منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 05:17 am



رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ

تأليف الشيخ: السَّيِّدْ مُرَادْ سَلَامَة

غفر اللهُ له ولوالديهِ ولجميع المسلمين

{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].

حقوق الطبع والنشر مكفولة لكل مسلم يبتغي الأجر والثواب.

الناشر:

المكتبة المُرادية: 2017م


المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسا وسيئات أعمالنا؛ مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن مُحَمَّداً عبده ورسوله.


{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].


{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].


{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].


أمَّــــا بعــــد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.


ثـــم أمَّــا بعـــد:

اعلم علمني الله وإياك أن حكمة الله سبحانه وتعالي أنه فتح على يدي نبيه نبي الرحمة أبواب الفضائل الجمة فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملاً يقاومه أو يفضل عليه فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه... ولما كان الحج من أفضل الأعمال والنفوس تتوق إليه لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم وكان كثير من الناس يعجزون عنه ولاسيما كل عام شرع الله لعباده أعمالاً يبلغ أجرها أجر الحج فيتعرض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج...


لذا قد جمعت تلك الرسالة العاجلة إلى من فاته الحج... ووضَّحتُ فيها:

الفصل الأول: رحلة الشوق والحنين إلى بلد الله الأمين...

وهي عبارة عن صور ومشاهد لأحوال المشتاقين وهيام العاشقين، وكيف كان حنينهم لتلك البقعة المباركة، وكيف لا تنجذب الأفئدة إليها وترحل نحوها قلوب أهل النواحي والآفاق وفيها بيت الله الحرام الذي جعله مثابة يثوب إليه أهل الإسلام من أقطار الأرض علي تعاقب الأعوام فلا تشبع من زيارته القلوب ولا ترتحل الأنفس عنه إلا وهي بذكره طروب؟


لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها    حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً


ثم بيَّنت أسباب الشوق والحنين إلى تلك البقعة بأن الحج رحلة الطهارة ورحلة المغفرة ورحلة الوفود عليه تعالى.

لا يعرفُ الشَّوق إلا مَنْ يُكابده       ولا الصَّبابة إلا مَنْ يُعانيها


الفصل الثاني:

أرسلت رسالة عاجله إلى من فاته الحج فوضحت الأعمال التي ينال بها العبد اجر الحاج والمعتمر والتي أرسى معالمها مُحَمَّد -صلي الله عليه وسلم- من صلاة الجماعة، وصلاة الضحى وبر الوالدين، وصلاة الجُمُعَة...


الفصل الثالث:

وقفت مع رسالة إلى المحرومين الذين حرموا انسهم الأجر والثواب وهم الذين ملكوا الاستطاعة التي هي سبب وجوب الحج وأوضحت لهم عظم وجسامة الخسارة التي خسروها...


الفصل الرابع:

إشارات على الطريق لمن لم يستطع القيام بعرفه ولمن كان البيت منه بعيد، ولمن لم يستطع المبيت بمني... اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا آمين... آمين يا رب العالمين...


أبو همام / السيد مراد سلامه

محافظة البحيرة /مركز شبراخيت قرية/ فرنوى

صفحتنا على الفيس بوك (السيد مراد سلامة)

abo_hamam2012@yahoo.com

hamam4111@gmail.com


الفصل الأول: رحلة الشوق والحنين إلى بلد الله الأمين

أخي المسلم:

هيا لنعيش مع الحج، مع رحلة الشوق والحنين إلى بيت الله الأمين إلى رحلة الطهارة... إلى رحلة المغفرة... إلى رحلة العتق من النار... إليها يشتاق العاشقين واليها يهفوا الفقراء والمساكين إجابة لنداء إبراهيم عليه السلام... هامت الأنفس وطارت الأفئدة ودمعت العيون واشتاقت الجوانح.


يقول سبحانه وتعالى:

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].


هجرت الخلق طراً في هواك    وأيتمت العيال لكي أراكا

ولو قطـعتني في الحب إرباً    لما حن الفؤاد إلى سـواكا

تجاوز عـن ضعيف قد أتاك     وجاء راجيا يرجوا نـداكا

وإن يك يا مهيمن قد عصاكا    مقراً بالذنوب وقد دعاكا

وإن تغفر فأنت لـذاك أهل    وان تطرد فمن يرحم سواكا



ويقول سبحانه وتعالي:

{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] وانظر إلى حال العاشقين وأحوال المحبين كيف اشتاقت نفوسهم إلى رؤية البلد الأمين.


ففي موسم من مواسم الحج وصلت طائرة إلى مكة وأخذ الناس ينزلون من الطائرة وكان في مقدمة الركب المبارك امرأة عجوز بلغت ما بلغت من الكبر عتياً كلها شوق وكلها حنين إلى تلك المباركة وما إن وصلت إلى آخر درجة من سلم الطائرة حتى خرَّت ساجدة أطالت السُّجود وهنا وقف الجميع أطالت المرأة السُّجود فتوجه نحوها أحد الحُجَّاج وإذا بالمرأة قد فارقت الحياة قال أحد الحُجاج –وَّكان من بلدها إنها منذ ثلاثين سنة تجمع ذلك المال لتصل إلى هنا– يعني إلى البيت الحرام.


حالها كقول القائل يوم أن قال:

يا كعبة الحُسْنِ كم من عاشق قُتِلَا     شوقاً إليكِ ورَامَ الوصل ما وصل

قد يتمت بعده الأولاد حين سري    وظل يبكي بدمع فاض منهملاً

فكم غريق بـحار في هـواك غداً       وآخر ظل في البيداء منجدلاً

وانتم معشر الــزوار قربكـم            إلى مقام بها آمن لمن دخـلا

فـلا تخـافوا فـأنتم في ضيافته      فهو الكريم الذي بالجود ما بخلا



وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- عن عبد الله بن الجلاء قال:

كنت بذي الحليفة وأنا أريد الحج والناس يحرمون فرأيت شابا قد صُب عليه لما يريد الإحرام وأنا أنظر إليه فقال: أريد أن أقول لبيك اللهم لبيك وأخشى أن تجيبني لا لبيك ولا سعديك وبقى يردد هذا القول مراراً وأنا أتسمع عليه فلما أكثر قلت له ليس لك من الأمر بد فقل فقال يا شيخ أخشى إن قلت لبيك اللهم لبيك أجابني بلا لبيك ولا سعديك فقلت له احسن الظن بالله وقل معي لبيك اللهم لبيك  فقال: لبيك اللهم وطولها وخرجت نفسه مع قوله اللهم فسقط مغشيا عليه.


وهذا الشاب يشير إلى حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:

"إذا خرج الرجل حاجاً بنفقه طيبة ووضع رجله في الغرز فنادي لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور"، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادي لبيك اللهم ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مبرور".


واسمع إلى حال المنقطعين عن البيت لفقر أو مرض:

ذكر الهروي في كتابه أنوار الحجج في أسرار الحج، قال: خرجت أم ايمن زوجة أبو علي الروذباري من مصر وقت خروج الحاج إلى الصحراء وتري الجمال تتجه إلى مكة وتتقطع نفسها وهي تقول هذه حسرة مَنْ انقطع عن البيت فكيف حسرة مَنْ انقطع عن رَبِّ البيت؟! (1).


لا إله إلا الله انه الشوق والغرام لدعوة إبراهيم عليه السلام - "فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم".

وانظر إلى حال العاشقين وحنين المحبين عند رؤية البيت الحرام.

علقت حب منابت الريحـان               وأنا الذي مالي بذاك يدان

فلم الملام ولم تذق طعم الهوى      هيهات تدرك لوعة الحـرمان

جرح الأحبة في الصبابة واحد      ولدي من طول النوى جرحان

مشتاق للبيت العتيق نواظري       والي ثري ارض النبي كـياني

ومآذن الحرمين يسكن طيفها        في خـاطري وآذانها بجـناني

ولماء زمزم في الجـوانح غلة       ولملتقى عـرفات حـن زماني

ويسوقني الشوق المؤرق جفنه       لربا الحجاز بهادر التحنان

لا نمرو أن يشتد بي حر ظمـأ           فلنور احمد يظمأ الثقلان



•    ويقول عبد الستار سليم:

أم القرى بالحج تشرق أرضها        واليه تهفو بالحنين قلوب

ومن الحجيج مواكب تسعي لها      عند الآذان رجالة وركوب

من كل فج ليس يوهن عزمها         إقبال دنيا أو أذى ولغوب



وعن شعبة عن أبى إسحاق قال حج مسروق فلم يتم إلا ساجداً على وجهه حتى رجع وقال الربيع بن سليمان حججنا مع الشافعي فما ارتقا شرفاً ولا هبط وادياً إلا وهو يبكي.


وذكر بن الجوزي -رحمه الله- عن عبد العزيز بن أبي رواد قال:

"دخل قومٌ حُجَّاجٌ ومعهم امرأة تقول: أين بيت ربي؟ فيقولون الساعة ترينه، فلما رأوه قالوا: هذا بيت ربك أما ترينه؟ فخرجت تشتد وهي تقول: بيت ربي بيت ربي حتى وضعت جبهتها على البيت فو الله ما رفعت إلا ميتة" (2).

وفي مقـام خليل الله موقفنا     والركعتان جنان الكون تختصر

تبدت الكعبة الزهراء حالية     مجلوة فعيون القـوم تنبهــر

هنا يلوذ بباب الله مـلتزم       هنا يطـوف بفلك الله معتمر


لا إله إلا الله هذا حال المخبتين فكيف حال العاصين؟!

هذا حال المنيبين فكيف حال المذنبين؟!

اسمع إلى دعاء المنكسرين بين يدي رب العالمين

ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- عن مُحَمَّد بن صالح قال:

بينما أنا في الطواف إذ نظرت إلى أعرابي بدوي متعلق بأستار الكعبة وقد شخص بصره نحو السماء وهو يقول: يا خير من وفد الأنام إليه ذهبت أيامي وضعفت قوتي، وقد وردت بيتك الحرام المعظم المكرم بذنوب كثيرة لا تسعها الأرض ولا تغسلها البحار مستجيراً بعفوك منها، وحططت رحلي بفنائك وأنفقت مالي في رضاك فماذا الذي يكون من جزائك يا مولاي؟


ثم أقبل علي الناس يوجهه فقال:

يا معشر الناس ادعوا وكزته الخطايا وغمرته البلايا، ارحموا أسير ضروا غريب فاقه سألتكم بالذي عمتكم الرغبة إليه إلا سألتم الله تعالي أن يهب لي جرمي ويغفر لي ذنوبي ثم عاد فتعلق بأستار الكعبة وقال: إلهي وسيدي عظيم الذنب مكروب وعن صالح الأعمال مردود وقد أصبحت ذا فاقة إلى رحمتك يا مولاي.


يقول مُحَمَّد بن صالح:

ثم رأيته بعرفات وقد وضع يساره علي أم رأسه يصرخ ويبكي ويشهق ويقول: (إلهي وسيدي ومولاي أضحكت الأرض بالزهر وأمطرت السماء بالرحمة، والذي أعطيت الموحدين إن نفسي لواثقة لي ولهم منك بالرضا وكيف لا يكون كذلك وأنت حبيب من تحبَّب إليك وقرَّة عين مَنْ لاذ بك وانقطع إليك؟ يا مولاي حقاً، حقاً أقول لقد رأيت بمكارم الأخلاق فاجعل وفودي إليك عتق رقبتي من النار) (3).


حاله دائماً وأبداً:

الهي وقفت دموعي تسيل            وقلبي ببابك باك ذليل

فذنبي كبير وزادي قلـيل             فمن علي بعفو جمـيل

أتيت أجر خطـايا السنين         أتيت إلى أحكم الحاكمين

وكلي اعتقاد وكـلي يقين            بأن لديك شفاء العليل

سألتك مغفـرة للـذنوب        وستر لما مسنا من عيوب

فأنت الهي طيب القلـوب     ونور هواك يضيء السبيل



وعلي عرفات تسيل العبرات وتشتاق إلي رحمة ربي الأرض والسموات ولِمَ لا والله جل جلاله يباهي بأهل الموقف ملائكته.


عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- -"ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبداً أو أمة من النار من يوم عرفة، وانه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء" (4).


واخرج الترمذي عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خير الدعاء يوم عرفه وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (5).


يقول المناوي -رحمه الله- (وخير ما قلت) قال الطيبي: أي ما دعوت فهو بيان له (أنا والنبيون من قبلي) الظاهر أنه أراد بهم ما يشمل المرسلين (لا إله) أي لا معبود في الوجود بحق (إلا الله) الواجب الوجود لذاته (وحده) تأكيد لتوحيد الذات والصفات فهو رد على الكرامية والجهمية القائلين بحدوث الصفات ذكره البيهقي (لا شريك له) تأكيد لتوحيد الأفعال ففيه رد على المعتزلة (له الملك) قال السهيلي: هذا أخذ في إثبات ما له بعد نفي ما لا يجوز عليه (وله الحمد) قدم الملك عليه لأنه ملك فحمد في مملكته ثم ختم بقوله: (وهو على كل شيء قدير) ليتم معنى الحمد إذ لا يحمد المنعم حقيقة حتى يعلم أنه لو شاء لم ينعم وإن كان قادراً على المنع وكان جائزاً أن يمنع وأن يجود فلما كان جائزاً له الوجهان جميعاً ثم فعل الإنعام واستحق الحمد على الكمال لا كما تقول المعتزلة يجب عليه إصلاح الخليفة) (6).


هيا لترى وتسمع أحوال المشتاقين إلى بلد الله الأمين وإلى عرفات الله.

الفضيل بن عياض:

وقف بعرفه والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال واسوءتاه منك وإن عفوت" (7).


وروي عن الفضيل أيضاً:

انه نظر إلى نشيج -البكاء الشديد- الناس وبكائهم عشية عرفه فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دافقاً -يعني سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا: قال والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.


وإني لأدعــــــو الله اسأل عفوه            واعلم أن الله يعفو ويغفر

لئن أعظم الناس الذنوب فإنها    وان عظمت في رحمة الله تصغر
(8).


ووقف بعض الخائفين بعرفات وقال:

"إلهي الناس يتقرَّبون إليك بالبُدن وأنا أتقرَّب إليك بنفسي. ثمَّ خَرَّ مَيّتاً" (9).


وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- عن يحيى بن كامل القرشي قال:

اخبرني سفيان الثوري قال سمعت أعرابياً وهو متعلق بعرفه وهو يقول: "إلهي مَنْ أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا؟ ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك فيَّ سابق وأمرك بي محيط؟ أطعتك بإذنك والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسيء حتى قضيت علي، اللهم أنا أطعناك بنعمتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله ولم نعصك في ابغض الأشياء إليك الشرك بك فاغفر لي ما بينهما اللهم سري إليك مكشوف وأنا عليك ملهوف إذا وحشتني الغربة آنسني ذكرك وإذا أصببت علي الهموم لجأت إليك استجارة بك علماً بأن أزِمَّةِ الأمور بيدك وان مصدرها عن قضائك" (10).


ضجت خدودي من لظى عبرات          لمـــا وقفــت عـلـــي ثري عرفات

وتيبست شــــفتي وتــــاهــت            أحرفي وجلاً وكادت تنطفي كلمات

لما ذكرت الموت في أهـواله            وذكـــــــرت هول النزع والسكرات

وذكرت بالجمع الغفير مواقفا           أخــــــرى بيوم الحشر والحسراتي

ورفعت كفي والدموع كأنها             سيـــــــــل تدفق من ذرى الثرواتي

ومضي لهيب الخوف يحرق مهجتي    والنفـــــــس تبكي سالف الغدرات

يا رب تبت إليك فقبل توبتي            وجعــــــل مكـــان السيء الحسنات

فسمعت من عمق الضمير منادياً     دع مــــــــا مضي وقضي وقم للآتي

واعلم بأن الله أرحم راحم             وسيدفــــــع الأحـــــــادي بالعشراتي



وأخيراً نختم رحله الشوق والحنين بقول المولى سبحانه وتعالى:

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].


يقول ابن كثير -رحمه الله-:

ومضمون ما فسرته هؤلاء الأئمة هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مثابة للناس أي جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضي منه وطراً ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: "{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}: [إبراهيم: 37] إلى أن قال: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40]" (11).


لماذا الشوق والحنين؟

عشنا مع رحلة الشوق والحنين إلى بلد الله الأمين ورأينا كيف أن الشوق قد بلغ بالمسلمين كل مبلغ حتى أن بعضهم من شدة شوقه ما إن رأي البيت الحرام حتى فارق الحياة، بل أن هناك من لا يمل من زيارته، فلا تشبع من زيارته القلوب ولا ترتحل الأنفس عنه إلا وهي بذكره طروب؟!

لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها     حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً

ومن الناس من بلغهم الله بيته الحرام، فذاقوا وارتشفوا وعرفوا واعترفوا فمهما يترددوا إليه لا يبغوا عنه حولاً ولا يروا انهم قضوا منه وطراً إذا ذكروا بيت الله حنوا، وإذا تذكروا بعدهم عنه أنوا ثم لا يزالون يجأرون إلى مولاهم بقلوب محترفة ودموع مستبقة أن يعيدهم إليه مرة بعد مرة وكرة بعد كرة.


ومنهم من فاته منه الدنو فهو يؤمه بقلبه في كل حين وآن، ويولي إليه وجهه حيثما كان، قد حرم الوصول إلى البيت، وقلبه موصول برب البيت عاقته المعاذير ولم تساعده المقادير فإذا أذَّن مؤذن الحج: "حيَّ علي الرحيل" تولَّوا وأعينهم تفيض من الدَّمع حَزَنًا ألا يجدوا ما ينفقون فأقاموا مأتم اللَّهف وأراقوا دموع الأسف.

ما أصنع هكذا جري المقدور           الجبر لغيري وأنا المكسور

أسير ذنب مقيدٌ مــأسور                هل يمكن أن يُبدَّل المسطور؟
(12)


إنها رحلة الطهارة التي تشتاق إليها الأنفس والأفئدة لتغسل عنها الذنوب وتمحوا عنها العيوب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "مَنْ حَجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّهُ" (13).


وعنه أيضاً عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "العُمْرَة إلى العُمْرَة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " (14).


يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وقوله: "رجع كيوم ولدته أمه"، أي بغير ذنب وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوي الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري (15).


ويقول الإمام الدهلوي -رحمه الله- وقال عليه السلام: "تابعوا بين الحج والعُمْرَة" أقول: " تعظيم شعائر الله والخوض في لُجَّة رحمة الله يُكفّر الذنوب ويُدخل الجنة ولما كان الحج المبرور والمتابعة بين الحج والعُمْرَة والإكثار منها نصاباً صالحاً لتعرض رحمته أثبت لهما ذلك، وإنما شرط ترك الرَّفث والفِسق ليتحقق ذلك الخوض فإن مَنْ فعلهما أعرضت عنه الرحمة ولم تكمل في حقه" (16).


وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعُمْرَة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة "(17).


يقول المباركفوري:

قال الطيبي -رحمه الله- أي إذا اعتمرتم فحجوا وإذا حججتم فاعتمروا (فإنهما) أي الحج والإعتمار (ينفيان الفقر) أي يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب (والذنوب) أي يمحوانها قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله (كما ينفي الكير) وهو ما ينفخ فيه الحداد لاشتعال النار للتصفية (خبث الحديد والذهب والفضة) أي وسخها (وليس للحجة المبرورة) قيل المراد بها الحج المقبول وقيل الذي لا يخالطه شيء من الإثم ورجحه النووي وقال القرطبي الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى وحاصلها أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع مواقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، كذا قال السيوطي في التوشيح (18).


وقال المحب الطبري:

يجوز أن يراد التتابع المشار إليه بقوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] فيأتي بكل منهما عقب الآخر بلا فصل وهذا ظاهر لفظ المتابعة وأن يراد اتباع أحدهما الآخر ولو تخلل بينهما زمن بحيث يظهر مع ذلك الاهتمام بهما ويطلق عليه عرفا أنه اتبعه (فإنهما ينفيان الفقر والذنوب) إزالته للفقر كزيادة الصدقة للمال كذا قال الطيبي.


وقال في المطامح:

يحتمل كون ذلك لخصوصية علمها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وكونه إشارة إلى أن الغنى الأعظم هو الغنى بطاعة الله ولا عطاء أعظم من مباهاة الله بالحاج الملائكة (كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) مثل متابعتهما في إزالة الذنوب بإزالة النار الخبث لأن الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوية والغضبية محتاج لرياضة تزيلها والحج جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال والجوع والظمأ واقتحام المهالك مفارقة الوطن والإخوان وغير ذلك (وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) أي لا يقتصر لصاحبها من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لابد أن يدخل الجنة والمبرور المقبول أو الذي لا يشوبه إثم أو ما لا رياء فيه أو غير ذلك (19).


الكريم الوهاب فاشتاقت النفوس إليه حالها كقول القائل:

أتيناكم نخب السير خبَّاً       ونحمــل في حشايا القلب حباً

نهيم ببيتكم شوقاً ونسقي   بدمع العين في العرصات صباً

فهيّا سـامحونا قد أسأنا       وهيا فاغفـــروا يا رب ذنبنـاً

تقرَّب غيرنا لسواك جهلاً     ونحن لقربكـم نزداد قرباً (20)

وتشتاق إليه النفس له أمان من الفقر ومغفرة للذنوب.


ولم لا تهفو إليه الأنفس وهو رحلة الدخول في وفد الله -ذلك الوفد المبارك خصهم الله بالعطاء فعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم" (21).


وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:

قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرم فإن لك بكل وطأة تطأها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة ويمحو عنك بها سيئة وأما وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيُباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شُعثاً غُبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميُك الجمار فأنه مدخور لك وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمُّكَ (22).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 05:31 am


الفصل الثاني: رسالة عاجلة إلى مَنْ لم يستطع الحج

هذه رسالة عاجلة أرسلها عبر بريد الإيمان وأثير التوحيد إلى هؤلاء الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون فلم يملكوا الزاد ولا الراحلة وهما حد الاستطاعة أرسلها إلى الضعفاء والمرض الذين اشتاقت قلوبهم وهامت نفوسهم إلى رؤية البيت الحرام وإجابة دعوة إبراهيم عليه السلام.


أقول لهؤلاء جميعا لا تحزنوا ولا تيأسوا فالإسلام قد شرع لكم أعمالاً ينال بها العبد أجر الحاج والمعتمر كما أن هناك أعمالاً أخرى ينال بها العبد أجر الجهاد وأخري ينال بها أجر الصدقة وغير ذلك من رحمة الشريعة الربانية بجميع طوائف الأمة المُحَمَّدية واسمع أخي إلى الحافظ ابن رجب وهو يكشف لنا الغطاء من فضل الله وحكمته في التشريع.


يقول -رحمه الله-:

سبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها علي يدي نبيها نبي الرحمة أبواب الفضائل فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملاً يقاومه أو يفضُل عليه فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه.


فلمَّا كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه، وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.


ولمَّا كان الحج أفضل الأعمال والنفوس تتوق إليه لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم وكان كثير من الناس يعجزون عنه ولا سيما كل عام شرع الله لعبادة أعمالاً أجرها اجر الحج فيتعوض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج".


وهاك أخي المسلم الأعمال التي ينال بها العبد اجر الحاج والمعتمر.

أولاً: صلاة الصبح في جماعة والجلوس حتى تطلع الشمس ثم يصلي الضحى

أخرج الترمذي وصححه الألباني عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلي ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة قال رسول الله تامة، تامة، تامة" (23).


مع هذا الأجر العظيم اسمع إلى ذلك الحديث الذي ورد في فضل هذه الدقائق التي يجلسها العبد بعد صلاة الفجر:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

بعث النبي -صلي الله عليه وسلم- جيشاً فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكَرَّةَ فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعثاً قط أسرع كَرَّةً ولا أعظم غنيمة من هذا البعث؟ فقال ألا أخبركم بأسرع كرة وأعظم غنيمة؟ رجلٌ توضأ في بيته فأحسن وضوءه ثم عمد إلى المسجد فصلي فيه صلاة الغداة ثم أعقب بصلاة الضحى فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة" (24).


إنها منقبة عظمى لتلك الفريضة وهذه السُّنَّة فالحبل ممدود ولكن مَن يعتصم به والخير مبذول ولكن مَن يتعرَّض؟ والباب مفتوح ولكن مَن يلج...


أخي لعلك تحتاج إلى منشطات حتى تنال ذلك الأجر واليك بعض المنشطات والحوافز التي ستجعلك لا تفرط في ذلك الأجر.


فوائد صلاة الفجر في جماعة:

كذاك الفخر يا همم الرجال      تعالي فانظري كيف التغالي


اعلم علمني الله وإياك:

أن صلاة الفجر في جماعة لها من الفوائد والفرائد ما ليس لغيرها من الصلوات وهاك بيانها:

أولاً: أن مَنْ صلّى الفجر في جماعة كمَنْ قام الليل كله... والدليل:

عن عثمان بن عفان قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومَنْ صلّى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة" (25).


يقول المناوي -رحمه الله-:

(مَنْ صلّى العشاء في جماعة) أي معهم (فكأنما قام نصف الليل) أي اشتغل بالعبادة إلى نصف الليل (ومَنْ صلّى الصُّبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) نزل صلاة كل من طرفي الليل منزلة نوافل نصفه ولا يلزم منه أن يبلغ ثوابه ثواب من قام الليل كله لأن هذا تشبيه في مطلق مقدار الثواب ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة منفعة في قيام الليل غير التعب ذكره البيضاوي.


وقال الطيبي:

لم يرد بقوله فكأنما صلى الليل كله ولم يقل قام ليشاكل قوله صلى الصبح (26).


ثانياً: تزكية الملائكة عند الله:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) (27).


يقول بدر الدين العيني -رحمه الله-:

وقال القرطبي وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم ولذلك قالوا أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون وهذا من خفي لطفه وجميل ستره إذا لم يطلعهم إلا على حال عبادتهم ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها انتهى هذا الذي قاله يعطي أنهم غير الحفظة لأن الحفظة يطلعون على أحوالهم كلها اللهم إلا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتجه ما قاله والظاهر أنهم غيرهما لأنه قد جاء في بعض الأحاديث إذا مات العبد جلس كاتباه عند قبره يستغفران له ويصليان عليه إلى يوم القيامة يوضحه ما رواه ابن المنذر بسند له عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى حارس الليل وحارس النهار عند طلوع الفجر وعن الضحاك في قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} (الإسراء: 78) قال تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون أعمال بني آدم وفي تفسير ابن أبي حاتم تشهده الملائكة والجن...


وقال الكرماني:

فإن قلت ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك الذين ظلوا قلت إما للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] وإما لأن الليل مظنة المعصية ومظنة الاستراحة فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك وإما لأن حكم طرفي النهار يعلم من طرفي الليل فذكره يكون تكراراً انتهى.


وقيل الحكمة في ذلك:

أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار وقال بعضهم وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون وهو خلاف ظاهر الحديث، قلت هذا الذي ذكره ضعيف لأن لبث ملائكة النهار لضبط بقية عمل النهار لا يستلزم عدم السؤال، وقيل الحكمة في ذلك بناء على أن الملائكة هم الحفظة أنهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون ويؤيدها ما رواه أبو نعيم في (كتاب الصلاة) له من طريق الأسود بن يزيد النخعي قال يلتقي الحارسان أي ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار).


وقيل يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة وأما النزول فيقع في الصلاتين معا وفيه التعاقب وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضا ولا يصعد منهم أحد بل تبيت الطائفتان أيضا ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر فلهذا خص السؤال بالذين باتوا وقيل إن قوله في هذا الحديث أعني حديث الباب ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وهم لأنه ثبت من طرق كثيرة.


ثالثاً: المغفرة الربانية:

ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الذي رواه مسلم في صحيحه و الترمذي في سننه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر) فهذه مغفرة ربانية إلهية دائمة متكررة، فكلما وقع منك قول أو خاطر أو فعل عن غفلة أو زلة أو وسواس شيطان أو استزلال هوى أو داعي شهوة فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الصلوات -ومنها الفجر- هذه المغفرة الربانية، وهي من أعظم هذه الغنائم التي ينبغي أن لا يفوتها العبد (28).


رابعا: البشارة النورانية:

ففي حديث أنس -رضي الله عنه- -ويروى هذا الحديث عن ستة عشر من الصحابة بروايات مختلفة- عند أبي داود و الترمذي وابن ماجة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وما أعظم هذه البشارة بهذا النور في الوقت الذي تظلم فيه على الإنسان الظلمة الشديدة والكرب العصيب والهول العظيم.


خامساً: الانطلاقة الحيوية:

وهذه أيضاً غنيمة عملية دنيوية دينية وإيمانية في الوقت نفسه، وهذه أثرها واضح، وأمثلتها العملية بالكثرة التي لا تحصى، يشرحها لنا أيضاً حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة منها فيقول: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ -أي: النائم- فذكر الله انحلّت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) رواه مسلم.


سادساً: الحصانة الإلهية:

وهذه أيضاً تابعة للتي قبلها، وكم يحتاج الإنسان إلى أن يحصن نفسه! فإذا كانت هذه الحصانة من الله، وإذا كان هذا الحفظ من الله فانظر -رعاك الله- كيف يكون من صلى الفجر في جماعة في سلامة وأمن وطمأنينة لا يمكن أن يحوزها أي إنسان! لأن أي إنسان سيعتمد في هذا الحفظ أو في هذه الحصانة على جهود بشرية أو على قوىً أرضية، وأنت معتمد على رب الأرباب سبحانه وتعالى، كما في حديث جندب بن سفيان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صلّى الصبح فهو في ذمَّة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله في ذمَّتِهِ بشيء) أي: هو في حفظ الله ما دام على طاعة الله.


سابعاً: وأعظم من تلك الغنيمة رؤية الله عز وجل:

ففي حديث النبي عليه الصلاة والسلام عند مسلم في تفسير قوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] قال: (الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى).


وفي حديث جرير -رضي الله عنه- قال:

كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) [طه: 13]) رواه أصحاب السنن الأربع.


ثامناً: البركة والفلاح:

وهي غنيمة البركة والنجاح، في حديث جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها) رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: رجاله ثقات، إلا أن شيخ الطبراني لم أجد له ترجمة.


تاسعاً: (مَنْ صلّى البردين دخل الجنة):

عن صخر: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار وكان صخر رجلاً تاجراً وكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله، قال أبو داود وهو صخر بن وداعة (29).


فالذي يريد البركة التي افتقدها كثير من الناس بسبب تركهم لما شرع الله سبحانه وتعالى وهجرهم ونومهم عن صلاة الفجر في جماعة حتى أضحت المساجد تشتكي إلى الله في صلاة الفجر من قلة المصلين - فعليه العمل بالهدي النبوي المبارك وان يصلى الفجر في جماعة، وتأمَّل إلى حال ذلك الصحابي الجليل التي امتثل إلى ما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فرزقه الله من حيث لا يحتسب، انه صخر بن وداعة -رضي الله عنه-.


يقول المناوي -رحمه الله-:

(اللهم بارك لأمتي) أمة الإجابة (في بكورها) في شرح السقط أول اليوم الفجر وبعده الصباح فالبكرة فالضحى فالضحوة فالهاجرة فالظهر فالرواح فالمساء فالعصر فالأصيل فالعشاء الأول فالعشاء الآخر وذلك عند مغيب الشفق.


قال النووي في رؤوس المسائل:

يُسَنُّ لمن له وظيفة من نحو قراءة أو علم شرعي وتسبيح أو اعتكاف أو صنعة فعله أول النهار وكذا نحو سفر وعقد نكاح وإنشاء أمر لهذا الحديث (30).


فضل صلاة الضحى:

يقول المباركفوري -رحمه الله-: (ثم صلى ركعتين) أي بعد طلوع الشمس قال الطيبي أي ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهة وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق وهي أول صلاة الضحى.


قلت وقع في حديث معاذ حتى يسبح ركعتي الضحى وكذا وقع في حديث أمامة وعتبة بن عبد (كانت) أي المثوبة (قال) أي أنس (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تامة تامة تامة) صفة لحجة وعمرة كررها ثلاثاً للتأكيد وقيل أعاد القول لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكراره من قول أنس.


قال الطيبي -رحمه الله-:

هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيباً أو شبه استيفاء أجر المصلي تاما بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تاما بالنسبة إليه، وأما وصف الحج والعُمْرَة بالتمام إشارة إلى المبالغة كذا في المرقاة (31).


فتأمَّل أخي المسلم كيف ضاعف الله تعالى الثواب لِمَنْ جلس عقب صلاة الفجر دقائق معدودات وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.


صلاة الضحى تعدل عند الله تعالى (360) صدقة:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل سُلامَى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة) (32).


عن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: يُصبح على كل سُلامَي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمرٌ بالمعروف صدقة ونهيٌ عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى (33).


عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لابن آدم ستون وثلاثمائة مفصل على كل واحد منها في كل يوم صدقة فالكلمة الطيبة يتكلّم بها الرجل صدقة وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة والشربة من الماء يسقيها صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة" (34).


قال القاضي:

يعني أن كل عظم من عظام بن آدم يصبح سليماً عن الآفات باقياً على الهيئة التي تتم بها منافعه فعليه صدقة شكراً لِمَنْ صوَّره ووقاه عمَّا يُغيره ويؤذيه (عن الطريق صدقة) قال القاضي عياض يحتمل تسمية هذه الأشياء صدقة أن لها أجرا كما للصدقة أجر وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام وقيل معناه أنه صدقة على نفسه (وبضعته) أي جِمَاعَهُ (35).


يقول المناوي -رحمه الله-:

في مقابلة ما أنعم الله عليه في تلك السُّلامى من باهر النعم ودوامها ولو شاء لسلبها القدرة وهو فيه عادل فإبقاؤها لا سيما مع التقصير في خدمته توجب دوام شكره بالتصدق وغيره ما دامت تلك النعم إذ لو فقد له عظم واحد أو يبس أو لم ينبسط فلم ينقبض لاختلت حياته وعظم بلاؤه والصدقة تدفع البلاء وليس المراد بالصدقة هنا المالية فحسب بل كنى بها عن نوافل الطاعات (36).


ثانياً: الذهاب إلى المسجد لصلاة الجماعة مثل الحاج المُحْرِمْ:

الذهاب إلى المسجد لأداء الفريضة مثله مثل الحاج المُحْرِمْ والذهاب إلى المسجد لصلاة الضحى فله اجر المُعتمر، الله اكبر هذا فضل الله منحة الأمة المُحَمَّدية فلعل المسلم لا يستطيع الجلوس بعد صلاة الفجر حتى يصلي سبحة الضحى وذاك إما لبرد أو عمل أو مرض… هنا جعل النبي -صلي الله عليه وسلم- من يذهب إلى أداء فريضة فإن له أجر الحاج المُحرم وكذلك من يذهب لأداء سبحة الضحى فله أجر المُعتمر.


عن أبي أمامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

"مَنْ خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المُحرم ومَنْ خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المُعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين" (37).


يقول شمس الحق العظيم آبادي:

قال زين العرب: أي كامل أجره وقيل كأجره من حيث أنه يكتب له بكل خطوة أجر كالحاج وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أو كمية وكيفية أو من حيث أنه يستوفي أجر المصلين من وقت الخروج إلى أن يرجع وإن لم يصل إلا في بعض تلك الأوقات كالحاج فإنه يستوفي أجر الحاج إلى ان يرجع وإن لم يحج إلا في عرفة، قاله في المرقاة (المحرم) شبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما ثم إن الحاج إذا كان مُحرماً كان ثوابه أتم فكذلك الخارج إلى الصلاة إذا كان متطهرا كان ثوابه أفضل (38).


الصلاة غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوعٌ وثناء، تذللٌ وبكاء، وتوسلٌ ورجاء، واعتصامٌ والتجاء، وتواضعٌ لكبرياء الله، وخضوعٌ لعظمته، وانطراحٌ بين يديه، وانكسارٌ وافتقارٌ إليه، تذللٌ وعبودية، تقربٌ وخشوع لجناب الربوبية والألوهية، إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عُدةٍ وسلاح، وأفضل جُنة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تُنشئ في النفوس وتُذْكي في الضمائر قوةً روحيةً، وإيماناً راسخاً، ويقيناً عميقاً، ونوراً يبدد ظلمات الفتن، ويقاوم أعتى المغريات والمحن، وكم فيها من الأسرار والحكم والمقاصد والغايات التي لا يعقلها كثيرٌ ممن يؤديها! فما أعظم الأجر، وأوفر الحظ لِمَن أداها على الوجه الشرعي.


فخمس صلوات في اليوم والليلة في المسجد مع جماعة المسلمين تعادل أجر خمس حجج.

وفي السنة (5 صلوات / (360) يوم) = (1800) حجة في سنة واحدة.

وفي عشر سنوات = (18000) حجة.

وفي ثلاثين (30) سنة = (54000) (أربعة وخمسون ألف حجة).


فأين المضيعون لصلاة الجماعة عن هذا الثواب من الكريم الوهاب؟!

أكثر من ألف وثمانمائة حجة في عام واحد لمن يصلي صلاة الفريضة مع الجماعة، فكيف بالأجور الأخرى المترتبة على أدائها في المساجد حيث أمر الله؟!

وإنما المحروم مَنْ قعدت به معاصيه وذنوبه عن بيت ربِّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وفيها من الفوائد التي أرشدنا إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدعو المسلم على ألا تفوته صلاة في جماعة وإليك طرفاً منها...


أ – المظلة الربانية يوم القيامة:

فإذا أردت أن تكون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله فكن من أهل الجماعة وعلق قلبك في بيت ربك، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سبعة يُظلهم الله في ظِلِّهِ: الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجلٌ قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجلٌ طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجلٌ تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) (39)، أشار إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان بدنه خارجاً فشبه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل: (إذا خرج منه حتى يعود إليه) كنى به عن التردد إليه في جميع أوقات الصلاة فلا يصلي صلاة إلا في المسجد ولا يخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليعود فيصليها فيه فهو ملازم للمسجد بقلبه فليس المراد دوام الجلوس فيه (40).


 ب- الرِّفعة في الدَّرجات ومحو الخطيئات:

من فضائلها  أن الله تعالى يكتب له بكل خطوة حسنة ويمحو عنه بها خطيئة ويرفعه بها درجة ومما يدل على فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة فيه مع الجماعة أن الله تعالى قد رفع منزلة آثار قاصد المسجد حتى أن الملائكة المقربين يختصمون في إثباتها والصعود بها إلى السماء عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة قال أحسبه في المنام فقال يا مُحَمَّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت لا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو قال في نحري فعلمت ما في السموات وما في الأرض قال يا مُحَمَّد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم قال في الكفارات والكفارات المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكارة ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال يا مُحَمَّد إذا صليت فقل اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون قال والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، ولو لم يكن المشي على الأقدام إلى الجماعات من الأعمال الجليلة ما كانت الملائكة المقربين يتخاصموا في إثباتها والصعود بها إلى السماء...


كما أن المشي إلى الجماعات من أسباب ضمان العيش بخير والموت بخير فقد جاء في الحديث السابق انه من فعل ذلك أي الأعمال الثلاث المذكورة في الحديث ومنها المشي على الأقدام إلى الجماعات فقد عاش بخير ومات بخير فما أعظم هذا الضمان!


العيش بخير والموت بخير ومن تعاهد بذلك؟ هو الله الواحد الذي لا أحد أوفى بعهده منه... وليس هذا فحسب بل جعل الله المشي إلى الجماعات أيضا من أسباب تطهير العبد من الذنوب عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط (41).


يقول الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله-:

(كل خطوة واحدة يرفع الله بها درجة وتحط عنه خطيئة وتكتب له حسنه وهذه الزيادة الأخيرة (حسنه).


يقول السيوطي -رحمه الله-:

يمحو الله به الخطايا هو كناية عن غفرانها أو محوها من كتاب الحفظة ويرفع به الدرجات هو أعلى المنازل في الجنة إسباغ الوضوء إتمامه على المكاره كشدة البرد وألم الجسم فذلكم الرباط أصله الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس وفي حديث مالك ثنتين أي ذكر ثنتين أو كرر ثنتين في الموطأ تكريره ثلاثاً (42).


ج - شهادة ضمان لدخول جنة الرحمن:

 عن أبي أمامة الباهلي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثلاثة كلهم ضامن على الله عزوجل رجل خرج غازيا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما ننال من أجر وغنيمة ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله عز وجل" (43).


ج- الزيارة الربانية: فأنت عندما تذهب إلى بيت من بيوت الله فأنت في زيارة للكريم الجواد:

عن أبي عثمان عن سلمان: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَن توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم الزائر (44).


د- فرح الله تعالى بقدوم العبد إلى المسجد لأداء الصلاة فيه:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم (45).


يقول المناوي -رحمه الله-:

(إلا تبشبش الله له) أي فرح به وأقبل عليه بمعنى أنه يتلقاه ببره وإكرامه وإنعامه (من حين يخرج من بيته) يعني من محله كمبيت أو خلوة أو نحوهما (كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم) قال الزمخشري: التبشبش بالإنسان المسرة به والإقبال عليه وهو من معنى البشاشة لا من لفظها عند صحبنا البصريين وهذا مثل لارتضاء الله فعله ووقوعه الموقع الجميل عنده ويخرج...


والمعنى أن التبشبش يبتدئ من وقت خروجه من بيته إلى أن يدخل المسجد فترك ذكر الانتهاء لأنه مفهوم ونظيره شمت البرق من خلل السحاب ولا يجوز فتح حين كما في قوله: "على حين عاتبت المشيب على الصبا" لأنه مضاف لمعرب وذاك إلى مبني أ.هـ (46).


هـ- الصلاة الملائكية:

ومما يدل على فضل الصلاة مع الجماعة بأن من جلس في انتظارها فهو في الصلاة وان الملائكة تستغفر له وتدعو له بالرحمة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه وتصلي -يعني- عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث فيه (47).


عن أبي هريرة -رضي الله عنه-:

أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) (48).


يقول بدر الدين العيني -رحمه الله-:

(ذكر معناه قوله إن الملائكة تصلي هكذا في رواية الكشميهني بزيادة إن وفي رواية غيره الملائكة بدون أن قال بعضهم المراد بالملائكة أو السيارة أو أعم من ذلك قلت الملائكة جمع محلى باللام فيفيد الإستغراق قوله في مصلاه بضم الميم وهو اسم المكان قوله تقول بيان لقوله تصلي وتفسير له قوله اللهم اغفر له يعني يا الله اغفر له وارحمه والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة ستر الذنوب والرحمة إفاضة الإحسان إليه ذكر، ما يستنبط منه قال السفاقسي الحدث في المسجد خطيئة يحرم به المحدث استغفار الملائكة ولما لم يكن للحدث فيه كفارة ترفع أذاه كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه عوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة.


وقال ابن بطال:

من أراد أن تحط عنه ذنوبه من غير تعب فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له فهو مرجو إجابته لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، وفيه بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقا سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أو تحول إلى غيره وفيه أن الحدث في المسجد يبطل ذلك ولو استمر جالسا وفيه أن الحدث في المسجد أشد من النخامة.


وقال المازري:

أشار البخاري إلى الرد على من منع المحدث أن يدخل المسجد أو يجلس فيه قلت قد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال ثم دخل فتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء وعن علي رضي الله تعالى عنه مثله وروي ذلك عن عطاء والنخعي وابن جبير وكره ابن المسيب والحسن البصري أن يتعمد الجلوس في المجلس على غير وضوء (49).


إن لصلاة الجماعة في الصفوف الأولى لاسيما في الصف الأول فضلاً عظيماً وقد بيَّن ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عدة أحاديث هذا الفضل ومنها قوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).


عن أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه).


يقول الشيخ احمد البنا:

في شرح قوله: (على مثل صف الملائكة) أي في القرب من الله عز وجل ونزول الرحمة وإتمامه واعتداله...


كما أن الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأولى وميامن الصفوف:

عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس أسكنوا في الصلاة ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال ما لي أراكم عزين ثم خرج علينا فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قال قالوا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها قال يتمون الصفوف الأولى ويتراصون في الصف (50).


عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (51).


قال الغزالي:

ينبغي لداخل المسجد أن يقصد يمنة الصف فإنها يمن وبركة وإن الله تعالى يصلي على أهلها اهـ.


قلت:

وهذا إذا كان فيها سعة ولم يؤذ أهلها ولا تتعطل ميسرة المسجد فإن قلت: ينافي هذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- : من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر) (52) قلت: لا منافاة لأنه قد يحصل لصاحب الميمنة ما يوازي ذلك أو يزيد وقد يحصل لصاحب الميسرة ما يزيد على صاحب الميمنة بسبب نيته وإخلاصه وسبب الحرص على ميمنة الإمام أن الصحابة --رضي الله عنه-م-كانوا أحرص الناس على تحصيل القربات فلما حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ميمنة الصف ازدحموا عليها فتعطلت الميسرة فقال ذلك (53).


ز- الإعجاب الإلهي ومما يدل على فضل صلاة الجماعة ما قاله الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام احمد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الله ليعجب من الصلاة في الجميع) (54).


ح- الوقاية من الوساوس الشيطانية:

فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام احمد عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عن معاذ بن جبل أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد) (55)، ومعنى ذئب الغنم أن الشيطان مفسد للإنسان بإغوائه كإفساد الذئب إذا أطلق في قطيع من الغنم.


ط- براءتان لمن صلى أربعين يوماً يدرك التكبيرة الأولى:

عن انس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق (56).


يقول المباركفوري:

قوله من صلى لله أي خالصاً لله أربعين يوماً أي وليلة في جماعة متعلق يصلى يدرك التكبيرة الأولى جملة حالية وظاهرها التكبيرة التحريمية مع الامام ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع فيكون المراد إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة وهو يتم بإدراك الركعة الأولى كذا قال القارىء في المرقاة.


قلت:

هذا الاحتمال بعيد والظاهر الراجح هو الأول كما يدل عليه رواية أبي الدرداء مرفوعا لكل شيء أنف وإن أنف الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها أخرجه بن أبي شيبة (براءة من النار) أي خلاص ونجاة منها، يقال برأ من الدين والعيب خلص (وبراءة من النفاق) قال الطيبي أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص وفي الأخرة يؤمنه مما يعذبه المنافق ويشهد له بأنه غير منافق يعني بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى وحال هذا بخلافهم كذا في المرقاة (57).


استراحــــة:

فهيا يا أصحاب الهمم العالية لا تركنوا إلى الدنيا وإلا ستحرقكم بنارها قال الشبلي -رحمه الله- من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها  فصار رماداً تذروه الرياح، ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له) عالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبة ويبذل وسعه في الوصول إلى رضا محبوبه فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين قال بعض السلف: "هب إن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 05:41 am


ثالثاً: ومن العبادات التي تعدل الحج والعُمْرَة والجهاد بر الوالدين

واعلم علمني الله وإياك:

أن من العبادات التي تعدل الحج والعُمْرَة والجهاد في سبيل الله بر الوالدين ولم لا والله تعالى قرن برهما بعبادته فقال -سبحانه وتعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) (النساء).


يقول الإمام الخازن -رحمه الله- في تفسيره:

وقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً يعني برّاً بهما واعطفا عليهما وإنما قرن بر الوالدين بعبادته وتوحيده لتأكد حقهما على الولد، واعلم أن الإحسان بالوالدين هو أن يقوم بخدمتها ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة.


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

«جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أبوك؟» وفي رواية قال: «أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك قوله ثم أباك فيه حذف تقديره ثم بر أباك» عنه قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» (58).


اخرج الطبراني بسند إسناده جيد عن أنس -رضي الله عنه- قال: إن النبي -صلي الله عليه وسلم- يوصي رجلاً ببر أمه وقال له: "أنت حاج ومعتمر ومجاهد يعني إذا برَّها" (59).


واعلم يا من تريد أجر الحج والعُمْرَة والجهاد إن البر بالوالدين مشروط بشروط ثلاثة هي:

الأول:

أن يؤثر الولد رضا والديه علي رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين.

الثاني:

أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به وينهيانه عنه سواءاً وافق رغباته أم لم يوافقها ما لم يأمرها بمعصية الله تعالى.

الثالث:

أن يقدم لهما كل ما يلحظ انهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، ومع شعور بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما دمه وماله.


تطلعت نفوس المؤمنين إلى معرفة أوامر الله ليطبقوها ونواهيه ليجتنبوها وتاقوا إلى هذه المعرفة فأجمل لهم ذلك في خمسة أوامر وخمسة نواه فقال في سورة الأنعام: "قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً"، الآيات تجعل حرمة العقوبة كحرمة الإشراك سواء بسواء، إذ ما معنى عبادة الله إن لم تطع أوامره وتجتنب نواهيه؟! وهل من ادعى عبادة ربه ولم يطعه عابداً حقاً؟! (60).


فإذا حققت هذه الشروط الثلاثة فأنت حاج ومعتمر ومجاهد في سبيل الله.

وبر الوالدين سبب من أسباب الزيادة في الرزق والبركة في العمر، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سره أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمة (61).


ولقد أعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- القيام على الوالدين والسعي عليهما جهادا في سبيل الله، عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: مرّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فرأى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن كان خرج يسعى على  ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيل الشيطان" (62).


وقد حَثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على حُسن مصاحبة الوالدين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: مَن أحق بحُسن صحابتي؛ قال: أمك، قال ثم مَن؛ قال: أمك؛ قال: ثم مَن؛ قال: أمك؛ قال: ثم مَن، قال: أبوك (63).


قال الحافظ بن حجر -رحمه الله-:

قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكأنّ ذلك لصعوبة الحمل ثم الرضاع، فهذا تنفرد به الأم وتشقي بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالي: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) [لقمان: 14] فسوي بينهما في الوصاية وخص الأم بالأمور الثلاثة.


قال القرطبي:

المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة.


وقال عياض:

وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل البر على الأب، وقيل: برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك والصواب الأول، قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفصيل الأم في البر وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحا في ذلك فقد ذكره ابن بطال قال: سئل مالك: طلبني أبي فمنعتني أمي، قال: أطع أباك، ولا تعص أمك، قال ابن بطال؛ هذا يدل عى أنه يرى برهما سواء، كذا قال وليست الدلالة علي ذلك بواضحة قال: وسئل الليث يعني عن المسألة بعينها، فقال: أطع أمك فإن لها ثلثي البر، وهذا يشير إلى الطريق التي لم يتكرر ذكر الأم فيه إلا مرتين" (64).


وفي تقديم الأم على الأب حكمه بالغة فهي بالإضافة إلى ما تبذله من جهد يفوق جهده بحاجة إلى من يعولها ويبرها لأنها ضعيفة الجسم عديمة الكسب ومن أولى ببرها من ابنها، ومن أحق بخدمتها والإحسان إليها منه.


قال الحسن البصري:

حق الوالد أعظم وبر الوالدة ألزم.


وقال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:

أن أُمّا بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، فهل أديت حقها؛ قال: لا لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمي بقاءك، وأنت تصنعه وتتمنى فراقها.


فالأم تنظف ولدها وتزيل عنه الأقذار، غير مشمئزة ولا متأففة، فإذا تقدمت بها السن وحَلَّ بها الضعف واضطر إلى تنظيفها، يوماً امتعض وجهه واستقذرت نفسه فأين من حنانها حنانه؟ (65).


ومن فضائل بر الوالدين، أن برهما سبب من أسباب تفريج الكُربات:

فقد بوَّب البخاري باباً فقال:

باب أجابة دعاء مَنْ بَرَّ والديه، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلي غار في جبل، فانحطّت علي فم غارهم صخرة من جبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي، وإنه ناء بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبداً بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء، وجهك فافرج لنا فرجة نري منهما السماء، ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء، وقال الثاني: اللهم إنه كان لي أبنه عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها، ففرج لهم فرجة، وقال الأخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فعرضت عليه حقه، فتركه، ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً وراعيها، فجاءني وقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقرة وراعيها، فقال: اتق الله ولا تهزأ بي فقلت: إني لا أهزأ بك، فخذ تلك البقرة وراعيها، فأخذه فانطلق، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون (66).


وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الولد دعوته لا تُرد، بل هي مستجابة عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (ثلاث دعوات يستجاب لهن. لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المُسافر ودعوة الوالد لولده) (67).


فمَنْ فاز بدعوة الوالدين فهو من الفائزين في الدنيا والآخرة، وجعل الله سبحانه رضا الوالدين من رضاه، فمَنْ أرضي والديه فقد أرضي الله ومَنْ أسخط والديه فقد أسخط الله فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله: رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه من سخطهما (68).


بر الوالدين سبب من أسباب دخول الجنة:

فعن طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال ما هي؛ قلت كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر إلى أن قال لي ابن عمر: أتفرق من النار – أي تخاف من النار وتحب أن تدخل الجنة؟، قلت: أي والله! قال: أحَيٌ والِدَاكَ؟؛ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجْتُنِبَتْ الكبائر (69).


وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:

"ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين يعني الجنة وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضي عنه، قيل وإن ظلماه، قال وإن ظلماه" (70).


قيل لعمرو بن زر كيف كان بر ابنك بك؟

قال: "ما مشيتُ نهاراً قط إلا وهو خلفي ولا ليلاً إلا مشي أمامي ولا رقى سطحاً وأنا تحته" (71).


الفضل بن يحيى البرمكي:

قال المأمون -رحمه الله-: لَمْ أر أحداً أبر من الفضل بن يحيى بأبيه بلغ من بره أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مسخن وهما في السجن فمنعهما السَّجَّان من إدخال الحطب في ليلة باردة فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخن فيه الماء فملأه ثم أدناه من نار المصباح فلم يزل قائم وهو في يده حتى أصبح" (72).


وقال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:

"إن لي أمّاً بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطيَّةً لها فهل أدَّيْتُ حقَّها؟ قال: لا لأنها كانت تصنعُ بك ذلك وهي تتمنى بقائكَ، وأنت تصنع وتتمنَّى فِرَاقَهَا" (73).


رابعاً: شُهُود الجُمُعة يعدلُ حَجَّة:

شهود الجمعة يعدل حجة ومن الأمور التي ينال بها المسلم أجر الحج شهود صلاة الجمعة، روى ذك موقوفاً على بعض التابعين قال سعيد بن المسيب: "شهود الجمعة أحَبُّ إليَّ من حَجَّةٍ نافلة".


وقد روى مسلم والبخاري وغيرهما أن التبكير إلى الجمعة كالمُهدي هدياً إلى بيت الله الحرام، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- رضى الله عنه قال عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة ومَنْ راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومَنْ راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشاً أقرن" (74).


وأخرج السيوطي –وضعفه الألباني– حديث الجمعة حجة المساكين "وفي تاريخ بن عساكر: عن الأوزاعي قال: مر يونس بن ميسرة بن حلبس، بمقابر (باب تومة) فقال السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لك تبع فرحمنا الله وإياك وغفر لنا ولكم فكأنما قد صرنا إلى ما صرتم إليه، فردَّ اللهُ الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرات قال وإلى أين رحمك الله؟ قال إلى الجمعة أما تعلم أنها حجة مبرورة متقبلة، قال ما خير ما قدمتم؟ قال الاستغفار يا أهل الدنيا قال فما يمنعك أن ترد السلام؟ قال: يا أهل الدنيا السلام والحسنات قد رفعت عنا فلا في حسنة نزيد ولا في سيئة ننقص غلقت رهوننا يا أهل الدنيا" (75).


ويقول بن رجب -رحمه الله-:

أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعُمْرَة وغيرهما فإنه ما تقرب العبد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم، وكثير من الناس يهون عليه التنفل بالحج والصدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون ورد المظالم وكذلك يثقل على كثير من النفوس والتنزه عن كسب الحرام والشبهات ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقة.


وقال بعض السلف:

ترك دانق مما يكره الله أحب إلي من خمسمائة حجَّة، كف الجوارح عن المحرمات أفضل من التطوع بالحج وغيره، وهو أشق على النفوس.


وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-:

"ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد، ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار ببر القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام، سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب".


وقال رجل لبعض العارفين:

قد قطعت إليك مسافة، قال ليس هذا الأمر بقطع المسافات فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك سير القلوب أبلغ من سير الأبدان وكم واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى.

جسمي معي غير أن الروح عندكم    فالجسم في غربة والروح في وطن


سادساً: النية الصادقة ينال بها العبد ثواب القرب التي عجز عنها

ومن الأمور التي ينال بها المسلم درجة الحاج المعتمر النية فالنية ينال بها العبد الدرجات العلى وإن لم يجاوزها -لفقر أو لمرض- وبالنية يبلغ العبد ما لم تبلغ المطايا وبها تنال درجة الحاج والمعتمر والمجاهد والمتصدق... وغيرها وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمالُ بالنِّيَّات" (76).


وعن أبي كبشة الأنباري -رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فأجرهما سواء وعبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهو بأخبث المنازل وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء" (77).


واسمع أخي يا مَنْ تُريد الحج ولا تجد له سبيلاً:

إلى الحديث الذي عن أنس -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غزاة فقال: (إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا فيه حبسهم العذر) (78).


وبالنية ينال العبد درجة القائم وإن كان نائماً:

فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من امرئ تكون له صلاة بالليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاة وكان نومه صدقة عليه" (79).


وبالنية يبلغ العبد درجة الشهادة وإن مات على فراشه:

سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف حدَّث عن أبيه عن جدِّه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ سأل الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) (80).


يقول المناوي -رحمه الله-:

(قيد السؤال بالصدق لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها وبه تُرجى ثمراتها (بلغه الله منازل الشهداء) مُجازاة له على صدق الطلب وفي قوله منازل الشهداء بصيغة الجمع مبالغة ظاهرة (وإن مات على فراشه) لأن كلا منهما نوى خيراً وفعل ما يقدر عليه فاستويا في أصل الأجر ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية فمن نوى الحج ولا مال له يحج به يُثاب دون ثواب مَنْ باشر أعماله ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثراً زائداً وقرباً خاصاً وهو فضل الله يؤتيه مَن يشاء، فعلم من التقرير أنه لا حاجة لتأويل البعض وتكلفه بتقدير من بعد قوله بلغه الله فأعط ألفاظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقها وأنزلها منازلها يتبين لك المراد وفيه ندب سؤال الشهادة بنيَّة صادقة (81).


وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال:

سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير ما مرة ولا مرتين "إذا كان العبد يعمل صالحاً فشغله مرض أو سفر كتب الله له كصالح ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم".


سابعاً: تعليم العلم وطلبه:

عن أبي أمامة: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: مَنْ غدا إلى المسجد لا يُريد إلا أن يتعلّم خيراً أو يُعلّمه كان له كأجر حاج تاماً حجته (82)".


 فأين الوعَّاظ والدُّعاة عن هذا الأجر؟

أين الحريصون على طلب العلم وحضور مجالس الذكر؟

فلو ألقى الواعظ أو حضر طالب العلم خمس مواعظ في الأسبوع لحاز على أجر خمس حجج تامة.

ولو حضر أو ألقى (20) موعظة في الشهر، لأدرك أجر (20) حجَّةً في الشهر الواحد.

ولو حضر أو ألقى -على هذا المعدل- خمس مواعظ أو دروس في الأسبوع لنال أجر (240) حجَّة في السنة الواحدة.

فكيف يكون أجر من يحضر في كل يوم درساً؟ هذا يعني أنه يحج في كلِّ يوم!

وعلى هذا فإنه في العام الواحد يحج أكثر من (365) حجة!

فكيف يكون أجر مَن يحضر في اليوم الواحد أكثر من درس ويُلقي أكثر من موعظة؟!!

هذا علاوة على الأجور الأخرى في طلب العلم وبذله!

فما الظن بمن لازم هذا العمل الصالح أكثر من عشر سنوات في عمره؟!

معنى هذا أنه حج (3650) حجة في عشر سنوات! تامات.. تامات.



فعن قيس بن كثير قال:

قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي؟ فقال: حديث بلغني أنك تُحدِّثُه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: أما جئت لحاجة؟! قال: لا، قال: أما قدمت لتجارة؟! قال: لا، قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟، قال: فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَنْ سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثُوا العلم فمَن أخذ به أخذ بحظٍ وافرٍ" [أخرجه الترمذي (2682)].


والعلماء هم أمناء الله على خلقه،‏ وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير؛ لحفظهم الشريعة من تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، والرجوع والتعويل في أمر الدين عليهم، فقد أوجب الحق سبحانه سؤالهم عند الجهل، فقال تعالى: ((فاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) [النحل: 43]، وهم أطباء الناس على الحقيقة، إذ مرض القلوب أكثر من الأبدان، فالجهل داء، والعلم شفاء هذه الأدواء، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (فإنما شفاء العي السؤال) (83).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 05:48 am


أولاً ــ: فضل العلم

1 ــ العلم مهذب للنفوس:

سُئِلَ سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال:

ألم تسمع قوله حين بدأ به: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [مُحَمَّد: 19]، فأمر بالعمل بعد العلم.


وقد بوَّب الإمام البخارى بابًا فقال:

"باب العلم قبل القول والعمل"، لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [مُحَمَّد: 19]، فالعلم مقدم على القول والعمل، فلا عمل دون علم، وأول ما ينبغي تعلمه "التوحيد" و "علم التربية" أو ما يُسمَّى بعلم "السلوك" فيعرف الله تعالى ويصحح عقيدته، ويعرف نفسه وكيف يهذبها ويربيها.


2 ــ العلم نور البصيرة:

إنه نور يبصر به المرء حقائق الأمور، وليس البصر بصر العين، ولكن بصر القلوب، قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)؛ ولذلك جعل الله الناس على قسمين: إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19].


3 ــ العلم يورث الخشية من الله تعالى:

واعلم أن العلم يورث صاحبه الخشية من الله تعالى والخوف من عقابه، وكلما ازداد المسلم في العلم زادة خشيته من ربه، قال الله تعالى: "إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" [فاطر: 28]، وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" [الإسراء: 107-109].


4 ــ طلب الاستزادة من العلم:

واعلم أن الله  تعالى حث نبيه على الاستزادة، وقد أمرنا الله تعالى بالاستزادة من العلم وكفى بها من منقبة عظيمة للعلم، فقال الله تعالى: "وقل رب زدني علمًا" [طه: 114]، قال القرطبي: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.


5 ــ العلم أفضل الجهاد:

إذ من الجهاد، الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء، وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان، لشدة مؤنته، وكثرة العدو فيه، قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51، 52].


يقول ابن القيم -رحمه الله-:

" فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن.


والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم، ودعوة الخلق به إلى الله" (84)


 عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلّمُه أو يُعلّمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله، ومَنْ جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)) (85).


6 ــ التنافس في بذل العلم:

ولم يجعل الله التحاسد إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، وهذا لشرف الصنيعين، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير.


عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعلّمها)) [متفق عليه].


7 ــ العلم و الفقه في الدين أعظم مِنَّة:

ومَنْ رُزِقَ فقهًا في الدين فذاك المُوَفَّقُ على الحقيقة، فالفقه في الدين من أعظم المِنَنْ.


عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين)) (86).


ثانياً ــ فضل العلماء واعلم أخي أن للعلماء منزلة سامية عند الله تعالى وهاك طرفاً منها:

1 ــ العلماء هم الثقات:

قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، فأهل العلم هم الثقات العدول الذين استشهد الله بهم على أعظم مشهود، وهو توحيده جل وعلا.


2 ــ مديح الله تعالى للعلماء:

وقد مدح الله أهل العلم وأثنى عليهم، فجعل كتابه آيات بينات في صدورهم، به تنشرح وتفرح وتسعد، قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 49].


3 ــ العلماء ورثة الأنبياء:

وهم أهل الذكر، الذين أمر الناس بسؤالهم عن عدم العلم قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].


4 ــ رفع درجات أهل العلم والإيمان خاصة:

قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].


5 ــ لا ينقطع عمل العالم بموته:

بخلاف غيره ممن يعيش ويموت، وكأنَّه من سقط المتاع، أمَّا أهل العلم الربانيون الذين ينتفع بعلمهم من بعدهم فهؤلاء يضاعف لهم في الجزاء والأجر شريطة الإخلاص وسنتحدث عن هذه النقطة مطولاً في المقالات التالية إن شاء الله تعالى، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (87).


6 ــ بالعلم يكثر أجر العامل:

وبالعلم يعظم أجر المؤمن، ويصحح نيته، فيحسن عمله، وإذا كان النَّاس لا يشغفون بالمال عن العلم، فإنَّ فضل العلم على المال أعظم، وقد فصل لنا الشرع في هذه القضية، فقد قسَّم رسول الله النَّاس على أصناف أربعة، جعل الناجين منهم صنفين، وهما من تلبث بالعلم.


فعن أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء (88).


(إنما الدنيا لأربعة نفر) أي إنما حال أهلها حال أربعة: الأول (عبد رزقه الله مالاً) من جهة حل (وعلماً) من العلوم الشرعية النافعة في الدين (فهو يتقي فيه) أي في كل من المال والعلم (ربه) بأن ينفق من المال في وجوه القرب ويعمل بما علمه من العلم ويعلمه لوجه الله تعالى لا لغرض آخر (ويصل فيه رحمه) أي في المال بالصلة منه وفي العلم بإسعافه بجاه العلم ونحو ذلك (ويعلم لله فيه حقاً) من وقف وإقراء وإفتاء وتدريس (فهذا) الإنسان القائم بذلك (بأفضل المنازل) عند الله تعالى لجمعه بين المال والعلم وجوزه لفضلهما في الدنيا والآخرة (و) الثاني (عبد رزقه الله علماً) من العلوم الشرعية (ولم يرزقه مالاً) يتصدق منه وينفق في وجوب القرب (فهو صادق النية يقول) فيما بينه وبين الله تعالى بصدق نية وصلاح طوية (لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان) أي الذي له مال ينفق منه في مرضاة الله ابتغاء لوجهه (فهو بنيته) أي يؤجر على حسبها ويعطى بقضيتها (فأجرهما سواء) أي فأجر علم هذا أو مال هذا سواء في المقدار أو فأجر عقد عزمه على أنه لو كان له من المال ما ينفق منه في الخير وأجر من له مال ينفق منه فيه سواء لأنه لو كان يملكه لفعل وعلى هذا فيكون أجر العلم زيادة له (و) الثالث (عبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علماً) أي من العلوم الشرعية وإن كان عنده من علم غيرها (يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه) أي لا يخافه فيه بأن لم يخرج ما فرض عليه من الزكاة (ولا يصل منه رحمه) أي قرابته (ولا يعلم لله فيه حقاً) من إطعام جائع وكسوة عار وفك أسير وإعطاء في نائبة ونحو ذلك (فهذا) العامل على ذلك (بأخبث المنازل) عند الله أي أخسها وأحقرها عنده (و) الرابع (عبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً) ينتقع به (فهو يقول) بنية صادقة وعزيمة قوية (لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان) ممن أوتي مالاً فعمل فيه صالحاً (فهو بنيته) أي فيُؤجر عليها ويُجازي بحسبها (فوزرهما سواء) أي من رزق مالا فأنفق منه في وجوه القرب ومن علم الله منه أنه لو كان له مال لعمل فيه ذلك العمل فيكونان بمنزلة واحدة في الآخرة لا يفضل أحدهما على صاحبه من هذه الجهة (89).


والشاهد هنا:

أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل العلم الحقيقي هو العلم الذي يبصر المرء بحقائق الأمور، فصاحب المال إذا لم يتحلَّ بالعلم فإنَّه سيُسِيء التصرف فيه، فتجده ينفقه على شهوات نفسه، ولا يعرف شكر هذه النعمة، ولذلك استحق أن يكون بأخبث المنازل، والعياذ بالله، وجعل العالم يعرف قدر المال الحقيقي، فيم ينفق؟ فبعلمه نوى نية صالحة فصار بأعلى المنازل، وإن لم ينفق.


8 ــ الاستغفار للعالم:

ويكفي صاحب العلم فضلاً أنَّ الله يسخر له كل شيء ليستغفر له ويدعو له، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحديث بلغني أنك تحديث به عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال فما جاء بك تجارة؟ قال لاُ قال لا، قال ولا جاء بك غيره؟ قال لا، قال فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول (مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، أن العلماء ورثة الأنبياء لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثوا العلم، فمَنْ أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ)) (90).


(صاحب العلم) الشرعي العامل به المعلمه لغيره لوجه الله تعالى (يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر ) فيا لها من مرتبة ما أسناها ومنزلة ما أرفعها وأعلاها يكون المرء مشتغلا بأمر دنياه وصحف حسناته متزايدة وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب وهذا سر قوله: "مَنْ يُرد اللهُ به خيراً يُفَقهه في الدين" ولولا العلماء الذين يتلقون العلم ويعلمونه الناس ويبينون الحلال من الحرام جيلا بعد جيل لهلكت الناس والدواب والأنعام حتى حيتان البحر وضاع الدين واضمحل العدل فحق لهم أن يستغفروا له (91).


9 ــ طلبة العلم هم وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول الله وأقنوهم -عَلِّمُوهُم-)) (92).


10 - إشراقة وجوه العلماء ونضارتها:

وأهل العلم الذين يبلغون الناس شرع الله تعالى هم أنضر الناس وجوهًا، وأشرفهم مقامًا، بدعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم.


قال -صلى الله عليه وسلم-:

((نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فبلَّغها، فرُبَّ حامل فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى ‌مَنْ هو أفقه)) [أخرجه ابن ماجه (230) بسند صحيح].


11 ــ مِنَّةُ الله على أنبيائه بالعلم:

ومن شرف العلم وفضله أنَّ الله امتن على أنبيائه ورسله بما آتاهم من العلم، دلالة على عظم المنَّة فذكر نعمته على نبينا مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم- فقال الله تعالى: ((وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا)) [النساء: 113].


وعلى خليله إبراهيم، قال تعالى:

"إنَّ إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه" [النحل: 120- 121] وعلى نبيه يوسف ((ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين)) [يوسف: 22] وعلى كليمه موسى: ((ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين)) [القصص: 114] وعلى المسيح عيسى بن مريم: ((يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)) [المائدة: 110].


12 ــ شرف الانتساب إليه:

قال علي بن أبي طالب: ومن شرف العلم وفضله أنَّ كل من نسب إليه فرح بذلك، وإنْ لم يكن من أهله، وكل من دفع عنه ونسب إلى الجهل عزَّ عليه ونال ذلك من نفسه، وإنْ كان جاهلاً.


13 ــ العلماء هم أكثر الناس خشية من الله تعالى:

قال الله تعالى: "إنَّمَا يخشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ" [فاطر: 28].


وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" [الإسراء: 107-109].


14 ــ العلماء من أفضل المجاهدين:

إذ من الجهاد، الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء، وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان، لشدة مؤنته، وكثرة العدو فيه.


قال تعالى:

"ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا" [الفرقان: 51-52].


يقول ابن القيم -رحمه الله-:

"فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن، والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم، ودعوة الخلق به إلى الله" (93).


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره)) (94).


15 ــ شرف العلماء ببذل علمهم (التنافس في بذل العلم):

ولم يجعل الله التحاسد إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، وهذا لشرف الصنيعين، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير.

عن عبد الله بن مسعود قال:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعلمها) (95).


ثامنا: الأذكار التي بعد الصلاة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: (كيف ذاك)، قالوا صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال، قال: (أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا مَن جاء بمثله؟ تُسبحون في دبر كل صلاة عشراً وتحمدون عشراً وتكبرون عشراً) (96).


أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

جاء الفقراء إلى النبي فقالوا ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون قال ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين فرجعت إليه فقال تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون كلهن ثلاثاً وثلاثين.


يقول  بدر الدين العيني -رحمه الله-:

وقال الكرماني كيف يساوي قول هذه الكلمات مع سهولتها وعدم مشقتها الأمور الشاقة الصعبة من الجهاد ونحوه وأفضل العبادات أحمزهما قلت أداء هذه الكلمات حقها الإخلاص سيما الحمد في حال الفقر من أفضل الأعمال وأشقها ثم إن الثواب ليس بلازم أن يكون على قدر المشقة ألا ترى في التلفظ بكلمة الشهادة من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقة وكذا الكلمة المتضمنة لتمهيد قاعدة خير عام ونحوها قال العلماء إن إدراك صحبة رسول الله لحظة خير وفضيلة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء ثم إن كانت نيتهم لو كانوا أغنياء لعملوا مثل عملهم وزيادة ونية المؤمن خير من عمله فلهم ثواب هذه النية وهذه الأذكار قوله لم يدرككم قال الكرماني فإن قلت لم لا يحصل لمن بعدهم ثواب ذلك قلت إلا من عمل استثناء منه أيضا كما هو مذهب الشافعي في أن الاستثناء المتعقب للجمل عائد إلى كلها قوله بين ظهرانيهم بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفي رواية كريمة وأبي الوقت بين ظهرانيه بالإفراد ومعناه أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم وزيدت فيه الألف والنون المفتوحة تأكيدا ومعناه إن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو مكنون من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرههم ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم قال الكرماني فإن قلت قال أولا أدركتم من سبقكم يعني تساوونهم وثانيا كنتم خير من أنتم بينهم يعني تكونون أفضل منهم فتلزم المساواة وعدم المساواة على تقدير عدم عملهم مثله قلت لا نسلم أن الإدراك يستلزم المساواة فربما يدركهم ويتجاوز عنهم قوله إلا من عمل مثله أي إلا الغني الذي يسبح فإنكم لم تكونوا خيرا منهم بل هو خير منكم أو مثلكم نعم إذا قلنا الاستثناء يرجع إلى الجملة الأولى أيضاً يلزم قطعا كون الأغنياء أفضل إذ معناه إن أخذتم أدركتم إلا من عمل مثله فإنكم لا تدركونه فإن قلت فالأغنياء إذا سبحوا يترجحون فيبقى بحاله ما شكا الفقراء منه وهو رجحانهم من جهة الجهاد وإخواته قلت مقصود الفقراء منه تحصيل الدرجات العلى والنعيم المقيم لهم أيضا لا نفي زيادتهم مطلقا قوله تسبحون وتحمدون وتكبرون كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة وفي حديث ابن ماجه تقديم التحميد على التسبيح فدل هذا الاختلاف على أن لا ترتيب فيها ويدل عليه الحديث الذي فيه الباقيات الصالحات لا يضرك بأيهن بدأت ولكن يمكن أن يقال الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله سبحانه وتعالى ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال لله تعالى لأن جميع المحامد له ثم التكبير لأنه تعظيم ومن كان منزها عن النقائص ومستحقا لجميع المحامد يجب تعظيمه وذلك بالتكبير ثم يختم ذلك كله بالتهليل الدال على وحدانيته وانفراده تعالى وتقدس وقوله تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثة أفعال تنازعت في ظرف أعني قوله خلف كل صلاة قوله خلف كل صلاة (97).


تاسعاً: العُمْرَة في رمضان تعدل حجة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

فإن عجزت عن الذهاب إلى الحج لقلة النفقة فاجتهد أن تعتمر في رمضان فإن هذا فيه ما فيه من الأجر فهو يعدل كحجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من حجته قال لأم سنان الأنصارية (ما منعك من الحج)، قالت أبو فلان تعني زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضا لنا، قال (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي) (98).


يقول بدر الدين العيني -رحمه الله-:

وقال الكرماني فإن قلت ظاهره يقتضي أن عمرة في رمضان تقوم مقام حجة الإسلام فهل هو كذلك قلت معناه كحجة الإسلام في الثواب والقرينة الإجماع على عدم قيامها مقامها.


وقال ابن خزيمة -رحمه الله-:

إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها لأن العُمْرَة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى هذا الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد (الإخلاص: 1) تعدل ثلث القرآن وقال ابن العربي حديث العُمْرَة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العُمْرَة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.


وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:

فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد وقيل يحتمل أن يكون المراد أن عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة وقال ابن التين قوله كحجة يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون لبركة رمضان (99).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 07:09 am

رسالة عاجلة إلى مَنْ حَرَمَ نفسه الأجر الثواب:

أخي المسلم:

بعد أن عشنا مع بدائل الحج والعُمْرَة التي جعل الله ثوابها مثل ثواب الجح والعُمْرَة وقد أرسلتها للفقراء الذين لا يملكون الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية وأوضحت لهم ثواب تلك الأعمال التي فرط في تحصيلها كثير من المؤمنين... هيا لنقف مع الذين حرموا أنفسهم الأجر والثواب والقرب من الله تعالى أبعث إليهم بتلك الرسالة العاجلة والتي وردت على لسان النبي الكريم في الحديث القدسي: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال يقول الله عز وجل: إن عبدا أصححت له بدنه وأوسعت عليه في الرزق لم يفد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم (100).


يقول المناوي -رحمه الله-:

(إن الله يقول إن عبداً) مكلفاً (أصححت له جسمه ووسعت عليه في معيشه) أي فيما يعيش فيه من القوت وغيره (تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي) أي لا يزور بيتي وهو الكعبة (لمحروم) أي يقضي عليه بالحرمان من الخير أو من مزيد الثواب وعموم الغفران بحيث يصير كيوم ولدته أمه لدلالته على عدم حبه لربه وعادة الأنجاب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وخلالهم وأخذ بقضية هذا الحديث بعض المجتهدين فأوجب الحج على المستطيع في كل خمسة أعوام وعزى ذلك إلى الحسن قال ابن المنذر: كان الحسن يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ فيقول يجب على الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين أ.هـ (101).


أيها الأغنياء الذين مَنَّ اللهُ عليهم بالصحة والمال ولكنهم عصوا الكبير المتعال ألم تسمعوا قول الباري جل جلاله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) (آل عمران).


يقول الشنقيطي -رحمه الله-:

(صرَّح في هذه الآية، أنه غني عن خلقه، وأن كفر من كفر منهم لا يضره شيئاً، وبين هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله عن نبيه موسى: {وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] وقوله: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} [الزمر: 7] وقوله: {فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] وقوله: {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني} [يونس: 68] إلى غير ذلك من الآيات، فالله تبارك وتعالى يأمر الخلق وينهاهم، لا لأنه تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم، بل نفع طاعتهم لهم وضرر معصيتهم عليهم، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وقال: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] وقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].


وثبت في صحيح مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً» الحديث.


تنبيه:

قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97] بعد قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] يدل على أن مَنْ لم يحج كافر والله غني عنه.


وفي المراد بقوله: {وَمَن كَفَرَ} أوجه للعلماء...

الوجه الأول:

أن المراد بقوله: {وَمَن كَفَرَ} أي: ومَنْ جحد فريضة الحج، فقد كفر والله غني عنه، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، قاله ابن كثير، ويدل لهذا الوجه ما روي عن عكرمة ومجاهد من أنهما قالا: لما نزلت {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً» فقالوا: لم يكتب علينا، وأبو أن يحجوا «قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97].


الوجه الثاني:

أن المراد بقوله: {وَمَن كَفَرَ} أي: ومن لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة كقوله للمقداد الثّابت في الصحيحين حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب:» لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال «


الوجه الثالث:

حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر، وقد روى عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ ملك زاداً وراحلة ولم يحج ببيت الله فلا يضره، مات يهودياً، أو نصرانياً، وذلك بأن الله قال: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين» [آل عمران: 97].


وقال البيهقي -رحمه الله- في الشُّعَبِ:

تفرَّد به هلال وله شاهد من حديث أبي أمامة.


أخرجه الدارمي بلفظ:

« من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس، فمات فليمُت إن شاء يهودياً، أو إن شاء نصرانياً».


وقد صح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: » مَنْ أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً« (102).


لم تسمع أو تقرأ أحوال المشتاقين الذين لم يشبعوا من حج بيت الله الحرام فحجوا مرتين وثلاث وأربع... انه الهيام والغرم بدعوة إبراهيم عليه السلام، ها هي كوكبة مباركة من هؤلاء.


** الأسود بن يزيد -رحمه الله-:

قَالَ إبراهيمُ النخعيّ عن الأسود بن يزيد قَالَ: قَالَ عبدُ الله بنُ مسعود: «نُسُكان أحبّ إليَّ أنْ يكونَ لكل واحدٍ منهما: شعثٌ وسفرٌ»، قَالَ: فسافر الأسود ثمانين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما، وسافر عبد الرحمن بن الأسود ستين ما بين حجة وعمرة لم يجمع بينهما [103].


** طاووس بن كيسان -رحمه الله-:

قال ابنُ شوذب: «شهدتُ جنازة طاووس بمكة سنة ست ومائة، فسمعتهم يقولون: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! حَجَّ أربعين حجة» [104].


** عمرو بن ميمون -رحمه الله-:

قَالَ أبو إسحاق السبيعيّ: «جمع الأسود بن يزيد بين ثمانين حجة وعمرة، وجمع عمرو بن ميمون بين ستين حجة وعمرة» [105].


** سُفيان بن عُيينة -رحمه الله-:

قَالَ الحسنُ بنُ عمران -ابن أخي سفيان بن عيينة-: حججتُ مع عمي سفيان آخر حجة حجَّها سنة سبع وتسعين ومائة، فلمَّا كنا بجمع وصلى استلقى على فراشه ثم قَالَ: قد وافيتُ هذا الموضعَ سبعين عاماً، أقولُ في كلّ سنة: اللهم! لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييتُ مِنْ الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، ودُفن بالحجون... وتُوفِّيَ وهو ابن إحدى وتسعين سنة [106].


يا أصحاب الأموال التي ضنَّت وبخلت على نفسها أن تحُجَّ ولو مرة في العمر أتدرون ماذا حرمتم؟ ومن على أي باب طرتم؟ إنكم حرمتم الأجر العظيم والثواب الجسيم... فالمحروم من حرم نفسه من مغفرة الذنوب ورضا علام الغيوب، فتعالى لترى عظم الخسارة...


أولاً: لقد حرمت نعمة إتمام الدين:

فالإسلام مبني على خمسة دعائم لا يتم إسلام العبد إلا إذا حققها عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) (107).


يقول ابن بطال -رحمه الله-:

قال المهلب: فهذه الخمس هى دعائم الإسلام التى بها ثباته، وعليها اعتماده، وبإدامتها يعصم الدم والمال، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم-: تمت أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، وبهذا احتج الصِّدِّيق حين قاتل أهل الردة حين مَنْعِهِمُ الزكاة، وقال: واللهِ لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واتبعه على ذلك جميع الصحابة (108).


قال الإمام النووي -رحمه الله-:

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (بني الإسلام على خمس): أي فمن أتى بهذه الخمس فقد تم إسلامه، كما أن البيت يتم بأركانه كذلك الإسلام يتم بأركانه وهي خمس يتم بأركانه وهى خمس، وهذا بناء معنوي شبه بالحسي، ووجه الشبه أن البناء الحسي إذا انهدم بعض أركانه لم يتم، فكذلك البناء المعنوي، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: (الصلاة عماد الدين فمَنْ تركها فقد هدم الدين)، وكذلك البقية.


ومما قيل في البناء المعنوي

بناء الأمور بأهل الدين ما صلحوا         وان تولوا فبالأشرار تنقاد

لا يصلح الناس فوصى لا سراة لهم      ولا سراة إذا جهالهم سادوا

والبيت لا يبنـــــى إلا لـــه عـمــــد        ولا عماد إذا لم ترس أوتاد



وقد ضرب الله مثلا للمؤمنين والمنافقين فقال:

 (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) (التوبة) وشبه بناء المؤمن بالذي وضع بنيانه وسط طود أي جبل راسخ، وشبه بناء الكافر بمن وضع بنيانه على طرف جرف هار لا ثبات له فأكلها البحر فانهار بنيانه فوقع به في البحر فغرق فدخل جهنم) (109).


أتدري ماذا فاتك يا من فاتك الحج وأنت تستطيع أن تحج؟:

فاتك مغفرة الذنوب والتطهير من الخطايا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: العُمْرَة إلى العُمْرَة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (110).


يقول المناوي -رحمه الله-:

(الحج المبرور) أي المقابل بالبر ومعناه المقبول وهو الذي لا يخلطه شيء من الإثم ومن علامة القبول أنه برجع خيرا مما كان ولا يعاود والمعاصي (ليس له جزاء إلا الجنة) أي إلا الحكم له بدخول الجنة فلا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لابد أن يدخلها أي مع السابقين أو بغير عذاب وإلا فكل مؤمن يدخلها وإن لم يحج.


** وأنت محروم مَنْ الغني؟

ما الذي يجعل كثيراً من الذين يمتلكون الاستطاعة البدنية والمالية من الحج والعُمْرَة؟

ان الذي يدفعهم إلى ذلك ويؤذهم أذى هو الخوف على المال والخوف من الفقر، وذلك والله هو الفقر بعينه وان  امتلكوا الأموال والأطيان لان الله تعالى يقول: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) (سورة مُحَمَّد).


أيها المحرومون:

إن الله وعد على لسان رسوله انه مَنْ تابع بين الحج والعُمْرَة أن يُغنيه ويمحو عنه الفقر والذنوب.


عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: تابعوا بين الحج والعُمْرَة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكثير خَبَثَ الحديد والذهب والفضة وليس للحَجَّةِ المبرورة ثوابٌ إلا في الجنَّة (111).


قال الطيبي -رحمه الله-:

أي إذا اعتمرتم فحجوا وإذا حججتم فاعتمروا (فإنهما) أي الحج والإعتمار (ينفيان الفقر) أي يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب (والذنوب) أي يمحوانها قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله (كما ينفي الكير) وهو ما ينفخ فيه الحداد لاشتعال النار للتصفية (خبث الحديد والذهب والفضة) أي وسخها (وليس للحجة المبرورة) قيل المراد بها الحج المقبول وقيل الذي لا يخالطه شيء من الإثم ورجحه النووي وقال القرطبي الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى، وحاصلها أنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع مواقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، كذا قال السيوطي في التوشيح) (112).


وأنت محروم وان امتلكت كنوز الدنيا كلها من الصلاة في خير البقاع:

فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه"، محروم من الصلاة في مسجد الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في صحيح مسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، وأخرج البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، فمَنْ صلى في هذا المكان يُرجى له أن يكون من أصحاب الجنة.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 07:14 am


الفصل الثالث:

محروم من استلام الركنين والحجر الأسود الذي يشهد لِمَنْ استلمه يوم القيامة:

أخرج الترمذي والنسائي والطبراني من حديث عبيد بن عمير قال: "كان ابن عمر يُزاحم على الركنين زحاماً ما رأيتُ أحداً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنك تزاحم على الركنين زحاماً ما رأيتُ أحد من أصحاب النبي يزاحم عليه، فقال: نعم أنا أفعل فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن مسحهما كفارة للخطايا، وسمعته يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة، وسمعته يقول: لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حَطَّ اللهُ عنه خطيئة وكَتَبَ له بها حسنة" (113).


عن ابن عباس -رضى الله عنهما عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

"ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على مَنْ أستلمه بحق" (114).


يقول المناوي -رحمه الله-:

"(ليأتين) قال الطيبي: الإتيان المجيء بسهولة (هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق) كذا في نسخ الكتاب ثم رأيته بخط المصنف هكذا والذي وقفت عليه في أصول صحيحة قديمة يشهد لمن استلمه بحق وعلى من استلمه بغير حق فليحرر قال البيضاوي: شبه خلق الحياة والنطق فيه بعد أن كان جمادا لا نطق فيه بنشر الموتى وبعثها ولا امتناع فيه فإن الأجسام متساوية في الجسمية وقبول الأعراض التي منها الحياة والنطق والله قادر على جميع الممكنات لكن الأغلب على الظن أن المراد منه تحقيق ثواب المسلم وأن سعيه لا يضيع وأجره لا يفوت قال: والمراد بالمسلم بحق من استلم اقتفاء لأثره وامتثالا لأمره انتهى. قال الطيبي: ويشهد للوجه الأول شهادة لا ترد تصدير الكلام بالقسم وتأكيد الجواب بالنون لئلا يظن خلاف الظاهر وعلى في يشهد من استلمه مثلها في قوله تعالى: {ويكون الرسول عليكم شهيداً} أي رقيباً حفيظاً عليكم فالمعنى يحفظ على من استلم أحواله شاهدا ومزكيا له ويجوز أن يتعلق بحق بقوله يشهد أي يشهد بحق على من استلمه بغير حق كالكافر والمستهزئ ويكون خصمه يوم القيامة ويشهد بحق لمن استلمه بحق كالمؤمن المعظم لحرمته" (115).


فمَنْ مثلك أيها الحاج؟

فإن المَلِك ينزل إلي السماء الدنيا ويُباهي بك الملائكة وغير ذلك من الفضل الذي يُبَيّنَهُ لنا النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال كنت جالساً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجد مِنَى فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا يا رسول الله جئنا نسألك فقال إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت فقالا أخبرنا يا رسول الله فقال الثقفي للأنصاري سل فقال أخبرني يا رسول الله فقال جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه وعن رميك الجمار وما لك فيه وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة فقال والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك، قال فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفاً ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا عنك خطيئة وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيُباهي بكم الملائكة يقول عبادي جاؤوني شُعْثاً من كل فج عميق يرجون جنتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولِمَنْ شفعتم له وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات وأما نحرك فمذخور لك عند ربك وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى، رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له وقال وقد روي هذا الحديث من وجوه ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق.


ماذا خسرت يا مَنْ ضَنَّ بالمال ولم يُجب نداء الكبير المُتعال؟

لقد خسرت الكثير والكثير، وفاتك الخير كله، فاتتك المغفرة، فاتتك الرحمة، فاتتك المُباهاة الرَّبانية، فاتك العتق من النار، وأخرج أبو يعلى بسنده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أن الله تطول على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول يا ملائكتي أنظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلىَّ من كل فجٍ عميق فأشهدكم أني قد أجبتُ دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مُسيئهم لمحسنهمُ ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مُسيئهم لمحسنهم وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني وكفلت عنهم التبعاتفأي كرامة بعد هذه الكرامة التي أعدها الله لزوار بيته وحجاج حرمه ووفده يغسل ذنوبهم ويطهر نفوسهم ويبارك لهم في أعمالهم ويخلف عليهم ما أنفقوا ويستجيب دعاءهم، وينظر إليهم ويباهي بهم الملائكة ويجزيهم بما عملوا جنات تجري من تحتها الأنهار ويكفهم شر النيران..


ما هو السبب الذي جعلك لا تحج؟

فيا من أعطاه الله المال ولم يحج... أعلم أن العمر قصير والباقي منه هو اليسير والأجل محدود غير معلوم، والغنى غير ميسور، والصحة غير مأمونة...


فيا أيها الحبيب...

أما سمعت الله تعالى يقول لنبيه: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (الحِجر: 3)، أي دعهم يعيشوا كالأنعام ولا يهتمون بغير الطعام والشهوات ويشغلهم الأملُ وطول الأمل عن طاعة رب العالمين، أما سمعت قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} (الأعراف: 185).


أيها الحبيب:

أما سمعت أنس بن مالك وهو يحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحديث عند البخاري: عن عبد الله -رضي الله عنه- قال: خط النبي -صلى الله عليه وسلم- خطاً مربعاً وخط خطاً في الوسط خارجاً منه وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا) (116).

فكم من مستقبل يوماً لا يستكمله   وكم من مؤمل لغد لا يدركه


فيا أيها الغافل:

يا مَنْ بدنياه أشتغل              وغره طول الأمل

وقد مضى في غفلةٍ             حتى دنا منه الأجل

الموت يأتي بغتة                والقبر صندوق العمل



فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخاف علينا من طول الأمل، فقد أخرج الحاكم (بسند فيه مقال) عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل فأما الهوى فيضل عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة".


فحدث نفسك أيها الغافل وقل لها:

يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل    فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل

فلتنزلن بمنزلٍ ينسى الخليلُ فيه الخليل               وليركبن عليك فيه من الثرى ثقلٌ ثقيل



فالمبادرة... المبادرة

يقول الحسن البصري:

المبادرة، المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله -عزَّ وجلّ- رحم الله امرءاً نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} فآخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك وآخر العدد دخولك في قبرك.


فلك أيها الإنسان خطوات لا تتخطَّاها ولك أنفاس لا تتعدَّاها.

ولذلك فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يحثُّنا على المبادرة واغتنام العمر والأوقات،  عن ابن عباس قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "لرجل وهو يعظه أغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" (117).


(اغتنم خمساً قبل خمس) أي افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء (حياتك قبل موتك) يعني اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك فإن من مات انقطع عمله وفاته أمله وحق ندمه وتوالى همه فاقترض منك لك (وصحتك قبل سقمك) أي اغتنم العمل حال الصحة فقد يمنع مانع كمرض فتقدم المعاد بغير زاد (وفراغك قبل شغلك) أي اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان (وشبابك قبل هرمك) أي اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك فتندم على ما فرطت في جنب الله (وغناك قبل فقرك) أي اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك فتصير فقيرا في الدنيا والآخرة فهذه الخمسة لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها ولهذا جاء في خبر سيجيء نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ.


تنبيــــــــــــــــــــه:

قال حُجَّةُ الإسلام:

الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى والبدن مركب ومن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم سفره وما لم ينتظم أمر المعاش في الدنيا لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله الذي هو السلوك (118)، فعليك بالندم اليوم والتوبة قبل أن تندم في يوم لا ينفع فيه ندم ساعتها يقول الإنسان: {رَبِّ ارْجِعُونِ َلعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} (المؤمنون 99).


وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط وأنهما لا يُجابان لذلك، كما دَلَّ عليه حرف الزجر والردع الذي هو (كلا) جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} [المنافقون: 10-11] الآية.


وقوله تعالى: {وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.


ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:

{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: 53] وقوله تعالى: {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] وقوله تعالى: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27-28] وقوله تعالى: { قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر: 11] وقوله تعالى: { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}، {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الزمر: 58)، وليتمثل قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (1) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون 10، 11).


يقول ابن عاشور -رحمه الله-:

(أي بعض ما رزقناكم، وهذه توسعة من الله على عباده، وهذا البعض منه هو معيّن المقدار مثل مقادير الزكاة وصدقة الفطر، ومنه ما يتعين بسدّ الخلة الواجب سدّها مع طاقة المنفق كنفقات الحج والجهاد والرباط ونفقات العيال الواجبة ونفقات مصالح المسلمين الضرورية والحاجيّة، ومنه ما يتعين بتعين سببه كالكفارات، ومنه ما وكل للناس تعيينه مما ليس بواجب من الإِنفاق فذلك موكول إلى رغبات الناس في نوال الثواب فإن ذلك باب عظيم من القربى من رضي الله تعالى، وفي الحديث «الصدقة تُطفىء الخطايا كما يُطفىء الماءُ النارَ».


وقد ذكَّر الله المؤمنين بما في الإِنفاق من الخير بأن عليهم أن يكثروا منه ما داموا مقتدرين قبل الفوت، أي قبل تعذر الإِنفاق والإِتيان بالأعمال الصالحة، وذلك حين يحسّ المرء بحالة تؤذن بقرب الموت ويُغْلَب على قواه فيسأل الله أن يؤخر مَوته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من الحسنات طمعاً أن يستجاب له فإن كان في أجله تأخير فلعل الله أن يستجيب له، فإن لم يكن في الأجل تأخير أو لم يقدر الله له الاستجابة فإنه خير كثير) (119).


ولا ترج فعل الخير إلى غدا         فلعل غدا يأتي وأنت فقيد


فالغنيمة الغنيمة بانتهاز هذه المواسم الفاضلة فما منها عوض، والمبادرة المبادرة بالعمل والعَجل العَجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المُفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحاً فلا يجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهناً في حفرته بما قدم من عمل.


وصدق القائل:

ليس في كل ساعةٍ وأوان      تتهيأ صنائع الإحسان

فإذا أمكنت فبادر إليها        حذراً من تعذر الإحسان



واعلم أيها المشتاق:

أن الفرصة إذا لم يغتنمها صاحبها انقلبت إلى حسرة وقد تتهيَّأ لك الأسباب اليوم ولا تتهيَّأ غداً فازرع اليوم لتحصد في الغد وإن الغد لقريب، واعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً شرح صدره لما فيه فلاحه ونجاته واستعمل جوارحه في مرضاته - والسعيد الموفق إذا جاءته الموعظة أنفتح لها قلبه ونشطت للعمل عليها جوارحه، أولئك لهم البشرى كما قال المولى سبحانه.


وأخيراً أخي المسلم:

الواجب عليك اذا كنت تملك الاستطاعة المالية والبدنية ان تبادر الى أداء تلك الفريضة التي كتبها الله عليك ولا يكن حالك  كخال الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله  (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) (الانفال)، {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} قيل: المراد المشركون. واختاره ابن جرير.


وقال ابن إسحاق:

هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك.

ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ}، أي: عن سماع الحق {البكم} عن فهمه؛ ولهذا قال: {الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله [عز وجل] فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا؛ ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ]} [البقرة: 171]، وقال في الآية الأخرى: {أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].


وقيل:
المراد بهؤلاء المذكورين نَفَرٌ من بني عبد الدار من قريش، روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير، وقال مُحَمَّد بن إسحاق: هم المنافقون.


قلت:

ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح، ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ}، أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يُفهمهم؛ لأنه يعلم أنه {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي: أفهمهم {لَتَوَلَّوْا} عن ذلك قصداً وعناداً بعد فهمهم ذلك، {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه، واعلم أن الله ورسوله ما دعاك إلا لما فيه حياتك وسعادتك في الدنيا يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)}.


يقول الألوسي -رحمه الله-:

أي لما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال أو من الجهاد الذي أعزكم الله تعالى به بعد الذل وقواكم به بعد الضعف ومنعكم به من عدوكم بعد القهر كما روي ذلك عن عروة بن الزبير) (120).


أخي المسلم:

أن الله تعالى وصف عباده الذين هم أولوا الألباب بتلك الصفة التي تميزوا بها عن غيرهم انهم ما ان يسمعوا ما جاء عن الله ورسوله إلا وقالوا سمعنا وأطعنا يقول الله تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (الزمر: 18) ويقول سبحانه {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 07:31 am


الفصل الرابع: إشارات على الطريق

أخي المسلم بعد أن بيَّنت لك الأعمال التي ينال بها المسلم درجة الحاج المُعتمر نقف الآن مع رسالة أخرى إلى هؤلاء المشتاقين الذين اشتاقت قلوبهم للوصول إلى البيت الحرام والوقوف بعرفة وغير ذلك من مناسك الحج أقول لهم لا تحزنوا واسمعوا إلى تلك الإشارات التي قال بها أطباء القلوب من السَّلف الصالح -رضي الله عنهم- وهاك بيانها...


الإشارة الأولى: من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إليك من حبل الوريد

يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ويقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، واسمع إلى ذلك الحديث، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "قال الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقرَّبت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته مهرولاً)".


وعن شريح قال:

سمعت رجلاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: "يا بن أدم قُمْ إلَيَّ أمشي إليك وامش إلَيَّ أهرول إليك"، إنه الله جل جلاله... فالباب مفتوح ولكن من يلج والمجال مفسوح ولكن من يقبل... والخير مبذول ولكن من يتعرض... والحبل ممدود ولكن من يتشبث فأين الباحثون عن الأرباح وأين خطاب الملاح وأين طلاب العرائس؟‍ ‍‍‍‍‍‍‍


إني مع العبد الذي هو ذاكري     وتحركـت بي مخلصـاً شفتاه

إني أقدس مـن يقدســني      ومن يرعى حدودي دائماً أرعـاه

لا عز إلا للمطيع ومن عصى    في هــوة الإذلال مـا أهـــــواه

عبدي إذا طاوعتني ألفيتني      وغدوت لي عبداً أجيب دعـاه

متى تقول لشيءٍ كن فبقدرتي      ومعـونتي كـان الذي تهواه



"مَنْ أقبل إليه تلقَّاه من بعيد ومَن أعرض عنه ناداه من قريب ومَن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومَن أراد رضاه أراد ما يريد، ومَن تصرَّف بحوله وقوته آلان له الحديد، أهل طاعته أهل كرامته، أهل ذكره أهل مجالسته، وأهل معصيته لا يقنتهم من رحمته إن تابوا إليه فهو رحيم بهم يبتليهم بالمصائب ليُطهرهم من المعائب"، فإن كان البيت منك بعيد فرب البيت أقرب إليك من حبل الوريد.


الإشارة الثانية: ومن لم يستطع القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه

اعلم علمني الله وإياك:

أن العبد إذا لم يستطع أن يأتي عرفة ذلك اليوم المشهود الذي يُباهي الله ملائكته بعباده الذين جاءوا من كل فجٍ عميق جاءوا شُعثاً غُبراً فيغفر لهم الخطايا، ويمح عنهم الآثام والأوزار فعليه أن يقوم لله بحقه الذي عرفه، أتعرف ربك عبد الله حتى تقوم بحقه؟

‍‍‍
قال بديل التابعي -رحمه الله-:

مَن عرف الله أحبه ومَن أحبه ترك الدنيا وزهد فيها والمؤمن لا يلهو حتى يغفل وإن تفكَّر حزن.


وقال عتبة الغلام -رحمه الله-:

"مَن عرف الله أحبه ومَن أحب الله أطاعه ومَن أطاع الله أكرمه ومَن أكرمه أسكنه في جواره ومَن أسكنه في جواره فطوباه.. وطوباه.. وطوباه".

وقيل:

"مَن عرف الله تعالى صفا له العيش فطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله".

وقيل:

"ومَن عرف الله قرَّت عينه بالله وقرَّت عينه بالموت وقرَّت به كل عين، ومَن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدنيا حسرات، ومَن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه ومَن ادَّعى معرفة الله وهو راغبٌ في غيره كذبت رغبته معرفته – ومَن عرف الله أحبه على قدر معرفته به وخافه ورجاه وتوكل عليه وأناب إليه ولهج بذكره واشتاق إلى لقائه واستحيا منه وأجلّه وعظّمه" (121)، فإذا لم تستطع القيام بعرفه فقم لله بحقه الذي عرفته وأعظم تلك الحقوق عبادته سبحانه وتعالى يقول جل جلاله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (122).


وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال:

كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقلت الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله ألا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرك به شيئاً قلت يا رسول الله.. أفلا أبَشِّرُ الناس؟ قال لا تُبَشِّرْهُمْ فيتَّكِلُوا" (123).


يقول بن القيم -رحمه الله-:

حق الإله عباده بالأمر لا         بهوى النفوس فذاك للشيطان

من غير إشراك به شيئاً هما        سبب النجاة فحبذ السببان

لم ينج من غضب الإله وناره       إلا الذي قامت به الأصلان

والناس بعد فمشرك بإلهه        أو ذو ابتداع أو له الوصفان



فالصلاة حق الله فهل أقمتها في جماعة؟

والزكاة حق الله فهل أخرجتها لأصحابها؟

والصوم والصدقة والنصيحة وصلة الرحم حق الله فهل أديت حق الله؟


الإشارة الثالثة: من لم يستطع أن يذبح هديه بمِنَى فليذبح هواه هنا فقد بلغ المُنَى:

يقول بن رجب -رحمه الله-: (قال بعض العارفين): "عجباً لِمَنْ يقطع المفاوز والقفار ليصل إلى البيت فيُشاهد آثار الأنبياء كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثره: "ويسعني قلب عبدي المؤمن" أيها المؤمن إن لله بين جنبيك بيتاً لو طهَّرته لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح وانفسح..


أنشد الشبلي:

إن بيتاً أنت ساكنه             غير محتاج إلى السرج

ومريضاً أنت عائده             قـــــد أتـاه الله بالفـرج

وجهك المأمول حجتنا       يوم يأتي الناس بالحجج



تطهيره:

تفريغه من كل ما يكرهه الله تعالى من أصنام النفس والهوى ومتى بقيت فيه من ذلك بقية فالله أغنى الأغنياء عن تطهيره تفريغه من كل ما يكرهه الله تعالى من أصنام النفس والهوى ومتى بقيت فيه من ذلك بقية فالله أغنى الأغنياء عن الشرك وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه.


أردناكم صــرفاً فلـمـــا مـزجتــــم      بعدتم بمقدار التفاتكـم عنا

وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا     فأسكنتم الأغيار ما أنتم منا



فانحر هواك هنا تبلغ المُنَى:

الهوى وما أدراك ما الهوى يهوي بصاحبه في نار جهنم والعياذ بالله.


عن بن عمر -رضي الله عنهما- قال:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ مُهلكات شُحٌ مُطَاعٌ وهَوًى مُتَّبَعٌ وإعجابُ المَرْءِ بنفسِهِ" (124)، أي يتبعه صاحبه في كل ما يأمره به حتى أنه ليطيعه في معصية الله وحينئذ يكون إلهه هواه كما قال الله تعالى: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (الجاثية: 23).


وقد حكم الله تعالى على متبعي الهوى بالضلال المبين والظلم العظيم قال الله تعالى لنبيه: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (القصص: 50)، "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" (ص: 26).


قال الشعبي:

"إنما سُمِّيَ الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه في نار جهنم".


وقال بن عباس -رضي الله عنهما-:

"ما ذَكَرَ اللهُ الهوى في كتابه إلاَّ ذَمَّهُ والسَّعيد مَن خالف هواه واتبع مرضاة الله تعالى: "وأما مَنْ خاف مقام رَبِّهِ ونَهَى النَّفسَ عن الهوى فإنَّ الجنَّة هي المأوى"، فاذبح هواك وقرِّب نفسك إلى مولاك تنال المُنى.


قال سهل:

"ترك الهوى مفتاح الجنة".


واعلم علَّمني اللهُ وإياكَ:

أنك لن تصل إلى الجنان والفوز برضا الرحمن حتى يكون هواك تبعاً لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لِمَا جِئْتُ به".


استراحة:

قال سهل التستري -رحمه الله-:

"مَنْ قال لا إله إلا الله فقد بايع الله - فحرام عليه إذا بايعه أن يعصه في شيء من أمره في السر والعلانية أو يوالي عدوه أو يعادي وليه".

يا بني الإســــلام مـــــن علمكم    بعــد إذ عاهدتم نقض العهود

كل شيء في الهوى مستحسن    ما خلا الغدر وإخلاف الوعود


"إذا دعتك نفسك إلى نقض عهد مولاك فقل لها معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون".


اجتاز بعضهم على منظور مشتهي فهمت عينه أن تمتد فصاح:

حلفت بدين الحب لا خنت عهدكم     وذلك عهد لو عرفت وثيق


تاب بعض من تقدم ثم نقض فهتف به هاتف بالليل يقول:

سأترك ما بيني وبينك واقفا       فإن عدت عدنا والوداد مقيم

تواصل قوماً لا وفاء لعهدهم      وتترك مثلي والحفاظ قديم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 07:37 am


مَنْ تكرَّر منه نقض العهد لم يوثق بمعاهدته:

دخل بعض السلف على مريض مكروب فقال له: عاهد الله علي التوبة لعله أن يُقيلك صرعتك... فقال: كنت كلما مرضت عاهدت الله على التوبة فيُقلني فلما كان هذه المرَّة ذهبت أعاهد كما كنت أعاهد فهتف بي هاتف من ناحية البيت: قد أقلناك مراراً فوجدناك كذاباً ثم مات عن قريب.


لا كان من ينقض العهد لا كان     ما ينقض العهد إلا كل خوان (125)


الإشارة الرابعة: "مَنْ عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قرَّبه وأزلفه".

أخي المسلم:

يا مَنْ عجزت عن المبيت بمزدلفة أبت نيَّتك على طاعة الله واعمل بمقتضى تلك النيَّة لأن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي".


ذكر ابن رجب: عن حميد بن زنجوية بإسناده عن زيد بن أسلم قال: "يؤتي يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله، فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير يا رب لِمَا رفعته؟ وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول الله: له فضل عمل بما صنع في ماله فيقول يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالاً لصنعت مثل ما صنع: فيقول: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه، ويؤتي بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله، فيقول المريض: يا رب!! لِمَا رفعته علي؟ فيقول بما كان يعمل في صحته فيقول يا رب!! لقد علمت لو أصححت جسمي لعملت كما عمل فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه، ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك، ويؤتي بحَسَنِ الخُلُق وسَيِّئِ الخُلُقِ فيقول: يا رب لِمَ رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحسن خلقه، فلا يجد له جواباً.


العاقل يغبط من انفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات والجاهل يغبط من انفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات قال الله تعالي: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)" (القصص).


همة المؤمن ابلغ من عمله:

قال -صلي الله عليه وسلم-: "مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة"، وقال -صلي الله عليه وسلم-: "مَنْ سأل الله الشهادة بصدق بلَّغَهُ اللهُ منازل الشُّهداء وإن مات علي فراشه"، وقال -صلي الله عليه وسلم-: "فيمَنْ تجهَّز للجهاد ثم أدركه الموت" قد أوقع الله أجره علي قدر نيَّته"، وقال -صلي الله عليه وسلم-: في حق المتخلفين عن غزوة تبوك من الحريصين علي الخروج معه: "إن بالمدينة لرجال ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العُذر" وقال -صلى الله عليه وسلم-: ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه"، فليس الشأن في مَنْ يقوم الليل وإنما الشأن في مَنْ ينام على فراشه ثم يُصبح وقد سبق الركب بعلو همَّته، وطهارة قلبه وقوة يقينه، وشدة إخلاصه.


وفي ذلك قيل:

من لي بمثل سيرك المدلل تمشي         رويداً وتجيء في الأولي


وما أحسن قول الشاعر مخاطباً الحجيج وقد انطلقوا للحج:

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد   سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا علي عذر وعن قـــــدر     ومَـــنْ أقــام علي عذر فقد راحا
(126)


إن أصحاب النية الصادقة والهمة العالية هم الذين كانت لديهم قوة إرادة وقوة عزم على الطاعة وطلب المعالي وان كانوا من أصحاب الأعذار، يقول الشيخ مُحَمَّد بن إسماعيل -حفظه الله: قوة المؤمن في قلبه ثم قال: قال الإمام المحقق ابن القيم -رحمه الله-: "اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال الله تعالي: "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)"، وقال: "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ (37)" (الحج).


وقال النبي -صلي الله عليه وسلم-:

"التَّقوى ههنا" وأشار إلى صدره، فالكيِّسُ يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف.. أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق فإن العزيمة والمشقة وتطيب السير والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، هذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام الإحسان فأكمل الهدي هدي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وكان موفياً كل واحد منهما حقه، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ويصوم حتى لا يقال يفطر ويجاهد في سبيل الله ويخالط أصحابه ولا يحتجب عنهم ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوىا البشر".


فيا مَنْ لم تستطع المبيت بمزدلفة أبت العزم وخذ بالحزم

أرى نفسي تتوق إلى أمور        يقصر دون مبلغهن حالي

فنفسي لا تطاوعـني ببخل         ومـــالي لا يبلغني فعـالي

ثم اهتف وقل:

أحزان قلبي لا تزول                   حتى ابشـر بالقبول

واري كـتابي باليمين               وتسر عيني بالرسول



يقول ابن رجب -رحمه الله-:

"يا مَنْ يطمع في العِتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار تالله ما نصحت نفسك، ولا وقف في طريقك غيرك توبق نفسك بالمعاصي، فإذا حُرمتَ المغفرة قلت أنَّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.


فنفسك لُمْ ولا تَلُمْ المطايا        ومِتْ كمداً فليس لك اعتذارُ


إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله:

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، ومَنْ كَرُمَتْ عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار.


"اشترى بعض السلف نفسه من الله ثلاث مرات أو أربعاً يتصدَّق كل مرة بوزن نفسه فضة، واشتري عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بديَّته ست مرات تصدَّق بها، واشتري حبيب العجمي نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدَّق بها، وكان أبو هريرة يُسبِّحُ كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحه بقدر ديته يفتك بذلك نفسه".


بدم المحب يباع وصلهم       فمن الذي يبتاع في الثمن


مَنْ عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل، ويحك: قد رضينا منك في فكاك نفسك بالندم وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن وفي هذا الموسم قد رخص الساعة من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له مد إليه يد الاعتذار، وقم علي بابه بالذل والانكسار، وارفع قصة ندمك مرقومة علي صحيفة خدك بمداد الدموع الغزار وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].


قال يحي بن معاذ -رحمه الله-:

العبد يوحش فيما بينه وبين سيده بالمُخالفات ولا يُفارق بابه لعلمه بأن عز العبيد في ظل مواليهم وأنشأ يقول: قرة عيني لابد لي منك وان أوحش بيني وبينك الزلل.


قرة عيني أنا الغريق فخذ        كف غريق عليك يتكلل (127)


الإشارة الأخيرة: "مَنْ لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم بحق الرجاء والخوف.

والخيف مسجد بمني وفيه قبة بوسط الفناء وهي موضع صلاة النبي -صلي الله عليه وسلم-: "وقد صلي في مسجد الخيف خمسة وسبعون نبياً منهم سيدنا موسى عليه السلام" (128).


وقال مجاهد -رحمه الله-:

"إن استطعت ألا تفوتك الصلاة فيه فافعل" (129).


فعليك أخي بالخوف فإنه زادك إلى الآخرة وهو علامة إيمانك بالله قال سبحانه: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وقال تعالى: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]، وقال: "فلا تخشوا الناس واخشون"، ومدح أهله وأثني عليهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] إلى قوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61].


وفي المسند والترمذي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:

قلت يا رسول الله.. قول الله: "والذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة"، أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدَّق ويخاف أن لا يُقبل منه".


وقال الحسن -رحمه الله-:

"عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن تُرَدَّ عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية والمنافق جمع إساءةً وأمناً".


يقول ابن القيم -رحمه الله-:

"القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه فمتى سَلِمَ الرأسُ والجناحان فالطائر جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السَّلف استحبُّوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الخوف.


هذه طريقة أبى سليمان وغيره:

قال: "وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه فسد".


وقال غيره:

أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحُب فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بِمَنِّهِ وكرمه" (130).


وقال المُحاسبي -رحمه الله-:

"ولا يفارق قلبك الخوف من الله عز وجل في جميع أحوالك فإذا كنت كثير الاجتهاد فكُن كثير الخوف منه سبحانه" (131).


وليكن حالك دائماً وأبداً:

أتيتك راجياً يا ذا الجـلال       ففرِّج ما تري من سُوء حالي

عصيتُك سيدي ويلي بجهلي       وعيب الذنب لم يخطر ببالي

إلى مَنْ يشتكي المملوك إلا          إلى مـولاه يا مولي الموالي

فويلي ليت أمي لم تلـدني         ولا أعصيك في ظلم الليالي

وها أنا ذا عُبَيْدُكَ عبدُ سُوءٍ         ببابك واقـفٌ يا ذ الجلال

فـإن عـاقبت يا ربي فإني             مٌحِقٌ بالعذاب وبالنــكال

وإن تعفـو فعفـوك أرتجيه       ويحسن إن عفوت قبيح حالي

ركبت ما أثمـني فلقيت ذُلاً        وسالت عـبرتي طلاً ووبالاً

وصرت أعاتب القلب المبتلى        إلى مَنْ يشتكي المملوك إلا

إلي مولاه يا مـولى الموالى          فلطفك بي إله العرش أولى



وأخيراً أخي المسلم

يقول ابن رجب -رحمه الله-:

"يا أسرار المحبين بكعبة الحُبَّ طوفي واركعي وبين صفا الصفاء ومروة المروة اسعي أسرعي وفي عرفات العرفان قفي وتضرعي ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي ثم إلى مِنَي نيل المني فارجعي فإذا قرّب القرابين فقرّبي الأرواح ولا تمنعي، لقد ضح اليوم الطريق وكن قل السالك علي التحقيق وكثر المدعي:

لئن لم أحج البيت إذ شط (132) ربعه        حججت إلى مَنْ لا يغيب عن الذكر

فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي         أطوف وأسعـى في اللطائف والبر

صفاى صفـائي ومـروت                      مرؤة قلب عن سوء حــبه قفـر

وفي عرفات الأنس بالله                  ومزدلفي الزلفي لـديه إلى الحشـر

وبت المنى منى مبيتي في مـن            ورمي جماري جمر شوقي في صدري

وأشعار هدي ذبح نفسي بقهرها         وحلقي بمحق الكائنات عن السـر

ومن رام نفراً بعد نسك فإني           مقيم علي نسكي حياتي بلا نفر
(133)


"اللهم احملنا في سُفُنِ نجاتك ومتَّعنا بلذيذ مُناجاتك وأوردنا حياض حُبك وأذقنا حلاوة ودك وقربك، واجعل جهادنا فيك وهمنا في طاعتك وأخلص نياتنا في معاملتك فإنا بك ولك ولا وسيلة لنا إليك إلا أنت، اللهم لا تجعلنا عن ذكرك غافلين ولا عن أمرك زائفين وأدخلنا في عبادك الذين اصطفيتهم لوراثة كتابك، وأنظمنا في سلك من أهلته لولائك واغفر بفضلك مغفرة عزماً، لا نخاف بعدها ظلماً ولا هضماً.

وَصَلِّ اللهُمَّ علي مُحَمَّدٍ خاتم النبيين وعلي آله وصحبه أجمعين وسلّم تسليماً كثيراً إلي يوم الدين.. آمين.. آمين.


وَعَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُهُ   مَا نَاحَ قِمْرِيٌ وأوْرَقَ عُودُ


وكتبه:

أبو همام / السيد مراد سلامة

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

محافظة البحيرة /مركز شبراخيت / قرية فرنوى.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ   16/09/18, 07:40 am


الهوامـــــــــــــــــــش:

1-      - كتاب صفة الصفوة ج2 ص931
2-      - كتاب صفة الصفوة ج 2 ص 934
3-      - كتاب صفة الصفوة ج 2 ص 932 ، 933
4-      - أخرجه مسلم والنسائي
5-      - أخرجه الترمذي (3596) في كتاب الدعوات باب دعاء يوم عرفة وقال الألباني في صحيح الجامع (3374) حسن.
6-      - فيض القدير [ جزء 3 -  صفحة 471 ]
7-      - لطائف المعارف لابن رجب ص477
8-      - لطائف المعارف ص 479
9-      - لطائف المعارف ص 478
10-      - صفة الصفوة ج2 ص 931
11-      - تفسير بن كثير ج1 ص 168
12-      - مثير الغرام إلى طيبة والبيت الحرام ص 7-6
13-      - أخرجه البخاري ومسلم
14-      - أخرجه البخاري ومسلم
15-      - فتح الباري ج3 ص 447
16-      - حجة الله البالغة ج2 ص 103
17-      - أخرجه الترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حيان
18-      - تحفة الأحوذي [ جزء 3 -  صفحة 454 ]
19-      - فيض القدير [ جزء 3 -  صفحة 225 ]
20-      - مصارع العشاق ص 47
21-      - رواه البزار ورواته ثقات وحسنه الألباني الصحيحة ح 1820
22-      - أخرجه الطبراني في الكبير وابن في صحيحه وليزار وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 1373
23-      - أخرجه الترمذي وقال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 6346 في صحيح الجامع
24-      - أخرجه ابن حبان في صحيحه ح 2535 وأبو يعلى في مسنده ح 6559 وصححه الألباني في الصحيحة ح 2531
25-      - رواه مالك في الموطأ ح 259 وأبو داود ح 555 والترمذي ح 221 وأحمد ح 408 قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 6341 في صحيح الجامع.
26-      - فيض القدير [ جزء 6 -  صفحة 165 ]
27-      - صحيح البخاري [ جزء 1 -  صفحة 203 ح 530 ومسلم ح 632
28-      - عمدة القاري جزء 5 -  صفحة 45
29-      - أخرجه احمد ح 1319 وأبو داود  ح 2606 و والترمذي ح 1212 وابن ماجة ح 2236و قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 1300 في صحيح الجامع.
30-      - فيض القدير [ جزء 2 -  صفحة 103 ]
31-      - تحفة الأحوذي [ جزء 3 -  صفحة 158 ]
32-      - رواه البخاري 2560 و 2734، 2827
33-      - رواه مسلم ح 720
34-      -  قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر رقم: 42 في صحيح الجامع. وفى الإرواء 461: قال الألباني في إرواء الغليل 2/ 212.
35-      - عون المعبود [ جزء 14 -  صفحة 105 ]
36-      - فيض القدير [ جزء 5 -  صفحة 21 ]
37-      - أخرجه أبو داود ح 558 والبيهقي في الكبرى ح 4753 وقال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 6228 في صحيح الجامع.
38-      - عون المعبود ج 2 ص 185
39-      - أخرجه  البخاري ح 629  ومسلم  ح 1031
40-      - فيض القدير [ جزء 4 -  صفحة 88 ]
41-      - أخرجه مسلم ح 251
42-      - شرح السيوطي على مسلم جزء 2 -  صفحة 35
43-      - أخرجه أبو داود ح 2494 وابن  حبان ح 499 والحاكم ح 2400 وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 3053 في صحيح الجامع.
44-      - أخرجه الطبراني في الكبير ح 6139 وصححه الألباني في الصحيحة ح 1169
45-      - أخرجه ابن ماجه ح 800 و ابن خزيمة ح 359 وابن حبان ح 1607 والحاكم ح 771 وقال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 5604 في صحيح الجامع وصححه في صحيح  سنن ابن ماجه 652.
46-      - فيض القدير [ جزء 5 -  صفحة 438 ]
47-      - أخرجه البخاري ح 465 ومسلم
48-      - أخرجه البخاري ح 628 ومسلم ح
49-      - عمدة القاري [ جزء 4 -  صفحة 203 ]
50-      - أخرجه أحمد ح 21001 وقال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح
51-      - أخرجه أبو داود ح 676 وابن حبان ح 2160 البيهقي في الكبرى ح 4980 وحسنه الألباني في المشكاة - ح 1096
52-      - أخرجه ابن ماجة بسند ضعيف ح 4678 وقال الشيخ الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 5709 في ضعيف الجامع.
53-      - فيض القدير للمناوي ج 2ص 270
54-      - أخرجه أحمد  ح 5112 و قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر حديث رقم: 1820 في صحيح الجامع
55-      - أخرجه أحمد ح 22082و قال شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره وهذا سند رجاله ثقات إلا أنه منقطع  والطبراني في الكبير ح 344  وعبد الرزاق في مصنفه  ح 1997و قال الشيخ الألباني: ( ضعيف ) انظر حديث رقم: 1477 في ضعيف الجامع.
56-      - أخرجه الترمذي  ح 241 و قال الشيخ الألباني: ( حسن ) انظر حديث رقم: 6365 في صحيح الجامع.
57-      - تحفة الأحوذي جزء 2 -  صفحة 40
58-      - لباب التأويل في معاني التنزيل
59-      - أخرجه الطبراني 2915 وأبو يعلى ح 2915 وضعفه الالباني في ضعيف الترغيب ح 1475 و لكن صححه غير واحد من العلماء  والله أعلم.
60-      - مختصر بر الوالدين ص17،18
61-      - رواه أحمد وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب رقم 2488
62-      - رواه الطبراني في معالجة الثلاثة وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 1428
63-      - أخرجه البخاري رقم 5971.
64-      - فتح الباري جـ10 ص614. 
65-      - مختصر بر الوالدين ص58. 
66-      - أخرجه البخاري رقم 2272 و 5974.
67-      - أخرجه ابن ماجه ح 3862 والطيالسي ح 2517 و قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 3032 في صحيح الجامع
68-      - رواه الطبراني في الكبير وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 3507
69-      - أخرجه البخاري في الآداب المفرد وصححه الألباني في صحيح الآداب المفرد 6/8
70-      - أخرجه البخاري في الآداب المفرد وضعفه الألباني في ضعيف الآداب 1/7.
71-      - حرص السلف وتفريط الخلف للمؤلف ج2 ص573
72-      -  حرص السلف وتفريط الخلف ج 2 ص 575
73-      - حرص السلف وتفريط الخلف ج 2ص 563
74-      - أخرجه البخاري ومسلم
75-      - لطائف المعارف ص419
76-      - أخرجه البخاري
77-      - أخرجه الترمذي وبن ماجة وقال الألباني في صحيح سنن بن ماجة رقم 3406 صحيح
78-      - أخرجه البخاري ح 2684
79-      - أخرجه أبو داود
80-      - أخرجه مسلم
81-      - فيض القدير [ جزء 6 -  صفحة 144 ]
82-      - أخرجه الطبراني في الكبير ح 7473 وصححه الألباني في  صحيح الترغيب ح 86
83-      - أخرجه أبو داود (336 والترمذي ح 2067 وابن ماجة ح 572 واحمد ح 3057 وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 4363 في صحيح الجامع.
84-      - مفتاح دار السعادة لابن القيم: ج 1 ص 70 ].
85-      - أخرجه ابن ماجه (227 وأحمد ح 9409 و قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 6184 في صحيح الجامع
86-      - أخرجه البخاري ح 71و مسلم ح 1037
87-      - أخرجه مسلم ح 1631
88-      - أخرجه  أحمد ح 18060والترمذي (2325)
89-      - فيض القدير [ جزء 3 -  صفحة 299 ]
90-      - أخرجه الترمذي ح 223
91-      - فيض القدير ج  4ص 189
92-      - أخرجه ابن ماجه (247)
93-      - مفتاح دار السعادة لابن القيم: ج 1 ص 70 ].
94-      - أخرجه ابن ماجه (227و قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 6184 في صحيح الجامع
95-      - أخرجه البخاري ح37و مسلم ح 816
96-      - أخرجه البخاري ح 597 ومسلم 595
97-      - عمدة القاري [ جزء 6 -  صفحة 129 ]
98-      - أخرجه البخاري ح 1764 ومسلم ح 1256
99-      - عمدة القاري [ جزء 10 -  صفحة 117 ]
100-      - أخرجه الطبراني في الأوسط  ح 486 والبيهقي في شعب الإيمان ح 4132 وأبو يعلى في مسنده ح 1031 وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 1909 في صحيح الجامع.
101-      - فيض القدير [ جزء 2 -  صفحة 310 ]
102-      - أضواء البيان ج1 ص 236-237
103-      - مصنف ابن أبي شيبة، (3/291).
104-      - العلل ومعرفة الرجال، (2/463).
105-      - الثقات، لابن حبان، (4/31)، مصنف ابن أبي شيبة، (7/157)، التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة، (3/62).
106-      - الثقات، لابن حبان، (4/31)، مصنف ابن أبي شيبة، (7/157)، التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة، (3/62).
107-      - أخرجه البخاري ح 8 ومسلم ح 16
108-      - شرح البخاري لابن بطال- (ج 1 / ص 33)
109-      - الشرح الكبير على الأربعين النووية ص 133 ( 2 ) أخرجه البهقي فى الشعب ح 2807 وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح 170 و 8005.
110-      - أخرجه مالك ح 767 والبخاري ح 1683.
111-      - أخرجه الترمذي ح 810 والنسائي ح 2630 و أحمد ح3669 وصححه الألباني ح 2524
112-      - تحفة الأحوذي [ جزء 3 -  صفحة 454 ]
113-      - أخرجه الترمذي ح 959 والحاكم ح 1799 و صححه الألباني في صحيح الترمذي
114-      - أخرجه الترمذي ح 961 وابن ماجة ح 2944 واحمد ح 2944 والدارمي ح 1839 وابن حبان ح  3712 وقال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 5346 في صحيح الجامع.
115-      - فيض القدير [ جزء 5 -  صفحة 345 ]
116-      - أخرجه البخاري ح 6417 ومسلم ح
117-      - أخرجه الحاكم ح 7846 وابن أبي شيبة ج 7 ص 77 والبيهقي في الشعب ح 10248 وقال الشيخ الالباني صحيح تنظر ح 1077 في صحيح الجامع.
118-      -  فيض القدير [ جزء 2 -  صفحة 16 ]
119-      - التحرير والتنوير ج 15 ص 108
120-      - روح المعاني ج 7 ص 53
121-      - مجدي فتحي السيد كتاب شرح المعرفة وبذل النصيحة للحارث المحاسبي
122-      - سورة الذاريات آية 56
123-      - أخرجه البخاري ومسلم
124-      - أخرجه أبو نعيم في الحلية وبن الجوزي في زم الهوى وقال الألباني في صحيح الجامع رقم 3039 حسن
125-      - لطائف المعارف ص 109 ،110
126-      - كتاب علو الهمة ص 16 ن17
127-      - لطائف المعارف ص 476 ،477
128-      - إعلان الساجد ص 681
129-      - حاشية الهيتمي ص 411
130-      - مدارج السالكين ج1 ص 554
131-      - شرح المعرفة وبذل النصيحة ص 70، 71
132-      - شط: بعد
133-      - كتاب لطائف المعارف ص 481


الفهرس:

المقدمة.

الفصل الأول: رحلة الشوق والحنين إلى بلد الله الأمين.

لماذا الشوق والحنين؟.

الفصل الثاني: رسالة عاجلة إلى من لم يستطع الحج.

أولا: صلاة الصبح في جماع والجلوس حتى تطلع الشمس ثم يصلي الضحى.

فوائد صلاة الفجر في جماعة.

فضل صلاة الضحى.

ثانيا الذهاب إلى المسجد لصلاة الجماعة مثل الحاج المحرم.

فوائد صلاة الجماعة 1-المظلة الربانية يوم القيامة.

استراحــــة.

ثالثا: بر الوالدين.

رابعا: شهود الجمعة يعد حجة.

سادسا: النية الصادقة.

سابعا: تعليم العلم وطلبه.

ثامنا: الأذكار التي بعد الصلاة. 

تاسعا: العُمْرَة في رمضان تعدل حجة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

الفصل الثالث: رسالة عاجلة إلى من حرم نفسه الأجر والثواب.

الفصل الرابع إشارات على الطريق.

الإشارة الأولى: من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.

الإشارة الثانية: من لم يستطع القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه.

الإشارة الثالثة: من لم يستطع أن يذبح هديه بمنى فليذبح هواه هنا فقد بلغ المنى.

الإشارة الرابعة: من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله.

الإشارة الخامسة والخيرة من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم بحق الرجاء والخوف.

الفهرس 81.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
رِسَالَةٌ عَاجِلَةٌ إِلَى مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العام الهجري الجديد وفضائل شهر الله المُحَرَّم-
انتقل الى: