منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 12:53 am

بسم الله الرحمن الرحيم
أحـكـــام هِـبـَـــةُ الأولاد
الدكتـــور: عبــد المحـسن بن محمد المنيف
غـفـــــر الله لـه ولـوالـديه ولـلـمـسـلـمـــين
منشورات مجلة البحوث الفقهية المعاصــرة
==========================
التمهيد
في التعريف بالهبة
المطلب الأول: تعريف الهبة:
الهبة في اللغة:
وهب له شيئاً يَهَبُ وهباً، بوزن وضع يضع وضعاً، وهباً أيضاً بفتح الهاء وهِبة بكسر الهاء، والاسم: المَوْهِب، والموهبة بكسر الهاء فيهما.

والاتهاب:
قبول الهبة والاستيهاب: سؤال الهبة.

والهبة:
العطية الخالية عن الأعواض، والأغراض، فإذا كثرت سُمِّيَ صاحبها وهَّاباً، وهو من أبنية المبالغة.

والوهَّاب:
من صفات الله المنعم على العباد، والله تعالى الوهَّاب، الواهب.

وكل ما وهب لك من ولد، وغيره فهو موهوب.

والوهوب:
الرجل الكثير الهبات.

والموهِبة:
غدير ماء صغير.

والموهبة:
السحابة تقع حيث وقعت، والجمع: مواهب.

وتقول:
هب زيداً منطلقاً، بوزن دع بمعنى أحسب، وتقول: وهبني الله فداك بمعنى جعلني (1).

والهبة اصطلاحاً:
اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفها، وقد اقتصرت على تعريف واحد لكل مذهب من المذاهب الأربعة:
1- تعريف الحنفية:
عرفها الشيخ الفقيه محمد علاء الدين بن علي الحصكفي بقوله: تمليك العين مجاناً أي بلا عِوَض (2).
--------------------------
(1)  انظر: مختار الصحاح ص737 باب الواو، فصل الهاء، مادة وهب، لسان العرب 3/099، 199، باب الواو، فصل الهاء مادة وهب، والقاموس المحيط 1/341، باب الباء فصل الواو مادة وهبه.
(2)  الدر المختار 5/786.

2- تعريف المالكية:
عرَّفها الشيخ الفقيه محمد بن عبد الله بن علي الخرشي بقوله: تمليك ذي منفعة لوجه المعطي لغير عوض.

وبيان محترزات التعريف على النحو التالي:
فأخرج بقوله ذي منفعة العاريةَ ونحوها.
وقوله لوجه المعطي أخرج الصدقة؛ فإنها لوجه الله فقط.
وأخرج بقوله: بغير عوض هبة الثواب (1).


3- تعريف الشافعية:
عرفها الشيخ الفقيه محمد بن أحمد الشربيني بقوله: التمليك لعين بلا عوض في حال الحياة تطوعاً.

وبيان محترزات التعريف على النحو التالي:
فخرج بالتمليك العارية، والضيافة، والوقف.
وبالعين الدينُ والمنفعة.
وبنفي العوض ما فيه عوض كالبيع.
وبالحياة الوصية؛ لأن التمليك فيها إنما يتم بالقبول، وهو بعد الموت.
وبالتطوع الواجبُ من زكاة، وكفارة ونحوها (2).


4- تعريف الحنابلة:
عرفها الشيخ الفقيه منصور بن يونس البهوتي بقوله: التبرع من جائز التصرف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره بما يعد هبة عرفاً.

وبيان محترزات التعريف على النحو الآتي:
فخرج بالتبرع عقود المعاوضات، كالبيع، والإجارة.
وبالتمليك الإباحة، كالعارية.
وبالمال نحو الكلب.
وبالمعلوم المجهول.
وبالموجود المعدوم.
وبالحياة الوصية (3).


وفي النظر في هذه التعاريف أجد ما يأتي:
1- أن تعريف الحنفية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه الوصية، والصدقة.
2- أن تعريف المالكية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه الوصية.
3- أن تعريف الشافعية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه صدقة التطوع.
4- أن تعريف الحنابلة تعريف جامع ومانع، لكن يرد عليه ذكر الهبة في التعريف، وهذا دور ولعل الذي دعا الحنابلة إلى ذلك هو إخراج الصدقة ليصدق على التعريف بأنه مانع، والله أعلم، وبهذا ظهر لي أن تعريف الحنابلة هو التعريف المختار. والله أعلم.

--------------------------
(1) الشرح الصغير على مختصر خليل للخرشي 7/201.
(2) مغني المحتاج 2/693.
(3) الروض المربع 6/3، 4، ط مع حاشية ابن قاسم.


المطلب الثاني: الألفاظ المرادفة للهبة:
وجملة ذلك أن الهبة، والصدقة، والهدية، والعطية، معانيها متقاربة (1).
واسم العطية شامل لجميعها (2).

والفرق بين الهدية، والصدقة:
أن من أعطى شيئاً ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، وإن حملت إلى المهدى إليه إكراماً وتودداً فهو هدية (3).

ويدل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أتِيَ بطعام سأل عنه أهدية، أو صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم (4).

وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على الفرق بين الصدقة، والهدية، وأنهما متغايران، فمن أعطى للمحتاج شيئاً لوجه الله فهو صدقة، وإن حمل إلى المملك إكراماً وتودداً فهو هدية.

وإذا لم ينطبق على الشيء المعطى حد الصدقة، والهدية، فهو هبة (5).
--------------------------
(1) المغني 8/932.
(2) المغني 8/932، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/026.
(3) المغني 8/932-042، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/026، وكفاية الأخيار 1/323.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب قبول الهبة 5/302 ط مع فتح الباري، ومسلم في كتاب الزكاة، باب قبول النبي (صلى الله عليه وسلم) الهدية، ورده الصدقة 2/657.
(5) شرح الزركشي علي مختصر الخرقي 2/026، وكفاية الأخيار 1/323.


ويطلق أيضاً على العطية، والهبة بأنها نحلة، تقول: نحلت، أي أعطيت، والنحلة: العطية بغير عوض، والنحل الشيء المنحول (1).

وأما قوله تعالى:
"وآتوا النٌسّاءّ صّدٍقّاتٌهٌنَّ نٌحًلّةْ" (2)، فقد اختلف المفسرون في معنى النحلة على أربعة أقوال.

وهذا ملخصها:
القول الأول:
إن معناها الفريضة، قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقتادة، وابن جريج، وزيد بن أسلم، ومقاتل.

القول الثاني:
إن معناها الهبة والعطية، قاله الفراء، قال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئاً من مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر كان نحلة من الله أي هبة للنساء فرضه على الرجال.

القول الثالث:
إن معناها العطية بطيب نفس، قاله أبو عبيدة.

القول الرابع:
إن معناها الديانة (3).

المطلب الثالث: حكم الهبة:
الهبة مندوب إليها كما صرح بذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (4)، وهي تنقل الملك من الواهب إلى الموهوب له، وقد دل على مشروعيتها الكتاب، والسنة، والإجماع.

أما الكتاب فقوله تعالى:
"فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا" (5).
--------------------------
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/485.
(2) سورة النساء من الآية 4.
(3) زاد المسير في علم التفسير 2/11.
(4) تبيين الحقائق 5/19، والشرح الصغير على مختصر خليل للخرشي 7/101، ونهاية المحتاج 5/104، وكشاف القناع 4/033.
(5) سورة النساء من الآية 4.


وجه الاستدلال:
دلت الآية الكريمة على أن الزوجة إذا طابت نفسها بشيء من ذلك فوهبته لزوجها جاز لزوجها أكله، وإباحة الأكل بطريق الهبة دليل جوازها (1).

وأمَّا السُّنَّة فكثيرة، من ذلك:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن (2) شاة) (3).

وجه الاستدلال:
دل الحديث على مشروعية الهبة، ولو كانت قليلة.

وأما الإجماع:
فقد انعقد الإجماع على مشروعية الهبة، وقد حكى الإجماع عدد من العلماء، ومِمَّنْ وقفت عليه حكى الإجماع: الشيخ علي بن عبد الجليل المرغيناني (4)، والشيخ عبد الله بن مودود الموصلي (5)، والشيخ عثمان بن علي الزيلعي (6)، والشيخ أبو بكر بن محمد الحسيني الحصني (7)، والشيخ محمد بن أحمد الشربيني الخطيب (8).
--------------------------
(1) المبسوط 21/84، والاختيار لتعليل المختار 3/84.
(2) الفرسن: عظم قليل اللحم، وهو خف البعير كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة، فيقال: فرسن شاة، والذي للشاة هو الظلف. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/924.
(3) أخرجه البخاري أول كتاب الهبة 5/791، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل 2/317.
(4) الهداية 3/422.
(5) الاختيار 3/84.
(6) تبيين الحقائق 5/19.
(7) كفاية الأخيار 1/323.
(8) مغني المحتاج 2/693.


المطلب الرابع: متى تلزم الهبة:
اختلف العلماء في متى تلزم الهبة على قولين:
القول الأول:
تلزم بالقبض، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال إبراهيم النخعي، والزهري، وسفيان الثوري، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن صالح بن حي (1)، وإليه ذهب الحنفية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها قالت: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان نحلها جاد عشرين وسقاً (5) من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: (والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منكِ ولا أعز علي فقراً بعدي منكِ، وإني كنت نحلتكِ جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لكِ، وإنما هو اليوم مال وارث) (6).

الدليل الثاني:
عن عبد الرحمن بن عبد القاري: أن عمر بن الخطاب قال: (ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلاً، ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحداً وإن مات هو قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل) (7).
--------------------------
(1) الموطأ 2/257، 357، ومصنف عبد الرزاق 9/701، 801، والإشراف على مذاهب العلماء 1/983، وبدائع الصنائع 6/321، والمغني 8/042.
(2) المبسوط 21/84، وبدائع الصنائع 6/321.
(3) الأم 4/26، والمهذب 1/744.
(4) الإنصاف 7/911، وهداية الراغب ص214.
(5) الجاد: بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ عشرين وسقاً، والوسق: ستون صاعاً، ويعادل 161، 221 كجم. انظر: النهاية 1/442، 542، والمقادير الشرعية، والأحكام الفقهية المتعلقة بها ص032.
(6) أخرجه الإمام مالك 2/257، وعبد الرزاق 9/101، وابن أبي شيبة 6/34، والبيهقي في السنن الكبرى 6/871، وصحح إسناده الحافظ بن حجر في فتح الباري 5/512، وصححه الألباني كما في إرواء الغليل 6/16.
(7) أخرجه الإمام مالك 2/357، وعبد الرزاق 9/201، وابن أبي شيبة 6/04، 14، والبيهقي في السنن الكبرى 6/071، وصحح سنده الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل 6/66.


الدليل الثالث:
عن معمر عن عثمان رضي الله عنه في رجل وهب لآخر هبة فقبضها، ثم رجع فيها الواهب، قال الموهوب له: (فإنني قد رددتها عليك، فمات الواهب قبل أن يقبضها من الذي وهبها له قال: فليس بشيء هي للموهوب له حتى يقبضها كما قبضت منه) (1).

وجه الاستدلال:
هذه الآثار الثلاثة عن الخلفاء الثلاثة تدل على أنهم يرون أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.

الدليل الرابع:
أن الهبة عقد تبرع، فلو لزمت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع (2).

الدليل الخامس:
أنها هبة غير مقبوضة، فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض (3).

القول الثاني:
أن الهبة تلزم بالعقد، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وبه قال الحسن البصري، وأبو ثور (4)، وإليه ذهب المالكية (5)، والظاهرية (6)، وهو رواية عن الإمام أحمد (7).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) (8).

وجه الاستدلال:
دل الحديث بعمومه على تحريم الرجوع في الهبة سواء المقبوضة وغير المقبوضة وفي هذا دليل على أن الهبة تلزم بالعقد.
--------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق 9/801، وفي إسناده انقطاع؛ لأن معمراً لم يدرك عثمان رضي الله عنه. انظر تهذيب التهذيب 01/344، 444.
(2) بدائع الصنائع 6/321.
(3) المغني 8/142.
(4) الإشراف على مذاهب العلماء 1/093، والمحلى 01/18، 28، والمغني 8/042.
(5) بداية المجتهد 2/923، والقوانين الفقهية ص993.
(6) المحلى 01/47.
(7) الفروع 4/246، والإنصاف 7/021.
(8) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب الإشهاد في الهبة 5/612، ومسلم في كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة، والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل 3/1421.

الدليل الثاني:
أنه إزالة ملك بغير عوض، فلزم بمجرد العقد، كالوقف، والعتق (1).

الدليل الثالث:
أن الهبة عقد لازم ينقل الملك، فلم يقف لزومه على القبض، كالبيع (2).

المناقشة والترجيح:
بعد النظر في أدلة القولين أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالآثار المروية عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، وهي آثار مشهورة، عمل بها الصحابة رضي الله عنهم، وهي صريحة بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الهبة عقد تبرع، وهذا تعليل وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الموهوب له لو مات قبل أن يقبضها لا تكون داخلة في التركة فكذا إذا لم يمت، وهذا تعليل وجيه.

رابعاً:
أن أصحاب القول الثاني: قد استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما لكن هذا الحديث محمول على الهبة المقبوضة (3).

خامساً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على الوقف، والعتق بجامع إزالة الملك، وهذا قياس مع الفارق؛ وذلك؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى فخالف الهبة، والعتق إسقاط حق، وليس بتمليك (4).

سادساً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على البيع بجامع إزالة ملك، وهذا قياس مع الفارق؛ لأن البيع من عقود المعاوضات، والهبة من عقود التبرعات.

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض. والله أعلم.
--------------------------
(1) المغني 8/042، 142.
(2) المغني 8/142.
(3) المغني 8/142.
(4) المغني 8/142.


المطلب الخامس: أركان الهبة وشروطها:
أركان الهبة أربعة عند الجمهور:
الواهب، والموهوب له، والموهوب، والصيغة (1).
وذهب الحنفية إلى أن للهبة ركناً واحداً وهو الإيجاب من الواهب، وأما القبول من الموهوب له فليس ركناً استحساناً، والقياس أن يكون ركناً، وهو قول زفر (2).
--------------------------
(1) القوانين الفقهية ص142، وروضة الطالبين 5/563، وبلغة الساغب ص403، والسلسبيل في معرفة الدليل 2/46.
(2) بدائع الصنائع 6/511.


وأما شروط الهبة فتتلخص في الآتي:
الشرط الأول:
أن يكون الواهب جائز التصرف وهو الحر المكلف الرشيد.
وهذا الشرط متفق عليه بين الأئمة الأربعة.

الشرط الثاني:
أن تكون الهبة مملوكة للواهب، وهذا الشرط نص عليه الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

الشرط الثالث:
أن يكون الواهب مختاراً غير مُكره، وهذا الشرط نص عليه الحنابلة.

الشرط الرابع:
أن يكون الموهوب له أهلاً للتمليك، وهذا الشرط نص عليه المالكية، والشافعية، والحنابلة.

الشرط الخامس:
أن تكون الهبة معلومة فلا يجوز هبة المجهول، وهذا الشرط نص عليه الشافعية، والحنابلة، وذهب المالكية إلى عدم اشتراط هذا الشرط، واختاره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.

الشرط السادس:
أن تكون الهبة مقدورة على تسليمها، وهذا الشرط نص عليه الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

الشرط السابع:
أن يكون الشيء الموهوب مما يجوز بيعه، وهذا الشرط نص عليه الحنفية والشافعية، والحنابلة.

الشرط الثامن:
أن لا يكون معلقاً بماله خطر الوجود والعدم من دخول زيد وقدوم خالد ولا مضافاً إلى وقت، وهذا الشرط نص عليه الحنفية، والحنابلة.

الشرط التاسع:
أن يكون محوزاً فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم، وهذا الشرط نص عليه الحنفية، وذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى عدم اشتراط هذا الشرط.

الشرط العاشر:
يشترط للزوم الهبة القبض، وهذا الشرط سبق الكلام عليه في المطلب السابق (1).
--------------------------
(1) بدائع النصائع 6/811-321، والشرح الصغير للخرشي على مختصر خليل 7/201-301، والمهذب 1/354، ونهاية المحتاج 5/504-904، والاختيارات الفقهية ص381، ومنار السبيل 2/12-42.




عدل سابقا من قبل أحــمــد لــبــن AhmadLbn في 05/12/17, 03:21 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 02:44 am

الفصل الأول
التسوية في هبة الأولاد
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: حكم التسوية في هبة الأولاد:
اختلف العلماء في التسوية في هبة الأولاد على قولين:
القول الأول:
أن التسوية واجبة، فإن خَصَّ بعضهم بهبة، أو فاضل بينهم فهو آثم، وهو مروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبه قال عبد الله بن شداد بن الهاد، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، ومجاهد بن جبر، وعامر الشعبي، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن شبرمة، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وهو رواية عن شريح، وسفيان الثوري (1)، وإليه ذهب الحنابلة (2)، والظاهرية (3)، وهو رواية عن الإمام مالك (4)، واختاره الشيخ المحدث أحمد بن عمر القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وابناه الشيخ حسين، والشيخ عبدالله، واختاره أيضاً الشيخ محمد بن علي الشوكاني، والشيخ صديق حسن خان (5).
--------------------------
(1) المحلى 01/411-611، والتمهيد 7/922، والمغني 8/652، وفتح الباري 5/012-412.
(2) الإنصاف 7/631-931، وهداية الراغب ص214.
(3) المحلى 01/311-611.
(4) القوانين الفقهية ص793.
(5) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/785، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/792، وتهذيب مختصر سنن أبي داود 5/291، وسبل السلام 3/031، 131، والدرر السنية 5/972، ونيل الأوطار 6/211، والروضة الندية في شرح الدرر البهية 2/643، 743.

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
عن حصين بن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟) قال: لا، قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) . قال: فرجع فرد عطيته (1).

وفي لفظ من طريق الشعبي:
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أنّ أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها. فالتوى بها سنة. ثم بدا له. فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: (ألك ولد سواه؟) قال نعم، قال: فأراه، قال: (لا تشهدني على جور) (2).

وجه الاستدلال:
دل الحديث على وجوب التسوية في هبة الأولاد؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بذلك والأمر يقتضي الوجوب.

كما دل الحديث على تحريم التفضيل في الهبة؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) سمَّاه جوراً، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام (3).

الدليل الثاني:
أن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة، والبغضاء، وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها، أو خالتها (4).
--------------------------
(1) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب الإشهاد في الهبة 5/112، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/2421، 3421.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد 5/852، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/2421، 3421.
(3) المغني 8/752، وتهذيب مختصر سنن أبي داود 5/291.
(4) المغني 8/752.


القول الثاني:
إن التسوية سُنَّةٌ، فإن فضل بعضهم على بعض جاز مع الكراهة، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبدالرحمن ابن عوف، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وجابر بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي، والحسن بن صالح بن حي، والليث بن سعد، وهو رواية عن شريح، وسفيان الثوري (1)، وإليه ذهب الحنفية (2)، والمالكية (3)، والشافعية (4).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما المتقدم ضمن أدلة أصحاب القول الأول، ومن ألفاظه: فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (فأرجعه)، ومنها: (فأشهد على هذا غيري) ثم قال: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟) قال: بلى، قال: (فلا إذاً) (5).

وفي لفظ:
(ألا سويت بينهم) (6).

وجه الاستدلال:
دل الحديث على ما ذهبوا إليه من أوجه أربعة:
الوجه الأول:
أن قوله: (أرجعه) دليل على صحة الهبة، ولو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع، وفي هذا دليل على أن التفضيل جائز،  وإنما أمره بالرجوع؛ لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده (7).

الوجه الثاني:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمره أن يشهد على ذلك غيره، فلو لم يصح لبيَّن له ولم يأمره أن يشهد على ذلك غيره، فدلَّ على جواز التفضيل (8).

الوجه الثالث:
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شبه التسوية بينهم في الهبة بالتسوية في بر الوالدين؛ وذلك قرينة تدل على أن الأمر للندب (9).
--------------------------
(1) الموطأ 2/257، 357، والمحلى 01/611، والتمهيد 7/522، والمغني 8/652، وفتح الباري 5/412، ومغني المحتاج 2/104.
(2) المبسوط 21/65، والبحر الرائق 7/882.
(3) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2/3001.
(4) المهذب 1/644، ونهاية المحتاج 5/514.
(5) أخرج هذين اللفظين مسلم في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/1421 -4421.
(6) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/68.
(7) فتح الباري 5/412.
(8) المهذب 1/644.
(9) بداية المجتهد 2/823، وفتح الباري 5/512.


الوجه الرابع:
أن قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا سويت بينهم) يدل على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه (1).

الدليل الثاني:
أثر عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقاً (2).

الدليل الثالث:
أن عمر رضي الله عنه نحل ابنه عاصماً دون سائر ولده (3).

الدليل الرابع:
أن عبد الرحمن بن عوف فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده (4).

وجه الاستدلال:
أن أبا بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم، لم يسووا بين أولادهم في الهبة، وهذا قرينة ظاهرة على أن الأمر الوارد في حديث النعمان رضي الله عنه للندب (5).

الدليل الخامس:
أنها هبة تلزم بموت الأب، فكانت جائزة، كما لو سوى بينهم (6).

الدليل السادس:
أن العلماء أجمعوا على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز أن يخرج جميع ولده عن ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم (7)، هذا، وقد أجاب الجمهور عن حديث النعمان رضي الله عنه بعدة أجوبة.
--------------------------
(1) فتح الباري 5/512.
(2) سبق تخريجه.
(3) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري 5/512.
(4) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/88.
(5) فتح الباري 5/512، ومغني المحتاج 2/104.
(6) المغني 8/752.
(7) التمهيد 7/032.


وهي على النحو التالي غير ما ذكر في أدلتهم:
الجواب الأول:
إنما أمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك؛ لأنه نحله من بين سائر بنيه ماله كله ولم يكن له مال غير ذلك العبد، حكى ذلك أشهب عن الإمام مالك (1).

الجواب الثاني:
أن الهبة المذكورة لم تتنجز وإنما جاء بشير رضي الله عنه يستشير النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك فأشار عليه بأن لا تفعل فترك ذلك (2).

الجواب الثالث:
أن النعمان رضي الله عنه لعله كان كبيراً ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع (3).

الجواب الرابع:
ورد في حديث النعمان رضي الله عنه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: (قاربوا بين أولادكم) (4)، وهذا يدل على أن المحفوظ في حديث النعمان رضي الله عنه (قاربوا بين أولادكم) لا (سووا) (5).
--------------------------
(1) التمهيد 7/532، 632، وبداية المجتهد 2/823.
(2) شرح معاني الآثار 4/68، 78، وفتح الباري 5/412.
(3) شرح معاني الآثار 4/58، وفتح الباري 5/412.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الهبة، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/4421.
(5) فتح الباري 5/512.


المناقشة والترجيح:
في النظر في أدلة كل قول وفيما أجاب به أصحاب القول الثاني عن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أجد ما يأتي:

أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو حديث صريح الدلالة على أن التسوية في هبة الأولاد واجبة وأن التفضيل بينهم في الهبة محرم.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بقياس التفضيل في الهبة بين الأولاد على حكم الجمع بين المرأة وعمتها بجامع أن كلا منهما يفضي إلى العداوة والبغضاء، وهو قياس وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما من أوجه أربعة:
الوجه الأول:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بإرجاع الهبة، وهذا دليل على صحة الهبة، وهذا الاستدلال ليس بوجيه؛ لأن معنى قوله : (أرجعه) أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة (1)، ومما يدل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بردها، ما ورد في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: أتى بي أبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً فقال: (أكل بنيك نحلت ؟) قال: لا، قال: (فاردده) (2).

الوجه الثاني:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمره بإشهاد غيره، وهذا الاستدلال ليس بوجيه كما بين ذلك الموفق بن قدامة رحمه الله حيث يقول: (وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب، والندب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جوراً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) على التناقض، والتراد، ولو أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره، ولم يرده وإنما هذا تهديد له على هذا فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه، والله أعلم) (3).

الوجه الثالث:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) شبه التسوية بينهم في الهبة بالتسوية في بر الوالدين، وهذا استدلال ليس بوجيه؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال في آخر الحديث الذي في التشبيه (فلا إذاً) مما يدل على أن الأمر للوجوب (4)، وتأكد ذلك بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بردها وأطلق على الشهادة على هذه الهبة بأنها شهادة على جور.
--------------------------
(1) فتح الباري 5/412.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/2421.
(3) المغني 8/852.
(4) فتح الباري 5/512.


الوجه الرابع:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: (ألا سويت بينهم) مما يدل على أن الأمر للندب، وهذا استدلال ليس بوجيه؛ لأن أكثر ألفاظ الحديث فيها الأمر برد هذه العطية، وفيها الأمر بتقوى الله والعدل بين الأولاد، وفيها إطلاقه على الشهادة بأنها جور كما تقدم ذكر ذلك فيما سبق، وفي لفظ: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق) (1).

فهذه الألفاظ تدل على أن الأمر للوجوب وأن التفضيل محرم، وأما لفظ (ألا سويت بينهم) فهو استفهام للإنكار عليه، والله أعلم.

رابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بعمل الخليفتين الراشدين أبي بكر، وعمر، وبعمل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، وهذا استدلال ليس بوجيه، وقد أجاب الموفق بن قدامة عن عمل أبي بكر رضي الله عنه بقوله: وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا يحتج به معه ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وغير ذلك من فضائلها، ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات (2).

وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ما نصه: (وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر) (3).
--------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الهبة، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/4421.
(2) المغني 8/752، 852.
(3) فتح الباري 5/512.


قلت:
وكذلك يجاب بمثل ذلك عن قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

خامساً:
أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك بلزومها بعد موت الأب، وهذا تعليل مخالف للنص .

سادساً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على إخراج جميع ماله عن أولاده، وقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بقوله: (ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النص) (1).

سابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد أجابوا عن حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما بأربعة أجوبة:

الجواب الأول:
أنه نحل ابنه جميع ماله، وقد أجاب عنه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله بقوله: (لا يعرف ما ذكره مالك من أن بشيراً لم يكن له مال غير ذلك العبد) (2).

وقد أجاب عنه القرطبي بقوله:
(من أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال: إن النهي فيه إنما يتناول من وهب ماله كله لبعض ولده، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه أن الموهوب كان غلاماً فقط وإنما وهبه له لما سألته أمه بعض الموهبة من ماله، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره) (3).

قلت:
وقد سبق ذكر الألفاظ التي تدل على ما ذكره القرطبي فأغنى عن إعادتها.

الجواب الثاني: أن المقصود بذلك استشارة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: (وفي أكثر طرق الحديث ما ينابذه) (4).
--------------------------
(1) فتح الباري 5/512.
(2) التمهيد 7/632.
(3) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/885.
(4) فتح الباري 5/412.


قلت: وقد سبق ذكر الألفاظ التي تدل على أن بشيراً رضي الله عنه أعطى ابنه عطية وأن أمه طلبت إشهاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هذه العطية فأغنى عن إعادتها.

الجواب الثالث:
أن النعمان كان كبيراً ولم يكن قبض الموهوب، وقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: (وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث خصوصاً قوله (أرجعه) فإنه يدل على تقدم وقوع القبض والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيراً وكان أبوه قابضاً له لصغره، فأمره برد العطية المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض) (1).

قلت:
وقد تقدم قريباً من أدلة القول الثاني لفظ (فأرجعه)، ومما يدل على أن النعمان كان صغيراً قوله رضي الله عنه: (انطلق أبي يحملني إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ) (2)، ولا يحمله والده إلا وهو صغير.

الجواب الرابع:
أن المحفوظ في الحديث (قاربوا بين أولادكم) وهذا الجواب ليس بوجيه؛ لأنه لا تعارض بين هذه اللفظة وغيرها من ألفاظ الحديث، وقد ذكر القاضي عياض أن هذه اللفظة رويت بالنون فتكون (قارنوا) ومعناها سووا واجعلوهم في العطايا وغيرها في قران، ورويت بالباء فتكون قاربوا أي لا تفضلوا بعضهم وتباينوه بالعطايا وغيرها على بعض (3).

ثامناً:
أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بما نصه:
يجب على الوالد أن يسوي بين أولاده في العطية حسب الميراث الشرعي، ولا يجوز له تخصيص بعضهم دون بعض لنهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه أتى به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟) فقال: لا  فقال: (أرجعه) متفق عليه. وعليه فيجب على والدك أن يعدل العطية التي حصلت منه لبعض أولاده بأن يعطي كل واحد من أولاده مثل ما أعطى المذكور أو يرتجع العطية منه، وإن كان والدك قد مات فاقسم التركة بينك وبين بقية الورثة حسب الحكم الشرعي (4).

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه القول الأول من وجوب التسوية في هبة الأولاد،  والله أعلم.
--------------------------
(1) فتح الباري 5/412.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة 3/3421، 4421.
(3) إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/353.
(4) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 61/612.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 02:48 am

المبحث الثاني: كيفية التسوية في هبة الأولاد:
اختلف العلماء في كيفية التسوية في هبة الأولاد على قولين:
القول الأول:
التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى في الميراث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين . وبه قال شريح، وعطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه (1). وإليه ذهب محمد بن الحسن الشيباني (2)، والحنابلة (3)، واختاره من المالكية ابن شعبان (4).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
أن الله تعالى قسم بينهم في الإرث فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدي بقسمة الله تعالى (5).

الدليل الثاني:
أن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين، كحالة الموت يعني الميراث يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه، كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها (6).

الدليل الثالث:
أن الذكر أحوج من الأنثى من قِبَل أنهما إذا تزوجا جميعاً فالصداق، والنفقة، ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته (7).
--------------------------
(1) سنن الترمذي 3/046، 146، والتمهيد 7/432، 532، والمغني 8/952.
(2) المبسوط 21/65.
(3) الإنصاف 7/631، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم 6/51.
(4) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/585.
(5) المغني 8/952.
(6) المغني 8/952، 062.
(7) المغني 8/952، 062.


القول الثاني:
التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم للذكر مثل الأنثى، وبه قال سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك (1)، وإليه ذهب الحنفية (2)، والمالكية (3)، والشافعية (4)، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن عقيل، والحارثي (5)، وإليه ذهب أيضاً الظاهرية (6).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وفيه قال:   (سو بينهم) (7).

الدليل الثاني:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثراً لأحد لآثرت النساء على الرجال) (8).

وجه الاستدلال:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بالتسوية، والتسوية تقتضي المساواة.
--------------------------
(1) سنن الترمذي 3/046، والتمهيد 7/432، والمغني 8/952.
(2) المبسوط 21/65، والبحر الرائق 7/882.
(3) القوانين الفقهية ص793.
(4) مغني المحتاج 2/104، ونهاية المحتاج 5/614.
(5) الإنصاف 7/631.
(6) المحلى 01/311-611.
(7) أخرجه النسائي في كتاب النحل، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل 6/022، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 9/79.
(8) أخرجه سعيد بن منصور في سننه 1/911، 021، والبيهقي في السنن الكبرى 6/771، وابن عدي في الكامل 3/7121. وقال: لا أعرف له شيئاً أنكر من حديث عكرمة عن ابن عباس، يعني هذا الحديث، والخطيب في تاريخ بغداد 11/701، 801، وفي سنده سعيد بن يوسف الرحبي الشامي. قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال 11/421-621 ما ملخصه: عن ابن معين أنه ضعيف الحديث، وعن أحمد ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وحديثه ليس بالمنكر، وقال محمد بن عوف: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر الجرح والتعديل 4/57، والثقات لابن حبان 6/473، وتهذيب التهذيب 4/301، 401. وضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص342، وضعف الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل 6/76.


الدليل الثالث:
أنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى،  كالنفقة، والكسوة (1).

المناقشة والترجيح: في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول استدلوا بالقياس على الإرث، وهذا قياس وجيه.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الذكر أحوج من الأنثى، وهذا تعليل وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير، وحديث ابن عباس رضي الله عنهم.

وقد أجاب عنهما الموفق بن قدامة بما نصه:
وحديث بشير قضية في عين وحكاية حال لا عموم لها، وإنما ثبت حكمها فيما ماثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير هل كان فيهم أنثى أو لا، ولعل النبي (صلى الله عليه وسلم) قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر.

ثم تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله، ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته؛ فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه، وكذلك الحديث الآخر.

ودليل ذلك قول عطاء:
(ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى) (2) وهذا خبر عن جميعهم، على أن الصحيح من خبر ابن عباس أنه مرسل (3).

وقد سبق قريباً في تخريج حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن في سنده راوياً ضعيفاً.
--------------------------
(1) المغني 8/952.
(2) أخرجه عبد الرزاق 9/99، وسعيد بن منصور 1/911.
(3) المغني 8/062.


رابعاً:
قال العلامة ابن قيم الجوزية: (عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر مواريثهم؛ لأن الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم، والتسوية بين الذكر، والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفضيل، فيُفضي ذلك إلى العداوة؛ ولأن الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه؛ ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى؛ ولأن الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات، والميراث، والديات وفي العقيقة بالسنة) (1).

خامساً:
أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بما نصه:
(أما التسوية بين الذكور والإناث في العطية فإن الواجب قسمتها حسب الفريضة الشرعية في الميراث؛ فإنها تمام العدل، فيعطى الذكر مثل حظ الأنثيين) (2).

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول في أن التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى في الميراث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، والله أعلم بالصواب.
--------------------------
(1) بدائع الفوائد 3/151، 251.
(2) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 61/912-222.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 02:52 am

المبحث الثالث: حكم التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى خاص:
سبق في المبحث الأول والثاني من هذا الفصل ذكر أقوال العلماء في حكم التسوية بين الأولاد في الهبة، وتوصلت إلى أن الرَّاجح هو القول بوجوب التسوية وتحريم التفضيل بينهم وأن الهبة تكون للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن على القول بالتحريم هل يجوز لمعنى يقتضي تخصيصه؟ مثل اختصاصه بحاجة، أو مرض، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو صرف هبته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، أو لا يجوز؟ وهل تزول الكراهة على القول الثاني أم لا؟

في المسألة خلاف بين العلماء، فقد اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول:
أن ذلك لا يجوز، وإليه ذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، والأكثر من أصحاب الإمام أحمد (1)، واختاره الشيخ صديق حسن خان (2)، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (3).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وفيه (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) (4).

وجه الاستدلال:
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  أمر بشيراً بتقوى الله، والعدل بين الأولاد، ولم يستفصل هل وهبه لمعنى خاص أم لا، فدل على تحريم ذلك مطلقاً (5).

الدليل الثاني:
أنهم سواء بالإرث، فكذلك في هبته في حياته (6).

القول الثاني:
أن ذلك يجوز، وإليه ذهب الشافعية (7)، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الموفق بن قدامة وقطع بها الناظم ابن عبد القوي، ومال إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وقواها الشيخ العلامة علي بن سليمان المرداوي، واختارها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (8).
--------------------------
(1) شرح الزركشي 2/426، 526.
(2) الروضة الندية 2/ 643، 743.
(3) الفتاوى السعدية ص654، 754.
(4) سبق تخريجه.
(5) المغني 8/852.
(6) شرح الزركشي 2/526.
(7) مغني المحتاج 2/104، ونهاية المحتاج 5/514.
(8) المغني 8/852، وعقد الفرائد وكنز الفوائد 1/593، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/592، وشرح الزركشي 2/526، والإنصاف 7/931، وفتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ 9/312.


واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
أثر عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقاً (1).

وجه الاستدلال:
إن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عائشة رضي الله عنها دون غيرها لمعنى يقتضيه التفضيل لفضلها وعلمها وكونها من أمهات المؤمنين (2).

الدليل الثاني:
أن بعضهم اختص بمعنى يقتضي الهبة، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة (3).

المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير وهو حديث صريح الدلالة على تحريم التفضيل ولم يستثن الرسول (صلى الله عليه وسلم) من له معنى يقتضي تفضيله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالقياس على الإرث وهو قياس وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بعمل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو استدلال غير وجيه؛ وذلك أن عمل أبي بكر رضي الله عنه لا يخصص حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأيضاً قد أجاب عروة بن الزبير بأن إخوة عائشة رضي الله عنهم كانوا راضين بذلك (4).
--------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) المغني 8/752، 852.
(3) المغني 8/852.
(4) فتح الباري 5/512.


رابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على القرابة، وهو قياس مخالف للنص.

خامساً:
قال الشيخ العلامة صديق حسن خان: (فمن زعم أنه يجوز التفضيل لسبب من الأسباب كالبر، ونحوه فعليه الدليل) (1).

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنه لا يجوز التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى يقتضي تخصيصه، والله أعلم بالصواب.

المبحث الرابع: حكم الهبة التي فيها تفضيل بعد موت الوالد:
إذا فاضل بين أولاده أو خص بعضهم بهبته ثم مات قبل أن يسوي بينهم أو يسترد الهبة هل تثبت الهبة بالموت وتلزم، أو ترد وتكون ضمن التركة؟ محل خلاف بين العلماء.

فقد اختلفوا على قولين:
القول الأول:
ثبوت الهبة للموهوب له بالموت، وهو مقتضى مذهب الحنفية (2)، والمالكية (3)، والشافعية (4)، وإليه ذهب الحنابلة (5).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
أثر عائشة رضي الله عنها وفيه أن أبا بكر قال لها لما حضرته الوفاة: (وإني كنت نحلتك جاد عشرين) (6).

وجه الاستدلال:
دل هذا الأثر على أنها لو كانت حازته في صحته لثبتت العطية ولم يكن للورثة حق الرجوع عليها (7).

الدليل الثاني:
أنها هبة لولده فلزمت بالموت، كما لو انفرد (8).
--------------------------
(1) الروضة الندية 2/743.
(2) الدر المختار 5/907.
(3) حاشية العَدَوُّيِّ على الشرح الصغير 7/401، 501.
(4) روضة الطالبين 5/873.
(5) المغني 8/962، 072، والإنصاف 7/041.
(6) سبق تخريجه.
(7) المغني 8/072، 172.
(8) المغني 8/072، 172.


القول الثاني:
أن الهبة ترد وتكون ضمن التركة، وبه قال عروة بن الزبير، ومجاهد، وطاووس، وإسحاق بن راهويه (1). وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو عبد الله بن بطة، وأبو حفص العكبري، وابن عقيل، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وصاحب الفائق ابن قاضي الجبل، ومال إليه الشيخ العلامة حسين بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والشيخ العلامة عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (2). وإليه ذهب الظاهرية (3).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وفيه قال: (لا تشهدني على جور) (4).

وجه الاستدلال:
أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) سمَّاه جوراً، والجور حرام، لا يحل للفاعل فعله ولا للمعطي تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جوراً وحراماً، فيجب رده بعد الموت (5).

الدليل الثاني:
أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد فقالا: إن سعداً قسم ماله، ولم يدر ما يكون وإنا نرى أن تُرَد هذه القسمة، فقال قيس: لم أكن لأغير شيئاً صنعه سعد، ولكن نصيبي له (6).
--------------------------
(1) المحلى 01/511، والمغني 8/072.
(2) المغني 8/072، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/492، وبدائع الفوائد 3/101، والإنصاف 7/141، والدرر السنية 5/182.
(3) المحلى 01/511.
(4) سبق تخريجه.
(5) المغني 8/072.
(6) أخرجه عبد الرزاق 9/89، 99، وسعيد بن منصور 1/811، واللفظ له.


وجه الاستدلال:
أن أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما ذهبا إلى رد هذه القسمة؛ لأن أحد الأبناء أصبح ليس له نصيب في التركة، فكذلك في الهبة.

المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به لكل قول أحد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالأثر المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو واضح الدلالة على ما ذهبوا إليه من ثبوت الهبة بالموت، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه عارض هذا الأثر على حسب علمي.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأنها هبة لولده فتلزم بالموت، كما لو انفرد، وهو تعليل له وجاهته.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو حديث صريح الدلالة على تحريم التفضيل وأن الوالد إذا لم يرجع فهو آثم، ولكن ليس فيه دلالة على رد الهبة بعد الموت.

رابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بما ذهب إليه أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما برد قسمة المواريث التي أصبح فيها أحد الأبناء ليس له نصيب من التركة، وقاسوا عليه الهبة التي فيها تفضيل بجامع أن كلا منهما مخالف لقسمة الله تعالى، ولقسمة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو قياس مع الفارق؛ وذلك أن هذا الأثر وارد في الفرائض حيث إن سعداً رضي الله عنه استعجل وقسم ماله بين ورثته في حياته، والمواريث تكون بعد الموت بخلاف الهبة فإنها في الحياة، والمأمور بها الوالد فبموته تلزم الهبة والإثم على والده حيث خالف أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

خامساً:
سُئِلَ شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب عمَّن أعطى بعض أولاده وحازها ومات ولم يعطِ الآخرين؟ فأجاب: (الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه) (1).
--------------------------
(1) الدرر السنية 5/182، 282.


سادساً:
قال الشيخ العلامة حسن بن حسين بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في آخر فتوى له في هذه المسألة ما نصه: (لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب واستمرت عليه الفتوى مذهب الجمهور) (1).

سابعاً:
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ما نصه: (وما دامت قد توفيت قبل التعديل فقد ثبتت الهبة لأختكم، فلا يشاركها فيها أحد منكم هذا المفتي به وهو المشهور من المذهب) (2).

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من ثبوت الهبة بالموت، والله أعلم بالصواب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 03:25 pm

الفصل الثاني
حكم رجوع الوالدين في هبتهما لأولادهما
المبحث الأول: حكم رجوع الوالد في هبته لأولاده:
اختلف العلماء في حكم رجوع الوالد في هبته لأولاده على قولين:
القول الأول:
يجوز ذلك، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور (3)، وإليه ذهب المالكية (4)، والشافعية (5)، والحنابلة (6)، والظاهرية (7)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (8)، وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية (9).
--------------------------
(1) الدرر السنية 5/182، 282.
(2) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 9/912.
(3) المغني 8/162.
(4) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2/4001، وبداية المجتهد 2/233.
(5) المهذب 1/744، ونهاية المحتاج 5/614.
(6) المغني 8/162، والإنصاف 7/541.
(7) المحلى 01/68.
(8) الاختيارات الفقهية ص681.
(9) إعلام الموقعين 2/643.


واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وفيه: فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (فأرجعه) (1).

وجه الاستدلال:
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  أمره بالرجوع في هبته مما يدل على جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده.

الدليل الثاني:
عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (2).

الدليل الثالث:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن نبي الله قال: (لا يرجع أحدكم في هبته إلا الوالد من ولده) (3).

وجه الاستدلال:
دل الحديثان بمنطوقهما على جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده.

الدليل الرابع:
أن الأب لا يتهم في رجوعه؛ لأنه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد (4).

القول الثاني:
لا يجوز الرجوع، وبه قال سفيان الثوري، وعبيد الله ابن الحسن العنبري (5)، وإليه ذهب الحنفية (6).
--------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب الرجوع في الهبة 3/808، 908، والترمذي في أبواب الهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة 4/244، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده 6/221، وابن ماجة في كتاب الهبات، باب من أعطى ولده، ثم رجع فيه 2/597، والإمام أحمد 2/87، وصححه ابن حبان (موارد الظمآن ص082) وصححه البيهقي في السنن الكبرى 6/971، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 5/112: (ورجاله ثقات). وصححه الشيخ المحدث الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجة 2/54.
(3) أخرجه النسائي في كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده 6/222، وابن ماجة في كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه 2/697، والبيهقي في السنن الكبرى 6/971، وصححه الشيخ المحدث الألباني كما في صحيح ابن ماجة 2/54.
(4) المهذب 1/744.
(5) المغني 8/262.
(6) المبسوط 21/45، 55، والدر المختار 5/407.


واستدلُّوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (العائد في هبته كالعائد في قيئه) (1).

وجه الاستدلال:
دل الحديث على أنه لا يجوز الرجوع في الهبة فيدخل في عمومه رجوع الوالد فيما وهبه لولده.

الدليل الثاني:
عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم (2)، لم يرجع فيها) (3).

وجه الاستدلال:
دل الحديث صراحة على تحريم الرجوع في هبة ذي الرحم المحرم فيدخل في عمومه الوالد فيما وهبه لولده.

الدليل الثالث:
أنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع (4).

الدليل الرابع:
أن المقصود بالهبة صلة الرحم وفي الرجوع عنها تورث الوحشة، والنفرة، فلا يجوز صيانة للرحم عن القطيعة (5).
--------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب الرجوع في الهبة 3/808، 908، والترمذي في أبواب الهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة 4/244، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده 6/221، وابن ماجة في كتاب الهبات، باب من أعطى ولده، ثم رجع فيه 2/597، والإمام أحمد 2/87، وصححه ابن حبان (موارد الظمآن ص082) وصححه البيهقي في السنن الكبرى 6/971، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 5/112: (ورجاله ثقات). وصححه الشيخ المحدث الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجة 2/54.
(3) أخرجه النسائي في كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده 6/222، وابن ماجة في كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه 2/697، والبيهقي في السنن الكبرى 6/971، وصححه الشيخ المحدث الألباني كما في صحيح ابن ماجة 2/54.
(4) المهذب 1/744.
(5) المغني 8/262.
(6) المبسوط 21/45، 55، والدر المختار 5/407.

المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو حديث صريح الدلالة على وجوب رجوع الوالد فيما وهبه لبعض أولاده دون بعضهم.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بما رواه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وهو استدلال وجيه لصراحتها في جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأن الأب غير متهم في حق ولده، وهو تعليل وجيه.

رابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو حديث عام يخص منه الوالد لدلالة ما استدل به أصحاب القول الأول، ولا تعارض بين العام والخاص.

خامساً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث سمرة بن جندب، وهو حديث ضعيف.

سادساً:
أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا على ذلك بالقياس على صدقة التطوع، وهذا قياس مخالف للنص.

سابعاً:
أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك أن الرجوع في الهبة يورث الوحشة، والنفرة، وهو تعليل مخالف للنص.

وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده، والله أعلم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 03:27 pm

المبحث الثاني: حكم رجوع الأم في هبتها لأولادها:
سبق في المبحث الأول من هذا الفصل حكم رجوع الوالد فيما وهبه لأولاده حيث أوضحت أقوال العلماء في هذه المسألة وتوصلت إلى أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء في هذه المسألة، وهو جواز رجوع الوالد فيما وهبه لأولاده، لكن هل الأم تلحق بالأب في هذا الحكم أم لا؟ هذا ما أبحثه في هذا المبحث.

وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أن الأم تلحق بالأب في جواز الرجوع في الهبة لأولادها، وإليه ذهب المالكية (1)، والشافعية (2)، والظاهرية (3). واختاره الموفق بن قدامة، وتلميذه عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة، والحارثي، وصاحب الفائق بن قاضي الجبل (4).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: "كّمّا أّخًرّجّ أّبّوّيًكٍم مٌنّ الجّنَّةٌ" (5).

وجه الاستدلال:
أن الله عز وجل سمَّى الجَد، والجَدة، أبوين، والأم والدة تقع على الجنس وهي فيه اسم الوالد (6)، فتدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (7).

الدليل الثاني:
أن الأم داخلة في قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) (8).

فينبغي أن تتمكن من التسوية، والرجوع في الهبة طريق في التسوية، وربما تعَيَّن طريقاً فيها إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية  الأول (9).

الدليل الثالث:
أنها لمَّا ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به تخليصاً لها من الإثم وإزالةً للتفضيل المحرم، كالأب (10).
--------------------------
(1) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2/5001، ومواهب الجليل 6/46. واستثنى المالكية من هذا الحكم هبة الأم لابنها الصغير إذا كان والده ميتاً، فلا يجوز لها الرجوع لأنها هبة ليتيم، والهبة لليتيم صدقة، ولا يجوز الرجوع في الصدقة.
(2) كفاية الأخيار 1/523، ونهاية المحتاج 5/714.
(3) المحلى 01/68.
(4) المغني 8/262، 362، والشرح الكبير 3/244، والإنصاف 7/051.
(5) سورة الأعراف الآية 72.
(6) المحلى 01/101.
(7) سبق تخريجه.
(8) سبق تخريجه.
(9) المغني 8/362.

القول الثاني:
أن الأم لا تلحق بالأب فلا يجوز لها الرجوع في هبتها لأولادها، وإليه ذهب الحنابلة (1).

واستدلوا على ذلك:
بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) خص الوالد في أنه يرجع في هبته لولده في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (2)، وهو بإطلاقه إنما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما أن للأب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث، والأم بخلاف ذلك (3).
--------------------------
(1) المغني 8/362، والإنصاف 7/941.
(2) سبق تخريجه.
(3) المغني 8/362.


المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به لكل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالآية الكريمة التي سمى الله فيها الجد والجدة أبوين، وهو دليل صريح على دخول الأم في لفظ الوالد.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا بأن الأم تدخل في تحريم تفضيل أحد أولادها في عطية، فكذلك تدخل في جواز رجوعها في عطية أحد أولادها، وهو تعليل وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد عللوا بأن الأم لا تدخل في لفظ الوالد لوجود الفرق بينهما في أن الأب له ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الأم، وهذا تعليل فيه نظر؛ وذلك أن الأم تأخذ حكم الأب في تحريم التفضيل، ووجوب رجوع العطية التي فضل بها أحد الأولاد، فكذلك تأخذ حكمه فيما شابه ذلك، وهو جواز الرجوع في العطية؛ لأن بابهما واحد بخلاف الولاية على ولده وحوز جميع المال؛ فإن ذلك له اعتبار آخر، وقاعدة الشريعة إلحاق النظير بنظيره، والله أعلم، وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول في أن الأم تلحق بالأب في جواز الرجوع في الهبة لأولادها، والله أعلم بالصواب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 03:31 pm

المبحث الثالث: بيان الشروط التي تشترط لجواز الرجوع:
سبق في المبحث الأول من هذا الفصل حكم رجوع الوالد فيما وهبه لأولاده؛ حيث أوضحت أقوال العلماء في هذه المسألة، وتوصَّلتُ إلى أن الرَّاجح هو جواز رجوع الوالد فيما وهبه لأولاده لكن هل هذا الرجوع مطلق أو مقيد بشروط ؟

والجواب:
أنه مقيد بشروط، وهذا المبحث خصصته في ذكر هذه الشروط التي ذكرها جمهور العلماء الذين ذهبوا إلى جواز الرجوع في الهبة للوالد فيما وهبه لأولاده.

وإليك بيانها:
الشرط الأول:
أن تكون باقية في ملك الولد، فإن خرجت عن ملكه ببيع، أو هبة أو وقف، أو غير ذلك لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنها أصبحت في ملك غير ولده. وقد نص على هذا الشرط المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3).

الشرط الثاني:
أن تكون العين الموهوبة باقية في تصرف الولد بحيث يملك التصرف في وقتها فإن استولد الأمة لم يملك الأب الرجوع فيها. وكذلك إذا رهن الولد العين أو أفلس الولد وحجر عليه لم يملك الأب الرجوع؛ لأن في ذلك إبطالاً لحق غير الولد. وقد نص على هذا الشرط المالكية (4)، والشافعية (5)، والحنابلة (6).
--------------------------
(1) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2/5001، والشرح الصغير على مختصر خليل 7/411.
(2) مغني المحتاج 2/204، ونهاية المحتاج 5/814.
(3) المغني 8/462، وحاشية الروض المربع 6/12.
(4) القوانين الفقهية ص893، والشرح الصغير على مختصر خليل 7/511.
(5) مغني المحتاج 2/204، واستثنى الشافعية من ذلك الرهن فإنه يجوز للوالد أن يرجع إذا كانت العين مرهونة.

(6) المغني 8/462، وحاشية الروض المربع 6/12.

الشرط الثالث:
أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره مثل أن يهب ولده شيئاً فيرغب الناس في معاملته وأدانوه ديوناً، أو رغبوا في مناكحته فزوجوه إن كان ذكراً أو تزوجت الأنثى لذلك، فقد اختلف العلماء في حكم الرجوع على قولين:

القول الأول:
ليس له الرجوع، وإليه ذهب المالكية (1)، والحنابلة (2). وقد عللوا ذلك بتعليلين:
التعليل الأول: أنه تعلق به حق غير الولد ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرر) (3)، وفي الرجوع ضرر (4).

التعليل الثاني:
أن في الرجوع تحيلاً على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك (5).

القول الثاني:
أن له حق الرجوع، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (6). ودليل هذا القول أن حق المتزوج، والغريم، لم يتعلق بعين هذا المال، فلم يمنع الرجوع منه (7).
--------------------------
(1) بداية المجتهد 2/233، والقوانين الفقهية ص893.
(2) المغني 8/662، والاختيارات الفقهية ص681، ومعونة أولي النهى في شرح منتهى الإرادات 6/45.
(3) روى هذا الحديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فقد رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أخرجه الدارقطني 4/822، والحاكم 2/75، 85. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/96. ورواه عبادة ابن الصامت رضي الله عنه، أخرجه ابن ماجة في كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/487، والإمام أحمد 5/623، 723. ورواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخرجه ابن ماجة في كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره 2/487، والإمام أحمد 1/313، والدارقطني 4/822. ورواه أبو هريرة رضي الله عنه أخرجه الدارقطني 4/822. وروته عائشة رضي الله عنها أخرجه الدارقطني 4/722. وأخرجه الإمام مالك مرسلاً من غير ذكر الصحابي الذي رواه عنه 2/547، وذكره النووي في الأربعين النووية ص32، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال: حديث حسن، رواه ابن ماجة، والدارقطني، وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو ابن يحيى عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً. وصححه الألباني بمجموع طرقه كما في إرواء الغليل 3/804-414.
(4) المغني 8/662.
(5) المغني 8/662.
(6) المغني 8/662.
(7) المغني 8/662.


المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به لكل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن في الرجوع يتعدى ضرره إلى غير الولد، وهو تعليل وجيه.

ثانياً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن ذلك فيه تحيل على إلحاق الضرر بالمسلمين، وهذا تعليل وجيه.

ثالثاً:
أن أصحاب القول الثاني قد عللوا أن التعلق لم يكن بالعين، وهذا تعليل غير وجيه؛ لأن هذا القول فيه إبقاء الضرر على غير الولد، والضرر قد نفاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (لا ضرر ولا ضرار)، وهو الذي بنى عليه أصحاب القول الأول تعليلهم الأول، وبهذا ظهر لي رجحان اشتراط هذا الشرط وهو أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، والله أعلم.

الشرط الرابع:
أن لا تزيد زيادة متصلة كالسمن، والكبر، وتعلم صنعة.

وقد اختلف العلماء في اشتراط هذا الشرط على قولين:
القول الأول:
عدم اشتراطه، وإليه ذهب الشافعية (1)، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها القاضي أبو يعلى، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (2).

وعللوا ذلك على أنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع، كالزيادة قبل القبض، والزيادة المنفصلة (3).

القول الثاني:
أن ذلك شرط فلا يجوز الرجوع في الهبة إذا ازدادت زيادة متصلة، وإليه ذهب المالكية (4)، والحنابلة (5).

وعللوا ذلك
بأن الزيادة للموهوب له؛ لكونها نماء ملكه، ولم تنتقل إليه من جهة أبيه، فلم يملك الرجوع فيها، كالمنفصلة، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل (6).
--------------------------
(1) مغني المحتاج 2/304، ونهاية المحتاج 5/124.
(2) المغني 8/662، والإنصاف 7/151، والفتاوى السعدية ص854.
(3) المغني 8/662.
(4) القوانين الفقهية ص893، والشرح الصغير على مختصر خليل 7/411.
(5) الإنصاف 7/151، ومعونة أولي النهى 6/65، 75.
(6) المغني 8/662.

المناقشة والترجيح:
في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي:
أولاً:
أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأنها زيادة في الموهوب، فتتبعه؛ لأنه لا يمكن انفصالها، وهذا تعليل وجيه.

ثانياً:
أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك أنها زيادة حصلت في ملكه، وهذا تعليل غير وجيه؛ لأنها زيادة تابعة للهبة فتتبعها في الرجوع، وكونها حصلت في ملكه لا يمنع ذلك لاسيما وأن للأب أن يتملك من مال ابنه ما يشاء بشرط أن لا يضر الابن، وكذلك لا يعطيه لابن آخر، والدليل على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: إن لي مالاً ووالداً وإن والدي يريد أن يجتاح مالي، قال: (أنت ومالك لأبيك) (1).

وبهذا ظهر لي رجحان عدم اشتراط هذا الشرط، فلا تمنع رجوع الوالد في هبته لولده الزيادة المتصلة في الهبة، والله أعلم.
--------------------------
(1) أخرجه أبو داود وسكت عنه في كتاب الإجارة، باب في الرجل يأكل من مال ولده 3/108، 208، وابن ماجة في كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده 2/967، والإمام أحمد 2/412، وابن الجارود في المنتقى ص133، والبيهقي في السنن الكبرى 7/84، وصحح إسناده الشيخ المُحَدِّث أحمد بن محمد شاكر في شرحه على المسند 11/281، وصححه الألباني كما في إرواء الغليل 6/323-923.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 19444
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد   05/12/17, 03:40 pm


الخاتمة في نتائج البحث
قد انتهيت ولله الحمد والمنة من هذا البحث الذي هو بعنوان (أحكام هبة الأولاد) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

هذا، وقد توصلت إلى ما يأتي:
1- أن التعريف المختار للهبة في الاصطلاح هو: التبرع من جائز التصرف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره بما يُعَدُّ هبةً عُرفاً.

2- أن الهبة يطلق عليها عطية، والهدية أخص حيث إنها إذا حملت إلى المُهدى له فهي هدية، وكذلك الصدقة فإنها خاصة لِمَنْ أعطى محتاجاً شيئاً لوجه الله تعالى.

3- أن الهبة مشروعة بالكتاب والسنة، والإجماع.

4- أن الهبة تلزم بالقبض على القول الراجح.

5- أركان الهبة عند الجمهور أربعة: الواهب، والموهوب له، والموهوب، والصيغة.

6- من شروط الهبة عند الجمهور أن يكون الواهب جائز التصرف، وأن تكون الهبة مملوكة للواهب، وأن يكون الموهوب له أهلاً للتمليك، وأن تكون الهبة مقدورة على تسليمها، وأن يكون الموهوب مما يجوز بيعه.

7- أن التسوية بين الأولاد في الهبة واجبة، فإن خَصَّ بعضهم بهبة فهو آثم ويجب عليه رد الهبة، أو إعطاء بقية الأولاد مثل ذلك.

8- التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين على القول الراجح.

9- لا يجوز التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى خاص مثل اختصاصه بحاجة أو كثرة عائلته على القول الراجح.

10- إذا فاضل بين أولاده في الهبة ثم مات قبل أن يسترد الهبة فإن الهبة تلزم بالموت عند الأئمة الأربعة.

11- يجوز للوالد أن يرجع في هبته لأولاده عند جمهور العلماء.

12- أن الأم تلحق بالأب في جواز الرجوع في الهبة لأولادها على القول الراجح.

13- يشترط لجواز الرجوع في الهبة أن تكون باقية في ملك الولد، وأن تكون العين الموهوبة باقية في تصرف الولد، وأن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد.
هذا ما تيسَّر لي كتابته حول هذا الموضوع مع اعترافي بالتقصير، ولكني ولله الحمد والمنة قد بذلت ما وسعني من جهد ووقت وبحث، وأسأل الله عز وجل أن يصلح أحوال المسلمين، ويلهمهم رشدهم، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابه، وسنة نبيه.
وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على دربه إلى يوم الدين.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
أحـكـام هِـبَـةُ الأولاد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: أحكام الهبة للأولاد-
انتقل الى: