المملكـة العربية السعوديـة
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الحــوار الديـني ودوره في مواجهة التطرف الديني والإرهاب
إعــداد
أ.د. محمــد خليفــة حســن
مدير مركز الدراسـات الشرقيـة
جامعة القاهرة – مصــــر
اللجنة العلمية للمؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب
1425هـ / 2004م
الحــوار الديـني ودوره في مواجهة التطرف الديني والإرهاب A22
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيــــد:
يعد موقف الإسلام من الحوار بين الأديان من أكثر مواقف الأديان إيجابية وقبولاً.

وعلى الرغم من وجود أديان أخرى ترحب بالحوار بين الأديان وتقبله فإن الموقف الإسلامي من الحوار يتصف بالإيجابية التامة إلى حد يمكن معه وصف الإسلام بأنه دين الحوار.

إن  الموقف من الحوار بين الأديان مرتبط في الأصل بطبيعة الدين.

وإذا كانت الأديان تنقسم من حيث موقفها من العالم ومن "الآخر" إلى أديان عالمية وأديان خاصة، أو تؤمن بالخصوصية، فإن الموقف من الحوار بين الأديان ما  هو إلا انعكاس لعالمية الدين أو خصوصية الدين.

فالدين العالمي يأخذ بالحوار بين الأديان بينما الدين الخاص أو القومي لا يرحب عادة بالحوار ولا يأخذ به.

والإسلام دين عام للبشرية وليس دينًا خاصًا لجماعة من البشرية دون غيرها.

وتقوم عالمية الإسلام على أساس من وحدانية الله ووحدة البشرية، فالإله الواحد الخالق إله لكل العالم الذي خلقه، ودين البشرية دين واحد يقوم على أساس من التوحيد وهو عقيدة البشرية منذ آدم عليه السلام، وآدم عليه السلام هو أبو البشرية وهو أول الموحدين.

وتعود البشرية كلها إلى آدم عليه السلام.

وهكذا تقوم عالمية الإسلام على عالمية الإله الواحد وعالمية التوحيد ووحدة البشرية.

واستنادًا إلى مبدأ عالمية الإله ووحدة البشرية اتجه الإسلام إلى استخدام الحوار استخدامًا جيدًا في مجال الدعوة الإسلامية.

والهدف من الحوار هو الوصول بالإسلام إلى غير المسلم.

وللحوار بين الأديان أهداف متعددة بعضها أهداف أساسية كانت وراء التفكير في نشأة الحوار وتطويره، ومن أهمها مسألة التفاهم بين الأديان المختلفة، وكذلك التفاهم بين المذاهب والفرق داخل الدين الواحد.

ومن الممكن أن يكون الهدف الثاني أقدم من الهدف الأول إذا أخذنا في الحسبان النشأة المسيحية للحوار الديني في الغرب والتي ركزت على التقريب بين المذاهب المسيحية، وبخاصة التقريب بين البروتستانتية والكاثوليكية، وكذلك التقريب بينهما وبين المسيحية الشرقية الأرثوذكسية.

أهداف الحوار بين الأديان:
التفاهم بين الأديان يتحقق من خلال الحوار لمواجهة العدو المشترك لكل الأديان، وهو المتمثل في الاتجاهات والمذاهب غير الدينية مثل الشيوعية والإلحاد والعلمانية وغيرها من المفاهيم والأيديولوجيات الرافضة للدين والمعادية له.

وقد نجحت هذه الاتجاهات المنحرفة في غـزو الحياة الفكرية للإنسان، وإضعاف الأساس الديني والأخلاقي للحياة الإنسانية، وسعت إلى عزل الدين عن الحياة، كما سعى بعض هذه الاتجاهات إلى إلغاء الدين وإبطال دوره في تسيير الحياة الإنسانية كما فعلت الشيوعية والاتجاهات المادية الإلحادية.

ولا يوجد دين من الأديان الحية لم يتعرض للغزو العلماني الشيوعي الإلحادي الحديث.

ونظرًا لأن هذه الاتجاهات الرافضة للدين صناعة غربية فقد أصاب أول ما أصاب ديانات الغرب الأساسية وهي المسيحية واليهودية ثم انتقلت العدوى إلى الديانات الأخرى ومن بينها الإسلام وديانات الشرق الأقصى.

إذن هناك خطر مشترك وتهديد عام موجه ضد الأديان ومهدد لوجودها، وهو أمر جلل يجعل من الحوار بين الأديان ضرورة كبرى لإنقاذ أديان العالم من الضياع والهلاك، ولإعادة الأساس الديني والأخلاقي لحياة الشعوب، والغرب في أمس الحاجة إلى هذا الحوار لأن فيه إنقاذًا لليهودية والمسيحية وخلاصًا لهما من الاتجاهات القوية المضادة للدين.

ولأن الإسلام لا يزال يملك القوة التي تمكنه من مواجهة العلمانية والإلحاد ففي قدرته مساعدة اليهودية والمسيحية وإنقاذهما وذلك بتقديم العون الديني ودعم الروح الدينية في الغرب وإيفاد الخبرة الدينية النائمة، وبعث الوعي الديني، وإحياء الدين ليكون قاعدة أساسية للحياة الإنسانية.

والدليل على حاجة الغرب إلى هذا العون الديني أن الإنسان الغربي بعد أن فقد اليهودية والمسيحية وأصبح في فراغ ديني لم تملأه الاتجاهات المضادة للدين سعى إلى ديانات الشرق يقرأ عنها ويتثقف فيها، ويستمد منها الزاد الديني المفقود الأمر الذي أدى إلى حدوث ظاهرة التحول الديني في الغرب واتساعها لتعبر تعبيراً صادقاً عن أهمية الدين في حياة الإنسان، وكون الدين فطرة في الإنسان لا يمكنه هجرها أو التخلي عنها.

ولا نغالي إذا قلنا: إن أهم جوانب اهتمام الغرب بالحوار بين الأديان هو جانب معرفي يسعى إلى سد الفراغ الديني الذي خلفته العلمانية الغربية، ويمد الإنسان الغربي ببديل روحي عن اليهودية والمسيحية أو يؤدي إلى استعادة الروح المفقودة في هاتين الديانتين، وفي كل الأحوال فالدين هو المنتصر في هذا الحوار الدائر بين الأديان.

والتفاهم بين الأديان عن طريق الحوار له هدف آخر مهم وهو تحقيق الأهداف المشتركة للأديان، قد تختلف الأديان حول تحديد معنى السعادة وطبيعتها وسبل تحقيقها لارتباط هذا كله بالمضمون العقدي لكل دين وبالأسلوب الديني الذي اختطه كل دين لأتباعه لتحقيق هذا المضمون العقدي حيث اتخذت بعض الأديان منهجًا تشريعيًا بينما التزمت بعض الأديان الأخرى بمنهج أخلاقي بعيد عن التكاليف الشرعية، واعتمدت بعض الأديان الأخرى على الأسلوب أو المنهج الزهدي التصوفي.

وتختلف الأديان أيضًا في نظرتها إلى مجـال السعادة الإنسانية فبعض الأديان تقتصر على مطلب السعادة الدنيوي، ولا تعطي اهتماماً للسعادة الأخروية، وبعضها يقول بالسعادة الأخروية دون الدنيوية، وبعضها يجمع بين سعادة الدين والدنيا.

الإنسان مهما اختلفت ديانته يواجه واقعًا واحدًا، وظروفًا معيشية واحدة، ومشكلات حيوية واحدة.         

وهنا تبرز أهمية الحوار بين الأديان وبخاصة بعد أن توحدت مشكلات الإنسان وتشابهت في كل مكان، وأصبح للأديان مواقفها السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية ولا تعيش في عزلة عـن مشكلات إنسانها وقضاياه العصرية.

فالإنسانية الآن تشترك في المشكلات البيئية والاجتماعية مثل الجهل والفقر والمرض(1).

وفي القضايا السياسية والاقتصادية والفكرية وتحاول جاهدة أن تمد المؤمن بها بتحليلات لأسباب وقوع هذه المشكلات وبرؤى حول أسلوب معالجتها، ولا شك في أن الأديان تستطيع أن تعين المؤمنين بها وتستغل معرفتها المختلفة وخبراتها المتنوعة في تقديم الحلول للقضايا المشتركة لتحقيق النجاح والفلاح والسعادة للإنسانية جمعاء.

وبالإضافة إلى هذا التعاون المثمر بين الأديان من خلال الحوار الفعال بينها لمصلحة المجتمعات الإنسانية يمكن للحوار أيضًا أن يسهم في مواجهة التطرف الديني وهي مشكلة عامة تواجه كل الأديان الحية.

فقد انتشرت ظاهرة التطرف الديني وما يصاحبها من تشدد وتزمت وإرهاب وعنف في كل المجتمعات الإنسانية تقريبًا.

وهي مشكلة لها بعدان: بعد داخلي ينتج عنه توزع أهل الدين الواحد إلى فئتين على الأقل: فئة متمسكة بالدين في نظامه الأساس الأصل وفئة متطرفة خارجة على هذا النظام ومنحرفة عنه بتفسيراتها المتشددة لتعاليم الدين والذي ينعكس على علاقاتها ومعاملاتها مع الفئة الأولى.

أما البعد الخارجي فهو يتمثل في اتساع دائرة التطرف الديني لتصبح ذات تأثير على علاقات الأديان بعضها ببعض، وفي البيئة المتعددة ذات الأديان الأخرى داخل المجتمع الواحد.

وفي المجال الاجتماعي يمكن للحوار بين الأديان أن يساعد في القضاء على المفاسد الاجتماعية، ويحد من انتشار الرذيلة والأمراض الاجتماعية الناتجة عنها وذلك من خلال نشر القيم الدينية والأخلاقية التي تنادي بها جميع الأديان وتبادل الخبرات الدينية في مجال مقاومة الفساد في أشكاله المختلفة، وتوعية المؤمنين بهذه الأديان في المجالات الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية لبناء مجتمع إنساني على أساس من الفضيلة والحكمة الدينية والأخلاقية، وإعطاء المثل، وخلق القدوة الصالحة الأمر الذي يؤدي إلى إصلاح المجتمعات الإنسانية وتحقيق مجتمع الفضيلة والعدالة والمساواة.

الحوار الديني والتقريب بين مذاهب الدين الواحد:
لقد اتضح أن التفاهم بين الأديان يسهم في علاج القضايا الإنسانية التي تواجه البشرية في كل مكان.

ونظرًا لاختلاف الخبرات الدينية واختلاف الحلول التي تقدمها الأديان للمؤمنين بها فإن تعاون الأديان يساعد على الوصول إلى حلول متنوعة وفعالة لمشكلات الإنسانية وبخاصة إذا تم توظيف تأثير الأديان في الشعوب توظيفًا جيدًا وصحيحًا لعلاج مشكلات الشعوب وبناء مستقبل أفضل للإنسانية.

وبالإضافة إلى فائدة الحوار بين الأديان في التفاهم بين الأديان على المستويات السابقة المذكورة فإن الحوار الداخلي بين مذاهب وفرق الدين الواحد يؤدي إلى تحقيق التقارب بين هذه الفرق والمذاهب الداخلية (2).

ويعد الحوار الداخلي على القدر نفسه من الأهمية التي للحوار الخارجي بين الأديان.

والحقيقة أنه بدون التفاهم بين أهل الدين الواحد لا يمكن أن يتم التفاهم بين أهل الأديان، فإن النتائج الإيجابية أو السلبية التي تنتج عن الحوار الداخلي تؤثر إيجابًا وسلبًا في الحوار الخارجي بين الأديان، والحقيقة أنه في بعض الأحيان يكتسب الحوار الداخلي شكل الحوار الخارجي، وذلك لأن معظم دول العالم تتعدد فيها الأديان والمذاهب الأمر الذي يجعل من الحوار فيما بينها داخليًا عاملاً مساعدًا في حل مشكلات الأديان وتحسين علاقاتها بعضها مع بعض.

ونضرب على ذلك بعض الأمثلة المفيدة.

ففي العالم المسيحي مثلاً، اكتسبت المذاهب المسيحية الكبرى صفة الديانات المستقلة بعضها عن بعض.

فالكاثوليكية دين أو مذهب ديني مستقل تمامًا عن البروتستانتية والأرثوذكسية.

ولا يكاد يخلو مجتمع مسيحي من وجود هذه الأديان المسيحية المستقلة.

والحوار بينها على الرغم من أنه يبدو وكأنه حوار داخلي بين مذاهب دين واحد فإنه في الوقت نفسه حوار بين ديانات مسيحية مستقلة، والمثل نفسه يضرب على الوضع الديني في المجتمعات الهندية والصينية واليابانية حيث تنتشر في هذه المجتمعات ديانات مستقلة مثل الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والتاوية وهي جميعًا ديانات ذات علاقات قربى ولها صلات تاريخية ودينية قوية.

ويضاف إلى هذه الديانات الأصلية ديانات وافدة من خارج الشرق الأقصى مثل المسيحية بمذاهبها المتعددة ومثل الإسلام، والحقيقة أن مجتمعات الشرق الأقصى تشبه مجمعًا للأديان والمذاهب، والحوار الداخلي بين أهل كل دين منها أو بينها جميعًا يعطي للحوار نشاطاً وقوة تأثير داخلية وخارجية معًا.

فالحوار الدائر في هذه المجتمعات هو حوار داخلي وخارجي في الوقت نفسه، وقد تمكنت هذه الأديان من التعايش بعضها إلى جانب الأخرى وخلق نوع من الثقافة الدينية المشتركة.

الحوار الديني ودعم قاعدة الاتفاق والتعددية الدينية:
يختلف الحوار الديني بطبيعته عن الجدل في أن الحوار الديني يحتوي ضمنًا على عناصر التفاهم بين الأديان بينما الجدل يشير ضمنًا إلى عناصر الاختلاف والتباعد بين الأديان والمذاهب.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الطبيعة الإيجابية في الحوار بين الأديان في قوله تعالى:
(قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ ڪَلِمَةٍ۬ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـًٔ۬ا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابً۬ا مِّن دُونِ ٱللَّهِ‌ۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ) (آل عمران، الآية 64)، فالآية الكريمة تدعو إلى الحوار الديني بين المسلمين وأهل الكتاب وتشير إلى عناصر الاتفاق بين اليهودية والمسيحية والإسلام التي تكون أساساً للحوار بينهم، وتستبعد ضمنًا عناصر الاختلاف التي أدى إليها التطور التاريخي لكل من اليهودية والمسيحية.

بل إن الإسلام يتجاوز تاريخ الاختلاف بين الديانات الثلاث ويطالب بالعودة إلى شكل بسيط وفطري للتوحيد يمثله دين إبراهيم عليه السلام الذي هو دين الفطرة، واختيار إبراهيم عليه السلام اختيار مقصود فهو نبي مرسل تعترف به اليهودية والمسيحية والإسلام وتعده أبًا لكل الأنبياء عليهم السلام: (وَوَهَبۡنَا لَهُ ۥۤ إِسۡحَـٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَـٰبَ وَءَاتَيۡنَـٰهُ أَجۡرَهُ ۥ فِى ٱلدُّنۡيَا‌ۖ وَإِنَّهُ ۥ فِى ٱلۡأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ) (العنكبوت، الآية 27)، وترى دينه أساسًا لها وقد صدق القرآن الكريم حيث وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: (مَا كَانَ إِبۡرَٲهِيمُ يَہُودِيًّ۬ا وَلَا نَصۡرَانِيًّ۬ا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفً۬ا مُّسۡلِمً۬ا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ) (آل عمران، الآية 67)، فالآية تؤكد على أسبقية إبراهيم عليه السلام التاريخية وظهور دينه قبل ظهور اليهودية والمسيحية، وأن دينه كان الإسلام فهو رمز الطاعة والاستسلام للإرادة الإلهية من ناحية، وهو في الوقت نفسه رمز لدين الفطرة السليمة قبل أن تلحق التعقيدات الدينية واللاهوتية بعقيدة التوحيد.

واختيار دين إبراهيم عليه السلام هو في حد ذاته بحث عن صيغة للدين وللتوحيد يقبلها الجميع وتستند إلى خلفية دينية وتاريخية سابقة على ظهور الديانات المعروفة.         

فالحوار الديني بهذا الشكل يقوم على عوامل الاتفاق والتوافق بين الأديان ولا يقوم على عوامل الفرقة والتباعد.         

ولا يستخدم القرآن الكريم هنا أسلوب الجدل الدفاعي في دعوة أهل الكتاب إنما يستخدم أسلوب الحوار الديني القائم على قاعدة الاتفاق لا الاختلاف.

يتبنى الحوار بين الأديان الاعتراف الضمني بتعدد الأديان والمذاهب ولذلك فهو يعترف ضمنًا بحرية الاعتقاد، فالحوار يعني الاعتراف المتبادل بين الأديان ببعضها الآخر على أنها كيانات أو نظم دينية مستقلة تربطها علاقات تقوى وتضعف حسب درجة القرابة الدينية من ناحية، وإيجابية أو سلبية علاقتها التاريخية من ناحية أخرى.         

إن الحوار بين الأديان في هذه الحالة يذكرنا بالحوار السياسي بين مجموعة من الدول المستقلة التي يعترف بعضها ببعض سياسيًا ولا يمكن أن يتم الحوار بينها بدون هذا الاعتراف بالاستقلال وعدم التبعية السياسية وإلا تحول الحوار السياسي إلى حوار بين تابع ومتبوع، وسيد ومسود، يفرض فيه السيد شروطه على المسود.

الحوار بين الأديان وتطوير أسلوب الخطاب الديني:
من أهداف الحوار بين الأديان تغليب أسلوب الحوار الديني في مجال العلاقات بين الأديان.         

وتعد هذه نقلة فكرية نوعية في أسلوب التعامل بين الأديان تنهي قرونًا من تاريخ الجدل الديني الذي ساده التعصب الديني، وحركته أسباب الدفاع التي نظرت إلى علاقات الأديان بعضها ببعض على أنها علاقات تحدٍ وصراع ومنافسة، وهي أسباب أدت إليها عوامل تاريخية ودينية معروفة في التاريخ الماضي للأديان.         

ولنضرب مثالاً بتاريخ العلاقات اليهودية والمسيحية مع الإسلام.         

فمنذ ظهور الإسلام نظرت إليه اليهودية والمسيحية على أنه دين معادٍ ومنافس فاتجهتا إلى مواجهته سياسيًا وعسكريًا.         

وبعد فشل المواجهة السياسية العسكرية اتجهتا إلى مواجهته دينيًا وفكريًا فنشأ الجدل الديني الذي هدف إلى الدفاع عن اليهودية والمسيحية دفاعًا عقديًا ضد دعاوى الإسلام من ناحية ونقده للديانتين من ناحية أخرى الأمر الذي أدى إلى تطور جدل إسلامي دفاعي يرد على النقد اليهودي المسيحي، ويدفع الشبهات التي أثارتها الديانتان ضد الإسلام.         

وقد كان هذا هو الأسلوب الفكري للتعامل مع الديانات الثلاث.         

وقد سيطر هذا النوع من الجدل على معظم تاريخ العلاقات اليهودية المسيحية الإسلامية.         

وقد تطور الاستشراق الأوروبي لمواجهة الإسلام والدفاع الديني عن اليهودية والمسيحية مستفيدًا من الجدل الديني اليهودي والمسيحي الشرقي والذي طوره رجال الدين اليهود والمسيحيون في الشرق ضد الإسلام.         

وانبرى علم الكلام عند المسلمين للرد على الجدل اليهودي المسيحي، كما نشأ بتأثير من علم الكلام في الإسلام علم كلام يهودي ومسيحي ليس فقط للدفاع عن الديانتين ضد الإسلام، ولكنه اتسع ليتضمن الدفاع عنهما ضد كل الأديان الأخرى، بل ضد الفرق والمذاهب الدينية داخل الديانتين.         

كما نشأ جدل بين اليهودية والمسيحية وهو بطبيعة الحال أقدم من الجدل ضد الإسلام حيث يعود إلى بداية ظهور المسيحية ذاتها وانفصالها عن اليهودية وبداية حركة جدل متبادلة بين الديانتين قبل ظهور الإسلام.         

ولاشك في أن هذا الجدل الديني تطور بين كل الأديان في العالم القديم والوسيط واستمر حتى العصر الحديث.

وقد أدى تطور الحوار في التاريخ المعاصر في المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية، وظهور فكرة حوار الأديان وحوار الحضارات، إلى ضرورة التفكير في أسلوب بديل للتعامل بين الأديان والحضارات بدأ بطرح الخيار بين تفاهم الأديان والحضارات أو صراعها وانتهى إلى الأخذ بمبدأ تفاهم الأديان والحضارات مناديًا بتغيير أسلوب التفكير الشائع في عصور الصراع وهو الأسلوب الجدلي، والاعتماد على الحوار بدلاً من الجدل.         

والحوار بصفته أسلوباً للتفكير ليس جديدًا بل هو من أقدم الأساليب التي استخدمها الإنسان في طرح الأفكار والمفاهيم ومناقشتها وتحليلها وتقويمها.         

فكثير من النصوص الدينية في الآداب الشرقية القديمة اعتمد على الحوار، كما أنه استخدم وسيلة للتعليم والتربية منذ  القدم، وقد توسعت الفلسفة في استخدام الحوار لتوصيل المضامين الفلسفية ومناقشتها، واشتهر في ذلك الفلاسفة اليونان بمحاوراتهم المعروفة مثل محاورات أفلاطون وغيرها.

وفي بعض فترات التسامح الديني تم اللجوء إلى المحاورة والمناظرة لمناقشة المعتقدات الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام.         

وقد عرفت البيئة الإسلامية هذا النوع من المحاورات والمناظرات والمساجلات التي ناقش فيها المتحاورون أعقد المسائل الدينية وفي روح من الموضوعية والتسامح تعد نادرة في ظل مناخ الصراع بين هذه الأديان في ذلك الوقت.

وللحوار بين الأديان محاسنه ومزاياه التي لا تتوافر في الجدل الذي ساد في عصور الصراع بين اليهودية والمسيحية والإسلام.         

ويمكن التعرف على هذه المحاسن والمزايا من خلال مقارنة بين إيجابيات الحوار وسلبيات الجدل الديني.         

وقد كان تاريخ الأديان عامة وتاريخ العلاقات الدينية بين اليهودية والمسيحية والإسلام على وجه الخصوص مصدرنا الرئيس للتعرف على هذه الإيجابيات والسلبيات.         

فقد توزع تاريخ الأديان عبر العصور بين الجدل والحوار تعبيراً عن مراحل الاختلاف والتفاهم والصراع والالتقاء بين الأديان.         

ويجب أن ننوه هنا إلى أن الجدل قد يكون إيجابيًا كما هو الحال في الجدال الحسن الذي عبرت عنه الآية القرآنية الكريمة: (وجادلهم بالتي هي أحسن).

ولكن الجدل الديني الذي نقابله بالحوار الديني لم يكن إيجابيًا في عصور تاريخ الأديان، والحقيقة أن الجدال الحسن يتساوى في الحوار مع الأهداف والآداب ويؤدي إلى النتائج نفسها.

الحوار ودعم الاعتدال في التدين:
يتولد عن الطبيعة الأساسية لكل من الحوار الديني والجدل الديني عدة أمور مهمة في تشكيل العلاقات الدينية بين الشعوب والأفراد.         

فالحوار الديني يشير بطبيعته إلى حرية التعبير الديني، فالمحاور له كل الحرية في إعطاء رأيه الديني الذي يمثل ديانته أو مذهبه في كل القضايا الدينية المطروحة في الحوار مع الأديان الأخرى، كما أنه يتفهم في الوقت نفسه الرأي الديني الآخر المعبر عن آراء الأديان الأخرى المشتركة في الحوار وذلك انطلاقًا من الاعتقاد بالتعددية الدينية والاعتراف بالأديان الأخرى، وكذلك انطلاقًا من تفهم المشاعر الدينية للآخرين، والاعتراف باختلاف التجارب والخبرات الدينية.

أما الجدل الديني فإنه لا يأخذ بحرية التعبير الديني، ويعترض على الرأي الديني الآخر انطلاقًا من عدم الاعتراف أصلاً بالتعددية الدينية وحرية الاعتقاد، ولذلك فهو جدل لا يراعي مشاعر المخالفين في الدين، ويميل دائمًا إلى تسخيف معتقدات الآخرين والسخرية منها.

تشير العناصـــر السابقـــة الذكر إلى أن النتيجــة النهائيــــة للحوار بين الأديـــان والمذاهب تؤدي حتمًا وبطبيعة الحوار إلى تولد حالة من الاعتدال الديـــني لدى أصحاب الغلو في الأديـــان.         

بينما يؤدي الجدل الديني إلى نمو الغلو في الديـــن، والتطرف فيه، والتعصب للمذهب.         

وعن الاعتدال، والوسطية تتولد مجموعة صفات تتناقض وتتضاد مع الصفات التي يولدها الغلو والتطرف الديني.         

فالاستماع للآخر والتحاور معه يؤدي إلى مزيد من الفهم والتعمق المؤدي إلى تحقيق درجة من تفهم المعاني والدلالات الدينية للموضوع الديني المطـــروح للحوار.         

فقبل الحوار نحن أمام رؤيتين مختلفتـــين للموضوع الواحـــد.         

وبعد الحوار تنكشف بعض المسائل الدينية الغامضة وتتضح الدلالات، وتكتسب بعدًا آخر للموضوع الديني كان غائبًا عن الأنظار بعيدًا عن الإفهام.         

وكل هذا يحدث في ظل الحفاظ على الشخصية أو الهوية الدينية للمحاور، فالفهم لا يلغي وجوده إنما يعمق مفهومه لدينه.         

ويضيف تفسيرات ودلالات جديدة كانت مطمورة أو مجهولة في ظل الرؤية الدينية الواحدة والبعد الديني الواحد.

ومن ناحية أخرى لا يعني الاعتدال التخلي عن العقائد الأساسية للدين إنما يؤدي إلى فهم الرؤى الأخرى حولها وتعميق الرؤية الخاصة للاعتقاد من خلال التعرف على مواقف الأديان الأخرى.         

كما يعني الاعتدال الاعتراف بالوجود الديني للآخرين وبحق الاعتقاد المختلف في الوجود إلى جانب اعتقاد المحاور.         

ولا يعني حق الاعتقاد الإيمان بما يعتقد فيه الآخر إنما الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا في الاعتقاد.         

وقد سبق أن أكدنا على ضرورة المحافظة في الحوار على الشخصية الخاصة بالأديان وعلى استقلالها العقدي.         

ويتضمن هذا الاعتدال في النظر إليها، وفي تحديد الموقف منها باتخاذ موقف وسط لا يقبلها للنفس ولا يرفضها للآخر في الوقت نفسه.         

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الاتجاه في قوله تعالى: (لكم دينكم وليَ دين) (سورة الكافرون: 6) وهو موقف يُفهم منه عدم قبول الدين المختلف كدين للمحاور.

الخاتمــة:
يسعى الحوار بين الأديان إلى تحقيق الفهم والتفاهم بين الأديان، ويرى هذا فارقًا جوهريًا بين الحوار الديني والجدل الديني.         

فالأول يهدف إلى فهم الأديان والمذاهب باستخدام الحوار وسيلة علمية وتعليمية ولطرح التساؤلات الهادفة إلى تحقيق الفهم وإدراك المعنى.         

وبالإضافة إلى هدف الفهم يهدف الحوار إلى تحقيق التفاهم بين الأديان لمعرفة نقاط الالتقاء من أجل دعمها وتقويتها، والتعرف على نقاط الاختلاف من أجل فهمها والتقريب بينها مع عدم اتخاذ التخلص منها هدفاً للحوار وذلك لأن نقاط الاختلاف تمثل خصوصية الأديان وهويتها، وتظهر شخصيتها في مواجهة الأديان الأخرى.         

ولذلك فالحوار البناء يحافظ على استقلالية الأديان، ويبني العلاقة بين الأديان على أساس من قبول التعددية الدينية وحرية التدين لتكون مبادئ مهمة ثابتة للحوار بين الأديان (3).

ويهدف الحوار الديني إلى تحقيق الفهم والتفاهم وتبادل المعارف الدينية لا فرضها بقوة الجدل وعلى الرغم من الثقافة الدينية الرفيعة التي يجب أن يكون عليها المحاور وبخاصة في مجال الأديان وموضوعات الحوار الديني فهو يجلس في مجلس المتعلم أمام صاحب الدين حين يشرح أمرًا يختص بدينه، وهو في الوقت نفسه قادر على تبادل الفكر والرأي معه إما بإعطاء وجهة نظر دينه في الموضوع المطروح أو حين يبدي رأيًا في الدين الآخر مبنيًا على أساس من معرفة علمية بالدين الآخر تسمح له بطرح التساؤلات وإثارة المسائل التي تساعد على الفهم وتكشف الغموض وتبعد الأخطاء والشبهات..         

والمحاور يتجنب الجدل ولكن من حقه أن يعرض اعتقاده ويصفه وييسر عملية فهمه، ويعطي الأدلة والبراهين الدينية والعقلية محافظًا على استقلالية دينه ومحاولاً فهم رؤى الأديان الأخرى للاستفادة منها في تعميق رؤيته الدينية الخاصة.         

بهذا الشكل يتطلب الحوار الديني مناخًا دينيًا متسامحًا وقاعدة علمية تسمح بحرية التعبير الديني وتبادل الآراء العلمية في المجال الديني.         

ويصبح الحوار الديني عملية علمية فكرية، تحقق الموضوعية العلمية في مجال فكري حساس وهو مجال الفكر الديني.         

وهذا المناخ الديني المتسامح مناخ يعترف بالتعددية الدينية ويقبلها على أساس من قاعدة الاختلاف الطبيعي بين البشر، وقد اعترف الإسلام باختلاف البشر وأنه يمثل ظاهرة طبيعية.         

وفي هذا يقول القرآن الكريم: (وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬‌ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ‌ۚ وَلِذَٲلِكَ خَلَقَهُمۡ‌ۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) (سورة هود، 118-119).         

بل إن الاختلاف بين البشر سبب مهم من أسباب اجتماعهم وتعارفهم وتبادلهم للمعارف: (يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ۬ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبً۬ا وَقَبَآٮِٕلَ لِتَعَارَفُوٓاْ‌ۚ إِنَّ أَڪۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَٮٰكُمۡ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات، الآية 13).

الهوامش:
(1)    محمود حمدي زقزوق، القرن الجديد وخيار الحوار الحضاري، الأهرام 23/8/1999م.
(2) صوفي أبو طالب، الحوار بين الأديان، في كتاب: الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري، القاهرة 1996م، ص98؛ وانظر: عدنان رضا النحوي، قاعدة الأخوة في الحوار الإسلامي، مجلة رسالة التقريب، العدد 23، طهران 1999م، ص208.
(3) عبدالعزيز التويجري، الهوية والعولمة، رسالة التقريب، العدد 23 طهران 1999م، ص132.

المصادر والمراجع:
*    صادق محمد الجبران، من أجل قواعد للحوار الإسلامي، مجلة رسالة التقريب، طهران، 1999م.
*    صوفي أبو طالب، الحوار بين الأديان، في كتاب: الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري، القاهرة 1996م.
*    عبدالعزيز التويجري، الهوية والعولمة، رسالة التقريب، العدد 23 طهران 1999م.
*    عدنان رضا النحوي، قاعدة الأخوة في الحوار الإسلامي، مجلة رسالة التقريب، العدد 23، طهران 1999م.
*    علي فهد الزميع، الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري، سلسلة قضايا إسلامية، العدد 15، القاهرة 1996م.
*    محمود حمدي زقزوق، القرن الجديد وخيار الحوار الحضاري، الأهـرام 23/8/1999م.