منتدى إنما المؤمنون إخوة The Blievers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي والمحبة الدائمة بيننا إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 12/01/12, 11:11 pm

الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي


مقدمة


يعد التنصير من أهم الأخطار، التي تواجه الأمة الإسلامية في الوقت الحالي، والتي تمثل خطراً داهماً على العقيدة الإسلامية ورسوخها في نفوس المسلمين، ولا نغالي إذا قلنا. إنه، حتى في الحالات التي يخفق فيها التنصير في تحقيق هدفه الأساسي، وهو إخراج المسلمين من ملتهم، وتحويلهم إلى نصاري، فإنه يؤثر بشكل أو بآخر في رسوخ العقيدة في نفوس المسلمين، عبر خلق مجتمعات غير نقية، يختلط فيها المسلمون بغيرهم، ويتأثرون بعاداتهم وتقاليدهم، وتنشأ بينهم عادات مشتركة، تقلص من درجة التزامهم بمبادئ الشريعة، ومدى إيمانهم بثوابت الشرع وأوامره ونواهيه، وهكذا فإن لم يغير المنصر عقيدة المسلم، فهو على الأقل يفرغ علاقته بدينه من محتواها الأساسي، وهو الالتزام بثوابت الشرع، وضبط سلوكه وحياته بمقتضياته.


ولا ريب أن الهجمة التنصيرية، التي يواجهها العالم الإسلامي، خصوصاً في أطرافه البعيدة غير الناطقة باللغة العربية، قد أصبحت تمثل خطراً داهماً بعد النجاحات المتوالية، التي حققتها المؤسسات التنصيرية، ليس في إخراج المسلمين من ملتهم فحسب، ولكن في تحويلهم إلى شوكة في ظهر الأمة الإسلامية.


ولعل ما حدث في تيمور الشرقية يمثل نموذجاً واضحاً للمدى الذي بلغته المؤسسات التنصيرية من نجاح، فجزيرة تيمور كانت مسلمة خالصة في أوائل هذا القرن، غير أن البعثات التنصيرية هجمت على شاطئها الشرقي، مستغلة ضعف الروابط بين أهلها وبين محيطهم الإسلامي، فكان أن نجحت في تنصير الجانب الشرقي منها، الذي تحول إلى شوكة في الخاصرة الإندونيسية المسلمة، وكان أن انتهى الأمر إلى انفصال ذلك الجزء عن إندونيسيا على أساس ديني لتنشأ دولة نصرانية على أنقاض مجتمع كان إسلامياً خالصاً.


وليس المسلمون الذين يعيشون في الغرب، خصوصاً الأجيال التالية للمهاجرين، بأقل تعرضاً للخطر التنصيري من غيرهم ممن هم في بلاد المسلمين، فالهجمة قاسية وشاملة، والبابا أعلن أن القرن العشرين يُعد قرناً للتنصير، خاصة في أفريقيا وإندونيسيا، ولذلك فإن الاستهانة بخطر التنصير أمر لا محل له في ظل الواقع الأليم، الذي تعيشه الأقليات الإسلامية في الغرب، رغم الجهود الهائلة، التي تبذلها المملكة العربية السعودية في سبيل نشر الدعوة، لكنها في النهاية جهود لا تجد من يتكاتف معها من الدول الإسلامية، وفي ظل السيل المتدفق من الأموال من الغرب النصراني على منظمات التنصير، التي غدا الالتحاق بها حلماً لبعض الشباب الأوروبي؛ لما تقدمه من مميزات مادية واجتماعية لهم.


***************


أولاً: التنصير، مفهومه ونشأته


1. مفهومه


التنصير: نشاط تقوم به بعض المؤسسات النصرانية، في الغالب، وبعض الأفراد النصاري، أحياناً؛ لتغيير دين غير النصاري وضمهم إلى الديانة النصرانية، طبقًا للمذهب الذي ينتمي إليه المنصر، وهو الفرد القائم بعملية التنصير سواء بمفرده أو من خلال مؤسسة تنصيرية.


والتنصير، بهذا المعنى، يختلف عن التبشير؛ لأن التبشير يتم بين المذاهب النصرانية ذاتها، بهدف تغيير المذهب، الذي يدين به الفرد النصراني إلى مذهب آخر، ومرد ذلك إلى عظم التباين بين هذه المذاهب في العقيدة وقواعد الحياة، حتى أنها تكاد تصبح أدياناً مختلفة، وليست مذاهب يضمها دين واحد، والتنصير هو أصل التبشير وليس العكس كما يعتقد البعض، ذلك أن التنصير يعد جزءاً من عقيدة الفرد المسيحي، واتباعاً لمسيرة الرسل الإثني عشر (الحواريين)، الذين انتشروا في أصقاع الأرض يبلغون رسالة المسيح، طبقاً للعقيدة المسيحية، إذ بلغ التنصير المسيحي ذروته في عصر الشهداء، طبقا للرواية التاريخية المسيحية التي أينعت ثمارها باعتناق إمبراطور روما للدين المسيحي وتحول أوروبا إلى المسيحية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين.


2. التنصير والتبشير


أدت الانشقاقات المتوالية، التي شهدتها الكنيسة من كونها أرثوذكسية الطابع؛ أي ملتزمة بالمحافظة على الأصول المتعارف عليها إلى كاثوليكية؛ (أي تتبع البابا الذي يعد محور الإيمان المسيحي والمؤثر الأكبر في حياة الفرد المسيحي)، ثم الانشقاق الذي شهدته الكنيسة المسيحية على يد مارتن لوثر والقديس كالفن، وظهور المذهب الإنجيلي أو البروتستانتي، الذي استطاع أن يوطد وجوده في أجزاء مهمة من أوروبا، مذهباً متحرراً من القواعد الثقيلة لكلٍّ من المذهبين الآخرين، وداعياً إلى إصلاح الفكر المسيحي والتخلص من القواعد الكنسية، التي لا تتفق مع العقل وتعارضه، وإخراج البشر من السيطرة المطلقة للبابا.


وفي ظل انقسام الكنيسة إلى ثلاثة مذاهب رئيسية، متنافسة بصورة ضارية، فقد نشبت عشرات الحروب، خاصة بين الكاثوليك والبروتستانت، تعين على الفكر الدعوي أن يتحرك مع هذا التنافس، فتغير مفهوم التنصير إلى مفهوم آخر هو التبشير، أي محاولة تغيير مذاهب النصاري أنفسهم.


والواقع أن التبشير بهذا المفهوم بدأ من الناحية الفعلية على يد البروتستانت؛ إذ كان وسيلتهم لزيادة عددهم، وترسيخ وجودهم في أوروبا، من أجل تفادي المصير المظلم، الذي كان يمكن أن يصلوا إليه، إذا ما ظلوا أقلية ضعيفة في وسط كاثوليكي جارف، كانت الإبادة تتهددهم في ظل النقمة البابوية عليهم.


ولا يزال التبشير بين النصاري أنفسهم سائداً حتى اليوم، وقد يكون المنصر مبشراً في الوقت ذاته، ومن النادر أن تجد مؤسسة مسيحية تختص بالتنصير دون التبشير؛ لأن الأصل واحد، لكن مجال النشاط هو الذي يختلف.


ومن ناحية أخرى، فإنه لابد أن ندرك أن التبشير لم يكن ليتم بوسائل سلمية ودعوية، كما كانت بداية التنصير، إذ علينا أن نشير هنا إلى نقاط أساسية، تمثل الأساس الفكري للشكل العنيف، الذي اتبعته الحركات التنصيرية والتبشيرية في نشاطاتها في مراحل كثيرة من تاريخها، وهي:


أ. تحول الدعوة للنصرانية من الإقناع بالوسائل السلمية إلى الإكراه والغصب، بعد اعتناق إمبراطور القسطنطينية للمسيحية، وكانت تلك هي الأصل التاريخي لفكرة محاكم التفتيش، التي يعود أصلها في الواقع إلى الفكر الأرثوذكسي وليس العكس.


ب. الحروب المتواصلة بين المذاهب المسيحية، خاصة بين البروتستانت والكاثوليك، وكان الهدف الأساسي لهذه الحروب هو فرض مذهب كل طائفة على الأخرى، وكانت جميعها حروب إبادة وليست بهدف الانتصار فحسب.


ج. الاستعمار الغربي لأقاليم العالم الأخرى، إذ كان العنف هو الأساس في عمليات التنصير، التي جرت، والتي تلتها بعد ذلك حملات التبشير في المناطق التي تنصرت.


ويمكن أن نعرّف التنصير من أقوال أصحابه القائمين به.


بأنه: منهج يسلكه المتخصصون لتنصير العالم، وتقديم تعاليم الإنجيل إلى غير المسيحي بوسائل مختلفة.


ولقد أفصح الدكتور (هاريسون) عن هذا الهدف بوضوح، في تحديده مهمة الإرسالية العربية الأمريكية بدول الخليج بقوله: "إننا نريدهم أن يصبحوا مسيحيين"، مستدلاً على ذلك بما جاء في الإنجيل "فلتذهب إليهم، وليكن لك أتباع بين جميع الأمم"، ويجب أن يعم الإنجيل كل الأمم.


ومهمة التنصير عند المسيحيين ضرورية، ولابد أن يتعاون للنهوض بها الأفراد والمؤسسات، وبلغ اهتمامهم بها حداً كبيراً، جعل بعضهم يعلن صراحةً عن طبيعة دعاته والعاملين في حقله بقوله "لقد أرسلناه لا للوعظ الاجتماعي، ولكن للخلاص، لا للحديث عن الاقتصاد بل للتبشير، لا للتقدم بل للصفح، لا للنظام الاجتماعي الجديد بل للمولد الجديد، لا للثورة بل للانبعاث الروحي… لا للتغني بالديمقراطية بل للإنجيل، لا للحضارة بل للمسيح، إننا سفراء ولسنا سياسيين".


ويتفق المسيحيون على أن التنصير ركن أساسي من أركان الكنيسة الحديثة، وله النصيب الأكبر من الميزانية السنوية في أموال الكنيسة.


3. نشأته


إن سياسة التنصير، والعمل على بث تعاليم الإنجيل بين المسلمين، ليست دعوة جديدة، وليست وليدة هذا العصر، بل هي قديمة قدم الإسلام نفسه، ويمتد تاريخها إلى عصر النبوة، ثم عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية، ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا.


وأقدم وثيقة، سجلت لنا تاريخ الحوار المسيحي الإسلامي، هو القرآن الكريم، وما جاء فيه من آيات، سجلت لنا ما كان يدور بين الرسول r وأهل الكتاب في المدينة المنورة، وهذا الحوار كان يشتد أحياناً ليأخذ شكل الصراع، الذي يذهب إلى مستوى الكيد لقتل الرسول r، وكان يهدأ في بعض الأحيان فيأخذ شكل الحوار العقلاني، ولقد سجلت لنا سورتان كريمتان من سور القرآن الكريم ما كان يجري من حوار بين الرسول r وأهل الكتاب، وهما: سورة آل عمران، وسورة المائدة.



والذي يتدبر آيات الحوار الواردة في هاتين السورتين يقف على حقيقة هذا الصراع وحقيقة القضايا العقدية التي كانت تمثل موضوع هذا الحوار، وكيف فضح القرآن سرائر النصارى حين بدلوا وحرفوا ما أنزل الله على عيسى النبي u، وبيّن أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون: هو من عند الله؛ وما هو من عند الله؛ واستمرت موضوعات هذه القضية موضوع الحوار الديني خلال عصور الإسلام المتوالية، وتصدى لها علماء الإسلام عبر هذه القرون العديدة؛ فوضع الجاحظ رسالته في الرد على النصارى، وكتب القاضي عبد الجبار كتابه في دلائل النبوة، ونبه كل منهما على أساليب النصارى ومنهجهم في بث الدعاوى الإنجيلية بين المسلمين.


كما تصدى للقضية نفسها ابن حزم في كتابه العظيم "الفصل" والشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" وعلي بن سهل بن الطبري في رسالته "الرد على النصارى"، وابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، وابن القيم في كتابه "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى"، وكذلك القرافي في كتابه "الأجوبة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجرة"، والقرطبي في كتابه "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام".


وكثير من الرسائل، التي لا تكاد تحصى في هذا الغرض.


وفى العصور المتأخرة، كتب ـ رحمة الله ـ ابن خليل الرحمن العثماني الكيرانوي كتابه "إظهار الحق"، الذي يعد من أهم الكتب الحديثة، التي عرضت لهذه القضية بأسلوب رصين ومنهج علمي رائع، أفاد من كتب السابقين.


وأخذت هذه القضية تحتل مكاناً بارزاً في اهتمامات المفكرين المعاصرين، وفى الأقسام الأكاديمية للفلسفة الإسلامية والعقيدة في الجامعات العربية والإسلامية، ولعلها تمثل أهم قضايا الحوار القائم بين المسيحية والإسلام في المؤتمرات المتعددة، التي احتلت بؤرة الصراع القائم بين أهل الديانتين عبر التاريخ، وتحولت لغة الصراع إلى لون جديد من الحوار لتكون مظهراً جديداً من مظاهر العلاقة بينهما.



ولقد نشطت المؤسسات التنصيرية في العالم الإسلامي طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مما لفت أنظار المفكرين المسلمين إلى أن يتنبهوا إلى خطورة هذه القضية وسوء عاقبتها، وهذا ما دعا البعض إلى رصد المؤسسات، وتتبع تاريخ هذا النشاط التنصيري في القرنين الأخيرين.



وتكاد معظم المؤلفات الحديثة تتفق، على أن أول من بدأ بهذه المهمة في العالم الإسلامي الحديث، هو ريمون لول 1299 ـ 1300م المفكر الأسباني الذي استطاع أن يحصل على إذن الملك يعقوب صاحب أرغونة ليقوم بمهمة التبشير في مساجد برشلونة، بين صفوف المسلمين، محتمياً بالسلطة المسيحية في أسبانيا.


وذلك بعد أن فشلت الحروب الصليبية في تحقيق أحلام الغرب، وعودة بيت المقدس إلى السلطة الكنسية، وانتزاعه من أيدي المسلمين.



وكان قبل ذلك قد تأسس في سوريه وبلاد الشام جماعة الأخوة الكرملية أسسها أحد الصليبيين سنة 552هـ ـ 1157م، وأطلق عليها اسم جبل الكرمل.


وفى أوائل القرن الثالث عشر تأسست مدرسة الآباء الفرنسيسكان والدومينيكان، وأنشأت كل منهما لنفسها فروعها المختلفة في أنحاء سورية وبيروت.


وفى أعقاب الحروب الصليبية كتب أسقف "دومينكاني"، وهو "وليم الطرابلسي"، رسالة بشؤون المسلمين يوصى فيها باستخدام المرسلين (يعني المنصرين)، بدلاً من الجنود لاستعادة البلاد المقدسة.


ولقد أشار "فيليب حتي" إلى هذه الوثيقة الخطيرة في كتابه عن تاريخ سورية وفلسطين، وأوضح القول في العلاقة المتبادلة بين الاستشراق والتنصير، وأن هدف الفريقين واحد، وإن اختلفت الوسائل، فالمنصّرون يستفيدون من دراسات المستشرقين لخصائص البلاد وأحوالها وعاداتها وإمكاناتها؛ للتقرب إلى أهلها بأيسر السبل، والتعاون قائم بين الفريقين لاستقطاب أهل الرأي في المنطقة؛ للسيطرة عليها بكل الوسائل المتاحة.


ولقد ركزت حملات التنصير في العصر الحديث على أطراف العالم الإسلامي والمناطق النائية في شرق وجنوب آسيا وبصفة خاصة في إندونيسيا ووسط أفريقيا والمناطق الاستوائية، مستعينين في ذلك بالخدمات الاجتماعية، التي يقدمونها لأهالي هذه المنطقة كالمعونات الاقتصادية، والخدمات الطبية، ودور الأيتام وكبار السن، وتأسيس المدارس بمراحلها المختلفة، ومما يلفت النظر حقّاً أنه على الرغم من كل هذه الجهود المضنية فإن النتائج التي حصلوا عليها كانت مخيبة لآمالهم، مما دعاهم إلى معاودة النظر في الأسلوب والوسيلة مرات ومرات، ولعل أبرز ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر كلورادو سنة 1978م هو محاولة خلق البيئة الملائمة للمسلم، الذي يراد تنصيره، فبدلاً من التركيز على تنصير الفرد، أخذوا يركزون على تنصير البيئة والجماعة بصفتها وحدة متكاملة يراد تنصيرها، حتى لا يشعر الفرد بالغربة أو العزلة إذا ترك دينه منفرداً.


أما إذا كانت الجماعة كلها محور العمل التنصيري فإن الفرد لا يحس فيها بالغربة أو العزلة؛ لأنه حينئذ سيكون فرداً في جماعة متكاملة.


وهذا ما سعى المنصرون لتحقيقه في كثير من المناطق النائية الآن. ولعل من أبرزها ما يجرى في إندونيسيا وأفريقيا.


********************************


ثانياً: تاريخ التنصير في العالم الإسلامي


شهد العالم الإسلامي أول تحول جوهري في علاقته العقدية بأوروبا، مع بدء الغزوات الصليبية على السواحل الإسلامية، وهي تلك الغزوات، التي كانت تتم تحت شعار الصليب وبرعاية مباشرة من بابا روما الكاثوليكي، وكانت الجيوش الغازية تتضمن فرقاً متخصصة في الدعوة للنصرانية، أشهرها فرقة فرسان المعبد، وهم مكونون من فرسان وفارسات يحاربون، وفي الوقت نفسه يدعون للمذهب الكاثوليكي، وكانوا شديدي التعصب، وهناك قناعة لدى أوساط تاريخية كثيرة بأنهم جزء من جمعية سرية ترتبط باليهودية والماسونية ومحفلها الممتد عبر التاريخ.


على أن هذا التحول لم يأت فجأة؛ بل سبقته بعض المظاهر الأخرى للعمل على صرف المسلمين عن دينهم، بعضها فشل، وبعضها نجح بشكل منقطع النظير، وفي مقدمتها إعادة احتلال قبرص في القرن السابع الهجري، لكن فشلت البابوية في تحويل أهل الجزيرة عن دينهم، وثانيها احتلال صقلية في المرة الأولى في منتصف القرن السادس الهجري من قبل فرقة عبيد الرب، التابعة للبابا مباشرة، وتم طردهم منها على يد المجاهد الإسلامي، الإيطالي الأصل، تقي الدين بابا روسيا، الملقب بالفارس الأحمر، لكن الإيطاليين تمكنوا من احتلال الجزيرة بعد ذلك في عهد الدولة الإسلامية، وتحويل المسلمين عن دينهم، كما نجح اليونانيون في تثبيت الواقع المسيحي لجزيرة قبرص.


والواقع أن الحملات الصليبية، وإن كانت قد فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية؛ فإنها نجحت في تحقيق أهدافها نجاحاً جزئيّاً، وهو زرع المذهب الكاثوليكي في المشرق العربي إذ لم يكن له وجود، وكان الوجود المسيحي مقصوراً على المذهب الأرثوذكسي.


1. سقوط الأندلس


أدى سقوط الأندلس في القرن التاسع الهجري إلى تحول هائل في علاقة الإسلام بالمسيحية، فمن انتصارات إسلامية متوالية على المسيحيين الأرثوذكس، إلى هزيمة إسلامية كاملة أمام الكاثوليك بزعامة فريدناند وإيزابيلا، وظهور محاكم التفتيش، التي أدت إلى خروج الإسلام عملياً من الأندلس، فقد مر المسلمون بأول تجربة قاسية للخروج الجماعي من ملتهم، تحت إرهاب السيف، والخشية من القتل والصلب، إن هم فشلوا في أداء العبادات المسيحية على أفضل ما يكون، أمام محاكم التفتيش المكونة من الكرادلة والرهبان، وهو ما أدى من الناحية العملية إلى مداومة المسلمين على العبادات المسيحية حتى خرجوا من دينهم بالفعل، وإن لم تخرج الأجيال الأولى بقلوبها فكانت التبعة على الأجيال التالية، التي أصبحت مسيحية خالصة.


ومن المهم أن يُسجل هنا أن الإسلام لم ينتشر في الأندلس بهذه الوسائل، بل انتشر بالدعوة والموعظة، ومن دون أي شكل من أشكال الإكراه، وهذا ما يبين بوضوح سلامة منهج الدعوة في الإسلام، كما يرد على القائلين بانتشاره بالسيف، فالواقع أن المسيحية هي التي انتشرت بالسيف في جميع مراحلها الأساسية: تنصر الإمبراطورية الرومانية، وصراع المذاهب، والحقبة الاستعمارية.


2. الحقبة الاستعمارية


مع ظهور الحقبة الاستعمارية، التي كانت في واقع الأمر نتيجة طبيعية لاستيلاء الأوروبيين على الأندلس، وإطلالتهم مرة أخرى على بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، إذ بدأت الحملات الاستعمارية على يد الملكة إيزابيلا، التي مولت حملة ماجلان من أجل اكتشاف العالم الجديد، والتي تعد بداية الحملات التنصيرية في صورتها الجديدة والمستمرة بلا انقطاع، حتى عهدنا الحاضر.


إن الحملات الاستعمارية على العالم الجديد، وعلى بعض أجزاء العالم القديم (أفريقيا وآسيا)، كانت في واقع الأمر تعمل من أجل هدف مزدوج، يتمثل في الاستيلاء على ثروات هذه البلدان وخيراتها. والثاني هو نشر المسيحية ـ الكاثوليكية والبروتستانتية على وجه الخصوص ـ في هذه المجتمعات، وإذا كانت البرتغال الكاثوليكية لها قصب السبق في نشر الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية، وبعض المجتمعات الأفريقية، فإن بريطانيا وألمانيا البروتستانت، كان لهما الدور الأكبر في نشر المذهب البروتستانتي في أغلب الدول الأفريقية وكامل أمريكا الشمالية.


3. تغير جوهري في موازين العلاقة بين الإسلام والنصرانية


على أنه ينبغي أن نشير هنا إلى أنه، حتى في حالة نمو الحركات التنصيرية وتوغلها في بلاد المسلمين، فإن ذلك كان يقابله من ناحية أخرى توسع إسلامي مقابل في أوروبا ذاتها، فسقوط الأندلس كان فاجعة كبرى؛ ولكن فتح القسطنطينية قد خفف من مرارة الفاجعة بعض الشيء، خاصة في ظل ما تلاه من انتشار الإسلام، حتى وصل إلى وسط أوروبا، ولكن مع سقوط الدولة العثمانية، لم يبق المنصّرون متسلحين بقوتهم فقط، بل أصبحوا متسلحين، أيضاً، بتراجع المسلمين وانفراط عقدهم وضعف شوكتهم.


4. التنصير في العالم الإسلامي


شهد العالم الإسلامي، إلى جانب النشاط التنصيري، نشاطا تبشيريّاً حيوياً، وصل إلى ذروته مع الاحتلال الفرنسي والبريطاني للأقطار العربية، وبعض الأقطار الإسلامية. فعندما أدركت هذه الدول فشلها في تنصير المسلمين الناطقين بالعربية أو المناطق الإسلامية المتاخمة لهم، اتجه تركيزهم إلى نشاط التبشير، وبطبيعة الحال كان المذهب الأرثوذكسي هو المتضرر الأكبر من هذه النشاطات، التي أثرت كثيراً في الحضور النقي لهذا المذهب في دول المشرق، وهو ما ترك مرارة كبيرة على علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بالمذهبين الآخرين، ولعل أحدث مظاهر هذه المرارة تمثلت في رفض الأنبا شنودة الثالث، بطريرك الكرازة المرقسية وبابا الإسكندرية ورأس الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق العربي، مقابلة البابا يوحنا بولس الثاني، عند زيارته لمصر في عام 2000م.


******************************


ثالثاً: مناهج المنصّرين قديماً وحديثاً


1. المناهج القديمة


يركز التنصير ـ غالباً ـ على الجانب الاجتماعي بصفته وسيلة مؤثرة في تحقيق أهدافه مثل: بناء المستشفيات، والملاجئ، والأندية، والمؤسسات التربوية والتعليمية. ويركز دعاتهم في خطابهم على الطبقات الدنيا والفقيرة في المجتمع، تلك التي لاحَظّ لها من الثقافة أو التعليم لتسد رمقها وتروي ظمأها، والطريق إلى مخاطبة الفقير والجائع هو لقمة العيش وحفنة المال.


ولا يلجأ المنصر إلى الطعن في الإسلام بطريق مباشر، وإنما يبدأ حواره مع المسلم بالحديث عن الجوانب الاجتماعية، التي تشغله، والتي هي نقطة الضعف في حياته، ويعاني منها. ومصدر الشبهة أن بعض المسلمين، يحملون أعمال المنصّرين في العالم الإسلامي على أنها أمور اجتماعية، الغرض منها المساعدة المالية والاجتماعية للفقراء والمرضى واليتامى، وأنها أعمال إنسانية، لا ينبغي التشهير بها أو حملها على غير مراد أصحابها، بينما يقول الدكتور (إرهاس) طبيب الإرسالية التبشيرية في طرابلس: إنه يجب على طبيب الإرسالية التبشيرية ألا ينسى أبداً لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء، ثم هو طبيب بعد ذلك:


ولقد خطب القسيس "هاريك" في جموع المنصرين مبيناً لهم كيفية التعامل مع المسلمين قائلاً: إن ترجمة الإنجيل وكتب التبشير إلى اللغات الإسلامية أكثر فائدة وأتم نفعاً؛ لأنه بمجرد شراء المسلمين لكتب المبشرين ومطالعتهم لها، تتبدد أوهامهم القديمة عن المسيحية، وأما الجدل والمناظرة فيبعدان المحبة، التي لها وقع كبير على قلوب الآخرين، ولهما تأثير مضاد على نشر النصرانية، فالمحبة والمجاملة هما آلتا المبشر؛ لأن طريق الاعتقاد غايته دائماً القلب، ويجب على المبشر أن يتحلى دائماً بمبدأ المسيحية، قبل أن يتغنى بالأمور النظرية، كما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستوراً سياسياً، بل هي الحياة كلها.


إنها تحب العدل والطهر، وتمقت الظلم والباطل؛ ونفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا، ونفرض عليه محاسن لغتنا، ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر، ونتعلق بأهداب الأمل، إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل، وبهذه الطريقة فقط يمكن للمبشر أن يدخل إلى قلوب المسلمين.


2. المناهج التنصيرية المعاصرة


تركز المناهج التنصيرية المعاصرة على مسألتين جوهريتين:


الأولى: اختيار المنصرين.


والثانية: كيفية ممارسة نشاطها في البلدان المستهدفة.


وذلك من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف، نبرزها فيما يلي:


أ. أهداف التنصير


أهم أهداف التنصير في العالم عامة، والعالم الإسلامي بصفة خاصة:


(1) توسيع رقعة المسيحية عدداً ومساحة، وعلى وجه الخصوص تحويل العالم الإسلامي عن الإسلام إلى المسيحية. ويتضح هذا الهدف من برنامج عمل الإرسالية الأمريكية، التي تأسست سنة 1889م، فقد جاء فيه ما يلي: "نحن الموقعين أدناه، قد عزمنا على القيام بنشاط تبشيري رائد في البلاد الناطقة باللغة العربية، وبخاصة من أجل المسلمين والعبيد، مقرين بالحقائق التالية: إن الحاجة بالغة لهذا العمل التنصيري، وضرورة تشجيعه في العصر الحالي. ولذلك فقد اقترحت اللجنة المؤسسة لها، ضرورة البدء السريع في هذا العمل، وأن يكون ميدانها الجزيرة العربية وأعالي النيل".


(2) الالتفاف حول المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، وهذا الهدف قد أعلنه كثير من المنصرين في مؤلفاتهم، فلقد أعلن "هانوتو" أن هذه الرموز المقدسة هي رمز وحدة المسلمين وسر قوتهم، وأن المسلمين حين يلتقون حولها في مكة أو في المدينة يجددون نشاطهم، ويستعيدون قوتهم الروحية، التي يستمدون منها معنى التحدي في مواجهة المشكلات.


(3) ولم ينس رؤساء المؤسسات التنصيرية أن يعلنوا صراحة أهدافهم التنصيرية على مسامع الأفراد المسلمين، الذين يتعاملون معهم في المؤسسات التعليمية، كالمدارس والجامعات التي أنشؤوها في البلاد الإسلامية لهذا الغرض، تحت ستار نشر التعليم الحديث بين أبناء الشرق.


فقد أقيمت الجامعة الأمريكية، وكان اسمها الكلية السورية البروتستانتية، في بيروت 1865م، ليكون مديرها منصراً، وجميع المرسلين فيها منصرين كذلك، وكان من مبادئ تولي التدريس بالجامعة أن يقسم المدرسون فيها على أن يوجهوا جميع أعمالهم نحو هدف واحد هو التنصير، ولم يقبل منهم أن يكونوا نصارى فقط، بل يجب عليهم أن يقوموا بمهمة التنصير، أيضاً، وكانت الجامعة تحرص على أن يظهر أساتذتها بمظهر المنصرين، وكانت الجامعة تجبرهم أن يحضروا مؤتمرات المنصرين، ولما أحست الجامعة بنوع من الحرج في مواجهة الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين ألغت مبدأ القسم المطلوب من الأساتذة.


(4) تهيئة المجال أمام القوى الاستعمارية؛ لكي تتمكن من الاستيلاء على خيرات العالم، وخاصة العالم الإسلامي.


(5) إزاحة الإسلام من طريق المسيحية، باعتباره الدين الوحيد الذي يمكنه أن ينتشر من دون معوقات، إذا أتيحت له الفرصة لذلك.


ب. اختيار المنصر وصفاته


وضع المؤتمر التنصيري المنعقد بالقاهرة عام 1906م مجموعة من التوصيات، تجسد أهم الصفات، التي يجب أن يتمتع بها المنصر، وهي:


(1) تعلم اللهجات المحلية ومصطلحاتها.

(2) مخاطبة العوام على قدر عقولهم.

(3) إلقاء الخطب بصوت رخيم وفصيح المخارج.

(4) الجلوس أثناء إلقاء الخطب.

(5) الابتعاد عن الكلمات الأجنبية في أثناء إلقاء الخطب.

(6) الاندماج في المجتمع.

(7) العناية باختيار الموضوعات.

(8) البعد عن إثارة النزاعات أو مهاجمة الأديان الأخرى.

(9) إظهار عيوب الأديان بصورة غير مباشرة.

(10) العلم بقواعد الأديان الأخرى.

(11) الاستعانة بالأجهزة والتقنيات الحديثة في عرض الأفكار.

(12) التنصير من خلال الخدمات الاجتماعية.

(13) ربط المجتمع بالخدمات التي يقدمها المنصر.

(14) إيجاد منصرين من بين المسلمين.

(15) استخدام المرأة في نشر المسيحية بين النساء والأطفال.

يتبع إن شاء الله...





أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12268
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 12/01/12, 11:14 pm

رابعاً: أهداف التنصير في العالم الإسلامي ومؤسساته


تنحصر أهم أهداف التنصير في العالم الإسلامي عموماً، وفي منطقة الخليج بصفة خاصة، فيما يلي:


1. تحويل أهل الجزيرة العربية عن الإسلام إلى المسيحية، ويتضح هذا الهدف من برنامج عمل الإرسالية الأمريكية.


2. ومما يقوي الهدف السابق، ما يدعيه "زويمر" أحد مؤسسي الإرسالية السابقة من وجود حق تاريخي للنصرانية في الجزيرة العربية، وأن إعادتها إلى النصرانية، كسابق عهدها، أمر غير مستحيل، وقد أكد ذلك "زويمر" في قوله: "إن للمسيح حقّاً في استرجاع الجزيرة العربية، وقد أكدت الدلائل، التي تجمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة، على أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في سابق عهدها، وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هنا؛ ولهذا فإن واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية".


وكان لسقوط الأندلس في أيدي الصليبيين وانتهاء عهد المسلمين بها أثر في تفكير "زويمر" في الدعوة إلى استرجاع هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية.


3. الالتفاف حول المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، وهذا الهدف قد أعلنه كثير من المبشرين في مؤلفاتهم.


كما أعلنوا صراحة عنه من خلال المؤسسات التعليمية التي أنشؤوها في بلاد المسلمين، تحت مظلة نشر التعليم الحديث.


وقد قرر مؤتمر القدس المنعقد سنة 1935م أن يستغل كل درس علمي في سبيل تأويل مسيحي لفروع العلوم، كالتاريخ وعلم النبات.


وكان دخول الكنيسة عملاً إجبارياً على كل تلميذ بالجامعة، ولما احتج أولياء أمور الطلاب على ذلك، اجتمع مجلس الجامعة وأصدر منشوراً بهذا الخصوص، جاء في مادته الرابعة ما يلي:


إن هذه كلية مسيحية، أسست بأموال شعب مسيحي، هم اشتروا الأرض، وهم أقاموا الأبنية، وأنشؤوا المستشفى وجهزوه، ولا يمكن للمؤسسة أن تستمر إذا لم يساندها هؤلاء، وكل هذا قد فعله هؤلاء ليوجدوا تعليماً يكون الإنجيل من مواده، فتعرض منافع الدين المسيحي على كل تلميذ، وهكذا نجد أنفسنا ملزمين أن نعرض الحقيقة المسيحية على كل تلميذ.


وأن كل طالب يدخل إلى مؤسستنا يجب أن يعرف مسبقاً ماذا يطلب منه، ثم أعلن مجلس الأمناء للكلية: أنها لم تؤسس للتعليم العلماني. ولكن من أول غاياتها أن تعلن الحقائق الكبرى، التي في التوراة، وأن تكون مركزاً للنور المسيحي، وللتأثير المسيحي، وأن تخرج بذلك على الناس، وأن توصيهم به.


وهذه المؤسسة التعليمية ببيروت، قد تأسس لها نظائر في سائر البلاد الإسلامية والعربية على وجه الخصوص.


فهناك الجامعة الأمريكية بمصر، وكلية غوردون بالخرطوم، وكذلك في إستانبول بتركيا، إضافة إلى المدارس اليسوعية التي لا حصر لها في البلاد العربية وقراها، ولا يخفى على من يراجع المناهج التعليمية في هذه المؤسسات أن التبشير هو مركز الدائرة في كل أنشطة هذه المؤسسات.


والدور التنصيري الذي قامت به الجامعة الأمريكية، في بيروت، التي أسست سنة 1865م، قامت به جميع الكليات الأخرى التي أسست للغرض نفسه، وفى شتى بقاع العالم الإسلامي، ويستوي في ذلك الجامعة الأمريكية في وسط القاهرة، والجامعة الأمريكية في إستانبول، والكلية الفرنسية في لاهور، وهذه الجامعة الأخيرة قامت بدور خطير جدّاً في جنوب وجنوب شرق آسيا.


وتحت ستار نشر التعليم والثقافة في بلدان العالم الثالث، حوّل المنصرون دور التعليم بمراحله المختلفة، وكذلك المؤسسات الثقافية المختلفة، إلى حقول خصبة لزرع تعاليم الإنجيل، ونشر تعاليم المسيحية، بين أبناء المسلمين، ابتداء من سن الطفولة في دور الحضانة، وانتهاء بالتعليم الجامعي، إذ أسسوا مدارس ومعاهد تعليمية لكل هذه المستويات، وزرعوها زرعاً في معظم البلاد الإسلامية.


وكذلك المؤسسات الثقافية والإعلامية، كانت بمثابة منابر يعملون من خلالها على نشر تعاليمهم، ولم يجدوا غضاضة في الإفصاح عن ذلك صراحة، حتى إن واحداً منهم يعلن صراحة "أن المبشرين استغلوا الصحافة المصرية بصفة خاصة للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر منها في أي بلد آخر، حيث ظهرت مقالات كثيرة في الصحف المصرية إما مأجورة في أغلب الأحيان، أو للأجر في أحوال نادرة.


ومن النادر أن تجد منظمة تعمل في مجال التنصير، أو التبشير، بشكل مستقل، من دون أن تربطه بنشاطات ومجالات أخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية، وعلى ذلك فالمنظمات التنصيرية تأخذ من ناحية الشكل الخارجي أحد الشكلين التاليين:


1. المنظمات التي يحمل اسمها هدفاً تنصيرياً واضحاً، ومن أمثلتها:


أ. جمعية لندن التنصيرية ـ تأسست سنة 1765م.

ب. جمعية بعثات التنصير الكنسية ـ تأسست في لندن سنة 1799م.

ج. جمعية طبع الإنجيل البريطانية ـ تأسست سنة 1804م.

د. جمعية طبع الإنجيل الأمريكية ـ تأسست سنة 1816م، ولها مطابع خاصة بها في القاهرة والخرطوم.

هـ. مجلس الكنيسة المشيخية الأمريكية ـ تأسس سنة 1837.

و. مجلس التبشير الإنجيلي البريطاني ـ تأسس سنة 1799م، ويحظى بدعم مباشر من الأسرة المالكة البريطانية.

ز. جمعية الكنيسة التنصيرية ـ تأسست في ألمانية سنة 1844م.

ح. جمعية الشبان المسيحيين - تأسست سنة 1855م، ولها فروع في جميع الدول العربية، ماعدا المملكة العربية السعودية، وتعد أكبر جهة مدنية غير كنسية تضم الشباب المسيحيين في العالم العربي، ويبلغ عدد فروعها 300 فرع، يتركز أغلبها في مصر والسودان ولبنان والمغرب.


2. منظمات تعمل في نشاطات خيرية واجتماعية وإنسانية، ولكنها تمارس نشاطاً تنصيرياً أو تبشيرياً بشكل أساسي.


ومن أمثلتها:


أ. المنظمات الإغاثية، مثل: العون المباشر والتنمية المستديمة، ومجلس الخدمات الأمريكي، والبعثة الأوروبية للإصلاح، وهذه جميعها أخطر بكثير من منظمات التنصير المباشر، وقد بلغت ميزانيتها السنوية، في عام 1997م، 180 مليار دولار، أي ما يعادل 60% من ميزانيات الدول العربية مجتمعة.

ب. المنظمات العاملة في المجالات الصحية، مثل: أطباء بلا حدود، والصليب الأحمر، ومنظمة الصحة للجميع، وهي تمارس التبشير والتنصير من خلال الخدمات الصحية.

ج. المنظمات الثقافية والتعليمية، وهي المتمثلة في البعثات التعليمية، ومن أشهرها: الجامعات الأمريكية والبريطانية، والمدارس الفرنسية والإنجليزية والأمريكية في الوطن العربي والإسلامي، وعددها يربو على الحصر.

د. المنظمات الاجتماعية، التي تقوم بتقديم الخدمات الاجتماعية المتكاملة، وتساهم في بناء مجتمعات جديدة عبر شبكة من البنوك ومؤسسات الإقراض، وقد حققت نجاحاً كبيراً في إندونيسيا وبعض الدول الأفريقية.

هـ. المنظمات النسائية: وهي تقوم بدور كبير للغاية في تنفيذ مخططات التنصير، ومن أشهر العاملات في هذا المجال الأم تريزا، التي يبلغ حجم نشاطاتها في الهند عدة مليارات من الدولارات، ومنها، أيضاً، جمعيات الراهبات الفرنسيسكان، وهن من الكاثوليك، وينصب نشاطهن على إنشاء المدارس والمستوصفات، ولهن شبكة هائلة من المجمعات، التي يتكون كل منها من مدرسة وكنيسة ومستوصف صغير، والغريب في الأمر أن بعض هذه المجمعات قد بني بتبرعات المسلمين؛ حيث تلقى هذه المنظمة بالذات قبولاً واضحاً في الأوساط الإسلامية؛ بسبب عدم تعرضها للنواحي العقائدية بشكل مباشر، وتعمل على جذب الفتيات العربيات أو الأفريقيات لكي يتحولن بعد ذلك إلى منصرات أكثر فاعلية من الأجنبيات.


3. ممارسة المنظمات التنصيرية لنشاطاتها


وإذا كان هناك فارق في الشكل الخارجي، بين قسمي المنظمات التنصيرية، فلا يوجد أي فارق بينهما من حيث الممارسة؛ فالمنظمة التنصيرية وحتى الفرد، لا تمارس التنصير بشكل منعزل، بل إن التنصير يأتي دائماً ضمن نشاط آخر اقتصادي أو صحي أو اجتماعي أو ثقافي، وفي أحيان كثيرة ضمن هذه النشاطات معاً، كما أنه لا يكون أول نشاط تمارسه المنظمة في مجالها الذي تعمل فيه؛ بل دائماً يكون تالياً لترسيخ المنظمة لوجودها في المجتمع، عبر نشاطات أخرى، ولو كانت المنظمة تحمل اسماً يدل بوضوح على هدفها التنصيري.


4. مصادر تمويل المنظمات التنصيرية


المنظمات التنصيرية لها ثلاثة موارد أساسية، هي:


أ. التبرعات التي تأتيها من المجتمعات المسيحية الغنية، والتي تساهم الكنيسة ومجلس الكنائس العالمي في جمعها من العالم المسيحي، الذي يتمتع بوفرة مالية هائلة، وتملك هذه المنظمات إذاعات وقنوات فضائية خاصة بها، من أجل جمع التبرعات.


ب. التمويل الحكومي الضخم، الذي تحصل عليه هذه المنظمات، خاصة من بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.


ج. الاستثمارات المالية الهائلة للمنظمات التنصيرية، في الأسواق المالية العالمية، أو عبر الاستثمار في المجتمعات المستهدفة، بحيث يتم تحويلها إلى ممول للنشاط التنصيري، وذلك عبر ما يسمى بإنشاء المجتمعات الحضرية، حيث يتم تمويل الذين يتم تنصيرهم لإقامة مجتمعات جديدة تتمتع بفائض مالي يمكن من خلاله تمويل النشاطات التنصيرية في مناطق أخرى، إضافة إلى إنشاء مشروعات اقتصادية وتجارية في هذه البلدان.


5. المؤسسات التنصيرية في دول الخليج


تُعد الإرسالية الأمريكية ـ وهي إرسالية بروتستانتية ذات أهداف تبشيرية في شبه الجزيرة العربية ـ من أهم هذه المؤسسات، وقد أسسها الدكتور لانسنج. Lansing، أستاذ اللغة العربية، في معهد اللاهوت في نيوبرونسك New Brunswick، الخاص بتدريب المبشرين، التابع لكنيسة الإصلاح الديني بأمريكا.


ولقد ساعد لانسنج في تأسيس هذه الإرسالية ثلاثة من تلامذته، وهم جيمس كانتين، وصموئيل زويمر، وفيليب فيلبس، وكان والد لانسنج يعمل مبشراً في بلاد الشام، وخاصة سورية، لمدة طويلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد أطلق لانسنج ومساعدوه على هذه الإرسالية اسم الإرسالية العربية سنة 1889. استجابة لطلب رسمي مقدم إلى هيئة الإرساليات الأجنبية؛ للسماح بالقيام بعمل تبشيري في البلاد الناطقة باللغة العربية، وبدأت هذه الإرسالية تباشر نشاطها في الجزيرة العربية، خاصة في المناطق المطلة على الخليج العربي، وكانت كنيسة الإصلاح الأمريكية بولاية نيوجيرسي هي التي تتولى الإشراف والتمويل لهذه الإرسالية، كما كانت تمدها بالمبشرين الجدد، الذين أتموا تدريبهم فيها، وأصبحوا مؤهلين للقيام بالعمل التبشيري، وكان من خطة هذه الإرسالية العمل على نشر الإنجيل المسيحي في المكان الذي نشأ فيه الإسلام، ولقد أحست هذه الإرسالية بصعوبة المهمة المكلفة بها، خاصة في منطقة الجزيرة العربية، مهد الإسلام، والتي يتمتع أهلها بالولاء الكامل والغيرة الشديدة على الإسلام، لذلك فكروا في وضع خطة مكتوبة يوافق عليها أعضاء الإرسالية؛ لتكون هذه الخطة ورقة عمل لهم في هذه المنطقة وفي غيرها.


ومما جاء في هذه الخطة.


نحن الموقعين أدناه قد عزمنا على القيام بنشاط تبشيري رائد في البلاد الناطقة باللغة العربية، وبصفة خاصة من أجل المسلمين والعبيد، مقرين منذ البداية بالحقائق التالية:


(1) الحاجة البالغة لهذا العمل التبشيري وضرورة تشجيعه في العصر الحديث.

(2) عدم وجود مثل هذا العمل التبشيري تحت إشراف مجلس الإرساليات الأجنبية في الوقت الحالي.

(3) عدم قيام أي مجهود يذكر حتى الآن في المجالات آنفة الذكر؛ ولتحقيق الأهداف المرجوة، فإننا نتقدم، إلى المجلس وإلى الكنيسة عامة، بالمقترحات التالية:

(أ) الشروع في هذا العمل بأسرع وقت ممكن.

(ب) أن يكون ميدان العمل الجزيرة العربية وأعالي النيل.

وجاء في المادة الأولى من دستور هذه الإرسالية "سيكون اسم هذه المنظمة: الإرسالية العربية"، وفى المادة الثانية: "سيكون هدف هذه المنظمة القيام بالعمل التبشيري في الجزيرة العربية أو البلاد الناطقة بالعربية".


ولا شك أن اختيار الجزيرة العربية مركزاً رئيسياً لهذه الإرسالية له أهدافه البعيدة، التي يخطط لها المبشرون، ويعملون على تحقيقها على المدى البعيد، ومن أهم هذه الأسباب، التي أعلنوها الادعاء بأن الجزيرة العربية كانت في سابق عهدها موطناً للمسيحية قبل الإسلام، ومحاولة إرجاعها إلى سابق عهدها المسيحي أمر ضروري، وقد أكد صموئيل زويمر على هذه الأهداف في قوله: "إن من بين الدوافع للعمل في الجزيرة العربية الأسباب التاريخية، إن للمسيح حقّاً في استرجاع الجزيرة العربية، وقد أكدت الدلائل التي تجمعت تحت أيدينا في الخمسين سنة الماضية على أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في سابق عهدها، وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هناك، ولهذا فإن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية".


وبعد دراسة أحوال المنطقة سياسيّاً وجغرافيّاً واجتماعيّاً قرر الجنرال "هيج Heig "، في رحلته إلى الجزيرة العربية، أن كل الجزيرة العربية بدرجات متفاوتة مهيأة لاستقبال الكتاب المقدس بذراعين مفتوحتين.


وقد أنشأت هذه الإرسالية عدة مراكز لها في كل من بيروت، والبصرة، والبحرين، وكانت البحرين أهم مركز لها إذ أنشأت الإرسالية مكتبة للكتاب المقدس بالبحرين سنة 1893، وأصبحت البحرين مركزاً مستقلاً للنشاط التبشيري في المنطقة، بعد أن كان تابعاً لمركزهم بالبصرة، وساعد على تكثيف النشاط التبشيري فيها عوامل كثيرة أشار إليها المبشرون أنفسهم، ومن أهم هذه العوامل، وضع البحرين السياسي حيث كانت محمية بريطانية، وهذا العامل وحده كان كافياً لتوفير قدر من الأمن والأمان للمبشرين في المنطقة. ثم ابتدأ نشاط هذه الإرسالية في جنوب الجزيرة العربية، فأنشأت لها مركزاً في عُمان ومسقط، ومن عمان امتد نشاط الإرسالية إلى شرق أفريقيا ووسطها.


وفى مطلع القرن العشرين أنشأ المبشرون مركزاً لهم في دولة الكويت، حيث بدؤوا في زيارتها سنة 1900م، للمرة الأولى، وكانت زيارتهم الثانية لها سنة 1903م، حين افتتحوا فيها مكتبة لبيع الكتاب المقدس. ولكن رفض حاكم الكويت في وقتها ـ وهو الشيخ مبارك ـ أن تقوم هذه المكتبة بأي نشاط تبشيري في الكويت، ثم أمر بإغلاقها.



ولكن أعين المبشرين لم تنصرف عن الكويت؛ لما لها من أهمية كبيرة في نظر المبشرين، ولقد كتب "أرنولد ويلسون" عن أهمية الكويت في النشاط التبشيري فقال: "إن المزايا الإستراتيجية والتجارية لموقعها، وقربها من مدخل دجلة والفرات، وصلتها الوثيقة بمملكة ابن سعود في وسط الجزيرة العربية، وكونها تسمح بالعبور إليها بسهولة، كل هذه الأمور تجعل الكويت ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى المبشرين".


وظلت المحاولات قائمة بين الإرسالية والشيخ مبارك حاكم الكويت إلى أن توصلت الإرسالية إلى الحصول على موافقة منه بفتح مستشفى سنة 1913م، وأعطاهم الشيخ قطعة أرض مجاورة لقصره؛ ليقيموا عليها منزلاً لهم. وتدخل القنصل البريطاني ليكون وسيطاً لهم عند الشيخ بضمان الولاء وعدم المعارضة، وظلت الإرسالية تباشر نشاطها في المنطقة إلى وقت قريب.


ولعل أحدث مركز أنشئ للتبشير في هذه المنطقة هو في قطر، حيث قدم إليها القس "جريت بينتجز"، والدكاترة هاريسون، وديم، وتوماس"، والآنسة "كورنيليا دالنبرج" لتفقد معالم المنطقة ودراسة أحوالها، وفى سنة 1945م، حضر إلى قطر القس "ج. فان بيرسم" لافتتاح مستشفى وبعض المراكز الطبية في قطر، ووجدوا في هذه فرصة جيدة لمزاولة نشاطهم، وطلب منهم الشيخ أن يضعوا تصميماً لمستشفى، سيعهد بإداراته إليهم، وفى خريف سنة 1947م، أصبح المستشفى جاهزاً للعمل، ولكن هذه الخدمات الطبية لم تستمر طويلاً في قطر، ففي سنة 1952م، اضطرت الإرسالية إلى التوقف عن نشاطها تماماً في قطر وعاد المستشفى إلى حكومة قطر، وأصبحت الإرسالية غير آمنة على نفسها، فتوقفت عن العمل تماماً في هذا البلد.


هذه فكرة موجزة عن تاريخ التبشير في المنطقة العربية خاصة منطقة الخليج العربي. ومن المعلوم أنه في عصر الاستعمار الحديث، نشطت عملية التنصير في الأقطار الإسلامية، التي احتلتها دول الغرب، وفرضت سيطرتها السياسية والثقافية على أهلها، وجلب الاستعمار معه كثيراً من المنصرين وسدنة الكنائس. يقول الأستاذ أحمد دنفر في كتابه "التبشير في منطقة الخليج": "… في عام 1870 وسعت البعثة التبشيرية التابعة للكنيسة الإصلاحية في أمريكا مجال نشاطها في العراق، حيث كانت تباشر أعمالها، إلى منطقة الخليج، عن طريق تقديم الخدمات الطبية والتعليمية، كما أن الكنيسة الأنجليكانية ارتبط وجودها بالجيش البريطاني في منطقة الخليج، بينما وصلت الكنيسة الكاثوليكية عن طريق الهند وأفريقيا الشرقية.


وقد أسس عدد كبير من موظفي شركات النفط كنائس على المستوى المحلي، وآخر الكنائس التي أسست في الخليج العربي، كانت تلك التي أسسها العمال المهاجرون من الهند وباكستان".


******************************


خامساً: النشاط التنصيري في مصر حتى وصول الإرسالية الإنجليزية


1. تغلغل النفوذ الأجنبي


تعود الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر، إلى الوقت الذي كانت فيه مصر باشوية عثمانية، وإلى تولية (محمد على؛ 1805ـ1848م) الحكمَ وتثبيته في الباشوية المصرية في نوفمبر 1806م. ففي هذا الوقت بدأت مرحلة الامتيازات الأجنبية، التي تأثرت بها مصر بدرجة خطيرة للغاية.


فقد كان لمحمد علي سياسة تتسم بالتسامح الديني، لدرجة "أنه أباح الحرية الدينية للأجانب في البلاد، عندما سمح لهم بدق أجراس كنائسهم، وألغى القاعدة التي كانت تحتم عليهم، الحصول على تصريح من الحكومة لبناء كنيسة أو ترميمها أو إعادة بنائها. كما سمح محمد علي بمرور مواكب جنازات الموتى الأجانب في الشوارع العامة، دون قيد أو شرط، على أن القيد الوحيد كان يتمثل في حتمية إقامة الطقوس الدينية الخاصة بهم، داخل كنائسهم لا خارجها.


والحقيقة أن ظهور الامتيازات الأجنبية في مصر، يرجع إلى ما قبل الفتح العثماني، حوالي أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، وكانت البداية حينما عقد لويس ملك فرنسا معاهدة امتيازات مع سلطان مصر عام 1251م، والتي أصبح بمقتضاها لفرنسا الحق في تعيين قنصل ثابت بالإسكندرية، لينظر في مصالح الرعايا الفرنسيين، ويطبق عليهم القوانين الفرنسية، في حالة نشوب نزاع بينهم، ثم عقدت معاهدة أخرى بعد فتح العثمانيين لمصر بين الفرنسيين والسلطان سليم الأول، صدق عليها جميعها السلطان (سليم الأول) عام 1517م، والسلطان سليمان القانوني عام 1528م.


ثم وقعت اتفاقات نهائية بين السلطان العثماني، وملك فرنسا فرانسوا الأول في عام 1535م، شملت جميع الامتيازات السابقة، ووضعت لها نظاماً خاصاً، وأصبحت ـ منذ ذلك الوقت ـ سارية المفعول.


وبطبيعة الحال، حددت هذه الامتيازات أوضاع الأجانب الاجتماعية في البلاد، "كالتعهد بحرية المجيء والإقامة والانتقال، ومنح المسكن الملائم، وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والطقوس الدينية، وحمايتهم من الاضطهاد، والتعسف في جباية الضرائب والرسوم".


وقد شجع الأجانب على الوفود إلى مصر انقضاء فوضى العهد المملوكي، وتأسيس الحكومة القوية التي استطاعت، منذ استتباب الأمر لمحمد علي، تأمين الأجانب على أرواحهم وأموالهم، فقد بلغ عدد الأجانب في مصر عام 1833م حوالي خمسة آلاف أجنبي. وبعد كسر معاهدة لندن 1840م لنظام رأسمالية الدولة، الذي أنشأه محمد علي في مصر، شهدت البلاد تدفق الأجانب، ورؤوس الأموال الأجنبية إليها. حيث كانت الظروف ـ بصفة عامة ـ ملائمة لوفود الإرساليات التنصيرية على اختلاف أنواعها من كاثوليكية إلى بروتستانتية، وتغلغلها في مدن مصر الجنوبية والساحلية.


وقد رسخت أقدام هذه الإرساليات الأجنبية، في الوقت الذي بدأت فيه الدولة العثمانية تضعف. ولا شك أن الدولة العثمانية، عندما منحت تلك الامتيازات للأجانب، كانت قد بدأت في الضعف فعلاً. كما أن الإسلام بعظمته، كان السبب الأول في ظهور تلك الامتيازات الأجنبية في ولايات دولة الخلافة، الدولة العثمانية؛ فذكرى الحروب الصليبية كانت لا تزال مطبوعة في الأذهان، وهذا يؤدي إلى عدم توافر الثقة بين المسلمين وغير المسلمين، لذلك كان على الدولة العثمانية أن تغلق أبواب ولاياتها في وجه الأجانب، ولكن الذي حدث، أن الدولة العثمانية، كانت مضطرة إلى منح هؤلاء الأجانب، بعض الامتيازات والحقوق، بدعوى الإفادة من نشاطهم التجاري والثقافي!!


وكانت أولى هذه المعاهدات تلك، التي عقدها فرنسوا الأول ـ ملك فرنسا ـ مع السلطان سليمان القانوني ـ سلطان الدولة العثمانية ـ في عام 1535م. وعندما حاول السلطان العثماني عبدالمجيد الأول بن محمود (1808 ـ 1861م)، التخلص من الامتيازات الأجنبية في عام 1856م؛ بمؤتمر باريس، كانت الدول الأوروبية قد تكاتفت ضد الدولة العثمانية، ولم تمكن سلطانها من ذلك. من هنا كانت الامتيازات الأجنبية، هي جواز المرور الشرعي، لوفود الإرساليات التنصيرية، وهى أيضاً المظلة الشرعية، التي مارست تحتها الإرساليات نشاطها التنصيري في بلاد الإسلام وبين المسلمين، ليس في مصر وحدها، وإنما في كل أقطار العالم الإسلامي!!


وإن كانت تركيا قد نجحت ـ فيما بعد ـ في إلغاء الامتيازات الأجنبية، بعد أن ظلت سارية حوالي خمسة قرون (تقريباً) ؛ في معاهدة لوزان؛ 24 يوليو 1923م؛ فإن هذه الامتيازات ظلت قائمة وسارية في مصر، حتى عام 1937، عندما تم إلغاؤها نهائياً، بعد أن عانت من جرائها كثيراً. وكانت الإرساليات التنصيرية، واحدة من ضروب هذه المعاناة، التي عايشها الشعب الإسلامي في مصر.


2. القناصل الأجانب


لقد أساء الأجانب استعمال هذه الامتيازات، فأخذ القناصل يقومون بدور خطير في مساعدة الإرساليات التنصيرية في مصر. وأثار قناصل الدول الأوربية والولايات المتحدة، في مصر الكثير من المشكلات، وذلك ضمن مخطط شامل على مستوى الأقاليم المصرية، بسبب انحيازهم إلى المنصرين الأجانب، وتسهيلهم مهمة الإرساليات التنصيرية، وحمايتهم لأعوان المنصرين وأذنابهم، من الأقباط المصريين، وبشكل فاضح.


3. بداية النشاط التنصيري الألماني في مصر


جاء أول اتصال بين هذه الإرساليات التنصيرية الأجنبية ـ عامة ـ وبين مصر، في عام 1633م، عندما جاء أول منصر لوثري، إلى مصر، وهو بيتر هيلنج P. Heyling وكان عمره 26 عاماً، في محاولة من جانب الكنائس الألمانية لدراسة أوضاع مصر الدينية، والوقوف على مدى نجاح التبشير بين المسلمين، ومكث هذا المنصر في مصر حتى أكتوبر عام 1634م.


وعندما قررت الكنيسة المورافية أو كنيسة الإخوة المتحدين، وهى كنيسة ألمانية، تأسست في عام 1457م في (بوهيميا) ـ بدء نشاطها التبشيري في عام 1750م، في أثناء زيارة كونت زنزندورف Zinzendorf لها، بعثت بأول منصر لها إلى مصر في عام 1752م، وكان هذا الرجل هو الدكتور فريدريك وليم هوكر F.W. Hocker، الذي أسس أول إرسالية ألمانية في القاهرة.


وقد كان من أهداف هذه الإرسالية دراسة اللغة العربية، باعتبارها الأساس الجوهري، لممارسة النشاط التنصيري بين المسلمين في مصر. وكان هوكر عند وصوله إلى القاهرة، قد استأجر منزلاً صغيراً، جعله مركزاً لممارسة نشاطه، وفتح فيه خدمة طبية، باعتبار التطبيب من الوسائل الضرورية والمهمة للعمل التنصيري في مصر. وبعد عام قضاه (هوكر) في مصر، كان الرجل قد أجاد اللغة العربية عن جدارة. وكان عليه أن يبدأ نشاطه التنصيري بين المسلمين.


وبالفعل، بدأ هوكر في عام 1756م؛ بعد أن انضم إليه منصر موارفي آخر، جاء من ألمانيا، هو جورج بيلدر G. Pilder؛ وأخذ يعرض عقيدته على المترددين على داره، التي جعلها مركزاً طبياً وتنصيرياً. وفى عام 1757 انضم إليهما، منصر موارفي ثالث، وفد من ألمانيا، هو هنري كوسارت. H Cossort، وأخذت الإرسالية الألمانية، تمارس نشاطها التنصيري، تحت ستار التطبيب، في القاهرة وبني سويف. غير أن بيلدر قرر فجأة، في عام 1759م، العودة إلى بلاده. بعد أن تعرضت حياته للخطر، في حادثة كان أحد طرفيها، بعض المسلمين من أعيان منطقة البهنسا، القريبة من بني سويف!!


أما هوكر وكوسارت؛ فبقيا وحدهما في القاهرة، وأخذا يعملان في مهنة التطبيب، ومن خلالها كانا يعظان المترددين عليهما، لكن كانا على حذر ويقظة، ومع ذلك فقد افتضح أمرهما، وتعرضا لمتاعب كثيرة من جانب الشبان المسلمين، فقررا الرحيل عن مصر في عام 1761م، وسافرا معاً إلى أوروبا، بلا عودة.


ومنذ ذلك التاريخ، توقف نشاط الإرسالية الألمانية اللوثرية المورافية، في مصر، لمدة سبع سنوات. حتى كان عام 1768م عندما جاء المنصر جون هنري دانك J.H. Danke، وتوجه على الفور، إلى منطقة البهنسا، لمواصلة نشاط زميله السابق المنصر بيلد، الذي كاد يلقى حتفه هناك.


وفى عام 1770م وصل إلى القاهرة، المنصر جون آنتس J. Antes، ولكنه مكث في القاهرة، يمارس نشاطه، بمعاونة بعض الأقباط المصريين، الذين كانوا على صلات وثيقة بالمنصر الألماني هوكر، وفي الوقت نفسه، كان دانك هو الآخر، قد أخذ يتودد إلى الناس في البهنسا، ونجح في جذب لفيف من أقباط المنطقة، بذكائه الحاد، وشخصيته الرقيقة المهذبة، وبدأ يمارس نشاطه التنصيري هناك. وكادت إرساليته تلقى رواجاً بين المسلمين في (البهنسا)، لكن المرض الذي أصابه هناك، جعله يترك (البهنسا) إلى القاهرة، في يوليو عام 1772م، وبعد شهور قليلة، رجع ـ هو الآخر ـ إلى بلاده، بلا عودة.


وفى عام 1772م، وصل إلى القاهرة، المنصر جورج هنري وينجر Wieniger J.H، لينضم إلى جون آنتس ويؤسسا معاً خدمة طبية، بالقاهرة. ولكن نشاطهما التنصيري كان محدوداً للغاية، لعدم إقبال الناس على خدمتهم الطبية. لذلك قرر السنودس العام للكنيسة المشيخية "المصلحة"في الشمال الأمريكي، وقف النشاط التنصيري الألماني المورافي، في مصر عام 1772م. لتتولى هي بمعرفتها- أي الكنيسة المشيخية الأمريكية ـ العمل التنصيري في مصر. والذي تقرر أمره في اجتماع السنودس العام، يوم 21 مايو عام 1853م، عندما تقرر ذهاب بعض المنصرين الأمريكيين من سوريه إلى مصر.



4. وصول الإرسالية الإنجليزية إلى مصر (1819م)


كان أول اتصال بين الإرساليات الإنجليزية، وبين مصر في أعقاب هزيمة نابليون بونابرت في المعركة الشهيرة ووترلو، بأوروبا. يقول تقرير أول إرسالية إنجليزية: "إنه بعد سقوط نابليون أصبح البحر المتوسط مفتوحاً للنشاط التبشيري. وخلال أقل من ثلاثة شهور، بعد معركة ووترلو، كان القس جويت في طريقه إلى مالطة، ليزور قادة الكنائس اليونانية، والأرمنية والقبطية والمارونية، بقصد نشر التعليم وتداول الكتاب المقدس". وبالفعل وصل المنصر وليم جويت W. Jowett.، إلى مصر في عام 1819م، موفداً من جانب جمعية إرساليات الكنيسة الإنجليزية.


وقد قضى جويت في مصر، بضعة أشهر خلال عامي 1819/1820م، ثم في عام 1823م؛ وخلال هذه الفترة، تعلم اللغة العربية، وأجادها. وأخذ يتصل ببعض الأقباط المصريين، الذين سهلوا له مهمته التنصيرية. فأخذ يمارس نشاطه التنصيري، بتوزيع منشوراته، باللغة العربية، والتي كانت تدعو إلى الدخول في المسيحية، والتي كانت تحت عنوان البشائر الأربع. وهذا المنصر الإنجليزي الخطير، كان له دور فعّال جداً، في نجاح الحركة التنصيرية عامة في مصر. فقد أسس هذا المنصر، وأنشأ مجلة "الشرق والغرب" ـ لسان حال كل الإرساليات التنصيرية في مصر والشرق الإسلامي ـ ومستشفى (هرمل) في منطقة مصر القديمة، هذا المستشفى، الذي تحول إلى مركز تنصيري في مصر أيضاً!!


ويقول التقرير السابق نفسه: "وفي عام 1825م وصل إلى مصر خمسة مُرْسَلين. وقد مكنت الامتيازات الأجنبية، الإرسالية الإنجليزية من الانتشار بسرعة، وممارسة نشاطها التنصيري، تحت ستار "إنها من الكنائس، وإجراء التعديلات الداخلية فيها، وإعادة تعليم الأكليروس". لقد كان هؤلاء الخمسة، هم النواة الأولى، لتأسيس الإرسالية الإنجليزية في مصر.


ويروي توفيق حبيب ـ في هذا الصدد ـ "في أوائل القرن الماضي، أنه حضر إلى مصر خمسة من رجال الكنيسة الإنجليزية، للوعظ و التبشير". بينما يذكر آخرون: "أن هؤلاء الخمسة، كانوا ألماناً من معهد بازل، وهم صموئيل جوبات S. Gobat، وهو من أصل سويسري، وعمل لمدة 23 سنة في مصر والحبشة ومالطة، وخلال هذه الفترة أجاد اللغة العربية، لكنه توفي في عام 1879م، "وهو الوحيد الذي بقي من الخمسة الإنجليز، الذين غادروا البلاد عائدين إلى بلادهم، الواحد بعد الآخر، وقد سكن ليدر بمنطقة (الدرب الواسع ـ في القاهرة" ثيودور مولر.The Muller، ووليم كرواس W. Kurse، وكريستيان كوجلر Ch. Kugler.


وكان لأعضاء هذه الإرسالية، مقر دائم بالقاهرة. ويروي توفيق حبيب، "أن الأسقف جويت ذكر، أنه كانت لهم دار في ميدان الأزهار الفلكي للمساجلات الأدبية والبحث في العقائد، لم تلبث أن عطلت نتيجة لما كان يقع في بعض اجتماعاتهم من مشاغبات". وبطبيعة الحال، لم يكن هذا المقر، كما ذكر توفيق حبيب على لسان، جويت يقوم بهذه المهمة فقط، وإنما كان مركزاً تنصيرياً على درجة عالية من الخطورة. وقد ظهرت آثاره فيما بعد، في عام 1932 ـ 1933م.


على أي حال، أجمعت المصادر على أن مراكز التنصير الأجنبية، بدأت عملها في جزيرة مالطة، في أواخر القرن السادس عشر، واعتبرت الجزيرة قاعدة هجوم على مصر والشرق الإسلامي كله.


وأخذ نشاط المنصرين الإنجليز، يظهر بشكل ملفت للنظر في مصر، منذ أن لجؤوا إلى فتح المدارس، باعتبارها من أفضل الوسائل الإيجابية في العمل التنصيري، لجعلها مراكز لعملهم، إذ ينجذب إليها الناس. وإن كانوا قد بدؤوا بعملهم الجاد، بين الأقليات الدينية، وراحوا يركزون نشاطهم في البداية بين اليهود، فإن ذلك الأمر، لا يعدو أن يكون من جانب المنصرين الإنجليز، محاولة لجس النبض، ثم التحول إلى الهدف المنشود، وهو العمل بين المسلمين لتنصيرهم. وهذا هو الذي حدث بالفعل فيما بعد !!


وقد أنشأت جمعية إرساليات الكنائس الإنجليزية، ثلاث مدارس في مصر، خلال الفترة من عام 1839 ـ 1840م، كما فتح المنصر الإنجليزي آل ويسليان، مدرسة، أخرى في القاهرة. وأمام هذه الموجة من فتح المدارس التابعة للإرساليات الإنجليزية، توهم البعض، أن التعليم في مصر، كان يسير بخطى إيجابية، غير أنه بعد قبول اتفاقية لندن 1840م، كان التعليم الحكومي الوطني، ينهار بصورة ملحوظة. وقد استمر هذا التدهور حتى أوائل الستينيات من القرن التاسع عشر.


ومع انكماش التعليم الحكومي الوطني، انفتحت مصر على مصراعيها للمؤسسات والهيئات الأجنبية، لإنشاء مدارسها، مما ساعد على نشر الثقافة الغربية المسيحية بين أبناء المسلمين؛ وهذا ما كان يسهل مهمة الإرساليات التنصيرية. وفي عام 1842ـ1843م، أنشأت الإرساليات الإنجليزية في مصر، معهداً لاهوتيّاً، لتعليم كهنة الأقباط المصريين، الذين انساقوا وراء العملية التنصيرية، وليكون هذا المعهد بمثابة المركز العام، لتخريج الكوادر التنصيرية المحلية في مصر.


ولقد حاولت الإرسالية الإنجليزية، الحصول على قطعة أرض من الخديوي سعيد 1854 – 1863م، غير أنها لم توفق في ذلك، وكانت الإرسالية تنوي تشييد كنيسة ومدرسة عليها. لكن الحلم تحقق فيما بعد، عندما أصدر الخديوي إسماعيل 1863 – 1879م أوامره، في عام 1864م، لمحافظ القاهرة، بوهب قطعة أرض مساحتها ثمانمائة وثلاثة أذرع وثلث ذراع مربع، لإنشاء كنيسة بروتستانتية، لرعايا إنجلترا. ومع ذلك فإن نشاط الإرسالية الإنجليزية، قد واجهته عقبات في طريقه.


فلم يلبث صراع النفوذ بين فرنسا وإنجلترا، أن ظهر في ميدان الإرساليات التنصيرية في مصر، فحاولت المدارس البروتستانتية الإنجليزية، أن تنافس المدارس الكاثوليكية الفرنسية، في نشاطها التنصيري في مصر.


وكان كان محمد على في عام 1840م قد أعطى تسهيلات وامتيازات خاصة، للمدارس الكاثوليكية الفرنسية؛ فانتشرت في طول البلاد وعرضها، من قنا إلى بورسعيد، وبجانب المدارس، ظهرت المستوصفات الفرنسية، التي تقوم، وتحت ستار التطبيب، بالتنصير بين أوساط المسلمين، وأمام تنامي النشاط التنصيري الفرنسي؛ الذي أخذ يستشري في صعيد مصر، في شكل عشرات المدارس الفرنسيسكان، ومئات المستوصفات للراهبات، ومثلها في الوجه البحري، قررت الإرسالية الإنجليزية إغلاق المعهد اللاهوتي في عام 1847م.


ومع ذلك استمر نشاط الإرسالية الإنجليزية، ولكن لم يتواصل أمام تنامي النشاط التنصيري الفرنسي. وبدأ حجم نشاط الإرسالية الإنجليزية، يتراجع ويتناقص إلى أن صدرت التعليمات من لندن، بوقف نشاط الإرسالية الإنجليزية في مصر!! وبالفعل أغلقت الإرسالية الإنجليزية، أبوابها رسمياً في عام 1862م. مع أن المنصر (جاردنر)، الذي كان من أبرز عناصرها، وأعرفهم باللغة العربية، والذي كانت له اليد الطولى في تأسيس فرع مصر لجمعية اتحاد الكنائس، وإنشاء أقسام مصرية لجمعية اتحاد الشباب المسيحية، كان لا يوافق على هذا الانسحاب، أمام النفوذ الفرنسي، والانحسار عن مصر.


وهكذا، بإغلاق أبواب الإرسالية التنصيرية الإنجليزية، أصبحت المحاولات التنصيرية الإنجليزية، بعيدة عن عملها في مصر، إلى أن عادت، مرة أخرى، في عام 1882م، تحت رايات جيش الاحتلال البريطاني، وفي أعقاب جنوده؛ لتعمل بحرية تامة، ودون قيود، وبلا منافسة فرنسية!!.

يتبع إن شاء الله...




أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12268
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 12/01/12, 11:16 pm

سادساً: النشاط التنصيري في مصر من الإرسالية الفرنسية حتى الإرسالية الهولندية


1. الإرسالية الفرنسية


تعود جهود الإرساليات التنصيرية الفرنسية، للعمل في مصر، إلى بداية العمل الاستشراقي، حيث كانت اهتمامات فرنسا، بدراسة اللغة العربية، "بوصفها لغة عالمية تفيد في التعامل مع المصريين، والمغاربة والسوريين والأتراك، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس.


والذي لا جدال فيه أن التنصير يتفق تماماً مع الاستشراق، ولذلك تجب معرفة لغات من يراد تنصيرهم. وقد كان هناك اقتناع تام لدى دعاة التنصير الفرنسيين، منذ القرن الثالث عشر؛ بضرورة تعلم لغات المسلمين، إذا أريد لمحاولات تنصير المسلمين أن تؤتي ثمارها بنجاح. ولم يكن من السهل ـ في أي وقت من الأوقات ـ فصل الاستشراق عن التنصير، فهما وجهان لعملة واحدة !!


وقد كان من بين الدعاة الفرنسيين، المتحمسين، الذين طالبوا بضرورة تعلم لغات المسلمين لغرض التنصير، (روجر بيكون 1214 ـ 1294م)، حيث كان يرى هذا الرجل، "أن التنصير هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها توسيع رقعة العالم المسيحي".
كما كان يرى، ضرورة معرفة اللغات الضرورية لبلوغ هذه الغاية. وقد شارك بيكون في أفكاره (رايموند لول 1235م ـ 1316م)، الذي كان هدفه التنصير، عن طريق إقناع المسلمين بلغتهم، ببطلان الإسلام واجتذابهم إلى الدين النصراني.


ولقد صادق مجمع فينا الكنسي في عام 1312م، على أفكار بيكون ولول، بشأن تعلم اللغات الإسلامية، وتمت الموافقة على تعليم اللغة العربية، في خمس جامعات أوروبية مسيحية، هي جامعات باريس، وأكسفورد وبولونيا، وسلمنكا، وجامعة المدينة البابوية روما. وكلها، بطبيعة الحال، مراكز تنصيرية خطيرة في العالم ـ في ذلك الوقت ـ وعند هذا الأمر، كان رايموند لول، "يعتقد أن الوقت قد حان لإخضاع المسلمين عن طريق التنصير، وبذلك تزول العقبة الكبرى، التي تقف في سبيل تحويل الإنسانية كلها إلى العقيدة الكاثوليكية".


وبدأت فرنسا تستعد لبدء عملها التنصيري في مصر، عندما أنشأت في عام 1539م، أول كرسي للغة العربية في الكوليج دي فرانس بباريس. وقد شغل هذا الكرسي جيوم بوستل، الذي زار مصر والشرق الإسلامي، في عام 1581م؛ حيث قام بجمع مجموعة مهمة من المخطوطات الإسلامية. وبذلك يعد جيوم بوستل أول المنصرين الفرنسيين، الذين وفدوا إلى مصر والشرق الإسلامي، إذ له جهود ملحوظة في هذا المجال.


وعند منتصف القرن الثامن عشر، قامت الحكومة الفرنسية؛ بإنشاء مدرسة اللغات الشرقية الحية، في مارس 1795م، في محاولة جادة من جانب فرنسا، التي كانت تعد نفسها كبرى بنات الكنيسة الكاثوليكية، لإعداد الكوادر اللازمة لحركة التنصير الفرنسية، وفي الوقت نفسه، تقريبا، كانت مصر قد لفتت أنظار فرنسا والعالم الأوروبي المسيحي، خاصة بعد أن خرجت من عزلتها السياسية والفكرية، وأخذت توفد بعثاتها التعليمية إلى الخارج، وبصفة خاصة إلى باريس، وبطبيعة الحال، أخذ العالم الغربي المسيحي، يضاعف من عدد بعثاته الدينية والثقافية والاقتصادية إلى مصر، التي كانت ترحب بكل هؤلاء الوافدين ـ تحت ضغط الامتيازات الأجنبية ـ ومع هؤلاء الوافدين، الذين كان في مقدمتهم الفرنسيون، جاء إلى مصر لفيف من رجال الإرساليات التنصيرية، "إلى حقل جديد، يعد خصباً لنشاطهم".


ولما كانت فرنسا تعد نفسها كبرى بنات الكنيسة الكاثوليكية، حملت على عاتقها مهمة نشر المسيحية في الشرق الإسلامي؛ وكانت البداية في مصر. فعندما وصلت الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية، في 28 يونيه عام 1798م، كانت برفقتها مجموعة من العلماء، بلغ عددهم 175 عالماً، كان من بينهم أعضاء بعض الهيئات المهتمة بالدراسات الخاصة بما وراء البحار، وعدد من المستشرقين، الذين درسوا اللغة العربية، في مدرسة اللغات الشرقية الحية، بباريس؛ لوضع أسس أول إرسالية تنصيرية فرنسية في مصر.


وكان بابوات روما، قد حاولوا إخضاع الكنيسة القبطية في مصر، وإجبارها على الاعتراف برياستهم، وذلك بما أرسلوا من راهبات فرنسيسكان إلى مصر، حتى قبيل الحملة الفرنسية، وتوغلوا في الصعيد، حيث يكثر الأقباط. وبلغ بهم الأمر أن كان الفرنسيسكان يمسكون بالأطفال المسلمين ويرسلونهم إلى روما لتعليمهم المسيحية الكاثوليكية.


على كل حال… كان بين هؤلاء المستشرقين الفرنسيين، الذين وفدوا مع الحملة إلى مصر، مارسيل، الذي قام بالإشراف على إحدى المطبعتين، وقام هذا الرجل بدراسة الشعر العربي، في القاهرة. وقد ضبط هذا المستعرب، في أثناء ثورة القاهرة في أكتوبر 1798م، ضد الوجود العسكري الفرنسي، بسرقة مخطوط رائع للقرآن الكريم، يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر، من خزائن الجامع الأزهر. هكذا كان نشاط أول مجموعة فرنسية تنصيرية، جاءت تحت ستار الاستشراق.


المهم، أنه منذ ذلك التاريخ، غدت فرنسا في مصر، أفضل تمثيلاً قنصلياً ودبلوماسياً من غيرها من الدول الأجنبية الأخرى. فكان لها قنصل عام يسكن القاهرة، وقنصليتان في ثغري الإسكندرية ورشيد؛ بينما كان لإنجلترا قنصلية واحدة فقط في القاهرة.


وكان أول اتصال حكومي بين إرساليات التنصير الفرنسية وبين مصر، في عهد محمد علي 1805 ـ 1848م؛ فعندما زار الأب إتين Etienne pere، الرئيس العام للعازريين في سورية، مصر على رأس بعثة تبشيرية في عام 1840. عرض عليه محمد علي، إنشاء بعض المدارس، في محاولة لتطوير التعليم في عهده، وبطبيعة الحال، وجدها المنصر إتين فرصة ذهبية، فاستجاب على الفور لطلب محمد علي، من ناحية، ولرغبات الإرسالية الفرنسية، التي كانت ترى ضرورة إقامة مراكز تبشيرية في الأقاليم المصرية. وأخذ المنصر الفرنسي يتوسع في إقامة المدارس الكاثوليكية الفرنسية، لتكون مدخلاً طبيعياً ومنطقياً للعمل التنصيري في مصر.


وقد أنشأت الإرسالية الفرنسية، أول ثلاث مدارس كاثوليكية فرنسية في عهد محمد علي، هي: مدرسة الراعي الصالح بون باستور للبنات في القاهرة عام 1845، ومدرسة فتيان الإحسان في العام نفسه، ثم مدرسة اللعازريين في عام 1846.


ومع هذه المدارس، أخذت عملية التعاون، تأخذ طريقها إلى مدن الصعيد وقراه، بين الرهبان والراهبات الفرنسيسكان، الذين مارسوا نشاطاً تنصيرياً خطيراً، تحت ستار التطبيب، وحتى وقت قريب جداّ، كانت مدن الصعيد، لا تخلو من مركز طبي يعمل فيه الرهبان والراهبات الفرنسيسكان، وامتد هذا النشاط إلى بقية مدن الوجه البحري وقراه.


ولم يلبث أن ظهر صراع النفوذ بين فرنسا وإنجلترا ـ كما قلنا ـ في ميدان الإرساليات التنصيرية، فحاولت جمعية إرساليات الكنائس الإنجليزية، أن تنافس الانتشار التنصيري الفرنسي في مدن مصر وقراها، بفتح عدد من المدارس، ولكن كانت الغلبة للفرنسيين، الذين كانوا قد انتشروا في البلاد، من خلال مدارسهم ومراكزهم الطبية، يمارسون من خلالها التنصير بين المسلمين.


وعندما تولى عباس الأول، ولاية مصر 1848 ـ 1854م، كان شديد الكره للأجانب، وقد يعزى هذا إلى شدة حقده عليهم؛ وقد شاهد بنفسه أنهم حطموا آمال جده محمد علي الواسعة، وحرموه ثمرة انتصاراته وتضحياته. وكان عباس يعتقد أن معظم أولئك الأجانب الذين وفدوا إلى مصر، لم يكونوا إلا من أحط الأوساط؛ ولذلك كان يعمل على طردهم بكل الطرق، من البلاد، ثم جعل نفسه بمعزل عنهم، لا يقابل إلا عدداً محدوداً من قناصل الدول الأوروبية، مما جعل الكثيرين، منهم يذمونه ويرمونه بالتعصب!!


ولذلك لم تمارس الإرساليات الفرنسية الكاثوليكية، أي نشاطات تنصيرية ملحوظة على عهد عباس الأول، بسبب عداوته للأجانب عموماً، وإنما راحت في الوقت نفسه، تنشئ المدارس، متذرعة بالمساهمة في تنمية الحركة التعليمية في مصر. وأخذت الإرسالية الفرنسية تتوغل أكثر وأكثر، في صعيد مصر.


ونجحت هذه الإرسالية بالتعاون مع الرهبان الفرنسيسكان، في عام 1850م في افتتاح مدرسة للآباء الفرنسيسكان في منطقة نقادة وبعد ثلاثة أعوام، واصلت نجاحها، وأنشأت مدرسة أخرى في جرجا في عام 1853. وبعد هذا التمركز المتعمد في جنوب البلاد، توجهت جهود الإرسالية الفرنسية إلى الوجه البحري.


وأخذت تكثف جهودها في بورسعيد، فأنشأت فيها مدرسة الراعي الصالح الداخلية في عام 1853م، ثم أضافت نهاية عهد عباس الأول مدرسة الفرير عام 1854م، في القاهرة. وكانت مدرسة كاثوليكية فرنسية خطيرة، وقعت فيها عدة حوادث تنصير لصبية من أبناء المسلمين.


وكانت حكومة فرنسا، تساند، وبصفة مباشرة، جهود الإرسالية التنصيرية في مصر، وكانت حكومة جيزو الفرنسية، تسبغ عطفها المعنوي والمادي على كل العاملين في هذه المدارس الفرنسية بمصر.


2. عهد محمد سعيد (1854 ـ 1863) وموقفه من النشاط التنصيري


وعندما اغتيل عباس الأول في قصره بمدينة بنها، وخلفه عمه محمد سعيد، الذي حكم من 1854 ـ 1863، قيل إن الأجانب الفرنسيين، كانت لهم يد في مقتله. على أي حال. عندما تولى محمد سعيد الحكم في 12 يوليه 1854، انتهج سياسة مع الأجانب، كانت على عكس سياسة عباس الأول؛ فكان سعيد يميل إلى عشرة الأجانب، ويكرم مثواهم، ويحسن وفادتهم. وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن سعيداً تربى تربية فرنسية؛ لذلك كثر توافدهم إلى البلاد في عهده، وكثر اختلاطهم بأفراد الشعب.


وبطبيعة الحال، تزايد نشاط المنصرين عامة، والفرنسيين منهم، بصفة خاصة، لأن سياسة سعيد، قد فتحت الباب أمام مزيد من المنصرين الفرنسيين. وكان قيام مدارس الإرساليات الأجنبية، يمثل أكبر ظاهرة سائدة في السياسة التعليمية في مصر، في ذلك العهد، ولم يحاول سعيد، الذي كان منفتحاً على النفوذ الفرنسي، أن يفعل شيئاً، للحد من هذه الظاهرة، بإعادته فتح المدارس الابتدائية والإعدادية الحكومية، مفضلاً ترك هذه المهمة لإرسالية التنصير الأجنبية. وبذلك يكون الخديوي محمد سعيد قد أسدى للإرساليات التنصيرية الأجنبية خدمة جليلة، وهي منحهم حرية فتح مراكز التنصير في البلاد، بلا رقابة حكومية.


ويقول أحد المنصرين عن سعيد: "إن الأجانب مدينون بالكثير لحكم سعيد باشا، حيث وضعت الإرساليات التبشيرية في أثناء عهده، أسس عملها، تلك الأسس التي لم يكن من المستطاع، بعد ذلك، هدمها بواسطة أشد المقاومات عنفاً من جانب الحكام المدنيين والدينيين مجتمعين". ويبدو أن هذا المنصر، كان يغفل جانب القوى الشعبية الإسلامية، والتي ستقاوم هذه الإرساليات أشد المقاومة فيما بعد !!


على أي حال، كان سعيد قد أغدق العطف المعنوي والمادي، على المنصرين في مصر بغباء. وإن كان البعض يعتقد، أن هذا العطف جاء من جانبه من دون قصد؛ المهم أنه منحهم الكثير من الامتيازات التي كانوا لا يحلمون بمثلها على الإطلاق. ويتحدث أحد هؤلاء المنصرين عن "الكرم الذي أظهره سعيد حيال المدارس التنصيرية الأوروبية، التي لولا المساعدات الأميرية، التي كان يقدمها إليها، ما استمرت"، في القيام بمهمتها ضد الإسلام والمسلمين في مصر.


ويصف آخر سعيداً؛ "بأنه القديس الحامي للإرساليات، وبصفة خاصة الإرسالية الأمريكية". ويقرر ثالث؛ أنه، بغض النظر عن المباني الحكومية، التي تنازل عنها سعيد، للإرساليات التنصيرية، فإن المبالغ المالية التي وهبها لمدارس الفرير بالقاهرة، ومدارس الإيطاليين الرهبان بالإسكندرية، كانت على الأرجح تفوق ما تم صرفه على ميزانية التعليم الحكومي العمومي خلال فترة حكمه الطويلة".


والحقيقة أن سعيد لم يكن وحده، هو الذي قدم الخدمات إلى الإرساليات، وإنما فعل ذلك أيضاً، رجال الأعمال، وأصحاب المهن، من الأجانب. والإرساليات التنصيرية مدينة لكل هؤلاء، لما كانوا يزودونهم به من المشورات والنصائح. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فقد اقترح هؤلاء، أصحاب الأعمال الأجانب، "أن تتقدم الإرساليات الأجنبية بطلبات إلى الخديوي سعيد ليمنحها منزلاً أو قطعة أرض تشيد عليها مقراً دائماً لها في مصر". وكان هذا الاقتراح بداية تملك الإرساليات أراضي أو عقارات بمعاونة الحكومة أو السلطة في مصر.


وبالفعل، وافق سعيد على إهداء مقر دائم، لبيت الأخوات الفرنسيسكان في القاهرة، عام 1859م. وسمح، كذلك، للإرسالية الفرنسية، خلال الفترة من 1855 ـ 1863م، بإنشاء عشر مدارس للفرنسيسكان في الوجه القبلي والوجه البحري، وامتدت هذه المدارس من قنا إلى بور سعيد وأغدق عليها بلا حساب!!


وقد راوح عدد المدارس الأجنبية التنصيرية، الأولية والإعدادية في عام 1863م ـ نهاية عهد سعيد ـ بين 32 و 37 مدرسة، منها ثلاث مدارس غير دينية. ويقدم سعيد ـ كذلك ـ منحاً مالية وعينية سخية للكنائس التابعة للإرساليات التنصيرية، جميعها. وإن كان قد خص الإرسالية الفرنسية، فإنه كان لا يقبل التنافس بين الإرساليات. الطريف أن البعض، راح يدعي "بأن سعيداً، كان يستهجن التعصب والاضطهاد الديني في كثير من الأحيان" كيف لا… وهو ربيب الثقافة الفرنسية!!


لقد كان سعيد فرنسياً في كل سلوكه، فقد شجع الفرنسيين فانسون بنامسون Vincent Penasson وأنطون موريس Antoine Morice، بالأموال اللازمة من أجل إنشاء مطابع، بدعوى إثراء النهضة الفكرية. وإنما كان هدفه الأول والأخير، خدمة الحركة التنصيرية الفرنسية، بصفة خاصة، والإرساليات الأجنبية الأخرى، بصفة عامة.


فأنشأ (فانسون) مطبعته في عام 1858م بالقاهرة، لخدمة المنصرين ونشاطهم في هذه العاصمة، والوجه القبلي. وأنشأ (أنطون موريس) مطبعته في عام 1860م بالإسكندرية، لخدمة نشاط الإرساليات التنصيرية، في الوجه البحري، وإن كانت هاتان المطبعتان تقومان بطبع الكتب المدرسية الفرنسية، التي كانت تطلبها مدارس الإرسالية الكاثوليكية، فإنها في الوقت نفسه، كانت تسمح بطبع ما ترغب فيه الإرساليات عامة، من مادة علمية ودينية، بقصد زعزعة التلاميذ في عقيدتهم الإسلامية.


وبطبيعة الحال، كان كل هذا يحدث بعيداً عن مراقبة الحكومة والسلطات المصرية. إنها ثمار إنعامات الخديوي سعيد!!


ولم يقتصر عطاء الخديوي سعيد على هذا فقط، وإنما امتد إلى مزيد من دعم نشاط الإرساليات الفرنسية، "باستعانته بالمسيحيين الفرنسيين، الذين كانت تشكلهم وتوجههم الإرساليات الكاثوليكية". فقد استخدمهم مستشارين له، في أدق الأمور.


وفوق كل ذلك؛ فإن سعيداً قد اتخذ في عام 1860م كل الاحتياطات اللازمة، لحماية المنصرين الفرنسيين والأجانب في مصر، بسبب المذابح التي حدثت بين الموارنة والدروز في جبل لبنان وسورية، مما أدى إلى التجاء حوالي خمسة آلاف مسيحي من أقاليم الشام إلى الإسكندرية. معظمهم دخل في حماية الإرساليات التنصيرية الأجنبية.


هكذا كانت الإرساليات الفرنسية، تمارس نشاطها التنصيري، بحماية والي مصر سعيد. لقد كانت تلك الفترة، تمثل قمة حملات الإرساليات التنصيرية الكاثوليكية والبروتستانتية على مصر، كما أن المسيحيين الأجانب، وبعض المصريين يدينون لسعيد، باندماجهم الكامل في جسد الأمة المصرية الإسلامية، وليس كما يدعي البعض: "أن هدف البعثات التبشيرية كان تحويل الأقباط المصريين إلى الكاثوليكية والبروتستانتية".


وإذا كان عهد سعيد قد وضعت خلاله الإرساليات التنصيرية الأجنبية، أسس عملها الهدام ضد الإسلام والمسلمين المصريين؛ فإن عهد خليفته إسماعيل باشا 1863-1879م، قد تم خلاله تتويج كل هذه الأسس، وتلك الرعاية التي حظيت بها الإرساليات في عهد سلفه، وسوف نعرض لذلك عند الحديث عن الإرساليات الأمريكية.


ويتوج كل هذه الرعاية للإرساليات التنصيرية، تنصيب إسماعيل أكبر أبنائه، وولي عهده محمد توفيق راعياً للمدارس الحرة المجانية، التي كانت تدار بواسطة الإرساليات، بطبيعة الحال، وإيفاده في كثير من الأوقات لحضور احتفالات توزيع الجوائز في بعض مدارس الإرساليات الأجنبية بالإسكندرية.


لقد كان للامتيازات الأجنبية، والمنح والهبات التي أعطاها ولاة وحكام مصر ـ بلا حدود وبغباء ـ للأجانب وإرسالياتهم التنصيرية، نتائجها المباشرة على الإسلام والمسلمين في مصر، وعلى تكوين الفكر المصري، حتى اليوم.


فقد بذل هؤلاء الحكام جهوداً كبيرة، في سبيل إرضاء الإرساليات الأجنبية، وتشجيع رعاياها. وكان من مظاهر هذا التشجيع تلك المدارس الأجنبية، التي كانت مراكز تنصيرية خطيرة.


لقد كان اعتقاد هؤلاء الحكام المصريين، والحكومات المتعاقبة، أن عمل البعثات التبشيرية هو السعي إلى نشر الحضارة بين أهالي مدن القطر المصري وقراه في جنوبه وشماله، أكثر مما هو محاولة تحويل المسلمين في هذه المناطق ـ الصعيد بالذات ـ إلى المسيحية، ونشرها بينهم" ومن هنا كان الحكام والحكومات المتعاقبة، يتوقعون أن تهتم الإرساليات الأجنبية التنصيرية، بالعمل الاجتماعي والتربوي أكثر من اهتمامها بالعمل على تحويل المسلمين إلى المسيحية واعتناقها.


غير أن الإرساليات الأجنبية، جعلت من هذه المهمة الأخيرة، هدفها الرئيسي، من دون أن تقلل من اهتمامها بالتعليم، باعتباره واجهة تخفي وراءها هدفها الخطير. فقد كان إنشاء الكنائس الجديدة في مصر، يسير إلى جنب المدارس دائماً، وفى أغلب الأحيان كان يضمهما مبنى واحد.


مما سبق عرضه، يتضح مدى الرعاية، التي كانت تتلقاها الإرسالية الفرنسية التنصيرية، وغيرها من الإرساليات الأخرى، من جانب ولاة الأمور، وحجم التشجيع الذي كانت تحاط به، ومدى الحرص على تجنب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى حدوث اضطهاد أحد رعاياها.


وبطبيعة الحال، كانت نتائج هذه السياسة اللينة المتسامحة، إلى درجة الإفراط، أن تزايدت أعداد مراكز التنصير الأجنبية في البلاد، وأخذ نشاطها الهدام ضد الإسلام والمسلمين، يستشري في المدن الكبرى، وغالبية القرى والنجوع المصرية في جنوب القطر، وشماله.


3. جهود الإرسالية الأمريكية (بداية النشاط التنصيري الأمريكي في الدولة العثمانية)


يعود اهتمام الولايات المتحدة؛ بممارسة النشاط التنصيري ـ تحت ستار التعليم ـ في البلاد العربية، وبلدان الشرق الأقصى، بصفة عامة، إلى الوقت الذي نزعت فيه الحركة التعليمية في الولايات المتحدة إلى عدم الاستقرار داخل حدودها.


وأخذت تتجاوزها إلى المناطق التي لم تتهيأ لها الفرصة، للأخذ بأساليب الحضارة الحديثة، وإنشاء نظم تعليمية خاصة بها، كالصين واليابان والهند، وبلدان الشرق الأدنى. غير أن هذه الحركة الأمريكية التعليمية، التي قام بها المبشرون، على اختلاف صورهم من كاثوليك وبروتستانت، اتخذت "صبغة دينية"، هدفها محاربة الإسلام في كل هذه المناطق، التي انتشر فيها الإسلام سريعاً، وأصبح حقيقة قائمة في الحياة اليومية، فلفت بقوته أنظار رجالات اللاهوت الأمريكيين.


وجاء بدء الاهتمام في الربع الأول من القرن التاسع عشر، عندما استقر رأي اللجنة الأمريكية للإرساليات الأجنبية للكنيسة المذهبية الموحدة American Board of Commissioners for foreign missions of the congregational church على إقامة مركز تبشيري في الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تضم في ذلك الوقت، 35 مليون مسلم، وتشغل مساحة ضخمة، تمتد عبر قارات ثلاث، وتحتل مكانة متميزة لتزعمها العالم الإسلامي. ويحلو للبعض أن يطلق على هذه اللجنة الأمريكية التنصيرية، اسم المجلس الأمريكي لمندوبي البعثات التنصيرية الأجنبية.


على كل حال تجمع المصادر على أن هذه اللجنة الأمريكية التنصيرية، تأسست في عام 1810م بمدينة بوسطن، وبعد تسع سنوات من تأسيسها أرسلت أول منصريها إلى منطقة الشرق الأدنى، واتخذ من جزيرة مالطة مركزاً له، ثم بدأ التجول في شاطئ البحر المتوسط.


وذهب بعض المنصرين الأمريكيين إلى القدس، ثم انتقل نشاطهم التنصيري إلى بيروت، حيث التركيب الطائفي، الذي يميز تلك المنطقة، والذي هو المنطلق الخصيب لحركة التنصير الأمريكية، وأهم المناطق مرتكزاً للتدخل الأجنبي، وفيها ظهرت حركة التنافس الشديد بين الإرساليات الأجنبية التنصيرية.


ففي نهاية عام 1818م كلفت اللجنة الأمريكية للإرساليات، كلاً من؛ ليفي برسونز Levi parsons وبليني فيسك pliny Fisx، مهمة إقامة أول مركز تنصيري أمريكي في الشرق الأدنى. وأبحر الرجلان، في 3 نوفمبر 1818م، من بوسطن، على ظهر المركب الأمريكي سالي آن Sally Ann، قاصدين جزيرة مالطة في البحر المتوسط، إذ أقيم فيها أول مركز تبشيري عرف باسم الإرسالية الفلسطينية Palestine Mission، وكانوا قد أسسوا هذه الإرسالية في 23 ديسمبر عام 1819م.


ولكن سرعان ما دعت إستراتيجية التنصير الأمريكي، إلى مزاولة نشاطها في بر الشام نفسه، فصدرت الأوامر، في عام 1820م، للرجلين نفسيهما، بالإبحار إلى أزمير في 9 يناير 1820م، فوصلاها في 15 يناير من العام ذاته. وتوجها بعد ذلك إلى بيروت، التي كانت مدينة على درجة عالية من الأهمية، لنشاطهم، حيث التعدد الطائفي فيها، ولوقوعها في وسط العالم العربي، ويمكن نشر النشاط التبشيري منها إلى كل أنحاء الأقاليم الناطقة بالضاد. وقد استقر الرجلان فيها.


ولما كانت فلسطين هي الهدف الأول، لإستراتيجية التنصير الأمريكي؛ فقد تم فتح أول مقر للإرسالية الأمريكية في بيت المقدس عام 1823م. غير أن هذه الإرسالية، واجهت العديد من المصاعب والعقبات في أثناء ممارسة نشاطها التنصيري هناك، فاضطرت إلى إغلاق أبوابها في عام 1827م.


ولكن الإستراتيجية الأمريكية للتنصير لم تتقاعس، وأخذت تسعى جاهدة لإنشاء مراكز تنصيرية جديدة، في سورية عام 1825م، وفى أزمير عام 1828م. غير أن اضطراب الأحوال الداخلية في الدولة العثمانية، بسبب ثورة اليونان ضد السلطان العثماني، وإثارة النزاع بين والي مصر محمد علي وبين السلطان العثماني بشأن الاستقلال، أدى إلى إغلاق كل هذه المراكز التنصيرية الأمريكية في عام 1830م.


ولكن بعد أن توصلت حكومة الولايات المتحدة إلى عقد اتفاق ودي تجاري، مع الدولة العثمانية في عام 1830م، أعيد فتح المركز الأمريكي التنصيري في بيروت عام 1831م. وهو العام الذي امتاز ببدء مرحلة جديدة، في إستراتيجية التنصير الأمريكي، تجاه الدولة العثمانية، إذ أعيد فتح المركز التبشيري في أزمير، بعد ذلك، في عام 1833م. ونشطت بعد ذلك أعمال الإرسالية الأمريكية، فأنشئت مراكز تبشيرية أخرى، في طرابزون وفى بروسه Bursa، عام 1834م، وفي كلية روبرت Robert college، عام 1863م.


وأخذت الإرسالية الأمريكية تزاول نشاطها التنصيري، بين أوساط المسلمين، بشكل ملحوظ، عندما استقر الحكم المصري في الشام على عهد محمد علي والى مصر، وبيد ابنه إبراهيم، الذي كان ينتهج سياسة التسامح الديني.


وأخذ عمل هذه الإرسالية الأمريكية طريقه إلى مجالين أساسيين: إنشاء المدارس والمعاهد البروتستانتية والكاثوليكية، وتأليف الجمعيات. وقد استعانت الإرسالية الأمريكية، في أعمالها في بيروت بتلاميذها وأصدقائها من المسيحيين، ونقلت مطبعتها من مالطة إلى بيروت في عام 1834م، لطبع الإنجيل، وترجمته إلى العربية.


وعندما أخذ نشاط الإرسالية الأمريكية في بر الشام يتزايد، كان نشاط الإرساليات الأخرى، في بيروت والقدس ولبنان، قد أخذ شكلاً منافساً للإرسالية الأمريكية؛ فقد اقتفى المنصرون الفرنسيون الكاثوليك، أثر البروتستانت الأمريكيين في بر الشام.


فعندما أنشأت الإرسالية الأمريكية، في بيروت الكلية السورية البروتستانتية في عام 1866م، والتي عرفت فيما بعد باسم جامعة بيروت الأمريكية، لتربي فيها الكوادر التنصيرية من كل الدول العربية الأخرى، لحمل رسالة التبشير، شرعت الإرسالية الفرنسية، في إنشاء كلية القديس يوسف الكاثوليكية في بيروت. ومن خريجي هذه الإرساليات انطلقت البعثات التنصيرية التي وفدت إلى مصر.


ولما أخذت مدارس الإرسالية الأمريكية تنتشر في أقاليم الشام، شعرت الدولة العثمانية، أن خريجي تلك المعاهد والمدارس الأمريكية، عناصر هدامة تعمل في كيان الدولة؛ واضطر السلطان العثماني إلى الاعتراف بالبروتستانتية مذهباً دينياً جديداً، في دولته، بمقتضى فرمان عام 1850م.


ويذكر ليلاند جيمس غودون؛ "ومنذ عام 1863م أخذت أعمال التبشير في الانتشار داخل أقاليم وولايات الإمبراطورية العثمانية، وبحلول عام 1869م، كان يوجد في أنحاء تركيا 21 مركزاً تبشيرياً، تضم 45 من رجال الإرساليات، يعاونهم عدد كبير من الأرمن، وإلى جانب هذه المراكز، كان يوجد ما لا يقل عن 185 مدرسة، إلى جانب الكنائس الكثيرة، التي شيدت في كل أنحاء تركيا. وسوف يمتد العمل التنصيري الأمريكي من الشام إلى مصر.


هكذا بدأت الإستراتيجية الأمريكية التنصيرية، في التمركز بالمواقع الحيوية والضرورية، لضرب الإسلام في قلب دولة الخلافة الإسلامية، الدولة العثمانية. ومن هذه المراكز الحيوية، انطلقت جيوش التنصير الأمريكية، إلى مصر، التي كانت تمثل القيادة الفكرية للعالم الإسلامي في ذلك الوقت، ولأن مصر هي مركز الثقل في العالم الإسلامي كله، وكل ما يثار فيها من تيارات إنما يكون عاملاً مؤثراً في مختلف الأجزاء.


لقد قدمت الإرساليات التنصيرية الأمريكية من لبنان إلى مصر، شخصيات حملت لواء الفكر العربي المسيحي، وقادته حيث سيطرت على وسائل الثقافة والصحافة، وكان لها أثرها بعيد المدى.


4. الإرسالية الهولندية


كانت أقل إرساليات التنصير أهمية في القطر المصري. فقد توطنت في قليوب، وضمت في مدارسها المتعددة طلاباً من كل المذاهب، ومن المسلمين. وتقوم هذه الإرسالية، بنشر الإنجيل في القرى، بواسطة بائعي الكتب. ومن أعمالها أنها أنشأت ملجأ للأيتام، كان مركزاً خطيراً لتنصير الأطفال والبنات واليتامى المسلمين. وكانت عنايتها فائقة بالأطفال المسلمين والأقباط على السواء.


وقد بدأ نشاط الإرسالية الهولندية في عام 1871م، بينما يذكر البعض: "أن بداية وفود الإرسالية الهولندية إلى مصر، كان عام 1886م، بإنشاء مدرسة ابتدائية للبنين والبنات في منطقة القناطر الخيرية. ومن داخل هذه المدرسة المشتركة، انطلقت قوافل التنصير الهولندية.


وفى عام 1874م أُسس المنصر الهولندي بنجس، ملجأ للأيتام في قليوب، كان له دور خطير في تنصير عدد من الأطفال والبنات المسلمين. وفى عام 1902 أنشأت الإرسالية الهولندية، كنيستها، أيضاً في قليوب؛ ومدرسة أخرى، وعيادة طبية. وكان أعضاء الإرسالية الهولندية في مصر، ستة أفراد فقط، هم فلينجر، وسبلينار، وبنجس، وبايل، وقد توفي في عام 1942 ودفن في قليوب، ومس كات، وصلت في عام 1930 وغادرت مصر في عام 1950، والقس كورسلمان.


وفى عام 1954 أغلقت مدارس الإرسالية الهولندية، وكذلك العيادة الطبية فيما بعد؛ بسبب عدم معرفة الأطباء الهولنديين للغة العربية.

يتبع إن شاء الله...




أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12268
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الهيئات التنصيرية وأثرها في العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 12/01/12, 11:18 pm

سابعاً: مقاومة الحركة التنصيرية في مصر


في منتصف يونيه 1933م أعلن الشيخ "مصطفى المراغي" عن تأليف جمعية لمقاومة التبشير، وكان الشيخ لا يزال غاضباً من حرمانه من مركزه شيخاً للأزهر، ولم يكن هدفه من تشكيل هذه اللجنة، ليس الحفاظ على سلطته الأدبية أمام الرأي العام فحسب، ولكن، أيضاً إحراج شيخ الأزهر "الظواهري" الذي انتقدته بعض الصحف؛ لتخاذله في موقفه ضد الإرساليات التنصيرية، وكذلك مضايقة الحكومة، وهذا ما جعل الشيخ "الظواهري" شيخ الأزهر يؤلف هو الآخر لجاناً في جميع أنحاء القطر لجمع التبرعات لمناهضة هؤلاء المبشرين، ولنشر الوعظ الديني الإسلامي بين الناس في المساجد وغيرها، ولبناء الملاجئ لإيواء الأطفال المتشردين الشاردين، ويبدو أنه حدث نوع أو شكل من التوفيق بين الشيخ "المراغي" والشيخ "الظواهري، والتقى الرجلان من أجل تحقيق غاية واحدة هي مقاومة ومحاربة التنصير، الذي عجزت عنه الحكومة.


1. الأعضاء المؤسسون


سرعان ما انضم إلى عضوية جمعية مقاومة التنصير، لفيف من رجال الدين الإسلامي، والمفكرين والمثقفين، وكثير من شباب الأزهر.


فكان من أعضاء الجمعية الدكتور "محمد حسين هيكل، وعبد الحميد سعيد، رئيس جمعيات الشبان المسلمين، ومحب الدين الخطيب، رئيس تحرير مجلة الزهراء الشهرية، ومجلة الفتح الأسبوعية، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ أحمد إبراهيم أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، وأحمد الغمراوي، ويحيى الدرديري، ومحمد علي فضلي، ومحمد الههياوي، والصفتي ومحمد عبد الوارث الصوفي، من الأزهر، ومحمد فهمي حسين عبدالوهاب، وطه عبد الباقي سرور نعيم سكرتير تحرير مجلة الإسلام والتصوف، فيما بعد، والشيخ حسن البنا، إذ كان عضواً بارزاً فيها.


والحقيقة أن وجود الشيخ "المراغي" بالجمعية قد زادها قوة في نظر الرأي العام، في ذلك الوقت، وتألفت لجان الأقاليم للجمعية، وكانت مقار هذه اللجان، غير مستقرة، وفى بعض الأقاليم كانت غير معلومة. وكانت غالبية مقار لجان الأقاليم، دوراً أو مقار الشبان المسلمين. كما كانت قيادات الجمعية في القاهرة، تجتمع في دار الشبان المسلمين.


2. أهداف الجمعية


وتمثلت أهداف الجمعية، في محاربة الإلحاد، وإرسال المبعوثين لدحض حجج المنصرين في اجتماعاتهم العامة؛ وإصدار المنشورات، التي تفضح أعمال الإرساليات التنصيرية، وحث المسلمين على مقاومة المنصرين، وتنويرهم بأساليب المنصرين الخبيثة، وجمع التبرعات المالية من القادرين، من أجل إيواء الأطفال المتشردين ببناء الملاجئ لهم والمدارس الإسلامية، لتعليم أبناء المسلمين فيها. بعيداً عن مدارس الإرساليات اللعينة.


3. مصادر تمويل الجمعية


وكانت الجمعية تستند في تمويلها إلى ذوي اليسر من أعضائها، ومؤيديها. وقد بدأ الاكتتاب الشيخ "الظواهري"، وتبرع بمائتي جنيه فتتابع العلماء جميعاً بالتبرع، ثم تبرع الأهالي بمبالغ مختلفة. وكان الأمير "عمر طوسون"، الذي كان يشمل كل جمعيات الشباب المسلمين بالرعاية، قد تبرع بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه، وقد تبرع أحد الأعيان من الصعيد بمبلغ عشرة آلاف جنيه، وهو "السيد مصطفى عمرو"، الذي كان يمتلك أربعة عشر ألف فدان، كما أوقف السيد "مصطفى عمرو"، من أملاكه، خمسمائة فدان لإنشاء ملجأ للفتيات، حتى تأوي إليه الفتيات الفقيرات اللاتي تضطرهن الحاجة إلى دخول الملاجئ الأجنبية، التابعة للإرساليات التنصيرية.


4. نشاط الجمعية وفروعها


وبدأت الجمعية في ممارسة نشاطها، فكانت منشوراتها تصف المنصرين بأنهم "ذئاب في ثياب حملان"، ووصفت نشاط الإرساليات بأنه إجرامي. وجاء في أحد هذه المنشورات "فوجئ الإسلام اليوم بعدة لطمات مخيفة وطعنات قاتلة من نواحي مختلفة، كان أشدها خطراً وأكبرها بلاءً وأعظمها مصيبة سيل التبشير، الذي تدفق علينا من ربوع الغرب، فسمم العقول، وضلل الأفئدة بنفثاته السامة، ولذعاته القاتلة، ودعايته الواسعة النطاق، التي يراد منها هدم كيانه، وتقليص مجده، وأفول نجمه، ودسوا السم في الدسم. وعلماؤنا وحكوماتنا في غيهم يعمهون وفى نومهم يغطون، إلخ"


في نهاية يونيه عام 1933م، تقدمت الجمعية بعريضة للملك فؤاد، وللقائم بأعمال رئيس الوزراء "محمد شفيق باشا"، تطالب باتخاذ الإجراءات الضرورية للسيطرة على نشاط الإرساليات التبشيرية، وتقييد حركتها بين أوساط المسلمين.


وقد ناشدت الجمعية الشعب المصري، مقاطعة كل المؤسسات والمراكز التابعة للإرساليات التنصيرية، وإن كانت في أحد منشوراتها "طلبت منهم الالتزام والهدوء". وبعد ذلك أرسلت الجمعية احتجاجا، شديد اللهجة، إلى كل ممثلي الدول الأجنبية في القاهرة، تطلب منهم أن يستخدموا نفوذهم لحل مشكلة البعثات التبشيرية من جذورها في مصر.


وعلى صفحات "السياسة"، هاجم الشيخ "المراغي"، رئيس الجمعية، الحكومات المصرية، وبعض كبار العلماء من العلمانيين، لتخاذلهم في التصدي لإرساليات التنصير. كما أن الدكتور "محمد حسين هيكل"، رئيس تحرير "السياسة"، هاجم الإرساليات التنصيرية، ونشاطها الهدام. وقد أتاح، بصفته رئيس تحرير السياسة، وعضواً بارزاً في الجمعية، الفرصة لكل من أراد أن يفضح الإرساليات التنصيرية خلال شهر يوليه 1933م.


وفى الوقت نفسه ادعت "الإيجيشيان جازيت"، أن الجمعية تألفت من أجل أن يستخدمها الشيخ "المراغي"، سلاحاً سياسياً، للنيل من خصومه، وردت عليها صحيفة "البلاغ" بأن الجمعية ليس لها أي هدف سياسي، بدليل أن أعضاءها يمثلون قطاعاً عريضاً ومتبايناً من القوى الوطنية، وذكرت "البلاغ"، أن "عبدالرحمن عزام"، أحد المتحمسين للقضايا العربية، كان عضواً نشيطاً في الجمعية. ورفضت "البلاغ" ما ادعته "الجازيت".


وعندما أخذ نشاط جمعية محاربة التنصير، يلقى تأييداً شعبياً منقطع النظير، خشيت الأحزاب السياسية العلمانية، من ضخامة هذا التأييد الشعبي للجمعية، فاتهمها "حزب الوفد" العلماني بأنها تعمل على تحقيق أهداف حزبية سياسية، ومع أن الجمعية حصرت نشاطها الإسلامي ضد التنصير ومحاولاته، وبمساعدة لفيف من العلماء والمثقفين، وطلاب الأزهر، الذين كانوا ينتمون لحزب الأحرار الدستوريين؛ فليس معنى هذا أن الجمعية الدينية، التي قامت من أجل مهمة إسلامية بحتة، كانت تبغي تأليف حكومة دينية أو قومية، كما كان البعض يدعي، وهذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة.



ويؤكد ذلك، شاهد من أهلها، فقد عبر أحد المسؤولين في دار المندوب السامي البريطاني، عن شكوكه في أن هناك مصلحة ما في استخدام الفروع الإقليمية لجمعية مقاومة التبشير فيما بعد، لتكوّن أساساً تنظيماً حزبياً وقال: "إن هذه الفروع الإقليمية لا يمكن أن ترقى إلى فروع التنظيمات الحزبية المعروفة".


وفى ذلك الوقت، كان هناك لفيف من علماء الدين الإسلامي، لا يهتمون بنشاط هذه الإرساليات التنصيرية، وقد كتب بعض هؤلاء في الصحف يقولون: "إن الحكومة لا تستطيع أن تفعل شيئاً إذا لم يثبت أن الإرساليات تستخدم الإرغام"، وكتب البعض الآخر يقول: "من الأجدر بالجمعية أن تشجع المسلمين أن يتبرعوا للمدارس الإسلامية" وقالت صحيفة "الاتحاد"، التي كان يكتب فيها عدد من هؤلاء: "إنه ليس هناك مشكلة خاصة بالإرساليات، حيث إنه ليس هناك دين يستطيع أن ينافس الإسلام".


ولكن عندما تعاظم نشاط الجمعية، شعر هؤلاء العلماء، بأن موقفهم أصبح حرجاً للغاية، خاصة أن جماهير الشعب أخذت توجه لهم اللوم؛ كما أن بعض أعضاء الجمعية كانوا يهاجمون هؤلاء العلماء، وكان البعض يدعي، بأن الشيخ "الظواهري"، من بين هؤلاء العلماء.


ولكن الشيخ "الظواهري" شيخ الأزهر، كان قد أصدر في شهر يونيه 1933م، منشوراً باسمه، أشعل النار ضد الإرساليات التبشيرية. وكانت بنود هذا المنشور، في غاية العنف والحماسة ضد المنصرين. فقد حث فيه الحكومة على استئصال هذا المرض الخطير، واتهم المنصرين باستخدام الضغط والتعذيب.


5. موقف السلطات البريطانية من الجمعية


ولما رأت السلطات البريطانية، أن في هذا المنشور، دلالة قوية، على التضامن الإسلامي القوي، بين الشيخ "الظواهري" شيخ الأزهر وبين الشيخ "المراغي" رئيس جمعية محاربة التنصير، لجأ السامي البريطاني في القاهرة، إلى ضرب هذا التضامن الإسلامي بين الرجلين. ووضع إسفيناً لإطاحة التلاحم الذي سبب الكثير من القلق للإرساليات التنصيرية، وللوجود البريطاني نفسه في مصر.


وأشاعت مصادر موثوق بها في دار المندوب السامي، "أن الشيخ المراغي، وجمعية مقاومة التبشير، قد سلبوا من الشيخ "الظواهري" شيخ الأزهر وأعوانه دورهم في حماية الإسلام، وربما دفع دار المندوب السامي، لهذه المقولة، أن منشور الشيخ الظواهري، كان فيه كلمات تشير بأصابع الاتهام إلى بريطانيا، بأنها هي التي تحمي هؤلاء المنصرين.


ويبدو أن المندوب السامي، قد لفت نظر الحكومة المصرية، إلى موقف الشيخ الظواهري، الهجومي ضد "حكومة صاحبة الجلالة". فقد حدث أن تفاهمت الحكومة المصرية مع الشيخ الظواهري، وبعض معاونيه، لمدة ثلاثة أيام. وربما نجحت مساعي الحكومة؛ لأن الشيخ الظواهري، ومعاونيه، بدؤوا يخففون من حملتهم ضد التنصير، واتهامهم لبريطانيا بأنها وراء كل هذه المشكلات.


كما أن الصحف الحكومية، خرجت في شهر أغسطس عام 1933م، بخبر تشكيل مجلس حكومي من العلماء، كان على رأسه الشيخ الظواهري لدراسة المشكلة. ومع ذلك فإن أعضاء جمعية محاربة التنصير، كانوا يمارسون نشاطهم بجدية تامة، في التصدي لمحاولات الإرساليات التنصيرية، تحويل الصغار عن دينهم الإسلامي، وفي جمع التبرعات من الميسورين لإقامة الملاجئ والمدارس، وإن كان البعض يعتقد، بأن الحكومة هي التي شغلت أعضاء الجمعية بهذه المهمة الأخيرة، لإبعادهم عن الأمور السياسية، فإننا نؤكد أن أعضاء الجمعية لم يكن لهم أي طموح بشأن الوزارة.


وعندما اشتد اللوم على الشيخ الظواهري من جانب بعض أعضاء الجمعية، لسلبيته، أصدر في شهر سبتمبر عام 1933م، فتوى تدين بشدة المسلمين الذين يلحقون أبناءهم بمدارس الإرساليات الأجنبية التنصيرية. وقد وجدت هذه الفتوى قبولاً واستحساناً لدى أعضاء الجمعية، وكثير من أبناء الشعب المصري.


وتدعي وثائق الإرساليات التبشيرية، بأن الشيخ الظواهري، لم يكن موفقاً في توقيت إصداره فتواه، وتستند الوثائق إلى أن "الجهاد" عندما نشرت الفتوى، استبعدت الفقرات، التي كانت موجهة ضد الإرساليات التبشيرية، وضد حكومة بريطانيا؛ لأن الحملة التي كانت ضد الإرساليات قد خفت حدتها. كما تستند الوثائق كذلك، إلى ما نشرته "البلاغ"، وهو أن في هذا الاستبعاد للفقرات المتطرفة، الدليل على تعاطف حزب الوفد، العلماني، مع الإرساليات التبشيرية.


وإذا كانت "الوثائق الإرسالية"، تدعي عدم توفيق الشيخ الظواهري، في إصدار فتواه، تلك الفتوى التي جعلت أعداد الدارسين المسلمين بمدارس الإرساليات التنصيرية، تتناقص بصورة ملحوظة، فإنها في الوقت نفسه تؤكد أن وزارة الخارجية البريطانية لم تسرها هذه الفتوى، لا الفقرات التي كانت موجهة ضد الإرساليات التبشيرية فحسب، لذلك نجدها توجه برقية سرية لمندوبها السامي البريطاني في القاهرة مستر سيربيرس M.Lorain، وتطلب إليه فيها، أن يبلغ استياء حكومة جلالة الملكة، من فتوى الشيخ الظواهري وبيانه، لكل من الملك فؤاد، ورئيس الوزراء. وعلى الفور ناقش "لورين" هذه المسألة مع،"زكي الإبراشي باشا"، ورئيس الديوان الملكي، و"محمد شفيق باشا"، القائم بعمل رئيس الوزراء.


كما تحدث "سيسل كامبل"، القائم بعمل المندوب السامي، مع محمد شفيق باشا، القائم بعمل رئيس الوزراء، وطلب إليه أن يبذل قصارى جهده، لإخماد الدعاية المناهضة للإرساليات التبشيرية، والتي تقوم بها جمعية مناهضة التنصير. وفى الوقت نفسه، كان "كوين بويد keaym. Boyd "، الذي أشرف على التحقيقات الخاصة بحوادث التنصير دائم الاتصال بالشيخ المراغي، للوقوف على نشاط جمعية محاربة التنصير، وقد أوصاه بالاعتدال. مما سبق يثبت أن فتوى الشيخ الظواهري وبيانه، قد أزعج بالفعل حكومة لندن، والمجلس الأعلى للإرساليات التنصيرية، وإلا ما تحركت بريطانيا بهذا الثقل، في محاولة من جانبها لإحباط تحركات الشيخ الظواهري، وجمعية محاربة التنصير.


وتعترف وثائق الإرساليات التبشيرية نفسها، بانخفاض فعلي في عدد الملتحقين من أبناء المسلمين المصريين، بمدارس الإرساليات الأمريكية، بدرجة ملحوظة، والوثائق لا تذكر أعداداً، وإنما تذكر نسبة 5% من مدارس الجزويت. وبطبيعة الحال، يؤكد هذا التهرب من ذكر الأعداد، أنها ضخمة، سواء بمدارس الإرساليات الأمريكية، أو بمدارس الجزويت!


وأمام هذه الظاهرة، وهي انخفاض أعداد الطلاب بمدارس المنصرين، راحت جريدة "الجازيت" وجريدة "الإيجبيشيان ميل"، تشهران بشدة، بالصحافة المصرية؛ لأنها هي التي قادت الحملة السوداء ضد مدارس الإرساليات التبشيرية. وقد يَعجب البعض من أن الصحافة البريطانية والألمانية كانت تتابع، باهتمام شديد، نشاط جمعية محاربة التنصير، لدرجة أنْ قد أثيرت عدة أسئلة داخل مجلس العموم البريطاني، عن كيفية مواجهة نشاط هذه الجمعية، وما هي الخطوات التي ستتخذ لمواجهة هذه الحملة.


ولكن الذي يبدد هذا العَجب، أن ألمانيا، وهي معقل الحركة الاستشراقية، وبريطانيا، وهي التي تخشى على وجودها في مصر، في ذلك الوقت، كانتا متفقتين على حماية عمل المبشرين، بالإنجيل في وادي النيل، وتوصيل رسالة السيد المسيح إلى المصريين الذين يعيشون في الظلام.


6. الملك "فؤاد" يؤيد نشاط الجمعية


في نهاية عام 1933م راجت إشاعات، بأن الملك فؤاد يشجع الحركة المناهضة للإرساليات التنصيرية. مما جعل دار المندوب السامي البريطاني، تعلن، "إذا تمادت الحركة المعادية للإرساليات التبشيرية، فإن هناك خطراً للإضرار بطموحات مصر في الحصول على معاهدة مقبولة، وإنهاء الامتيازات الأجنبية".


7. رد الفعل لتأييد ملك البلاد للنشاط المناهض للمنصرين


ولا شك في أن الإشاعات التي راجت في كل إنحاء القطر المصري، بأن الملك يشجع نشاط جمعية محاربة التنصير، قد أعطت الصحافة مزيداً من الحرية، في فضح وكشف أساليب ونشاطات المنصرين. وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى تعبئة الرأي العام الإسلامي في مصر، فاشتعلت الحماسة الدينية، وتحولت إلى مواجهة مباشرة ضد مؤسسات الإرساليات التنصيرية. ففي نهاية يونيه اقتحمت مجموعة من أعضاء جمعية مناهضة التبشير، كانوا مسلحين بقبضات حديدية منزل أحد المنصرين الأمريكيين في القاهرة، ونجحوا في تفريق الاجتماع الذي كان منعقداً، بعد أن اعتدوا على المجتمعين بالضرب، وكان يحضر الاجتماع قس قبطي، نال هو الآخر نصيبه من الضرب.


وفى "حي الأزبكية" بالقاهرة، وقعت اعتداءات متكررة، من جانب أعضاء جمعية مناهضة التبشير، ضد العناصر القبطية، التي كانت تؤيد وتناصر وتعاون المنصرين في أعمالهم. وفى "دمنهور" محافظة البحيرة تعرض راهب حاول تنصير بعض الشباب إلى الضرب المبرح. كما تكرر الاعتداء على القسس الأقباط، والبروتستانت، في "جرجا"، محافظة سوهاج، لمحاولتهم تنصير الأولاد الفقراء، والبنات اليتامى، واعتدي بالضرب كذلك على تاجرين مسيحيين، من "المحلة الكبرى"، كانا يروجان لكتب المنصرين، وكانا ينتميان إلى كنيسة تبشيرية، وفى يوليه اعتدي على أحد الكهنة في "شبرا" إحدى ضواحي القليوبية لتكرار سيره برفقة أحد المنصرين.


8. فشل التنصير في مصر


من الناحية العملية يمكن القول إن النشاط التنصيري لم يكن له أي أثر في مصر، بل على العكس باء بخيبة شديدة، حيث أدى إلى الاقتطاع من الكتلة السكانية المسيحية الأساسية، وهم الأرثوذكس وتحويل فئات منهم إلى كاثوليك أو إنجليين (بروتستانت)، بحيث أصبح المسيحيون في مصر متفرقين إلى ثلاثة مذاهب، وأكثر من 12 ملة، بعد أن كانوا على مذهب واحد وملة واحدة، وقد بدأت مقاومة التنصير في مصر بعد سقوط حكومة إسماعيل صدقي في سبتمبر 1933م، وتعيين عبد الفتاح يحيى باشا، فتزايد التيار الإسلامي السياسي، ومنعت الحكومة النشاط التنصيري خارج مقار الإرساليات، وتوزيع الكتيبات التي تدعو للتنصير، واستخدام العوامات في النيل للمنصرين، كما أنها منعت تعميد صغار السن، وتدريس الدين المسيحي للمسلمين في المدارس والمعاهد التابعة للإرساليات التبشيرية الأجنبية.


واعتباراً من عام 1936م منعت الحكومة دخول المنصرين للبلاد؛ ولكنها لم تمنع التبشير؛ لأن مصر كانت لا تزال خاضعة للامتيازات الأجنبية، وكان عليها أن تظل كذلك، حتى توقع اتفاقية مؤتمر مونترو في عام 1937م، التي أوقفتها تدريجياً على مدى عشر سنوات، ولم يكن للحكومة المصرية مطلق الحرية في وضع قوانين أو تنفيذها حتى انتهاء الامتيازات الأجنبية، ولكن منذ اتفاقية "مؤتمر مونترو"، كان الإشراف الكامل للدولة على حركة المنصرين.


هكذا نشأت جمعية محاربة التنصير، وقاومت الإرساليات الأجنبية في مصر، خلال فترة تاريخية عصيبة، كان الاستعمار البريطاني خلالها يجثم على الصدور، وكان بامتيازاته الخاصة، التي حصل عليها على إثر الاتفاق مع السلطان العثماني، في 7 مايو 1830م، يقيد حركة القوى الإسلامية، ويحد من نشاطها في مقاومة الإرساليات التنصيرية.


********************************


ثامناً: مؤتمرات التنصير


يعقد المنصرون كثيراً من المؤتمرات في العالم الإسلامي لرسم الخطط التبشيرية المناسبة، وتقويم العمل في الفترات السابقة، ومحاولة معالجة ما شابها من قصور أو تقصير، هذا إضافة إلى وضع المؤلفات المستقلة، التي ألفها المبشرون لوضع خريطة كبرى للتبشير العالمي على مستوى جميع الشعوب غير المسيحية، ومن أهم هذه المؤلفات ذلك البحث الخطير، الذي كتب مقدمته المسيو "شاتيليه" وضمنه مجلة "العالم الإسلامي" الفرنسية المصورة، فأصدرت هذه المجلة عدداً ضخماً سنة 1911 ليس فيه غير هذا البحث الضخم، الذي وضعه "شاتيليه"، وكان يدور كله حول ما تقوم به الإرساليات التبشيرية البروتستانتية في العالم الإسلامي، وتضمنت هذه المقدمة الدور الذي تقوم به كلية القديس يوسف اليسوعية في بيروت في نشر تعليم الإنجيل في سورية ولبنان، ثم جاء كتاب "تاريخ التبشير" للمستر "أدوين بلس" البروتستانتي، الذي تضمن تاريخ التبشير في العالم الإسلامي، حتى أواخر القرن التاسع عشر، ومن أهم الشخصيات، التي برزت في تاريخ التبشير الحديث القسيس "صموئيل زويمر"، الذي كتب بحوثاً متعددة عن التبشير ووسائله في جزيرة العرب، وقد بين "زويمر" في بحوثه أهمية الالتفاف حول جزيرة العرب، التي هي مهد الإسلام، وأشار إلى ضرورة الربط بين مصالح المبشرين في بيروت وسورية، ومكة والمدينة؛ لأن ذلك سوف يمهد للمبشرين النفاذ إلى هاتين المدينتين المقدستين عند المسلمين، كما لفت "زويمر" نظر المبشرين إلى أهمية الانتشار في جزر ماليزيا وإندونيسيا ليمكن تخليصها من قبضة المسلمين، وأشار إلى ضرورة عقد مؤتمر لمراجعة أعمال المبشرين، والتعرف على المشكلات، التي يواجهونها، ووضع الخطط المناسبة في المستقبل.


1. مؤتمر المبشرين بالقاهرة سنة 1906م


اجتمع في هذا المؤتمر معظم الإرساليات التبشيرية في المنطقة برياسة "زويمر"، وافتتح المؤتمر بتاريخ 4 أبريل سنة 1906، وكان عدد مندوبي الإرساليات التبشيرية قد بلغ 62 مندوباً رجالاً ونساءً، وتم انتخاب "زويمر" رئيساً عاماً للمؤتمر، وكان من أهم المسائل التي طرحت على هذا المؤتمر الأمور التالية:


أ. إحصاء لعدد المسلمين في العالم.

ب. وضع الإسلام والمسلمين في شرق وجنوب شرق آسيا.

ج. منهج التعامل مع المسلمين المثقفين والمسلمين العوام.

د. دور المرأة وشؤون النساء المسلمات.


وقد جمعت أعمال المؤتمر في كتاب مستقل نشر باسم وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين، جمعه القسيس "فلمنج" الأمريكي، وكتب عليه من الخارج عبارة نشرة خاصة، ليكون مقصوراً في تداوله على فئة خاصة من المشتغلين بالتبشير.


وضمن هذا الكتاب بعض التوصيات التي رفعها إلى الحكومات المعنية، ومن أهم هذه الاقتراحات محاولة الالتفاف حول الأزهر في مصر؛ لأنه مفتوح لكل الطلاب من العالم كله، وأنه لا يخضع في تمويله لأي حكومة؛ لأن أوقاف الأزهر تدر دخلاً كبيراً يساعد العالم والمتعلم فيه، ولابد من العمل على تقليص دوره، ولنبدأ ذلك بإنشاء جامعة نصرانية تشارك في الإنفاق عليها جميع الكنائس المسيحية على اختلاف مذاهبها؛ لأن في التخلص منه مصلحة لجميع الكنائس بلا استثناء، ولقد قام "زويمر" بعمل خريطة أسماها خريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر، ووزع أعداداً كبيرة منها على كبار المسؤولين في الحكومات الغربية، وكتب على كل نسخة نداء إلى المسؤولين لعله يجد صدى له في أوروبا وأمريكا، وعرض هذه الخريطة على المؤتمر، وضمنها كتابه "العالم الإسلامي اليوم"، وكان من أهم ما نصح به "زويمر" في كتابه هذا، إثارة بعض المشكلات الاجتماعية، وطرحها في الندوات و اللقاءات الثقافية، كمشكلة الطلاق، والتعدد، وإرث المرأة. ولماذا يكون نصف إرث الرجل، كما أوصى بالعمل على أن يجتهد المبشرون في إيجاد أصدقاء لهم من المسلمين يقومون بنشر الأفكار بين المسلمين؛ ليتحولوا فيما بعد إلى مبشرين بتعاليم المسيح نيابة عن النصارى، ومن أهم أعمال زويمر التبشيرية:


أ. تقرير أهداف التبشير، الذي قدمه المؤتمر الذي عقد بالهند سنة 1911م: وصرح فيه بأن هدف التبشير ليس هو تنصير المسلم فقط، وإنما الأهم من ذلك التنكر لتعاليم الإسلام.


ب. التقرير الذي نشره في 12 أبريل سنة 1926م: ويشير فيه إلى تلك المجهودات الكبيرة، التي بذلها المبشرون، والنفقات الباهظة التي أنفقوها، ولم تؤت ثمراتها، ولذلك يجب التفكير في تطوير وسائل التبشير ومناهجه، ومما جاء في هذا التقرير قوله: "… وعندي أنه قبل أن نبني النصرانية في قلوب المسلمين، يجب أن نهدم الإسلام في نفوسهم، حتى إذا أصبحوا غير مسلمين سهل علينا أو على من يأتي بعدنا أن يبنوا النصرانية في نفوسهم".


2. مؤتمر القدس سنة 1935م


عقد هذا المؤتمر تحت حماية الاحتلال البريطاني لفلسطين، وكان أبرز المتحمسين فيه لعداء الإسلام "زويمر"، الذي ألقى خطبته على الحاضرين من المبشرين، ومن المهم للقارئ أن أضع أمامه نص هذا الخطاب؛ ليعرف كيف تلتقي مصالح التبشير والاستعمار مع مصالح اليهود في فلسطين؛ ليجمعهم هدف واحد، هو التخلص من الإسلام، قال زويمر:


"أيها الإخوان الأبطال، والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية، واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتكم عناية الرب بالتوفيق الجليل، ولقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء… إنني أقركم أن الذين دخلوا حظيرة المسيحية من المسلمين ليسوا بمسلمين حقيقيين، لقد كانوا كما قلتم ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان لا يهتم بغير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر، وعزت عليه لقمة العيش، وثالث يبغي الوصول إلى غاية شخصية.


إن المهمة التي ندبتكم إليها دول المسيحية في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق، التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به، خلال الأعوام المائة السالفة، خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم عليه، دول المسيحية. لقد قبضنا، أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر، على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير، والكنائس، والجمعيات، والمدارس المسيحية الكثيرة، التي تهيمن عليها دول أوروبا وأمريكا.


أيها الزملاء: إنكم أعددتم في ديار الإسلام شباباً، لا يعرفون الصلة بالله، ولا يريدون أن يعرفوها، وأخرجتم بعضهم من الإسلام، ولم تدخلوه المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار، لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا هم له في دنياه إلا الشهوات… فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز فللشهوات، وفي سبيل الشهوات يجود بكل شيء … باركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم، ولقد أصبحتم بفضل جهادكم موضع بركات الرب".


**********************************


تاسعاً: مواجهة التنصير في العالم الإسلامي


على العالم الإسلامي مسؤولية كبيرة في مواجهة الهجمة التنصيرية، وعلى الرغم من ضعف الإمكانات في مواجهة القدرات الهائلة لمؤسسات التنصير، فإن تنظيم الجهود سوف يؤدي إلى وقف هذا المد التنصيري، الذي لم يفلح في تحقيق بعض النتائج إلا بإنفاق 180 مليار دولار في العام، مصحوبة بدعم سياسي وعسكري أحياناً، مع تنظيم جيد في الوقت الذي لا يبلغ فيه مجموع ميزانيات منظمات الدعوة والإغاثة الإسلامية مليار دولار، لذلك فإن تنظيم الجهود سوف يؤدي إلى نتائج عظيمة بلا شك، وفي هذا المجال اقترح ما يلي:


1. تفعيل دور الدعاة والعلماء، عبر إنشاء مراكز ومعاهد وأكاديميات متخصصة في تخريج الدعاة المتخصصين، في مواجهة الهجمات التنصيرية، والعمل على دعم هؤلاء الدعاة مادياً وثقافياً وعلمياً، ويفضل أن يكونوا من أبناء البلاد المعرضة للتنصير.


2. إنشاء مراكز متخصصة للدعوة في البلاد المستهدفة بالتنصير تكون بمثابة عيون لرصد حركات التنصير، والعمل على وضع الخطط اللازمة لمقاومتها.


3. مقاومة التنصير إيجاباً بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، عبر دعم الدعوة بين غير المسلمين، والعمل على جذب المسيحيين إلى حظيرة الإسلام، مع العمل على استعادة من كانوا مسلمين وتنصروا على وجه الخصوص.


4. تفعيل دور المؤسسات الإغاثية والإنسانية الإسلامية، ودعمها مالياً وبشرياً، وتقديم التسهيلات الكافية لها لممارسة عملها، وتوجيهها بشكل سليم نحو الطرق الحديثة لتعظيم مواردها المالية وتأهيل وتدريب كوادرها بشكل منتظم.


5. تشكيل مجلس أعلى للمنظمات الإسلامية العاملة في مجال الدعوة والإغاثة؛ لتنسيق جهود هذه المنظمات.


6. الاستفادة من تجارب المنظمات التنصيرية في التمويل، وإنشاء المجتمعات الحضرية، وتوفير وسائل التمويل الذاتي لنشاطات الدعوة.


7. الاهتمام بالتنمية البشرية في المجتمعات المستهدفة بالتنصير.


8. التوسع في إنشاء المدارس والمراكز والجامعات الإسلامية، التي يتم التدريس فيها باللغة العربية في البلدان الإسلامية غير العربية؛ مع تقديم المميزات والحوافز للملتحقين بها.


9. الاهتمام بشؤون المرأة المسلمة في البلدان الإسلامية وبلدان الأقليات.


10. الاهتمام بالطفولة وتربية النشء، والحرص على ترسيخ الثقافة الإسلامية لدى الأطفال.


11. التوسع في إرسال معلمي اللغة العربية والقرآن الكريم إلى البلدان المستهدفة بالتنصير.


ومع ذلك لا تزال إرساليات التنصير الأجنبية، ومؤتمراته المختلفة، تمارس نشاطها في السر والعلانية، في كل دول العالم الإسلامي، من أجل القضاء على الإسلام أو التقليل من أهميته وفاعليته، وإلقاء الشك والحيرة في نفس المثقف، وكل ذلك يرجع إلى تغلغل المصالح الغربية المسيحية في دول العالم الإسلامي، وهذا ما يجعل هذه المصالح تساند الحركة التنصيرية بشتى الوسائل المادية، والعسكرية والتقنية؛ فإذا لم يكن للعالم الإسلامي وقفة اليوم؛ فلن يكون بمقدورنا وقف هذا المد التنصيري الخطير!.


للتنصير دور واضح في تقليص الوجود الإسلامي في الكثير من مناطق العالم، ويمكننا أن نرصد عبر التاريخ دور التنصير - مع عوامل أخرى عسكرية وسياسية واقتصادية - في تقليص وجود المسلمين في الكثير من بلدان العالم الإسلامي..


ومن أهم مظاهر هذا التقليص ما يلي:


1. خروج المسلمين من الأندلس نتيجة لانكسارهم، وبفعل محاكم التفتيش، التي كانت تعد شكلاً من أشكال التنصير العنيف.


2. خروج المسلمين من صقلية، ومن قبرص، وكريت، وجميعها كانت جزراً إسلامية خالصة.


3. ضياع الوجود الإسلامي في سورينام، وتقلصه في ترينداد.


4. تقلص الوجود الإسلامي في الحبشة.


5. خروج الحكم من أيدي المسلمين في الكثير من البلدان الأفريقية.


6. تحول بعض الممالك المسلمة إلى دول مسيحية أو وثنية، كما تحولت دولة مورو في الفيليبين إلى جزء من الفيليبين، ومملكة فطاني في تايلاند إلى إحدى ولاياتها، وكذلك الأمر في بورما.


7. تحول تيمور الشرقية إلى دولة مسيحية تحت رعاية الغرب، بعد أن كانت جزيرة تيمور بأكملها مسلمة.


8. تراجع الوجود الإسلامي في سريلانكا، وبعض ولايات الهند، وبعض مناطق الصين.


9. تهدد الأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا بالذوبان، خاصة في الأجيال التالية لجيل الهجرة إلى تلك البلدان.


10. إنشاء كانتونات مسيحية، في بعض بلدان العالم الإسلامي، تهدد أمنها الوطني، على الرغم من أن سكانها في الأصل هم من المسلمين.


********************************


المصادر والمراجع


1. إبراهيم سليمان الجهمان، "معاول الهدم والتدمير في النصرانية والتبشير". عالم الكتب، الرياض، الطبعة الرابعة، 1981م.

2. حامد منصور، "الأقليات الإسلامية في مواجهة التنصير". دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1419/1998م.

3. حسين مؤنس، "تاريخ الفكر المسيحي في الغرب والشرق". دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الخامسة، 1988م.

4. سيد البحراوي، "الحملات الصليبية وأثرها على المجتمعات المسيحية في الشرق". دار سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م.

5. علي بن إبراهيم النملة، "التنصير: مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته". مكتبة التوبة، الرياض، الطبعة الثانية، 1409/1989م.

6. على بن إبراهيم النملة، "المستشرقون والتنصير: دراسة للعلاقة بين ظاهرتين مع نماذج من المستشرقين المنصرين". مكتبة التوبة، الطبعة الأولى 1418هـ/1998م.

7. عمر فروخ، "التبشير والاستعمار في العالم الإسلامي". المكتبة العصرية، بيروت، 1983.

8. محمد يوسف النجار، "التنصير في أفريقيا: الآثار والمواجهة". مكتبة الكرامة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1997م.

http://www.moqatel.com/
******************************
*****************************
**************************
*********************
****************
***********
******
*



أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات : 12268
العمر : 64
الموقع : (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى