منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة التوبة الآيات من 071-075

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 25780
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty
مُساهمةموضوع: سورة التوبة الآيات من 071-075   سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty10/09/19, 11:09 pm

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

جاءت هذه الآية بعد آية سابقة وُصِفَ فيها المنافقون في قوله تعالى: (ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ) (التوبة: 67).


فناسب أن يقابلهم بالمؤمنين والمؤمنات، وتلك مناسبة الضد بالضد؛ لأن قياس الضد إلى ضده يُظهر الأمرين معاً.

والمثال قول الشاعر حين يمدح محبوبته فيقول:
فالوَجْهُ مثْلُ الصبح مُبيضٌ والشَّعْر مثل الليل مُسْودُّ
ضِدَّان لما استجمعا حَسُنَا والضِّدُّ يُظهِر حُسْنه الضِّدُّ

وبعد أن ذكر الحق فضائح المنافقين ومعايبهم، وحنثهم فيما يحلفون، وخلفهم فيما يعاهدون، أراد أن يجعل تقابلاً بينهم وبين المؤمنين والمؤمنات.

لكن التقابل هنا اختلف في شيء؛ لأنه سبحانه قال في المنافقين: (ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ)، وحين تكلم عن المؤمنين قال: (وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) فالمنافقون والمنافقات وصفهم الحق (بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ) أي أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضاً.

وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر، فكلهم شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير أو يحاول رَدَّهم عن النفاق، بل هم يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى.

أما المؤمن فعقيدته مبنية على الاقتناع وعلى الخير.

فإن وُجد في مؤمن شر؛ فَوليُّه من المؤمنين يبعده عن الشر ويعيده إلى طريق الخير؛ ذلك لأن النفس البشرية لها أغيار متعددة، ولا يسلك كل مؤمن السلوك الملتزم تمام الالتزام بمنهج الله في كل شيء.

بل هناك خصلة ضعف في كل نفس بشرية.

فإن وُجِدَ في المؤمن ضعف فأولياؤه من المؤمنين يُبيِّنون له نقطة ضعفه ويُبصِّرونه وينصحون له، ويُرد في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضاً يُنبِّه غيره ويُبصِّره، وهكذا نجد أنه في المجتمع المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، وكل منهم ينصح الآخر ويعظه، ليكتمل إيمان الجميع، ومَنْ يقصر في شيء يجد القريب منه؛ وهو يسد الثغرة الطارئة في سلوكه.

أما المنافقون فيصفهم الحق (بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ) أي: أنهم جميعاً من بعض، فلا يتناهَوْنَ عن منكر فعلوه، ولا يوجد بينهم ناصح.

وقول الحق سبحانه وتعالى: (وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) لم يبين لنا من المولى ومن الموَالَى، فكل مؤمن وهو ولى وهو موال؛ لأن الولاية مأخوذة من "يليه"، أي صار قريباً، وضدها عاداهُ أي بَعُدَ عنه وتركه.

إذن: فالموالاة ضدها العداوة.

وفائدة القرب أن يكون الولي نصير أخيه المؤمن في الأمر الذي هو ضعيف فيه.

فإذا كنت ضعيفاً في أمر ما، فأخي المؤمن ينصرني فيه.

وما دام أخي المؤمن ينصرني في أمر ما، فإن صار هو ضعيفاً في شيء أنصره أنا فيه، فنتفاعل ونتكامل ويصبح كل منا ولياً ومُوَالَى.

 ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ) (العصر: 1-3).

ولو قيل: "وصَّوْا" لكان هناك أناس يوصون وأناس يتواصون، لكن الحق قال: (وَتَوَاصَوْاْ) ومعناها أن كل مؤمن عليه أن يوصي أخاه المؤمن.

فإن كان عندي نقطة ضعف فأنت توصيني وتقول: اعدل عن هذا ولا تفعله فأنت مؤمن.

وإن كانت فيك نقطة ضعف أقول لك: لا تفعل هذا فأنت مؤمن.

إذن: فكل واحد منا مُوص ومُوصىً.

كذلك الولاية فأنت وليي، أي قريب مني تنصرني في ضعفي، وأنا وليُّك، أي قريب منك، أنصرك في ضعفك لأننا أبناء أغيار؟

وكل واحد منا فيه نقطة ضعف تختلف عن نقطة ضعف الآخر.

والوَلاية تكون أيضاً في الحق، فقد أميل إلى الباطل في نقطة فيقول لي أخي المؤمن: اعدل.

وقد يميل هو إلى الباطل فأقول له: اعدل.

وهكذا يتكامل الإيمان، ولذلك تجد كلمة الوَلاية بمعنى القرب والنصرة في قول الحق في ذاته: (هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ) (الكهف: 44).

أي: أن النصر الحقيقي والقرب الحقيقي لله؛ لأننا نعيش في عالم أغيار، فقد تطلب النصر عندي فتكون قوتي قد ذهبت، أو يكون مالي قد فنى، أو يكون نفوذي قد انتهى، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو وحده القوي دائماً، والغني دائماً، الذي يُغيِّر ولا يتغير، وعندما ينصرك الله فهذا هو النصر الحقيقي الدائم لا نصر الأغيار.

ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: (أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: 62).

أي: أن الحق سبحانه وتعالى جعل أولياء لله.

 وكذلك يقول تبارك وتعالى: (ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ) (البقرة: 257).

إذن: فالحق سبحانه وتعالى مرة يكون موالياً.

ومرة يكون مُوَالىً، فإن واليت الله بطاعتك يواليك سبحانه بنصره.

ويقول تعالى: (إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).

أي: إذا تقربت إلى الله بطاعته ونصرة منهجه، فهو يقرب منك في أزماتك وينصرك ويُثبِّت أقدامك.

 إذن: فالولاية في الأصل هي القرب والتناصر، وما دام هناك تناصر فلابد أن تكون هناك نقطة ضعف في مؤمن، ونقطة قوة في مؤمن آخر، ولكن مَن الذي سيكون في ضعف دائماً، أو في قوة دائماً؟

لا أحد.

إذن: فكل واحد يَنصر، وكل واحد يُنصر.

 وما دام الحق سبحانه وتعالى قد قال: (أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ) ولم يعين البعض؛ فكل واحد صالح لأن يكون ناصراً ومنصوراً.

ولكي يتضح المعنى اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف: 31).

إذن: فقد اعترف الكفار بصدق القرآن وإعجازه ولكنهم لا يؤمنون؛ لأن القرآن نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينزل على أحد من زعماء قريش، فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً) (الزخرف: 32).

وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل منكم السادة والعبيد، ويجعل منكم الأغنياء والفقراء، وذلك في أمور الدنيا، فإن كنتم تريدون أن تُقسموا أمور الدين، فاقسموا أولاً معايشكم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الذي قسمها بينكم، وحياتكم في الدنيا تتبع قوانين الأسباب، ومن السهل عليكم أن تقسموها بدلاً من أن تأتوا لتقسموا رحمة الله التي هي حق لله سبحانه وتعالى وحده.

ونلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه، وما دامت كلمة (بَعْضٍ) مبهمة، فإن كلاً منا مرفوع ومرفوع عليه.

ولا يوجد واحد من البشر مرفوع على الجميع، بحيث يكون وحده مجموعة متكاملة من المواهب.

ولكن كلاّ منا متميز في ناحية وغير متميز في ناحية أخرى، حتى يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلا.

ولذلك فإن الإنسان المؤمن إذا كان مرفوعاً عليه في شيء فلابد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء أنا مرفوع فيه؟

وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟

ونقول له: أنت تتقن عملاً معيناً ولذلك أنت مرفوع فيه، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئاً، فأنت مرفوع عليك.

إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع عليّ، وفي الشيء الذي أجيده مرفوع على الناس؛ ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعاً مرة ومرفوعاً عليه مرة، وهذا هو معنى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ).

ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا إلى مجال واحد؛ هذا غني وهذا فقير، ولكننا لا ننظر إلى الصحة، أو العلم، أو الأولاد، أو صلاح الزوجة أو البركة في الحياة، وزوايا كثيرة، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في زاوية، فإنه قد يأخذ صفراً في زاوية أخرى.

 ومجموع كل إنسان في نهاية الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى.

فإن رأيت واحداً متفوقاً عليك في شيء.

فإياك أن تحسده, ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت تتفوق عليه، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك.

 إذن: فكل منا مرفوع ومرفوع عليه، ولابد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد المجتمع بموهبته، وربما كان نفعه للمجتمع خيراً من نفعه لنفسه.

انظر إلى النجار مثلاً تجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس، أما لنفسه فلا يتقنها، لماذا؟

لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً.

ولقد ضربنا مثلاً باليد اليمنى واليد اليسرى، فعند غالبية الناس نجد أن اليد اليمنى تؤدي الأعمال بسهولة، واليسرى تزاولها ببطء وتعثر، فإذا أردت أن تقص أظافر يديك مثلاً.

فأنت تمسك المقص بيمينك وتقص أظافر اليد اليسرى بسهولة، ثم تمسك المقص بشمالك وتتعثر في قَصِّ أظافر اليد اليمنى.

وهكذا نرى أنه لا يوجد إنسان يستمتع بالمواهب المكتملة.

بل هو يتقن شيئاً ولا يتقن أشياء، ولكن مجموع مواهب كل إنسان، تساوي مجموع مواهب كل إنسان آخر.

 والعدل الإلهي يتدخل هنا، فنجد -على سبيل المثال- الرجل الغني الذي يأكل خبزاً من الدقيق الأبيض الفاخر، ثم يأتي عليه وقت من الأوقات لا يستطيع أن يأكل إلا الدقيق الأسود أو السّن.

وتجد من يسرف في الطعام؛ لابد أن يأتي عليه وقت ويحرمه الأطباء من الطعام؛ لأنه أخذ منه أكثر من حقه.

وتكون صحته في أن يُحرم.

والحق سبحانه وتعالى وضع نظاماً كونياً يتساند فيه الجميع؛ لكي يلتحم الجميع.

فأنت تحتاج لي فيما أتقنه وأنا أحتاج إليك فيما تتقنه، وهكذا يتساند الناس ويتكون المجتمع السليم.

ولذلك يقال: الناس بخير ما تباينوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا وأصبحوا أصحاب موهبة واحدة أو عمل واحد لفسد الكون، كأن نكون كلنا قضاة مثلاً.

فمن الذي يعالج المريض؟

ومن الذي يحفر الأرض؟

ومن الذي يحمل الطوب؟

ومن الذي ينظف الطريق؟

إننا لو تشابهنا في الموهبة أو الثراء أو العمل فلن نجد أحداً يقوم بهذه الأعمال؛ لأننا لو كنا كلنا أطباء أو مهندسين أو صيادلة أو قضاة أو مشرعين لما استطعنا أن نعيش، بل لابد أن نختلف لأكون أنا محتاجاً لك وأنت محتاج لي.

وبذلك يتماسك المجتمع، وتُقضَى مصالح الكون بسبب الحاجة، وليس بالتفضل بين الناس.

ويصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم: (يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ) فإذا فعل مؤمن منكراً؛ جاء أخوه المؤمن فنهاه عنه، وإذا لم يفعل معروفاً جاء أخوه المؤمن وأمره بالمعروف, وكل واحد منا ناهٍ عن منكر، ومنهي عن منكر.

وأنت لا يمكن أن تأمر بمعروف وأنت تفعل عكسه، أو أنت بعيد عنه، فلا يمكن أن تكون في يدك كأس من الخمر؛ ثم تطلب من إنسان آخر يمسك كأس خمر أن يحطم الكأس التي في يده، لا يمكن إذن أن تنهى عن منكر وأنت تفعله؛ والذي يأمر بمعروف لابد أن يكون فاعله، والذي ينهى عن المنكر لابد أن يكون بعيداً عنه.

فكل مؤمن آمر ومأمور بالمعروف.

وناهٍ عن المنكر.

ويضيف الحق وصفاً للمؤمنين: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ) وإقامة الصلاة هي إعلان الولاء للخالق الأعلى، ومن له ديمومة لا نهاية لها.

والمؤمنون أولياء بعض، ولكن مَنْ وليُّهم جميعاً؟

إنه الله سبحانه وتعالى، ولابد أن يلتحموا بمنهج الولي الأعلى الذي لا نستغني عنه جميعاً.

 والله سبحانه وتعالى حين وصف المؤمنين أولياء بعض، قال لنا: (إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ) (محمد: 7).

إذن: فلابد أن نتجه جميعاً إلى الوالي الكبير.

فهو سبحانه فوق أسبابنا، وفوق قوتنا وهو الذي ينصرنا إنْ عزَّتْ ولاية الأفراد المؤمنين لبعضهم البعض، فنلجأ للولي الكبير.

وما دامت الولاية لله الحق، فلابد أن نستديم في ولائنا له سبحانه وتعالى.

 واستدامة الولاء لا تكون إلا بالصلاة.

وساعة تسمع المؤذن يقول: "الله أكبر" تسرع إلى الصلاة.

لماذا؟

لأن الله سبحانه وتعالى -وهو ربك وصانعك ووليك- قد دعاك إلى الصلاة، فلابد أن تجيب الدعوة.

 فإذا أحببت أن تزيد على الصلوات الخمس وتكون في معية الله دائماً فافعل، بعد أن تكون قد أدَّيْتَ ما فرضه سبحانه عليك من خمس صلوات في اليوم الواحد، وحين تُعْرَض الصنعة على صانعها خمس مرات كل يوم ففي هذا صلاح الإنسان.

وأنت إنْ جئتَ بأي آلة وجعلتَ المهندس الذي صنعها يراها كل يوم خمس مرات فلن تعطب أبداً.

كذلك الإنسان وهو صنعة الله، إذا عرض نفسه على الله خمس مرات كل يوم فإن العطب لا يدخل إلى نفسه.

والصانع من البشر حين تعرض عليه الآلة فيصلحها بماديات، سواء كان باكتشاف نقص في الوصلات الكهربية أو كسر في أي شيء، فالمادة تصلح بالمادة، ولكن الله سبحانه غيب، ولذلك فهو يصلحنا بالغيب، فلا تعرف ماذا فعل بك وأنت واقف أمامه تصلي.

لكنك تشعر بلا شك أن شيئاً فيك قد انصلح.

ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر -أي كان هذا الأمر فوق طاقته- قام إلى الصلاة؛ لأن أسبابه لم تستطع أن تفعل شيئاً فيتجه إلى المُسَبِّب، ويقف بين يديه؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك الحل.

ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال كأن الراحة بها، أي اجعل ملكاتنا تعتدل بالصلاة.

 لذلك كان لابد أن يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ) لأن الصلاة استدامة الولاء لله، والحق تبارك وتعالى يريدنا أن نكون موصولين به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضاً خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه الباب مفتوحاً لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله إلا فعلت.

ولكي تعرف الفرق بين سيادة الله وسيادة البشر، فإنك إذا ضعفت أسبابك أمام شيء، فإنك تطلب أن تقابل من هو أعلى منك مركزاً، فهو يملك أسباباً لقضاء حاجتك، فإذا طلبت مقابلته قد يقول نعم، وقد يقول لا.

فإذا قال نعم، يسألك عم ستتكلم فيه.

فإذا قلت: إنك ستتكلم في كذا، حدد لك الساعة واليوم والمكان ومدة المقابلة.

ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يفعل هذا.

أنت تذهب له في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وتتكلم فيما تريد، وهو سبحانه لا ينهي المقابلة أبداً، أنت الذي تنهي المقابلة مع ربك.

ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يمل الله حتى تملوا".

والحق جل جلاله لا يشغله شيء عن شيء؛ ولذلك فهو يقابل كل عباده في وقت واحد، ويستمع إليهم في وقت واحد، ويُجيبهم إلى ما يطلبون في وقت واحد.

ويقول سبحانه: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ) والصلاة تأتي مع الزكاة باستمرار؛ لأن في الصلاة استدامة ولاء لله المعطي، وفي الزكاة استبقاء حياة من يستحق أن تعطيه، فأنت تعطيه لتستبقي له حياته فيواصل الولاء لله معك؛ لأنه لا ولاء إلا بحياة، وأنت تساعده على استبقاء هذه الحياة؛ ولأن الزكاة إعطاء مال للفقير، والمال يأتي بالعمل، والعمل يحتاج إلى وقت، إذن: فأنت ضحيت بجزء من وقتك لتتصدق به، وفي الصلاة ضحيت بوقتك في أوقات محددة.

وفي الأوقات التي تعمل فيها هناك استدامة الولاء، بأن تخصص جزءاً من أثر هذا الوقت للزكاة، فلا يكون كل وقتك للعمل، وإنما يكون وقتك فيه عمل وفيه عبادة، فحين تخصص جزءاً من مالك الذي سيأتيك من العمل للزكاة تكون قد زكَّيت الوقت بالصلاة، وزكيت المال بالعطاء.

ويقول الحق: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ).

وقد ذكر الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

وهذه كلها طاعة لله بإقامة أركان الإسلام، فلماذا يقول سبحانه: (وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ)؟

نقول: الله سبحانه ينبهنا إلى أن أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

هذه الأركان ليست هي كل الإسلام.

بل هي القواعد التي بُني عليها الإسلام؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بني الإسلام على خمس”.

إذن: فهذه هي الأعمدة أو الأسس التي بُني عليها الإسلام.

ولكن الإسلام هو كل حركة في الحياة تصلح ولا تفسد، وتسعد ولا تشقى، ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن نفهم أن الإسلام ليس فقط بالأسس التي وضعت، ولكن لابد من طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما أمرنا به في كل حركة الحياة.

وحركات الحياة كلها متكاملة، وإذا نظرت للشيء الذي تستفيد به تجده وليد حركات متعاقبة ممن سبقوك حتى آدم -عليه السلام-، فإذا أخذنا أبسط الأشياء وهي وضع خميرة في عجينة الخبز؛ وكيف عرفنا هذا؟

نجد أننا أخذناها جيلاً عن جيل.

والذي بدأها ألهمه الله بحادث يقع أو بخطأ يتم إلى أن وصل إلى قيمة وضع الخميرة في العجين ليكسب الخبز طعماً، ومعظم مبتكرات الحياة قد أتت بالصدفة أو نتيجة أخطاء.

فالبنسلين -على سبيل المثال- اكتُشِف نتيجة خطأ.

وقاعدة أرشميدس التي بنيت عليها نظريات الغواصات اكتشفت نتيجة ملاحظة ألهمها الله لأرشميدس.

وحين يأتي ميلاد كشف جديد للبشرية، فسبحانه يهدي خلقه إلى هذا الكشف ولو كان بخطأ يقع منهم.

 ومثال آخر: ما الذي جعلك تفهم أن اللحم حين ينضج على النار أو يُشوى يكون طعمه أحلى؟

ما الذي جعلك تطهو بعض أنواع الخضراوات ولا تطهو أنواعاً أخرى.

كل هذا هدانا إليه الله.

(ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) (الأعلى: 2-3).

إذن: فكل ما ننتفع به في حركة الحياة، قد أتانا من أجيال مضت؛ ولذلك من يأتي ليقول: سأنقطع للعبادة صلاة وصوماً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

نقول: سنوافقك على انقطاعك للصلاة والصوم فقط.

ولكنك لكي تصلي؛ أنت تحتاج إلى طعام يعطيك القوة والقدرة لتصلي وإلا فسيستحيل عليك أداء الصلاة.

هَبْ أنك ستأكل رغيفاً من الخبز فقط، من أين تأتي بهذا الرغيف؟

من البقال.

ومن أين أتى به البقال؟

من المخبز.

ومن أين جاء المخبز بالدقيق؟

من المطحن.

ومن أين جاء المطحن بالقمح؟

من مخزن الغلال.

ومن أين جاء المخزن بالقمح؟

من المزارع.

والمزارع أتى بمحاريث وآلات من المصانع لكي يحرث الأرض، وجاء بآلات لكي يسقي.

 إذن: فأنت لا تستطيع الانقطاع للعبادة إلا إذا استفدْتَ بحركة غيرك، وكل عمل ذكرت فيه الله هو عبادة، وكل حركة في الحياة تعينك على أداء العبادة هي عبادة.

ومثال آخر: لكي تصلي لابد أن تستر عورتك في الصلاة، إذن: فأنت تحتاج إلى قماش تأتي به من التاجر، والتاجر أتى به من مصنع النسيج، ومصنع النسيج أتى به من مصنع الغزل، ومصنع الغزل أتى بالقطن من المحلج، والمحلج جاء به من الحقل، والحقل جُنِّدَتْ له معامل الدنيا ليعطيك أوفر محصول، ويقي القطن من الآفات.

كل هذه هي من حركات الحياة التي مكَّنتْكَ أن تستر عورتك في الصلاة، وكل منها عبادة.

 إذن: كان من الضروري أن يقول (وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ).

بعد: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ).

فبعد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة عليهم أن يطيعوا الله في الإسلام الذي بني على هذه الأركان.

 ثم يقول الحق: (أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ) وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين هم أولياء بعض، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، هؤلاء سيرحمهم الله.

وأيهما أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله، أو يقال سيرحمهم الله؟

الأبلغ أن يقال: (سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ) لأن السين تهتك ستار الزمن؛ وبذلك يحيا المؤمن دائماً في رحمة الله التي لا تنقطع.

 ولذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً) (مريم: 96).

أي أن الود سيكون مستمرّاً، حتى لمن استمع إلى هذه الآية ثم مات، إنه أيضاً ينتفع بود الله.

وأيضاً قال سبحانه لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) (الضحى: 5).

ولم يقل: يعطيك ربك، بل جاء بـ (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) لترى عطاء الحق مستمرّاً.

 وأنت حين تهدد أحداً لا تقل له: أنا أنتقم منك، بل تقول: سأنتقم منك، أي: أن الانتقام سيستمر مع الزمن.

وقول الحق سبحانه وتعالى: (سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ) تعطي أن صفة الرحمة في حق الله سبحانه أعلى من صفة الرحمة في المخلوق؛ لأن التراحم من الخلق على قدر الأسباب، أما الرحمة من الحق سبحانه فتكون بصفات الكمال التي لا تتناهى ولا تنتهي.

ومن الرحمة ألا يقع داء، والشفاء أن يوجد داء فيشفى؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ) (الإسراء: 82).

والاثنان يؤديان إلى سلامة المجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تُشْقي الإنسان، وهناك سلامة من أول الأمر.

وهناك سلامة ليست من أول الأمر.

ومن عنده خصلة سيئة -وهي داء- يشفيه منها القرآن، أما الرحمة فهي ألا يأتي داء ابتداء، ولذلك فالرحمة ممتدة.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ومعنى عزيز: أنه غالب على أمره، وما يريده يقع؛ ولا يُغلب.

ولكن إياك أن تفهم أن ذلك عن جبروت ظالم، لا.

لأنه سبحانه لا يظلم أحداً، ولأنه عزيز بحكمة.

وهناك عزيز بلا حكمة، تغريه عزته أن يطغى.

لكن الله عزيز حكيم، وعزته ليس فيها ظلم ولا طغيان، ولكنها بحكمة إلهية.

ويأتي بعد ذلك وعد الله للمؤمنين والمؤمنات بالجزاء والنعيم في الآخرة، فيقول الله سبحانه وتعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ...).



سورة التوبة الآيات من 071-075 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 25780
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 071-075   سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty10/09/19, 11:11 pm

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والوعد: بشارة بخير يأتي زمانه بعد الكلام.

والوعيد: إنذار بسوء يأتي بعد الكلام.

 الوعد يشجع السامع على أن يبذل جهده ويعمل؛ حتى يتحقق له الخير الذي وُعِد به.

والوعيد يعطي السامع فرصة أن يمتنع عما يغضب الله فلا يناله عذاب الله.

على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: (وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ) ثم ذكر العذاب الذي ينتظرهم، وبعد ذلك قال: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ) ثم وصف النعيم الذي ينتظرهم، مع أن الشائع في اللغة أن الوعد يكون بالخير والوعيد يكون بالشر، فكان من المناسب في عرف البشر أن يقول الحق سبحانه وتعالى: "أوعد الله المنافقين"؛ لأن الذي سيأتي بعد ذلك عذاب ونار وشر، وأن يقول في المؤمنين: وَعَدَ اللهُ لأن الذي سيأتي بعد ذلك جنة ونعيم وخير.

ولكن الأسلوب جاء مخالفاً للعرف البشري، فجاء بكلمة "وعد"، وهي تقال دائماً للخير في حديثه سبحانه وتعالى عن المنافقين والمؤمنين، واستخدام وعد بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات موافق للمنطق البشري؛ لأنه وعد بخير.

ولكن بالنسبة للمنافقين فقد جاء الحق سبحانه وتعالى بكلمة "وعد" مكان "أوعد”.

فالذي يتكلم هنا هو الحق سبحانه، فلا تَقِسْ كلام الله على كلام البشر؛ لأن البشر يفوتهم في كلامهم ملاحظ، ولكنها لا تفوت ولا تخفى على الله، والبشر يتفاوتون في الأداء وأساليبه ولكن الحق أسلوبه واحد.

فلماذا جاء سبحانه -إذن- بكلمة "وعد" بدلاً من "أوعد"؟

نقول: إن الحق سبحانه وتعالى بعد أن عرَّف المنافقين والمنافقات، ثم تكلم عن جزائهم إن إصرُّوا على نفاقهم، كان ذلك تحذيراً حتى لا يصروا على النفاق مخافة العذاب الذي ينتظرهم؛ عَلَّهم يقلعون عن النفاق وينصرفون إلى الخير من الإيمان.

إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين حذرهم بالوعيد نصحهم، كما تقول لمن يهمل في دروسه: سترسب إذا أهملت دروسك.

فتكون بذلك قد خدمت إقباله على المذاكرة.

وأوصلته بالوعيد إلى أن يتجنب الأمر الذي أوعد به؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 35-36).

هل الشواظ من النار نعمة حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: (فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أي: فبأي نعم ربك تكذب؟

نقول: نعم إنه نعمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى حين يوضح لك: إن خالفت هذا فستذهب إلى النار، يكون قد قدم لك العظة والنصيحة، والعظة والنصيحة نعمة؛ لأنه يجعلك تتجنب طريق النار وتختار طريق الجنة.

 إذن: فحين يحذر الله المنافقين والمنافقات بالمصير الذي ينتظرهم، يكون هذا خيراً ونعمة؛ لأنهم إن اتعظوا وأقلعوا عن النفاق إلى الإيمان فهم ينجون أنفسهم من عذاب النار، وفي هذا خير عميم.

ولذلك استخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة "وعد" ولم يستخدم "أوعد"، وتكون الكلمة مؤدية للمعنى الذي أراده الله.

وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ) والوعد كما قلنا بشارة بخير مستقبلي، والوعيد إنذار بشرٍّ يأتي في المستقبل، والوعد والإيعاد هما ميزان الوجود دنيا وآخرة؛ لأنك إن وعدت من يلتزم بمنهج الله خيراً، استحسن الناس جميعاً أن يصلوا إلى الخير باتباعهم المنهج، وإن أوعدتهم بشر إن خالفوا منهج الله؛ نفر الناس من المخالفة والمعصية خوفاً من العذاب وتجنبوا الشر.

فإن صدق وعدك لأهل الخير بالخير، وصدق وعيدك لأهل الشر بالشر؛ استقام ميزان الحياة.

 ولذلك نقول للذي يذاكر: إنك ستنجح، فإن أتقنت المذاكرة حصلت على المجموع الذي يؤهلك لدخول الكلية التي تختارها، وإن أهملت دروسك رسبت وفُصِلْتَ من التعليم وضاع مستقبلك.

هنا وعد ووعيد.

 إن وفَّيْتَ ما وعدت ووقيت ما توعدت، استقام ميزان الحياة.

ولكن إذا جئت لإنسان لم يذاكر وأنجحته وأعطيته أعلى الدرجات مخالفاً بذلك وعيدك له، فأنت تهدم قضية كونية يترتب عليها مصالح الخلق كلهم.

وإن وعدت من يحصل على 90% مثلاً أنه سيدخل كلية الطب، ثم أخلفت وعدك فدخل كلية الطب من حصل على 70% واستُبعِدَ الحاصل على 90% بسبب تدخل الأهواء تكون أيضاً قد اعتديت على حركة الحياة كلها وتفسد قضية العمل الجاد في حركة الحياة، وكل من لا يملك القدرة على تنفيذ ما وعد به أو أوعد به، لا يكون لكلامه وزن في حركة الحياة.

على أنه إذا كان الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى فإنه مختلف مع منطق البشر؛ لأننا أهل أغيار، فقد أعد بخير لا استطيع تنفيذه، وقد أعد بعقاب ثم أضعف بسبب ظروف معينة فلا أقوى على التنفيذ.

إذن: فلكي تستقيم حركة الحياة، لابد أن يأتي الوعد والوعيد من القادر دائماً، القوي دائماً، الموجود دائماً؛ صاحب الكلمة العليا بحيث لا يوجد شيء يمكن أن يجعله لا يفي بوعده أو لا يُتِمُّ وعيده، فإذا قرأت سورة المسد تجد الحق سبحانه يقول فيها: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)(المسد: 1-5).

وقد حكم الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة؛ بأن أبا لهب وامرأته سيموتان كافرين وسيدخلان النار، ولكن كثيراً ممن كانوا كفاراً وقت نزول هذه السورة مثل: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص وغيرهم؛ آمنوا وحَسُنَ إسلامهم وجاهدوا في سبيل الله، فلماذا حكم رسول الله بأن أبا لهب وامرأته لن يؤمنا كما آمن عمرو، وكما آمن عكرمة، وكما آمن خالد بن الوليد وغيرهم؟

نقول: إن هذا ليس حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه الحق سبحانه وتعالى، وإذا حكم الله فإياك أن تشُكَّ في هذا الحكم؛ لأنه لا إله إلا الله وهو على كل شيء قدير.

 لذلك جاءت هذه السورة، وبعدها في المصحف الشريف في سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ) (الإخلاص: 1-2).

وما دام الله أحداً فأمره نافذ حتى في الأمور الاختيارية في الحياة، فإذا قال الله: (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ).

وإذا وعد بخير فإنه سيأتي لا محالة، وإذا أوعد بشرّ فسوف يقع حتماً.

 إذن: فلكي تستقيم موازين الحياة، كان لابد أن يأتي الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى حتى نكون على يقين بأنه سيحدث؛ لأنه لا أحد يشارك الله في مُلْكه، ولا يوجد قوي إلا الله، ولا غالب إلا الله؛ لأنه هو الله أحد.

وقد يأتي الحق سبحانه وتعالى بسنة كونية واقعة، فأنت حين تزرع الأرض وتُحسن حَرْثها، وريَّها ووضع البذور فيها يأتيك المحصول بخير عميم.

وإذا أهملت الأرض وتركتها بلا حرث ولا زرع ولا بذور فهي لا تعطيك شيئاً.

 إذن: فالسُّنة الكونية هنا أعطت وعداً للذي يجدُّ في زراعة أرضه بالمحصول الوفير، وأعطتْ وعيداً للذي لا يُقبل على زراعة أرضه بأنه لا يحصل على ثمرة واحدة منها.

ولو اختلف الأمر ووجدنا من زرع وحرث وسقي لم يحصل على الثمار، ومن لم يزرع ولم يفعل شيئاً أعطته الأرض من ثمارها الكثير، لانقلبت المعايير في الكون، وما وجدنا أحداً يزرع أرضه.

 إذن: فلكي تستقيم سنة الحياة، إما أن يكون الوعد والوعيد من قادر على التنفيذ لا يضعف ولا يتغير.

وإما أن يكون بسنة كونية نراها أمامنا في كل يوم ولا يقع ما هو مخالف لها.

فالذي يجتهد ينجح، والذي لا يذاكر يرسب.

سُنة كونية.

لو صدقت مع الواقع يعتدل ميزان الحياة.

ولو لم تصدق مع الواقع وتدخلت الأهواء لتجعل من لا يذاكر ينجح ومن يذاكر يرسب؛ اختلف حركة الحياة المثمرة الناجحة.

 إذن: فميزان الوعد والوعيد هو دولاب حركة الحياة، فإن اختل هذا الميزان وجاء الوعد مكان الوعيد؛ أي كوفئ الذي لا يعمل وعوقب الذي يعمل فسد الكون.

لماذا؟

لأن كل إنسان يحب النفع لنفسه، ولا يختلف في ذلك مؤمن أو عاصٍ أو كافر، ولكن العاصي والكافر يحبان نفسيهما حبّاً أحمق؛ فيحققان لها نفعاً قليلاً زمنه محدود؛ بعذاب مستمر زمنه بلا حدود.

أما المؤمن فهو إنسان يمتاز بالذكاء وبُعْد النظر؛ لذلك فهو حرم نفسه من متعة عاجلة في زمن محدود، ليحقق لها متعة أكبر في زمن لا ينتهي.

ولقد ضربنا مثلاً لذلك -ولله المثل الأعلى- فقلنا: هَبْ أن هناك أخوين: أحدهما يستيقظ من النوم مبكراً، فيصلي ويفطر ويأخذ كتبه ويذهب إلى المدرسة، ويحسن الإنصات للمدرسين ويعود إلى البيت ليذاكر دروسه.

والآخر يظل نائماً يتمتع بالنوم، ويقوم عند الضحى، فيخرج ليتسكع في الشوارع، وحين تُحدِّثه نفسه بأي متعة فهو يحققها بصرف النظر عن منهج الله وقيم الحياة.

 إن كلا الأخوين يحب نفسه، لكن الأول أحب نفسه فأعطاها مشقة محتملة في سنوات الدراسة؛ لتعطيه راحة ومركزاً ومالاً بقية حياته، أما الأخ الثاني فقد أحب نفسه أيضاً وأعطاها المتعة العاجلة ولكنه أضاع مستقبله كله، فلم يَعُدْ يساوي شيئاً في المجتمع.

 إذن: فكل منا يحب نفسه، ولكن مقاييس الحب هي التي تختلف.

فمنا مَنْ يأخذ المقياس السليم، فيتحمل مشقة قليلة ليأخذ نعيماً أبديّاً، ومنا من يعطي نفسه متعة عابرة ليفقد نعيماً مقيماً.

 والعجيب أنك تجد أن هذه هي سنة الحياة الدنيا، فلا تجد إنساناً ارتاح في حياته إلا إذا كان قد أجهد نفسه في سنواته الأولى؛ ليصل إلى الراحة بقية عمره، ولا تجد إنساناً فاشلاً عالة على المجتمع إلا إذا كان قد أخذ حظه من الحياة في أولها ليشقى بقية عمره.

 لذلك يقال دائماً: إنه لا يوجد من يأخذ حظه من الحياة مرتين أبداً، فالذي يتعب في أول حياته يرتاح بقية عمره، والذي يرتاح أول حياته يتعب بقية عمره.

والمثل الشائع يقول: من جار على شبابه، أي: ضيَّعه فيما لا يفيد؛ جارت عليه شيخوخته.

والقائمون على الأمر عليهم أن ينبهوا المقبلين على الحياة بالوعد والوعيد حتى يستقيم أمر حياتهم، وعليهم ألا يُؤجِّلوا الوعد إلى أن تنضج الثمرة.

ولا الوعيد إلى أن يحدث الشر ويقع.

وعلى كل ولي أمر؛ في أي مكان؛ أن يراقب حركة المقبلين على الحياة من أبنائه أو من يتولى أمرهم، فيشجع ويعد المجتهد، ولا ينتظر حتى ينجح، بل لابد من الوعد لكي يتم الاجتهاد.

ولابد من الوعيد قبل أن يرسب الابن أو يضيع حياته، فلا ننتظر حتى يفسد الإنسان ثم بعد ذلك نتوعده؛ لأن الوعد والوعيد هما اللذان يَزِنَانِ حركة الحياة.

 ولكن إذا رأينا في مجتمع ما أن الذي يعمل لا يأخذ شيئاً، والذي لا يعمل يأخذ كل شيء، نعرف أن مقاييس العمل قد اختلت.

وأن المتاعب قد بدأت في المجتمع؛ لأن الذي يعمل حين يجد أن العمل لا يوصله إلى شيء فهو يوجه حركة حياته إلى غير عمله، فيبذل جهده كله في النفاق والرياء، وقَلْب الحقائق وإرضاء الذي يملك الأمر.

وتكون النتيجة هي فقدان المجتمع لقيمة العمل فيصبح المجتمع بلا عمل منتج، ويصير مجتمعاً بارعاً في النفاق والرياء وضياع الحق.

وقد وضع الحق سبحانه وتعالى مقياس حركة الحياة في الوعد والوعيد؛ فلا تُعْطِ حافزاً إلا لمستحق، ولا مكافأة إلا لمجتهد؛ ولكنك إذا بعثرت الحوافز على المنافقين، والذين يحققون لك أهدافك الشخصية، كأن يخدموك في بيتك أو يقضوا لك مصالحك الخاصة، ومنعت الحوافز عن الذي يعمل في جد، تكون بذلك قد أفسدت حركة الوعد والوعيد؛ فتختل حركة الحياة في المجتمع؛ لأن حركة كل إنسان يتقن العمل ويجيده، هي حركة تنفع المجتمع كله، بصرف النظر عن صاحب الحركة نفسه، فإذا وُجد عامل نشيط أنجز مصالح عشرات الناس، أو موظف مخلص ارتاح كل من يتعاملون معه، فإن أضعْتَ أنت هؤلاء، فكأن المجتمع هو الذي خسر.

لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف -ومعنى الكهف مغارة في جبل، والحقائق أيضاً لها كهوف- حين ضرب سبحانه وتعالى مثلاً عن ذي القرنين قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً) (الكهف: 83) فما هو الذكر الذي يعنيه الله سبحانه وتعالى هنا؟

بعض الناس يحاول أن يُدخلَ نفسه في متاهة بالسؤال عمَّنْ يكون ذو القرنين، هل هو قورش؟

أو الإسكندر الأكبر أو غيرهما؟

نقول: إن هذا لا يعنينا، بل ما يعنينا هو أن نلتفت إلى أن ذا القرنين هو إنسان مكَّنه الله في الأرض.

وهذا ينطبق على كل إنسان مكَّنه الله في الأرض؛ في أي زمان، وفي أي مكان.

 ومهمة من يمكنه الله في الأرض ألا يكتفي بعطاء الله من الأسباب، بل عليه أن يُولد من الأسباب قوة؛ مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف: 84-85).

مهمته -إذن- أن يثيب من يحسن عمله، ويعاقب من أساء عمله، وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: (قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً) (الكهف: 86-88).

وأول ما يجب أن يهتم به كل مُمكَّن في الأرض، بعد توليد الطاقة من الأسباب، هو معاقبة الظالم لتستقيم الأمور بالضرب على يده.

وفي هذا إصلاح لحركة الحياة في الدنيا، أما في الآخرة فللظالم عذاب آخر، ذلك أن الذين يعيثون فساداً في الأرض لا يمكن أن نتركهم لعذاب الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.

ولو تركناهم؛ ولم نضرب على أيديهم؛ لملأوا الأرض فساداً.

والفساد في المجتمع لا يصيب المفسد فقط، ولكن يكتوي به المجتمع كله.

 إذن: فلابد أن نُعجِّل لهم بالعقوبة في الدنيا، لنحمي المجتمع من الفساد، ثم يعذبهم الله في الآخرة، وهو سبحانه لم يؤمنوا به، ولم يحسبوا حساب لقائه يوم القيامة، وأما من آمن وأصلح في المجتمع وصلح المجتمع بإيمانه، فلابد أن نجازيه خيراً ونشجعه.

هذا هو قانون صلاح الكون، وتلك هي معاييره.

وكما قلنا، يشترط فيمن يقوم بتنفيذ الوعد والوعيد القدرة الدائمة وعدم التغيير والوجود الدائم، فإذا كانت القدرة مطلوبة، فلا يوجد أقدر من الله، أما التغير فالله يُغير ولا يتغير، وأما البقاء فلا بقاء ولا دوام لغير الله؛ ولذلك نجد أن المؤمن الحق هو من يعلم أن وعد الله لا تمسُّه الأغيار، أما وعد البشر فهو عُرْضة للأغيار.

لذلك يطلب منك الحق أن تقول: "إن شاء الله" حين تعد بشيء لتكون صادقاً.

ويقول سبحانه: (وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً) (الكهف: 23-24).

وليس معنى هذا أن نمتنع عن التخطيط ووضع خطط لعام قادم أو لخمس سنوات قادمة، ولكن قل: إن شاء الله سوف أفعل ذلك غداً، و: إن شاء الله سأفعل كذا في العام القادم؛ لأن الذي تَعِدُ به، قد يأتي وقت الوفاء ولا تجد عندك القدرة على أن تفعله.

فإذا قلت -مثلاً- لإنسان: سنتقابل غداً في مسجد السيدة زينب -رضي الله عنها- ونتكلم في موضوع كذا.

هل أملك أن أعيش لغد؟

أو يملك مَنْ وعدته أن يعيش لغد؟

أو أملك أن يظل سبب اللقاء موجوداً؟

يجوز أني كنت سأقابله لأقترض منه عشرة جنيهات، وجاءني مال في أثناء الليل، أو غيَّرت رأيي.

 إذن: فساعة تقول "سأفعل ذلك غداً"، قل: "إن شاء الله"؛ لأنك لا تملك شيئاً من أسباب الفعل.

فكل فعل إنما يحتاج لفاعل وأنت لا تضمن بقاءك كفاعل.

ويحتاج كل فعل إلى مفعول يقع عليه، وأنت لا تضمن بقاء المفعول، وكل فعل يحتاج إلى قوة ليتم، وأنت لا تضمن بقاء قوتك؛ فيجوز أن تمرض ولا تقدر على الحركة.

كذلك يحتاج كل فعل إلى سبب كي تفعله، وقد يتغير السبب.

إذن: فأنت لا تضمن شيئاً من أسباب الفعل؛ لذلك لا تقل سأفعل ذلك غداً؛ لأن الذي يملك أن يبقيك لغد، أو يُبقي السبب أو يُبقي القدرة هو الله، إذن: فكل شيء نقوله لابد أن نقول: "إن شاء الله"؛ لأنه سبحانه وتعالى وحده الذي يملك عناصر الفعل.

 ولكن إذا كان الذي وعد هو الحق سبحانه وتعالى، فوعده محقق التنفيذ؛ لأنه باق لا يموت، قادر دائماً لا تضعف قدرته، فعَّال لما يريد.

 وبعد أن تكلم الحق جل جلاله عن المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وقد وعد سبحانه بأنه سيرحمهم.

فكيف ستكون هذه الرحمة؟

لذلك يقول سبحانه وتعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) إذن: فالحق سبحانه وتعالى وعد المؤمنين والمؤمنات بالجنة، والجنة تطلق على البستان والأماكن الجميلة تملؤها الزهور والأشجار، وهذه عامة للمؤمنين يتمتعون بها جميعاً، ثم يأتي قوله تعالى: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) وهذه المساكن زيادة على هذه الجنة، وهنا وعد من الله لكل مؤمن بجنة خاصة بمفرده يكون له فيها مسكن طيب.

إذن: فعندنا جنات، وهي لجميع المؤمنين، ثم مساكن طيبة، أي مسكن طيب لكل مؤمن، وما هو الطيب في هذه المساكن؟

لنا أن نلاحظ أن الإنسان يحب الشيوع أولا.

ثم يحب الانكماش ثانياً، وإذا أراد أن يملك فهو يريد أن يملك مكاناً متسعاً خاصاً به، ثم يخصص في هذا المكان مأوى طيباً خاصّاً به.

 وقول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) أي: ليس فيها ما يسيء أو يضايق، بل كل ما فيها يملأ النفس بالسرور والبهجة.

وكلمة "جنة" هي المكان الذي فيه زروع وخضرة، وهذه الزروع تسترك وتخفيك عن الأعين، أو أنها تسترك فلا تحتاج إلى أن تخرج منها؛ لأن فيها كل مقومات حياتك من طعام وشراب.

والحق سبحانه وتعالى أطلق لفظ "الجنة" على بساتين الأرض، فقال: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) (البقرة: 266).

ويقول تعالى أيضاً: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ) (القلم: 17).

وعندما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة الجنة في الآخرة؛ كيف بيَّنها لنا سبحانه مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟

نقول: الوجود المعروف في الكون هو الوجود الذي تراه أو تسمعه، وفي هذه الحالة يكون الوجود أوسع؛ لأنك ستسمع الذي رآه غيرك حين يقصه عليك.

إذن: فالسماع أوسع من الرؤية لأنه يأخذ مجالك ومجال غيرك.

فأنت إذا قلت: إنك ذهبت إلى نيويورك مثلاً تكون قد رأيت، فإذا لم تذهب ونقل إليك أحد أصحابك صورة هذه المدينة، تكون دائرة معلوماتك أوسع؛ لأنك أضفت إلى علمك ما رأيته وما رآه غيرك.

وأما الأشياء التي لا تخطر على بال بشر، فهي أوسع كثيراً مما ترى وتسمع؛ لأنها أشياء فوق الحصر.

والكلمات توضع لمعانٍ معلومة، فألفاظ اللغة لابد أن توضع لمعانٍ مرت على العين، أو مرت على السمع، أو مرت على الخاطر.

فقبل أنّ يخترع التليفزيون لم يكن له اسم، إذن: فلا يمكن أن يكون هناك اسم، إلا إذا كان هناك وجود أولا.

ولكن قبل الوجود لا يكون هناك في اللغة ما يعبر عن شيء غير موجود.

ولكن الألفاظ تضاف إلى اللغة بعد وجود الشيء.

وهذه مهمة المجامع اللغوية في العالم.

فالأشياء توجد أولا.

ثم تجتمع هذه المجامع لتختار لها أسماء.

ولكن الجنة في الآخرة سيكون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فليس عندنا ألفاظ تعبر عما في جنة الآخرة، فإذا أضفنا إلى ذلك "ولا خطر على قلب بشر" تكون اللغة عاجزة تماماً عن أن تعبر عما في جنة الآخرة.

 وسبحانه وتعالى حين يريد أن يعطينا صورة عن الجنة التي وعد بها المتقين فهو يوضح: أنتم لا تستطيعون أن تأخذوا هذه الصورة من لغتكم؛ لأن لغتكم قاصرة فأنتم لم تروا هذه الأشياء، ولم تسمعوا عنها ولا تستطيع عقولكم أن تستوعب ما في جنة الآخرة؛ لأن فيها ما لم يخطر على قلب بشر.

ولذلك فهو سبحانه وتعالى يعطينا فقط مثلاً ليقرب لنا الصورة فلا يقول الجنة، وإنما يقول: (مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ) (محمد: 15).

أي: أن هذا مثل فقط يقرب الصورة، ولكنه ليس حقيقة ما هو موجود في الجنة.

وهنا يقول سبحانه: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ) و (جَنَّاتٍ) جمع "جنة”.

ومادة الجيم والنون هذه مأخوذة من الستر والتغطية.

اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ) (الأنعام: 76).

يعني: ستر وأظلم، والجنون ستر العقل.

والجنة تستر من فيها؛ لأن أشجارها كبرت ونمت وترعرعت.

بحيث يكون من يسير فيها مستوراً بأغصان الشجر وأوراقه؛ فلا يراه أحد.

ويكون مستوراً في كل مطلوبات حياته.

فلا يحتاج أن يخرج منها؛ لأن فيها كل مطلوبات الحياة من الماء والطعام والمكان يجلس أو يتريض فيه، وغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليه.

 فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين والمؤمنات جنات، فإن المؤمنين جماعة، والمؤمنات جماعة، والموعود به جنات جمع، وتقابل الجمع بالجمع يقتضي القسمة لآحاد، فيكون المعنى: أن الله وعد كل مؤمن جنة، ووعد كل مؤمنة جنة، والأفراد ستتكرر.

 إذن: فالموعود به جنات لابد أن تتكرر، فإذا قسمناها عرفنا نصيب كل مؤمن ومؤمنة، تماماً مثلما يقول الأستاذ لتلاميذه، أخرجوا كتبكم.

و "أخرجوا" أمر لجماعة، وكتبكم جمع، أي: أن يخرج كل تلميذ كتابه.

وقول المعلم "أمسكوا أقلامكم" يعني: أن يمسك كل تلميذ قلمه.

إذن: فقول الحق سبحانه (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ) أي: أن لكل واحد جنة.

ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الرحمن: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: 46).

وهنا لابد أن ننتبه لمعطيات الألفاظ في سياقها ومقامها؛ فسورة الرحمن لا تتكلم عن الإنس فقط، وإنما تتكلم عن الإنس والجن.

فسبحانه وتعالى يقول: (خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) (الرحمن: 14-15).

وكذلك قوله جل جلاله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ) (الرحمن: 31).

إذن: فيكون للإنس جنة وللجن جنة؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)  (الرحمن: 46).

من خاف مقام ربه من الإنس له جنة، ومن خاف مقام ربه من الجن له جنة.

 ويمكن أن يكون المعنى أن لكل واحد جنتين؛ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أزلاً ما سيصير إليه أمر عباده من التقوى أو الفجور، ولكنه تبارك وتعالى لم يخلق للمتقين جنات تكفيهم وحدهم، أو يخلق للكفار ناراً تكفيهم وحدهم، بل خلق لكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة جنة، ولكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة ناراً، فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ بقيت الجنات التي خلقت ولم يدخلها أحد؛ لأن أصحابها من أهل النار، فيقوم الحق بتوزيعها على المؤمنين أصحاب الجنة؛ مصداقاً لقوله تعالى: (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الزخرف: 72).

أي: أنها لم تكن مخلوقة لكم، ولكنكم ورثتموها؛ لأن أصحابها من أهل النار.

ونزيد الأمر هنا توضيحاً، فالقرآن الكريم له أسلوب مميز؛ لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى.

 ولذلك فإن كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم يأتي مطابقاً للمعنى تماماً.

وفي اللغة، قبل أن تتكلم لابد أن تكون عالماً بمعنى اللفظ.

وأن يكون محدثك أيضاً عارفاً معناه حتى يستطيع أن يفهمك.

فإذا قلت لإنسان مثلاً: أحضر لي كوباً من الماء لأشرب، فلابد أن يكون عارفاً لمعنى الماء ومعنى الكوب، وإلا فإنه لن يفهم.

 إذن: فبالتخاطب توجد المعاني أولاً ثم توجد لها الألفاظ؛ ولذلك قبل أن يتم اختراع التليفزيون لم يكن المعنى موجوداً، وعندما اخترع وفهمنا معناه وضع له الاسم.

فإذا وجدت لفظاً في اللغة، فاعلم أن المعنى قد وجد أولاً قبل أن يوضع اللفظ أو الاسم، ولعل هذا هو أكبر دليل لغوي ضد من ينكرون وجود الواجد الأعلى.

نقول لهم: إن الله موجود في كل لغة؛ وبما أن المعنى في اللغة يوجد أولاً.

فوجود الله سبحانه وتعالى سابق لمعرفتنا باسمه سبحانه وتعالى؛ لأن الاسم لا يمكن أن يوجد إلا بعد أن يوجد المعنى، وما دمت قد نطقت بالاسم، فهذا دليل على أن الله موجود.

إذن: فقولك: إن الله غير موجود باطل؛ لأنك ما دمت قلت: "الله"، ووجد لفظ الجلالة في لغتك؛ فلابد أن الله سبحانه وتعالى موجود قبل وجود لفظ الجلالة.

والكفر طرأ على اللفظ، فحاول أن يستره؛ ولذلك سمى الكفر ستراً لوجود الله.

والستر لا يكون إلا لموجود.

 إذن: فالذي كفر، ستر موجوداً؛ فأعطى دليل الإيمان؛ لأنك أيها الكافر -والعياذ بالله- تعرف لفظ الله في لغتك، ولو لم يكن الله موجوداً ما وُجد لفظ "الله" سبحانه وتعالى في اللغة.

 إذن: فوجود الله سابق لمعرفتنا اسم الله، ومحاولة ستر ذلك بالكفر إنما هي دليل على وجود الله، لأنك لا تستر إلا ما هو موجود.

 ولفظ الجنة في القرآن الكريم أطلق على معان كثيرة، في قوله تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) (القلم: 17).

وقوله جل جلاله: (جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ) (الكهف: 32).

إذن: فالجنة أطلقت في القرآن على المكان الذي فيه زروع وثمار وأشجار، فهو يحجب من دخله، أو يمنع الإنسان بالخير الذي في داخله من الحاجة للخروج إلى مكان آخر؛ لأن فيه كل مقومات الحياة.

وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبشرنا بشيء في الآخرة، لابد أن يشبهه لنا بشيء نفهم معناه في الدنيا؛ لأن اللغة مكونة من ألفاظ وأسماء سبقتها مَعَانٍ حتى نستطيع أن نفهمها، ولذلك إياك أن تفهم أن جنة الدنيا هي جنة الآخرة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يستخدم اللفظ الذي تفهم أنت معناه.

ولكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 ولكن من أين نأتي بالألفاظ التي يمكن أن تعبر لنا عن ذلك؟

إن اللفظ لا يوجد إلا إذا كان المعنى موجوداً أولا.

ومن يستطيع أن يأتي بلفظ لم تره عين، ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر؟

مستحيل؛ لأن المعنى غير موجود.

ولذلك ينبهنا الحق سبحانه إلى هذه النقطة، ويوضح لنا أنه يعطينا معنى تقريبيّاً حتى نستطيع أن نفهمه؛ فيقول سبحانه وتعالى: (مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ) (محمد: 15).

أي: أنها ليست هي، ولكنه مثل فقط؛ يقرب المعنى إلى ذهنك.

خذ صورة من المجتمع الذي تعيش فيه، أنت تحتاج إلى مسكن لتسكن وتستريح فيه من عناء الحياة.

وهناك من عنده مسكن من حجرة واحدة، فإذا ترقى يكون المسكن من حجرة وصالة أو حجرتين وصالة، ثم بعد ذلك يزداد الرقي، فيبحث عن شقة واسعة، فإذا ارتقى كان له مسكن خاص (فيلا)، فإذا ارتقى جعل حول مسكنه حديقة، وهكذا يزداد الرقي.

إذن: فالمسألة لم تَعُدْ مكاناً تأوي إليه فقط، بل ترتقي في الإيواء كلما ارتقيت في الحياة.

فتتحقق لك المتعة في الإيواء، وهذا موضوع آخر.

 ولهذا يقول الحق سبحانه: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) أي: هناك جنات وهناك مساكن؛ لأن الإنسان يحب في بعض الأوقات أن يجلس بمفرده وحوله المتعة التي تخصه، وفي أحيان أخرى يحب أن يجلس مع الناس في مكان جميل؛ مثلما يحدث في الأعياد والمناسبات، عندما نخرج إلى الحدائق والبساتين، ونجلس معاً، فكأن الجنات هي للرفاهية الزائدة؛ عندما تحب أن تجتمع مع الناس؛ أتمتع بها أنا وأنت وغيرنا.

أما المساكن فهي للخصوصية.

فيكون لكل واحد مكان خاص يجلس فيه ويتمتع بما حوله.

 إذن: فالجنات صورة من البساتين، ولكنها ليست مصنوعة بالأسباب، بل هي من صناعة المسبب جل وعلا.

 ونحن حينما نذهب إلى بيت إنسان ثري، قد نجد أن للبيت حديقة؛ يشرف عليها بستاني متمكن من عمله؛ ويقوم بتنسيق الزهور والأشجار بشكل يناسب ثراء المالك.

ويكون إعجابنا في هذه الحالة بالحديقة إعجاباً كبيراً، بحيث نجلس فيها، ونكره أن نغادرها، فإذا كان هذا هو ما يحدث بقدرات البشر، فكيف بهذه الحقائق التي صُنعت بقدرة الله سبحانه وتعالى؟

وكيف يكون جمالها وحلاوتها والمتعة فيها؟

إن الذي وعدنا بهذه الجنات هو الحق سبحانه وتعالى.

وهو قادر على أن ينفذ ما وعدنا به، من جنات فيها من الكماليات والرفاهية مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وجعل هذه الجنات واسعة شاسعة، فيها زروع وأزهار وأشكال؛ تسرُّ العين بجمالها، وتمتع اللمس بنعومتها؛ وتملأ الأنوف برائحتها الزكية.

ومن ميزات جمالها أن الأنهار تجري من خلالها، ولكنها لا تجري من فوقها بل تجري من تحتها، ومنابعها من مكان آخر، أو تحتها، ومنابعها ذاتية، أي ينبع من نفس المكان.

وكأن كل نهر ينبع من تحت جنة خاصة به.

وإذا أردت أن تعرف جمال هذه الأنهار؛ فهو جمال قد صنعه الحق سبحانه وتعالى وإذا كنا في حياتنا نرى أن لكل نهر شاطئين، فإن أنهار الجنة تجري من غير شواطئ؛ وإنما يمسكها الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض، ثم تجد الأنهار قد تشترك في المجرى؛ نهر اللبن، ونهر العسل، ونهر الماء، ونهر الخمر، وكلها تجري في مجرى واحد ولكنها لا تختلط ببعضها البعض، فكل منها منفصل؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الصانع وتبارك من صنع.

ويعطينا سبحانه وتعالى بعد كل ذلك، ميزة الخلود في هذه الجنات فيقول: (خَالِدِينَ فِيهَا) ونحن نعلم أن المتعة في الدنيا قد توجد للإنسان، ولكنها لا توجد خالدة أبداً؛ فقد تزول عنك النعمة وتذهب المتعة؛ كأن تصاب بكارثة مالية مثلاً أو تخسر خسارة كبيرة في تجارتك أو غير ذلك، وقد تزول أنت عن النعمة بالموت.

 ولكنك في جنات الآخرة تستمتع بقدر ما فيها من كمال وجمال، ويزيدك الله فيها بأن يعطيك الخلود، فلا تفارق النعمة ولا تفارقك؛ لأنه ليس هناك أغيار، وليس هناك موت.

وكل إنسان في الدنيا يتمتع على قدر قدراته، وتصورات الخلق لأنواع النعيم تختلف باختلاف بيئاتها ومقاماتها، فقد تكون من الفلاحين؛ وكل متعتك أن تجلس على مصطبة أمام بيتك، وقد يكون عند إنسان آخر بيت فيه صالون كبير، والثالث له بيت فيه عدة صالونات، فكل واحد على قدر إمكاناته في الدنيا، ولكننا في الآخرة نتمتع كلنا على قدر قدرات الحق سبحانه وتعالى، ويكون متاعنا بقدرة لا تفوقها قدرة، ويكون الجزاء بقدر ما فعلْتَ من خير في الدنيا، واتبعت منهج الله.

 إذن: فأنت الذي تحدد المساحة التي لك في الجنة، وتحدد المسكن وأنواع النعيم بقدر عملك.

 ثم ما الذي يهددك في نعيم الدنيا؟

الذي يهدد الناس في الدنيا أحد شيئين: إما أن تزول عنهم النعمة فيفتقروا، وإما أن يزولوا هم عن النعمة بالموت.

ولكن نعمة الآخرة ليس فيها هذا التهديد.

إنها النعمة الخالدة وأهل الجنة فيها خالدون.

لذلك يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت ونعيم بلا بؤس.

 ولقد زاد الحق تبارك وتعالى في وصف الخلود فقال: (خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً) والخلود بقاء طويل جداً، والأبدية لا تنتهي.

وسبحانه حين تكلم عن الخلود استثنى فيه، فقال سبحانه وتعالى: (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ) (هود: 108).

أيُّ سماء وأيُّ أرض تلك التي تحدَّث عنها الحق سبحانه وتعالى؟

هل هي السماء التي نراها؟

إننا نعلم أن الأرض التي نعيش عليها ستبدل وأن السماوات ستمور.

ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يتحدث عن السماوات والأرض بالنسبة للآخرة.

فهو يتحدث عن السماوات والأرض المبدلتين؛ مصداقاً لقوله تبارك وتعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم: 48).

إذن: فما دامت السماوات والأرض ستتبدل، فالله سبحانه وتعالى يحدثنا عن السماوات والأرض في الآخرة؛ غير حديثه عن السماوات والأرض في الدنيا.

ولكن بعض السطحيين يقول: إن القرآن يتحدث عن بقاء المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض؛ ثم يقول: (إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ * وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ) (التكوير: 1-3).

فكأن هذه الأرض التي نعيش فيها، والسماء التي تظلنا ستُدمَّر يوم القيامة، فلماذا يقول الحق: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ) (هود: 108).

فأين هو الخلود إذن؟

نقول لهؤلاء: اقرأوا القرآن كله لتعرفوا أن الحق سبحانه وتعالى قال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ) (إبراهيم: 48).

إذن: فهذه الأرض هي أرض معاش وما فوقها من سماء هي سماء معاش؛ ستتبدل بأرض مَعَاد؛ لأن الأرض التي نعيش عليها فيها مقومات الحياة بالأسباب، تزرع وتحصد وتصنع، أما في الآخرة فحياتك كلها بدون أسباب منك؛ ولذلك ساعة يخطر الشيء على بالك تجده أمامك دون أن تتحرك أو تحرث أو تزرع أو تتحمل أي مشقة.

 أما هنا في هذه الدنيا، الأرض أرض المعاش تنعم فيها وتأخذ منها بقدر إمكاناتك، ولكن أرض المعاد تأخذ منها بإمكانات الحق سبحانه وتعالى.

ومهما ارتقت الدنيا وارتقت أسبابها، لا يمكن أن تصل إلى أنك يخطر على بالك الشيء فتجده أمامك.

وسبحانه يقول: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ) فكأنه استثنى بعض الناس من الخلود.

(فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ) (هود: 106-107).

أي: أن الجنة والنار لهما خطان، وبمجرد أن يحاسب الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كان الذي يحاسب من الكفار أو المنافقين، يكون بدء خلوده من أول لحظة دخل فيها النار ويبقى فيها خالداً.

وأما إن كان الذي يُحاسب مؤمناً عاصياً، فهو يدخل النار على قدر ما عمل من السيئات، ثم بعد ذلك يدخل الجنة.

 إذن: فالذي دخل النار أولاً حالتان: حالة أبدية وهم المنافقون والكفار، وحالة مؤقتة وهم عصاة المؤمنين، والخلود في النار بالنسبة لعصاة المؤمنين ناقص من الآخر، أما الذين عملوا الصالحات فهم يدخلون الجنة ابتداء وخلوداً، أما عصاة المؤمنين فلا يدخلون الجنة إلا بعد أن ينالوا جزاءهم من العقاب.

وبذلك يكون خلود عصاة المؤمنين في الجنة ناقصاً من البداية؛ لأنهم لم يدخلوها بعد الحساب مباشرة، وخلودهم في النار ناقص من الآخر؛ لأنهم لم يخلدوا فيها: ويقول سبحانه: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: أن مساكن المؤمنين في الجنة ستكون أيضاً جنات خاصة بها، وكلمة (عَدْنٍ)؛ مادتها العين والدال والنون معناها الإقامة.

و "عَدَنَ في المكان"، أي أقام فيه.

إذن: فهي جنات إقامة؛ لأن هناك فارقاً بين أن تسكن في فندق مثلاً.

أو في مكان مؤقت، وبين أن تقيم خالداً.

وحين يعطي الحق سبحانه للمؤمن بُشْرى بأشياء، فهو يريد دائماً ألا ننسى أنها منسوبة إلى قدرته سبحانه، والشيء يتناسب مع قدرة صاحبه أو فاعله.

فالرجل الفقير حين يبني مسكناً يكون المسكن متواضعاً؛ مجرد حوائط تستر الإنسان، أما صاحب الإمكانات الضخمة فيبني قصراً كبيراً، فإن كان واجد الوجود الأعلى هو الذي صنع، فكل شيء إنما يتم على مقتضى قدرته وإمكاناته؛ فهو الذي يمسك الأمور كلها، ويأتي تنفيذه لأي شيء وفق ما يريد.

 إذن: فالخلود في جنات عدن خلود دائم، وهي جنات يعلو فيها التنعيم لدرجة من علوها لا يحب الإنسان أن يتركها أبداً؛ لأنها أعلى مراتب الجنة ولا يوجد أحسن منها.

والإنسان حينما يكون بمكان فإنه لا ينتقل منه إلا إذا زهد ما فيه، فلو كان ما في جنات عدن مما يُزْهَدُ فيه بعد فترة ما وصفها الله بهذا الوصف.

 ولكي يصل الإنسان إلى النعيم لابد من موجد لهذا النعيم وهو الله سبحانه وتعالى، وما يتمتع الإنسان به وهو الجنة، والمنْعَمُ عليهم بالنعمة، وهم المؤمنون والمؤمنات.

ومن أطاع الله طمعاً في الحصول على نعيم الله في الآخرة، يأخذ هذا النعيم.

والذي أطاع الله لذات الله، ولأنه سبحانه وتعالى يستحق أن يعبد لذاته ويطاع، يكون في الآخرة مع التعظيم والتكريم والمحبة واللقاء بالمُنْعِم.

 إذن: فكل إنسان لما عمل له، فإذا زادت عبادتك عما فرض الله عليك، وأحببت أن تكون دائماً في لقاء مع الله، بأن تقوم الليل وتتهجد، وتقرأ القرآن وتصلي والناس نيام، وتتقن العمل الذي ترتقي به حياتك وحياة غيرك، وتفعل ذلك محبة في الله الذي يستحق التعظيم، فأنت تستحق المنزلة الأعلى، وهي أن تكون في معيَّة الله.

ويقول سبحانه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: 22-23).

والحق سبحانه وتعالى يتجلى على أهل الجنة فترات، ويتجلى على أهل محبوبية ذاته دائماً، وعندما يتجلى الحق سبحانه على أهل الجنة ويقول: "يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا مالم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً".

ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تحدَّث عن المتعة والنعيم والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة التي في جنات عدن.

أوضح سبحانه أن هناك شيئاً أكبر من هذا كله، وهو رضوان الله في قوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ) فالذي عمل للجنة يعطيه الله الجنة، والذي عمل لذات الله يعيش في معية الله سبحانه ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: (ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ) فما هو المقصود بالفوز العظيم؟

لقد تقدمت أشياء كثيرة؛ تقدمت جنات تجري من تحتها الأنهار، وجنات عدن، ومساكن طيبة، ورضوان الله، فأيها هو الفوز العظيم؟

نقول: كلها فوز عظيم، فالذي فاز بالنعيم الأول في الجنة أخذ فوزاً عظيماً، والذي فاز بالمساكن الطيبة في جنات عدن أخذ فوزاً عظيماً، والذي أخذ رضوان الله يكون قد أخذ الفوز الكبير والعظيم.

ونلحظ أن القرآن حين يعرض منهج الله، فهو لا يتحدث عن الجزاء في باب منفصل، والمنهج في باب منفصل، بل يجمع بين المنهج والجزاء وبين الوعد والوعيد؛ لأنه ساعة يصف لي الجنة وما فيها من نعيم، لابد أن ينبهني إلى المنهج الذي يوصلني إليها.

وحين يعطيني صورة من المنزلة العالية التي تنتظر المؤمن في الآخرة، لابد أن ينبهني -أيضاً- إلى العذاب الذي ينتظر المنافق والكافر؛ حتى أتجنب الطريق الذي يؤدي بي إلى النار -والعياذ بالله-.

ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن جنته ورضوانه يقول: (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ...).



سورة التوبة الآيات من 071-075 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 25780
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 071-075   سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty10/09/19, 11:13 pm

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

إذن: فبعد أن ذكر الحق لنا الجنة وما فيها، وما يجعل النفس مشتاقة إلى الجنة، فهو يُذكِّرنا بما يجب علينا أن نفعله لخدمة منهج الله -ولله المثل الأعلى- مثلما تقول لابنك: عندما تتخرج طبيباً ستكون لك عيادة كبيرة ثم مستشفى، وترتقي معه فيما ينتظره من مستقبل كبير، وتُذكِّره بضرورة أن يجتهد في المذاكرة حتى يصل إلى ما يتمناه.

وبذلك تكون قد حبَّبته في الغاية التي سيصل إليها، ثم انتقلت لتحببه في الوسيلة التي ستوصله إلى هذه الغاية.

 وهنا يقول الحق سبحانه: (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) والحق جَلَّ وعلا يخص رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالتكريم والتعظيم، فلم يُناده باسمه.

بل قال: (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ) وفي مواقع أخرى يناديه: (يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ).

ولكن النداء من الحق لباقي الأنبياء، يكون مثل قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ) (البقرة: 35).

وقوله تعالى: (قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ) (هود: 48).

ونادى الحق إبراهيم: (يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ) (الصافات: 104-105).

ونادى الحق موسى: (يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ) (طه: 11-12).

وخاطب الحق سيدنا عيسى: (يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ) (المائدة: 116).

فكل رسول ناداه الحق سبحانه وتعالى باسمه، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد ناداه بقوله: (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ)، و (يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ) تكريماً للرسول عليه الصلاة والسلام، ورفعاً لمقامه عند ربه.

وهنا يطلب الحق من رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يجاهد الكفار والمنافقين.

ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا إذا فسد المجتمع فساداً عامّاً.

ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فُطِرتْ على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فإن حكمها هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر.

وقد يطيع الإنسان هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق؛ فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير.

ولكن هناك نفس تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في الشر فتصبح أمَّارة بالسوء، وتأبى ألا تكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس وتُحبِّبه لهم.

إذن: فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن لمنهج الله وتطيعه.

وهذه هي النفس المطمئنة؛ التي يقول فيها الحق: (يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر: 27-30).

وإذا وُجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير؛ لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره؛ ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وُجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم: (إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ) (العصر: 3).

ولكن عندما تصدأ النفوس جميعاً، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لابد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا.

 إذن: فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عَمَّ الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئاً، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع.

وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أُرسل إلا بعد أن عَمَّ الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والانحراف المستشري في المجتمع.

وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق؛ فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم.

ولابد للرسول من أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم.

 و "جاهد" من "فاعل"، مثل "شارك"، فأنت تشارك فلاناً، ومثل: "قاتل" فأنت تقاتل فلاناً، إذن: فلابد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن اتبعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع.

 ولابد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمُّل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج؛ لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لابد أن يقف الكفار ضد حَمَلَة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم.

وينبه الله سبحانه وتعالى لرسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه.

ولذلك لم يقل سبحانه وتعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: اتحد معهم، ولكنه قال: (جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ)، أي: اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي يأمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: (ٱصْبِرُواْ).

ولكن لنفرض أن عدوِّي صبر أيضاً في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكفتان؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ) (آل عمران: 200).

أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابراً في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لابد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره.

وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر؛ لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنَّا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة.

ويوضح الحق لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: إن العداوة التي سيواجهها وهو يُبشِّر بمنهج الله ستأتيه من اثنين؛ من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه.

أما المنافق فإنه عدو صعب؛ لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج؛ لأنه لا ينافَق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد.

ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده -صلى الله عليه وسلم- في مكة قبل الهجرة؛ لأن المسلمين كانوا قلة ضعافاً، وكانوا مُعذَّبين مضطهدين.

ولم يكن هناك ما يغري أحداً بنفاقهم؛ لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد.

والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية.

واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة.

والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زَيْفاً، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه.

إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه.

ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدَّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين.

وقدَّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار.

والصدام -كما نعلم- قد حدث أولاً مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة؛ لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل؛ لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق.

فيسألهم مثلاً عمَّنْ خلق السماوات والأرض؟

وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحداً ادعى -أو يستطيع أن يدعي- أنه خلق السماوات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، لماذا؟

لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمراً هو صاحبه.

فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يحب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع؛ ولهذا فأنت لا تجد شيئاً ينتفع به في الكون مهما كان تافهاً إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي اخترعه أو اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه في المدارس عن الذي اكتشف الكهرباء، والذي صنع المصباح الكهربائي، ومن الذي طوره.

وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس؛ الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية.

 إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه.

فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون؟

وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟

ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصاً ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟

وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟

هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال هذ العمر الطويل، ولابد أن يكون لها صانع؛ تتناسب قوته وقدرته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع؛ فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولابد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق.

فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقاً؛ فنسلم جميعاً بأن الله هو الخالق والموجد.

وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها.

ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له سبحانه وتعالى.

 وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي؛ فقضية الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع.

ويأتي رسول ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسماوات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، فلم يَأتِ أحد ويدَّعي أنه قد خلق شيئاً من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها.

وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟

مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: (أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ) (الطور: 35).

فإذا كان الجواب: لا هذا ولا هذه، إذن: فلابد أن هناك خالقاً وموجداً لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا: إن خالق هذا الكون وخالقنا هو الله، فلابد أن نصدقه؛ لأنه لم يدَّعِ أحد ولا يستطيع أن يدعي أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تماماً كما نكون قد جلسنا في مكان.

وبعد أن انصرفنا، وُجدَت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل كل الذين كانوا حاضرين، فنفوا جميعاً ملكيتهم لحافظة النقود، عدا واحداً، حينئذ تكون حافظة النقود ملكه؛ لأنه هو وحده الذي ادعاها ولا يوجد معارض.

وفي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان لا يجرؤ بشر أن يعارض الحق سبحانه وتعالى؛ ويدعي أنه خلق.

إذن: فالقضية محسومة تماماً لله.

هذا هو جهاد الحجة حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، أو يقتنع من يستمع إليه فيفهمه، فإذا وصلنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى هو الخالق والموجد، يمكننا أن نتساءل: من الذي يضع المنهج للإنسان على الأرض؟

لابد أن نُقدِّر أن من يضع المنهج للإنسان على الأرض هو خالقه وموجده، تماماً كما نثق أن صانع أي آلة هو الأقدر على وضع أسلوب عملها، فهو يعلم ما يصلحها وما يفسدها.

والمثال: أن الإنسان منا يعطي ساعة يده لمن تخصص في إصلاح الساعات، ويستدعي المتخصص في إصلاح الثلاجة إن أصابها عطب، ويستدعي الإنسان كل متخصص لإصلاح الآلة التي درس تفاصيلها، وكل متخصص يعود إلى كتاب التصميم الذي وضعه مَنْ اخترع الآلة، وبيّن فيه ما يصلحها وما يفسدها، ولذلك فأنت لن تستدعي نجاراً ليصلح التليفزيون.

إذن: فما دام سبحانه وتعالى قد وضع منهجاً فلابد أن نتبعه؛ لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا، ويعلم ما يصلحنا وما يفسدنا.

 فإن فشل جهاد الحجة، يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وبماذا يغلظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم؟

إنه يغلظ لإيضاح المصير الذي ينتظرهم، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة، فأنذره بالآخرة، وانذره بالعذاب الذي ينتظره، وقُلْ له: أنت لست خالداً في الدنيا، وما ينتظرك في الآخرة هول كبير.

 ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة؛ ولذلك وجدنا المؤمن الذي يقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحرب: ادع لي يا رسول الله لأستشهد.ويقول آخر: أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني؟

فيقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نعم، فيلقي الرجل بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد.

هذا هو معنى الإيمان، ولو لم يكن المؤمن واثقاً تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم، لما انطلق إلى المعركة طالباً الشهادة.

 إذن: وهم يُقْدمون على الشهادة بهذه الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام الله فيه، وتدفعهم القناعة التامة -بأن هناك جنة في الآخرة- إلى الاستشهاد، وفي المقابل نعرف أن الذي ينتظر الكفار هو النار.

وهكذا نفهم قوله الحق: (وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي: أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم عَلَّهُمْ يفيقون.

والشاعر يقول:
أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقِّب وَعيداً
فإنْ لَمْ يُغْنِ أغنَتْ عَزَائِمه
وَمَا هُو إلاَّ السيف أو حَدُّ طَرْفِه
يقيمُ زباه أخْدعَ كُلِّ مَائِلِ
فَهذا دَوَاءُ الدَّاءِ منْ كُلِّ جَاهِل
وذَاك دَواءُ الداءِ منْ كُلِّ عَاقِل

فمن آمن بالمنطق آمن، ومن لا يؤمن نقول له: دع كلمة الحق تُعلَنُ على الناس جميعاً، وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، وإنْ أردتَ الحياة في كنف الأمة الإسلامية فأهلاً بك، ولا يهم أن تؤمن أو لا تؤمن؛ لأن الحق قال: (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29).

واعلم أنه يشترط في كل من يدخل الإسلام أن يكون مقتنعاً بهذا الدين، ومقتنعاً أيضاً بأنه الدين الحق.

والذي لا يؤمن، يعيش في كنف الأمة الإسلامية وله حريته الكاملة في اتباع عقيدته، ولكن منهج الحياة وحركتها لابد أن تسير وفقاً لمنهج الله، وما دام الإيمان هو الذي يسيطر على حركة الحياة (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ)؛ فذلك لا يؤثر في حركة المجتمع المؤمن؛ ما دام المجتمع كله سائراً بالمنهج، وتسير الحياة كما أرادها الحق سبحانه وتعالى والله هو خالق الإنسان، وهو الذي جعله خليفة في الأرض، وهو يغار على خلقه، تماماً كما تأتي لشيء جميل صنعه فنان أو عامل، وتحطم أنت هذا الشيء أمام صانعه.

إن قلب الصانع -في هذه الحالة- يمتلئ بالغضب، ويسرع بعقابك.

والحق سبحانه وتعالى عندما يرى إنساناً يفسد صنعته في الكون، ويحاول أن يحطمها، فسبحانه يغار على صنعته؛ لأن الله خلقنا مختارين، ولكي يكون الحساب عَدْلا.

لابد من البلاغ أولا.

وأن تصل الدعوة إلى آذان الناس، فمتى وصلت الدعوة فهذا إتمام لرسالة أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم يختار الإنسان من بعد ذلك أن يؤمن أو لا يؤمن، لذلك طلب الحق من رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يجاهد الكفار والمنافقين، وأن تكون الدعوة أولاً بالبرهان والإقناع.

فإن لم يَأْتِ البرهان بنتيجة، وحاول أحدهم أن يقاوم الدعوة بالسلاح فَليُردع بالسلاح.

لذلك يقول الحق سبحانه: (وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ولا تأخذك بهم رأفة؛ لأن الرأفة قد تغرى بالذنب؛ والمثال: حين يسرق الإنسان ثم تتركه بلا عقاب فقد يغريه ذلك ويغري غيره على السرقة.

ولكن تنفيذ العقوبة ولو مرة واحدة، إنما يمثل رادعاً وحماية للمجتمع كله، ولذلك نجد أن عقاب القاتل بالقتل أنفى للقتل، وأنت حين تأتي بالقاتل وتقتله أمام عدد من الناس، فهذا العمل يمنع أي إنسان أن يفكر في القتل، أو أن يقتل.

 إذن: فنحن بالعقوبة نحمي المجتمع من أن تنتشر فيه الجرائم.

وبعض السطحيين يقول لك: هل مَنْ يسرق تُقطع يده؟

نقول لهم: نعم؛ لأنني لو قطعت يد فرد لمنعت جريمة السرقة في المجتمع، فليس الهدف أن أقطع يداً.

ولكن الهدف هو ألا يسرق أحد، وأنت حين تأتي بالعقوبة وتتأكد من الجريمة؛ إياك أن تأخذك الرحمة في تنفيذ العقاب.

فلو أخذتك الرحمة في هذه اللحظة فأنت تشجع الجريمة.

وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ) (النور: 2).

ولكن الحوار حول العقوبات في الإسلام لا يتوقف، ونقول لهؤلاء: هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات؟

وانظر إلى المجتمعات غير الدينية، ألا توجد بها جرائم وعقوبات؟

إن كل مجتمع إنما يحمي نفسه بتوصيف الأفعال التي تعتبر جرائم، ويضع لها عقوبات، ولا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص.

إذن: فكل دولة وكل مجتمع لابد أن تكون فيه عقوبات، وإلا أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان.

فإذا كان حاكم أي دولة بسيطة قد وضع تجريماً وعقوبات، وهو يحكم فيما لا يملك، أفليس لله أن يضع التوصيف لما يرى أنه جرائم، وأن يُشرِّع العقوبة الملائمة لكل جريمة، وهو سبحانه يحكم فيما يملك؟

وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها؛ فهو أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير.

 ولذلك يجب ألا تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة؛ لأن الذي يتعب الناس في الدنيا، هو طول الإجراءات والأخذ والرد، فينسى الناس الجريمة، وتأخذهم الشفقة والرحمة بالمجرم، مع أنه لو وُقِّعتْ العقوبة فور حدوث الجريمة؛ لما طلب أحد الرأفة بالمجرم.

والحق تبارك وتعالى يقول: (يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين، فماذا يكون الجهاد مع المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان؟

نقول: إن الجهاد معهم هو توقيع العقاب عليهم، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم، ويسألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فينكرونه، فيصفح عنهم، ويوضح الحق سبحانه لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: اغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثماً، وقد وجدنا في سورة التوبة أن المنافقين يحلفون كذباً في كثير من الأمور، فيذكر الحق سبحانه: (وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ) (التوبة: 56).

(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ) (التوبة: 74).

(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) (التوبة: 62).

وفي سورة المجادلة يقول سبحانه: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (الآية: 14)

فكأنما كلما حلفوا صدَّقهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعفا عنهم، ففضحهم الله بأنهم كاذبون، وطلب من رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يُغلظ عليهم في العقوبة.

ولكن هل غلظة الرسول -صلى الله عليه وسلم- معهم تعفيهم من عقاب الآخرة؟

نقول: لا لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة حركة الحياة، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من الله.

ولكن هذا لا يعفي من عقاب الآخرة.

 ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ) والمصير هو المرجع الأخير لأي شيء، وكل عقوبة يكون لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها، فالذي عاقب قد يعفو، وقد يخرج الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة؛ كأن يكون هناك إفراج صحي، أو بقضاء ثلاثة أرباع المدة أو غير ذلك.

ولكن العقوبة للمنافقين تكون بلا خروج، وفي هذا ترهيب منها؛ لأنك لو علمت يقيناً أن العقوبة أبدية، فسوف تخشى الإقدام على الجريمة.

 ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى عن الحلف والكذب الذي كان يفعله المنافقون؛ فيقول سبحانه: (يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...).



سورة التوبة الآيات من 071-075 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 25780
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 071-075   سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty10/09/19, 11:15 pm

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وفي هذه الآية الكريمة يبين لنا الحق سبحانه وتعالى حلقات الحلف بالكذب للمنافقين؛ فهم يحلفون أنهم ما قالوا، ويجعلون الله عرضة لأيمانهم؛ مع أنهم قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد أن أعلنوا الإسلام بلسانهم، وإسلامهم إسلامٌ مُدَّعًى.

ولهذه الآية الكريمة قصة وقعت أحداثها في غزوة تبوك التي حارب المسلمون فيها الروم، وكانت أول قتال بين المسلمين وغير العرب، حيث دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هذه الغزوة في فترة شديدة الحرارة، وكان كل واحد في هذه الفترة يفضل الجلوس في الأخياف، أي الحدائق الصغيرة، ويجلسون تحت النخيل والشجر في جو رطب ولا يرغبون في القيام من الظل.

وعندما دعا رسول الله للجهاد في سبيل الله، والذهاب إلى قتال الروم، تلمَّس المنافقون الأعذار الكاذبة حتى لا يذهبوا للجهاد؛ فظلَّ القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل اسمه الجلاس بن سويد: والله إن كان ما يقوله محمد عن الذين تخلفوا عن القتال صِدْقاً فنحن شرٌّ من الحمير.

وهنا قال عامر بن قيس الأنصاري: لقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنتم شر من الحمير.

وأنت يا جلاس شر من الحمار.

وهنا قام عدد من المنافقين ليفتكوا بعامر بن قيس الأنصاري؛ لأن الجلاس بن سويد كان من سادة قومه.

وذهب عامر بن قيس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بما حدث، فاستدعى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن سويد وسأله عن الخبر، فحلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث.

وتركه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن حلف بالله.

وهنا رفع عامر بن قيس يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- تصديق الصادق وتكذيب الكاذب.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "آمين”.

ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق جل جلاله: (يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ).

وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف.

وأظهرت من هو الصادق ومن هو الكاذب؛ فيما رواه عامر بن قيس وأنكره الجلاس.

 ولكن الآية الكريمة تجاوزت ما عُرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال سبحانه: (وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ) ذلك أن الله تبارك وتعالى أراد أن يُعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون عنه، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب، لقال المنافقون: ما عرف محمد -عليه الصلاة والسلام- إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر؛ وهم قالوها، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، فيتحايلون على اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحياناً من أنفاق منخفضة، وأحياناً يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا.

 ودبر المنافقون أن يدفعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أعلى الصخور، فيسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنبه للمؤامرة، فهرب المنافقون، وهكذا لم ينالوا ما يريدون، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهاجراً إلى المدينة، فقد كانوا يُعِدُّونَ العُدَّة ليجعلوا عبد الله بن أبيّ ملكاً عليهم، ولكن مجيء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يُمكنهم من ذلك.

وقيل: إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس؛ لأنه أبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قاله الجلاس بن سويد، ولكنهم لم يتمكنوا.

وقول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ) و (نَقَمُوۤاْ) تعني: كرهوا، والغنى -كما نعلم- أمر لا يُكره، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف في حكمهم؛ لأن الغنى والأمن الذي أصابهم ليس عيباً ولا يولد كراهية.

بل كان من الطبيعي أن يولد حباً وتفانياً في الإيمان.

والحق سبحانه وتعالى يوضح لهم: ماذا تعيبون على محمد؟

وماذا تكرهون فيه؟

هل تكرهونه وقد جاءكم بالعزة والغنى؟

وقبل أن يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان الذين كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئاً، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام، أخذوا من الغنائم، وأغناهم الله؛ بل إن الجلاس بن سويد لما قُتِل له غلام دفع له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اثني عشر ألف درهم ديّة.

إذن: فقد جاء على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- الغنى للجميع، فهل هذا أمر تكرهونه؟

طبعاً لا.

ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم في الحكم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد أغناكم بمجيء رسوله؛ ما كان يصح أن يُعاب ذلك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل كان يجب أن يُمدح به، وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته.

 وقول الحق سبحانه وتعالى: (مِن فَضْلِهِ) يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم.

ولقد قال الحق سبحانه وتعالى: (ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ) وكان قياس كلام البشر أن يقال "الله ورسوله من فضلهما"، ولكنه قال: (مِن فَضْلِهِ) لأن الله لا يُثنَّى مع أحد، ولو كان محمد بن عبد الله.

 ولذلك عندما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيباً يخطب ويقول: من أطاع الله ورسوله فقد نجا، ومن عصاهما فقد هلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بئس خطيب القوم أنت؛ لأن الخطيب جمع جَمْعَ تثنية بين الله ورسوله.

وهنا توقف الخطيب وقال: فماذا أقول يا رسول الله؟

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قل ومَنْ يعْص الله ورسوله فقد هلك، ولا تقل: عصاهما، لا تجمع مع الله أحداً ولا تُثنِّ مع الله أحداً؛ ولذلك نجد القرآن الكريم لم يَقُلْ "أغناهم الله ورسوله من فضلهما"، ولكنه قال: (مِن فَضْلِهِ) لأن الفضل واحد.

فإن كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضل؛ فهو من فضل الله.

 وعلى أية حال فالله لا يُثنَّى معه أحد؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم: (يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) (التوبة: 62).

وهنا نرى أيضاً أن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في الرضا؛ لأن رضا الله سبحانه وتعالى ورضا رسوله -صلى الله عليه وسلم- يتحدان، ولأنه إذا جاء اسم الله فلا يُثنَّى معه أحد.

 وبعد أن فضح الحق سبحانه وتعالى المنافقين وبيّن ما في قلوبهم؛ لم تتخلَّ رحمته عنهم؛ لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال: (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ)، وفَتْحُ باب التوبة رحمة لحركة الحياة كلها؛ فلو أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنباً مصيره للنار.

وإذا علم الإنسان أن مصيره للعذاب مهما فعل، فلابد أن يستشري في الذنب، ويزداد في الإثم، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة.

ولكن حين يعلم أي إنسان يخطئ أن باب التوبة مفتوح؛ فهو لا يستشري في الإثم، ثم إن الذي يعاني من الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل، فإذا وُجد لص خطير مثلا.

فالذي يعاني من سرقاته هو المجتمع.

وإذا وُجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع.

 إذن: ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع؛ لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه.

وإذا نظرت إلى الآية الكريمة، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق، وبيّن للرسول -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها؛ فتح للمنافقين باب التوبة، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين: يا رسول الله.

لقد عرض الله عليّ التوبة.

والله قد قلت ما قاله عامر، وإن عامراً لَصَادقٌ فيما قاله عني.

وتاب الجلاس وحسُن إسلامه.

 أما الذين تُعرَض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى الله، فقد قال سبحانه: (وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).

إذن: فجزاء من يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم، لا في الآخرة فقط، ولكن في الدنيا والآخرة.

وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفضيحة، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل من النار.

 ولكن قول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) قد يفهمه بعض الناس فهماً خاطئاً، بأن العذاب في الدنيا فقط، ولكن هناك أرض في الدنيا؛ وأرض في الآخرة هي أرض المعاد؛ مصداقاً لقوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ) (إبراهيم: 48).

إذن: فكلمة (ٱلأَرْضِ) تعطينا صورتين في الدنيا وفي الآخرة.

وقوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) يوضح لنا أن الوليّ هو القريب منك الذي تفزع إليه عند الشدائد، ولا تفزع عند الشدائد إلا لمن تطمع أن ينصرك، أو لمن هو أقوى منك، أما النصير فهو من تطلب منه النصرة.

وقد يكون من البعيدين عنك ولا ترتبط به ولاية، إذن: فلا الوليّ القريب منك، ولا الغريب الذي قد تفزع إليه لينصرك يستطيعان أن يفعلا لك شيئاً، فلا نجاة من عذاب الله لمن كفر أو نافق.

ثم يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور المنافقين؛ فيقول: (وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ...).



سورة التوبة الآيات من 071-075 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 25780
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 071-075   سورة التوبة الآيات من 071-075 Empty10/09/19, 11:16 pm

وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

(وَمِنْهُمْ) أي: من المنافقين الذين عرض الله صوراً كثيرة لهم في هذه السورة الكريمة، فقال: (وَمِنْهُمْ)، و (وَمِنْهُمْ) و (وَمِنْهُمْ)، واختلفت روايات المفسرين والرواة في مدلول قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ).

فقال بعضهم: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال آخرون: إنه مُعتِّب بن قشير، وقال رأي ثالث: إنه الجد بن قيس، وقال قائل رابع: إنه حاطب بن أبي بلتعة.

كل هذه خلافات تحتملها الآية الكريمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال: (وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ) ولم يقل الحق: "فلما آتيناه من فضلنا بخل به" بحيث ينطبق على حالة واحدة، ولكن الحق تبارك وتعالى جاء بها بصيغة الجمع فقال سبحانه: (فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ) (التوبة: 76).

إذن: فهناك جمع.

والروايات كلها يمكن أن تكون صحيحة في أن الآية الكريمة نزلت في أفراد متعددين، وسبحانه يقول: (وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ) فكيف يكون للمنافقين عهد مع الله؟

نقول: لقد عُومل هؤلاء المنافقون بظواهر ألسنتهم، فهم قد أعلنوا إسلامهم، وكان الواحد منهم يقول: أعاهد الله على كذا وكذا؛ تماماً كما يأتي الواحد منهم للصلاة ويحرص بعضهم على التواجد في الصف الأول للمصلين، فهل منعه النفاق من الصلاة ظاهراً؟

لم يمنعه أحد، كذلك عندما يعاهد الله فهو يعاهده بظاهر لسانه.

 وقصة الآية: أن رجلاً فقيراً من الأنصار ذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: إني فقير مملق -أي شديد الفقر- فادع لي الله يا رسول الله أن يوسع عليّ دنياي.

وبفطنة النبوة قال -صلى الله عليه وسلم-: إن قليلاً تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاوده وقال: ادع الله لي أن يوسّع عليّ.

فدعا له فوسّع الله عليه.

 ولسائل أن يسأل: كيف يستجيب الرسول ويدعو لمنافق؟

وإذا كان الرسول قد دعا ترضية له وتأليفاً لقلبه؛ فكيف يجيب الله رسوله في طلب منافق منه؟

ونقول: ربما كان ذلك؛ لأن المنافق أراد أن يجرب: أرسول الله رسول حق، بحيث إن دعا الله أجيب؟

فلما دعا رسول الله؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعْلم هذا المنافق أنه: نعم هو رسول الله؛ وإن دعا لأي أحد يُجِبْه الله، فتكون هذه للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

فلما دعا رسول الله لثعلبة، أو للجد بن قيس، أو لحاطب بن أبي بلتعة؛ استجاب الله لدعاء رسوله؛ وأعطى مَنْ سأل الدعاء مالاً وفيراً، وقالوا: ولقد تكاثر مال ثعلبة، وكانت ثروته من الأغنام قد تناسلت حتى ضاقت بها شعَاب المدينة؛ فهرب بها إلى شعاب الجبال، وإلى الصحراء الواسعة، فامتلأت، فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا في يوم الجمعة؛ فلما كثرت كثرة فاحشة؛ شغلته أيضاً عن صلاة الجمعة.

وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول الله له.

إذن: فكل الأمر إنما جاء تأييداً لمنطق الرسول معهم؛ حتى يُسفِّههم في أنهم نافقوا في الإسلام.

وبعد ذلك سأل عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: إنه في الشعاب شغله ماله.

فقال: يا ويح ثعلبة.

وأرسل إليه عامل الصدقة؛ لأن ثعلبة قد عاهد الله وقال: (لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) فذهب عامل الصدقة إليه، فلما قال له: هات ما كتب الله عليك من الصدقة من مالك.

قال: أهي أخت الجزية؟

وذكَّره عامل الصدقة: أنت الذي عاهدت، ومن ضمن عهدك أنك إن أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين، فما لك لا توفي بالعهد.

ورد ثعلبة على عامل الصدقة: اذهب حتى أرى رأيي.

 إذن: هو قد عاهد الله، ودعا رسول الله، واستجاب الله له، وكثرت أمواله، وبعد ذلك صدَّقَ الله نبيه في قوله: "قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه"، فلما عاد عامل الصدقة إلى رسول الله بردِّ ثعلبة.

قال -صلى الله عليه وسلم-: ويح ثعلبة.

فلما علم ثعلبة أن قرآناً قد نزل فيه، انزعج انزعاجاً شديداً، وأسرع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعرض عليه الزكاة.

فلم يقبلها رسول الله منه، فأخذ يتردد عليه للقبول، فلم يقبلها رسول الله منه.

لقد أراد -صلى الله عليه وسلم- بذلك أن يثبت أن الله وفقراء الله في غنى عن مالك يا ثعلبة.

 فلما انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالصدقات المؤخرة عليه كلها إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: ما كان لرسول الله أن يمتنع عنها ثم يأخذها أبو بكر.

 لما توفي أبو بكر جاء إلى عمر، فقال عمر مقالة أبي بكر.

وجاء لعثمان، إلا أنه قبل أن يصل إليه كان قد هلك في عهد عثمان.

(لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ)، وكلمة (لَئِنْ) قَسَم، والقَسَم هو صورة العهد، فكأنه قال: أقسم بالله إن أتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا.

وقد فهمنا أنها قَسَم من وجود اللام في جواب القَسَم (لَنَصَّدَّقَنَّ) و "الصدقة" هي الصدقة الواجبة أي الزكاة، و (لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ) أي: نزيد في التطوعات، والمروءة، والأريحية، وكل ما يدل على الصلاح.

ويقول الحق بعد ذلك: (فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ...).



سورة التوبة الآيات من 071-075 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة التوبة الآيات من 071-075
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: التوبة-
انتقل الى: