منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر
 

 هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 24278
العمر : 67

هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty
مُساهمةموضوع: هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟   هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty12/01/12, 11:33 pm

رابطة العالم الإسلامي
البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة

مسابقة:
مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد 

هل كان محمد  رحيماً؟

تأليف
محمد حسام الدين الخطيب

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين

المقدمـة:

هذا بحث جعلت عنوانه سؤالاً (هل كان محمد  رحيماً؟) ثم جعلت البحث كله جواباً لهذا السؤال..
وقد قسَّمته إلى أربعة فصول، هي:
- الفصل الأول: مدخل.
- الفصل الثاني: مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد ، قبل البعثة.
- الفصل الثالث: تعريف بمحمد .
- الفصل الرابع: مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد ، بعد البعثة.
ولسوف يلحظ القارئ الكريم، أن الفصول الثلاثة الأولى ما هي إلا مقدمة للفصل الرابع الذي هو مادة البحث وعُظْمه وغايته.
وقد قسَّمت كل فصل من هذه الفصول الأربعة، إلى أفكار محددة..
وجعلت لكل فكرة عنواناً جانبياً يدل عليها.
ثم أنهيت البحث بخاتمة موجزة.
وأتبعتها بملخص وبمسرد للمصادر والمراجع.
هذا ولم أنهج في الكتابة الأسلوبَ السردي.. إنما نهجت الأسلوبَ الحواري، لاعتقادي أن في هذا من جذب انتباه القارئ، ما ليس في ذاك.

ولما كان الحوار يقتضي شخصيات تديره.. فقد كان عليَّ أن أفترض شخصيات حوارية من نسج الخيال، فكانت شخصيتا (الأب نقولا – والأب ستيفانو) اللتان قدمتهما للقارئ ضمن حيِّزٍ محدد من الزمان والمكان، تقريباً لهما من الواقع.

ولسوف يلاحظ القارئ الكريم أن شخصية (الأب ستيفانو) ليست شخصية جاهلة كارهة مناوئة معاندة.. بل هي شخصية متنوِّرة محبة راغبة، همها الأول معرفة الحق والاقتناع به، والإعراض عن الباطل ورفضه.. وهي شخصية موجودة في الغرب في أوساط المتنوِّرين، لكنها لا تجد لها صدىً في وسائل الإعلام.. بل إن وسائل الإعلام تعمل على طمسها وإخفاء أمرها.

ولهذا لا غرابة إن وجدنا (الأب ستيفانو) متطلعاً بالدرجة الأولى إلى معرفة النصوص الأصلية للإسلام.. حتى يتسنى له أن يكون على بيِّنة من أمره إن هو أراد أن يُقدِم على خطوة ما في هذا المجال.. وهو إن أعياه التصريح، لم يُعْيِه التلميح .. وهذا ما كرَّرتُ الإشارة إليه أوائل البحث .

فلئن أصبتُ؛ فبتوفيق من الله سبحانه، ولئن أخطأت، فمن نفسي، وأسأله تعالى أن يتجاوز عن خطئي.

ولله الفضل والمنة، والشكر والحمد على كل حال.

محمد حسام الدين الخطيب
دمشق في 17/1/1428 هـ - 4/1/2007 م

الفصل الأول

مدخـل

منذ سنوات، سكن إلى جواري رجل دين نصراني يدعى (الأب نقولا)، فسارعتُ آنذاك إلى الترحيب به، وتقديم يد العون والمساعدة له.. ريثما تطمئنُّ نفسه، وتقرُّ عينه، وتنتظم شؤون حياته في مسكنه الجديد.

ولم يكن تصرفي هذا سوى التزامٍ مني بتعاليم الإسلام التي توجب على كل مسلم رعاية حُسن الجوار، تجاه أي جار، من أي عِرق كان، ومن أي لون، ومن أي دين.. انطلاقاً من قول رسول الله : «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه» .

ومضت شهور وأعوام.. وصار بيني وبين جاري (الأب نقولا) مَودَّة عمادُها الآية الكريمة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ ، وصرنا نتبادل الزيارات في المناسبات والأعياد.. ولم نكن نُميتُ تلك الزيارات باللغو والغِيبة والمِراء... بل كنا نحييها بالحديث عن الأديان.. فهو يحدثني عن دينه، وأنا أحدثه عن ديني، فيفيد كلٌّ منا الآخر.. ودام الأمر على هذا المنوال حتى تاريخ 12/9/2006 م، حيث ذاع كلام بابا الفاتيكان (بينيدكت السادس عشر) الذي أساء فيه إلى دين الإسلام، وإلى نبي المسلمين! واستشهد فيه بنصوص من العصور الوسطى، أيام كانت الحروب الدينية تشتعل بين النصارى والمسلمين بفعل مثل هذا الكلام الذي جاء فيه ما مُلخصه: «إن الإسلام انتشر بالسيف، ونبي المسلمين لم يأت بغير السيف».
وهي نغمة قديمة كان يروِّج لها مدبّرو الحروب الصليبية، كلما عزموا على إشعال نار حرب جديدة( ).
وضجَّت وسائل الإعلام بنقل كلام بابا الفاتيكان، وردود الفعل عليه...

* * * * *

وصادف أن التقيتُ جاري (الأب نقولا) أمام الباب الخارجي للبناء الذي نقطنه، بعد ذيوع كلام البابا بأيام، فبادر كلّ منا الآخر بالتحية، وتصافحنا على عادتنا، وسأل كلّ منا الآخر عن صحته وأحواله... كما هو دأبنا كلما التقينا... لكنه زاد هذه المرة أن سألني قائلاً:
- متى سيبدأ صومكم هذا العام؟.
قلت: بعد ثلاثة أو أربعة أيام، بحسب ظهور هلال أول شهر رمضان القمري.
قال: إذاً سأزورك في أول يوم من أيام رمضان، لأهنّئك ببدء الصوم.
قلت: مرحباً بك.
قال: ألديك برنامج محدد مساء يوم الصيام، حتى أتجنب الزيارة في وقت غير مناسب؟
قلت: برنامجي مساء يوم الصيام هو التالي: أستمع إلى المؤذن وهو يؤذن لصلاة المغرب معلناً بدء الإفطار ذلك اليوم، ثم أتناول تمراتٍ أو شربة ماء بِنيَّة إنهاء صومي وبدء فطري ذلك اليوم، ثم أصلي المغرب، ثم أتناول طعام الإفطار... ثم أنتظر حتى يؤذَّن لصلاة العشاء، ثم أصلّي العشاء، ثم أصلي بعدها صلاة التراويح، وصلاتي كلها في المسجد. ثم أجلس في منـزلي للراحة، حيث تكون الساعة قد قاربت التاسعة مساءً بالتوقيت الشتوي.
قال: إذاً موعدنا أول يوم من رمضان، الساعة التاسعة مساءً.
قلت: إن شاء الله.
فاستدرك قائلاً: لكن سيصحبني في زيارتي رجل لا تعرفه، يودُّ التعرف عليك، والحديثَ إليك.
قلت: على الرُّحب والسَّعة، أنت وصاحبك.
ثم ودَّع كلٌّ منا الآخر...
وانطلقت أنا إلى وجهتي التي كنت أنتويها، وتابع هو صاعداً درج السلَّم إلى منـزله.

* * * * *

1- تفنيد فِرية السيف:

وجاء أول يوم من رمضان من العام الهجري /1427/، وعند الساعة التاسعة رن جرس باب منـزلي، ففتحت، واستقبلت الضيفين مرحِّباً بهما... وعرَّفني (الأب نقولا) على صاحبه قائلاً:
- صديقي (الأب ستيفانو) من الشعبة الثقافية في السفارة الإيطالية عندنا.
فكرَّرت الترحيب بالضيف... وطفقنا نتجاذب أطراف الحديث... ثم قمت بواجب الضيافة...التزاماً مني بتعاليم الإسلام، وانطلاقاً من قول رسول الله : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه»( ).
وفي أثناء ذلك ابتدرني الأب ستيفانو قائلاً بالعربية مَشوبةً بلكنة أجنبية:
- لديّ سؤال أرجو أن أجد جوابه عندك.
قلت: أبشِر، إن كان الجواب في مقدوري.
وأردفت مبتسماً: لعل سؤالك يدور حول عبارات بابا الفاتيكان الأخيرة؟.
فتبسم الأب ستيفانو وهو يقول:
- لا عليك؛ فهذه العبارات وأمثالها، تُلقى بين آونة وأخرى، بوحيٍ من بعض كبار الساسة، ليصلوا بها إلى أهداف خططهم المرسومة خِفية عن أعين الناس.. بدليل أن أصحاب هذه العبارات غالباً ما يتراجعون عنها، عندما يدركون خطرها..
واستدرك قائلاً:
- لكنْ على ذِكر كلام بابا الفاتيكان، أترى تهمة انتشار الإسلام بالسيف، حقاً أم باطلاً؟( ).
قلت: ومن أين لي أن أعرف هذا؟
قال: من النصوص الأصلية التي تأخذون منها دينكم أنتم المسلمين.
قلت: وأين أجد هذه النصوص؟.
قال: من الثابت لدى الجميع، أن نصوصكم الأصلية موجودة في آيات (القرآن) كتابِ دِينِكم، وفي الأحاديث الصحيحة التي تروونها عن نبيكم، ثم ما صح من أخبار السيرة النبوية( )عندكم.
قلت: أوَ ترضى أنت بالاحتكام إلى هذه النصوص؟.
قال: ولِمَ لا؟ إن جميع الأديان والمذاهب والفلسفات، لا نعرف حقيقتها إلا بالرجوع إلى نصوصها الأصلية التي يصدر عنها أصحابها، هكذا يقول العقل( ).
قلت: لقد أَنصفتَ، ولأعرضنَّ عليك من النصوص الأصلية التي رضيتَها، ثم لك أن تحكم بما يمليه عليك عقلك وإنصافك.
قال: إني مُصغٍ.
قلت: استمع معي إلى آيات القرآن الكريم التي تعلِّم نبي المسلمين، ثم المسلمين، طريقة نشر الدعوة الإسلامية بين الناس:
- تقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله ، وكلَّ مسلم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾( )، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟
قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن.
قلت: وتقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله ، وكل مسلم: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾( )، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟.
قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن كسابقه.
قلت: وتقول الآية القرآنية: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾( )، وأهل الكتاب كما تعلم، هم اليهود والنصارى، أتجد هنا سيفاً أم حواراً؟
قال: لا أجد هنا إلا حواراً، بل هو حوار لطيف حسن كسابقَيه.
واستدرك قائلاً: لكن هل لك أن توضح لي كيف تتم هذه المجادلة بالتي هي أحسن، على أن نبقى ضمن النصوص الأصلية.
قلت: لك هذا، ولن أخرج عن النصوص الأصلية قِيدَ أُنملة، فاستمع إلى تمام الآية السالفة ليتوضح لك ما تريد، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ، أي أن علينا نحن المسلمين أن نبيِّن لهم – لليهود والنصارى – حقيقة ديننا الذي يعترف بنبوَّة جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر، ويصدِّق جميع الكتب التي أنـزلها عليهم، ومنها التوراة والإنجيل اللذان أُنـزلا على موسى وعيسى عليهما السلام.
قال الأب ستيفانو: هذا حسن، لكن وردتْ في الآية التي ذكرتَها عبارةٌ أود أن توضحها لي.
قلت: ما هي؟
قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ من هم هؤلاء الذين استثنتهم الآية من الحوار والمجادلة الحسنة؟
قلت: هؤلاء، هم الذين يسبُّون ويشتمون دين الإسلام ونبي الإسلام، ويعتدون على المسلمين ويظلمونهم، أينفع الحوار والمجادلة الحسنة مع هؤلاء؟.
قال: لا، فالمعتدي يجب أن يحاسَب ويعاقَب، هكذا يقول العقل، ولو تركنا المعتدي على هواه، لألحق الأذى والضرر بالأبرياء.
وأردف قائلاً: ولا أكتمك أن هذه اللفتة في الآية، فيها حفظ لكرامة المسلمين .
قلت: لقد أَنصفتَ.
قال: أنا أتفق معك من خلال هذه النصوص، أن الإسلام دين يدعو إلى الحوار، لكنْ...
وصَمَتَ الأب ستيفانو قليلاً. فقلت مستحثاً إياه على المتابعة:
- لكن ماذا؟
قال: لكن إذا رفض الذين تحاورونهم الاستجابة إلى دعوتكم، ولم يُجدِ الحوار، فالسيف... أليس كذلك؟
قلت: على رِسْلك، أمَا زلنا متفقَين على الاحتكام إلى النصوص الأصلية؟
قال: بلى، ولن أعفيك من هذا الاتفاق.
قلت: إذاً استمع إلى هذه الآية القرآنية التي تعلم نبي المسلمين وكل مسلم، كيفية الحوار مع النصارى واليهود، وكيفية الرد على الرافضين منهم. تقول الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ، وكرَّرتُ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
وأردفت: أي إنْ رفَض النصارى واليهود ما تدعونهم إليه من توحيد الله وعبادته سبحانه وحده، فاتركوهم وشأنهم ، واثبتوا أنتم على الإسلام. أفي هذا سيف أو عنف أو إكراه؟
قال الأب ستيفانو: الحقَّ أقول: لا سيف ولا عنف ولا إكراه.
قلت: بل أوضح من هذا وأَبْـيَن، تقول الآية القرآنية مشيرةً إلى جميع البشر، من المِلل كافة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ .
وكرَّرتُ: ﴿مَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾. ثم حساب المؤمن والكافر على الله سبحانه، وليس على البشر.
وأردفت: بل أوضح من هذا وأَبْـيَن، تقول الآية القرآنية معلنة المبدأ العام في الدعوة إلى دين الإسلام: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ . وانطلاقاً من هذا المبدأ العام، أتدري ماذا فعل نبي المسلمين عندما رفض الكافرون بوحدانية الله الاستجابةَ لدعوته، وامتنعوا عن القبول بعبادة الله وحده، وأصروا على عباداتهم الضالَّة؟
قال: ماذا فعل؟
قلت: لم يجرِّد عليهم سيفاً، ولم يعنف بهم، ولم يحاول إكراههم بأي وسيلة، إنما التجأ إلى ربه، يدعوه ويستخيره فيما يفعل أو يقول بشأن هؤلاء الكافرين المعاندين، فنـزلت الآيات القرآنية ترشده وتوجهه وتقول له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ{4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ .
وكرَّرتُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
وتقول له: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وتقول له: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي{14} فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾ .
وأردفت: أهناك حرية دينية فوق هذا؟
قال الأب ستيفانو: أشهد أن هذا عين الإنصاف!
قلت: أعرفتَ الآن، إن كانت تهمة انتشار الإسلام بالسيف، حقاً أم باطلاً؟
قال:أجل عرفت، إنها تهمة باطلة، وأشهد أن الإسلام بريء منها .
* * *
2- الغربيون ودراسة شخصية محمد :
وأردف الأب ستيفانو قائلاً: والآن أودُّ العودة إلى السؤال الذي جئتك لأجله.
قلت:وما سؤالك؟.
قال: إن بلادي أوفدتني إلى بلادكم رَجلَ دين، لا لأكرِّس وقتي لوعظ الناس... فعندكم من الواعظين المسلمين والنصارى ما يكفي وزيادة..
قلت: لقد أَنصفتَ، فما سبب وِفادتك؟.
قال: لقد كُلِّفت من قِبل الجهة التي أعمل فيها، بأن أكتب بحثاً عن (مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد) نبيكم. وأن أدرس من خلال ذلك شخصية هذا النبي، أكانت قاسية رهيبة تتناسب مع تهمة مجيئه بالسيف ونشر دينه به؟ أم أنها كانت شخصية عطوفة رحيمة تتناقض مع هذه التهمة؟.
قلت: وما الداعي إلى مثل هذا البحث؟.
قال: إن مجتمعاتنا الغربية اليوم – بسبب ما يتردد في وسائل الإعلام – بات الشغلَ الشاغل لها سيرةُ نبيكم محمد.. ولم يجد المعنيون بهذا، وسيلةً أفضل من إعادة دراسة وتقويم سيرة محمد على ضوء الرجوع إلى النصوص الأصلية التي جاء بها، لأجل الوصول إلى الحقيقة غير المشوّهة عن محمد ودينه الذي جاء به. ثم عَرضِ هذه الحقيقة على المجتمعات الغربية، حتى يتسنى لها التخلص من كل ما لا يمتّ إلى الحقيقة بِصِلة.
وأردف قائلاً: ولما عزمتُ البدءَ بالكتابة، وجدتني أولاً بحاجة إلى مطالعة ما سبق أن كتبه الغربيون، من مستشرقين ودارسين، عن شخصية محمد... واستغرق هذا مني قرابة سنة، كانت حصيلتها النتيجة التالية:
لقد وجدتُ دارسي شخصية محمد من الغربيين ينقسمون فئتين:
- فئة كتبت عنه بروح سلبية، وهؤلاء كانوا ينطلقون من وجهة نظر عدائية، كانت تثيرها الكنيسة الغربية منذ القديم.. والغرض منها تشويه صورة محمد في نظر الغربيين، حتى يَنفِروا منه ومن دينه، فلا ينجذبون إليه، ولا يعتنقون دينه!
وكان من هؤلاء المشوِّهين قدماءُ ومُحْدَثون:
أما القدماء، فقد كشف الفيلسوف الفرنسي (رينان) أمرهم لعامة الناس حتى لا ينخدع أحد بأقوالهم.. وشهد على تحاملهم وحقدهم السافر على محمد، فقال: «لقد كتب المسيحيون تاريخاً غريباً عن محمد.. إنه تاريخ يمتلئ بالحقد والكراهية له. لقد ادّعوا أن محمداً كان يسجد لتمثال من الذهب كانت تخبئه الشياطين له! ولقد وصفه دانتي بالإلحاد في رواية (الجحيم)، وأصبح اسم محمد عنده وعند غيره، مرادفاً لكلمة كافر أو زنديق!
ولقد كان محمد في نظر كتّاب العصور الوسطى، تارة ساحراً، وتارةً أخرى فاجراً شنيعاً، ولصاً يسرق الإبل، وكاردينالاً لم يفلح في أن يصبح (بابا) فاخترع ديناً جديداً أسماه (الإسلام) لينتقم من أعدائه! وصارت سيرته رمزاً لكل الموبقات، وموضوعاً لكل الحكايات الفظيعة» .
وتابع: ويزداد كلام رينان وضوحاً، عندما نقرأ ما كتبه المستشرق السويسري (جون وانبورت) في كتابه (محمد والقرآن) إذ قال: «بقدر ما نرى من صفة محمد الحقيقية بعين البصيرة والتروي في المصادر التاريخية الصحيحة، بقدر ما نرى من ضعف البرهان، وسقوط الأدلة لتأييد الهجو الشديد، والطعن القبيح، الذي انهال عليه من أفواه المغرضين، والذين جهلوا حقيقة محمد ومكانته».
وعندما نقرأ ما كتبه (برنارد شو) في كتابه (محمد) الذي أحرقته السلطات البريطانية: «إن رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل والتعصب، قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة».
* * *
وتابع الأب ستيفانو قائلاً:
- وأما المُحْدَثون من هؤلاء المشوِّهين.. المُحْدَثون الذين يدَّعون أنهم درسوا حياة محمد بحسب المنهج العلمي النقدي، الذي يقول بوجوب طرحِ الدارسِ كلَّ الأهواء والميول الشخصية جانباً، قبل البدء بالدراسة.. هؤلاء يحدثنا المستشرق النمساوي (ليوبولد فايس) في كتابه (الإسلام على مفترق الطرق) عن طريقتهم في دراسة الإسلام والسيرة النبوية قائلاً: «إن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين –عند دراستهم للإسلام والسيرة النبوية – تذكِّرنا بوقائع دواوين التفتيش! تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى، أي أن تلك الطريقة لم يتفق لها أبداً أن نظرت إلى القرائن التاريخية بتجرد، لكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاجٍ متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها» .
ثم يقول في كتابه هذا أيضاً عن هذه الفئة: «أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة، وخاصةٌ طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلَّفتها الحروب الصليبية بكل مالها من ذيول في عقول الأوروبيين» .
وتابع الأب ستيفانو قائلاً:
- وفي هؤلاء المُحْدَثين من المشوِّهين يقول المستشرق الفرنسي (آتيين دينيه) في كتابه (محمد رسول الله) مصوِّراً الحالة المتدنية التي وصلت إليها كتابة السيرة النبوية على يد بعض المستشرقين: «إنه من المتعذر، بل من المستحيل، أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونـزعاتهم المختلفة، وإنهم – لذلك – قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغاً يخشى على صورتها الحقيقية من شدة التحريف فيها! وبرغم ما يزعمون من اتِّباعهم لأساليب النقد البريئة، ولقوانين البحث العلمي الجاد، فإننا نجد – من خلال كتاباتهم – محمداً يتحدث بلهجة ألمانية إذا كان المؤلف ألمانياً! وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطالياً!.. وهكذا تتغير صورة محمد بتغير صورة الكاتب! وإذا بحثنا في هذه السيرة عن الصورة الصحيحة، فإننا لا نجد لها من أثر.
إن المستشرقين يقدمون لنا صوراً خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة! إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال (ولتر سكوت –وإسكندر ديماس) وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصاً من أبناء قومهم، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة، فصوروهم حسب منطقهم الغربي، وخيالهم العصري».
ثم يقول: «ما رأي الأوروبيين في عالِم من أقصى الصين، يتناول المتناقضات التي تكثر عند مؤرخي الفرنسيين، ويمحِّصها بمنطقه الشرقي البعيد، ثم يهدم قصة (الكاردينال ريشيلو) كما نعرفها، ليعيد إلينا (ريشيلو) آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين، وسِماته وطبعه؟!.
إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق بسيرة محمد، ويخيل إلينا أننا نسمع محمداً يتحدث في مؤلفاتهم، إما باللهجة الألمانية، أو الإنكليزية، أو الفرنسية، ولا نتمثله قط - بهذه العقلية والطباع التي أُلصقت به - يحدِّث عرباً باللغة العربية» .
وتابع الأب ستيفانو قائلاً:
- ويقول المستشرق (مونتغومري وات) في كتابه (محمد في مكة) عن هؤلاء المشوِّهين:
«وإذا حدث أن كانت بعض أراء العلماء الغربيين، غير معقولة عند المسلمين، فذلك لأن العلماء الغربيين لم يكونوا دائماً مخلصين لمبادئهم العلمية، وأن آراءهم يجب إعادة النظر فيها من وجهة النظر التاريخية الدقيقة» .
ويقول عنهم المستشرق (مكسيم رودنسون) في معرض تقويمه ما كتبه العلماء الغربيون المُحدَثون عن الإسلام ونبي المسلمين: «يمكن القول بصورة عامة، إن العلماء في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان يزيد ضررهم على نفعهم، وذلك لتأثرهم بالأحكام الشائعة لا بالعلم» .
* * *
وأردف الأب ستيفانو قائلاً: أما أنا، فبعدما تعرفتُ على ما كتبه القدماء والمُحدَثون من هذه الفئة المشوِّهة، أدركت أن هؤلاء الكتَّاب كانوا على قدر كبير من الجهل بحياة وسيرة محمد الحقيقية، وأدركتُ أنهم لم يُجَشِّموا أنفسهم عناء الرجوع إلى النصوص والمصادر الأصلية لسيرة محمد .
وأستطيع أن أقول، وأنا مطمئن الاطمئنانَ كلَّه لما أقول: لقد ساد دراسات هؤلاء الغربيين من مستشرقين ودارسين لحياة محمد، كثير من التعسف في تفسير النصوص والأحداث، بسبب الأهواء الدينية والعنصرية، أو بسبب سوء الفهم للإسلام وأحكامه ونظمه ومقاصده .
وأردف: ولأجل هذا كله، لم أستطع أن أُفيد من كتابات هذه الفئة المشوِّهة، في بحثي الذي أنا بسبيله.
* * *
قلت: والفئة الأخرى؟
قال: الفئة الأخرى، كتبتْ عن شخصية محمد بروح إيجابية، وهؤلاء كانوا ينطلقون في كتاباتهم إما من وجهة نظر وُدِّية متعاطفة، وإما من وجهة نظر منصفة تَنشدُ الحقيقة .
وقد حاولت الإفادة مما كتبوه.. إلا أنني بعدما اطلعت على كتبهم، وجدتُني لا أستطيع الاكتفاء بما طالعت منها وقرأت، برغم تلك الصورة الزاهية لمحمد في هذه الكتب.
قلت: ولِمَ تعتقد هذا؟
قال: لقد وجدتُ هذه الفئة من الدارسين، منهم من درس محمداً العبقري، من خلال مظاهر العبقرية البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من العباقرة في التاريخ البشري.
ومنهم من درس محمداً الفيلسوف، من خلال مبادئ الفلسفة البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من الفلاسفة في التاريخ البشري.
ومنهم من درس محمداً المصلح الديني، من خلال سُبُل الإصلاح الديني البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من المصلحين الدينيين في التاريخ البشري.
ومنهم من درس محمداً القائد العسكري، من خلال النظم العسكرية البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من القواد العسكريين في التاريخ البشري.
ومنهم من درس محمداً المُشَرِّع، من خلال التشريعات والقوانين البشرية، وقَرَنه بمن ظهر من المشرعين وواضعي القوانين في التاريخ البشري.
إلى غير هذا من صفات العظمة البشرية التي كانوا يستخلصونها من سيرة محمد، وكانوا في كل صفة منها يضعون محمداً في القمة على رأس الجميع!.
قلت: وماذا في ذلك؟
قال: فيه أنهم بهذا يدرسون محمداً على أنه عظيم من عظماء البشر، يتمتع بصفات متميزة كغيره من عباقرة الرجال ... لكنهم يَغفلون عن مناقشة النتيجة التي كانوا يصلون إليها دائماً، وهي أن محمداً دائماً في القمة بين العظماء جميعاً! مهما كانت صفة العظمة التي يدرسونها فيه. بل هو دائماً يجمع كل صفات العظمة... بينما غيره من العظماء يتوزعون فيما بينهم هذه الصفات.. التي تجمعت فيه وحده! فلماذا؟
قلت: وهل في هذا ما يثير التساؤل؟
قال: أجل، كان الأجدر بأولئك الدارسين، عندما وصلوا جميعاً إلى نتيجة واحدة، أن يتساءلوا: لماذا محمد دون غيره، هو دائماً في القمة؟ ولماذا محمد دون غيره، تجتمع له صفات العظمة، بينما هي لا تجتمع لغيره من العظماء الذين نعرف سِيَر حياتهم؟
وأردف: كان عليهم أن يناقشوا هذا، ويصلوا إلى سرِّ هذه النتيجة.
قلت: وهل تنبهتَ أنت لِما غفلوا عنه؟
قال: أجل.
قلت: هل لك أن تحدثني بما تنبهتَ له؟
قال: لا بد لي من أن أحدثك به، حتى أصل إلى الفائدة التي أتوقعها منك في كتابة بحثي، فأصغ إلي.
* * *

3- أثر البيئة والوراثة في عَظَمة النبي :
وتابع قائلاً: من الشائع لدى الباحثين والدارسين، أن أهم ما يتحكم في طبيعة الإنسان - وبخاصة العبقري المتميز - عاملان رئيسان هما: عامل البيئة - و عامل الوراثة.
أما عامل البيئة: فمن المتفق عليه أن البيئة التي ينشأ ويتربّى فيها الإنسان، ذات أثر خطير في سجل حياته، وفي إكسابه الكثير من الصفات التي يُطل بها على مجتمعه.
فالفيلسوف العبقري، يجب أن يعيش في بيئة فلسفية.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.
والمصلح الديني العبقري، يجب أن يطالع المذاهب والأديان وحياة المجتمعات.. ضمن بيئة ثقافية تهتم بمثل هذا.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.
والقائد العسكري العبقري، يجب أن يعيش في بيئة عسكرية محاربة.. ولم يتهيأ هذا لمحمد، ولم نعلَمه يشارك في المعارك والحروب إلا بعد الخمسين من عمره.. بل هو وجد نفسه لأول مرة يقود معركة حربية - هي معركة بدر - وهو يقارب الخامسة والخمسين من عمره، بل هو أخذ بمشورة بعض أصحابه قبل بدء المعركة .
والمشرِّع العبقري، يجب أن يكون دارساً للقوانين، مطَّلعاً على نظم الحكم في أيامه وقبل أيامه.. ولم يتهيأ هذا لمحمد في بيئته البدوية الأمّية التجارية.
إلى آخر ما هنالك من صنوف العبقرية والعظمة..
فهل كان للبيئة التي عاشها محمد دور في كونه أعظم العظماء؟ والجواب حتماً: لا، لأن جميع من كانوا حول محمد عاشوا في بيئته، لكن لم يكن فيهم واحد مثله! مع أن منهم - بحسب ما عرفتُه عنهم - من لا يقل كفاءة بشرية عنه.. لكنّ الجميع كانوا يشعرون بأن محمداً الذي كان يعيش بينهم، يتميز عنهم بأمر لا يستطيعونه.. أمرٍ خصه الله سبحانه به دون سائرهم.. ولولا هذا الأمر لأمكن للكثيرين منهم أن ينافسوا محمداً في بعض مظاهر العظمة، منافسة أبناء البيئة الواحدة.
* * *

وأردف قائلاً: وأما عامل الوراثة: فمن المتفق عليه أن للصفات الوراثية أثر خطير في سجل حياة الإنسان، وفي إكسابه الكثير من الصفات التي يُطل بها على مجتمعه.

يتبع إن شاء الله. .



هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 24278
العمر : 67

هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty
مُساهمةموضوع: رد: هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟   هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty12/01/12, 11:55 pm

ولو درسنا شخصيات أجداد محمد وآبائه، من خلال ما حفظته الروايات من أخبارهم، لوجدنا صفاتِ عظمةٍ متناثرةً بينهم.. فقد كانوا من خيرة الناس في مجتمعهم ، لكن لن نجد فيهم واحداً مثل محمد ، وكذلك لن نجد مثله في ذريته..
* * *

وأردف الأب ستيفانو متسائلاً:
- لماذا لم يَرقَ واحد من بني البشر إلى رتبة محمد؟!
- لماذا يقول عنه الشاعر الفرنسي الشهير (لامارتين): «إن محمداً هو أعظم رجل» .
- ولماذا يقول (لامارتين) أيضاً في كتابه (تاريخ الأتراك): «بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد؟» .
- ولماذا يقول المستشرق (جون دريبر) في كتابه (تاريخ التطور الفكري الأوربي): «الرجل الذي كان له من دون الرجال جميعاً ، أعظمُ تأثيرٍ على الجنس البشري.. هو محمد» .
- ولماذا يقول عنه المستشرق الآسوجي (سينرستن): «هو فوق عظماء التاريخ» .
- ولماذا يجعله المستشرق (توماس كارليل): «بطل الأبطال» .
- ولماذا يؤلف الباحث الأمريكي (مايكل هارت) كتاباً عنوانه «الخالدون المئة» ويجعل أعظمهم محمداً .
- ولماذا تؤلف مجموعة من الباحثين الغربيين كتاباً بعنوان: (الخمسون الذين كانوا أعظم شأناً في التاريخ) فيكون محمد هو الأول من بين هؤلاء الخمسين !.
وأردف متسائلاً بتصميم: ما سرُّ محمد؟!.
* * *
4- سرّ عَظَمة النبي :
قلت: ما سرّه؟.
قال: إن سرّ عظمة محمد المتفرِّدة، لست أنا أول من اكتشفه، لقد سبقني إليه باحثون غربيون آخرون.. لكنهم قِلَّة.. منهم من اعتنق الإسلام، ومنهم من لم يعتنقه. وكان من أوائل هؤلاء، الشاعر الفرنسي (لامارتين) الذي يقول في كتابه (السفر إلى الشرق): «إن محمداً فوق البشر، ودون الإله، فهو رسول بحكم العقل». ثم يقول: «إن اللغز الذي حله محمد في دعوته، فكشف فيه عن القيم الروحية.. هو أعلى ما رسمه الخالق لبني البشر» .
وأردف الأب ستيفانو قائلاً بابتهاج:
- هذا هو السر.. إن محمداً نبي مرسل من الله سبحانه، إن محمداً رسول الله إلى بني البشر، حمل إليهم رسالة فيها أعلى ما رسمه الخالق لبني البشر. ولهذا وجده دارسوه من هذه الفئة ذات الروح الإيجابية من الغربيين، لهذا وجدوه دائماً في قمة العظمة، بجميع مظاهر وصفات العظمة التي يعرفونها.
إنه نبي، وصفات النبي تقصِّر دونها مقاييس البشر، لأن عظمة الأنبياء مستمدة من وحي الله تعالى. وتحت عنوان (رسول الله) تحت هذا العنوان فقط يجب أن تدرس شخصية محمد، لأن النبوة والرسالة هي التي وصلت به إلى ما وصل إليه، وإغفالها من دراسة شخصيته هو إغفال للركن الأساس الذي بنيت عليه هذه الشخصية0هكذا يقول العقل.
قلت: لقد أَنصفتَ أيها الأب ستيفانو، وأصبتَ كبد الحقيقة، وإنَّ ما توصلت إليه أنت وبعض الباحثين الغربيين عن طريق العقل، هو عين ما جاءت به النصوص الأصلية التي اتفقنا على الاحتكام إليها.
قال: ماذا تقول النصوص الأصلية؟
قلت: تقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . وتقول الآية القرآنية: ﴿ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
أي أن ما يتميز به محمد عنكم أيها الناس، لا يكمن في صفاته البشرية، إنما يكمن في كونه رسول الله، الذي يوحي إليه الله سبحانه.
* * *
5- هل محمد  عدو للمسيح :
وأردفت: وإني لأعجب أيها الأب ستيفانو، كيف توصلتَ إلى هذا واقتنعتَ به، وأنت رجل دين نصراني؟!
قال: صحيح أنني رجل دين نصراني، لكنني أحترم وأُجلُّ الأنبياء جميعاً ، لأنهم لم يحملوا إلينا سوى الخير والمحبة، ولأن المسيح ذاته لم يأمرنا بالغضِّ من أيٍّ منهم أو إنكار رسالته، فإنْ فَعلْنا فقد خالفْنا تعاليم المسيح.. ثم من قال لك إن محمداً عدوٌّ للمسيح؟
قلت: إن بعض الغربيين يظنون هذا.
قال: إن من يقول هذا يجهل محمداً والمسيح معاً، ولو درس حياة محمد وعرف حقيقته، لما أمكنه أن يقول إلا كما قال برناردشو عنه.
قلت: وماذا قال برناردشو؟
قال: بعد أن عرف شو محمداً ودرس حياته وسيرته قال: «لقد درستُ محمداً وأُعجبتُ به، وفي رأيي أنه أبعد ما يكون عن وصفه بأنه ضد المسيح. يجب أن يُدعى (منقذ الإنسانية)» .
وأردف الأب ستيفانو قائلاً:
- وأعود إلى مجرى حديثي فأؤكد لك، إن الذين اتبعوا الأنبياء، لم يتبعوهم لأنهم كانوا رجالاً عظماء، ولا لأنهم كانوا رجالاً عباقرة، بل اتبعوهم لأنهم كانوا رجالاً أنبياء.
قلت: إذاً هل تكون نتيجة هذا أن صفات العظمة التي تحلَّى بها رسول الله ، إنما مرجعها إلى نبوته ورسالته التي أرسله الله بها إلى الناس جميعاً؟
قال: أجل، وإن دارس شخصية محمد، لن تكون دراسته ذات جدوى إن هو فصل بين هذه الشخصية وبين النبوة، كما أن دارس نبوة محمد لن تكون دراسته ذات جدوى إن هو فصل بين القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة وما صحَّ من أخبار السيرة النبوية، لأنها عناصر متكاملة في موضوع واحد.
وأضاف: وبما أنني أرتضي هذه النتيجة، فإن عليَّ أن أدرس (مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد) على أنه نبي ورسول. ولهذا فقد عزمت على أن لا أقتنع بصحة مظهرٍ من مظاهر هذه الرحمة إلا إذا كان مؤيداً بنص من النصوص الأصلية الثلاثة التي اتفقنا على الاحتكام إليها.
وأردف قائلاً: وهذه هي الفائدة التي أتوقعها منك، حتى يكون بحثي مدعَّماً بالحجج الموثوقة.
قلت: على بركة الله، من أين تريد أن تبدأ؟
قال: قبل أن أبدأ، أودُّ أن أعرض عليك أمراً.
قلت: ما هو؟
قال: لقد عنَّ لي وأنا أُرتِّب أفكاري قبل البدء بالكتابة، أن أقدِّم لبحثي بمقدمة تتحدث عن مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد قبل البعثة.
قلت: هذا حسن.
قال: لكن اعترضتني هنا مشكلة.
قلت: ما هي؟
* * *


6- هل يكون النبي نبياً قبل أن يبعث؟:
قال: إن النتيجة التي توصلتُ إليها فيما سلف من كلامي، تفيد أن دراسة شخصية محمد - من أي جانب كان - يجب أن تكون مبنية على أنه نبي رسول، وهو لم يُبعث نبياً رسولاً إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف يسوغ لي أن أتحدث عنه قبل البعثة؟ ألا أكون متناقضاً مع نفسي في هذا؟
قلت: أَأُجيبك بمذهب المسلمين في هذا، أم بمذهب غير المسلمين؟
قال: بل أريد مذهب المسلمين، فأنا أعرف مذاهب غيرهم.
قلت: مذهب المسلمين في هذا، أن النبي لا يكون نبياً منذ ساعة بعثته فقط، إنما هو يولد نبياً.
قال: كيف هذا؟! وهل يكون الطفل الوليد نبياً؟
قلت: إن آيات القرآن الكريم تبيًن أن الله سبحانه يصطفي ويختار من البشر أنبياء ورسلاً يحوطهم بعنايته ورعايته منذ ولادتهم... بل قبل أن يكونوا أجنة في أرحام أمهاتهم... ثم إذاما وُلدوا وكبروا... وأصبحوا في سن تؤهلهم لحمل رسالته، أرسلهم إلى من يشاء من عباده... وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن موسى عليه السلام منذ ولادته فقالت: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ..﴾ حيث قصت علينا هذه الآيات وما بعدها، حياة موسى عليه السلام، وعناية الله سبحانه به منذ ولادته حتى وفاته.
وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن يحيى عليه السلام، منذ بشارة الملائكة أباه زكريا به قبل أن يُخلق في رحم أمه، فقالت: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء{38} فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ .
وبمثل هذا تحدثت الآيات القرآنية عن المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام فقالت على لسان أمه مريم عندما بشرها الملَك بالحمل به بلا أب: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{21} فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً{22} فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ . وقد قصَّت الآيات السابقة واللاحقة بها، ملخص الحمل به، وولادته، وما رافق ذلك من معجزات...
* * *
وأردفتُ: وهذا هو دأب الأنبياء والمرسلين... ومنهم محمد . لقد كانت عناية الله تحوطه وترعاه منذ ولادته... وتؤدبه بأدب النبيين.
قال: وهل في آيات القرآن ما يشهد لهذه الرعاية والعناية الإلهية به قبل البعثة؟.
قلت: أجل، ولا بد أنك تعلم أنه كان في صغره يتيماً، وفي شبابه فقيراً، وكان قبل بعثته لا يعرف الدين الذي عليه أن يتبعه... فنـزلت الآيات القرآنية فيما بعد، تبين له أنه لم يكن متروكاً لشأنه في مختلف مراحل حياته، بل كانت رعاية الله له هي التي تحفظه في كل ما ينوبه، تقول هذه الآيات: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ أي أن الله سبحانه هو الذي آواه ويسَّر له من يكفله في صغره، وهو الذي هداه إلى الدين الصحيح الذي عليه أن يتبعه، وهو الذي أغناه في فقره بالتجارة بأموال زوجته الأولى خديجة. وهكذا كان محمد قبل البعثة مثل غيره من الأنبياء، يصنعهم الله سبحانه على عينه...
* * *
وهنا نظر جاري (الأب نقولا) إلى ساعته وقال:
- أرجو أن تأذنا لي بأن أقترح أمراً.
قلت: اقترح ماشئت.
قال: أقترح أن نكتفي هذه الليلة بما دار من حديث.. على أن نتابع مساء غدٍ عند الساعة التاسعة إن شاء الله.
قلت: ولِمَ؟
قال: كي لا نطيل السهر، فليالي رمضان عند المسلمين ليالي عبادة.
قلت: ومجلسنا هذا، بما دار فيه، هو مجلس عبادة إن شاء الله. بل إن مجلساً تذكر فيه آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، هو روضة من رياض الجنة عندنا نحن المسلمين. أما إن رغبتما بمساء الغد فلا بأس.
وأبدى الأب ستيفانو موافقته على مساء الغد، ونهض الضيفان متهيئَين للخروج، فشيعتهما إلى باب المنزل.. وخرجا مودِّعَيْن..
* * *


الفصل الثاني
مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد  قبل البعثة

مساء اليوم التالي، وعند الساعة التاسعة، رن جرس منـزلي، ففتحت الباب، واستقبلت الضيفين الكريمين مرحِّباً بهما..
ولما استقر بنا المجلس، بعد بعض المجاملات.. وبعد أداء واجب إكرام الضيف.. بدأ الأب استيفانو متابعاً حديث الأمس فقال:
- بناءً على ما انتهينا إليه بالأمس، هل أستطيع أن أجد في شخصية محمد بعض مظاهر الرحمة للبشر، قبل البعثة، لأجعلها في بحثي مقدمة لما بعد البعثة؟.
قلت: أجل، فهذا مبثوث فيما صح من أخبار السيرة النبوية.
قال: هل لك أن تحدثني بما يحضرك منها؟
قلت: لك ما تريد، لكن أتدري بماذا كان قوم محمد يلقبونه طيلة المدة التي سبقت بعثته؟.
قال: بماذا كانوا يلقبونه؟.
قلت: كان قومه الذين وُلد بينهم، ونشأ بينهم، وعرفوه حق المعرفة.. كانوا يلقبونه (الأمين) ، أترى أن إنساناً يُلقَّب بهذا من قِبَل مجتمعٍ يعرفه حق المعرفة، يمكن أن يكون إنساناً فظاً غليظاً قاسياً، محباً لسفك الدماء؟
قال: العقل يقول: لا يمكن أن يكون مثل هذا الإنسان إلا برَّاً رحيماً عطوفاً ودوداً،. بل كأني بمن يلقبه قومه هذا اللقب، كأني به لم يقترف في حياته إثماً و لا ذنباً، ولو فعل لتعلق به قومه عليه، ولزالت حرمته من نفوسهم.
قلت: هو ذاك، لم يقارف محمد قبل البعثة إثماً ولا ذنباً... بل ولا لهواً أيضاً ، هذا ما تقوله روايات السيرة النبوية الصحيحة .
* * *
1- محمد وزيد بن حارثة:
قال: وماذا عن مظاهر رحمته آنذاك؟
قلت: تروي كتب السيرة النبوية: أن محمداً قبل البعثة، كان قد تزوج بخديجة بنت خويلد - أولى زوجاته - وكان لخديجة ابن أخ اسمه (حكيم بن حزام بن خويلد) يعمل بالتجارة، فقدم ذات مرة من الشام برقيقٍ يتَّجِرُ به، وفي الرقيق غلام بلغ أن يكون وصيفاً اسمه زيد بن حارثة، فدخلتْ على حكيم عمته خديجة، وهي يومئذٍ زوج لمحمد. فقال لها حكيم: اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئتِ فهو لك. فاختارت زيداً، فأخذته، فرآه زوجها محمد عندها، فرقَّ له قلبه، وتحركت في نفسه عواطف الرحمة تجاه الغلام، فاستوهبه منها، فوهبته له، فما كان أسرع من أن أعتقه فخلع عنه رِقَّ العبودية، وضمَّه إلى أسرته، وصار يكرمه إكرام الأب الرحيم لابنه... فعاش زيد في بيت محمد وقد امتلأت نفسه إعجاباً وثقةً بهذا الرجل، ومحبة له.
وكان من خبر زيد هذا أول أمره، قبل أن يصبح عبداً رقيقاً ويباع في سوق النخاسة، أنه كان يعيش مع أمه سعدى، وأبيه حارثة، وكانت سعدى تنتمي إلى قبيلة، وحارثة ينتمي إلى قبيلة أخرى... وذات يوم، خرجت سعدى بابنها زيد إلى قبيلتها لتزيره أهلها.
وحدث أن تعرض أهلها وهي بينهم، إلى غارة من غارات السلب والنهب التي تكثر في البادية... فسلب المغيرون منها ابنها هذا، وذهبوا به فباعوه في سوقٍ من أسواق العرب اسمه (سوق حباشة) وزيد يومئذٍ ابن ثمانية أعوام... ثم اشتراه حكيم بن حزام.
لكنَّ حارثة أبا زيد، لم يهدأ له بال منذ أن سُبي ابنه، وجزع عليه جزعاً شديداً وبكاه.. حتى أنه نظم شعراً تحدث فيه عن مصيبته بابنه فقال:
بكيتُ على زيـدٍ ولم أدرِ ما فعـلْ أَحَيٌّ يُـرجَّى أم أتى دونـه الأجَلْ
فوالله مـا أدري وإنـي لَسـائـلٌ أغالكَ بعدي السهلُ أم غالك الجبلْ
وياليت شعري هل لك الدهـرَ أوبةٌ فحسبي من الدنيا رجوعُك لي بَجَلْ
تُذكِّرنيـه الشمس عنـد طلوعهـا وتعرض ذكـراه إذا غربُهـا أفـلْ
وإن هبَّت الأرواح هيَّجـن ذِكـره فيا طَولَ ما حُزني عليـه وما وَجَلْ
سأُعمِل نَصَّ العِيسِ في الأرض جاهداً ولا أسأم التطواف أو تسـأم الإبلْ
حيـاتيَ أو تـأتـي عـليَّ منيَّتـي فكلُّ امرئٍ فـانٍ وإن غـرَّه الأملْ
وصار حارثة يذرع طرق الجزيرة العربية متقلباً بين أسواق العرب وأحيائها.. باحثاً عن ولده.. لعله يفوز بخبر عنه..
وبعد طول بحثٍ وعناء.. فاز بالخبر! وعرف أن ابنه في مكة عند واحد من قبيلة قريش. فما كان أسرع من أن خفَّ هو وأخ له إلى مكة، وسألا عن زيد.. فعرفا أنه عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فأسرعا إليه..
وعند محمد، التقى حارثة بولده.. ففرح به.. وكان مثل ظَمِئٍ في صحراء، وقع على ماء.. وطلب من محمد أن يردَّ عليه ابنه بما شاء من فِداء.
وأردفتُ: لكنَّ محمداً كان رحمةً للبشر، أتدري أيها الأب ستيفانو ماذا كان ردُّ محمد؟
قال: ماذا كان ردُّه؟
قلت: لقد التفت إلى حارثة وأخيه قائلاً: أَوَ ترضيان بأفضل من الفداء؟ قالا: وما هو؟ قال: أدعو زيداً وأُخيِّرُه، فإن اختاركما فذاك، وإن اختارني رضيت ورضيتما. فقال حارثة: لقد أنصفتَ وزدتَ على الإنصاف. فدعا محمد زيداً، فلما جاء، قال له: من هذان؟ فقال زيد: هذا أبي حارثة بن شراحيل، وهذا عمي كعب بن شراحيل. فقال محمد: خيَّرتُك: إن شِئتَ فأقِم عندي، وإن شئت فانطلق معهما!.
وأردفتُ: أتدري أيها الأب ستيفانو بماذا ردَّ الغلام الذي لقي أباه بعدما ضاع منه؟
قال: بماذا ردّ الغلام؟
قلت: لقد ردَّ الغلام مخاطباً محمداً الرحيم العطوف قائلاً: بل أُقيم عندك!
وفوجئ حارثة!! فقال لابنه: يا زيد، أتختار العبودية على أبيك وأمك وبلدك وقومك؟! فقال زيد: إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً، وما أنا بالذي أفارقه أبداً.
وأردفتُ: أكان الغلام يختار محمداً على أبيه لو لم يجد عنده من الرحمة والبرِّ به فوق ما يجده عند أبيه؟
قال الأب ستيفانو بعد لحظة تأمل: لو كان محمد قبل البعثة فظاً غليظاً قاسياً، لما اختاره زيد على أبيه.
قلت: أوَ تدري ماذا كانت النتيجة؟
قال: النتيجة واضحة، لقد اختار زيد الإقامة عند محمد ولو مع العبودية، على الانطلاق مع أبيه ولو مع الحرية.
قلت: بل أكثر من هذا.
قال: وما ذاك؟
قلت: لقد تجاوزتْ رحمة محمد زيداً إلى أبيه حارثة.
قال: كيف؟
قلت: لقد شعر محمد بأن أبا زيد قد أُصيب بخيبة أمل، بعد الذي عاناه في سبيل عثوره على ولده.. فما كان من محمد تطييباً لخاطر حارثة، إلا أن أخذ بيد زيد، وقام به إلى الملأ من قريش، فقال: اشهدوا يا معشر قريش، أن هذا ابني وارثاً وموروثاً - وكان نظام التبني معمولاً به في الجاهلية قبل الإسلام - فطابت نفس حارثة عند ذلك، وتأكد له أن ابنه لا ضير عليه، وغادر مكة مطمئناً إلى ما صار إليه ولده.
* * *
قال الأب ستيفانو: وماذا كان من أمر زيد بعد ذلك؟
قلت: لقد صار منذ ذاك يدعى زيد بن محمد، وعاش عند أبيه بالتبني على أطيب حال، حتى بُعِثَ رسول الله ، فصدَّقه زيد، وكان مِن أوَّل مَن أسلم، لمعرفته عن قرب بصدقه ورحمته... وبقي يدعى زيد بن محمد حتى نـزلت الآية القرآنية تبين حكم الأبناء بالتبني في الإسلام وتقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ ، فقال عند ذلك: أنا زيد بن حارثة .
* * *
2- محمد وبناء قريش للكعبة:
وأردفت قائلاً: وواحدة أخرى.
قال: إني مُصغٍ إليك.
قلت: قبل بعثة محمد بحوالي خمس سنين، أي عندما كان عمره حوالي /35/ عاماً، عزمتْ قبيلة قريش على تجديد بناء الكعبة، وكانوا يَعدّون المشاركة في هذا التجديد شرفاً ما بعده شرف. وحتى لا يختصموا فيما بينهم، تقاسموا هدمها، فتولت كل عشيرة من عشائر قبيلة قريش هدم جزء منها، ثم جمعوا الحجارة لبنائها، كل عشيرة تجمع على حدة.. ثم بَنَوْها.. حتى بلغ البنيان موضع (الحجر الأسود) منها، وكانوا يعظِّمون هذا الحجر.. فاختصموا فيه، كل عشيرة تريد أن تحوز شرف رفعه إلى موضعه، دون غيرها.. حتى وصل الأمر بهم إلى التهيؤ للاقتتال! وتحالف بعضهم ضد بعض! وجاء حِلفٌ منهم بجفنة مملوءة دماً، وغمسوا أيديهم فيها، كناية عن تعاهدهم على الموت إن حاول غيرهم أن يفوز دونهم بشرف رفع الحجر الأسود إلى مكانه في ركن الكعبة، وسُمِّي هؤلاء (لعقة الدم).. وتفاقم الأمر.. وكادت قبيلة قريش أن تتمزق ويقتل بعضها بعضاً..ومكثتْ على ذلك أربع ليالٍ أو خمساً.. ثم إنهم اجتمعوا بجوار الكعبة يتشاورون.. فأشار عليهم أحد حكمائهم فقال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أوّل داخل عليكم من هذا الفج - أي الناحية - ليقضي بينكم ويحلّ الخلاف، وترضون بما يقضي به. فرضي الجميع بما قال.. وانتظروا أول داخل عليهم..
وأردفت: أتدري أيها الأب ستيفانو من كان أول داخل عليهم؟.
قال: من؟
قلت: لقد كان محمد بن عبد الله هو أول داخل عليهم من ذلك الفج الذي اختاروه.
قال: وهل رضي به الجميع ليحكم بينهم؟.
قلت: بل تصايح الجميع من جنبات المكان قائلين: هذا هو الأمين.. رضينا به.. هذا محمد.
ولم يكن محمد عالماً باتفاقهم.. فلما سألهم عن سبب تصايحهم؟ أخبروه الخبر.. وطلبوا منه أن يحكم بينهم فيما هم فيه.
قال: وبماذا حكم محمد في أمرهم؟
قلت: ما كان أسرع من أن قال لهم: هلمّ إلي ثوباً، فجاؤوه بثوب واسع، فأخذه، فبسطه على الأرض، ثم أخذ (الحجر الأسود) بيده فوضعه وسط الثوب، ثم قال: ليأخذ زعيم كل عشيرة بطرف من أطراف الثوب.. ثم رفعوه جميعاً.. حتى إذا بلغوا به موضعه من ركن الكعبة، تناوله هو من الثوب، ووضعه بيده مكانه، ثم بنى عليه .
قال الأب ستيفانو: إن مثل هذا الرجل الحكيم، لا يمكن أن يكون فظّاً غليظاً قاسياً، ولو كان كذلك لما حكّمه قومه بينهم ورضوا بحكمه.
* * *

3- الأعداء يشهدون لمحمد:
قلت: وواحدة أخرى.
قال: هاتها.
قلت: لما جهر النبي  بالدعوة الإسلامية، أوائل عهد البعثة، ونـزلت عليه الآية القرآنية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد مرتفعَ الصفا بجوار الكعبة، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي،...لبطون قريش، حتى إذا اجتمعوا إليه قال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقِيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً.. ».
وأردفت: أليس هذا اعترافاً صريحاً ممن صاروا أعداء محمد بعد البعثة، بما كان عليه محمد قبل البعثة؟.
قال الأب ستيفانو: بلى، وإن هذا الخبر ليصدِّ ق ما قبله.
* * *
4- الأصدقاء يشهدون لمحمد:
قلت: أأحدثك بأمثلة أخرى تزيد الصورة وضوحاً عن محمد قبل البعثة؟.
قال: على أن توجز وتختصر.
قلت: لك ما تريد: أترى أن إنساناً يَصِل رحمه، ويتفقد أقاربه.. يكون رحيماً أم قاسياً؟.
قال: بل يكون رحيماً.
قلت: أترى أن إنساناً يقرِّب إليه الضعفاءَ والعاجزين عن الكسب، فيعولُهم ويكفيهم مؤونة عيشهم.. يكون رحيماً أم قاسياً؟.
قال: بل يكون رحيماً.
قلت: أترى أن إنساناً يعطي من ماله المتسوِّلين والمعوزين.. يكون رحيماً أم قاسياً؟.
قال: بل يكون رحيماً.
قلت: أترى أن إنساناً يحتفي بضيوفه ويكرمهم ويبذل لهم.. يكون رحيماً أم قاسياً؟.
قال: بل يكون رحيماً.
قلت: أترى أن إنساناً يسرع لإعانة المنكوبين، ومن نـزلت بهم نوائب الأيام.. يكون رحيماً أم قاسياً؟.
قال: بل يكون رحيماً.
قلت: فإذا شهد شاهد عدل بكل هذا لمحمد؟.
قال: من هو هذا الشاهد؟ هل يعرفه حق المعرفة؟.
قلت: أترضى بشهادة زوجته الأولى - خديجة بنت خويلد - التي عاشت معه قبل البعثة وبعدها؟
قال: أجل، فزوجة الرجل أعلم الناس بحقيقته.، لكن على أن تكون هذه الشهادة موثّقة في النصوص الأصلية التي اتفقنا عليها.
قلت: جاء في صحيح البخاري، أن خديجة قالت لزوجها محمد، واصفة خصاله التي عرفتها عنه أيام الجاهلية قبل البعثة: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعِين على نوائب الدهر» .
وأردفت: أَمِثْل هذا يكون فظّاً غليظاً قاسياً؟.
قال: أشهد أن مثل هذا لا يكون إلا برّاً رحيماً محبباً.
* * *

الفصل الثالث
تعريف بـه 

بعدما رشفنا رشفات من القهوة المرة، تعيننا على متابعة حديثنا بنشاط أكبر.. أردف الأب ستيفانو قائلاً: حسبي ما سمعته منك عن مظاهر رحمة محمد قبل البعثة، وأود أن أنتقل إلى مظاهر رحمته للبشر بعد البعثة، لكن أودّ قبل أن تحدثني عنها، أن تعرِّفني به.. فتُجمل لي شمائله وصفاته بعامة.. بحيث أستطيع أن أستجمع له في ذهني صورة محددة، فأعرف أين تقع مظاهر رحمته من تلك الصورة.
قلت: لك ما تريد:
1- شمائله :
- كان ، بسبب التأديب الإلهي الذي يؤدب به الله سبحانه رسله، متخلقاً بالأخلاق الحميدة الفاضلة.. الأمر الذي أهّله لأن أثنى الله سبحانه عليه في القرآن الكريم فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال: وما هو الخلُق العظيم الذي كان عليه محمد حتى امتاز به عن أخلاق العظماء من بني البشر، واستحق به الثناء من ربه؟.
قلت: هذا بحث واسع مستفيض، لو أردت أن أحدّثك عنه لاحتجت إلى أن أحدثك عن آداب الإسلام، وعبادات الإسلام، ومعاملات الإسلام.. لكن ألخِّصه لك بجملة واحدة موجزة، رُويت عن أقرب الناس إلى رسول الله ، وأعرفهم به، زوجته السيدة عائشة. فقد سئلت عن خُلُقه كيف كان؟ فأجابت: «كان خُلُقه القرآن» .
وأردفت: والقرآن معروفٌ مافيه.. متداولٌ بين الناس.. من قرأه قراءة متدبرة، وصل إلى ذلك الخلق العظيم الذي تميّز به محمد عن غيره قبل وبعد البعثة، فقد كان رسول الله  قرآناً يمشي على الأرض.
وهنا تنبه الأب ستيفانو وبادر قائلاً: ماذا قلت؟.
قلت: كان رسول الله  قرآناً يمشي على الأرض.
قال: لقد شوّقتني بهذه العبارة، إلى أن أرى هذا الإنسان القرآن الذي يمشي على الأرض!
قلت: أتحب أن تراه؟.
قال: أجل، ألديك صورة له؟.
قلت: هذا من المحال، لكن هناك ما ينوب عن الصورة.
قال: وما ذاك؟.
* * *


2- صفته :
قلت: لو رجعتَ إلى روايات السيرة النبوية الصحيحة المتداولة بين المسلمين ، لوجدتها تتناقل فيما بينها أوصاف رسول الله ، من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه.. حتى أن من يقرؤها تنطبع في مخيلته صورة مكتملة لصاحب تلك الأوصاف.
قال: لو شئتَ لأوجزتها لي.
قلت: حباً وكرامة، إني موجزها لك:
كان رسول الله : معتدل القامة لا بالطويل ولا بالقصير، وكان عظيم الهامة، يكسو رأسه شعر أسود غزيرٌ رَجِل ، والشعر يحيط بوجه مستدير أزهر اللون، والوجه يعلوه جبين واسع، وتحت الجبين حاجبان أسودان مقوَّسان، وتحت الحاجبين عينان ذواتا شِقٍّ طويل، سوادهما شديد السواد وبياضهما شديد البياض، وتحف بالعينين أهداب طويلة سوداء، وتحت العينين أنف أقنى، وتحت الأنف فم واسع، تحفُّ به لِحية سوداء غزيرة، وترتكز هامته  على رقبة أقرب إلى الطول، وعلى جانبي الرقبة منكبان ضخمان، وتحت الرقبة صدر عريض، وتحت الصدر بطن يستوي مع الصدر ولا يبرز عنه، وعلى الجانبين تنسدل يدان عبلتان ضخمتا الكفَّين، والجسم يرتكز على رجلين عبلتين ضخمتي القدمين .
قال: لقد وصفتَ رجلاً مفعماً بالقوة والجمال.
قلت: هو ذاك.
قال: وأستطيع بعدما سمعت من وصفك، أن أضيف إلى عبارتك السالفة فأقول: لقد كان محمد قرآناً قوياً يمشي على الأرض.
قلت: لقد أنصفتَ.
قال: فما بال المسلمين اليوم، يمشون على الأرض وكأنهم قرآن ضعيف؟!
قلت: إن القرآن لا يضعف، بل هو محفوظ بحفظ الله له، كما قال عنه سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . لكننا نحن المسلمين اليوم، ابتعدنا عن القرآن فضعفنا وضعفت مسيرتنا.
قال: صدقتَ، إن المسافة بينكم، أيها المسلمون، وبين قرآنكم، هي ميزان قوتكم وضعفكم، فكلَّما قصَّرتموها سرتم في طريق القوة، وكلَّما أطلتموها سرتم في طريق الضعف. واحذروا، فإن عدوكم يعلم هذا منكم، وقد أعلن هذا صراحةً على ألسنة الكثير من أهل الغرب، ولعل أشهر قول في هذا الشأن، هو ماقاله (جلادستون) رئيس وزراء بريطانيا عام /1882 / م في مجلس العموم البريطاني، قال وهو يرفع القرآن بيده: «مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين، فلا تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق» .
قلت: لقد أنصفتَ وأسمعت، فلعل هناك من يسمع! .
* * *
3- لباسه :
قال: لو عدنا إلى وصف محمد، ألا تحدثني عن لباس هذه الشخصية القوية الجذابة، حتى تكتمل الصورة في مخيلتي؟.
قلت: بلى أحدِّثُك: كان  يلبس على رأسه عمامة يرخي لها عَذَبَة بين كتفيه.
قال: ما لونها؟
قلت: غالباً ما تكون بيضاء، وقد تكون صفراء أو سوداء.
قال: ثم ماذا؟
قلت: أما ثوبه فغالباً ما يكون من خشن القماش، وغالباً ما كان يلبس ثوباً واحداً مخيطاً يصل إلى نصف ساقيه أو أدنى قليلاً، بحيث يكون فوق كعبيه، وتحت الثوب إزار أو سروال.
قال: وما لون ثوبه؟
قلت: غالباً ما يكون أبيض، وقد يكون أسود أو أحمر أو أصفر، وقد يكون ذا خطوط.
قال: وماذا كان ينتعل؟
قلت: كانت له نعلان من جلد مدبوغ، مكشوفتان من الخلف، ولهما من الأمام شِراك وقِبالان يُدخِل أصابع قدميه فيهما.
قال: حسبي فقد اكتملت الصورة في مخيلتي ، لقد وصفتَ لباساً متواضعاً أشبه بلباس النسَّاك والزاهدين.
* * *
4- البيئة التي عاش فيها :
واستدرك قائلاً: لكنْ ألا ترى معي أن هذه الصورة بحاجة إلى إطار يحيط بها؟.
قلت: ماذا تقصد؟
قال: الإطار الذي أقصده لصورة محمد، هو تلك البيئة الاجتماعية التي كانت تحيط به، والتي عاشت فيها هذه الشخصية الفذة المتواضعة، مطلعَ القرن السابع المسيحي، ألا حدثتني عنها بإيجاز؟.
قلت: أتريد البيئة الاجتماعية العالمية آنذاك، أم البيئة الاجتماعية العربية؟
قال: أريد العربية، أما العالمية فأنا أعرف الفساد الذي كانت تتخبط فيه المجتمعات آنذاك، من فارسية ورومية وغيرها ...
قلت: لو رحتُ أحدثك عن البيئة الجاهلية للمجتمع العربي، لطال بنا الأمر، لكن أُحَدِّثُك بوصفٍ موجزٍ جاء على لسان واحد ممن عاشوا في تلك البيئة ثم قُدِّر له أن ينتقل منها إلى البيئة الإسلامية، فجاء كلامه مقارنة بين المجتمع الجاهلي العربي وبين المجتمع الإسلامي الذي أظهره الله سبحانه على يد محمد .
قال: هذا ما أرمي إليه.
قلت: تروي كتب السيرة النبوية في الخبر الصحيح: أن النجاشي - ملك الحبشة - استدعى إلى بلاطه وفداً من مهاجري المسلمين إلى بلاده ليسألهم عن هذا النبي الجديد الذي ظهر في بلدهم مكة فاتبعوه وفارقوا وطنهم لأجله، فقدَّم وفدُ المسلمين جعفرَ بن أبي طالب ليتكلم باسمهم، وليجيب النجاشي على سؤاله.. فتكلم جعفر أمام النجاشي فقال: «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل، لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله، من الحجارة والأوثان. وأمَرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمَرَنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً. وأمَرَنا بالصلاة والزكاة والصيام... فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله» .
* * *
قال الأب ستيفانو: لقد أفدتني أفادك الله، وعرَّفتني موجزاً يصف محمداً ودينه ومجتمعه، وأنرتَ لي سبيل بحثي، ولو عدتُ الآن إلى (مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد) فلن أَرِدَهَا خالي الوفاض.
وهنا نظر جاري (الأب نقولا) إلى ساعته وقال:
- هل لي أن أُعيد اقتراح الأمس، فنكتفي بما دار من حديث هذه الليلة.. على أن نتابع مساء غدٍ عند الساعة التاسعة؟
قلت: إن رغبتما هذا فلا بأس.
فقال الأب ستيفانو: لكني أشترط شرطاً.
قلت: وما هو؟
قال: أن نتابع غداً حديثنا حتى ننتهي منه، فأنتم تقولون في المثل (العرب عند ثلاث) وغداً ثالث أيامنا، وليس من اللائق بنا أن نزيدك على ثلاث.
قلت: لك ما تريد، وعلى بَركة الله.
ونهض الضيفان متهيئَين للخروج.. فشيعتهما إلى باب المنـزل.. وخرجا مودِّعَيْن..
* * *

يتبع إن شاء الله. .



هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 24278
العمر : 67

هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty
مُساهمةموضوع: رد: هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟   هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty12/01/12, 11:58 pm

الفصل الرابع
مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد  بعد البعثة

- مدرسة الرحمة:
مساء اليوم التالي، وعند الساعة التاسعة، رن جرس منـزلي، ففتحت الباب، واستقبلت الضيفين الكريمين مرحِّباً بهما..
ولما استقر بنا المجلس، بعد بعض المجاملات.. وبعد أداء واجب إكرام الضيف.. بدأ الأب ستيفانو متابعاً حديث الأمس فقال:
- لا أكتمك أنني كنت أستروح مظاهر الرحمة للبشر في شخصية محمد، بل وفي شخصية كل عربي، منذ قرأت في سابق أيامي عبارةً لأحد المؤرخين الغربيين النابهين تقول: «لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب»، ولقد وجدت فيها إشادة بعنصر الرحمة عند الجنس العربي كله، لأن الفاتحين من العرب كانوا يمثلون هذا الجنس بكل أطيافه.
قلت: إنَّ كل عربي يقرأ هذه العبارة، لا بد أن تفيض نفسه بالشكر والامتنان لصاحبها، على ما يُكنُّه من مشاعر نبيلة تجاه العرب. لكن لو استبطن صاحب هذه العبارة حقيقة التاريخ، لقال بدلاً منها: «لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من تلاميذ مدرسة محمد».
قال: ولِمَ هذا التصحيح لعبارةٍ وُضعت في معرض المدح والثناء؟
قلت: لأن العرب قبل محمد ، كانوا بُداةً جُفاة، تدور بينهم الحروب الطاحنة من أجل بعير... من أجل حصان... من أجل رهان... وكان منهم من يئد البنات ويدفِنُهُنَّ أحياء تخلصاً من أن يُقال: رُزَق فلان بنتاً ولم يُرزق ولداً! وفي هؤلاء تقول الآية القرآنية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ{58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ، وكان عندهم من القسوة مثل ما عند غيرهم من الشعوب الأخرى ...
فلما بُعث رسول الله ، تغيرت حالهم رأساً على عقب... لقد دخلوا مدرسة محمد جُفاةً قُساةً... فلما تخرجوا فيها، إذا هم أرحم أمة عرفها تاريخ الفتوحات .
قال: إذاً مدرسة محمد هي التي علَّمت الفاتحين العرب الرحمة؟.
قلت: أجل.
قال: هل لك أن تحدثني ماذا كان يعلِّم محمد في مدرسته هذه ؟
قلت: لم يكن يعلم فيها سوى الرحمة.
قال باستغراب: كيف هذا!؟ وقد خرجوا منها بِدينٍ مكتمل، نشروه في أصقاع الأرض، ودانت به الشعوب؟!
قلت: أتدري ما هو الدين الذي علَّمه محمد الناسَ في مدرسته؟
قال: هو الإسلام.
قلت: والإسلام هو دين الرحمة فقط، لا شيء غيرها.
قال: كيف؟ أفصح.
قلت: يقول الله تعالى في القرآن الكريم مخاطباً رسوله محمداً ، ومبيناً سبب إرساله إلى الناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أترى في هذه الآية شيئاً غير الرحمة يُطلب من رسول الله أن يقدمه للبشر؟
قال: بل هي تحصر الغاية والهدف من رسالة محمد، في الرحمة فقط.
قلت: أتدري ما معنى هذا؟
قال: ما معناه؟
قلت: معناه أن جميع ما جاء به محمد  مُرسلاً من عند ربه، وجميع ما اشتملت عليه رسالته من عبادات ومعاملات، وآداب وأخلاق، وحقوق وواجبات... كل ذلك إنما هو مبني على أساس الرحمة للبشر كافة!.
وأردفت: بل حتى العقوبات الشرعية، من حدود وقصاص وتعزير... إنما هي رحمة للبشر، لما فيها من قطعٍ لدابر الشر، ومنعٍ للفساد من أن يستشري في المجتمعات... بينما هو يستشري اليوم كما تعلم، بسبب التشريعات والقوانين التي وضعها المُشرِّعون من البشر بأنفسهم، منصرفين عما شرع الله سبحانه للناس كافة .
قال: أنا أتفق معك في هذا، وحبَّذا لو حدثتني عن الطريقة التي كان محمد يعلِّم بها الناسَ الرحمةَ في مدرسته.
* * *
- الطريق إلى الرحمة في مدرسة محمد :
قلت: لقد كان  يَدلُّ الناس أولاً على الطريق إلى الرحمة... فيعلمهم أن التواضع والرفق هما سبيل الإنسان إليها.
قال: حدثني أولاً عن تعليمه الناسَ التواضع.
قلت: لقد رُوي عنه أنه قال: « إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد » .
وكان يضرب لهم مثلاً من نفسه فيقول: « إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً » .
وكان يطلب من الناس أن لا يبالغوا في أمره و يقول: «يا أيها الناس، لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً» .
بل هو لم يرضَ ذلك منهم عندما همُّوا بتعظيمه! فقد رُوي أن رجلاً قال: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله : «يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبدُ الله ورسولُه، ما أُحبُّ أن ترفعوني فوق منـزلتي التي أنـزلني الله عز وجل» .
بل هو نهى الناس حتى عن إطرائه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدُ الله، فقولوا عبد الله ورسوله» .
وكان  بعد هذه الأمثلة التي يضربها للناس من نفسه، يبشِّر كل من أخذ بها بحسن العاقبة ويقول: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» .
وبرغم تواضعه الجم فقد كان  ذا هيبة ووقار، جاءه رجل مرة فارتعد من هيبته! فقال له رسول الله  على عادته في التواضع: «هوِّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد - اللحم المجفف في الشمس -» .
* * *
قال الأب ستيفانو: حسبي عن تعليمه الناس التواضع، حدثني عن تعليمه إياهم الرفق.
قلت: كان  يعلِّم الناس في مدرسته الرفق فيقول: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه» .
بل هو علَّم الناس في مدرسته أن الرفق صفة من صفات الله عز وجل، ومظهر من مظاهر رحمته تعالى، فقال : «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» .
وأردفت: والرفق هو تيسير الأمور على النفس وعلى الآخرين في حدود ما يسمح به الشرع... وانطلاقاً من مبدأ الرفق هذا، كان شعار مدرسته  «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنَفِّروا» .
* * *
- مصدر الرحمة في مدرسة محمد :
قال الأب ستيفانو: حسبي هذا من الطريق إلى الرحمة، أريد أن أصل إلى الرحمة ذاتها، كيف كان محمد يعلّمها في مدرسته؟
قلت: لك ما تريد، لكن أودُّ أن أذكر لك أمراً أولاً؟
قال: ما هو؟
قلت: ألا تودُّ أن تعرف المصدر الذي تعلم منه محمد  الرحمة حتى استطاع أن يعلِّمها الناس؟
قال: بلى والله؟
قلت: أنت تعلم أن الكتاب الذي أُنـزل على محمد  وعلَّمه الإسلام كله، هو القرآن الكريم.
قال: أجل أعلم هذا.
قلت: أتدري كم مرة تكررت كلمة الرحمة ومشتقاتها , في القرآن الكريم؟
قال: لا.
قلت: اعدد معي إذاً:
1 - تكرر الاسم (رحمة) في القرآن، اسماً مفرداً /79/ مرة.
2 - تكرر الاسم (رحمة) مضافاً إليه الضمائر /35/ مرة.
3 - تكرر اسم (الرحمن) /57/ مرة.
4 - تكرر اسم (الرحيم) /115/ مرة.
5 - تكرر جمع المذكر السالم (الراحمين) /6/ مرات.
6 - تكرر جمع التكسير (رحماء) مرة واحدة.
7 - تكرر اسم (المرحمة) مرة واحدة.
8 - تكرر اسم التفضيل (أرحم) /4/ مرات.
9 - تكرر الفعل (رحم) ماضياً /8/ مرات.
10 - تكرر الفعل (يرحم) مضارعاً /15/ مرة.
11 - تكرر الفعل (ارحم) أمراً /5/ مرات .
ثم أردفت: علامَ يدلُّ هذا؟
قال: لو قرأتُ القرآن، ووجدت فيه كل هذا... لتأكد لي أنه كتاب يتعلَّم منه المسلمون الرحمة.. ولتأكّد لي صحة ما قاله المستشرق الألماني القس (ميشون) في كتابه (سياحة دينية في الشرق).
قلت: وماذا قال القس ميشون؟
قال: بعدما رأى ميشون المودَّة والتعاطف والرحمة السائدة في المجتمع الإسلامي قال: «إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح، وفضائل حسن المعاملة، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب» .
وأردف: لقد تبيَّن لي الآن سرُّ ما رآه القس ميشون في المجتمع الإسلامي.
قلت: فإذا كان القرآن الكريم يعلِّم المسلمين جميعاً الرحمة، فكيف بنبي المسلمين الذي أُنـزل عليه القرآن، ألا يتعلم منه؟
قال: أنا أتفق معك في هذا، وأود أن أعرف كيف صَدَرَ محمد بالرحمة عن هذا المورد، ثم توجه بها إلى الناس في مدرسته.
قلت: لقد توجه رسول الله  بالرحمة التي فطره الله عليها ثم أتم تعليمه إياها بالقرآن. توجه بها إلى الناس على صورتين:
- رحمة عامة موجهة إلى البشر جميعاً.
- رحمة خاصة موجهة إلى فئات محددة من البشر، يَنْعَم بها كل من اعتنق دين الإسلام وصار عضواً في المجتمع الإسلامي.
وفي كلتا الرحمتين تجد محمداً  يعلِّم الناس متخذاً من نفسه معلِّماً وقدوة في آن.
* * *
- رحمة عامة:
قال الأب ستيفانو: حدثني أولاً عن الرحمة العامة، كيف علَّمها محمد في مدرسته؟.
قلت: عنوان هذه الرحمة التي تعمُّ البشر جميعاً، هو الآية القرآنية التي سلف أن ذكرتها لك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ .
وجاء عنه  أنه قال: «خاب عبدٌ وخسر لم يجعل الله في قلبه رحمةً للبشر» .
قال: أجل والله، خاب وخسر، هذا دعاء على القساة الجفاة. هذه واحدة، والثانية؟
قلت: وجاء عنه أنه قال: «من لا يَرحَم لا يُرحم، ومن لا يَغفر لا يُغفر له» .
قال: أجل والله، العين بالعين، هذا هو الجزاء العادل للقساة الجفاة. والثالثة؟
قلت: وجاء عنه أنه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن - تبارك وتعالى - ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء» .
قال: أجل والله، هذه بشرى للرحماء. والرابعة؟
قلت: وجاء عنه أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم.قالوا كلنا يرحم. قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة» .
قال: إي والله، الرحمة الحقيقية هي ما تتعدى القريب إلى البعيد.. بل إلى الناس جميعاً.
قلت: أترى المقصود بالرحمة في هذه الأحاديث النبوية، فئة معينة من الناس أم البشر عامة؟
قال: بل هذه رحمة تعمُّ الناس جميعاً..
* * *
وأردف الأب ستيفانو قائلاً: أظنك الآن ستحدثني عن الرحمة الخاصة التي تَوَجَّه بها محمد إلى البشر في المجتمع الإسلامي.
قلت: أجل.
قال: هل لك أن تحدثني قبل هذا عن المجتمع الإسلامي الذي بناه محمد وأرسى قواعده، أَبَنَاه على أسس الرحمة أم على أسس العنف؟ كيف بنى محمد هذا المجتمع؟.
قلت: لقد بناه على الرحمة ممزوجة بالمحبة.
قال: كيف هذا؟ كيف تجلَّت مظاهر الرحمة الممزوجة بالمحبة في بناء هذا المجتمع؟ ليتك توضح لي هذا بنصوص أصلية.
* * *
- مجتمع الرحمة:
قلت: إن أهم مظهر للرحمة يبديه الراعي الرحيم تجاه رعيته، هو أن يعلِّمهم بناء مجتمع الودِّ والتراحم والصفاء، وهذا هو عين ما دعا إليه محمد  رعيته بقوله: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» .
وكان يرشد رعيته إلى كيفية تمتين هذا البناء فيقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
قال الأب ستيفانو: هذا قول جميل، لكن كيف تطبِّقه الرعية في الواقع؟
قلت: لقد علَّم  رعيته كيف تطبِّقه فقال: «ما مِن مسلمَين يلتقيان، فيتصافحان، إلا غُفر لهما قبل أن يتفرقا» ، وقال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» ، وقال مخاطباً رعيته: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» ، وقال: «الدين النصيحة. قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .
وأردفت: بهذا المنهج بنى رسول الله  مجتمع الرحمة والمحبة.. بالكلمة الطيبة، وبالمصافحة الودود، وبالمحبة الصادقة، وبإفشاء السلام، وبنصيحة المسلمين بعضهم بعضاً.. أيكون مثل هذا المجتمع فظاً قاسياً؟
قال الأب ستيفانو: إن مجتمعاً بُني على هذا، وإنَّ مدرسةً علَّمت هذا، لن يخرج منهما إلا كل بَرٍّ رؤوفٍ رحيم.
* * *
قلت: ثم إن على الراعي الرحيم تجاه رعيته، أن يشيع الأمن فيما بينها، وهذا ما دعا إليه رسول الله  فقال: «أفضل المسلمين من سَلِم المسلمون من لسانه ويده» .
وقال: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ مَن أمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» .
وجاءه مرة أحد المسلمين يسأله عن أفضل الأعمال التي تقربه من الله سبحانه، فأرشده إلى بعض تلك الأعمال الصالحة.. فقال السائل: فإن لم أستطع - أي أن أفعلها - فقال رسول الله : «تَدَعُ الناس من الشر، فإنها صدقة تصَّدّق بها على نفسك» .
وأرشد رعيته ذا ت مرة إلى ضرورة بثِّ الصدقة في المجتمع الإسلامي.
وهنا بادر الأب ستيفانو سائلاً: وهل كان هذا المجتمع فقيراً إلى هذا الحد؟
قلت: على رِسْلك، فالصدقة في المجتمع الإسلامي يقدِّمها الفقراء أكثر من الأغنياء.
فقال متعجباً: كيف؟!
قلت: عندما أرشد  رعيته إلى ضرورة بثِّ الصدقة في المجتمع المسلم قال: «على كل مسلم صدقة. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: يأمر بالخير. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فيمسك عن الشر فإنها صدقة له» .
وأردفتُ: وبمثل هذه الرحمة الإرشادية، التي تنفِّر من الشر وترغِّب بالخير، استطاعت الرعية أن تتغلب على الشر.. وشاع الأمن في المجتمع الإسلامي .
* * *
قال الأب ستيفانو: ما أجمل أن يتحقق ويسود الأمن بلا جهاز مخابرات، ولا وزارة داخلية.. بل بكلمات طيبة مليئة بالودِّ والرحمة! لكنَّ هذا يتحقق إن كانت الرعية خالية من عناصر السوء، وهذا لا يكون.
قلت: إن رحمة النبي  برعيته، لم تُغفل وجود عنصر السوء فيها، ولقد عالج  هذا فقال: «مَن أكَلَ برجلٍ مسلم أكلةً فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سُمعة فإن الله يقوم به مقام سمعة يوم القيامة» .
وأردفتُ: وبمثل هذا الإرشاد.. انتفى عنصر السوء من نفوس الرعية أو كاد.
قال: لقد استطاع محمد أن يجعل من ضمير كل مسلم مراقباً لا يفارقه!.
* * *
قلتُ: ثم على الراعي الرحيم أن لا يهمل الأماكن العامة التي تتواجد فيها رعيته، وبخاصة الطرقات.. وهذا مالم يهمله رسول الله  في بناء المجتمع الإسلامي، فقد حدَّث صاحبُه أبو هريرة قال: «قلت: يانبي الله، علمني شيئاً أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين» .
وأردفتُ: أرأيت؟! لقد جعل هذا الرحيم برعيته، مِن مهنة مَن نسمِّيه (القمَّام أو الزبَّال) مهنةً تشفع لصاحبها وتنفعه عند الله سبحانه، وكان هذا كافياً لأن يُقبِل كل مسلم على إماطة الأذى عن الطريق، سواء أكان من خاصة المسلمين أم من عامتهم.
أما إن وُجد عنصر السوء هنا، فقد عالج  أمره بقوله: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» .
وأردفتُ: وهكذا حُفِظَت الطرقات بلا حرس ولا عسس!.
فقال بإعجاب: وأين الحرس والعسس من شرطي الضمير؟!.
* * *
قلت: ثم على الراعي الرحيم أن لا يُعنِت رعيته، وأن لا يكلِّف أحداً فوق طاقته، وقد خشي رسول الله  أن يأمر المسلمين بما ليس في طاقتهم فِعلُه فقال: «فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم» .
وكان دائماً يحاول أن يجنِّبهم صعاب الأمور، إن كان السهل ميسراً، ويعطيهم مثلاً من نفسه. فقد روي عن زوجته السيدة عائشة أنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، مالم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه» .
قال الأب ستيفانو مؤكِّداً: إن التيسير على الرعية هو من أهم مظاهر الرحمة بها.
* * *
قلتُ: و الراعي الرحيم يتجاوز عن أخطاء رعيته تجاهه.. وهكذا كان رسول الله ، فقد روى عنه صاحبه وخادمه أنس بن مالك قال: «كنت أمشي مع رسول الله ، وعليه بُرد - ثوب - نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة! حتى نظرتُ إلى صفحة عاتقه وقد أثَّر بها حاشية البُرد من شدة جبذته! ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء» .
قال الأب ستيفانو: تُرى لوأن محمداً قابل الإساءة والخشونة والغلظة بمثلها، أما كان يرتدع مثل هذا الأعرابي، ويتهيب أن يتصرف على هذا النحو الفظ الغليظ؟
قلت: وأين أنت من آيات القرآن الكريم التي تدعو النبي  والمسلمين جميعا ًإلى الصفح والعفو والمغفرة؟ تقول الآية القرآنية: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
و تقول الآية القرآنية: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ .
وأردفتُ: ثم لو قابل الإساءة والخشونة والغلظة بمثلها، لما وُصِف بالرحمة، ولما رأيتَ اليوم مسلماً على وجه الأرض.
قال: كيف هذا؟.
قلت: هذا ماتقوله الآية القرآنية مخاطبة النبي : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي لانتهى أمر الإسلام من حيث بدأ، فالإسلام دين لا ينتشر بين الناس إلا بالتي هي أحسن، بالكلمة الطيبة، وبالفعل الرحيم.
قال:صدقت.
* * *
- أبواب الرحمة في مدرسة محمد :
وأردف الأب ستيفانو قائلاً: حسبي ما حدثتني به عن مجتمع الرحمة الذي بناه محمد فأحسن البناء، واعدل بي الآن إلى الرحمة الخاصة التي تَوَجَّه بها محمد إلى فئات هذا المجتمع المسلِم، كيف علَّمها محمد الناسَ في مدرسته؟.
قلت: هذه الرحمة ذات أبواب.
قال:حدثني عنها باباً باباً.
قلت: حباً وكرامةً.
1- رحمته في التعامل:
وأردفت: لقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمة في التعامل، وإنَّ مَن يمعن النظر في تعامل الناس بعضهم مع بعض، يدرك أن التعامل المالي هو الأساس في أغلب صور التعامل البشري على اختلافها وتنوعها، لذلك وُجِّهَت إليه في الإسلام عناية لا مثيل لها، مبنية على مظهرين من مظاهر الرحمة هما: السماحة في الخُلُق، والعدالة.
أما السماحة في الخُلُق، فهي مقصودة في مدرسة محمد  سواء أكان الإنسان متموِّلاً أم غير متموِّل. فقد روي عنه  أنه قال مرة لمن حوله: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحَت عليه، ثم طرح في النار» .
فهذا حال من يأبى السماحة في الخلُق، من لا يرحم الآخرين في تعامله معهم، ليس له من اعتناقه الإسلام سوى الاسم. أما الذي يرحم الآخرين في تعامله معهم، فهو الذي يستحق رحمة الله، قال : «رَحِمَ الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» .
قال الأب ستيفانو: أكان محمد يعطي على هذا مثالاً من نفسه؟.
قلت: أجل، فقد روي عنه أنه كان لرجل عليه سِنٌّ من الإبل،فجاءه الرجل يتقاضاه، فقال : أعطوه. فطلبوا سِنَّه فلم يجدوا إلا سِناً فوقها، فقال: أعطوه. فقال الرجل: وفَّيتني وفَّى الله بك، فقال : « خياركم أحسنكم قضاءً » .
وجاءه أحد المسلمين يوماً وهو في المسجد، وله عليه دَين، فقال له النبي : «صلِّ ركعتين» فلما انتهى قضاه دينه وزاده .
وكان  يعلِّم الناس السماحة والتراحم في التعامل، بضرب الأمثلة أحياناً، فقد رُوي عنه أنه قال: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً - من مدينيه - قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا. فتجاوز الله عنه» .

وكان يقول: «من أَنْظَرَ معسراً فله بكل يومٍ صدقة قبل أن يَحِلَّ الدَّين، فإذا حلَّ الدَّين فأنظره فله بكل يوم مِثلَيْه صدقة» .
وروى عبد الله بن أبي قتادة: «أن أبا قتادة طلب غريماً له - أي مديناً - فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله.. قال: فإني سمعت رسول الله  يقول: من سرَّه أن يُنجيه الله من كُرَبِ يوم القيامة، فلينفِّس عن معسر أو يضع عنه» .
وأردفت: وهذا عملاً بالآية القرآنية: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
* * *
قال الأب ستيفانو: ما أجمل أن يكون التعامل بين الناس مبنياً على التسامح والرحمة، فالحياة عندنا في الغرب باتت لا تطاق، من شدة وطأة قوانين التعامل البشرية، ولا يدري أحد سبيل الخلاص والفكاك منها.
قلت: السبيل واضح، والأمر سهل على من عزم.
قال: كيف؟
قلت: بالرجوع إلى الله سبحانه، فإذا رجعنا إليه، تعلمنا نهجه سبحانه في التعامل مع عباده.
قال: وما هو نهجه سبحانه في التعامل مع عباده؟
قلت: نهجه في التعامل مع عباده الرحمة.
قال: ألا أوضحت؟
قلت: جاء عن النبي  أنه قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها؛ كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها؛ كتبها الله له سيئة واحدة» . أفي هذا التعامل شيء غير التسامح والرحمة؟.
قال: بل هي الرحمة عينها!
قلت: والآية القرآنية تقول: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ .
فقال الأب ستيفانو مبدياً إعجابه: يالمدرسة محمد! لو عرف الغرب بما فيها، لما جاوزها إلى غيرها.
قلت: أتدري ما هو النص الأصلي الذي عليه مدار التعامل في مدرسة محمد؟
قال: ما هو هذا النص؟
قلت: تقول الآية القرآنية: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾ .
فقال بعد تفكُّر: لو عُمل بهذه الآية في أي مجتمع من المجتمعات، لانتفت منه الشرور، ولتنـزَّلت عليه الرحمات.
قلت: ولأَغلقَت المحاكم أبوابها!.
قال: صدقت.
قلت: وفي مدرسة محمد  يتعلم الناس أن من أهم مظاهر أكل الأموال بالباطل التعامل بالربا.. ورحمةً بالناس من الوقوع في براثن المرابين الذين يمتصون دماء المحتاجين، فقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بتحريم الربا والنهي عنه، فقد رُوي عن الصحابي جابر بن عبد الله أنه قال: «لَعن رسول الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» . وكان هذا انطلاقاً من الآية القرآنية التي تقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
والآية القرآنية التي تقول: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ .
والآية القرآنية التي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا﴾ .
قال الأب ستيفانو: ولماذا تَعدُّ تحريمَ الربا في مدرسة محمد من التسامح والرحمة بالبشر؟
قلت: لما تتصف به عملية الربا من قسوة البشر بعضهم على بعض، فالمَدِين ما كان لِيُقْدِم على الاستدانة لولا مسيس الحاجة، فيكون في موقف ضَعف، ويكون المرابي في موقف قوة، فيشتط بشروطه على المَدِين...
قال: أجل، ما الرحمة إلا الأخذ بيد الضعيف أمام القوي، لكن ما هو البديل للربا في مدرسة محمد؟
قلت: البديل هو القرض الحسن، الذي يحصل فيه الدائن على رأس ماله الذي أقرضه للمدين.
تقول الآية القرآنية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ .
قال: وأين أجر الدائن هنا؟
قلت: الدائن في مدرسة محمد  لا ينتظر أجر قرضه من المدين، بل هو يرجو أجره من الله سبحانه على ما قدمه من خير ورحمة في إنقاذ أخيه المدين من العسر الذي نـزل به.
فقال بإعجاب: يا لله! إن هذا نوع من التسامح والتكافل الاجتماعي لم تعرفه الحضارة الغربية حتى الآن!.
* * *
قلت: هذا عن السماحة في الخُلُق، أما عن العدالة، فهي مقصودة ومطلوبة في مدرسة محمد على كل حال، وفي جميع صور التعامل... حتى من الزوج لأزواجه، وحتى من الأب لأبنائه، وحتى بين الرجل والمرأة، وبين الغني والفقير، وبين السُّوَقة والأمير... فالبشر كلهم أمام العدالة سواء في مدرسة محمد ، والأمثلة على هذا جمَّة متنوعة... حتى إن الغربيين شهدوا لهذا.
قال: مَن مِن الغربيين شهد لهذا؟
قلت: يقول المستشرق الأمريكي (سنكس): «وكان محمد أول من قرر المساواة والعدالة بين المسلمين» .
قال: وما هو مستند (سنكس) في هذا؟
قلت: إن مستنده في هذا نصوص كثيرة... لكن سأكتفي بأن أورد لك بعض الآيات القرآنية التي تعلِّم الناس العدالة:
تقول الآية القرآنية مخاطبة رسول الله : ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ .
وتقول الآية القرآنية في وجوب عدل الزوج بين أزواجه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ .
وتقول الآية القرآنية في وجوب الحكم بين الناس بالعدل: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ .
فبادر الأب ستيفانو قائلاً: وفي هذه الآية مظهر آخر من مظاهر الرحمة في التعامل.
قلت: ما هو؟
قال: أداء الأمانات إلى أصحابها.
قلت: صدقت.
وأردفت: وتقول الآية القرآنية في وجوب الحكم بالعدل ولو على أقرب الناس: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ .
فبادر الأب ستيفانو قائلاً: وفي هذه الآية أيضاً مظهر آخر من مظاهر الرحمة في التعامل.
قلت: ما هو؟
قال: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ لكن ما المقصود بهذا؟
قلت: المقصود هو تعليم البشر عدم الغش في التعامل، عن طريق التلاعب بالأوزان والمكاييل والمواصفات.
قال: حسبي، إن في هذا لكفاية... ما أجمل هذا!
قلت: لأختمَنَّ لك بواحدة: قد توسوس للإنسان نفسه، إن وُجِدَت عداوة بينه وبين آخر من البشر، أن لا يطبق العدالة في حقه، فجاءت الآية القرآنية تقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
قال الأب ستيفانو: عجباً لمدرسة محمد، حتى الأعداء نالوا قسطهم من العدل فيها! .
* * *

2- رحمته في العبادات:
وأردف قائلاً: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته غير هذا من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناسَ في مدرسته الرحمةَ في العبادات.
قال: وهل في العبادات قسوة ورحمة؟!
قلت: أجل، فكثير من الناس يظنون أن التشديد على النفس، وإنهاك الجسم بالعبادة، والمبالغة في العزوف عن الدنيا، أمور يحبها الله سبحانه، بينما الحقيقة التي تَعلّمها الناس في مدرسة محمد، تقول غير هذا.
قال: وماذا تقول؟
قلت: تقول: إن النبي  كان أرحم بالمؤمنين منهم بأنفسهم.
قال: كيف؟
قلت: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنّهم تقالّوها. فقالوا: وأين نحن من النبي، قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
فجاء رسول الله  فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله : « يا عبد الله أَلَم أُخبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل. فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقُم ونَم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لِزَوْرِكَ عليك حقاً. وإنَّ بحسبك أن تصوم كلَّ شهر ثلاثة أيام، فإنَّ لك بكل حسنة عشرَ أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله - قال عبد الله: فشدّدتُ فشُدِّد علي – قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة. قال: فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه. قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: نصف الدهر - أي يصوم يوماً ويفطر يوماً -»، فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رُخصة النبي .
وروت زوجة النبي  السيدة عائشة قالت: «كان عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله  فقال: من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام الليل، فذكرتُ من صلاتها... فقال: مَه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يملّ حتى تملّوا» .
وروي عنه  أنه خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم - في الليلة التالية - فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثُر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله  فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله - أي لم يتسع لهم لكثرتهم - حتى خرج لصلاة الصبح - أي لم يخرج لصلاة الليل - فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهّد ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يَخفَ عليَّ مكانكم، ولكنني خشيت أن تفرض عليكم - أي صلاة الليل - فتعجزوا عنها» .
وروي عنه أنه دخل المسجد ذات مرة، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال: لا، حُلُّوه، ليُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَر فليقعد» .
* * *
وأردفتُ: حتى إطالة الإمام في الصلاة كان ينهى عنها رسول الله  رحمةً بالمأمومين، فعن أبي مسعود قال: «قال رجل: يا رسول الله، إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان - أي الإمام - فيها. فغضب رسول الله ، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذ. ثم قال: أيها الناس، إن منكم منَفِّرين، فمن أَمَّ الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة » .
وروي عنه أنه قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه» .
وأردفت: بل هو لم يرضَ الإطالة المبالغ فيها حتى للمنفرد، رحمة به، وإقراراً للمبدأ الإسلامي العام في التيسير، رحمةً بالناس، فقد بلغه أن رجلاً في المسجد يطيل الصلاة، فأتاه فأخذ بمنكبه ثم قال: «إن الله رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لهم العسر - قالها ثلاث مرات - وإن هذا أخذ بالعسر وترك اليسر» .
وبما أن الصلاة ركنٌ أساسٌ من أركان الإسلام، ويتكرر أداؤها كل يوم خمس مرات... فإنَّ ربطها بمكان محدد قد يكون فيه شيء من المشقة على الناس، لهذا فإن تعاليم مدرسة محمد  قد رحمت الناس حتى في هذا، فعلَّمت المسلمين أن بإمكانهم أداء الصلاة في أي مكان وُجِدوا فيه، طالما أنه طاهر من النجاسات. فقد روي عنه أنه قال: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ» .
بل مِن فَرْط رحمته  بالناس، أنه رحمهم حتى في الأمور التعبدية السهلة جداً فقال: «لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» . وهل في تنظيف الأسنان بالسواك مشقة بالغة؟!
قال الأب ستيفانو: هنيئاً لكم عبادتكم يا أتباع محمد. زدني من هذه الرحمة.
* * *
قلت: لم تقتصر رحمته  على الأمور المقررة في العبادة ذاتها، بل تعدت هذا إلى الرحمة حتى في تعليمه الناسَ العبادة.
قال: كيف؟
قلت: جاء عن الحكم السُّلَمي أنه قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: واثُكل أُمَّياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يُصَمِّتونني سكتُّ، فلما صلى رسول الله، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، بل قال: إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .
وجاء عن أنس بن مالك قال: «بينما نحن جلوس في المسجد مع رسول الله  إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله: مَه، مَه! فقال رسول الله : لا تُزْرِموه - أي لا تقطعوا عليه بوله - دعوه. فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله  دعاه فقال: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن. قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه على البول» .
* * *
وأردفت: هذا عن رحمته الناس في عبادة الصلاة، أما عن رحمته الناس في عبادة الصيام، فقد كان لا يرضى لهم الصيام في السفر، لما فيه من المشقة على المسافر - وبخاصة إلى ما قبل حوالي مئة عام أوائل القرن العشرين المسيحي- فقد روي عنه  أنه كان ذات مرة في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا صائم. فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» .
وخرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم - وادٍ بين مكة والمدينة - فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنما ينظرون إليك فيما فعلت. فدعا بِقَدَح من ماء، بعد العصر، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» .
وروي عنه أنه نهى أصحابه عن وصال الصيام رحمة بهم. فقالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني» .
وروى أبو هريرة قال: «بينما نحن جلوس عند النبي ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكتُ! قال: ما لك؟ قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم! فقال رسول الله : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال فمكث النبي ، فبينما نحن على ذلك، أُتي النبي  بعَرَق فيها تمر، والعَرَق المِكتل - وعاء - قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال الرجل: أَعَلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد حَرَّتَي المدينة، والحَرّة البركان الخامد - أهل بيت أفقر من أهل بيتي!. فضحك النبي  حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك» .
وهنا ضحك الأب ستيفانو لكلام الأعرابي وقال: ما أيسر دينكم يا أتباع محمد!
* * *
قلت: هذا عن رحمته  الناسَ في عبادة الصيام، أما عن رحمته الناس في عبادة الحج، فقد كان لا يرضى لهم بأداء هذه العبادة إن لم تتوافر لهم السبل المادية والمعنوية كافة... انطلاقاً من الآية القرآنية التي نـزلت بفرض الحج: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ .
أما الذين يحبون المبالغة في تحمُّل مشاق هذه العبادة، فقد كان أرحم بهم منهم بأنفسهم كما هي عادته. فقد روي عنه أنه رأى شيخاً يهادى بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله - الكعبة - قال: «إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني، وأمره أن يركب» .
وروى عقبة بن عامر قال: «نذرتْ أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي النبي ، فاستفتيته. فقال: لتمشي ولتركب» .
* * *
وأردفتُ: لقد لخَّص  تعليمه الناسَ الرحمةَ في العبادة بقوله: «إن الدين يُسر، ولن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة» .
وهذا التيسير، وهذه الرحمة في العبادة، الأصل فيهما ما جاء في القرآن الكريم، تقول الآية القرآنية: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ .
قال الأب ستيفانو: ما أجمل أن لا يحمِّل الإنسان نفسه فوق طاقته... ما أجمل أن لا يبالغ الإنسان في العبادة فينسى نصيبه الحلالَ من الدنيا.. ما أجمل أن لا تكون العبادة رهبانية.. بل تكون مشاركة في استمرار الحياة على الأرض... ما أجمل سنَّة محمد في العبادة!.
* * *

يتبع إن شاء الله. .


هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 24278
العمر : 67

هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty
مُساهمةموضوع: رد: هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟   هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty13/01/12, 12:06 am

3- رحمته بكبار السن:


وأردف قائلاً: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته غير هذا من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بكبار السن من الرجال والنساء. والرحمةُ بهم تعني إكرامَهم وتوقيرَهم. وقد بلغ رسول الله  في هذا درجةً وصلت إلى أن قَرَن إكرامهم بإجلال الله سبحانه، فقال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم» فأي رحمة بهم بعد هذا؟!

وكان من رحمته للكبار عامةً وتوقيرهم، أنه كان يؤكد على تقديمهم حتى في الكلام، فقد روي أن نفراً انطلقوا إليه، فبدأ أصغرهم بالكلام، فقال : «يبدأ الأكبر» .
وفي الأمور الكبيرة كإمامة الصلاة - عندما تتساوى الكفاءات - ورد أنه أتاه رجلان يريدان السفر فقال لهما: «إذا أنتما خرجتما فأذِّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» .
وفي الأمور الصغيرة، روي عنه أنه قال: «أراني في المنام أتسوّك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي كبِّر، فدفعته إلى الأكبر منهما» .

وروي أنه أُتي بشراب فشرب، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثِر بنصيبي منك أحداً. قال: فتلَّه رسول الله  في يده - أي دفعه إليه وأعطاه إياه -» .

وقد قَرَن  رحمة الصغير إلى توقير الكبير، فكلتاهما رحمة لا يكون مسلماً من أغفلها، فقال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا» .
* * *
4- رحمته بالآباء والأمهات:
قال الأب ستيفانو: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته غير هذا من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بالآباء والأمهات، وسماها (برّ الوالدين). وحذَّرهم من القسوة عليهما، وسماها (عقوق الوالدين).

أما عن (برِّ الوالدين): فكان  لا يرضى للمسلم القيامَ حتى ببعض واجباته الدينية ما لم يكن ذلك برضا أبويه، فقد روي أن رجلاً هاجر إلى رسول الله  من اليمن لأجل الجهاد، فقال له: «هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما» .

وروي أنه جاءه رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبويّ يبكيان. فقال له:«ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما» .

بل هو كان يفضّل ويختار للمسلم أن يبرّ والديه على أن يجاهد في سبيل الله، حتى مع إذنهما له، فقد سأله رجل ذات مرة: أُجاهد؟ قال: «لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد» .

وجاءه مرة أحد المسلمين فقال: إني أريد الجهاد وجئت أستشيرك. فقال: «ألك والدة؟ قال: نعم. قال: فالزمها - وفي رواية فأكرمها - فإن الجنة تحت رجليها» .
* * *
وكان  إذا تحدث عن (برّ الوالدين) تارة يجمع بينهما، وتارة يخص كلاًً منهما، فقد جاءه أعرابي ذات مرة فسأله: مَن أَبَرّ؟ قال: «أمَّك. قال: ثم مَن؟ قال: أمَّك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أباك» .

وكان رجل من الصحابة اسمه (حارثة بن النعمان) وكان أبرّ الناس بأمه، فقال رسول الله : «دخلتُ الجنة، فسمعتُ فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البِر،كذلكم البِر» .

وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مالاً وولداً، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: «أنت ومالك لأبيك» .
وقال : «الوالد أوسط أبواب الجنة» ، والوالد هنا هو الأب أو الأم أو كلاهما.
* * *
قال الأب ستيفانو: لعل هذه الرحمة بالوالدين، التي حرصت عليها مدرسة محمد تختص بالوالدين المسلمَين، أما الكافرَين فلا.
قلت: بل والكافرَين أيضاً، فقد جاء عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قدمتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم النبي  - كان أبو بكر قد طلق قتيلة أم أسماء في الجاهلية - فاستفتيتُ رسول الله  فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة، أفأصِل أمي؟ قال: «نعم، صِلي أمك» .
وأردفت: ولم يكتفِ  بالتأكيد على بر الوالدين، بل تعداهما إلى إخوانهما فقال: «من أَحب أن يصل أباه في قبره، فلْيصلْ إخوان أبيه بعده» .
* * *

قال الأب ستيفانو: هذا عن (بر الوالدين) فماذا عن عقوقهما؟

قلت: أما عن (عقوق الوالدين)،فقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته أن هذا من أكبر الكبائر في الإسلام! فقد روى عنه أحد أصحابه أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» .
فبادر الأب ستيفانو قائلاً بتعجب: عقوقُ الوالدين قرينُ الإشراك بالله؟! هذه هي الرحمة، هذه هي الرحمة!.

قلت: وقال في حديثٍ آخر: «أبشروا، أبشروا: إنه من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر، دخل من أي أبواب الجنة شاء: عقوقَ الوالدين، والشركَ بالله، وقتْلَ النفس، وقذفَ المحصنات، وأكلَ مال اليتيم، والفرارَ من الزحف، وأكلَ الربا» .
وقال في حديث آخر: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه،ومُدمنُ الخمر، والمنَّانُ عطاءَه. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه، والدَّيُّوث، والرَّجُلَة» .
وأردفت: بل هو جعل من الكبائر أن يتسبب الابن في وصول الأذى إلى والديه، فقال: «من الكبائر شتمُ الرجل والديه. قالوا: يارسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال:نعم، يسبُّ أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه، فيسبُّ أمه»

* * *

وأَضَفْتُ: ولأجل هذا التأكيد على الرحمة بالوالدين وبرّهما، فقد كانت عقوبة من يعق والديه معجَّلةً له في الدنيا قبل الآخرة، حيث قال : «اثنان يعجِّلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين» .
فقال الأب ستيفانو بعد تفكُّر: يخيَّل إلي بعد كل هذا أن رضا الله وسخطه على المرء، معلَّق برضا الوالدين وسخطهما.
قلت: أصبت، فقد قال رسول الله : «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» .

قال: أَوَلهذه الأحاديث النبوية الصحيحة في برِّ الوالدين والرحمة بهما أصل في القرآن؟
قلت: أجل تقول الآية القرآنية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ .
فقال الأب ستيفانو بعد تفكُّر: كم بين نظرة مدرسة محمد إلى الأبوين، وبين نظرة المدرسة الغربية المعاصرة إليهما من بون شاسع!
قلت: كيف هذا؟
قال: إن المدرسة الغربية المعاصرة، بعد أن تخلت عن نظام الأسرة بصورته الصحيحة، جعلت من الأبوين عبئاً على الأبناء، يحاولون التخلص والتملص منه ما استطاعوا، وبخاصة عندما يتقدم العمر بالأبوين.
قلت: لكنَّ الغربيين استحدثوا دُور العجزة لحل هذه المشكلة، وصرنا نقلدهم أحياناً.
قال: وهل يحرص الموظف على حسن سير العمل في المصنع، حرصَ صاحبه عليه؟
قلت: لا.

قال: أضف إلى هذا أن الشيخ والشيخة لا يشعران بشيخوختهما شعوراً حاداً طالما أنهما يعيشان في منـزلهما بين ذويهما، فإذا نُقلا إلى (مأوى العجزة) تضاعفت آلامهما النفسية، واستشعرا العقوق الحقيقي من أبنائهما.
* * *

5- رحمته بالأطفال:

وأردف الأب ستيفانو قائلاً: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته غير هذا من أبواب الرحمة؟

قلت: لقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بالأطفال والصبيان والعيال. فقد روى الصحابي أنس بن مالك، وكان خادماً ملازماً لرسول الله ، قال: «ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله ، كان إبراهيم - ابنه - مسترضَعاً في عوالي المدينة - حي من أحيائها - فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه لَيُدَّخَن، وكان ظئره قيناً ، فيأخذه فيقبِّله ثم يرجع» .

وكان  يستدل على وجود الرحمة في قلوب الناس، برحمتهم أطفالهم، فقد جاء عن زوجته السيدة عائشة قالت: «قدِم ناسٌ من الأعراب على رسول الله  فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟! فقالوا: نعم. فقالوا: لكنا والله لا نقبِّل. فقال رسول الله : وأملكُ إن كان الله نـزع منكم الرحمة؟!» .
وجاء عن أبي هريرة: «أن الأقرع بن حابس أبصر النبي يقبّل الحسن. فقال: إنَّ لي عشرة من الولد، ما قبَّلْتُ واحداً منهم. فقال رسول الله : إنه من لا يَرحم لا يُرحم» .
* * *
وكان  يداعب الأطفال بما يناسب أعمارهم، فقد رُوي عنه أنه «كان يدلع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه - أي يسرع إليه -» .
ورُوي عنه أنه كان يلاعب زينب بنت أم سلمة - أي بنت زوجته من زوجها السابق - وهو يقول: «يا زوينب، يا زوينب، مراراً» .
وروى عنه صاحبه وخادمه أنس بن مالك قال: «كان رسول الله  يدخل علينا - أي على أهل أنس - ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نُغر - طائر صغير - يلعب به، فمات، فدخل عليه النبي  ذات مرة فرآه حزيناً، فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نُغره. فقال له: يا أبا عمير ما فعل النغير؟» .

* * *

وكان  لا يحرِم الأطفال من رحمته وعطفه حتى في أثناء صلاته، فقد رُوي عنه أنه «كان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما، أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: من أحبني فليحب هذين » .

ورُوي عنه أنه «كان يصلي وهو حامل أمامةَ بنت زينب - بنت رسول الله  - فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها»

* * *

وكان  يجلس إلى الأطفال ليلعبوا أمامه، ويشاركهم أحياناً، فقد جاء عنه أنه «كان يَصفُّ عبد الله وعبيد الله وكَثيراً، من بني عمه العباس، ويقول: من سبق إلي فله كذا وكذا. قال: فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيلتزمهم ويقبلهم» .
أما إذا مرّ بهم وهم في لعبهم، فلم يكن يتجاهلهم، حدَّث عبد الله بن جعفر قال: «لقد رأيتُني وقثم وعبيد الله ابنَي العباس، ونحن صبيان نلعب، إذ مر بنا رسول الله  فقال: ارفعوا هذا إلي. فحملني أمامه - على الدابة - وقال لقثم: ارفعوا هذا إلي. فحمله وراءه.. ثم مسح على رأسي ثلاثاً، كلما مسح قال: اللهم اخلف جعفراً في ولده» .

* * *

وكان  من شدة رحمته بالأطفال، كأنما يشتاقهم إذا ذهب في سفر، فإذا قدم من سفره، تلقاه الناس بالأطفال لما يعرفونه من شدة رحمته بهم، فقد حدّث عبد الله بن جعفر قال: «كان رسول الله  إذا قدم من سفر تُلُقِّي بصبيان أهل بيته. قال: وأنه قدم من سفر، فسُبق بي إليه، فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابنَي فاطمة فأردفه خلفه. قال: فأُدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» .
وحدث ابن عباس قال: «أتى رسول الله  مكة وقد حمل قثم بن العباس بين يديه، والفضل - ابن العباس - خلفه» .
وكان الناس يعرفون هذا الخلق النبيل من رحمته ، فكانوا يأتونه بأطفالهم ليدعو لهم بالبركة. فقد رُوي عن زوجه السيدة عائشة: «أن رسول الله  كان يُؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم» .

* * *

وأردفت: هذه الرحمة الشديدة بالأطفال، لم يكن  يستأثر بها لنفسه، بل كان كثيراً ما يرغّب الناس بها، ويحثّهم على الإحسان إلى الأطفال والقيام على شؤونهم. فقد رُوي عنه أنه قال: «مَن وُلد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحِنث، أدخله الله عز وجل الجنة برحمته إياهم» .
وكان يقول: «مَن عالَ جاريتين حتى تُدركا، دخلتُ الجنة أنا وهو كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» .

* * *

وكان  يوصي الناس بالنفقة الدائمة على الأهل والعيال، ويرغِّب فيها ويقول: «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله» قال أبو قلابة راوي الحديث: «وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال صغار، يُعفُّهم، أو ينفعهم الله به ويغنيهم» .
ويقول: «دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين ودينارٌ أنفقتَه على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقتَه على أهلك» .

* * *

وأردفت: ومِن سُـبُل الرحمة بالأولاد، العدل بينهم في العطية، ولهذا قال : «اعدلوا بين أولادكم في العطية» .
وحدَّث النعمان بن بشير قال: «أعطاني أبي عطيةً، فقالت عَمْرة بنت رواحة - أم النعمان وزوجة بشير - لا أرضى حتى تُشهد رسول الله. فأتى رسول الله  فقال: إني أعطيت ابني من عَمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتْني أن أُشهدك يا رسول الله. قال: أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع فردّ العطية»

* * *

قال الأب ستيفانو: قرأتُ مرةً عبارةً للمستشرق الأمريكي (سنكس) يقول فيها: «وقام محمد بحماية الأطفال وتحريم قتلهم خوفاً من إعالتهم» فما هو مستند (سنكس) في هذه العبارة، من النصوص الأصلية؟

قلت: مستنده موجود في آيات القرآن الكريم:

تقول الآية القرآنية: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ .
وتقول الآية القرآنية: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
فتفكر الأب ستيفانو قليلاً ثم قال: إن ما علَّمه محمد في مدرسته عن الرحمة بالأطفال منذ حوالي /1400/ عام، هو ما صارت تتبناه وتدعيه لنفسها اليوم الحضارة الغربية المعاصرة... مع فارق جوهري، هو أن هذه غالباً ما حرَمت الأطفال من الحياة الأسرية الصحيحة، فجعلتهم ينشؤون ويتربّون على الأنانية... بينما استطاعت مدرسة محمد أن توفر لهم تلك البيئة الإنسانية التي توفرها الأسرة لأفرادها صغاراً وكباراً.

* * *

6- رحمته بالأقارب:

وأردف قائلاً: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته غير هذا من أبواب الرحمة؟.
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناسَ في مدرسته الرحمةَ بالأقارب، وسمّى القرابة (الرَّحِم) وسمّى الرحمة بالأقارب (صِلة الرحم) ومهما حدثتُك عن صلة الرحم كما علَّمها رسول الله  في مدرسته، فلن أستطيع أن أوفيها حقها، لهذا سوف أحدثك بما يحضرني. وأول ما يحضرني حديثه عن خَلْق الرحم (القرابة):
قال : «إن الله خلق الخَلْق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة! قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب. قال: فهوَ لكِ» .

ثم كأن الله سبحانه بعدما خلق الرَّحم وسمَّاها، انتصر لها وجعلها في حمايته، فقد قال رسول الله : «قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقتُ الرّحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلْته، ومن قطعها بَتتُّه» .
وقال : «الرّحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» .

* * *

وأردفتُ: ولهذا كانت الرحمة بالأقارب هي الأحب إلى الله سبحانه - بعد الإيمان به - من بين جميع الأعمال المقرِّبة إليه. وكانت القسوة على الأقارب، هي الأبغض إلى الله سبحانه - بعد الإشراك به – من بين جميع الأعمال المبعِدة عنه. فقد حدّث رجل من قبيلة خثعم قال: «أتيت النبي  وهو في نفر من أصحابه، فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: نعم.
قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الإيمان بالله.
قلت: يا رسول الله،ثم مَه؟ قال: ثم صلة الرحم.
قلت: يا رسول الله،ثم مَه؟ قال: ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الإشراك بالله.
قلت: يا رسول الله، ثم مَه؟ قال: ثم قطيعة الرحم.
قلت: يا رسول الله، ثم مَه؟ قال: ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف» .

* * *

وأردفت: ثم إنه  كان يعلِّم الناس أن ثواب الآخرة ودخول الجنة منوط بصلة الرحم، أي (برحمة الأقارب)، فقد قال: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» ، أي من يقسو على أقاربه.
وروي أنه قال له رجل: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» . فمن أخلَّ بواحد من هذه الأربعة لم يضمن دخول الجنة.

ثم إنه  كان يعلِّم الناس أن عقوبة قاطع الرحم تُعَجَّل له في الدنيا قبل الآخرة، فقد قال: «ما من ذنْبٍ أجدر أن يُعجِّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة - من العقوبة - من البغي، وقطيعة الرحم» .

ويعلِّمهم، أنه كما تُعَجَّل العقوبة في الدنيا لمن يقسو على أقاربه، فكذلك يُعجَّل الثواب في الدنيا لمن يرحم أقاربه. قال: « ليس شيء أُطيعَ اللهُ فيه، أعجل ثواباً من صلة الرّحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم » .
وكان  يعطي الناس مثلاً من الثواب المعجّل في الدنيا لمن يرحم الأقارب، فيقول: «صلة الرحم، وحسن الخُلُق، وحُسن الجوار، يزِدنَ في الأعمار ويَعمُرنَ الديار» .

* * *

وأردفتُ: ثم إنه  كان يعلِّم الناس أن من أراد أن يفوز بضِعف ثواب ما يتصدق به، أن يقصد بصدقته الأقارب أولاً من ذوي الحاجة. فقد قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» .

وحدّثتْ زينب، زوجةُ الصحابي عبد الله بن مسعود - وكان فقيراً - قالت: قال رسول الله : «تصدَّقنَ يا معشر النساء ولو من حُليِّكُن - في صحيح البخاري: وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها - قالت: فرجعتُ إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد - أي فقير - وإن رسول الله قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يُجزىء عني وإلا صرفتها إلى غيركم. قالت: فقال لي عبد الله: بل ائتيه أنتِ. قالت: فانطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله  حاجتي حاجتها.قالت: وكان رسول الله  قد أُلقيت عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائتِ رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزىء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجريهما؟ ولا تخبره من نحن.

قالت: فدخل بلال على رسول الله ،فسأله. فقال له رسول الله : من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله. فقال رسول الله : لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» .

وروى أنس بن مالك قال: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل. وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء) - هي قطعة أرض زراعية - وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله  يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب. قال أنس: فلما أُنـزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وإن أحبّ أموالي إلي (بيرحاء) وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله : بَخٍ،ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» .

وهنا بادر الأب ستيفانو قائلاً بإعجاب: كم هو جميل تعليم محمد! وكم هو جميلٌ فعلُ أبي طلحة!.

* * *

قلت: لم يكن رسول الله  يكتفي بتعليم الناس فضل الصدقة على الأقارب، بل كان يعلِّمهم أن الإنفاق حتى على الأهل الأَدْنَين الذين تجب على المسلم إعالتُهم، له فضلُ وثوابُ الصدقة أيضاً. فقد قال : «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها - أي يقصد بها الثواب من الله - كانت له صدقة» .

وسألتْه مرةً زوجته السيدة أم سلمة - وكانت لها أبناء من زوجها السابق المتوفى - فقالت: يا رسول الله، هل لي أجر من بني أبي سلمة، أُنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بنيَّ؟ فقال: «نعم، لك أجر ما أنفقتِ عليهم» .

* * *

وأردفتُ: أمَّا إن حلَّ الجفاء مكان المودة بين الأقارب، وحلّت القطيعة مكان التواصل، فهنا امتحان رحمة المسلم بأقربائه، وهنا يظهر فضل واصل الرحم على قاطعها، وهنا يُخبأ الجزاء الأوفى لواصل الرحم. قال : «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها» .

ويتضح معنى هذا الحديث جلياً بالحديث التالي: جاء رجل إلى رسول الله  فقال: «إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني - أي أرحمهم ويقسون علي - وأُحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنما تُسفُّهم المَل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمتَ على ذلك» .

وهكذا علَّم رسول الله  الناس أن الله سبحانه دائماً مع الإنسان الرحيم بأقاربه المجافين له، وأن من الخير لهذا الإنسان إن وجد أقرباءه هؤلاء بحاجة إلى الصدقة، أن ينفق صدقته عليهم، رحمة بهم وتأليفاً لهم. قال : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح - أي القريب المجافي -» .

* * *

وأردفت: ولأجل هذه المرتبة الفضلى للرحمة بالأقارب، كان  يحث المسلمين جميعاً عليها ويقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيصلْ رحمه» .
ويقول: «من أحبّ - وفي رواية من سرّه - أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فلْيصلْ رحمه» .
ويقول: «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر» .

* * *

قال الأب ستيفانو: وهل لهذه الأحاديث النبوية ما تتوافق معه من الآيات القرآنية؟
قلت: أجل، تقول الآية القرآنية التي تحذِّر من قطع الأرحام والقسوة على الأقارب: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ . وتقول الآية القرآنية التي تحذر من قطع الأرحام والقسوة على الأقارب وتقرنها بالفساد في الأرض: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ{22} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ، وتقول الآية القرآنية: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ .

* * *

7- رحمته بالأصحاب:

قال الأب ستيفانو: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بالأصحاب، فقال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه» .

وكان  دائماً يعطي من نفسه المثال الأمثل ليبين للناس فضل الرحمة بالأصحاب في حفظ الصحبة، لأن الرحمة إذا ارتحلت من بين الأصحاب، تبعتها المودَّة، وإذا ارتحلت المودَّة من بين الأصحاب، حلّ مكانها الجفاء، وإذا حلّ الجفاء بين الأصحاب، ماتت الصحبة، وتفكك المجتمع، وصار يكيد بعضه بعضاً.

ولهذا كان  يغتنم المناسبات ليُظهر لأصحابه رحمته بهم. وكان من أقرب أصحابه إليه جماعة الأنصار، الذين هاجر إليهم من مكة إلى المدينة، وتعاهد معهم على السراء والضراء، وأكنَّ لهم كل الحب والمودَّة، وعامَلهم بكل رحمة، حتى قال: «ألا إن الناس دثاري والأنصار شعاري ، لو سلك الناس وادياً، وسلكتْ الأنصار شِعباً لاتّبعتُ شِعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار» .

وكان يوصي بهم أمراء المسلمين ويقول: « من وَلِيَ أمْرَ الأنصار فليُحسن إلى محسنهم وليتجاوز عن مُسيئهم، ومن أفزعهم فقد أفزع هذا الذي بين هاتين، وأشار إلى نفسه» . بل كان يوصي بهم المسلمين جميعاً ويقول: « استوصوا بالأنصار خيراً، اقبلوا من مُحسنهم، وتجاوزوا عن مُسيئهم » .
وكان يدعو المسلمين إلى محبتهم فيقول: «لا يبغض الأنصارَ رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر» .

* * *

وأردفت: وكان من أقرب أصحابه إليه جماعة المهاجرين، وهم المسلمون الأوائل الذين تركوا أرضهم وديارهم وأموالهم وخرجوا مهاجرين من مكة فراراً بدينهم الذي اعتنقوه وتمسكوا به عن صدق وإيمان، بعدما لاقوا من إيذاء وعذاب المشركين ما لاقوا.. فكانت أوضاعهم الشغلَ الشاغلَ للنبي ، حتى تمكن من توطينهم في المدينة بعدما آخى بينهم وبين الأنصار، وصار الفريقان بعد هذه المؤاخاة فريقاً واحداً يؤْثِر بعضهم بعضاً في كل خير.

وقد ظهرت الرحمة المتبادلة بين هاتين الجماعتين وبين النبي ، في مواطن كثيرة.. لعل من أجملها وقعاً في النفس، ما رواه الصحابي الأنصاري أنس بن مالك عندما تحدث عن غزوة الخندق، التي هاجم فيها المشركون المدينة، فتحصن المسلمون داخلها , وحفروا حولها خندقاً منع دخول المشركين إليها. وقد شارك النبي  أصحابه في حفر ذلك الخندق. قال أنس: «إن أصحاب النبي كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
والنبي  يقول: «اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة»، وأُتي رسول الله  - يومذاك - بخبز شعير عليه إهالة سنخة، فأكل الجميع منها» .
هكذا كان  يعلِّم الناس التراحم بين الأصحاب.. يشاركهم الشدة.. فيكون كأحدهم، يجهد كما يجهدون، ويأكل مما يأكلون.

* * *

وأردفت: وكان  يتوجه إلى الناس دائماً يأمرهم برحمة أصحابه ويقول: «أحسنوا إلى أصحابي» .

ويقول: «احفظوني في أصحابي» .
ويقول: «إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا» . أي أمسكوا عن الكلام فيهم.
وبلغه أن رجلاً شتم أحد أصحابه، فقال: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه» .
أما صاحبه الأكبر أبو بكر الصديق، فذاك الذي لا يصل رجل إلى منـزلته عنده، حتى أنه قال: «لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنْ أُخوّة الإسلام ومودَّته - وفي رواية: ولكن أخي وصاحبي-» .

* * *

وأردفت: وهذا كله مرجعه إلى الآية القرآنية التي تقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ .
قال الأب ستيفانو: ما أحوجنا اليوم إلى رعاية الصحبة كما رعاها محمد.
قلت: لماذا؟
قال: لأن الحياة المادية التي نحياها اليوم، قضت على ما كان يسمى الصحبة والرحمة بالأصحاب... وبات الإنسان لا يرضى لنفسه صاحباً سوى المال... ولأجله صار يضحي بالرفاق والأصحاب.. فأيّ قسوة هذه؟! إذا قابلناها بما علّمه محمد!.

* * *

8- رحمته بالجار:

وأردف قائلاً: ثم ماذا علَّم محمد الناس في مدرسته من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علَّم رسول الله  الناسَ في مدرسته الرحمةَ بالجار فقال: «خير الجيران خيرهم لجاره» .

وكان يُرغِّب ذلك إلى الناس ويقول: «من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يُؤذِ جارَه» .
وكان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره» .
وكان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .

* * *

وأردفت: ولعل من باب الإحسان إلى الجار وإكرامه، الإهداء له، مهما كانت الهديّة هيّنةً متواضعة، قال : «يا نساء المسلمات، لا تحقِرَنّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِن شاة» .
وكان  يطلب إلى المسلم أن يجعل جاره مثل نفسه، فيقول: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحبَّ لجاره ما يحبُّ لنفسه» .

بل إن الإنسان لا يمكن أن يكون مؤمناً بالله إذا لم يكفف أذاه عن جاره. قال : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه - أي شروره -» .
بل إن إيذاء الجار يمنع من دخول الجنة، قال : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه بوائقَه» .

بل قد يكون المسلم معروفاً باستغراقه في عبادة الله، فلا يمنعه من دخول الجنة ويدفعه إلى النار سوى إيذائه جاره، فقد قيل للنبي : «إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله : لا خير فيها، هي في النار» .
وقد يكون المسلم لا يؤدي من العبادة سوى الفرائض، لكنه لا يؤذي جيرانه - أي لا يقسو على جيرانه بل يرحمهم - فيدخل الجنة. قيل للنبي : «إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بأثوار من أقط - أي صدقة هيِّنة - ولا تؤذي جيرانها. قال: هي في الجنة» .

* * *

وأردفتُ: وما كل هذا إلا بسبب السعادة التي يُنـزلها الجار الصالح بجاره، وبسبب الشقاء الذي يُنـزله الجار السيّء بجاره. قال : «أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربعٌ من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيّق» .

ولهذا كان  يتعوذ من جار السوء، وبخاصة إذا كان جاراً في دار إقامة، أما الجار الذي يفارق عن قريب فهو أخف وطأة. وكان يقول: «تعوّذوا بالله من جار السوء في دار المقام، فإن الجار البادي - أي من أهل البادية - يتحول عنك» .
وذلك لأن دار المقام تكون ثابتة مبنية، أما دار البداوة فتكون خيمة تُنقل من مكان إلى آخر.

* * *

وأردفتُ: ولأجل هذا كله علّم رسول الله  الناسَ أن عقوبة إيذاء الجار – عقوبة القسوة عليه وعدم رحمته - تفوق عشر مرات عقوبةَ إيذاء غيره، فقال: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، ولأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره»

* * *

وأردفت: إن جميع ما أوصى به رسول الله  بحق الجار، إنما مردّه إلى ما أوصاه به الله سبحانه في هذا، فقد رُوي عنه  أنه قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه» .

وكان من صدى هذا التعليم النبوي للرحمة بالجار في مدرسة رسول الله ، أن التزم المسلمون بالإحسان إلى جيرانهم، مهما كان لونهم أو عرقهم أو دينهم. فقد رُوي عن الصحابي عبد الله بن عمر، أنه ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء، قال: أهديتم لجارنا اليهودي، أهديتم لجارنا اليهودي - كررها - سمعتُ رسول الله  يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» .

* * *

9-رحمته بالأرقاء والخدم:

قال الأب ستيفانو: ثم ماذا علَّم محمد الناسَ في مدرسته من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بالأرقاء والخدم. فقد بَسَط أولاً القضية واقعاً موجوداً بين الناس، فيه حقوق وواجبات... ونبَّه إلى ضرورة العدل فيها فقال: «إن إخوانَكم خولُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» .

وقال: «للمملوك طعامه وشرابه وكسوته، ولا يكلَّف إلا ما يطيق، فإن كلّفتموهم فأعينوهم، ولا تعذّبوا، عبادَ الله، خَلقاً أمثالكم» .

* * *

وأردفت: و لعل مِن أرقى الحقوق وأكثرها تحضراً، أن يُلغى اسم العبد والأمة من تاريخ الرِّق، فقد أصبح هذا حقاً من حقوق الرقيق في مدرسة محمد . لقد علّم الناس فقال: «لا يقُل أحدكم عبدي وأمتي، وليَقُل فتاي وفتاتي وغلامي» . كما يخاطَب الأحرار.

* * *

وأردفت: أما تفصيل التعامل مع الرقيق والخدم، والرحمة بهم، فقد بيّن هذا رسول الله  في مناسبات كثيرة.. إذ علّم الناس أولاً العفوَ عن الرقيق والخدم إن هم أخطؤوا أو أساؤوا، بل أكد هذا على الناس مهما تعددت مرات الخطأ أو الإساءة، فقد رُوي أنه جاءه رجل فقال: « يا رسول الله كم أعفوا عن الخادم؟ قال: كل يوم سبعين مرة » .
ثم علّم الناس كيف يعاملونهم في حالَي الإحسان والإساءة فقال: « إن أحسنوا فاقبَلوا، وإن أساؤوا فاعفوا، وإن غلبوكم فبيعوا » .

أي أن معاملتهم يجب أن تكون بالحسنى والرحمة على كل حال... حتى إذا تكاثرت إساءاتهم.. وبلغ الأمر أن تعذر إصلاحهم.. فلا يُقسى عليهم، بل يباعوا وينتهي الأمر.
وهذا ما أكّده في مناسبة أخرى فقال: « من لاءمكم من خدمكم فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ومن لا يلائمكم من خدمكم فبيعوا، ولا تعذبوا خلق الله عزّ وجلّ» .

أما أن يقسو المسلم على الرقيق والخدم، ولو بتأخير الطعام عنهم، فذلك من الذنوب التي يحاسَب عليها، قال : «كفى إثماً أن تَحبس عمَّن تملك، قوتهم» .
بل الواجب على المسلم أن يعترف بالجميل للرقيق أو الخادم الذي أعد له طعامه. قال : «إذا أصلح خادم أحدكم له طعامه، فكفاه حرَّه وبرده، فليُجلسه معه، فإذا أبى فليناوِله في يده» .
وهنا بادر الأب ستيفانو قائلاً بإعجاب: لو أن ابن الرجل كان مكان الخادم في مثل هذا الموقف، لما تعدى هذا في معاملته والرأفة به! بل لعله لا يناوله في يده!.

* * *

قلت: أما إذا حدث العكس، وحلَّت القسوة على الرقيق والخدم مكان الرأفة والرحمة، فذلك أمر لا يُحسد عليه فاعله! لما يترتب عليه من شديد العناء.. فقد جاء عنه  أنه قال: «من لطم مملوكه أو ضربه، فكفارته أن يُعتقه» .
فقال الأب ستيفانو: هنيئاً للرقيق في مدرسة محمد، فقد تحولت عقوبته إلى رحمة له! فهو إن نـزلت به قسوة سيده، فقد رُفعت عنه ربقة العبودية!!!.

* * *

قلت: ولم يبق هذا التعليم محصوراً في المجال النظري، بل تعداه إلى المجال التطبيقي، كما هو دأب التعليم في مدرسة رسول الله .
فذات يوم، عَجِل شيخٌ فلطم خادماً له، فقال له سويد بن مقرِّن – صحابي، وهو أخو النعمان بن مقرِّن - «عَجِزَ عليك إلا حُرُُّ وجهها! لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرِّن مالنا خادم إلا واحدة، لطمها أصغرنا، فأمَرَنا رسول الله  أن نعتقها» .
وجاء عن ابن هذا الصحابي، معاوية بن سويد بن مقَرِّن أنه قال: «لطمتُ مولى لنا، فهربت، ثم جئت قبيل الظهر، فصليت خلف أبي، فدعاه ودعاني، ثم قال له: امتثل منه - أي اقتص منه - فعفا» .

وهنا بادر الأب ستيفانو قائلاً بإعجاب: يا لله! أيقتص العبد من سيده!! إن هذا أمر لم يعرفه تاريخ العبيد عند الغربيين، لا في القديم ولا في الحديث القريب قبل إلغاء العبودية.

ثم تفكر قليلاً وقال: الآن عرفت مستند المستشرق الأمريكي (سنكس) في قوله: «ورعى محمد حق الرقيق، وأمر بمعاملته كعضو من الأسرة» .

قلت: ولو لم يعفُ هذا الرقيق عن ابن سيده، لكان من حقه أن يُعتَق، فسويد يعرف حكم لطم الرقيق في مدرسة محمد ، ويعرف الحديث النبوي الذي يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه، فكفارته أن يعتقه» .

* * *

وأردفت: وتحوُّلُ القسوةِ على الرقيق إلى رحمة بهم قد يتجاوز من وقعت عليه القسوة، إلى غيره من فئته، فتحلُّ الرحمة على المجموعة برحمة الفرد! فقد رُوي عن الصحابي أبي مسعود البدري أنه قال: «كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب. فلما دنا مني، إذا هو رسول الله ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله عز وجل أقدر منك على هذا الغلام. فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً» .

بل إن غير أبي مسعود من تلاميذ مدرسة محمد  فعل أكثر مما فعله أبو مسعود... فقد رُوي عن السيدة عائشة زوج النبي  قالت: «جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله  فقال: إن لي مملوكِين يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله : إذا كان يوم القيامة، يُحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافاًً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتُصّ لهم منك الفضل. فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله : أما تقرأ قول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . فقال الرجل: يا رسول الله، ما أجد لي ولهؤلاء خيراً من مفارقتهم، أُشهدك أنهم كلهم أحرار» .

* * *

وأردفت: هذا كله إن كان الرقيق يستحق العقوبة! فإن لم يكن يستحق العقوبة وقُسِيَ عليه.. فهذا له شأن آخر.. وحسابه على الله سبحانه. فقد رُوي عنه  أنه قال: «من ضرب مملوكاً ظلماً أُقيد منه يوم القيامة» . ورُوي عنه أنه قال: «من قذف مملوكه، بريئاً مما قال، أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال» .

* * *

وأردفت: أما معاملته  لمن كان يخدمه، فيلخصها الحديث التالي: حدَّث خادمه وصاحبه أنس بن مالك قال: «خدمتُ النبي  عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا: لِمَ صنعت؟ ولا: ألا صنعت» .

* * *

وأردفت: هذا عن حقوق الرقيق والخدم. أما عن واجباتهم تجاه الله سبحانه وتجاه مواليهم، فكان أداؤها كله خيراً ومنفعة لهم، ورحمة بهم في الدنيا والآخرة، فقد روي عن النبي  أنه قال: «أيُّما عبدٍ أدى حق الله وحق مواليه فله أجران» ، وروي عنه أنه قال: «العبد إذا نصح سيده، وأحسن عبادة ربه، كان له أجره مرتين» .

* * *

وأردفت: ولن نَعجب بعد هذا إن قرأنا الحديث النبوي التالي، فقد روى عنه  أنه قال: «للعبد المملوك الصالح أجران» قال أبو هريرة راوي الحديث: «والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبرّ أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك!» .
وهنا بادر الأب ستيفانو قائلاً بابتهاج: يا لمحمد! لقد صارت العبودية بما نالته من الرحمة في مدرسته، شرفاً يؤْثره الصالحون..!

* * *

قلت: وبرغم كل هذه المعاملة الرؤوفة الرحيمة بالأرقاء والخدم، التي علّمها رسول الله  في مدرسته، فقد دعا إلى رحمةٍ بهم أكبر من هذه وأعمق.
قال: وهل هناك أكبر مما ذكرتَ؟

قلت: أجل، لقد دعا  إلى تحريرهم من ربقة العبودية، قبل أكثر من /1400/ عام، إذ كان يغتنم كل مناسبة ليدعو الناس إلى عتق أرقائهم فيقول: «من أعتق رقبةً مؤمنةً، أعتق الله بكل عضو منها، عضواً منه من النار» .

ويقول: « أيُّما رجلٍ أعتق امرءاً مسلماً، استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار» .
ويقول: « أيُّما امرىءٍ مسلم أعتق امرءاً مسلماً، فهو فكاكه من النار، يجزي بكل عظم منه عظماً منه. وأيُّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فهي فكاكها من النار، يجزي بكل عظم منها عظماً منها..» .

* * *

وأردفت: بل هناك رحمة بالرقيق مفعمة بالجمال والمشاعر الإنسانية علّمها رسول الله  الناس في مدرسته إذ قال: «أيما رجلٍ كانت له جارية، فأدبها وأحسن تأديبها، وأعتقها وتزوجها، فله أجران» .
فبادر الأب ستيفانو قائلاً بإعجاب: أي رحمة هذه؟! لقد ترقّت رحمة محمد بالأَمَة المملوكة، من درجة العبودية إلى درجة الزوجة الحرة!.

* * *

قلت: وبعد كل هذه الرحمة التي فاضت بها نفس رسول الله  تجاه الرقيق والخدم، وعلّمها تلاميذه في مدرسته، لا عجب إن عرفتَ أن آخر وصية أوصى بها المسلمين قبل وفاته، كانت وصيته بملْك اليمين.. فقد روى كعب بن مالك قال: قبل وفاة رسول الله  بخمسة أيام، سمعته يقول، وأُغمي عليه هنيهة ثم قال: « اللّهَ اللّهَ فيما ملكت أيمانكم، أشبعوا بطونهم، واكسوا ظهورهم، وألينوا لهم القول» .

وروي عن أنس بن مالك أنه قال: «كان آخر وصيةِ رسول الله  حين حضره الموت: الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم. وما زال يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» .

* * *

وأردفت: وكل ما سلف من رحمة بالرقيق والخدم، إنما هو تفصيل لِما أجملته آيات القرآن الكريم التي نـزلت توصي بهم وتقول: ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ .
وتقول:﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ .
وتقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ . ولعلَّ الرقيق يكون أتقى من سيده، فيكون أكرم على الله سبحانه منه.

* * *

قال الأب ستيفانو: يحضرني الآن قولٌ للمستشرق الفرنسي (إميل درمنغم) قرأته في كتابه (حياة محمد) يقول: «إن محمداً قد أباح الرق، ولكنه نظَّمه، وضيَّق حدوده، وجعل العتق عملاً خيِّراً، بل كفَّارةً عن بعض المعاصي» وإنها لشهادة حق. لكن ألا ترى معي أن عهد الرقيق قد انتهى إلى غير رجعة، بعد إعلان حقوق الإنسان ومَنْع الرقيق في العالم كله؟

قلت: هل أنت جادٌّ في هذا؟
قال: من الممكن أن أكون جاداً في هذا، لولا أن الواقع يكذِّبه!
قلت: كيف؟

قال: لقد أُلغي الرِّق في شرعة حقوق الإنسان المكتوبة على الورق، والمحفوظة في الأدراج، لكنَّ الحقيقة شيء آخر.
قلت: أفصِح.

قال: إن الرقَّ ينتشر اليوم في مجتمعاتنا بصورٍ أقل ما يقال فيها أنها أبشع من كثير من الصور القديمة!! لقد زودتنا الحضارة الغربية اليوم بمادة إعلامية عن مَنْعِ تجارة الرقيق من الناحية النظرية، وبخاصة الأسود منه. لكنها من الناحية العملية الواقعية زودتنا بأساليب متنوعة لحماية تجارة الرقيق! وبخاصة الأبيض منه.. بل هي غالباً لا تفرق بين الأبيض والأسود... حيث بات لتجارة هذا الرقيق مؤسسات خاصة تقوم على اكتساب الأموال من إدارة شبكات الدعارة في مختلف أرجاء المعمورة، فتجري المتاجرة بأعراض النساء.. وبعهنَّ في أسواقٍ سِرّية لمن يدفع أكثر..

وإلى جانب رقيق الدعارة، فهناك رقيق المخدِّرات.. الذي تسيطر عليه شبكات الاتجار بالمخدرات.. المحمية بعصابات من المجرمين القتلة، مما يسمى (المافيات). والرقيق هنا، يباع منه الرجال والنساء على السواء.

وأضاف: ولستُ أدري، لماذا تُسلِّط وسائل الإعلام الأضواء على رقيق المخدِّرات، أكثر مما تسلطها على رقيق الدعارة؟؟!

قلت: وهل تتوقع لمثل تجارة الرقيق الحضارية! هذه، النموَّ والازدهار؟
قال: بل هي في نمو وازدهار.. طالما أن وسائل إعلامنا، وقوانيننا البشرية.. تعلِّم الناس أن (الغاية تبرر الواسطة).

قلت: لكنَّ الحضارة الغربية اليوم، كلها قائمة على هذا المبدأ.
قال: ولن يقضي على الحضارة الغربية القائمة اليوم، سوى هذا المبدأ.

* * *

يتبع إن شاء الله...


هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 24278
العمر : 67

هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty
مُساهمةموضوع: رد: هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟   هل كان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً؟ Empty13/01/12, 12:13 am

10- رحمته باليتيم:

وأردف الأب ستيفانو قائلاً: ثم ماذا علّم محمد الناسَ في مدرسته من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ باليتيم، فقد رغّب الناس بالتقدم لكفالة اليتيم.. حتى يضمن للأطفال الذين فقدوا آباءهم، الرعاية والتربية التي يحتاجونها حتى يبلغوا أشُدَّهم، ويصبحوا أَكْفَاء للسعي على أنفسهم، فقال: « من ضمّ يتيماً له أو لغيره، حتى يغنيه الله عنه، وجبت له الجنة » .

بل هو قَرَنَ كافل اليتيم إلى نفسه فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئاً» .
ونظراً لما تستدرّه الرحمة باليتيم من كسرٍ لقسوة النفس، وتليينٍ لها، جعلها  علاجاً لهذه القسوة. فقد جاءه رجل مرةً يشتكي قسوة قلبه وبُعده عن الرأفة والرحمة، فقال له: «أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يَلِن قلبك، وتدرك حاجتك» .

* * *

وأردفت: هذا إن كان اليتيم فقيراً لا مال له، ولا يجد من يكفله، فلكافله من الأجر والثواب ما سلف... أما إن كان اليتيم غنياً ذا مال، وتسابق ذوو النفوس الضعيفة لكفالته من أجل ماله، فقد سدّ رسول الله  الطريق عليهم، وحذَّرهم عاقبة أكل مال اليتيم، فقال: « اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر،وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » .
وهكذا صار أكل مال اليتيم مقروناً بالشرك بالله، وغيرِه من الأمور التي تهلك صاحبها. وكان هذا التحذير كافياً لإحجام ذوي النفوس الضعيفة عن الطمع في مال اليتيم.
قال الأب ستيفانو: لقد صدق المؤرخ الغربي (وليم موير) في كتابه (حياة محمد) إذ قال: «نعمْ.. كان محمد رحمة حقيقية لليتامى»

* * *

قلت: أما أصحاب النفوس السليمة السويّة مِن كَفَلة الأيتام، فقد كان لهم مع مال اليتيم شأن آخر. روى ابن عباس قال: «لما أنـزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يَفضُل من طعامه، فيُحبس له حتى يأكله أو يَفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك للنبي ، فأنـزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فعادوا فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم» .
فقال الأب ستيفانو: لقد كان من حسن حظ محمد، أنه وُفِّق بمجموعة من التلاميذ يحاسبون أنفسهم قبل أن يُحاسَبوا.
قلت: إنه الإسلام أيها الأب ستيفانو، فقبْله كان هؤلاء التلاميذ شأنهم شأن غيرهم..
قال: صدقت.

* * *

قلت: وتتالت آيات القرآن الكريم تحض على الرأفة والرحمة باليتيم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ .
وتجعل توفير الطعام له من الأمور التي يَشكر بها المؤمنُ ربَّه على نِعمه عليه، قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ{14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ .
وتمتدح من يتصدق بماله المفضَّل لديه، على الأقرباء واليتامى والمساكين من المحتاجين، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ..﴾ .
وتنهى عن القسوة على اليتيم وتذمُّ من يقترفها بحقه، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ{1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ .
* * *
وأردفت: ثم تتالت آيات القرآن الكريم تبين أحكام كفالة اليتيم، وتحفظ له ماله، رحمةً به ورأفة، ريثما يبلغ أشده، ويشتد عوده، ويصبح قادراً على إدارة شؤون نفسه بنفسه.
وهنا بادر الأب ستيفانو قائلاً: ومتى يبلغ اليتيم أشُدَّه، ويصبح كفْئاً لأن يدير شؤون نفسه بنفسه؟
قلت: لقد وضع رسول الله  حداً لِسِنِّ اليُتم، إذا بلغه اليتيم انتهى يُتمه، وصار مكلَّفاً.
قال: وما هو حدُّ سنِّ اليُتم؟
قلت: قال رسول الله : «لا يُتْم بعد الاحتلام» .
* * *
11- رحمته بالضعفاء والمساكين والفقراء وذوي الحاجات والمرضى وأصحاب البلاء :

قال الأب ستيفانو: ثم ماذا علّم محمد الناسَ في مدرسته من أبواب الرحمة؟
قلت: لقد علّم رسول الله  الناس في مدرسته الرحمةَ بالضعفاء والمساكين والفقراء وذوي الحاجات والمرضى وأصحاب البلاء. ولو رحتُ أستعرض لك ما ورد عنه في هذا، لضاق بنا الوقت، لكن أحدثك بما يشفي غلتك.. وأوَّله حديثٌ لا يقرؤه مسكين أو فقير أو ضعيف إلا حمد الله سبحانه على ما هو فيه.
قال: ما هو؟

قلت: قال  داعياً ربه: «اللهم أحييني مسكيناً وأمِتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين» . فمن لا يغتبط بالتشبّه برسول الله  وصحبته يوم القيامة؟!
وأردفت: ومِن هذا المنطلق انطلق  في رحلته مع الضعفاء والمساكين.. منذ بداية بعثته. فقد كان هؤلاء هم الدعامة الأولى في الدعوة الإسلامية، وكانوا من أوائل من آمن بها واحتضنها.. فكان  يجلس إليهم، ويقربهم إليه.. حتى نقم عليه المشركون من سادة قومه، لاختياره هؤلاء عليهم! فقد روى عبد الله بن مسعود قال: « مَرَّ الملأ من قريش على رسول الله  وعنده صهيب وبلال وعمّار وخبّاب ونحوهم من ضعفاء المسلمين.. فقالوا يا محمد؛ اطردهم، أَرَضيتَ هؤلاء من قومك؟! أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟! أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! فلعلك إن تطردهم أن نأتيك. قال: فنـزلت: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ » .

وهكذا سارت رحمة محمد  بالضعفاء والمساكين.. لقد أوصاه ربه سبحانه بهم، فهو لن ينسى هذه الوَصاة.. لقد اختارهم على المستكبرين من مشركي قومه، وعقد مقارنة بين الفئتين فقال: «ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار: كل عُتُلٍّ جوَّاظٍ مستكبر» .
قال الأب ستيفانو: ومن لا يحب أن يكون ضعيفاً مسكيناً بعد هذا؟!.
قلت: ولم تفتر صحبته  معهم، بل كانت تزداد مع الأيام.. وطالما رآه الناس يسير مع المسكين، أو مع العبد، أو مع الأرملة، أو مع أيٍّ من الضعفاء.. يسمع منهم، ويخفف عنهم، ويقضي حوائجهم. فقد حدَّث بعض أصحابه قال: «كان رسول الله  لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد، حتى يقضي له حاجته» .

* * *

وأردفت: وكان  يدعو المسلمين إلى الرأفة والرحمة بهم، وتقديم يد العون والمساعدة لهم، ومَن فَعَل.. فإنما ينتظره الجزاء الأوفى الذي لا يفوز به إلا المقرَّبون المقرَّبون عند الله.. فقد روي عنه أنه قال: « الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار » .
وكيف لا يكون ثواب مَن رحم هؤلاء، وقدّم يد العون لهم، أجزل الثواب، وهم خير عباد الله؟! فقد روي عنه  أنه قال: «ألا أخبركم بخير عباد الله، الضعيف المستضعف ذو الطمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرَّه» .

* * *

وأردفت: وكان  دائم المراعاة لحال الضعفاء والرفق بهم، حتى في شؤون العبادة، فقد روى عنه أبو سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله  صلاة العتمة فلم يخرج إلينا حتى مضى نحوٌ من شطر الليل. فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا. فقال: إن الناس قد صلوا وأخذو