نوى باللفظ ما لا يحتمله، كما لو نوى بالخلع أن تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره فنيته هذا الحكم باطل، كذلك نيته أن يكون من الثلاث باطل، وكذلك لو نوى بالظهار الطلاق.

والافتداء له حقيقة يباين بها معنى الطلاق الثلاث فلا يجوز أن يدخل حقيقة الطلاق في حقيقة الافتداء، ولا حقيقة الافتداء في حقيقة الطلاق، وإن عبر عن أحدهما بلفظ الآخر، أو نوى بأحدهما حكم الآخر، فنية هذا الحكم باطل كما لو قصد بسائر العقود ما يخالف حكم الله ورسوله، فيكون جاهلاً بالسنة فيرد إلى السنة كما قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة.

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمخالع: (وطلقها تطليقة) إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة كما قد بين دلالة الكتاب والسنة على أن الطلاق السنة أن يطلق طلقة واحدة ثم يراجعها أو يدعها حتى تنقضي عدتها، وأنه متى طلقها ثنتين أو ثلاثاً قبل رجعة أو عقد جديد فهو طلاق بدعة محرم عند جمهور السلف والخلف.

وإذا كان بعوض فهو فدية، فلا يحل له أن يوقع الثلاث أيضاً بالعوض كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يطلق بالعوض إلا واحدة لا أكثر كما لا يطلق بغيره إلا واحدة لا أكثر، لكن الطلاق بالعوض طلاق مقيد هو فدية وفرقة بائنة، ليس هو الطلاق المطلق في كتاب الله، فإن هذا هو الرجعي.


المطلب الرابع:


ما يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً:


هذه المسألة وهي هل الخلع فسخ أو طلاق من أصعب المسائل الاجتهادية، حتى أن من العلماء من يتردد فيها، ومنهم من يرجع عما كان يقول فيها.

قال ابن حجر في الفتح:

للعلماء فيما إذا وقع الخلع مجرداً عن الطلاق لفظاً ونية ثلاثة آراء هي أقوال للشافعي:

أحدها:

أن الخلع طلاق وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه الجديدة واختاره صاحب التهذيب.

الثاني:


أنه فسخ وهو قول الشافعي في القديم ومشهور مذهب أحمد واختاره أبو حامد والقاضي أبو الطيب.

الثالث:

إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلاً ونص عليه في الأم وقواه السبكي من المتأخرين وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء أنه آخر قولي الشافعي [وقال الإمام والروياني: إنه ظاهر المذهب؛ لأنه كناية في الطلاق وقد عري عن النية فلم تقع به الفرقة كسائر كنايات الطلاق].

قلت:


والقول الثالث مبني على أن الخلع طلاق صريح أو كناية، وفيه قولان للشافعي:

قال في الإملاء:

هو صريح في الطلاق؛ لأن دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق.

وقال في الأم:

هو كناية في الطلاق، فلا يقع به الطلاق إلا بالنية كسائر كنايات الطلاق.

وعند الأحناف:

الخلع ليس بطلاق صريح بل كناية، والواقع بالكنايات طلاق بائن، وذكْر المال أغنى عن النية.

قال شيخ الإسلام:

لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً، فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق.

وقال أيضاً:

اللفظ إذا كان صريحاً في باب ووجد معاداً فيه لم يكن كناية في غيره، ولهذا لو نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع عند عامة العلماء، وعلى هذا دل الكتاب والسنة، وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة في الخلع فلا تكون كناية في الطلاق، فلا يقع بها الطلاق بحال، ولفظ الخلع والمفاداة والفسخ والعوض صريحة في الخلع ولا يقع بها الطلاق وإن نواه.

ويدل على صعوبة الترجيح في هذا المسألة اضطراب الإمام المحقق الشوكاني/ في الترجيح في هذه المسألة، فقد رجح في كتابه الدرر البهية أن الخلع فسخ، ورجح في حاشية الشفاء أن الخلع طلاق، ورجح في الفتح الرباني وفي نيل الأوطار أن الخلع فسخ ثم رجح في السيل الجرار أن عدة المختلعة حيضة إذا لم يجر منه لفظ قط وإذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه فتحسب طلقة.

وقد تعقبه الألباني في تعليقاته على الروضة الندية بقوله:

وفي هذا نظر لأن مقصود الافتداء لا يحصل مع الطلاق، وهو رجعي بنص كتاب الله فإن كان يريد طلاقاً بائناً فليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلاً وبيان ذلك في فتاوى ابن تيمية.

فالترجيح في هذه المسألة ليس بالأمر الهين، وقد اجتهدت في ذكر كل ما اطلعت عليه من أدلة الفريقين، وكل ما اطلعت عليه من مناقشاتهم لأدلة المخالفين لهم، وأجدني مائلاً إلى القول بأن الخلع فسخ لا طلاق، ولا أقطع بذلك ولكن يكفي في هذا المقام غلبة الظن، والله أعلم.

وأنبه إلى أن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، قال في حاشية رد المحتار: لو قضى قاض بكونه فسخاً نفذ حكمه؛ لأنه موضع اجتهاد صحيح بمعنى أنه يسوغ فيه الاجتهاد لأنه لم يخالف كتاباً ولا سنة مشهورة ولا إجماعاً، إذ لو خالف شيئاً من ذلك في رأي المجتهد لم يكن مجتهداً فيه، حتى لو حكم به حاكم يراه لا ينفذ.


وبعد، فاعلم أنه يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً ما يلي:

1. إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن للمخالع أن يعيدها بعقد جديد، وإن تكرر منه الخلع أكثر من ثلاث مرات؛ لأن الفسخ لا يُنقص من عدد الطلاق الذي يملكه الزوج على زوجه.

وأما إذا اعتبرنا الخلع طلاقاً بائناً فإنه يُنقص من عدد الطلقات التي يملكها عليها ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم.

2. قال النووي: قالت: طلقني على كذا، فقال: خالعتك. فإن جعلنا الخلع فسخاً لم ينفذ؛ لأنه لم يجبها، وإن جعلناه صريحاً في الطلاق أو كناية ونوى حصلت البينونة ولزم المال، وإن لم ينو لم يقع شيء.

قلت: قوله: لم ينفذ فيه نظر، فقد قال شيخ الإٍسلام: إذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف، فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف؟ وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟.

3. يصح الخلع من الأجنبي إذا قلنا: الخلع طلاق أما إذ قلنا: الخلع فسخ، ففيه خلاف، والراجح صحته أيضاً.

4. قال النووي: تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ، فهو كبيع الهازل وفيه خلاف.

5. قال: التعليق يمنع صحة الخلع إن قلنا: فسخ، وإن قلنا: طلاق فلا.

6. إن قلنا: الخلع فسخ، فإن أكرهها على الخلع لا يصح الخلع، ولا يلزم شيء، وإن قلنا: الخلع طلاق فلا يصح الخلع أيضاً ولكن يقع الطلاق، وقيل: لا يقع.

7. إن قلنا: الخلع طلاق، فيقع الطلاق عليها في عدتها إذا كان الخلع دون الثلاث؛ لأن الطلاق لا ينقض العقد، أما إن قلنا: الخلع فسخ فإن الطلاق لا يقع على المرأة في عدتها منه.

8. معظم الذين قالوا: الخلع طلاق قالوا: عدة المختلعة هي عدة الطلاق، ومن قال: الخلع فسخ، قالوا: عدة المختلعة حيضة، إلا الإمام أحمد فإنه قال: الخلع فسخ ومع هذا قال: عدة المختلعة ثلاث قروء وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المبحث التالي.

يتبع إن شاء الله...


avatar
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 16625
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 09/06/13, 03:50 am

وقال القرطبي في تفسيره نقلاً عن القاضي إسماعيل بن إسحاق قال:

وأما قوله تعالى: "فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)" [البقرة: 230].

فهو معطوف على قوله تعالى: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

لأن قوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

إنما يعني به أو تطليق، فلو كان الخلع معطوفاً على التطليقتين لكان لا يجوز الخلع أصلاً إلا بعد تطليقتين، وهذا لا يقوله أحد.

وقال غيره:

ما تأولوه في الآية غلط، فإن قوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)" [البقرة: 229].

ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع، فعاد الخلع إلى الثنتين المتقدم ذكرهما، إذ المراد بذلك بيان الطلاق المطلق والطلاق بعوض، والطلاق الثالث بعوض كان أو بغير عوض فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج.

وفي فتح القدير لابن الهمام:

ليس في الآية حجة على أن الخلع فسخ فإن الله تعالى بعد ما أفاد شرعية الثلاث وبين ذلك نص على حكم آخر هو جواز دفعها البدل تخلصاً من قيد النكاح وأخذه منها من غير تعرض لكونه غير طلاق أو طلاقا هو الثالثة أو لا، بل نص على شرعية الثلاث وبين حكماً آخر هو جواز الافتداء عن ملك النكاح.

وأما ما ذكروه عن عثمان فبتقدير ثبوته ليس فيه سوى أنه قال: لا عدة عليها ولا تُنكح حتى تحيض حيضة، فقوله: لا عدة عليها يعني العدة المعهودة للمطلقات، وللشارع ولاية الإيجاد والإعدام، ولا تلازم بين عدم العدة وكونه فسخاً، وقد روى مالك عن نافع أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمها إلى عبد الله بن عمر فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان فبلغ عثمان فلم ينكره، فقال ابن عمر: عدتها أوعدتك عدة المطلقة، وقال: بلغنا عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب أنهم كانوا يقولون: عدة المختلعة ثلاثة قروء.

واستدلوا بأدلة أخرى غير الآية المذكورة، من ذلك ما في رواية النسائي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لثابت: خذ الذي لك عليها وخل سبيلها، قال: نعم.

فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها.

وقال أبوبكر بن أبي عاصم:

مما دل على أن الخلع فسخ لا طلاق حديث حبيبة بنت سهل زوجة ثابت بن قيس عندما خالعته فقال له رسول الله -صلى الله وسلم-: خذ منها. فأخذ منها وجلست في بيتها.

قال ابن أبي عاصم:

ولم يذكر طلاقاً، وفي حيضة واحدة دليل على أنها ليست بمطلقة، وكذلك في عدتها في بيتها.

قال الألباني:

أمْر المختلعة أن تعتد بحيضة أخرجه الترمذي والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم، وضعفه البيهقي بدون حجة، وله طريق أخرى عند النسائي صحيحة أيضاً.

وقد نوقش هذا بأن اعتداد المختلعة بحيضة واحدة لا يمنع أن يكون الخلع طلاقاً وعدته حيضة لا ثلاث حيض، وقد رُوي عن أحمد.

لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قيل: إن عثمان جعلها مطلقة تستبرئ بحيضة فهذا لم يقل به أحد من العلماء.

قلت:

ظاهر ما نقل عن عثمان أنه يقول بذلك، فقد رجح ابن عبد البر أن عثمان يرى الخلع طلاقاً، وثبت أنه أمر المختلعة أن تعتد بحيضة، لكن المنقول عن عثمان في سنده ضعف، فقد ضعفه أحمد وابن المنذر والله أعلم.

وقالوا:

لو كان طلاقاً لاقتضى فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تُمس فيه المطلقة، ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

لو كان الخلع طلاقاً لما جاز في الحيض، فإن الله حرم طلاق الحائض.

ومن أدلة مَنْ قال:

الخلع فسخ لا طلاق أنه لا يصح جعل الخلع طلاقاً بائناً ولا رجعياً، أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة، وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

الطلاق المطلق في كتاب الله له ثلاثة أحكام: جعله الله رجعياً، وجعل فيه تربص ثلاثة قروء، وجعله ثلاثاً، والخلع ليس برجعي بدلالة النص والإجماع، ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء بالسُنة، فلذلك يجب أن لا يُجعل من الثلاث؛ وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى الطلاق عند الإطلاق، وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما يُسمى الحلف بالنذر نذر اللجاج والغضب، فيسمى نذراً مقيداً لأن لفظه لفظ النذر، وهو في الحقيقة من الأيمان لا من النذور، وكذلك لفظ الماء عند الإطلاق لا يتناول المني، وإن كان يسمى ماء مع التقييد كقوله تعالى: "خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)" [الطارق: 6].

وقال أيضاً:

الله جعل الرجعة من لوازم الطلاق في القرآن، فلم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها إلا وأثبت فيه الرجعة، فلو كان الافتداء طلاقاً لثبت فيه الرجعة، وهذا يزيل معنى الافتداء إذ هو خلاف الإجماع، لكن قال طائفة: هو غير لازم فإن شاء رد العوض وراجعها.

وقال أيضاً:

الطلاق الذي جعله الله ثلاثاً هو الطلاق الرجعي، وكل طلاق في القرآن في المدخول بها هو الطلاق الرجعي غير الطلقة الثالثة، فمن قسم الطلاق المحسوب من الثلاث إلى رجعي وبائن فقد خالف الكتاب والسنة بل كل ما فيه بينونة فليس من الطلاق الثلاث، فإذا سمي طلاقاً بائناً ولم يجعل من الثلاث فهذا معنى صحيح لا تنازع فيه.

وقال:

في السنن أن فيروز الديلمي أسلم وتحته أختان، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: طلق أيتهما شئت، قال: فعمدت إلى أسبقهما صحبة ففارقتها، وهو حديث حسن، فقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطلق إحداهما، وهذه الفرقة عند الشافعي وأحمد فرقة بائنة، وليست من الطلاق الثلاث، فدل على أن لفظ الطلاق قد تناول ما هو فسخ ليس من الثلاث.

وقال أيضاً:

الطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق الذي يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة، وما كان بعوض فلا رجعة له فيه، وليس من الطلاق المطلق، وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها، وهذا الفداء ليس من الطلاق الثلاث، سواء وقع بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء، أو السراح، أو الفراق، أو الطلاق، أو الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ، ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجمهور من الأجنبي، فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة.

وقال أيضاً:

الفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول محدث لم يعرف عن أحد من السلف، والمنقول عن السلف قاطبة إما جعل الخلع فرقة بائنة وليس بطلاق، وإما جعله طلاقا، وما رأيت في كلام أحد منهم أنه فرق بين لفظ ولفظ ولا اعتبر فيه عدم نية الطلاق, فإنهم اعتبروا مقصود العقد لا لفظا معيناً، والتفريق بين لفظ ولفظ مخالف للأصول والنصوص، وببطلان هذا الفرق يستدل من يجعل الجميع طلاقاً، فيبطل القول الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الفرق إذا قيل به كان من أعظم الحجج على فساد قول من جعله فسخاً، ولهذا عدل الشافعي عن ترجيح هذا القول لما ظهر له أن أهله يفرقون.

وقال:

الطلاق لم يجعل الشارع له لفظ معيناً بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله وقع عند الصحابة والسلف وعامة العلماء لم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة والظاهرية، فإذا قال: فارقتك، أو سرحتك، أو سيبتك ونوى به الطلاق وقع، وكذلك سائر الكنايات، فإذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف.

فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف.

وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكنايات في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟!.

وقال أيضاً:

القول الذي ذكرنا من أن الخلع فسخ تبين به المرأة بأي لفظ كان هو الصحيح الذي عليه تدل النصوص والأصول، وعلى هذا فإذا فارق المرأة بالعوض عدة مرات كان له أن يتزوجها سواء كان بلفظ الطلاق أو غيره، وإذا قيل: الطلاق صريح في إحدى الثلاث فلا يكون كناية في الخلع، قيل: إنما الصريح اللفظ المطلق، فأما المقيد بقيد يخرجه عن ذلك فهو صريح في حكم المقيد، كما إذا قال: أنت طالق من وثاق أو من الهموم والأحزان، فإن هذا صريح في ذلك لا في الطلاق من النكاح.

وإذا قال:

أنت طالق بألف فقالت: قبلت فهو مقيد بالعوض، وهو صريح في الخلع، لا يحتمل أن يكون من الثلاث البتة، فإذا نوى أن يكون من الثلاث فقد نوى باللفظ ما لا يحتمله، كما لو نوى بالخلع أن تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره فنيته هذا الحكم باطل، كذلك نيته أن يكون من الثلاث باطل، وكذلك لو نوى بالظهار الطلاق.

والافتداء له حقيقة يباين بها معنى الطلاق الثلاث فلا يجوز أن يدخل حقيقة الطلاق في حقيقة الافتداء، ولا حقيقة الافتداء في حقيقة الطلاق، وإن عبر عن أحدهما بلفظ الآخر، أو نوى بأحدهما حكم الآخر، فنية هذا الحكم باطل كما لو قصد بسائر العقود ما يخالف حكم الله ورسوله، فيكون جاهلاً بالسنة فيرد إلى السنة كما قال عمر بن الخطاب: ردوا الجهالات إلى السنة.

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للمخالع: (وطلقها تطليقة) إذن له في الطلقة الواحدة بعوض ونهي له عن الزيادة كما قد بين دلالة الكتاب والسنة على أن الطلاق السنة أن يطلق طلقة واحدة ثم يراجعها أو يدعها حتى تنقضي عدتها، وأنه متى طلقها ثنتين أو ثلاثاً قبل رجعة أو عقد جديد فهو طلاق بدعة محرم عند جمهور السلف والخلف.

وإذا كان بعوض فهو فدية، فلا يحل له أن يوقع الثلاث أيضاً بالعوض كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يطلق بالعوض إلا واحدة لا أكثر كما لا يطلق بغيره إلا واحدة لا أكثر، لكن الطلاق بالعوض طلاق مقيد هو فدية وفرقة بائنة، ليس هو الطلاق المطلق في كتاب الله، فإن هذا هو الرجعي.

المطلب الرابع:
ما يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً:

هذه المسألة وهي هل الخلع فسخ أو طلاق من أصعب المسائل الاجتهادية، حتى أن من العلماء من يتردد فيها، ومنهم من يرجع عما كان يقول فيها.

قال ابن حجر في الفتح:

للعلماء فيما إذا وقع الخلع مجرداً عن الطلاق لفظاً ونية ثلاثة آراء هي أقوال للشافعي:

أحدها:

أن الخلع طلاق وهو قول الجمهور، ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه الجديدة واختاره صاحب التهذيب.

الثاني:

أنه فسخ وهو قول الشافعي في القديم ومشهور مذهب أحمد واختاره أبو حامد والقاضي أبو الطيب.

الثالث:

إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلاً ونص عليه في الأم وقواه السبكي من المتأخرين وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء أنه آخر قولي الشافعي [وقال الإمام والروياني: إنه ظاهر المذهب؛ لأنه كناية في الطلاق وقد عري عن النية فلم تقع به الفرقة كسائر كنايات الطلاق].

قلت:

والقول الثالث مبني على أن الخلع طلاق صريح أو كناية، وفيه قولان للشافعي:

قال في الإملاء:

هو صريح في الطلاق؛ لأن دخول العوض فيه كدخول النية في كنايات الطلاق.

وقال في الأم:

هو كناية في الطلاق، فلا يقع به الطلاق إلا بالنية كسائر كنايات الطلاق.

وعند الأحناف:

الخلع ليس بطلاق صريح بل كناية، والواقع بالكنايات طلاق بائن، وذكْر المال أغنى عن النية.

قال شيخ الإسلام:

لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً، فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق.

وقال أيضاً:

اللفظ إذا كان صريحاً في باب ووجد معاداً فيه لم يكن كناية في غيره، ولهذا لو نوى بلفظ الظهار الطلاق لم يقع عند عامة العلماء، وعلى هذا دل الكتاب والسنة، وألفاظ الخلع والفسخ والفدية مع العوض صريحة في الخلع فلا تكون كناية في الطلاق، فلا يقع بها الطلاق بحال، ولفظ الخلع والمفاداة والفسخ والعوض صريحة في الخلع ولا يقع بها الطلاق وإن نواه.

ويدل على صعوبة الترجيح في هذا المسألة اضطراب الإمام المحقق الشوكاني/ في الترجيح في هذه المسألة، فقد رجح في كتابه الدرر البهية أن الخلع فسخ، ورجح في حاشية الشفاء أن الخلع طلاق، ورجح في الفتح الرباني وفي نيل الأوطار أن الخلع فسخ ثم رجح في السيل الجرار أن عدة المختلعة حيضة إذا لم يجر منه لفظ قط وإذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه فتحسب طلقة.

وقد تعقبه الألباني في تعليقاته على الروضة الندية بقوله:

وفي هذا نظر لأن مقصود الافتداء لا يحصل مع الطلاق، وهو رجعي بنص كتاب الله فإن كان يريد طلاقاً بائناً فليس في كتاب الله طلاق بائن محسوب من الثلاث أصلاً وبيان ذلك في فتاوى ابن تيمية.

فالترجيح في هذه المسألة ليس بالأمر الهين، وقد اجتهدت في ذكر كل ما اطلعت عليه من أدلة الفريقين، وكل ما اطلعت عليه من مناقشاتهم لأدلة المخالفين لهم، وأجدني مائلاً إلى القول بأن الخلع فسخ لا طلاق، ولا أقطع بذلك ولكن يكفي في هذا المقام غلبة الظن، والله أعلم.

وأنبه إلى أن حكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، قال في حاشية رد المحتار: لو قضى قاض بكونه فسخاً نفذ حكمه؛ لأنه موضع اجتهاد صحيح بمعنى أنه يسوغ فيه الاجتهاد لأنه لم يخالف كتاباً ولا سنة مشهورة ولا إجماعاً، إذ لو خالف شيئاً من ذلك في رأي المجتهد لم يكن مجتهداً فيه، حتى لو حكم به حاكم يراه لا ينفذ.

وبعد، فاعلم أنه يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً ما يلي:

1. إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن للمخالع أن يعيدها بعقد جديد، وإن تكرر منه الخلع أكثر من ثلاث مرات؛ لأن الفسخ لا يُنقص من عدد الطلاق الذي يملكه الزوج على زوجه.

وأما إذا اعتبرنا الخلع طلاقاً بائناً فإنه يُنقص من عدد الطلقات التي يملكها عليها ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم.

2. قال النووي: قالت: طلقني على كذا، فقال: خالعتك. فإن جعلنا الخلع فسخاً لم ينفذ؛ لأنه لم يجبها، وإن جعلناه صريحاً في الطلاق أو كناية ونوى حصلت البينونة ولزم المال، وإن لم ينو لم يقع شيء.

قلت: قوله: لم ينفذ فيه نظر، فقد قال شيخ الإٍسلام: إذا أتى بهذه الكنايات مع العوض مثل أن تقول له: سرحني أو فارقني بألف، فأي فرق بين هذا وبين أن تقول: فادني بألف أو اخلعني بألف أو افسخ نكاحي بألف؟ وكذلك سائر ألفاظ الكنايات، مع أن لفظ الخلع والفسخ إذا كان بغير عوض ونوى بهما الطلاق وقع الطلاق رجعياً فهما من ألفاظ الكناية في الطلاق، فأي فرق في ألفاظ الكنايات بين لفظ ولفظ؟.

3. يصح الخلع من الأجنبي إذا قلنا: الخلع طلاق أما إذ قلنا: الخلع فسخ، ففيه خلاف، والراجح صحته أيضاً.

4. قال النووي: تخالعا هازلين نفذ إن قلنا: إنه طلاق، وإن قلنا: فسخ، فهو كبيع الهازل وفيه خلاف.

5. قال: التعليق يمنع صحة الخلع إن قلنا: فسخ، وإن قلنا: طلاق فلا.

6. إن قلنا: الخلع فسخ، فإن أكرهها على الخلع لا يصح الخلع، ولا يلزم شيء، وإن قلنا: الخلع طلاق فلا يصح الخلع أيضاً ولكن يقع الطلاق، وقيل: لا يقع.

7. إن قلنا: الخلع طلاق، فيقع الطلاق عليها في عدتها إذا كان الخلع دون الثلاث؛ لأن الطلاق لا ينقض العقد، أما إن قلنا: الخلع فسخ فإن الطلاق لا يقع على المرأة في عدتها منه.

8. معظم الذين قالوا: الخلع طلاق قالوا: عدة المختلعة هي عدة الطلاق، ومن قال: الخلع فسخ، قالوا: عدة المختلعة حيضة، إلا الإمام أحمد فإنه قال: الخلع فسخ ومع هذا قال: عدة المختلعة ثلاث قروء وسيأتي تفصيل هذه المسألة في المبحث التالي.


avatar
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 16625
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فـقــــــــــــه الخــلـــع

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 09/06/13, 04:06 am

المبحث الثاني
عـــــــدة الـمـختـلـعـــة

اختلف الفقهاء في عدة المختلعة على قولين:

القول الأول:

أن المختلعة تعتد بثلاثة قروء كعدة المطلقة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورجحه ابن حزم.

القول الثاني:

تعتد المختلعة بحيضة واحدة، وهو رواية عن أحمد ورجحه ابن المنذر وابن تيمية.

استدل مَنْ قال:

إن عدة المختلعة عدة المطلقة بقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) [البقرة:228].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

لا يجوز الاحتجاج بهذه الآية حتى يبين أن المختلعة مطلقة، وهذا محل النزاع، ولو قدر شمول نص الآية فالخاص يقضي على العام والآية قد استثني منها غير واحدة من المطلقات كغير المدخول بها والحامل والأمة والتي لم تحض، وإنما تشمل المطلقة التي لزوجها عليها الرجعة.

قال الترمذي:

قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة.

وقال بعض أهل من أصحاب النبي وغيرهم: إن عدة المختلعة حيضة.

قال الشوكاني:

ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالإجماع، وأيضاً قد عارض حكاية الترمذي حكاية ابن القيم فإنه قال: لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة.

واستدل من قال:

إن عدة المختلعة حيضة بما أخرجه النسائي وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي، فذكرت قصة وفيها: أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة، قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في امرأة ثابت بن قيس.

وعن ابن عباس قال:

إن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمرها أن تعتد بحيضة.

وهذا الحديث نص في المسألة إلا أنه اختلف في ثبوته.

قال ابن عبد البر:

روى هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس أن ثابت بن قيس اختلعت منه امرأته، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عدتها حيضة.

ورواه عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلاً.

ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ربيع بنت معوذ قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد حيضة.

وليست هذه الآثار بالقوية.

وقال القرطبي في تفسيره:

الحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن.

وقال الألباني:

قول القرطبي مدفوع لأنه غير قائم على القواعد الحديثية.

قلت:

أي أنه اختلف فيه على معمر فرواه عنه هشام بن يوسف موصولاً، ورواه عنه عبد الرزاق مرسلاً، وهشام وعبد الرزاق كلاهما ثقتان وقد اختلفا على شيخهما معمر، والظاهر في هذا الحكم لمن وصل؛ لأن معه زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والأصل عدم وهْم الراوي لا سيما وأنه يشهد لهذا الحديث حديث ربيع بنت معوذ المتقدم، فيغلب على الظن صحة هذا الحديث، والله أعلم.

قال شيخ الإسلام:

المشهور عن عثمان أنها تعتد بحيضة، وهو قول ابن عباس وآخر القولين عن ابن عمر، ولم يثبت عن صحابي خلافه، فإنه روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف وهو قول أبان بن عثمان وعكرمة وإسحاق بن راهويه وغيره من فقهاء الحديث.

والقول بأن عدة المختلعة حيضة هو ما أميل إليه لِما ذُكر من الأدلة وإن كانت غير قطعية لكنها تكفي للترجيح، والله أعلم.

المبحث الثالث
جواز الخلع في الطهر والحيض:


ذهب جمهور الفقهاء على أن الخلع يقع صحيحاً ولو كانت الزوجة المختلعة حائضاً أو طاهراً طهراً واقعها فيه زوجها، قال في المغني: ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها فيه؛ لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاها بأدناهما.

ولذلك لم يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاً منها به ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه.

وقال في فقه السنة:

يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت؛ لأن الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن.

قال الله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) [البقرة: 229].

ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث ولا استفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء، قال الشافعي: ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل هل هي حائض أم لا، ولأن المنهي عنه الطلاق في الحيض من أجل أن لا تطول عليها العدة، وهي هنا التي طلبت الفراق واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل.

وقد ذهب المالكية والزيدية رحمهم الله إلى أن في الخلع سنة وبدعة، وهذا القول ضعيف ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والله أعلم.

المبحث الرابع
حكم لحوق المختلعة الطلاق:


جمهور الفقهاء أن المختلعة لا يحلقها طلاق، وقال مالك: لا يرتدف على المختلعة طلاق إلا إذا كان الكلام متصلاً.

وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال:

يرتدف على المختلعة صريح الطلاق سواء كان على الفور أم على التراخي ما دامت في العدة.

وسبب الخلاف أن العدة عند الجمهور من أحكام الطلاق، وعند أبي حنيفة من أحكام النكاح، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها، فمن رآها من أحكام النكاح ارتدف الطلاق عنده ومن لم ير ذلك لم يرتدف.

وقد رجح ابن حزم أنه يلحقها الطلاق بعد الخلع بناءً على قوله بأن طلاقها رجعي لا بائن، وروى من طريق وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال: كان عمران بن حصين وابن مسعود يقولان في التي تفتدي من زوجها بمالها: يقع عليها الطلاق ما دامت في العدة.

وروى عن طاووس أنه كان يقول: إن طلقها بعد الفداء جاز.

ونقل عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: الخلع طلاق رجعي.

والقول بأن في الخلع رجعة مخالف لما عليه أكثر العلماء.

قال في المغني:

ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم لقوله سبحانه: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) [البقرة: 229]

وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر.

والراجح -والله أعلم- أن المختلعة لا يلحقها طلاق وهو مذهب الشافعي وأحمد ورجحه ابن المنذر وهو قول ابن عباس وابن الزبير.

قال الشافعي:

وإذا خالعها ثم طلقها في العدة لم يقع عليها الطلاق لأنها ليست بزوجة، ولا تحل له إلا بنكاح جديد كما كانت قبل أن ينكحها، وكذلك لو آلى منها أو تظاهر أو قذفها لم يقع عليها إيلاء ولا ظهار ولا لعان، إن لم يكن ولد، ولو ماتت أو مات لم يتوارثا.

وقد أشار الإمام الشافعي في كلامه السابق إلى مسألة مهمة، وهي أن المختلعة يجوز لزوجها أن يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد سواء كانت في العدة أو بعد انتهاء العدة، وهذا قول أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر.

قال في فقه السنة: يجوز للرجل أن يتزوجها برضاها في عدتها ويعقد عليها عقداً جديداً.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
البينونة نوعان:


البينونة الكبرى، وهي إيقاع البينونة الحاصلة بإيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به المرأة حتى تنكح زوجاً غيره، والبينونة الصغرى وهي التي تبين بها المرأة وله أن يتزوجها بعقد جديد في العدة وبعدها.

فالخلع تحصل به البينونة الصغرى دون الكبرى.

وإن صرحت ببذل العوض في الطلقة الثالثة المحرمة وكان مقصودها أن تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره فقد بذلت العوض في غير البينونة الصغرى، وهو يشبه ما إذا بذلت العوض في الخلع بشرط الرجعة، فإن اشتراط الرجعة يشبه اشتراطها الطلاق المحرم لها فيه.

المبحث الخامس
أثر الخلع في إسقاط الحقوق الزوجية:


لا خلاف بين العلماء أن الديون الواجبة على الزوج لزوجته لا بسبب النكاح أنها لا تسقط بالخلع والمبارأة.

واختلفوا في إسقاط الخلع للحقوق الزوجية كبقية الصداق والنفقة والكسوة ونحو ذلك.

فذهب الجمهور إلى أن الخلع لا يترتب عليه سقوط حقوق الزوجين؛ لأن أثر الخلع يقتصر على ما سمي من بدل الخلع.

قال في المغني:

إذا خالع زوجته أو بارأها بعوض فإنهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق، فإن كان قبل الدخول فلها نصف المهر، وإن كانت قبضته كله ردت نصفه، وإن كانت مفوضة فلها المتعة.

وذهب أبو حنيفة إلى إسقاط الحقوق الزوجية بالخلع فلا يطالب أحدهما صاحبه بشيء.

والراجح ما ذهب إليه الجمهور وهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة؛ لأن الخلع على عوض مسمى ولا دليل على إسقاطه لبقية الحقوق الزوجية، بل من ثبت عليه مال فلا تبرأ ذمته إلا بأدائه، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).

وليس للمختلعة سكنى ولا نفقة ولا متعة.

قال الحسن البصري:

وليس للمختلعة ولا المطلقة ثلاثاً سكنى ولا نفقة.

وقال الشعبي:

ليس للمختلعة متعة، كيف يمتعها وهو يأخذ منها؟.

وقال قتادة:

لكل مطلقة متاع إلا المختلعة.

وقال ابن حزم:

ومن خالع امرأته خلعاً صحيحاً لم يسقط بذلك عنه نفقتها وكسوتها وإسكانها في العدة إلا أن تكون ثلاثة مجموعة أو مفرقة، ولا يسقط بذلك عنه ما بقي عليه من صداقها قل أو كثر.

وهنا مسألة مهمة تتعلق بهذا المبحث:

قال في حاشية الروض المربع: قال الشيخ -أي ابن تيمية-: إذا قال لزوجته: إن أبرأتني فأنت طالق، فقالت: أبرأك الله مما تدعي النساء به على الرجال فقال: أنت طالق، وظن أنه يبرأ من الحقوق، فإنه يبرأ مما تدعي به النساء على الرجال إذا كانت رشيدة.

المبحث السادس
الاختـــلاف فـــي الـخـلـــع


قد يختلف الزوجان في أصل الخلع وقد يختلفان في مقدار عوضه أو جنسه، أو موعد تسليمه أو صفته أو تأجيله أو حلوله.

فإذا اختلفا في أصل الخلع فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة فإن المرأة تبين لأنه أقر بالخلع، ولا يستحق عوضاً لإنكار الزوجة وعليها اليمين.

وأما إذا ادعته المرأة وأنكره الزوج فالقول قول الزوج؛ لأنه لا يثبت الخلع بإقرارها، ولا يستحق عليها عوضاً لأنه لا يدعيه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

وإن اتفقا على الخلع ولكن اختلفا في مقدار العوض أو في جنسه أو صفته أو تأجيله أو حلوله فقد اتفق الفقهاء على وقوع الخلع ووجوب العوض؛ وذلك لإقرار الزوج بالخلع وموافقة الزوجة له ولكن اختلفوا هل يقدم قول الزوج أو الزوجة فيما اختلفا فيه؟

فذهب الجمهور إلى أن القول قول الزوجة إذا حلفت؛ لأن الأصل براءة ذمتها إلا فيما تقر به، وأما ما تنكره فلا يثبت عليها إلا ببينة، وفي الحديث الصحيح: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

وقال الشافعية:

يتحالف الزوجان فإذا تحالفا سقط المسمى ووجب مهر المثل كالمتبايعين إذا اختلفا.

والراجح -والله أعلم- قول الجمهور للحديث المذكور، وقد قال الشافعي بتقديم قول المرأة في بعض صور الاختلاف بين الزوجين، قال: وإذا اختلف الزوج والمرأة فقال الزوج: طلقتك على ألف.

وقالت المرأة: طلقتني على غير شيء.

فالقول قول المرأة وعلى الزوج البينة والطلاق واقع، ولا يملك فيه الزوج الرجعة؛ لأنه مقر أن لا رجعة له على المرأة فيه، وإن عليها له مالاً؛ فلا يصدق فيما يدعي عليها ويصدق على نفسه.

وأختم هذا المبحث بمسألة مهمة تتعلق به:
قال ابن الرفعة:


لو أقامت المرأة على ما تدعيه من الطلاق شاهداً واحداً لم تحلف معه؛ لأن الطلاق لا يثبت بالشاهد واليمين، وإن أقام الرجل شاهداً واحداً حلف معه؛ لأن قصده إثبات المال دون الطلاق.

الخــاتـمـــة

الحمد لله أولاً وآخراً، وبعد هذا البحث المتواضع أجمل باختصار أهم النتائج التي توصلت إليها بفضل الله وتوفيقه:

1) معرفة سماحة الشريعة الإسلامية, وأنها ليس فيها حرج بوجه من الوجوه، وأنها كاملة شاملة حكيمة، جاءت بما يصلح العباد، ويدفع عنهم الفساد، فمن مقاصدها جلب المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، ويظهر هذا في معرفة مشروعية الخلع وحكمته وأحكامه العظيمة.

2) معرفة قدر ما كتبه علماء الإسلام من الكتب الفقهية، وأنه لا يستغني طالب العلم من النظر في كتب المذاهب الفقهية المختلفة, ففوق كل ذي علم عليم.

3) الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن والمودة والرحمة وحسن العشرة وأداء كل واحد من الزوجين ما عليه من حقوق، فإن حصل تقصير من أحدهما فالإسلام يوصي بالصبر وشرع من الوسائل الحكيمة ما تعالج بها المشاكل الأسرية، وشرع كل ما يدفع الفرقة، لكن إذا اشتد الشقاق بين الزوجين وتعذر الإصلاح بين الزوجين، فمن حكمة الإسلام ورحمته أن رخّص في الفراق بينهما دفعاً للضرر، فإن كانت الكراهة من جهة الزوج فبيده الطلاق وهو حق من حقوقه له أن يستعمله في حدود ما شرع الله له، وإن كانت الكراهة من جهة الزوجة فلها أن تطلب الخلع، وهو حق من حقوقها لها أن تطلبها في حدود ما شرع الله لها.

4) الخلع لغة: النزع والإزالة.

وشرعاً: فراق الزوجة بعوض.

5) الخلع مشروع بالقرآن والسنة الثابتة والإجماع الصحيح.

6) الخلع دليل على واقعية الشريعة الإسلامية، فالإسلام يراعي جميع الحالات الواقعية، ويراعي مشاعر القلوب، فإذا كانت الزوجة كارهة لزوجها لا تستطيع الحياة معه فقد جعل الإسلام الخلع طريقاً لها لتخليصها من زوجها على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها، وهذه هي الحكمة من مشروعية الخلع.

7) أركان الخلع أربعة: المخالع، المختلعة، الصيغة، العوض.

يصح الخلع من الزوج البالغ العاقل المختار، ويصح من السفيه والمريض مرض الموت، ولا يصح الخلع من الصبي ولا المجنون ولا السكران ولا المكره.

9) يصح الخلع من الزوجة البالغة الرشيدة.

ويصح الخلع من المعتدة من طلاق رجعي لا بائن.

ويصح خلع المريضة مرض الموت.

ويجوز لولي السفيهة أن يخالع عنها إذا أذنت له بذلك وكان في خلعها مصلحة ظاهرة لها، ولا يصح مخالعة الصغيرة أو السفيهة إذا كانت هي الملتزمة بعوض الخلع، ولا يصح مخالعة المجنونة ولا المكرهة.

10) ينعقد الخلع بأي لفظ يدل على التراضي ولا بد من الإيجاب والقبول، ولا يشترط لفظ معين، وتصح ترجمة الخلع بكل لغة من أهلها.

11) صيغة الخلع نوعان:

- منجزة مثل أن يقول الزوج لزوجته: خالعتك بألف درهم، فتقول: قبلت، أو تقول: اخلعني وأعطيك المهر فيقول: قبلت.

- معلقة مثل أن يقول: إن أعطيتني ألفا فقد خالعتك فتقول: قبلت أو لا تقول شيئاً ولكنها أعطته الألف فيقع الخلع عندما تعطيه وإن تراخى.

ولو خالع الرجل زوجته على أن له الرجعة فالشرط باطل والخلع واقع.

وإن خالع الرجل زوجته وعلق الخلع على مشيئة الزوجة كأن يقول: خالعتك على ألف إن شئت، فالخلع واقع إن شاءت في المجلس، أما إن قال لها: خالعتك على ألف متى شئت، وقع الخلع متى شاءت، ولا يختص بالمجلس.

12) أخذ الزوج لعوض الخلع جائز، لكن يحرم عليه أن يضار زوجته لأجل أن تطلب الخلع منه، فإن فعل فالخلع باطل والعوض مردود، وأما إن ضارها على نشوزها تأديباً لها لترجع إلى طاعته فخالعته فلا يحرم عليه أخذ عوض الخلع، وكذلك إن كان سيء الخلق ولا يريد بسوء عشرته لها أن تفتدي منه فخالعته لم يحرم عليه أخذ العوض؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، ولكن عليه إثم الظلم وسوء العشرة، وإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت جاز له أخذ عوض الخلع.

وعوض الخلع يجوز بما اتفق عليه الزوجان سواء بمهر المثل أو أقل أو أكثر، لكن المروءة تقتضي ألا يأخذ أكثر مما أعطاها.

ويجوز أن تختلع منه بالمهر المؤجل؛ لأنه دين في ذمة الزوج، ويجوز أن تختلع منه بمال مؤجل إذا كان الأجل معلوماً.

ويصح الخلع بالعوض المجهول؛ لأن الخلع إسقاط لحق الزوج من البضع، وليس بتمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة، فإذا رضي الزوج بأي عوض غير محرم شرعاً فله ذلك إذا كان الشيء المجهول مآله إلى العلم.

ويجوز أن يكون عوض الخلع سقوط ما على المخالع من نفقة ماضية واجبة عليه أو نفقة الحمل أو نفقة الصغير أو حضانته.

ويجوز أن يكون عوض الخلع إرضاع المختلعة ولد المخالع، ولا يجوز أن يكون عوض الخلع إسقاطها حقها في حضانة ولدها الصغير؛ لأن حضانة الأم أنفع للولد الصغير، وإن خالعها على شيء محرم يعلمان تحريمه فالخلع صحيح ولا يستحق الزوج شيئاً ويكون خلعها بلا عوض.

ولا يجوز الخلع إلا بتراضي الزوجين لكن إذا امتنع الزوج من الخلع فللقاضي إلزام الزوج بالخلع وله أن يخلع الزوجة من زوجها لو بغير رضاه دفعاً للضرر عن المرأة.

13) اختلف الفقهاء في جواز الخلع مع عدم الشقاق بين الزوجين والراجح أنه لا يجوز الخلع إلا لحاجة، فإن طلبت الزوجة الخلع بلا حاجة صح الخلع مع إثم الزوجة.

14) يشترط لوقوع الخلع النية من الزوجين فإن تخالعا هازلين فلغو، وقيل: يقع الخلع قضاء لا ديانة، فإذا وصل الأمر إلى القاضي حكم بوقوع الخلع بحسب الظاهر.

15) العوض ليس شرطاً في الخلع فيجوز الخلع بلا عوض؛ لأنه حق للزوج فله إسقاطه باختياره.

16) يجوز الخلع في الحيض والنفاس وفي الطهر الذي أصاب الزوجة فيه.

17) الأصل وقوع الخلع بإيجاب وقبول، لكن لا يشترط كون القبول في مجلس العقد، فلا بأس بالتراخي، بل وتجوز المعاطاة في الخلع بلا لفظ.

18) الخلع جائز دون إذن القاضي كالطلاق، ولا دليل على اشتراط إذن القاضي في الخلع.

19) يحرم على المرأة طلب الخلع لغير حاجة، ويكره لها أن تطلب الخلع إن كانت كارهة لزوجها مع محبته لها، وينبغي لها أن تصبر ولا تختلع منه، ويباح لها أن تطلب الخلع إذا كرهت زوجها أو لعجزه عن أداء حقوقها وخشيت أن يؤدي بها ذلك إلى تفريطها في حقه، ويستحب أن تطلب الخلع إن كان زوجها مفرطاً في حقوق الله، ويجب عليها أن تطلب الخلع إن كان زوجها مصراً على ترك الصلاة ولم يقبل النصيحة والتذكير، وكذا إذا كان متلبساً باعتقاد أو فعل يخرجه من الإسلام، ولم تستطع أن تفارقه إلا بالخلع، وكذلك إذا كان يكرهها على فعل بعض المحرمات أو يجامعها في الحيض أو في الدبر، أو طلقها ثلاثاً وهي تعلم بذلك وأنكر؛ فيحرم عليها أن تمكنه من نفسها ويجب عليه أن تفتدي منه وتؤجر على ما تبذله من مال في هذا الخلع.

20) يباح للزوج أن يطلب من زوجته المخالعة إذا رأى منها نشوزاً ولم ينفع معها الوعظ والهجر والضرب، وكذا يباح له ذلك لتركها طاعة الله كالصلاة والصوم ووقوعها في المعاصي إذا لم تنتفع بالنصح والتوجيه، ويحرم على الزوج أن يطلب منها الخلع بغير وجه حق.

21) يجب على الزوج إجابة طلب منها الخلع إذا رأى منها صدق الطلب وعزمها عليه ما لم يكن طلبها محرماً أو مكروهاً فلا يجب عليه حينئذ أن يجيبها بالخلع.

22) يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع.

23) يصح خلع الأجنبي للحاجة والمصلحة للزوجين أو لأحدهما، ولا يجوز خلع الأجنبي بلا حاجة أو لمصلحة الأجنبي نفسه أو لمصلحة غيرهما.

24) اختلف الفقهاء خلافاً كبيراً في كون الخلع فسخاً أو طلاقاً، ولكل من الفريقين استدلالات كثيرة ومناقشات عديدة، والذي ظهر لي -والعلم عند الله- أنه فسخ، والترجيح في هذه المسألة الشائكة يترتب عليه أمور كثيرة؛ ولذا ينبغي رفع الأمر فيها عند التنازع إلى القضاء؛ فإن حُكم القاضي يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية.

25) مما يترتب على اعتبار الخلع فسخاً أو طلاقاً:

- إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن للمخالع أن يعيدها بعقد جديد، ولو تكرر منه الخلع مرات عديدة، أما إذا اعتبرنا الخلع طلاقاً فإنه يُحسب من الطلقات الثلاث.

- إذا اعتبرنا الخلع فسخاً فإن الطلاق لا يقع عليها في عدتها منه، وإذا اعتبرنا الخلع طلاقاً فإنه يقع الطلاق عليها في عدتها منه، إذا كان الخلع دون الثلاث.

- معظم الذين قالوا: الخلع فسخ، قالوا: عدة المختلعة حيضة واحدة، ومعظم الذين قالوا: الخلع طلاق قالوا: عدة المختلعة ثلاثة قروء.

26) المختلعة لا يلحقها طلاق لأنها ليست بزوجة، ولا تحل له إلا بعقد جديد ومهر جديد إن رضيت بالزواج به سواء كانت في العدة أو بعد انتهاء العدة.

27) الخلع لا يترتب عليه سقوط حقوق الزوجين، وأثر الخلع يقتصر على ما سُمي من بدل الخلع، فيتراجعان بما بينهما من الحقوق كبقية الصداق وما وجب عليه من نفقة أو كسوة ماضية، وكل ديونه لها باقية في ذمته إلا إن خالعها على ما في ذمته من الديون كلها.

28) ليس للمختلعة سُكنى ولا نفقة ولا متعة طلاق.

29) إذا اختلف الزوجان في أصل الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة فإن المرأة تبين؛ لأنه أقر بالخلع، ولا يستحق عوضاً منها لأنكارها وعليه اليمين، وإذا ادعته المرأة وأنكره الزوج، فالقول قول الزوج ولا يثبت الخلع بإقرارها، ولا يستحق الزوج عوضاً لأنه لا يدعيه.

30) إن اتفق الزوجان على الخلع لكن اختلفا في مقدار العوض أو في جنسه أو صفته أو تأجيله أو حلوله، فالخلع واقع والعوض واجب، والقول قول الزوجة مع يمينها.

التــوصـيـــات

أوصي طلاب العلم أن لا يكون همهم من الدراسة الأكاديمية مجرد النجاح والتخرج من الجامعة، بل ليحرصوا على التحصيل العلمي لنفع أنفسهم أولاً ثم نفع أمتهم ثانياً، ولتكن بحوثهم نافعة للمسلمين، وفيها تقريبٌ للعلم النافع وتسهيله على عامة المسلمين، وليحرصوا على التزود من العلم النافع بصدق ورغبة، ولا يرضى أحدهم بالقليل مع إمكان الكثير، وليكن شعار الطالب: (وقل رب زدني علماً)؛ فإن طلب العلم من المهد إلى اللحد، سُئل بعض السلف: إلى متى تطلب العلم؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة، فالطالب الموفق منهوم من العلم لا يشبع، ومن رضي بما عنده من العلم فقد رضي لنفسه بالجهل.

العلم بحر منتهاه يبعد
ليس له حد إليه يقصد

وليس كل العلم قد حويته
أجل ولا العُشر ولو أحصيته


وما بقي عليك منه أكثر
مما علمت والجواد يعثر


والمؤمن لايزال يزداد خيراً إلى خيره، وهدى إلى هداه، وعلما إلى علمه، وعملا صالحا إلى عمله كما قال الله سبحانه: (ويزيد الذين اهتدوا هدى) وقال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور).

فلا يزال يخرج من ظلمة إلى نور، ومن جهل إلى علم، ومن ضلالة إلى هدى؛ ولهذا أمرنا الله أن نسأله في كل ركعة من صلاتنا أن يهدينا الصراط المستقيم، علما بالحق وعملا به، ومن لم يتقدم فإنه سيتأخر (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر).

أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما نافعا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قـائمــة الـمـراجـــع:

1) القرآن الكريم.
2) إتحاف الخِلان بحقوق الزوجية في الإسلام - فيحان المطيري - دار العاصمة - الرياض ط1 - 1411هـ.
3) أحكام الخُلع في الشريعة الإسلامية لعامر سعيد الزيباري - دار ابن حزم - ط1 - 1418 هـ.
4) أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية - مصطفى العدوي - مكتبة ابن تيمية - القاهرة ط1 - 1409هـ.
5) الاستذكار لابن عبد البر ت 463 هـ - دار قتيبة - دمشق. بيروت - ط1 - 1414 هـ.
6) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر ت 318 هـ - مكتبة مكة الثقافية - رأس الخيمة. الإمارات. ط1 - 1428هـ.
7) الأم للإمام الشافعي ت 204 هـ - دار الوفاء - المنصورة ط2ـ 1425هـ.
الإنصاف للمرداوي ت 885 هـ - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط1 - 1419 هـ.
9) بداية المجتهد لابن رشد ت 595 هـ - دار ابن حزم - بيروت - ط1 - 1416 هـ.
10) بدائع الصنائع للكاساني ت 587 هـ - مؤسسة التاريخ العربي - بيروت - ط3 - 1421 هـ.
11) البيان للعِمراني ت 558 هـ - دار المنهاج - جدة - ط2 - 1428 هـ.
12) التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله المواق المالكي ت897 هـ - دار الكتب العلمية - ط1 - 1416 هـ.
13) التعليقات الرضية على الروضة الندية لمحمد صديق خان القنوجي - بقلم محمد ناصر الدين الألباني - دار ابن عفان - القاهرة - ط1ـ 1420 هـ.
14) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت774هـ - دار طيبة - ط2 - 1420 هـ.
15) تلخيص الحبير لابن حجر ت852 هـ - مؤسسة قرطبة - مصر ط1 - 1416 هـ.
16) تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ت 748 هـ - دار الوطن - الرياض - ط1 - 1421 هـ.
17) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ت 671 هـ - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط1 - 1427 هـ.
18) حاشية الروض المربع لابن القاسم النجدي ت 1392 هـ - ط5 - 1413 هـ.
19) الحاوي الكبير في فقه الشافعي للماوردي ت 450هـ - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان– ط1 – 1419هـ.
20) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين - مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ط2 - 1386 هـ.
21) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير للسياغي ت1221 هـ مكتبة المؤيد - الطائف - ط2.
22) روضة الطالبين للإمام النووي ت676هـ دار الكتب العلمية - بيروت.
23) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ت751هـ - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط27 - 1415 هـ.
24) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ت 1420هـ - مكتبة المعارف - ط1 - 1415 هـ.
25) سنن ابن ماجه للإمام ابن ماجه القزويني ت 273 هـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - دار إحياء الكتب العربية.
26) سنن أبي داود للإمام أبي داود السجستاني ت 275 هـ - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - المكتبة العصرية - صيدا - بيروت.
27) سنن البيهقي الكبرى للإمام البيهقي ت 458 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - ط3 - 1424 هـ.
28) سنن الترمذي للإمام الترمذي ت 279 هـ تحقيق أحمد شاكرـ ط 2ـ مصطفى البابي الحلبي - مصرـ ط2 - 1395 هـ.
29) سنن النسائي للإمام النسائي ت 303هـ تحقيق عبد الفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب - ط2 - 1406 هـ.
30) السيل الجرار للشوكاني ت 1250 هـ - دار ابن كثير - دمشق ط1 - 1421 هـ.
31) الشرح الكبير على مختصر خليل لأحمد الدردير المالكي ت 1240هـ - دار الفكر.
32) شرح مختصر خليل للخرشي ت1101 هـ - دار الفكر للطباعة - بيروت.
33) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين ت 1421 هـ - دار ابن الجوزي - السعودية - ط1 - 1427 هـ.
34) صحيح البخاري للإمام البخاري ت 256 هـ - دار طوق النجاة - ط1 - 1422 هـ.
35) صحيح الجامع الصغير للألباني ت 1420هـ - المكتب الإسلامي.
36) صحيح مسلم للإمام مسلم النيسابوري ت 261 هـ - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
37) فتح الباري شرح صحيح البخاري - دار طيبة - ط2 - 1429 هـ.
38) فتح القدير لابن الهمام الحنفي ت 861 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت - ط1 - 1415 هـ.
39) الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي - دار الفكر - دمشق - ط3 - 1409 هـ.
40) فقه السنة للسيد سابق ت 1420 هـ - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط2 - 1426 هـ.
41) القوانين الفقهية لابن جُزي المالكي ت 741 هـ - طبعة بدون تاريخ.
42) كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي ت 1051هـ - الناشر مكتبة النصر الحديثة - الرياض.
43) كفاية النبيه شرح التنبيه لابن الرفعة ت 710 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت ط1 2009م.
44) لسان العرب المحيط لابن منظور ت 711 هـ دار صادر - بيروت - ط3 - 1414هـ.
45) المبسوط للسرخسي ت 483 هـ - دار الفكر - بيروت لبنان.
46) المجموع شرح المهذب للنووي ت 676هـ - دار الفكر.
47) مجموع فتاوى ابن تيمية ت 728 هـ - طبعة مجمع الملك فهد - 1416 هـ.
48) المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده ت 458 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت - ط1 - 1421 هـ.
49) المحلى لابن حزم ت 456 هـ - دار التراث - القاهرة.
50) المدونة الكبرى للإمام مالك ت 179 هـ - مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة ط1ـــ 1419 هـ.
51) مسند أحمد للإمام أحمد بن حنبل ت 241 هـ - دار الرسالة - ط1ـ 1421 هـ.
52) مصنف ابن أبي شيبة ت 235 هـ - مكتبة الرشد - الرياض ط1 - 1409 هـ.
53) مصنف عبد الرزاق الصنعاني ت 211 هـ - المكتب الإسلامي - بيروت ط 2 - 1403 هـ.
54) المعتمد في الفقه الشافعي - محمد الزحيلي - دار القلم - دمشق - ط1 - 1428 هـ.
55) المعجم الوسيط - مجمع اللغة العربية بالقاهرة - دار الدعوة.
56) مغني المحتاج للشربيني ت 977هـ - دار الفكر - بيروت.
57) المغني لابن قدامة ت620 هـ - دار علم الكتب - الرياض ط5ــ 1426 هـ.
58) المفصل في أحكام المرأة لعبد الكريم زيدان - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط1 1413 هـ.
59) المهذب في فقه الشافعي للشيرازي ت 476 هـ - دار الكتب العلمية.
60) الموسوعة الفقهية الكويتية - إصدار وزارة الأوقاف الكويتية - ط1 - 1425 هـ.
61) موطأ مالك للإمام مالك بن أنس ت 179 هـ - تحقيق الأعظمي - مؤسسة زايد بن سلطان - أبو ظبي - الإمارات - ط1 - 1425 هـ.
62) موطأ مالك للإمام مالك بن أنس ت 179هـ - رواية محمد بن الحسن الشيباني - المكتبة العلمية ط2.
63) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري ت 606 هـ - المكتبة العلمية - بيروت - 1399هـ.
64) نهاية المطلب لإمام الحرمين الجويني ت 478 هـ - دار المنهاج - جدة - ط1 - 1428 هـ.
65) نيل الأوطار للشوكاني ت 1250 هـ - دار ابن الجوزي - السعودية - ط1ـ 1427 هـ.
66) الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ت 593 هـ - دار السلام - القاهرة ط1 - 1420 هـ.

تم بحمد الله.


avatar
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 16625
العمر : 65

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى