الربط بين المسجدين في ضوء تحويل القبلة
تخليص النفوس من كل عصبية..
أهم مقاصد القبلة الأولى شهر شعبان ملئ بنفحاته المباركة ففيه ترفع الأعمال، وفيه تحولت القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، ويطيب لنا أن نربط بينهما من منطلق التدبر لآيات القرآن الكريم.

قبلة المسلمين الأولى
حكمة تربوية:
أشار إليها قوله تعالى:
(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) (البقرة:143).

فقد كان العرب يُعظِّمُونَ البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدُّونهُ عنوان مجدهم القومي، ولَمَّا كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلّق بغيره، وتخليصها من كل نعرة ومن كل عصبية لغير المنهج الإلهي.. فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام فترة إلى المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعاً مجرداً من كل إيحاء آخر، ممن ينقلب على عقبيه؛ اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والأرض والقوم، والتميز ضروري للجماعة المسلمة في التصور والاعتقاد، والقبلة والعبادة.

تأليف قلوب اليهود:
وليتألف النبي صلى الله عليه وسلم قلوب اليهود الذين كانوا يتخذون المسجد الأقصى قبلة، علهم يشعرون بتقارب المنهج ووحدة السلوك والاتجاه فيسلموا.

أهمية الأقصى:
وجه الله المؤمنين إلى أهمية المسجد الأقصى تثبيتاً لما كان له من مكانة، فهو:
أ- ثاني مسجد بني في الأرض، إذ وضعت قواعده بعد المسجد الحرام بأربعين عاماً.
ب- أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها.
ج- والصلاة في الأقصى بألف فيما سواه على الصحيح.


فعن ميمونة بنت سعد رضى الله عنها قالت: يا نبي الله، أفتنا في بيت المقدس، فقال لها: "أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاتكم فيه كألف صلاة"، قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: "فليهد إليه زيتاً يسرج فيه، فإنه من أهدى كان كمن صلى" (أخرجه أحمد في المسند).

د- والأقصى رابع أربعة مواضع يمنع من دخولها المسيح الدجال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة والأقصى والطور" (أخرجه أحمد في المسند).

فوجب على المسلمين أن يحرروا قبلتهم الأولى ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم من دنس اليهود أحفاد القردة والخنازير.

قبلة جديدة.. لماذا؟
ليتحقق تميُّز المسلم الكامل في كل شيء:
ففي الحديث:
"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (متفق عليه).

وأيضاً:
"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً" (أبو داود وابن ماجه).

وليقطع الطريق على اليهود الذين قالوا: "يتبع قبلتنا ويخالف ديننا".

ارتباط المقدسات مع بعضها البعض:
ويسبق ذلك كله التأكيد مرة أخرى (بعد حادثة الإسراء والمعراج) على ارتباط المقدسات مع بعضها البعض؛ إذ حين استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس كان قلبه معلقاً بالبيت الحرام ويتمنى أن يعود لاستقباله.

قال تعالى:
(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) (البقرة:144).

وحين عاد لاستقبال الكعبة لم يتنكر لقدسية بيت المقدس، بل ظل كما هو أحد المقدسات ومن أشرف البقاع كما بينَّت سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم.

دروس مستفادة من تحويل القبلة
1 - سرعة الاستجابة لأمر الله:
فعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلّى أول صلاة صلّاها: صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل مِمَّنْ صلّى معه، فمَرَّ بأهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَلِ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يُصلي قِبَلَ بيت المقدس، قبلة أهل الكتاب، فلمَّا ولّى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك (متفق عليه انظر الفتح 1 - 118).

فيؤخذ من هذا الحديث:
أن أهل المسجد الذين مَرَّ بهم الرجل وهو عبَّاد بن بشر قد استجابوا استجابة فورية، ولم ينتظروا الصلاة القادمة بل تحوَّلوا فوراً؛ طاعة لله عز وجل. وهكذا المسلم الحق!

2 - محاولة الأعداء التشكيك والطعن في الإسلام:
قال تعالى:
(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (142 البقرة).

والسُّفهاءُ هم اليهود، كما جاء في صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كانت.

وقد سمَّاهم اللهُ السُّفهاء أيضاً في قوله:
(أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) (الأعراف:155).

فالمُرادُ بالسُّفهاء في الآية: السَّبعون من كبار اليهود وقادتهم الذين ذهبوا مع موسى عليه السلام للقاء الله، فقالوا لموسى عليه السلام: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (البقرة:55).

وسمَّاهم القرآن أعداء أيضاً:
(قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150 الأعراف).

ولعلنا لم ننس بعد استهزاء اليهود وسخريتهم من نبينا صلى الله عليه وسلم وتدنيسهم، وتمزيقهم للمصحف الشريف، في غيبة أي رد من الأمة المسلمة تثبت به أنها على قيد الحياة.

وكذلك المنافقون الذين شككوا في صحة صلاة من مات قبل أن تحول القبلة.

فعن البراء بن عازب أنه قال: مات على القبلة قبل أن تحول رجال، وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم؟ فأنزل الله تعالى قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) (البقرة: 118) (فتح الباري1-188).

3- أبعاد حادثة تحويل القبلة
لقد كان لحادثة تحويل القبلة أبعاداً كثيرة:
منها السياسي،
ومنها العسكري،
ومنها الديني،
ومنها التاريخي.


فبُعْدها السياسي أنها جعلت الجزيرة العربية محور الأحداث، وبعدها التاريخي أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي لإبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وبعدها العسكري أنها مهدت لفتح مكة، وبعدها الديني أنّها ربطت القلوب بالحنيفية، وميزت الأمة الإسلامية عن غيرها.. ومن ثم كان تحويل القبلة نعمة من نعم الله علينا، كما قال الله تعالى: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة: من الآية150)..

وهكذا كان حدث تحويل القبلة تربية للصحابة وللأمة وتشكيلاً للشخصية المسلمة المتميزة، التي لا ترضى إلا بالإسلام ديناً ومنهجاً كاملاً للحياة.. فلا ينبغي للمسلم أن يعبأ بأوهام الأعداء وتشكيكهم، فالكلاب تنبح والقافلة تسير، والأقصى سيعود رغم القيود، يوم أن يكون ولاؤنا بصدق وإخلاص لله تعالى، ويوم أن نعد أنفسنا الإعداد الصحيح على الفهم السليم لرسالة الإسلام.

المصدر:
https://www.ward2u.com/showthread.php?t=16600