منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 محمد أسد في الطريق إلى مكة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:36 am

محمد أسد في الطريق إلى مكة
ترتيب:
صالح بن عبد الرحمن الحصين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
إصدار:
مؤسسة الوقـف الاسلامي, 1431هـ
======================
بسم الله الرحمن الرحيم
-1-
طريق محمد أسد إلى مكة
كان الصبي (ليوبولدفايس) تحت إصرار
والده يواظب على دراسة النصوص الدينية
ساعات طويلة كل يوم, وهكذا وجد نفسه
وهو في سن الثالثة عشرة يقرأ العبرية
ويتحدثها بإتقان, درس التوراة في نصوصها
الأصلية وأصبح عالماً بالتلمود وتفسيره, ثم
انغمس في دراسة التفسير المعقد للتوراة
المسمى (ترجوم) فدرسه وكأنما يهيئ نفسه
لمنصب ديني.

كان إنجازه المدهش يَعِدُ بتحقيق حلم جده
الحاخام الأرثوذكسي النمساوي بأن تتصل
بحفيده سلسلة أجداده الحاخامات, ولكن
هذا الحلم لم يتحقق, فبالرغم من نبوغه
6
في دراسة الدين، أو ربما بسببه نمت
لديه مشاعر سلبية تجاه جوانب كثيرة من
العقيدة اليهودية, لقد رفض عقله ما بدا من
أن الرب في نصوص العهد القديم والتلمود
مشغول فوق العادة بمصير أمة معينة وهم
اليهود, بالطبع لقد أبرزت النصوص الرب
لا كخالق وحافظ لكل خلقه من البشر بل
ك رب قبلي يسخر كل المخلوقات لخدمة
الشعب المختار.

لم يؤد إحباطه من الديانة اليهودية في
ذلك الوقت إلى البحث عن معتقدات
روحية أخرى فتحت تأثير البيئة اللاأدرية
التي يعيش فيها وجد نفسه يندفع ككثير
من أقرانه إلى رفض الواقع الديني وكل
مؤسساته, وما كان يتطلع إليه لم يكن
يختلف كثيراً عما يتطلع إليه باقي أبناء
7
جيله وهو خوض المغامرات المثيرة.

في تلك المرحلة من عمر «ليوبولدفايس»
اشتعلت الحرب العالمية الأولى (1914 -
1918) م. وبعد انتهاء الحرب –وعلى
مدى عامين– درس بلا نظام تاريخ الفن
والفلسفة في (جامعة فينا) ولكن ما كان
مشغوفاً بالتوصل إليه هو جوانب محببة
إلى نفسه من الحياة، كان مشغوفا أن يصل
بنفسه إلى مثل روحية حقيقية كان يوقن
أنها موجودة لكنه لم يصل إليها بعد.

كانت العقود الأولى للقرن العشرين تتسم
بالخواء الروحي للأجيال الأوروبية،
أصبحت كل القيم الأخالقية متداعية
تحت وط أة التداعيات المرعبة للسنوات
التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى في
الوقت الذي لم تبد فيه أي روحية جديدة
8
في أي أفق, كانت مشاعر عدم الإحساس
بالأمن متفشية بين الجميع, إحساس
داخلي بالكارثة الاجتماعية والفكرية
أصاب الجميع بالشك في استمرارية أفكار
البشر وفي كل مساعيهم وأهدافهم, كان
القلق الروحي لدى الشاب لا يجعله يجد
مستقراً لأقدامه الوجلة، ومع غياب أي
مقاييس يقينية أخلاقية لم يكن ممكنا لأي
فرد إعطاء إجابات مقنعة عن أسئلة كثيرة
كانت تؤرق وتحير كل جيل الشباب.

كانت علوم التحليل النفسي (وهي جانب من
دراسات الشاب ليوبولدفايس) تشكل في
ذلك الوقت ثورة فكرية عظمى, وقد أحس
فعلا أن تلك العلوم فتحت أبواباً واسعة
تتيح فهماً أوسع للذات، وما أكثر الليالي
التي قضاها في مقاهي فينا يستمع إلى
9
مناقشات ساخنة ومثيرة بين رواد التحليل
النفسي المبكرين من أمثال «الفريد أدلر» و
«هرمان ستيكل».

إلا أن الحيرة والقلق والتشويش حلت عليه
من جديد, بسبب عجرفة العلم الجديد
وتعاليه ومحاولته أن يحل ألغاز الذات
البشرية عن طريق تحويلها إلى سلاسل
من ردود الأفعال العصبية.

لقد نما قلقه وتزايد وجعل إتمام دراسته
الجامعية يبدو مستحيلاً فقرر أن يترك
الدراسة ويجرب نفسه في الصحافة.

كان أول طريق النجاح في هذه التجربة تعيينه
في وظيفة محرر في وكالة الأنباء )يونايتد
تلجرام) وبفضل تمكنه من عدة لغات لم
يكن صعباً عليه أن يصبح بعد وقت قصير
نائباً لرئيس تحرير قطاع أخبار الصحافة
10
الاسكندنافيه بالرغم من أن سنه كانت دون
الثانية والعشرين فانفتح له الطريق في
برلين إلى عالم أرحب «مقهى دي فيستن»
و «رومانشيه» ملتقى الكتاب والمفكرين
البارزين ومشاهير الصحفيين والفنانين,
فكانوا يمثلون له (البيت الفكري)، وربطته
بهم علاقات صداقة توافرت فيها الندية.

كان في ذلك الوقت سعيداً بما هو أكثر
من النجاح في حياته العملية, ولكنه لم
يكن يشعر بالرضا والإشباع ولم يكن يدري
بالتحديد ما ال ذي يسعى إليه وما الذي
يتوق إلى تحقيقه.

كان مثله مثل كثير من شباب جيله فمع أن
أياً منهم لم يكن تعساً إلا أن قليلاً منهم كان
سعيداً بوعي وإدراك.
11
-2-
في أحد أيام ربيع سنة 1922م وعمره لم
يتجاوز الثانية والعشرين كان على ظهر
السفينة متوجهاً إلى )القدس, فلسطين).

لو قال له أحد في ذلك الوقت إن أول
معرفة له مباشرة للإسلام ستصبح نقطة
تحول عظمى في حياته، لعد ذلك القول
م زح ة, ليس بالطبع لأنه محصن ضد
إغراءات الشرق التي تربط ذهن الأوروبي
برومانتيكية ألف ليلة وليلة, ولكنه كان أبعد
ما يكون عن أن يتوقع أن تؤدي تلك الرحلة
إلى أي مغامرات روحية.

كل ما كان يدور في ذهنه عن تلك الرحلة
كان يتعامل معه برؤية غربية, فقد كان رهانه
محصوراً في تحقيق قدر أعمق في المشاعر
12
والإدراك من خلال البيئة الثقافية الوحيدة
التي نشأ فيها وهي البيئة الأوروبية، لم
يكن إلا شاباً أوروبياً نشأ على الاعتقاد
بأن الإسلام وكل رموزه ليس إلا محاولة
التفافية حول التاريخ الإنساني, محاولة لا
تحظى حتى بالاحترام من الناحية الروحية
والأخلاقية, ومن ثم لا يستحق الذكر, فضلاً
عن أن يوازن بالدينين الوحيدين اللذين يرى
الغرب أنهما يستحقان الاهتمام والبحث:
اليهودية والمسيحية, كان يلف تفكيره الفكر
الضبابي القاتم والانحياز الغربي ضد كل
ما هو إسلامي أو كما يعبر عن نفسه: (لو
تعاملت بعدل مع ذاتي لأقررت أني أيضا
كنت غارقا حتى أذني في تلك الرؤية الذاتية
الأوروبية والعقلية المتعالية التي اتسم بها
الغرب على مدى تاريخه: 104) (1).

ولكن بعد أربع سنوات كان ينطق بشهادة «أن
لا إله إلا الله محمد رسول الله» ويتسمَّى
باسم «محمد أسد».

بالرغم من أن حياته تفيض بالمغامرات
والمفاجئات والمصادفات فلم يكن إسلامه
نتيجة لأي من ذلك, بل كان نتيجة لسنوات
عدة من التجول في العالم الإسلامي
والاختلاط بشعوبه, والتعمق في ثقافته
واطلاعه الواسع على تراثه بعد إجادته
للغة العربية والفارسية.

كان ليوبولد فايس في الأعوام المبكرة من
شبابه بعدما أصابه الإحباط وخيبة الأمل
في العقيدة اليهودية التي ينتمي إليها قد
اتجه تفكيره إلى المسيحية بعد أن وجد أن
المفهوم المسيحي للإله يتميز عن المفهوم
اليهودي لأنه لم يقصر اهتمام الإله على
14
مجموعة معينة من البشر ترى أنها وحدها
شعب الله المختار, وعلى الرغم من ذلك
كان هناك جانب من الفكر المسيحي قلل
في رأيه إمكانية تعميمه وصلاحيته لكل
البشر ألا وهو التمييز بين الروح والبدن.

أي بين عالم الروح وعالم الشئون الدنيوية.

وبسبب تنائي المسيحية المبكر عن كل
المحاولات التي تهدف إل ى تأكيد أهمية
المقاصد الدنيوية, كفت من قرون طويلة عن
أن تكون دافعاً أخلاقياً للحضارة الغربية,
إن رسوخ الموقف التاريخي العتيق للكنيسة
في التفريق بين ما للرب وما لقيصر، نتج
عنه تَرْكُ الجانب الاجتماعي والاقتصادي
يعاني فراغاً دينياً، وترتب على ذلك غياب
الأخلاق في الممارسات الغربية السياسية
والاقتصادية مع باقي دول العالم.
15


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:39 am


وَمَثَّلَ ذلك إخفاقاً لتحقيق ما هدفتُ إليه
رسالة المسيح أو أي دين آخر.

فالهدف الجوهري لأي دين ليس هو فقط
تعليم البشر كيف يدركون ويشعرون, بل
كيف يعيشون معيشة صحيحة وينظمون
العلاقات المتبادلة بطريقة سوية عادلة,
وإن إحساس الرجل الغربي أن الدين قد
خذله جعله يفقد إيمانه الحقيقي بالمسيحية
خلال قرون، وبفقدانه لإيمانه فَقَدَ اقتناعه
بأن الكون والوجود تعبير عن قوة خلق
واحدة وبفقدان ذلك الاقتناع عاش في
خواء روحي وأخلاقي.

كان اقتناعه في شبابه المبكر أن الإنسان
لا يحيا بالخبز وحده قد تبلور إلى اقتناع
فكري بأن عبادة التقدم المادي ليست
إلا بديلاً وهمياً للإيمان السابق بالقيم
16
المجردة, وأن الإيمان الزائف بالمادة
جعل الغربيين يعتقدون بأنهم سيقهرون
المصاعب التي تواجههم حالياً, كانت جميع
النظم الاقتصادية التي خرجت من معطف
المادة علاجاً مزيفاً وخادعاً ولا تصلح
لعلاج البؤس الروحي للغرب.

كان التقدم المادي بإمكانه في أفضل
الحالات شفاء بعض أعراض المرض
إلا أن من المستحيل أن يعالج سبب المرض.

كانت أول علاقة له بفكرة الإسلام وهو
يقضي أيام رحلته الأولى في القدس
عندما رأى مجموعة من الناس يصلون
صالة الجماعة يقول (أصابتني الحيرة
حين شاهدت صلاة تتضمن حركات آلية,
فسألت الإمام هل تعتقد حقاً أن الله ينتظر
منك أن تظهر له إيمانك بتكرار الركوع
17
والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن تنظر
داخلك وتصلي إلى ربك بقلبك وأنت ساكن؟
أجاب: بأي وسيلة أخرى تعتقد أننا يمكن
أن نعبد الله؟ ألم يخلق الروح والجسد معاً؟
وبما أنه خلقنا جسداً وروحاً ألا يجب أن
نصلي بالجسد والروح؟ ثم مضى يشرح
المعنى من حركات الصلاة, أيقنت بعد ذلك
بسنوات أن ذلك الشرح البسيط قد فتح لي
أول باب للإسلام: 120).

بعد هذه الحادثة بشهور كان يدخل الجامع
الأموي في دمشق ويرى الناس يصلون,
ويصف هذا المشهد (اصطف مئات المصلين
في صفوف طويلة منتظمة خلف الإمام,
ركعوا وسجدوا كلهم في توحد مثل الجنود,
كان المكان يسوده الصمت يسمع المرء صوت
الإمام من أعماق المسجد الجامع يتلو آيات
18
القرآن الكريم, وحين يركع أو يسجد يتبعه
كل المصلين كرجل واحد.

أدركت في تلك اللحظة مدى قرب الله
منهم وقربهم منه بدا لي أن صلاتهم لا
تنفصل عن حياتهم اليومية بل كانت جزءاً
منها, لا تعينهم صلاتهم على نسيان الحياة
بل تعمقها أكثر بذكرهم لله.

قلت لصديقي ومضيفي ونحن ننصرف
من الجامع: ما أغرب ذلك وأعظمه! إنكم
تشعرون أن الهي قريب منكم, أتمنى أن
يملأني أنا أيضاً ذلك الشعور, رد صاحبي:
ما الذي يمكن أن نحسه غير ذلك والله
يقول في كتابه العزيز (وَلقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنعَلَمُ
مَا توَسْوِسُ بهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوْرِيدِ)
(16 سورة ق).

ويقول بعد ذلك: (تَرَكَتْ تلك الشهور
19
الأولى التي عشتها في بلد عربي قطاراً
طويلاً من الانعكاسات والانطباعات, لقد
واجهت مغزى الحياة وجهاً لوجه وكان ذلك
جديداً تماماً على حياتي. الأنفاس البشرية
الدافئة تتدفق من مجرى دم أولئك الناس
إلى أفكارهم بلا تمزقات روحية مؤلمة من
عدم الاطمئنان والخوف والطمع والإحباط
الذي جعل الحياة الأوروبية حياة قبيحة
وسيئة لا تعد بأي شيء: 131).

(أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب
المسلمة لأني وجدت لديهم تلاحماً عضوياً
بين الفكر والحواس ذلك التلاحم الذي
فقدناه نحن الأوروبيين, وأعتقد أنه من
خلال فهم أقرب وأفضل لحياتهم يمكن
أن اكتشف الحلقة المفقودة التي تسبب
معاناة الغربيين وهي تآكل التكامل الداخلي
20
للشخصية الأوروبية لقد اكتشفت كنه ذلك
الشيء الذي جعلنا نحن أهل الغرب ننأى
عن الحرية الحقة بشروطها الموضوعية
التي يتمتع بها المسلمون حتى في عصور
انهيارهم الاجتماعي والسياسي: 132 ).

(ما كنت أشعر به في البداية أنه لا يعدو
أكثر من تعاطف مع شكل الحياة العربية
والأمان المعنوي الذي أحسبه فيما بينهم
وبطريقة لا أدركها إلى ما يشبه المسألة
الذاتية، زاد وعيي برغبة طاغية في معرفة
كنه ذلك الشيء الذي يكمن في أسس الأمن
المعنوي والنفسي وجعل حياة العرب تختلف
كلياً عن حياة الأوروبيين, ارتبطت تلك
الرغبة بشكل غامض بمشكلاتي الشخصية
الدفينة, بدأت أبحث عن مداخل تتيح لي
فهماً أفضل للشخصية العربية والأفكار
21
التي شكلتهم وصاغتهم وجعلتهم يختلفون
روحياً عن الأوروبيين، بدأت أقرأ كثيراً
بتركيز في تاريخهم وثقافتهم ودينهم, وفي
غمرة اهتمامي أحسست بأني قد توصلت
إلى اكتشاف ما يحرك قلوبهم ويشغل
فكرهم ويحدد لهم اتجاههم, أحسست
أيضا بضرورة اكتشاف القوى الخفية التي
تحركني -أنا ذاتي- وتشكل دوافعي وتشغل
فكري وتعدني أن تهديني السبيل: 132).

(قضيت كل وقتي في دمشق أقرأ من
الكتب كل ما له علاقة بالإسلام, كانت
لغتي العربية تسعفني في تبادل الحديث
إلا أنها كانت أضعف من أن تمكنني من
قراءة القرآن الكريم.

لذا لجأت إلى ترجمة لمعاني القرآن الكريم,
أما ما عدا القرآن الكريم فقد اعتمدت فيه
22
على أعمال المستشرقين الأوروبيين.

ومهما كانت ضآلة ما عرفت إلا أنه كان
أشبه برفع ستار, بدأت في معرفة عالم
من الأفكار كنت غافلاً عنه وجاهلاً به حتى
ذلك الوقت, لم يبد لي الإسلام دينا بالمعنى
المتعارف عليه بين الناس لكلمة دين، بل
بدا لي أسلوباً للحياة, ليس نظاماً لاهوتياً
بقدر ما هو سلوك فرد ومجتمع يرتكز
على الوعي بوجود إله واحد, لم أجد في
أي آية من آيات القرآن الكريم أي إشارة
إلى احتياج البشر إلى الخلاص الروحي
ولا يوجد كذلك خطيئة أُوْلَى موروثة تقف
حائلاً بين المرء وقدره الذي قدَّره اللهُ لهُ,
ولا يبقى لابن آدم إلا عمله الذي سعى إليه,
ولا يوجد حاجة إلى التَّرهُّب والزُّهد لفتح
أبواب خفية لتحقيق الخلاص، فالخلاص
23
حق مكفول للبشر بالولادة, والخطيئة لا تعني
إلا ابتعاد الناس عن الفطرة التي خلقهم
الله عليها، لم أجد أي أثر على الثنائية في
الطبيعة البشرية فالبدن والروح يعملان في
المنظور الإسلامي كوحدة واحدة لاينفصل
أحدهما عن الآخر.

أدهشني في البداية اهتمام القرآن الكريم
ليس بالجوانب الروحية فقط بل بجوانب
أخرى غير مهمة من الأمور الدنيوية, ولكن
مع مرور الوقت بدأت أدرك أن البشر وحدة
متكاملة من بدن وروح, وقد أكد الإسلام
ذلك, لا يوجد وجه من وجوه الحياة يمكن
أن نعده مُهَمَّشاً بل إن كل جوانب حياة
البشر تأتي في صلب اهتمامات الدين.

لم يدع القرآن الكريم المسلمين ينسون أن
الحياة الدنيا ليست إلا مرحلة في طريق
24
البشر نحو تحقيق وجود أسمى وأبقى وأن
الهدف النهائي ذو سمة روحية, ويرى أن
الرخاء المادي لا ضرر منه إلا أنه ليس غاية
في حد ذاته, لذلك لابد أن تقنن شهية
الإنسان وشهواته وتتم السيطرة عليها بوعي
أخلاقي من الفرد, هذا الوعي لا يوجه إلى
الله فقط بل يوجه أيضاً إلى البشر فيما
بينهم لا من أجل الكمال الديني وحده بل
من أجل خلق حالة اجتماعية تؤدي إلى
تطور وعي للمجتمع بأكمله حتى يتمكن من
أن يحيا حياة كاملة.

نظرت إلى كل تلك الجوانب الفكرية
والأخلاقية بتقدير وإجلال, كان منهجه في
تناول مشكلات الروح أعمق كثيراً من تلك
التي وجدتها في العهد القديم، هذا عدا
أنه لم يأت لبشر دون بشر ولا لأمة بذاتها
25


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:40 am


دون غيرها, كما أن منهجه في مسألة البدن
بعكس منهج العهد الجديد، منهج إيجابي
لا يتجاهل البدن, البدن والروح معاً يكونان
البشر كتوأمين متلازمين، سألت: ألا يمكن
أن يكون ذلك المنهج هو السبب الكامن وراء
الإحساس بالأمن والتوازن الفكري والنفسي
الذي يميز العرب والمسلمين: 166 - 168).
26
-3-
بعد أن غادر سوريا بقي شهوراً في تركيا
في طريق عودته إلى أوروبا لتنتهي رحلته
الأولى إلى العالم الإسلامي.

(بدأت انطباعاتي عن تركيا تفقد حيويتها
وأنا في القطار المتوجه إلى فيينا وما ظل
راسخاً هو الثمانية عشر شهراً التي قضيتها
في البلاد العربية, صدمني إدراكي أن
أتطلع إلى المشاهد الأوروبية التي اعتدتها
بِعَيْنَيِّ مَنْ هو غريب عنها, بدا الناس في
نظري في غاية القبح، وحركاتهم خالية من
الرّقة, ولا علاقة مباشرة بين حركاتهم وما
يدرونه ويشعرون به أدركت فجأة أنه على
الرغم من المظاهر التي تنبئ بأنهم يعرفون
ما يريدون إلا أنهم لا يعرفون أنهم يحيون
27
في عالم الادّعاء والتَّظاهر, اتضح لي أن
حياتي بين العرب غيَّرت منهجي ورؤيتي لما
كنت أعده مهماً وضرورياً للحياة, تذكرت
بشيء من الدهشة أن أوروبيين آخرين قد
مروا بتجارب حياتية مع العرب وعايشوهم
أزماناً طويلة فكيف لم تعتريهم دهشة
الاكتشاف كما اعترتني أم أن ذلك قد وقع
لهم أيضا؟ هل اهتز أحدهم من أعماقه
كما حدث لي: 178 - 179).

(توقفت بضعة أسابيع في فيينا واحتفلت
بتصالحي مع أبي الذي سامحني على ترك
دراستي الجامعية ومغادرتي منزل الأسرة
بتلك الطريقة الفجَّة, على أي حال كنت
مراسلاً لجريدة «فرانكفوت زيتونج» وهو
اسم يلقى التقدير والتبجيل في وسط
أوروبا في ذلك الوقت وهكذا حققت في
28
نظره مصداقية ما زعمت له قبل ذلك
من أني سأحقق ما أصبو إليه وأصل إلى
القمة: 179).

(رحلت بعد ذلك من فيينا مباشرة إلى
فرانكفورت لأقدم نفسي شخصياً إلى
الصحيفة التي كنت أمثلها في الخارج على
مدى عام, كنت في طريقي إليها وأنا أشد
ثقة بنفسي فالرسائل التي كنت أتلقاها من
فرانكفورت أظهرت لي أن مقالاتي كانت
تلقى كل التقدير والترحيب: 180).

(أن أكون عضوا عاملاً في مثل تلك
الصحيفة كان مصدر فخر واعتزاز لشاب
في مثل سني وعلى الرغم من أن مقالاتي
عن الشرق الأوسط قوبلت باهتمام شديد
من قِبَلِ جميع المحررين إلا أن نصري
الكامل تحقَّق في اليوم الذي كُلِّفْتُ فيه أن
29
أكتب مقالاً افتتاحياً بالصحيفة عن مشكلة
الشرق الأوسط: 182).

(كان من نتائج عملي في جريدة «فرانكفورت
زيتونج» النضج المبكر لتفكيري الواعي كما
نتجت عنه رؤية ذهنية أكثر وضوحاً من
أي وقت مضى, فبدأت في مزج خبرتي
بالشرق بعالم الغرب الذي أصبحت جزءاً
منه من جديد.

منذ عدة شهور مضت اكتشفت العلاقة بين
الاطمئنان النفسي والعاطفي السائد في
نفوس العرب وعقيدة الإسلام التي يؤمنون
بها, كما بدأ يتبلور في ذهني أن نقص
التكامل النفسي الداخلي للأوروبيين وحالة
الفوضى اللاأخلاقية التي تسيطر عليهم
قد تكون ناتجة من عدم وجود إيمان ديني
وقد تكونت الحضارة الغربية في غيابه, لم
30
ينكر الغربي الإله إلا أنه لم يترك له مكاناً
في أنساقه الفكرية: 182).

بعد عودته إلى أوروبا من رحلته كان يحس
بالملل إحساس مَنْ أجبر على التوقف قبل
التوصل إلى كشف عظيم سيميط عن نفسه
الحجب لو أتيح له مزيد من الوقت.

كان يتوق إلى العودة إلى الشرق مرة أخرى, وقد
تحقَّق له ما أراد إذ أن رئيس تحرير الجريدة
الدكتور هنري سيمون –الذي كان في ذلك
الوقت مشهوراً في أرجاء العالم– قد رأى فيه
مراسلاً صحفياً واعداً فوافق بحماس على
عودته إلى الشرق الأوسط بسرعة.
31
-4-
عاد إلى الشرق ليقضي عامين آخرين
بين مصر وبلاد الشام والعراق وإيران
وأفغانستان عاد من أوروبا وفي ذهنه صورة
عن عالم الغرب ظلّت تزداد في ذهنه مع
الأيام رسوخاً وثباتاً عبر عن هذه الصورة
فيما يأتي: (حقاً إن الإنسان الغربي قد
أسلم نفسه لعبادة الدَّجَّال لقد فقد منذ
وقت طويل براءته, وفقد كل تماسك داخلي
مع الطبيعة, لقد أصبحت الحياة في نظره
لغزاً, إنه مرتاب شكوك ولذا فهو منفصل
عن أخيه, ينفرد بنفسه ولكي لا يهلك في
وحدته هذه فإن عليه أن يسيطر على
الحياة بالوسائل الخارجية، وحقيقة كونه
على قيد الحياة لم تعد وحدها قادرة على
32
أن تشعره بالأمن الداخلي, ولذا فإن عليه
أن يكافح دائماً وبألم في سبيل هذا الأمن
من لحظة إلى أخرى, وبسبب أنه فَقَدَ كل
توجيه ديني وقرر الاستغناء عنه فإن عليه أن
يخترع لنفسه باستمرار حُلفاء ميكانيكيين،
ومن هنا نما عنده الميل المحموم إلى التقنية
والتمكن من قوانينها ووسائلها, إنه يخترع
كل يوم آلات جديدة ويعطى كلا منها بعض
روحه كيما تنافح في سبيل وجوده, وهي
تفعل ذلك حقاً ولكنها في الوقت نفسه
تخلق له حاجات جديدة, ومخاوف جديدة
وظمأ لا يروى إلى حلفاء جدد آخرين أكثر
اصطناعية, وتضيع روحه في ضوضاء الآلة
الخانقة التي تزداد مع الأيام قوة وغرابة,
وتفقد الآلة غرضها الأصلي –أي أن تصون
وتغني الحياة الإنسانية- وتتطور إلى صنم
33
بذاته, صنم من فولاذ, ويبدو أن كهنة هذا
المعبود والمبشرين به غير مدركين أن سرعة
التقدم التقني الحديث هي نتيجة ليس لنمو
المعرفة الإيجابي فحسب بل لليأس الروحي
أيضاً, وأن الانتصارات المادية العظمى
التي يعلن الإنسان الغربي أنه بها يستحق
السيادة على الطبيعة هي في صميمها ذات
صفة دفاعية فخلف واجهتها البرَّاقة يكمُن
الخوف من الغيب, إن الحضارة الغربية
لم تستطع حتى الآن أن تقيم توازناً بين
حاجات الإنسان الجسمية والاجتماعية
وبين أشواقه الروحية لقد تخلّت عن آداب
دياناتها السابقة دون أن تتمكَّن أن تخرج من
نفسها أي نظام أخلاقي آخر –مهما كان
نظرياً– يخضع نفسه للعقل, بالرغم من كل
ما حققته من تقدم ثقافي فإنها لم تستطع
34
حتى الآن التغلُّب على استعداد الإنسان
الأحمق للسقوط فريسة لأي هتاف عدائي
أو نداء للحرب مهما كان سخيفاً باطلاً
يخترعه الحاذقون من الزعماء.. الأمم
الغربية وصلت إلى درجة أصبحت معها
الإمكانات العلمية غير المحدودة تصاحب
الفوضى العملية, وإذا كان الغربي يفتقر
إلى توجيه ديني حاذق فإنه لا يستطيع أن
يفيد أخلاقياً من ضياء المعرفة الذي تسكبه
علومه وهي لا شك عظيمة, إن الغربيين
–في عمى وعجرفة– يعتقدون عن اقتناع
أن حضارتهم هي التي ستنير العالم وتحقق
السعادة, وأن كل المشاكل البشرية يمكن
حلها في المصانع والمعامل وعلى مكاتب
المحللين الاقتصاديين والإحصائيين, إنهم
بحق يعبدون الدَّجَّال: 373).
35


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:42 am


في هذه الرحلة الثانية أمكنه أن يُتقن اللغة
العربية, ولذلك فبدل أن ينظر إلى الإسلام
بعين غيره من المستشرقين ومترجمي القرآن
غير المسلمين صار في إمكانه أن ينظر إلى
الإسلام في تراثه الثقافي كما هو, لم يعد
على اعتقاده السابق استحالة أن يتفهَّم
الأوروبي بوعي العقلية الإسلامية, أيقن أنه
لو تحرَّر المرء تماماً من عاداته التي نشأ عليها
ومناهجها الفكرية وتقبَّل مفهوم أنها ليست
بالضرورة الأساليب الصحيحة في الحياة
لأمكنه أن يفهم ما يبدو غريباً في نظره من
الإسلام, كانت فكرته عن الإسلام تتطور
وتنمو طوال هذه الرحلة الثانية التي أمكنه
فيها أن يختلط بالشعوب ويناقش العلماء,
ويتصل بالزعماء.

(كان التفكير في الإسلام يشغل ذهني،
36
إن الأمر بدا لي في ذلك الوقت أنه رحلة
لاستكشاف ما أجهله من تلك المناطق, كان
كل يوم يمر يضيف إليَّ معارف جديدة,
ويطرح أسئلة جديدة لأجد إجاباتها تأتي
من الخارج, جميعها أيقظت شيئاً ما كان
نائماً في أعماقي وكلما نَمَتْ معارفي عن
الإسلام كنت أشعر مرة بعد أخرى أن
الحقائق الجوهرية التي كانت كامنة في
أعماقي من دون أن أعي وجودها بدأت
تنكشف تدريجياً ويتأكد تطابقها مع
الإسلام: 255).

كان اليقين ينمو في داخله بأنه يقترب من
إجابة نهائية عن أسئلته, بتفهمه لحياة
المسلمين كان يقترب يومياً من فهم أفضل
للإسلام, وكان الإسلام دائماً مسيطراً على
ذهنه.

(لايوجد في العالم بأجمعه ما يبعث
37
في نفسي مثل تلك الراحة التي شعرت بها
والتي أصبحت غير موجودة في الغرب
ومهدَّدة الآن بالضياع والاختفاء من الشرق,
تلك الرَّاحة وذلك الرضا اللذان يعبران
عن التوافق الساحر بين الذات الإنسانية
والعالم الذي يحيط بها: 238).

بهذه الروح من التسامح تجاه الآخر استطاع
بسهولة أن يتخلّص من ان خداع الرجل
الغربي وإساءته فهم الإسلام بسبب ما يراه
من تخلّف وانحطاط في العالم الإسلامي.

(الآراء الشائعة في الغرب عن الإسلام
تتلخص فيما يأتي: «انحطاط المسلمين
ناتج عن الإسلام وأنه بمجرد تحررهم من
العقيدة الإسلامية وتبني مفاهيم الغرب
وأساليب حياتهم وفكرهم فإن ذلك سيكون
أفضل لهم وللعالم» إلا أن ما وجدته من
38
مفاهيم وما توصلت إلى فهمه من مبادئ
الإسلام وقِيَمِهِ أقنعني أن ما يُرَدِّدُهُ الغرب
ليس إلا مفهوماً مشوَّهاً للإسلام... اتضح
لي أن تخلّف المسلمين لم يكن ناتجاً عن
الإسلام, ولكن لإخفاقهم في أن يحيوا
كما أمرهم الإسلام.. لقد كان الإسلام هو
ما حمل المسلمين الأوائل إلى ذُرَى فكرية
وثقافية سامية (243 – 244).

(وَفَّرَ الإسلام باختصار حافزاً قوياً إلى
التقدم المعرفي والثقافي والحضاري الذي
أبدع واحدة من أروع صفحات التاريخ
الإنساني, وقد وَفَّرَ ذلك الحافز مواقف
إيجابية عندما حدَّد في وضوح نَعَمْ للعقل
ولا لظلام الجهل, نعم للعمل والسعي
ولا للتقاعد والنُّكُوص, نعم للحياة ولا للزُّهد
والرَّهبنة, ولذلك لم يكن عجباً أن يكتسب
39
الإسلام أتباعاً في طفرات هائلة بمجرد
أن جاوز حدود بلاد العرب, فقد وَجَدَتْ
الشُّعوب التي نشأت في أحضان مسيحية
القديس بولس والقديس أوجستين... ديناً لا
يقر عقيدة ومفهوم الخطيئة الأولى.. ويؤكد
كرامة الحياة البشرية, ولذلك دخلوا في دين
الله أفواجاً، جميع ذلك يُفَسّر كيفية انتصار
الإسلام وانتشاره الواسع والسَّريع في بداياته
التاريخية ويُفَنِّدْ مزاعم مَنْ روَّجُوا أنه انتشر
بحد السيف, لم يكن المسلمون إذاً هم مَنْ
خلقوا عظمة الإسلام, بل كان الإسلام مَنْ
خلق عظمة المسلمين, وبمجرد أن تحوَّل
إيمانهم إلى عادة, وابتعد أن يكون منهجاً
وأسلوباً للحياة خبا وهج النَّبض الخلَّاق في
تلك الحضارة وحَلَّ محلها تدريجياً التَّقاعُسَ
والعُقم وتحلل الثقافة: 246).
40
كان ذكاؤه الحاد ونفاذ بصيرته, ونهمه إلى
الاطلاع على التُّراث الفكري للمسلمين
يُعَمِّقُ معرفته بالإسلام فيُبَصِّرَهُ على
حقيقته (كانت صور نهائية متكاملة عن
الإسلام تتبلور في ذهني, كان يدهشني في
أوقات كثيرة أنها تتكون داخلي بما يشبه
الارتشاح العقلي والفكري أي أنها تتم من
دون وعي وإرادة مني, كانت الأفكار تتجمع
ويضمها ذهني بعضها إلى بعض في عملية
تنظيم ومنهجة لكل الشذرات من المعلومات
التي عرفتها عن الإسلام.

رأيت في ذهني عملاً عمرانياً متكاملاً
تتضح معالمه رويداً رويداً بكل ما تحتويه من
عناصر الاكتمال, وتناغم الأجزاء والمكونات
مع الكل المتكامل في توازن لا يخل جزء
منه بآخر, توازن مقتصد بلا خلل, ويشعر
41
المَرْءُ أن منظور الإسلام ومسلماته كلها
في موضعها الملائم الصحيح من الوجود:
381).

(كانت أهم صفة بارزة لحضارة الإسلام
وهي الصفة التي انفردت بها عن الحضارات
البشرية السابقة أو اللاحقة أنها منبثقة من
إرادة حرة لشعوبها, لم تكن مثل حضارات
سابقة وليدة قهر وضغط وإكراه وتصارع
إرادات وصراع مصالح, ولكنها كانت جزءاً
وكلاً من رغبة حقيقية أصيلة لدى جميع
المسلمين مُسْتَمَدَّةٌ من إيمانهم بالله وما
حثَّهم عليه من إعمال فكر وعمل, لقد
كانت تعاقداً اجتماعياً أصيلاً لا مجرد
كلام أجوف يدافع به جيل تال عن امتيازات
خاصة بهم... لقد تحققت أن ذلك العقد
الاجتماعي الوحيد المسجل تاريخياً تحقَّق
42
فقط على مدى زمني قصير جداً, أو على
الأصح أنه على مدى زمني قصير تحقَّق
العقد على نطاق واسع, بعد أقل من مائة
سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
بدأ الشكل النقي الأصيل للإسلام يدب فيه
الفساد وفي القرون التالية بدأ المنهج القويم
يُزاح إلى الخلفية... لقد حاول المفكرون
الإسلاميون أن يحفظوا نقاء العقيدة إلا
أن من أتوا بعدهم كانوا أقل قدرة من
سابقيهم, وتقاعسوا عن الاجتهاد.. وتوقفوا
عن التفكير المبدع والاجتهاد الخلَّاق...

كانت القوة الدافعة الأولى للإسلام كافية
لوضعه في قمة سامية من الرُّقي الحضاري
والفكري.. وهذا ما دفع المؤرخين إلى وصف
تلك المرحلة بالعصر الذهبي للإسلام, إلا
أن القوة الدافعة قد ماتت لنقص الغذاء
43
الروحي الدافع لها وركدت الحضارة
الإسلامية عصراً بعد عصر لافتقاد القوة
الخلَّاقة المُبدعة, لم يكن لدي أوهام عن
الحالة المعاصرة للعالم الإسلامي, بَيَّنَتْ
الأعوام الأربعة التي قضيتُها في مجتمعات
إسلامية أن الإسلام مازال حياً وأن الأمة
الإسلامية متمسّكة به بقبول صامت لمنهجه
وتعاليمه إلا أن المسلمين كانوا مشلولين
غير قادرين على تحويل إيمانهم إلى أفعال
مثمرة، إلا أن ما شغلني أكثر من إخفاق
المسلمين المعاصرين في تحقيق منهج
الإسلام الإمكانيات المتضمنة في المنهج
ذاته, كان يكفيني أن أعرف أنه خلال مدى
زمني قصير.. كانت هناك محاولة ناجحة
لتطبيق هذا المنهج, وما أمكن تحقيقه في
وقت ما يمكن تحقيقه لاحقاً, ما كان يهمني
44
–كما فكرت في داخلي– أن المسلمين شردوا
عن التعليمات الأصلية للدين...
ما الذي حدث وجعلهم يبتعدون عن المثاليات
التي علمهم إياها الرسول (صلى الله عليه وسلم)
منذ ثلاثة عشر قرناً مضت ما دامت تلك التعليمات
لا تزال متاحة لهم إن أرادوا الاستماع إلى
ما تحمله من رسالة سامية؟ بدا لي كلما
فكرت أننا نحن في عصرنا الحالي نحتاج
إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر من هؤلاء الذين
عاشوا في عصر محمد (صلى الله عليه وسلم).
لقد عاشوا في بيئات وظروف أبسط كثيراً مما
نعيش فيه الآن, ولذلك كانت مشكلاتهم أقل
بكثير من مشكلاتنا... العالم الذي كنت أحيا فيه
–كله– كان يتخبط لغياب أي رؤية عامة
لما هو خير وما هو شر.... لقد أحسست
بيقين تام.. أن مجتمعنا المعاصر يحتاج
45


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:44 am


إلى أسس فكرية عقائدية توفر شكلاً من
أشكال التعاقد بين أفراده, وأنه يحتاج إلى
إيمان يجعله يدرك خواء التقدم المادي من
أجل التقدم ذاته, وفي الوقت نفسه يعطي
للحياة نصيبها, إن ذلك سيدلنا ويرشدنا
إلى كيفية تحقيق التوازن بين احتياجاتنا
الروحية والبدنية, وأن ذلك سينقذنا من
كارثة محققة نتجه إليها بأقصى سرعة...

في تلك الفترة من حياتي شَغَلَتْ فِكْرِي
مشكلة الإسلام كما لم يشغل ذهني شيء
آخر من قبل, قد تجاوزت مرحلة الاستغراق
الفكري والاهتمام العقلي بدين وثقافة
غريبين, لقد تحوَّل اهتمامي إلى بحث
محموم عن الحقيقة: 380 - 386).

لقد صار في إمكانه أن يُمَيِّزَ بين ما هو من
الإسلام وما هو غريب عنه في تصورات
46
المسلمين وسلوكهم, في رحلته الأولى
رأى حلقة ذكر يقيمها الصُّوفية في أحد
مساجد «سكوتاري» في تركيا وصفها بهذه
العبارات: (كانوا يقفون في محيط واحد
فاستداروا في نصف دروة ليقابل كل واحد
منهم الآخر أزواجاً, كانوا يعقدون أذرعهم
على صدورهم وينحنون انحناءة شديدة
وه م يستديرون بجذوعهم في نصف
دائرة.. في اللحظة التالية }كانوا{ يقذفون
أذرعهم في الاتجاه المعاكس الكف اليمنى
ترتفع والكف اليسرى تنزل إلى الجانب,
وتخرج من حلوقهم مع كل نصف انحناءه
واستدارة أصوات مثل غناء هامس «هو» ثم
يطوحون رؤوسهم للخلف مغمضين أعينهم
ويجتاح ملامحهم تقلص ناعم, ثم تتصاعد
وتتسارع إيقاعات الحركة وترتفع الجلاليب
47
لتكون دائرة متسعة حول كل درويش مثل
دوامات البحار.. تحولت الدائرة إلى
دوامات, اجتاحهم الانهماك, وشفاههم
تكرر بلا نهاية «هو, هو 251 : »).

وفي الرحلة الثانية يتذكَّر حلقة الذكر هذه
ويعلق عليها: (اتضحت في ذهني معان لم
تبد لي عندما شاهدت حلقة الذكر }في
سكوتاري{, كان ذلك الطقس الديني لتلك
الجماعة –وهي واحدة من جماعات كثيرة
شاهدتها في مختلف البلاد الإسلامية– لا
يتفق مع صورة الإسلام التي كانت تتبلور
في ذهني..

تبيَّن لي أن تلك المُمَارسَات والطقوس
دخيلة على الإسلام من جهات ومصادر
غير إسلامية, لقد شابت تأملات
المتصوفة وأفكارهم أفكار روحية هندية
ومسيحية, مما أضفى على بعض ذلك
48
التصوف مفاهيم غريبة عن الرسالة التي
جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم, أكدت
رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن السببية
العقلية هي السبيل للإيمان الصحيح بينما
تبتعد التأملات الصوفية وما يترتب عليها
}من سلوك{ عن ذلك المضمون.

والإسلام قبل أي شيء مفهوم عقلاني لا عاطفي
ولا انفعالي, الانفعالات مهما تكن جياشة
معرضة للاختلاف والتَّباين باختلاف
رغبات الأفراد وتباين مخاوفهم بعكس
السببية العقلية, كما أن الانفعالية غير
معصومة بأي حال: 253).

طول العامين اللذين قضاهما في رحلته
الثانية في العالم الإسلامي كان بعقله
ومعلوماته يتقدَّم بسرعة في الطريق إلى
الإسلام, لقد وعى ذلك وهو يعدو بجواده
49
فوق جبال إيرانية مغطاة بالثلج الأبيض.

(بدا العالم كله مبسوطاً أمامي في رحابة
لا تنتهي بدا شفَّافاً في عيني كما لم يبد
من قبل, رأيت نمطه الداخلي الخفي,
وأحسست بنبضه الدفين في تلك الأصقاع
البيضاء الخالية, واندهشت من خفاء ذلك
علي منذ دقيقة مضت, وأيقنت أن كل
الأسئلة التي تبدو بلا إجابة ماثلة أمامنا
في انتظار أن ندركها, بينما نحن –الحمقى
المساكين– نطرح الأسئلة وننتظر أن تفتح
الأسرار الإلهية نفسها لنا بينما تنتظر تلك
الأسرار أن نفتح نحن أنفسنا لها, مَرَّ أكثر
من عام بين انطلاقي المجنون على جوادي
فوق الجليد والبرد قبل أن اعتنق الإسلام,
ولكن حتى في ذلك الوقت قبل إسلامي
كنت أنطلق –دون أن أعي ذلك– في خط
50
مستقيم كمسار السَّهم المنطلق باتجاه مكة
المكرمة: 274 - 275).

(كنت في طريقي من مدينة هراة... توجهنا
إلى قرية دهزانجي, جلسنا في اليوم
التالي حول غداء وافر كالمعتاد }في بيت
الحاكم{ وبعد الغداء قام رجل من القرية
بالترفيه عنا... غنَّى على ما أذكر عن
معركة داوود وجالوت, عن الإيمان عندما
يواجه قوة غاشمة... علّق الحاكم في نهاية
الأغنية قائلاً: «كان داوود صغيراً إلا أن
إيمانه كان كبيراً فلم أتمالك نفسي وقلت
باندفاع: «وأنتم كثيرون وإيمانكم قليل»
نظر إليَّ مُضيفي مندهشاً فخجلت مِمَّا
قلت من دون أن أتمالك نفسي وبدأت
بسرعة في توضيح ما قلت واتخذ تفسيري
شكل أسئلة متعاقبة كسيل جارف, قلت:
51
«كيف حدث أنكم معشر المسلمين فقدتم
الثقة بأنفسكم تلك الثقة التي مكنتكم من
نشر عقيدتكم في أقل من مائة عام حتى
المحيط الأطلسي.. وحتى أعماق الصين,
والآن تستسلمون بسهولة وضعف إلى
أفكار الغرب وعاداته؟ لماذا لا تستجمعون
قوتكم وشجاعتكم لاستعادة إيمانكم الفعلي
كيف يصبح أتاتورك ذلك المتنكر التافه
الذي ينكر كل قيمة للإسلام, رمزاً لكم في
الإحياء والنهوض والإصلاح؟».

ظل مضيفي صامتاً.. كان الثلج قد بدأ
في التساقط خارجاً, وشعرت مرة أخرى
بموجة من الأسى مختلطة مع تلك السعادة
الداخلية التي شعرت بها ونحن نقترب من
دهزانجي أحسست بالعظمة التي كانت
عليها تلك الأمة, وبالخِزي الذي يُغَلِّف
52
ورثتها المعاصرين.

أردفت مكملاً أسئلتي: «قل لي كيف دفن
علماؤكم الإيمان الذي أتى به نبيكم بصفاءه
ونقاءه؟ كيف حدث أن نبلاءكم وكبار ملاك
أراضيكم يغرقون في الملذَّات بينما يغرق
أغلب المسلمين في الفقر.. مع أن نبيكم
علّمَكُم أنه لا يؤمن أحَدُكُم أن يشبع وجاره
جائع؟ هل يمكن أن تُفسر لي كيف دفعتم
النساء إلى هامش الحياة مع أن النساء في
حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة
ساهمن في شؤون حياة أزواج هن؟».

كان مضيفي ما يزال يُحملق فيَّ دون كلمة,
وبدأت أعتقد أن انفجاري ربما سَبَّبَ له ضيقاً,
في النهاية، جذب الحاكم ثوبه الأصفر الواسع
وأحكمه حول جسمه.. ثم همس:
«ولكن أنت مسلم».

ضحكت وأجبته: «كلا لست مسلماً ولكني
53
رأيت الجوانب العظيمة في رسالة الإسلام
مما يجعلني أشعر بالغضب وأنا أراكم
تُضَيْعُونَهُ, سامحني إن تحدثت بِحِدَّةٍ, أنا
لست عدواً على أي حال» إلا أنَّ مضيفي
هَزَّ رأسه قائلاً: كلا أنت كما قلت لك مسلم
إلا أنك لا تعلم ذلك, لماذا لا تعلن الآن هنا:
أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّداً رسول
الله, وتصبح مسلماً بالفعل بدلاً من أن
تكون مسلماً بقلبك فقط «قلت له»: لو قلتها
في أي وقت فسأقولها عندما يستقر فكري
عليها ويستريح لها «استمر إصرار الحاكم:
ولكنك تعرف عن الإسلام أكثر مما يعرفه
أي واحد منا، ما الذي لم تعرفه أو تفهمه
بعد؟» قلت له: «الأمر ليس مسألة فهم بل
أن أكون مقتنعاً, أن أقتنع أن القرآن الكريم
هو كلمة الله, وليس ابتداعاً ذكياً لعقلية
54
بشرية عظيمة» ولم تُمْحَ كلمات صديقي
الأفغاني من ذهني على مدى شهور طويلة:
376–375).
55


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad_M_Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 21074
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: محمد أسد في الطريق إلى مكة   29/01/18, 04:46 am


-5-
بعد شهور من هذه الحادثة كان ينطق
بالشهادة أمام رئيس رابطة المسلمين في
برلين، كان قد رجع إلى أوروبا من رحلته
الثانية التي استغرقت عامين من التجوال
في العالم الإسلامي فعرف أن اسمه أصبح
من الأسماء المعروفة.. وأنه أصبح واحداً
من أشهر مراسلي الصحف وسط أوروبا,
بعض مقالاته لقيت ما يفوق الاعتراف
بأهميتها, وتلقى دعوة لإلقاء سلسلة
من المحاضرات في أكاديمية الجغرافيا
السياسية في برلين, ولم يحدث كما قيل له
أن رجلاً في مثل عمره: (السادسة والعشرين)
قد حقَّق ذلك التميُّز, وأعيد نشر مقالاته
الأخرى في صحف كثيرة حتى أن واحدة
56
من تلك المقالات نشرت في ثلاثين مطبوعة
مختلفة.

ولكن بعد عودته واتصاله من جديد
بأصدقاء الفكر والثقافة في برلين,
ومناقشته معهم قضية الإسلام أحسَّ أنه
وإياهم لم يعودوا يتحدَّثُون من المُنطلقات
الفكرية نفسها, شعر بأن مَنْ يرون منهم أن
الأديان القديمة أصبحت شيئاً من الماضي
وهم الأغلبية ومَنْ كانوا لا يرفضون الأديان
رفضاً كلياً, كانوا كلهم يميلون بلا سبب
إلى تبنّي المفهوم الغربي الشائع الذي يرى
أن الإسلام يهتم بالشئون الدينية وتنقصه
الروحانيات التي يتوَّقع المَرْءُ أن يجدها في
أي دين (ما أدهشني بالفعل أن أكتشف أن
ذلك الجانب من الإسلام هو ما جذبني
إليه من أول لحظة وهو عدم الفصل بين
57
الوجود المادي والوجود الروحي للبشر,
وتأكيد السببية العقلية سبيلاً للإيمان,
وهو الجانب ذاته الذي يعترض عليه مفكرو
أوروبا, الذين يتبنُّون السببية العقلية منهجاً
للحياة, ولا يتخلّون عن ذلك المنهج العقلاني
إلا عندما يرد ذكر الإسلام, لم أجد أي فرق
بين الأقلية المهتمة بالأديان والأغلبية التي
ترى أن الدين أصبح من المفاهيم البالية
التي عفا عليها الزمن, أدركت مع الوقت
مكمن الخطأ في منهج كل منهما، أدركت
أن مفاهيم مَنْ تَرَبَّوْا في أحضان الأفكار
المسيحية في أوروبا... تبنُّوا مفهوماً يسود
بينهم جميعاً، فمع طول تعود أوروبا نسق
التفكير المسيحي تعلّم حتى اللادينيين أن
ينظروا إلى أي دين آخر من خلال عدسات
مسيحية فيرون أي فكر ديني صالحاً لأن
58
يكون ديناً إذا غلّفته مسحة غامضة خارقة
للطبيعة تبدو خافية وفوق قدرة العقل
البشري على استيعابها, ومن منظورهم لم
يف الإسلام بتلك المتطلبات.. كنت أوقن
بأني في طريقي إلى الإسلام، وجعلني تردد
اللحظة الأخيرة أؤجل الخطوة النهائية التي
لا مفر منها, كانت فكرة اعتناق الإسلام
تمثل لي عبور قنطرة فوق هاوية تفصل بين
عالمين مختلفين تماماً، قنطرة طويلة حتى إن
المرء عليه أن يصل إلى نقطة اللاعودة أولاً
قبل أن يتبيَّن الطرف الآخر للقنطرة, كنت
أعي أني لو اعتنقت الإسلام لاضطررت
إلى خلع نفسي نهائياً من العالم الذي ولدت
ونشأت فيه, لم تكن هناك حلول أخرى،
فلم يكن ممكناً لامرئٍ مثلي أن يتبع دعوة
محمد (صلى الله عليه وسلم) ويظل بعدها
محتفظاً بروابطه مع...
59
مجتمع يتصف بثنائية المفاهيم المتعارضة
والمتناقضة, كان سؤالي الأخير الذي كنت
متردداً أمامه هو: هل الإسلام رسالة من
عند الله أم أنه حصيلة حكمة رجل عظيم؟:
289-287).

ولم يمكث غير بعيد حتى جاءت الإجابة,
لقد اتصل من جديد بحياة الغرب مباشرة,
ورأى مبلغ التعاسة والشقاء الذي يعانيه
الغربيون ولكنهم لا يَعُوْنَهُ أو لا يعون سببه,
كان في القطار مع زوجته، وشغل نفسه
بالتطلع إلى وجوه الناس (بدأت أتطلع
حولي إلى الوجوه.. كانت جميعاً وجوها
تنتمي إلى طبقة تنعم بلبس ومأكل جيدين
ولكنها كانت تشي بتعاسة داخلية عميقة
ومعاناة واضحة على الملامح، تعاسة عميقة
حتى أن أصحابها لم يدركوا ذلك.. كنت
60
أوقن بأنهم غير واعين وإلا لما استمروا في
إهدار حياتهم على هذا المنوال من دون أي
تماسك داخلي ومن دون أي هدف أسمى
من مجرد تحسين معيشتهم ومن دون أمل
يزيد على الاستحواذ المادي الذي من الممكن
أن يحقق لهم مزيداً من السيطرة: 290).

جاءت الإجابة حين قرأ القرآن فور عودته
إلى بيته –وكانت تلك التجربة التي مر بها
في القطار لا تزال حية في تفكيره-.

(وقفت لحظات مشدوهاً وأنا أحبس
أنفاسي، وأحسست أن يدي ترتجفان...
لقد كان القرآن يتضمَّن الإجابة، إجابةً
حاسمةً قضت على شكوكي كلها وأطاحت
بها بلا رجعة، أيقنت يقيناً تامَّاً أن القرآن..
من عند الله: 291).
61
-6-
بعد إسلامه بست سنوات كتب مؤلفه
(الإسلام على مفترق الطرق) وقال في
مقدمته: (هذا السُّؤال يُلقى عَلَيَّ مَرَّةً بعد
مَرَةٍ, لماذا اعتنقت الإسلام؟ وما الذي جذبك
منه خاصة؟ يجب أن اعترف بأني لا أعرف
جواباً شافياً، لم يكن الذي جذبني تعليماً
خاصاً من تعاليمه, بل ذلك البناء المجموع
العجيب, المتراص بما لا تستطيع له تفسيراً
من تلك التعاليم الأخلاقية بالإضافة إلى
منهاج الحياة العملية, ولا أستطيع اليوم أن
أقول أي النواحي استهوتني أكثر من غيرها,
لقد بدا لي الإسلام مثل تكوين هندسي
مُحْكَم البناء, كل أجزائه قد صُمِّمَتْ ليُكمل
بعضها البعض, وليدعم بعضها بعضاً, ليس
62
فيها شيء زائد عن الحاجة, وليس فيها ما
ينقص عنها, وناتج ذلك كله توازن مطلق,
وبناء محكم ربما كان شعوري بأن كل ما في
الإسلام من تعاليم وضع موضعه الصحيح
هو ما كان له أعظم الأثر عَلَيَّ.

لقد سَعَيْتُ بِجِدٍ أن أتعلّمَ عن الإسلام كل ما
أستطيع أن أتعلّمُه, درست القرآن وأحاديث
النبي (صلى الله عليه وسلم) درس ت لغة
الإسلام وتاريخه وقدراً كبيراً مما كُتِبَ عن
الإسلام وما كُتِبَ ضده, وأقمت ست سنوات
تقريباً في نجد والحجاز معظمها في مكة والمدينة
بغرض أن أتصل مباشرة ببيئة الإسلام الأصلية،
وبما أن المدينتين مكان اجتماع المسلمين من
مختلف الأقطار فقد تمكَّنت من الاطلاع
على مختلف الآراء الاجتماعية والدينية
السائدة حالياً في العالم الإسلامي.
63
وكل هذه الدّراسات والمُقارنات خلقت لديَّ
اعتقاداً راسخاً أن الإسلام كظاهرة روحية
واجتماعية لا يزال أقوى قوة دافعة عرفها
البشر رغم كل مظاهر التَّخَلّف التي خلّفها
ابتعاد المسلمين عن الإسلام) الإسلام على
مفترق الطرق، ط 1982 م ص 11 ، 12).

وكتب في خاتمة المؤلف نفسه ما يأتي:
ما هي مشكلة الإسلام (اليوم)؟ هل هي في
الحقيقة ما يريد منا أعداؤنا والانهزاميون
بيننا أن نُصَدِّقَهُ: أن قوته قد استنفدت؟
هل انقضى زمن فائدته؟ وهل أعطى العالم
كل ما يمكن أن يعطيه؟ إذا كنا نؤمن بأن
الإسلام ليس مجرد ثقافة بين عدد من
الثقافات, وليس مجرد فكر بشري بين
عدد من الأفكار.

بل هو قوة منتجة للثقافة، شرع أنزله الله
64
تعالى لتتبعه البشرية في كل زمان وفي كل
مكان, فإن وجهة النظر إليه تتغير تماماً.

وإذا كان منهاج الإسلام إنما هو نتيجة لاتباع
شريعة الوحي, فإننا لا يمكن أن نقرر –كما
في الثقافات البشرية– أنه مقيد بمرور
زمن معين أو محدد بفترة معينة.

وما يظهر من ضعف في الإسلام ليس إلا
موتاً وفراغاً في قلوبنا التي صارت غافلة
ولاهية إلى درجة أعجزتنا عن سماع صوت
(الحق) الخالد... ولا تظهر إشارة إلى أن
البشرية في حالتها الحاضرة قد تجاوزت
الإسلام, فلم تتمكن من إنتاج نظام أخلاقي
خير مما تضمنه الإسلام, ولم تتمكن من
وضع فكرة الأخوة البشرية على أساس
عملي كما فعل الإسلام في معنى الأمة, ولم
تتمكن من إيجاد بنية اجتماعية تتناقص
65
فيها الخلافات والخصومات بين أعضائها
إلى الحد الأدنى كما في شريعة الإسلام
في تنظيمها المجتمع, ولم تتمكن من إعلاء
كرامة الإنسان وشعوره بالأمن ورجاءه
الأخروي –وأخيراً وليس آخراً– سعادته.

في كل هذه الأشياء فإن الإنجازات الحديثة
للبشرية تقصر بوضوح عما حققه الإسلام
فأين المُسَوّغُ –إذاً– لمقولة: إن الإسلام قد
انتهى زمنه؟

لدينا كل الأسباب لنعتقد أن الإسلام
قد دلت عليه كل الإنجازات البشرية
الصحيحة, لأنه قررها وأشار إلى صحتها
قبل تحقيقها بزمن طويل. ومساوياً لذلك
فقد دلّت عليه أيضاً النواقص والأخطاء
والعقبات التي صاحبت التطور البشري,
لأنه حَذَّرَ منها بقوة ووضوح قبل أن يتبيَّن
66
البشر هذه الأخطاء بزمن طويل.

ولو صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني
للفرد فإن في وجهة النظر الفكرية حافزاً
لاتباع هداية الإسلام العملية بكل ثقة.

ولو نظرنا إلى ثقافتنا وحضارتنا من وجهة
النظر هذه فإننا بالضرورة سنصل إلى
نتيجة تؤكد أن النهضة ممكنة.

ونحن في غير حاجة إلى إصلاح الإسلام
–كما يظن بعض المسلمين– لأن الله أكمله لنا
من قبل, وما نحن في حاجة إلى إصلاحه،
إنما هو موقفنا من الدِّين، والتخلّص من
كسلنا وغُرورنا وقِصَرِ نظرنا, باختصار:
خَلَلُنَا لا خلل الإسلام كما قد يُظَنُّ.

ولكي نحقق الرُّجوع إلى أصل الإسلام نحن
في غير حاجة إلى البحث عن مبادئ جديدة
للقيادة من الخارج... نحن بلا شك يمكننا أن
67
نتلقى حوافز جديدة من الثقافات الأجنبية
ولكن لا يمكننا أن نُبَدِّلَ شريعة الإسلام
الكاملة بأي شيء من غيرها، سواء جاء
من الغرب أو من الشرق, فالإسلام بصفته
ديناً ونظاماً اجتماعياً لا يمكن أن يدخل
عليه أي تحسين أو تعديل.

وفي هذه الأحوال فإن أي تغيير فيه بسبب
تدخل التأثيرات الثقافية الأجنبية إنما هو
في الحقيقة تخلّف وهدم, وعلى ذلك فمآله
الندم العميق.

التغيير لابد منه, ولكنه لابد أن يكون
تغييراً لما بأنفسنا، وأن يكون في اتجاه
الإسلام لا بُعداً عنه.

إن الطريق مفتوح للتجديد وهذا الطريق
واضح جداً لكل مَنْ له عينان يرى بهما.

خطوتنا الأولى: أن نتجنَّب بدعة الاعتذار
68
للإسلام التي هي اسم آخر للانهزامية,
مجرد غطاء لعدم ثقتنا به.

والمرحلة الثانية: لابد أن يكون اتباعنا
الواعي الحازم لسُنَّةِ النبي (صلى الله عليه وسلم).

إذ أن السُّنَّةَ ما هي إلا تعاليم الإسلام مترجمة عملياً
–لا أكثر ولا أقل– وبتنفيذها –بصفتها المعيار الأكمل–
في متطلبات الحياة اليومية سنتمكن بسهولة من
التمييز بين أي حوافز الحضارة الغربية يمكن
قبوله وأيها يجب رفضه.

وبدلاً من إخضاع الإسلام لنماذج فكرية
أجنبية لابد أن نتعلَّم مرةً أخرى النظر إلى
الإسلام على أنه النُّموذج الذي يُحْكَمُ به
على العالم.

إن حصيلة هذا الجهد يمكن أن تكون
انبعاث فقه جديد، مطابق تماماً للقرآن
69
وسُنَّةِ الرسول (صلى الله عليه وسلم) وسيرته.

وفي الوقت نفسه يواجه متطلبات العصر,
كما واجه الفقه القديم متطلبات عصره.

لن نتقدَّم مرةً أخرى إلا إذا استعدنا ثقتنا
بأنفسنا.

ولن نصل إلى هذا الهدف بتدمير نُظُمِنَا
الاجتماعية وتقليد حضارة أجنبية, أجنبية
عن ديننا وليس عن محيطنا التاريخي
والجغرافي فحسب.

وقد بَيَّنَ اللهُ لنا الطريق في كتابه المبين بقوله تعالى:
(لقَدْ كَانَ لكَمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَة حَسَنَةٌ لّمِن كَانَ يرْجُو اللَّهَ وَاليْوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21 سورة الأحزاب).
70


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
محمد أسد في الطريق إلى مكة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: الطريق إلى مكة-
انتقل الى: