منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 08:06 am


آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة
إعداد: عبد الإله بن عثمان الشايع
غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين

مقدمة فضيلة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:
فقد قرأت هذه النقول التي انتقاها واختارها أخونا عبد الإله بن عثمان الشايع من مؤلفات العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن القيم الجوزية، فيما يتعلق بالمعاقين والمعضوبين ومن فقد من الأمة حاسة أو عضوا يختل به سيره، وقد أحسن في النقل واستوفى ما أمكنه وجوده، مع أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم يقصد الموضوع بذاته ويخصه ببحث، وإلا لأوفاه حقه وأطال فيه المقال, فإن عادته -رحمه الله- طول النفس في البحث والتوسع فيما يتصدى له من المواضيع وذكر كل ما له صلة بالباب.

ومع ذلك, فإن ما ذكره في هذه المقالات الاستطرادية فيه فوائد جمة وأحكام ومسائل تهم المسلم ويجد فيها بغيته، ولا شك أن هذا الموضوع له أهميته، وهو جدير بالعناية وإفراده ببحث مفصل يأتي على أطرافه؛ لتعرف بالأحكام التي يحتاجها من ابتُليَ بالإعاقة أو نحو ذلك.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, الأول والآخر، والظاهر والباطن، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين.

أما بعد:
فإن الله قد أنعم علينا بنعم عديدة، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، ومن هذه النعم نعمة الإسلام، وكذلك نعمة العقل والإدراك، ونعمة السماع بالآذان، ونعمة الإبصار، ونعمة السير على الأقدام، ونعمة الصحة في الأبدان... وغيرها من النعم التي لا تعد ولا تحصى.

وقد كرَّم الله في الإسلام الإنسان السوي والمعاق، وأمر بالعدل والإحسان ومساعدة العاجزين، ورفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وجعل الفرق بين الناس بالتقوى، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وروي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم...».

وربما فقد الإنسان إحدى قدراته أو حواسه، ولكن هذا لا يقلل قيمته الاجتماعية، وإذا حرم الله عبده ممن إحدى حواسه؛ عوضه الله ببعض الرخص والتسهيلات، إن الإسلام لا يطلب من الأفراد نصيبا متساويا من العطاء، كما لا يعطيهم قدراً واحداً من الرعاية والاهتمام.

وقد اهتم العلماء المسلمون قديما وحديثا بالأحكام والرخص المترتبة على الإعاقة، وبالقضايا التي تعني هذه الفئة الغالية على نفوسنا، ومن هؤلاء العلماء الذين تطرقوا للقضايا الاجتماعية والأحكام الفقهية الخاصة بالمعاقين الإمام العلامة ابن القيم الجوزية.

وقد قمت في هذه الرسالة المتواضعة بجمع آراء ابن القيم حول الإعاقة بالاطلاع على كتب ابن القيم المطبوعة، واخترت منها ما هو مناسب لهذا الموضوع، ولم أحاول أن أتدخل في هذه الآراء، ولكن قمت بالتعليق على بعض النقاط في الهامش، وقمت كذلك بتخريج الأحاديث الموجودة في هذه النقول، وكذلك ترقيم الآيات.

ولكن قد يتساءل سائل:
لماذا اخترت هذا الموضوع؟

وكذلك:
لماذا اخترت ابن القيم بالذات؟

وأقول:
1- إن الإسلام اعتنى بالمعاق، وأن الإسلام سبق النظريات الحديثة في التطرق لهذا الموضوع، وإن بسط الله في العمر ونسأ في الأثر, بحثت -إن شاء الله- في هذا الموضوع بتوسع وعمق.

2- إن العلماء المسلمين –ومنهم ابن القيم- سبقوا علماء الغرب في معالجة القضايا التي تعني المعاق، ومنها الجوانب النفسية.

3- جدة الموضوع، حيث لم يسبق أن كُتِبَ فيه إلا ما ندر.

4- أهمية الموضوع الواقعية، وذلك لزيادة فئة المعاقين داخل المجتمعات وزيادة الاهتمام بهذه الفئة من قبل المختصين وأفراد المجتمع الآخرين.

لماذا ابن القيم؟
تعريف موجز بابن القيم:
هو محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو عبد الله، شمس الدين الزرعي الدمشقي، المشهور بابن القيم الجوزية.

ولد عام 691هـ، وتوفي عام 751هـ.

من أبرز شيوخه شيخ الإسلام ابن تيمية.

ألّف العديد من الكتب القيمة.

ولقد اخترته لأنه من أفضل العلماء الذين ناقشوا مثل هذه القضايا بعمق وتبحر.

وقد تميَّز ابن القيم بسعة علمه في التفسير والحديث واللغة العربية والفقه والمذاهب المختلفة، وقد ألّف العديد من الكتب للرد على المذاهب الضالة، وعندما تقرأ مثل هذه الكتب كأنك تقرأ كتب أدبية لحسن أسلوب عرضه وغزارة علمه وقدرته على ضرب الأمثلة المناسبة، والمطلع على كتب ابن القيم يلحظ أنه ناقش قضايا تربوية ونفسية ربما لازالت مثار جدل إلى اليوم.

وختاما أقول كما قال ابن القيم -رحمه الله-:
"فهذه مقدمة اعتذار بين يدي القصور والتقصير من راكب هذا البحر الأعظم، والله عليم بمقاصد العباد ونياتهم، وهو أولى بالعذر والتجاوز".

والله الموفق وحده، وهو المستعان، وعليه التُّكلان.
 
تمهيـد
الإعاقة ابتلاء من الله -سبحانه وتعالى- يبتلي بها من يشاء من عباده.

إن عامة الناس يعتقدون أن المعاق هو الشخص المعاق حركياً، ولكن هذه نظرة مقصورة, حيث تتعدد الإعاقات: صمم، بكم، كف البصر، تخلف عقلي، إعاقة حركية وبدنية، اضطرابات سلوكية وانفعالية، صعوبة تعلم...

إننا عندما نتعامل مع المعاق فيجب أن يكون قدوتنا الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).

والمتأمل لسيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يجد الكثير من المبادئ والقيم المنطلقة من القرآن.

لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصدق الناس مع الناس وأرحم الناس بالناس.

ومن النماذج في سيرته العطرة أنه -صلى الله عليه وسلم- في العبادة والعمل الصالح كان يوصي كل فرد حسب طاقته وإمكاناته، لم يكن يأتي إلى إنسان عاجز أو مريض فيوصيه بالصيام أو الجهاد، ولكن كان يوصيه بذكر الله تعالى.

وفي "سنن الترمذي" عن عبد الله بن بسر -رضي الله عنه-، -وهو شيخ كبير مسن- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ, فأوصني. قال: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله تعالى».

وهذا لأن الرجل يستطيع أن يذكر الله تعالى.

وجاءه رجل آخر، قال: يا رسول الله! أوصني. قال: «لا تغضب». قال: زدني. قال: «لا تغضب». قال: زدني. قال: «لا تغضب». وتبين أن ذلك الرجل كان يهلك عند الغضب؛ يشتم ويسب، فأوصاه عليه الصلاة والسلام بما يناسبه؛ قال: «لا تغضب».

فوصايا الرسول -صلى الله عليه وسلم- تناسب الناس كلاًّ حسب قدرته.

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول:
«إذا أمً أحدكم؛ فليُخفّف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض...»؛ لأنه كان يعلم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة والعاجز... وهكذا كل وصاياه -صلى الله عليه وسلم-.

في الذكر الذي تحفظ به النعم وما يقال عند تجردها
قال الله -سبحانه وتعالى- في قصة الرجلين:
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)؛ فينبغي لمن دخل بستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة؛ فإنه لا يرى فيه سوءً.

وعن أنس؛ قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيها آفة دون الموت».

وعنه -صلى الله عليه وسلم-:
أنه كان إذا رأى ما يسره؛ قال: «الحمد لله بنعمته تتم الصالحات». وإذا رأى ما يسوؤه؛ قال: «الحمد لله على كل حال».

فيما يقال عند رؤية أهل البلاء:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال: «من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً؛ لم يصبه ذلك البلاء». وقال الترمذي: حديث حسن.
من كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب.
 
الصبر وما ورد من نصوص عنه في السنة
في صحيح البخاري من حديث أنس:
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن ربنا -عز وجل- أنه قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، ثم صبر؛ عوضته منها الجنة»؛ يريد: عينيه.

وعند الترمذي في الحديث:
«إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا؛ لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة».

وفي الترمذي أيضا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله -عز وجل-: من أذهبت حبيبتيه، فصبر، واحتسب؛ لم أرض له ثوابا دون الجنة».

وفي "سنن أبي داود" من حديث عبد الله بن عمر؛ قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يرضى الله لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيِّه من أهل الأرض واحتسبه بثواب دون الجنة».

وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة؛ قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله -عز وجل-: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة».

وفي "صحيحه" أيضا عن عطاء بن أبي رباح؛ قال:
قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء؛ أتت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسول الله! إني أُصرع وإني أتكشَّف؛ فادع الله لي. قال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوت الله تعالى أن يعافيكِ». فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشَّف؛ فادع الله أن لا أتكشَّف. فدعا لها.

في الذكر عند المصيبة
قال الله تعالى:
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

ويذكر عن أبي هريرة؛ قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليسترجع أحدكم في كل شيء، حتى في شسع نعله؛ فإنها من المصائب».

وقالت أم سلمة:
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم! أجرني في مصيبتي، واخلف لي خير منها. إلا آجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها». قالت: فلما توفي أبو سلمة؛ قلت كما أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فأخلف الله لي خيراً منه: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وروي أيضاً عنها رضي الله عنها؛ قالت:
دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي سلمة؛ وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض؛ تبعه البصر». فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم! اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه».
من كتاب: الوابل الصيب من الكلم الطيب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 09:03 am


قد تكون البليَّة عين النعمة:
إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن؛ فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه، وجمعه عليه، وطرحه ببابه؛ فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه، وانطراحه على بابه بعد أن كان مُعْرِضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضا، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه؛ فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما مثله سبب.

وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة:
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

وإن لم يرده ذلك البلاء إليه، بل شرد قلبه عنه، ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه؛ فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به؛ فهذا إذا أقلع عنه البلاء؛ رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء.

فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل.
وبالله التوفيق.
من كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين.
 
الصبر على البلاء
والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:
أحدها:
شهود جزائها وثوابها.

الثاني:
شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.

الثالث:
شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن تخلق؛ فلابد منها؛ فجزعه لا يزيده إلا بلاءً.

الرابع:
شهود خلق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر لا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضى على أحد القولين؛ فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى؛ فلابد له منه، وإلا؛ تضاعفت عليه.

الخامس:
شهود ترتبها عليه بذنبه؛ كما قال الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).

فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة؛ فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة.

قال علي بن أبي طالب:
"ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة".

السادس:
أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه؛ فإن لم يوف قدر المقام حقه؛ فهو لضعفه؛ فلينزل إلى مقام الصبر عليها؛ فإن نزل عنه؛ نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.

السابع:
أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به؛ فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه؛ فيذهب نفعه باطلاً.

الثامن:
أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه؛ فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته؛ فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره.

قال الله تعالى:
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

وقال تعالى:
(فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).

وفي مثل هذا قال القائل:
لعل عتبك محمود عواقبه
وربما صحت الأجسام بالعلل


التاسع:
أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه؛ فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أولياه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت؛ اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملابس الفضل وجعل أولياءه وحزبه خدما له وعونا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه؛ طرد وصفع قفاه وأقصي وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعما عديدة.

وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة، والمصيبة لابد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، عن الآخر بالحرمان والخذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

العاشر:
أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف؛ فإن أصابه خير؛ اطمأن به، وإن أصابته فتنة؛ انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته.

فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية؛ فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان على البلاء والعافية؛ فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه: فإما أن يخرج تبراً أحمر، وإما أن يخرج زغلا محضا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية؛ فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه ويبقى ذهبا خالصا؛ فلو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية؛ لشغل قلبه بشكره ولسانه، اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرا خالصا يصلح لمجاورته والنظر إليه في داره؟

فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء؛ فإن قويت؛ أثمرت الرضى والشكر.

فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه.
من كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين.

صدقة مَنْ لا مال له:
سأله -صلى الله عليه وسلم- أبو ذر، فقال: من أين أتصدق وليس لي مال؟ قال: «إن من أبواب الصدقة: التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف؛ كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك من جماعك لزوجتك أجر».
من كتاب: فتاوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

في العمى عن الحق:
إن الله سبحانه دعا إلى تدبر كتابه وتعلقه وتفهمه، وذم الذين لا يفهمونه ولا يعقلونه، وأسجل عليهم بالكفر والنفاق.

فقال عن المنافقين:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ).

وقال:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ).

وقال:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ).

وقال:
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).

فالقائل:
إن كتاب الله وسنة رسوله لا يستفاد منها يقين من جنس هؤلاء المعطلة والجهمية، لا فرق بينهم وبينه، وأما من يستفيد منهما العلم واليقين...

فهم الذي قال الله فيهم:
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)، وهؤلاء يرونه غير مفيد.

وقد كشف سبحانه حال الفريقين بقوله:
 (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

وقال:
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
من كتاب: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
 
صم بكم عمي:
وأما الصمم والوقر...

ففي قوله تعالى:
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).

وقوله:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).

وقوله:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).

وقوله تعالى:
(وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).

قال ابن عباس:
في آذانهم صمم عن استماع القرآن، وهو عليهم عمى، أعمى الله قلوبهم فلا يفقهون، أولئك ينادون من مكان بعيد، مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء.

وقال مجاهد:
بعيد من قلوبهم.

وقال الفراء:
تقول للرجل الذي لا يفهم كذلك: أنت تنادي من مكان بعيد.

قال:
وجاء في التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. انتهى.

والمعنى:
أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم.

وأما البكم:
فقال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).

والبكم:
جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق.

والبكم نوعان:
بكم القلب وبكم اللسان؛ كما أن النطق نطقان: نطق القلب ونطق اللسان.

وأشدهما:
بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الآذان.

فوصفهم الله سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم، والعلم يدخل من ثلاثة أبواب، من سمعه وبصره وقلبه، وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة؛ فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم.

ونظيره قوله تعالى:
(لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا).

وقد جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله:
(وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ).

فإذا أراد سبحانه هداية عبد؛ فتح قلبه وسمعه وبصره، وإذا أراد ضلاله؛ أصمه وأعماه وأبكمه.
وبالله التوفيق.
من كتاب: التفسير القيم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 09:11 am


تفسير العمى في قوله تعالى:
"ونحشره يوم القيامة أعمى"..

وقوله تعالى:
(وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا): اختلف فيه: هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟

والذين قالوا:
هو من عمى البصيرة: إنما حملهم على ذلك قوله: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا)، وقوله: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، وقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)، وقوله: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)، ونظائر هذا مما أثبت لهم الرؤية في الآخرة؛ كقوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)، وقوله: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ)، وقوله: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا).

والذين رجَّحوا أنه من عمى البصر؛ قالوا:
السياق لا يدل إلا عليه؛ لقوله: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا)، وهو لم يكن بصيرا في كفره قط، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق؛ فكيف يقول: وقد كنت بصيرا؟! وكيف يجاب بقوله: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)، بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من عمى البصر، وأنه جوزيَ من جنس عمله؛ فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله, وعميت عنه بصيرته؛ أعمى الله بصره يوم القيامة وتركه في العذاب كما ترك هو الذكر في الدنيا؛ فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة، وعلى تركه ذكره في العذاب وقال تعالى: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا).

وقد قيل في الآية أيضاً:
إنهم عميٌ وبكمٌ وصمٌ عن الهدى؛ كما قيل في قوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)؛ قالوا: لأنهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون.

ومن نصر أنه العمى والبكم والصم المضاد للبصر والسمع والنطق؛ قال بعضهم: هو عمى وصمم وبكم مقيد لا مطلق؛ فهم عمي عن رؤية ما يسرهم وسماعه، ولهذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "لا يرون شيئاً يسرُّهم".

وقال آخرون:
هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك؛ فإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف؛ قاموا كذلك، ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مروي عن الحسن.

وقال آخرون:
هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها؛ سٌلبوا الأسماع والأبصار والنطق، حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)؛ فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم، فيبصرون بأجمعهم عميا وبكما وصما، لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون، ولا يسمع منهم إلا الزفير والشهيق. وهذا منقول عن مقاتل.

والذين قالوا:
المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم أنهم لا حجة لهم، ولم يريدوا أن لهم حجة هم عُمي عنها، بل هم عُمي عن الهدى، كما كانوا في الدنيا؛ فإن العبد يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.

وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الآخر، وأنه عمى البصر فإن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا، ويقر بما كان يجحده في الدنيا؛ فليس هو أعمى عن الحق يومئذ.

وفصل الخطاب:
أن الحشر هو الضم والجمع، ويراد به تارة: الحشر إلى موقف القيامة؛ كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا»، وكقوله تعالى:(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، وكقوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)، ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر؛ فحشر المتقين: جمعهم وضمهم إلى الجنة، وحشر الكافرين: جمعهم وضمهم إلى النار؛ قال تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)، وقال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ)؛ فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف، وهو حشرهم وضمهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا:(يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)، ثم قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)، وهذا الحشر الثاني.

وعلى هذا؛ فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف، والحشر الثاني من الموقف إلى النار؛ فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون، وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما. فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته.

فالقرآن يصدق بعضه بعضاً:
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
من كتاب: التفسير القيم.

لم يخروا عليها صما وعميانا
قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا).

قال مقاتل:
إذا وعظوا بالقرآن؛ لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه وعميانا لم يبصره، لكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به.

وقال ابن عباس:
لم يكونوا عليه صماً وعمياناً، بل كانوا خائفين خاشعين.

وقال الكلبي:
يخرون عليها سمعاً وبصراً.

وقال الفراء:
وإذا تُلي عليهم القرآن؛ لم يقعدوا على حالهم الأولى؛ كأنهم لم يسمعوه؛ فذلك الخرور، وسُمعت العرب تقول: قعد يشتمني؛ كقولك: قام يشتمني، وأقبل يشتمني، والمعنى على ما ذكر: لم يصيروا عندها صماً وعمياناً.

وقال الزجاج:
المعنى: إذا تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أُمروا به.

وقال ابن قتيبة:
أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.

قلت: ها هنا أمران:
ذكر الخرور، وتسليط النفي عليه، وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسجود؟ وهل المعنى: لم يكن خرورهم عن صمم وعمه؛ فلهم عليها خرور بالقلب خضوعاً أو بالبدن سجوداً، أو ليس هناك خرور وعبر به عن القعود؟
من كتاب: الفــــوائـد.

مثل الفريقين كالأعمى والأصم
قوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).

فإنه ذكر سبحانه الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، ثم جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه، فشبه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن استماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه بصير العين سميع الأذن.

وقد تضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا).
من كتاب: التفسير القيم.
 
حال مَنْ عدم البصر
تأمل حال من عدم البصر وما يناله من الخلل في أموره؛ فإنه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، ولا يفرق بين الألوان والمناظر الحسنة من القبيحة، ولا يتمكن من استفادة علم من كتاب يقرؤه، ولا يتهيأ له الاعتبار والنظر في عجائب ملك الله، هذا مع أنه لا يشعر بكثير من مصالحه ومضاره؛ فلا يشعر بحفرة يهوي فيها، ولا بحيوان يقصده كالسبع فيتحرز له، ولا بعدو يهوي نحوه ليقتله، ولا يتمكن من الهرب إن طلب، بل هو ملقي السلم لمن رامه بأذى، ولولا حفظ خاص من الله له قريب من حفظ الوليد وكلائته؛ لكان عطبه أقرب من سلامته؛ فإنه بمنزله لحم على وضم، ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب الجنة.

ومن كمال لطفه أن عكس نور بصره إلى بصيرته؛ فهو أقوى الناس بصيرة وحدساً، وجمع عليه همه؛ فقلبه مجموع عليه، غير مشتت؛ ليهنأ له العيش، وتتم مصلحته، ولا يظن أنه مغموم حزين متأسف.

هذا حكم من ولد أعمى؛ فأما من أصيب بعينيه بعد البصر؛ فهو بمنزلة سائر أهل البلاء المنتقلين من العافية إلى البلية؛ فالمحنة عليه شديدة؛ لأنه قد حيل بينه وبين ما ألفه من المرائي والصور ووجوه الانتفاع ببصره؛ فهذا له حكم آخر.

وكذلك من عدم السمع؛ فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، وبعدم لذة المذاكرة ونعمة الأصوات الشجية، وتعظم المؤنة على الناس في خطابه، ويتبرمون به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم؛ فهو بينهم شاهد كغائب وحي كميت وقريب كبعيد.

وقد اختلف النظار في أيهما أقرب إلى الكمال وأقل اختلالا لأموره الضرير أو الأطرش، وذكروا في ذلك وجوها، وهذا مبني على أصل آخر، وهو: أي الصفتين أكمل صفة السمع أوصفة البصر؟ فأي الصفتين كانت أكمل؛ فالضرر بعدمها أقوى.

والذي يليق بهذا الموضع أن يقال:
عادم البصر أشدهما ضرراً وأسلمهما ديناً وأحمدهما عاقبةً، وعادم السمع أقلهما ضرراً في دنياه وأجهلهما بدينه وأسوأ عاقبةً؛ فإنه إذا عدم السمع؛ عدمت المواعظ والنصائح، وانسدَّت عليه أبواب العلوم النافعة، وانفتحت له طرق الشهوات التي يدركها البصير، ولا يناله من العلم ما يكفه عنها؛ فضرره في دينه أكثر، وضرر الأعمى في دنياه أكثر، لهذا لم يكن في الصحابة أطرش، وكان فيهم جماعة أضراء، وقَلَّ أن يبتلي الله أولياءه بالطرش، ويبتلي كثيراً منهم بالعمى.

فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة؛ فمضرة الطرش في الدين، ومضرة العمى في الدنيا، والمعافى من عافاه الله منهما، ومتعه بسمعه وبصره، وجعلهما الوارثين منه.
من كتاب: مفتاح دار السعادة.

تقديم السمع على البصر
السمع متقدم على البصر حيث وقع في القرآن الكريم؛ مصدراً فعلاً أو اسماً:
فالأول كقوله تعالى:
 (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

والثاني كقوله تعالى:
 (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).

والثالث كقوله تعالى:
 (سَمِيعٌ بَصِيرٌ). (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).

فاحتج بهذا من يقول:
إن السمع أشرف من البصر، وهذا قول الأكثرين، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: البصر أفضل، ونصبوا معهم الخلاف، وذكروا الحجج من الطرفين، ولا أدري ما يترتب على هذه المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه، وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين، وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة تفضيل البصر ورد عليه.

واحتج مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع، وبالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة؛ فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاؤوا به، وهذا إنما يُدرك بالسمع، ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع: «ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة... (فذكر منهم رجلا أصم) يقول: يا رب! لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا...».

واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر؛ فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات، والحاضر والغائب، والقريب والبعيد، والواجب والممكن والممتنع؛ فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه.

واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خلقه لا ينطق في الغالب، وأما فقد البصر؛ فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها؛ فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوى إدراكها ويعظم، ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة وضياء الحس الباطن مالا تكاد تجده عند البصير.

ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته، ولهذا كان الليل أجمع للقلب، والخلوة أعون على إصابة الفكرة.

قالوا:
فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر، ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى، ولم يعرف فيهم واحد أطرش، بل لا يعرف في الصحابة أطرش.

فهذا ونحوه من احتجاجهم عل تفضيل البصر.

قال منازعوهم:
يفصل بيننا وبينكم أمران:
أحدهما:
إن مدرك البصر يستطيع النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة، وهو أفضل نعيم أهل الجنة وأحبه إليهم، ولا شيء أكمل من المنظور إليه سبحانه؛ فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها.

الثاني:
إن هذا النعيم وهذا العطاء إنما نالوه بواسطة السمع؛ فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم؛ فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها.

وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها؛ فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط؛ فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير، ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة، وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه، وإذا تقابلت المرتبتان؛ بقي الترجيح بما ذكرناه.

قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه-:
وفصل الخطاب إن إدراك السمع أعم وأشمل، وإدراك البصر أتم وأكمل؛ فهذا له التمام والكمال، وذاك له العموم والشمول؛ فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص به. ثم كلامه.
من كتاب: بدائع الفوائد.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 09:24 am


أيهما أفضل: السمع أم البصر؟
اختلف ابن قتيبة وابن الأنباري في السمع والبصر أيهما أفضل؟

ففضل ابن قتيبة السمع ووافقه طائفة، واحتج بقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ).

قال:
فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلى ذهاب البصر؛ كان دليلا على أن السمع أفضل.

قال ابن الأنباري:
هذا غلط، وكيف يكون السمع أفضل؛ وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، والقرب إلى النجاة والبعد من الهلاك، وبه جمال الوجه وبذهابه شينه، وفي الحديث: «مَنْ ذهبت كريمتيه فصبر واحتسب؛ لم أرض له ثواباً دون الجنة»؟!

وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه الله تعالى مع السمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر؛ إذ كأنه أراد إبصار القلوب ولم يرد إبصار العيون، والذي يبصره القلب هو الذي يعقله؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيقفون على صحته، ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)؛ أي: المعرضين، (وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ): بعين نقص، (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ)؛ أي المعرضين، (وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ).

قال:
ولا حجة في تقديم السمع على البصر هنا؛ أخبر في قوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ).

قلت:
واحتج مفضلو السمع بأن به ينال غاية السعادة من سماع كلام الله وسماع كلام رسوله.

قالوا:
وبه حصلت العلوم النافعة.

قالوا:
وبه يُدرك الحاضر والغائب، والمحسوس والمعقول؛ فلا نسبة لمدرك البصر إلى مدرك السمع.

قالوا:
ولهذا يكون فاقده أقل علما من فاقد البصر، بل قد يكون فاقد البصر أحد العلماء الكبار؛ بخلاف فاقد صفة السمع؛ فإنه لم يُعهد من هذا الجنس عالم البتة.

قال مفضلو البصر:
أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى، وهو يكون بالبصر، والذي يراه البصر لا يقبل الغلط؛ بخلاف ما يسمع؛ فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم؛ فمدرك البصر أتم وأكمل.

قالوا:
وأيضا؛ فمحله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع، وذلك لشرفه وفضله.

قال شيخنا ابن تيمية:
والتحقيق أن السمع له مزية والبصر له مزية؛ فمزية السمع العموم والشمول، ومزية البصر كمال الإدراك وتمامه؛ فالسمع أعم وأشمل، والبصر أتم وأكمل؛ فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه، وهذا أفضل من جهة كمال إدراكه وتمامه.
من كتاب: بدائع الفوائد.

أمر الرسول بالتخفيف عند إمامة المسلمين
عن أبي مسعود: أن رجلاً قال: والله يا رسول الله! إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موعظة أشد غضباً منه يومئذ، ثم قال: «أيها الناس! إن منكم مُنفرين؛ فأيكم ما صلى بالناس؛ فليتجوَّز؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة». رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية للبخاري:
«فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة».

وعن أبي هريرة:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أمَّ أحدكم؛ فليُخفِّف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، وإذا صلى وحده؛ فليصل كيف شاء». رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.

وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي:
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: «إمَّ قومك». قال: قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئا. قال: «ادنهُ». فأجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديَّي، ثم قال: «تحوَّل». فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: «إمَّ قومك؛ فمن أمَّ قوماً؛ فليخفف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة؛ فإذا صلى أحدكم وحده، فليصلِّ كيف شاء». رواه مسلم.

وفي رواية:
«إذا أممت قوماً؛ فأخفف بهم الصلاة».

وقال أنس بن مالك:
"كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوجز الصلاة ويكملها".

وفي لفظ:
«يوجز ويتم». متفق عليه.

وقال أنس أيضا:
"وما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان ليسمع بكاء الصبي؛ فيخفف؛ مخافة أن يفتن أمه". متفق عليه، وسياقه للبخاري.
من كتاب: الصلاة وحكم تاركها.
 
ألفاظ التخلف العقلي
يقال: مجنون، ومغبون، ومهروع، ومخفوع، ومعتوه، وممتوه، وممته، وممسوس، وبه لمص، ومصاب في عقله؛ فهذه عشرة ألفاظ.

وأما مخروع، فصحفها العامة من مهروع.
من كتاب: بدائع الفوائد.

معنى الجنون:
وأما الجنون؛ فمن الحُب ما يكون جنوناً..

ومنه قوله:
قالت جُننت بمن تهوى فقلت لها
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وإنما يُصرع المجنون في الحين


وأصل المادة من السَّتر في جميع تصاريفها، ومنه أجنَّة الليل وجَنّ عليه إذا ستره، ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه، ومنه الجنة لاستتارها بالأشجار، ومنه المِجَن لاستتار الضارب به والمضروب, ومنه الجنّ لاستتارهم عن العيون بخلاف الإنس؛ فإنهم يؤنسون؛ أي: يُرون، ومنه الجُنة بالضم هي ما استترت به واتقيت، ومنه قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)، وأجننت الميت: واريته في القبر؛ فهو جنين.

والحب المفرط يستر العقل؛ فلا يعقل المحب ما ينفعه ويضره؛ فهو شعبة من الجنون.

وأما اللمم:
فهو طرف من الجنون، ورجل ملموم؛ أي: به لمم، ويقال أيضا: أصابت فلانا من الجن لمة، وهو المس والشيء القليل. قاله الجوهري.

قلت:
وأصل اللفظة من المقاربة، ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)، وهي الصغائر.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:
وما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرِّجل تزني وزناها المشي، والفم يزني وزناه القُبَل.

ومنه:
ألمَّ بكذا؛ أي: قاربه ودنا منه، وغلام مُلم؛ أي: قارب البلوغ، وفي الحديث: «إن مما يُنبت الربيع ما يقتل حُبطا أو يُلم»؛ أي: يقرب من ذلك.

وبالجملة:
فلا يستبين كون اللمم من أسماء الحب، وإن كان قد ذكره جماعة؛ إلا أن يقال: إن المحبوب قد ألمَّ بقلب المحب؛ أي: نزل به، ومنه المم بنا؛ أي: أنزل بنا...

ومنه قوله:
متى تأتنا تُلمـم بنا في ديارنا
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

وأما الخبل:
فمن موجبات العشق وآثاره لا من أسمائه، وإن ذكر من أسمائه؛ فإن أصله الفساد، وجمعه خبول، والخبل بالتحريك الجن، يقال: به خبل؛ أي: شيء من أهل الأرض، وقد خبله وخبّله واختبله: إذا أفسد عقله أو عضوه، ورجل مخبل، وهو نوع من الجنون والفساد.
من كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين

لا طلاق لمجنون:
صح عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: أنه قال: "ليس لمجنون ولا سكران طلاق". رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، عن أبيه...

وأما طلاق الإغلاق؛ فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل:
وحديث عائشة -رضي الله عنها-: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»؛ يعني: الغضب.

هذا نص أحمد، حكاه عنه الخلال، وأبو بكر في "الشافي" و"زاد المسافر"؛ فهذا تفسير أحمد.

وقال أبو داود في "سننه":
أظنه الغضب، وترجم عليه: "باب الطلاق على غلط".

وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه، وفسره غيرهما بالجنون، وقيل: هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، فيغلق عليه الطلاق، حتى لا يبقى منه شيء؛ كغلق الرهن. حكاه أبو عبيد الهروي.

قال شيخنا ابن تيمية:
وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه؛ فلا يقصد الكلام، أو لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.

قلت:
قال أبو العباس المبرد: الغلق: ضيق الصدر وقلة الصبر؛ بحيث لا يجد مخلصا.

قال شيخنا:
ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال.
من كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 09:29 am


حكم عمر في مسألة البصير والأعمى يوافق القياس:
ومما يظن أنه يخالف القياس: "ما رواه علي بن رباح اللخمي: أن رجلاً كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، فخر البصير، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعقل البصير على الأعمى...

فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد:
يا أيها الناس لقيت منكرا
هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معا كلاهما تكسرا

وقد اختلف الناس في هذه المسألة:
فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير وشريح وإبراهيم النخعي والشافعي وإسحاق وأحمد.

وقال بعض الفقهاء:
القياس أنه ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه، وكذلك لو فعله قصداً منه؛ لم يضمنه؛ بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى، ولو لم يكن سبباً؛ لم يلزمه ضمان بقصده.

قال أبو محمد المقدسي في "المغني":
لو قيل هذا؛ لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعا عليه؛ فلا يجوز مخالفة الإجماع.

والقياس حكم عمر؛ لوجوه: أحدها:
أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما تولد من مأذون فيه؛ لم يضمن كنظائره.

الثاني:
قد يكون قوده له مستحباً أو واجباً، ومن فعل ما وجب عليه أو ندب إليه؛ لم يلزمه ضمان ما تولد منه.

الثالث:
أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان؛ إذن الشارع وإذن الأعمى؛ فهو محسن بامتثال أمر الشارع، محسن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل.

وأما الأعمى؛ فإنه سقط على البصير، فقتله، فوجب عليه ضمانه؛ كما لو سقط إنسان من سطح على آخره، فقتله؛ فهذا هو القياس.

وقولهم:
"هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه"؛ فهذا لا يوجب الضمان؛ لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع.

وقولهم:
"وكذلك لو فعله قصدا؛ لم يضمنه"؛ فصحيح؛ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع؛ فالقياس المحض قول عمر. وبالله التوفيق.
من كتاب: إعلام الموقعين عن رب العالمين.

هَدْي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في علاج الصرع:
أخرجا في "الصحيحين" من حديث عطاء بن أبي رباح؛ قال: قال ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف؛ فادع الله لي. فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك». فقالت: أصبر. قالت: فإني أتكشف؛ فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها.

قلت: الصرع صرعان:
صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة.

والثاني:
هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه.

وأما صرع الأرواح:
فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدفع آثارها، وتعارض أفعالها وتُبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح؛ فلا ينفع فيه هذا العلاج.

وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة أنها فضيلة؛ فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها يؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا؛ فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها.

وقدماء الأطباء كانوا يُسمون هذا الصرع:
المرض الإلهي، وقالوا: إنه من الأرواح.

وأما جالينوس وغيره؛ فتأولوا عليهم هذه التسمية، وقالوا: إنما سموه المرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ.

وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها، وجاءت زنادقة الأطباء؛ فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده.

ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم.

وعلاج هذا النوع يكون بأمرين:
أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج:

فالذي من جهة المصروع:
يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان؛ فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً وأن يكون الساعد قوياً؛ فمتى تخلّف أحدهما؛ لم يغن السلاح كثير طائل؛ فكيف إذا عُدم الأمران جميعاً: يكون القلب خراباً من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له.

والثاني:
من جهة المعالج؛ بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً، حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله: "اخرج منه"، أو بقوله: "بسم الله".

أو بقوله:
"لا حول ولا قوة إلا بالله".

والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول:
"اخرج عدو الله أنا رسول الله".

وشاهدت شيخنا ابن تيمية يُرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول: قال لكِ الشيخ: اخرجي؛ فإن هذا لا يحلُّ لكِ، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردة، فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع، ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مراراً.

وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).

وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع؛ فقالت الروح: نعم، ومد بها صوته، قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه، حتى كلّت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب؛ قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يحبكِ، قالت: أنا أريد أن أحج به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معكِ، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا ولكن طاعة لله ولرسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يميناً وشمالاً، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟! فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ، ولم أذنب، ولم يشعر أنه وقع به ضربٌ البتة.

وكان يُعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومَنْ يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين.

وبالجملة:
فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عُريانا فيؤثر فيه هذا.

ولو كشف الغطاء؛ لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة؛ فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة. والله المستعان.

وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا يفيقون.

وما أشدَّ داء هذا الصرع، ولكن لما عمَّت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعاً؛ لم يصر مستغرباً ولا مستنكراً، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه.

فإذا أراد الله بعبد خيراً؛ أفاقه من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يميناً وشمالاً على اختلاف طبقاتهم؛ فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحياناً قليلة ويعود إلى جنونه، ومنهم مَنْ يفيق مرة، ويُجَنُّ أخرى؛ فإذا أفاق؛ عَمِل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة   27/08/18, 09:34 am


صرع الأخلاط:
وأما صرع الأخلاط؛ فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعاً غير تام، وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة، فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذاً تاماً من غير انقطاع بالكلية، وقد تكون لأسباب أخرى كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح، لاذعة، فينقبض الدماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصباً، بل يسقط، ويظهر في فِيهِ الزبد غالباً.

وهذه العلّة تُعد من جملة الأمراض الجادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعُسر بُرثها، لاسيما إن تجاوز في السن خمساً وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه، وخاصة في جوهره؛ فإن صرع هؤلاء يكون لازماً.

قال أبقراط:
إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا.

إذا عرف هذا؛ فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها تُصرع وتتكشَّف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها النبي -صلى الله عليه وسلم- الجنة بصبرها على هذا المرض، ودعا لها أن لا تتكشَّف، وخيَّرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمانها، فاختارت الصبر والجنة.

وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي، وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء، وأن تأثيره وفعله وتأثير الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية، وانفعال الطبيعة لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب، وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم.

والظاهر:
أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع، ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خيَّرها بين الصبر على ذلك مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء، فاختارت الصبر والستر. والله أعلم.
من كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد.
 
الجزية لا تجب على المعاق:
إن الجزية وضعت إصغاراً وإذلالاً للكفار، لا أجرةً عن سكنى الدار، وأنها لو كانت أجرة؛ لوجبت على النساء والصبيان والزَّمنى والعميان.. ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون: هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم.

قال ابن المنذر:
"ولا أعلم عن غيرهم خلافهم".

وقال: أبو محمد في "المغني":
"لا تعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا".

ولا جزية على شيخ فان ولا زَمِنْ ولا أعمى ولا مريض لا يُرجى بُرؤه قد أيس من صحته، وإن كانوا موسرين، وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد أقواله؛ لأن هؤلاء لا يُقتلون ولا يُقاتلون؛ فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والذرية.
من كتاب: أحكام أهل الذمة.

الفئات التي تحتج يوم القيامة:
قال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربعة يحتجُّون يوم القيامة: رجلٌ أصمٌ لا يسمع، ورجلٌ هرمٌ، ورجلٌ أحمقٌ، ورجلٌ مات في الفترة.

أما الأصم؛ فيقول:
رب! لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئاً.

وأما الأحمق؛ فيقول:
رب! لقد جاء الإسلام والصبيان يحدفونني بالبعر.

وأما الهرم؛ فيقول:
رب! لقد جاء الإسلام وما أعقل.

وأما الذي في الفترة؛ فيقول:
رب! ما أتاني رسول.

فيأخذ مواثيقهم ليُطيعنّه، فيُرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار.

فوالذي نفسي بيده؛ لو دخلوها؛ لكانت عليهم برداً وسلاماً».

قال معاذ بن هشام:
وحدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ بمثل هذا الحديث، وقال في آخره: «فمَنْ دخلها؛ كانت عليه برداً وسلاماً، ومَنْ لم يدخلها؛ رُدَّ إليها».

وهو في مسند إسحاق عن معاذ بن هشام أيضاً.

ورواه البزار ولفظه:
عن الأسود بن سريع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال: «يعرض على الله تبارك وتعالى الأصم الذي لا يسمع شيئاً والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة، فيقول الأصم: رب! جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. والأحمق يقول: رب! جاء الإسلام وما أعقل شيئاً. ويقول الذي مات في الفترة: رب! ما أتاني لك رسول... (وذكر الهرم وما يقول. قال:) فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم: ادخلوا النار. فوالذي نفس محمد بيده؛ لو دخلوها؛ لكانت عليهم برداً سلاماً».

قال الحافظ عبد الحق في حديث الأسود:
قد جاء هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكن الله يخصُّ مَنْ يشاء بما يشاء، ويكلف مَنْ شاء ما شاء وحيثما شاء، لا يُسألُ عَمَّا يفعل وهم يُسألون.
من كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين.

أصحاب الأعذار:
ومن له عذر من خلقه، -كالطفل الذي لا يميز، والمعتوه، ومَنْ لم تبلغه الدعوة، والأصم والأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع-؛ فإن الله لا يعذب هؤلاء بلا ذنب البتة، وله فيهم حكم، وآخر في المعاد، يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم؛ فمَنْ أطاع الرسول منهم؛ أدخله الجنة، ومَنْ عصاه؛ أدخله النار.

حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في "مقالاته"، وفيه عدة أحاديث، بعضها في "مسند أحمد"؛ كحديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة.

ومَنْ طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف؛ فهذه الأحاديث مخالفة للعقل؛ فهو جاهل؛ فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار؛ الجنة أو النار، وإلا؛ فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات، ولهذا يدعوهم إلى السجود له في المواقف، فيسجد المؤمنون له طوعاً واختياراً، ويُحال بين الكفار والمنافقين وبين السجود.
من كتاب: التوبـة.
 
الخاتمـة
وفي خاتمة هذا الموضوع:
أشكر الله -سبحانه وتعالى- الذي وفقني لإتمام هذا الموضوع، ثم أشكر كل من ساعدني على إتمامه، وأخص بالذكر فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وكذلك والدي الشيخ عثمان عبد الله الشايع، وأستاذي الدكتور زيد عمر عبد الله عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود.

وأسأل الله سبحانه أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهم.

اللهم! طهِّر قلبي من النفاق، وعملي من الرِّياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة؛ فأنت تعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

وأخيراً؛ نسأل الله العظيم أن ينفعنا جميعاً بما قرأنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
المراجـع
* المراجع العامة:
1- تفسير القرآن العظيم: ابن كثير.
2- أحكام الأعمى في الفقه الإسلامي: خالد محمد الدوغان، رسالة ماجستير.
3- صحيح البخاري.
4- صحيح مسلم.
5- سنن ابن ماجة.
6- جامع الترمذي.
7- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي.
8- تيسير العلام في شرح عمدة الأحكام: عبد الله البسام.


* كتب ابن القيم:
1- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين.
2- الوابل الصيب من الكلم الطيب.
3- فتاوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
4- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
5- التفسير القيم.
6- طريق الهجرتين وباب السعادتين.
7- مفتاح دار السعادة.
8- بدائع الفوائد.
9- الفوائد.
10- روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
11- إعلام الموقعين عن رب العالمين.
12- زاد المعاد في هدي خير العباد.
13- الطبي النبوي.
14- التوبة.
15- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
16- أحكام أهل الذمة.
17- مدارج السالكين.
18- كتاب الصلاة وحكم تاركها.


المحتويات:
مقدمة فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين الجبرين.
المقدمة.
تمهيـد.
في الذكر الذي تحفظ به النعم وما يقال عند تجردها.
فيما يقال عند رؤية أهل البلاء.
الصبر وما ورد من نصوص عنه في السنة.
في الذكر عند المصيبة.
قد تكون البلية عين النعمة.
الصبر على البلاء.
صدقة من لا مال له.
في العمى عن الحق.
صم بكم عمي.
في تفسير العمى في قوله تعالى.
ونحشره يوم القيامة أعمى.
لم يخروا عليها صماً وعمياناً.
مثل الفريقين كالأعمى والأصم.
حال من عدم البصر.
تقديم السمع على البصر.
أيهما أفضل: السمع أم البصر؟.
أمر الرسول بالتخفيف.
عند إمامة المسلمين.
ألفاظ التخلف العقلي.
معنى الجنون.
لا طلاق لمجنون.
حكم عمر في مسألة البصير والأعمى.
يوافق القياس.
هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
في علاج الصرع.
الجزية لا تجب على المعاق.
الفئات التي تحتج يوم القيامة.
أصحاب الأعذار.
الخاتمـة.
المراجـع.
المحتويات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
آراء الإمام ابن القيم -رحمه الله- حول الإعاقة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: الإخوة المكفوفين.-
انتقل الى: