منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 01:06 am

بسم الله الرحمن الرحيم
ماذا تعرف عن القبر؟
8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور
للشيخ: ندا أبو أحمد
غفر الله له ولوالديه وللمسلميـن
==================
تمهيد
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهد اللهُ فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله...

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } (سورة آل عمران: 102).

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (سورة النساء: 1).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } (سورة الأحزاب: 70،71).


أما بعد...،
فإن أصدق الحديث كتاب الله -تعالى- وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

مقدمة
كان الناس منذ آدم إلى نوح -عليهما السلام- على الإسلام... ويدل على هذا الحديث الذي أخرجه الحاكم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان بين آدم ونوح عشرةُ قرون كلهم على الإسلام".

ثم دبَّ الشرك بعد ذلك في قوم نوح، وكانت بداية الشرك وسببه هو الغلو في الصالحين.

فقد أخرج البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال:
في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} (نوح: 23). قال: هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نُوحٍ، فلما هلكوا أوْحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنْصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسح العلم عُبِدت".

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
"قال غيرُ واحد من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
ـ الأمد:
الزمن.

قال ابن جرير عن محمد بن قيس:
"إن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسْقَوْنَ المطر فعبدوهم. أهـ

فمن أعظم ما أوحاه الشيطان إلى الناس الفتنة بالقبور والاستنجاد بالمقبور، فعُبِدت القبور، واتخذها الناس أوثاناً، وبنوا عليها الهياكل وصوَّروا لأصحابها الصُّور، ثم جعلت تلك الصور أصناماً، ثم عُبِدت من دون الله.

وظل هذا الشرك ينتقل من جيل إلى جيل، ولم يسلم منه مِصر حتى أنه وصل إلى بلد الله الحرام، فكان العرب قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- يعبدون الأصنام، والتي امتلأ بها الحرم.

هذا مع إقرارهم بربوبية الله -عز وجل-، وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت.
قال تعالى في حق هؤلاء المشركين  {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (العنكبوت: 61).

وقال تعالى:
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (العنكبوت: 63).

وقال تعالى:
{قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {84} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ {85} قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {86} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ {87} قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {88} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون: 84 ـ 89).

وقال تعالى:
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} (يونس: 31).

وذكر أهل السير:
أن التلبية من عهد إبراهيم -عليه السلام-:
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".

حتى كان عمرو بن لحى الخزاعي، فبينما هو يُلبِّي تمثَّل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو بن لحى الخزاعي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك"، فقال الشيخ (الشيطان): "إلا شريكاً هو لك"، فأنكر ذلك عمرو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: "تملكه وما ملك"، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو، فدانت بها العرب.

فكـان العرب يؤمنون بالله –عز وجل-، كما كـان يؤمن مَن كان قبلهم، لكنهم اتَّخذوا من المخلوقين (كاللات، والعزَّى، ومناة، ويغُوث، ويعُوق، ونَسْرا) أولياء ووسائط يلجأون ويتقربون إليهم بالدعاء والنذر والذبح ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم في قضاء حاجاتهم، وكشف كرباتهم.

كما قال تعالى:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: 18).

وقال تعالى:
{... وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

وهذا حال كثير من عُبَّاد القبور الآن، يتَّخِذون الأنبياء أو الأولياء وسائط يلجأون إليهم بالدعاء والنذر حتى يقربوهم إلى الله، أو يشفعوا لهم عنده، ولا حول ولا قوة إلا بالله.?

وأخرج جرير بسنده عن مجاهد في قوله تعالى:
{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} (النجم: 19) قال: كان [رجل] يلتُّ لهم السويق فمات فعكفوا على قبره".

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-:
"كان يلتُّ السويق للحاج".

وفي رواية للبخاري:
"كان اللات رجلاً يلتُّ سويق الحجاج".

ـ السويق:
دقيق الحنطة، أو الشعير، ولتَّه: يعني بلَّه بالماء أو السمن.

ـ والحاج:
بمعنى الحجاج كما بينت الرواية الأخرى التي عند البخاري.

قال القرعاوي في "الجديد" صـ 196:
أفاد الأثر بأن اللات في الأصل: اسم لرجل صالح كان يلتُّ السويق للحجاج، فلما مات غلوا في قبره، واتَّخذوه صنماً يُعْبد من دون الله، فعلى هذا كل قبر غلا الناس في تعظيمه سيؤدي إلى عبادته، وإن لم يسمونه عبادة. أهـ

وهذا ما يفعله البعض الآن، غالوا في الصالحين، وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوهم ملاذاً لقضاء المآرب.

تبيَّن من خلال ما سبق أن أصل الشرك وبدايته هو الغلو في الصالحين.

لذا حذّرنا اللهُ تعالى من الغلو الذي يؤدي بدوره إلى الشرك.


قال تعالى:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} (النساء: 171).

ـ والغلو:
هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد.

أي:
لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزل الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.

قال الشيخ عبد الله بن جار الله في "الجامع الفريد صـ 79":
إن مَن دعا نبياً أو ولياً من دون الله فقد اتَّخذهُ إلهاً، وشَابَه النصارى في شركهم، واليهود في تفريطهم.

قال القرعاوي في "الجديد" صـ 174:
ودلّت الآية على أن سبب خروج أهل الكتاب من دينهم هو غلو النصارى في تعظيم عيسى، وغلو اليهود في ذمِّهِ.

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية – رحمه الله –:
ومن تشبَّه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراط فيه، أو تفريط فقد شابههم. أهـ

ـ والخِطابُ ـوإن كان لأهل الكتاب- فإنه عام يتناول جميع الأمة تحذيراً أن يفعلوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فِعْل النصارى بعيسى، واليهود بالعُزَيْر.

ـ وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقطع هذا الطريق على الناس حماية لجناب التوحيد.

فقد أخرج البخاري ومسلم عن عمر -رضي الله عنه-:
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ اللهِ ورسولًهُ".

وأخرج النسائي عن أنس -رضي الله عنه-:
"أنّ أُناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس. قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمدٌ عبدُ اللهِ ورسولُهُ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله -عليه السلام-".

وأخرج النسائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:
"أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله وشئت، فقال: اجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده".

والنبي -صلى الله عليه وسلم- أكَّد على هذه الحقيقة، وبيَّن لأمته أن الغلو في الصالحين يؤدي في نهاية الأمر إلى عبادتهم من دون الله.


ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-:
"أن أم سلمة ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله".

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ:
وإنما صوَّر أوائلهم الصور ليتأسُّوا بها، ويتذكروا أعمالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قومٌ جهلوا مرادهم، ووسوَس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظِّمونها. أهـ
 
فحذّر النبيُ -صلى الله عليه وسلم- عن مثل ذلك سداً للذريعة المؤدية إلى الشرك.

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية -رحمه الله-:
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع -صلى الله عليه وسلم- عن اتِّخاذ المساجد على القبور؛ لأنها هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب... ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعْتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم مَن يسجُد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد.

ـ وانظر إلى فهم الصحابة لهذا الأصل الأصيل، وحمايتهم لجناب التوحيد، ومعرفتهم أن الغلو في الأنبياء والصالحين ذريعة للشرك.

أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن المعرور بن سويد قال:
"خرجنا مع عُمر في حجةٍ حجَّها، فقرأ بنا في الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل} (سورة: الفيل)، و{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} (سورة: قريش)، فلما قضى حجهُ ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلَّى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتَّخذوا آثار أنبيائهم بيعاً! مَن عرضت له منكم فيها الصلاة فليُصلِّ، ومَن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يُصلِّ".

ذكر الطبري في "تاريخه (4/220)"، وابن إسحاق في "مغازيه" عن ابن أبي العالية قال:
"لما فتحنا "تستر" وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عُمر، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقال خالد بن دينار لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً مُتفرِّقة، فلما كان الليل دفناه، وسوَّينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حُبِست عنهم برزوا بسريرهِ فيُمطَرون، فقلت: مَنْ كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يُقال له "دانيال"، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت ما كان تغيَّر منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض".

قال ابن القيم -رحمه الله-:
ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار -رضي الله عنهم- من تعمية قبره؛ لئلا يُفْتتَن به، ولم يُبْرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله.

وكان المشركون قديماً يلجأون إلى الله وحده عند الشدائد، ويطلبون منه العون والمدد دون سواه، وينسون الأولياء الذين اتَّخذوهم آلهة من دونه سبحانه في الرخاء؛ لإيمانهم إيماناً جازماً أنه -سبحانه وتعالى- الوحيد الذي يقدر على إنقاذهم من الغرق.

فهؤلاء المشركون يظلون مخلصين لله الدين ما داموا في منطقة الخطر، ولكنهم إذا اجتازوا هذه المنطقة، ونجوا إلى البر عاودتهم العادة التي وجدوا عليها آباءهم، فيشركون مع الله غيره في الدعاء والذبح، والنذر.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 01:19 am


قال تعالى:
{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65).

وقال تعالى:
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً} (الإسراء: 67).

وقال تعالى:
{قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 63 ـ64).

فهؤلاء المشركين إذا تعرضوا للخطر نسوا آلهتهم من الأولياء... وغيرهم، وأخلصوا الدين لله وحده، وتوجهوا إليه بالدعاء معلِّقين عليه وحده الرجاء؛ لأنهم كانوا يعرفون أن الذين يدعونهم من دونه أضعف من أن يجلبوا لهم أية مساعدة، أو يقدموا لهم أي عون في تلك اللحظة الحرجة، بل لأنهم كانوا يدركون أن مَن يدعون من دون الله أعجز من أن يسمعوا لهم صوتاً فضلاً عن أن يجيبوا لهم دعاء.

وهكذا كان المشركون الأوّل يدعون الله في الشِّدة ويشركوا معه غيره في الرخاء، لكن وصل الغلو في الصالحين إلى دعائهم في الرخاء والشدة.

فإذا ما اشتدَّ بهم كرب أو ضاق بهم مسلك أو تعذَّر عليهم مطلب، فإنهم ينسون الله -سبحانه وتعالى-، ويذكرون أولياءهم، فيتقربون إليهم في ضراعة وخشوع بالدعاء والخوف والرجاء، فتسمع الهُتاف الحار بأسمائهم، والتَّوجه بالدعاء الخالص لهم عند الشدائد، قائلين في ذلة وضراعة: "مدد يا بدوي، أو يا جيلاني، أو يا رفاعي... إلخ".
 
يقول الشيخ محمد أحمد باشميل في كتابه "كيف نفهم التوحيد":
وقد حضرت كثيراً من هؤلاء وهم يتضرعون إلى أوليائهم بالدعاء الحار في البحر، وذلك عندما كنت مسافراً في البحر الأحمر منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، فقد كنا أكثر من ثمانين راكباً في سفينة شراعية صغيرة، وعندما هاج علينا الموج، وغشينا من كل مكان صارت السفينة تهبط بنا بين الأمواج الهائلة وكأنها تنوي الاستقرار في قاع البحر، وترتفع مع المد وكأنها تريد الطيران من البحر وفي تلك الساعة العصيبة ضج القبوريون بالدعاء وطلب العون والمدد لا من الله الحي القدير على كل شيء، وإنما من الميت الذي لا يقدر على شيء.

فقد توجهوا بقلوب خاشعة كسيرةٍ إلى الشيخ سعيد ابن عيسى ـ رحمه الله ـ الذي فارق الحياة منذ أكثر من ستمائة سنة، وأخذوا يدعونه في فزع مشوب بالرجاء قائلين: "يا ابن عيسى، يا ابن عيسى، حلَّها يا عمود الدين"، وأخذوا يتسابقون بنذر النذور له، والتعهُّد بتقديمها عند قبره إن هم نجوا من الغرق، وكأن أمرهم بيده لا بيد الله -سبحانه وتعالى-.

وعندما حاولتُ إقناعهم بأن هذا الموقف لا يصح أن يَتَوجَّه فيه مسلم إلى غير الله، وأن يتركوا الشيخ ابن عيسى كادوا يقذفون بي في البحر، وعندما هدأت العاصفة ونجونا بفضل الله، أخذ هؤلاء القبوريون يؤنِّبونني ويُخوِّفونني من سوء الظن بالأولياء، وقالوا: لولا حضور القطب ابن عيسى في تلك الساعة العصيبة لكنَّا جميعاً في بطون الأسماك، فقلت لهم: إن هذا الشيخ الميت أعجز من أن يسمع دعاءكم فضلاً عن أن يجيبه، أعقلوا أيها القوم...، إن هذا الذي تدعونه من دون الله ميت، وقد قرَّر اللهُ أن الميت لا يسمع، وبهذا جاء القرآن.

قال تعالى:
{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (النمل: 80).

وقال تعالى:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22).

فانظر كيف فعل الغلو بأهله، حتى جعل الإنسان ينصرف بقلبه عن خالقه ورازقه، عن ربِّه الذي هو معه يسمع ويرى، ثم يتوجَّه في ضراعة وخشوع إلى عظام نخرة عجزت عن صدِّ غارات الدود عنها.

فانظر مدى حقارة الشرك وخسة الكفر التي تُمرِّغ كرامة الإنسان في مزابلها وأوحالها، حيث تنحدر به من مرتبة الإنسان العاقل الذي كرَّمه الله إلى منزلة أحطّ من منزلة الأنعام السائمة.

وصدق الله العظيم حيث يقول في كتابه الكريم:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5).

عوداً على ذي بدء نقول:
إن الذي أخذ بالناس إلى درك الشرك وأوحاله هو الغلو في الصالحين.

ـ وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول كما في مسند الإمام أحمد، وعند النسائي، وابن ماجة والحاكم، والبيهقي بسند صحيح عن عمر-رضي الله عنه- مرفوعاً: "إياكم والغلو، فإنما أهلك مَن كان قَبْلكُم الغلو".

ـ وقد وقع ما حذَّر منه النبيُ -صلى الله عليه وسلم-، فهناك مَنْ غلا في النبي -صلى الله عليه وسلم- كالبوصيري في بُردته...
حيث قال:
يا أكرم الخلق ما لي ألــــــوذ به
سواك عند حدوث الحـادث العمم


ـ وهناك مَنْ غلا في الأولياء الصالحين، وهذه وسيلة من وسائل وأسباب الشرك، فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين، ويلقي في قلوب الناس أن البناء على قبورهم، والعكوف عندها دليل على محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب.

فإذا استجابوا لذلك ينقلهم إلى مرتبة أخرى أشد وهي الدعاء بهم، والإقسام على الله بهم.

فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتِّخاذ قبره وثناً تُعلَّق عليه الستور، ويُطاف به، ويُستلم، ويُقبَّل، ويُذبح عنده.

ثم ينقلهم بعد ذلك إلى مرتبة رابعة وهي دعاء الناس إلى عبادته، واتِّخاذه عيداً
ثم ينقلهم إلى أنَّ مَن نهى عن ذلك فقد تنقَّص أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون على مَن يُنكر عليهم. أهـ من كلام ابن القيم باختصار وتصرف (انظر تفسير الطبري: 29/62)، (فتح المجيد صـ 218).

ـ إذاً تعظيم القبور، وبناء القباب عليها، وسترها بالحرير والقماش، وتعليتها، وإيقاد السُّرُج عليها، والغلو في أصحابها جرّ إلى عبادة المقبور من دون الله.

قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ كما في "إغاثة اللهفان" (1/214):
"ومَنْ جمع بين سُنَّة رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم- في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له؛ بحيث لا يجتمعان أبداً.

فنهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يُصلّون عندها، ونهى عن اتِّخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمُّونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السُرُج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تُتَّخذ عيداً، وهؤلاء يتَّخذونها أعياداً ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في صحيحه.

عن أبي الهياج الأسدي قال:
قال لي عليٌّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أن لا تدع صورة إلا طـمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيـتـه".


وفي صحيحه أيضاً عن ثمامة بن شُفي قال:
"كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفِّي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- يأمر بتسويتها" -أي بعدم رفعها-، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب والمشاهد والأضرحة".

(قلت)
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن تعلية القبور ورفعها فخالفه البعض ورفعوها، ووضعوا عليها العمامات.

ـ ونهى عن تجصيص القبر فخالفه البعض، فلم يطلوها بالجير بل زيَّنوها بالرخام، وأقاموا حولها سوراً من الذهب والفضة.

ـ ونهى عن ستر القبر بالقماش، فخالفه البعض وكسوها بالديباج.

ـ ونهى عن الكتابة على القبور فكتبنا عليها بماء الذهب.

ـ ونهى عن شد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، فشدَّ البعض الرحال إلى ألف مسجد، في كل مسجد قبر ولي.

إلى أن قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
"فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقصده من النهي عما تقدَّم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه! ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره".


ثم أخذ يذكر تلك المفاسد، إلى أن قال:
"ومنها: أن الذي شرعه النبي -صلى الله عليه وسلم- عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه والاستغفار، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة: الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤال حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء... ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه تعالى من الدعاء له والتَّرحم عليه والاستغفار له". أهـ

وبهذا يتَّضِح أن تقديم النذور والقرابين للمزارات شركٌ، سببه مخالفة هَدي النبي -صلى الله عليه وسلم-  في الحالة التي يجب أن تكون عليها القبور، من عدم البناء عليها وإقامة المساجد عليها؛ لأنها لمَّا بنيت عليها القباب، وأقيمت حولها المساجد والمزارات، ظن الجُهَّال أن المدفونين فيها ينفعون أو يضرون، وأنهم يُغيثون من استغاث بهم، ويقضون حوائج مَن التجأ إليهم، فقدموا لهم النذور والقرابين، حتى صارت أوثاناً تُعبد من دون الله، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبد" (رواه مالك والإمام أحمد).

وجاء في فتاوى ابن باز -رحمه الله-:
أن زيارة القبور على ثلاثة أنواع...

النوع الأول: مشروع.
وهو أن يزورها للدعاء لأهلها، أو لتذكُّر الآخرة.

النوع الثاني:
أن تُزار للقراءة عندها، أو للصلاة عندها، أو للذبح عندها، فهذه بدعة، ومن وسائل الشرك.

النوع الثالث:
أن يزورها للذبح للميت، والتقرُّب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله، أو لطلب المدد منه، أو الغوث، أو النصر، فهذا شرك أكبر -نسأل الله العافية-.

فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة، ولا فرق بين كون المدعو نبياً أو صالحاً... أو غيرهما، ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجُهَّال عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين، أو البدوي، أو الشيخ عبد القادر الجيلاني... أو غيرهم.

السؤال:
هل يقع الشرك في هذه الأمة؟

ـ هناك مَن يُنْكر وقوع الشرك في هذه الأمة ويقول:
"إنها معصومة منه"؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الشيطان يئس أن يعبده المُصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (مسلم).

والجواب على ذلك سهل وواضح:
إن من المقطوع به جزماً أن الشرك يقع في هذه الأمة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ثوبان: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعْبد فئام من أمتي الأوثان" (مسلم).

ـ الفئام:
الجماعات الكثيرة.

وفي رواية:
"لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعْبد قبائل من أمتي الأوثان" (أبو داود والترمذي).

وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخَلَصة".

ـ ذو الخلصة:
الصنم الذي كانت تعبده دوس في الجاهلية.


وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-:
عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزَّى، فقالت عائشة: يا رسول الله. إن كنت لأظن حين أنزل الله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (الصف: 9)، إن ذلك تاماً، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبةً فتوفَّى كل مَنْ في قلبه مثقال حبةٍ خردل من إيمان، فيبقى مَنْ لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم" (مسلم).

وفي رواية أخرى عند مسلم أيضاً:
من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حدَّث عما يكون بعد موت المسيح -عليه السلام- في آخر الزمان، فقال: "ثم يُرسل الله ريحاً باردة من قِبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو كان أحدهم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حنى تقبضه، قال: سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارةٌ أرزاقهم، حسنٌ عيشهم، ثم يُنفخ في الصور".

ـ وأما حديث: "يَئِس الشيطان أن يعبده المُصلُّون في جزيرة العرب":
"أن نقول: إن يأس الشيطان أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-  لَمَّا رأى الشيطان الفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ولكن الواقع لا يلزم أن يكون موافقاً لما ظنَّه الشيطان، بل إن الأمر وقع بخلافه".

فهذا مجرد ظن من الشيطان لا يعلق به حكم، ولا يُؤخذ منه خبر.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لتتبعُنَّ سُنَنَ مَنْ كان قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ حتى لو دخلوا جُحر ضَبٍ لاتَّبعتمُوهم. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمَنْ" (البخاري ومسلم).

قال شيخ الإسلام  -رحمه الله-:
"هذا خرج مخرج الخبر والذم لِمَنْ يفعله، كما كان يخبر عما يكون بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة" (تيسير العزيز الحميد صـ 370).

وقال سفيان بن عُيينة -رحمه الله-:
"مَنْ فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومَنْ فسد من عُبَّادِنَا ففيه شبه من النصارى".

و"قضاءُ اللهِ نافذ عما أخبر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- بما سبق في علم الله.

لكن ليس في الحديث إخبار عن جميع الأمَّة لِمَا تواتر أنها لا تجتمع على ضلالة" (المرجع السابق).

أحبتي في الله...
لقد ساد الجهل في هذا الزمان، وتعلَّق الناس بالأساطير والمقبورين، وتركوا تعاليم الدين، وزين لهم الشيطان تشييد القباب، والبناء على القبور، وتقديس الأضرحة.
فأين عقول هؤلاء الذين يعبدون أحجاراً، ويُقدِّسُون قِبَابَاً؟!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 07:40 am


وإليك أخي الحبيب صوراً من شرك القبور، وألوان من العبادات تُفعل للمقبور ومنها:
أولاً ـ طلب قضاء الحوائج من أصحاب القبور:
قال -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5).

وقال -تعالى-:
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الأعراف: 194).

ويقول -تعالى-:
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: 3).

قال ابن تيمية -رحمه الله-:
الأمور المُبتدعة عند القبور مراتب:

المرتبة الأولى: أبعدها عن الشرع:
أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثّل لعباد الأصنام الشيطان في صورة الميت أو الغائب، كما يتمثّل لهم -وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب- يدعو أحدهم مَنْ يُعظّمه، فيتمثل له الشيطان أحياناً، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السُّجود للغير، والتمسُّح به، وتقبيله.

المرتبة الثانية:
أن يسأل الله -تعالى- به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.

المرتبة الثالثة:
أن يسأله نفسه (أي يسأل المقبور).

المرتبة الرابعة:
أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، إذ إنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي مُحَرَّمَة، وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئِمَّةِ الدِّين، وإن كان كثير من المتأخِّرين يفعل ذلك، ولم يكن أحَدٌ من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين، ولا تابعي التابعين يعكف عند القبور يسأل أصحابها، ويستغيث بهم، ويطلب قضاء حوائجه من أصحابها الموتى.

ويقول شيخ الإسلام  ابن تيمية -رحمه الله- أيضاً:
ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب، فيقول: "يا سيدي فلان" كأنه يطلب منه إزالة ضُرِّهِ، أو طلب منفعته، وهذا حال النصارى في المسيح وأمَّهُ وأحبارهم ورُهبانهم، ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبيُنا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وأعلمُ الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً في ذلك لا في مغيبه، ولا بعد مماته.
 
ويقول أيضاً:
"وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئاً، فاستغاث بشيخه بطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك، وهو من جنس دين النصارى، فإن الله هو الذي يُصيب بالرَّحمة، ويكشف الضُّر.

قال -تعالى-:
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} (يونس: 107).

هذا... وسُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُكْثِرَ العبدُ من ذكر الله، والاستغفار والصلاة والدعاء والتضرع إلى الله -تعالى-، ولم يأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاتجاه إلى المشايخ والصالحين كما يفعل بعض الجُهَّال.

قال ابن القيم -رحمه الله-:
ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتَّوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمَّنْ استغاث به، وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشَّافع والمشفوع عنده. أهـ

يقول ابن القيم -رحمه الله- كما في "إغاثة اللهفان" (1/318):
هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتيَ عن أحدٍ منهم (أي السلف الصالح) بنقل صحيح، أو حسن أو ضعيف، أو منقطع، أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسَّحوا بها، فضلاً أن يُصلُّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك. أهـ
 
وقد سُئِلَ فضيلة الشيخ ابن عثيمين في فتاوى "نورٌ على الدَّرب":
ما حكم الشَّرع في نظركم في أُناس يزورون قبور الصالحين والأولياء كما يزعمون، ويطلبون الصِّحَة ومتاع الدُّنيا؟

فأجاب فضيلته فقال:
والذهاب للقبور سواء كانت قبوراً لعامة الناس، أو قبوراً لمن يزعمون أنهم أولياء، ليستغيثوا بهم، ويستنجدوهم، ويطلبوا منهم تيسير أمورهم المعيشية، وهذا شركٌ أكبرٌ مُخرجٌ عن المِلَّة؛ لقول الله -تعالى-: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (المؤمنون: 117).

وهذه الآية أفادت أن كلَّ مَنْ دعا مع الله إلهاً آخر، فإنه لا بُرهان له بذلك، ولا دليل له، بل الدَّليل يدل على سفهه وضلاله، وأفادت أيضاً التهديد لِمَنْ دعا مع الله إلهاً آخر بقوله -تعالى-: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}.

وأفادت أن هذا الداعي لن يَفلح بدعاء غير الله، وأفادت بأنه كافر... لقوله -تعالى-: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}، ودعاء غير الله ضلال وسفه، لقوله -تعالى-: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ الِحِينَ} (البقرة: 130).

وقوله -تعالى-:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5)، ومن العجب أن يذهب هؤلاء إلى هؤلاء المقبورين، الذين يعلمون أنهم جثث هامدة لا يستطيعون أن يتخلّصوا ممَّا هم فيه، يطلبون منهم أن يُخلِّصُوهم من الشدائد، ويطلبون منهم تفريج الكُرُبَات.

إذا تأمَّل الإنسان حال هؤلاء، فإنه يفضي منها العجب العُجاب، ولو أن هؤلاء رجعوا إلى أنفسهم، وإلى عقولهم، لتبيَّن لهم سفههم، وأنهم في ضلال مبين،
فنسأل الله تعالى للمسلمين عامة أن يبصِّرهم في دينهم، وأن يهديهم إلى الحق، وأن يثبتهم عليه.

وإني أقول لهؤلاء إذا أردتم الدعاء النَّافع فالجَأُوا إلى الله -سبحانه وتعالى-، فإنه هو الذي يُجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يقول لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186).

وليُجرِّبوا إذا اتجهوا إلى الله، والتجأوا إليه، ودَعَوْهُ بصدق وإخلاص، أو افتقار وأمل في الإجابة، حتى يتبيَّن لهم أنه لا ينفعهم إلا الله -عز وجل-، فإن قلت إنه قد يحصل أن يدعوا هؤلاء أصحـاب هذه القبـور الذين يزعمون أنهم أولياء، ثم يجري قضـاء الله وقدره، ويحصل لهم المطلـوب، فما موقفنا نحو هذه الحادثة؟

فالجواب:
أن موقفنا أننا نعلم علم اليقين أن ما حصل لهم ليس من هؤلاء، وليس بدعائهم هؤلاء، فإن الله -عز وجل- يقول: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5).

فإن هؤلاء لا يستطيعون أن يجلبوا لهم، ولا أن يدفعوا عنهم ضرراً، كما قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ {20} أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النحل: 20 ـ21).

فلا يستطيع هؤلاء الأموات أن يُوجدوا  لهم شيئاً بنصِّ القرآن وبإجماع المسلمين، ولكن هذا حصل عند الدعاء لا به، فتنةٌ من الله -تعالى-.

والله -سبحانه وتعالى- قد يَفْتِن العِباد بتيسير أسباب المعصية لهم ليبلُوهُم؛ ألم ترَ إلى ما امتحن الله به بني إسرائيل حين حرَّم عليهم صَيْدُ الحيتان يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شُرعَّاً على ظهر الماء وبكثرة، وفي غير يوم  السبت لا يرونها، فالتجأوا إلى حيلة، وضعوا الشِّباك يوم الجمعة، فتقع بهذه الشِّباك يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، فقال الله -تعالى- لهم: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (البقرة: 65).

كما قال -تعالى-:
{واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (الأعراف: 163).

وقال -تعالى-:
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ {65} فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 65 ـ66)، ثم ألا ترى إلى ما ابتلى به الله تعالى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حين كانوا مُحرمين، فقال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} (المائدة: 94)، فأرسل الله -تعالى- عليهم الصيد تناله الأيدي، فتمسك ما كان يعدو على الأرض، والرِّماح فتخرق ما كان يطير، فسهَّل الله لهم الحصول على هذا الصيد ليبلوهم، ولكن الصحابة -رضي الله عنهم- وهم خير القرون لم يأخذوا شيئاً من هذا الصيد الذي سهَّله الله لهم لتقواهم لله -عز وجل- وخوفهم منه.

والمقصود أن هؤلاء المشركين الذين يدعون هذه القبور، ثم يجري القضاء والقدر بحصول ما دعوا به يكون هذا بلا شك ابتلاء من الله -تعالى- وامتحاناً لهم...

فنسأل الله -تعالى- أن يُرِيَنا الحق حقَّاً ويرزقنا اتِّباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. (فتاوى الشيخ ابن عثيمين: 1/157 ـ160).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 07:58 am


ثانياً ـ  دعــاء أصـحــاب الـقـبــور:
من المعلوم أن الدعاء عبادة، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال كما عند أهل السنن: "الدعاء هو العبادة".

لكن هناك من صرف هذه العبادة لغير الله، فذهب يدعو الأموات من دون الله تعالى ويطلب منهم، وما علِم هذا المسكين أن الأموات لا يملكون لأنفسهم جلب نفع أو دفع ضرٍّ، فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم، ولقد جاءت الآيات القرآنية تُؤكد هذا المعنى، وتُبيِّن ضلال مَن يفعل ذلك.

قال -تعالى-:
{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 56-57).

وقال -تعالى-:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ {73} مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 73 -74).

وقال -تعالى-:
{وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ {106} وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس: 106 -107).

قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:
"ولا تدعُ يا محمد من دون الله معبودك وخالقك شيئاً لا ينفعُك في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولا يضرُّك في دينٍ ولا دُنيا. أهـ

فإنه سبحانه المنفرد بالمُلك والقهر، والعطاء والمنع، والضُّر والنّفع، دونه كل ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده، المعبود وحده، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، ولا يملك ذلك ولا شيئاً من غيره تعالى، فهو المستحق للعبادة وحده دون من يضر ولا ينفع.

وقال -تعالى-:
{... قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أو أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (الزمر: 38).
 
* قال شارح كتاب "التوحيد" الشيخ عبد الرحمن حسن آل الشيخ -رحمه الله-:
فاعتقد عُبَّاد القبور والمشاهد نقيض ما أخبر به الله تعالى، واتَّخذوهم شركاء لله في استجلاب المنافع ودفع المكاره، بسؤالهم والالتجاء إليهم بالرغبة والرهبة والتضرع، وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها إلا الله تعالى، واتَّخذوهم شركاء لله في ربوبيته وألوهيته، وجعلوا لهم نصيباً من التصرف والتدبير، وجعلوهم معاذاً لهم وملاذاً في الرغبات والرهبات: {سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

ولَمَّا ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم-، -بدعوته بين الناس- حاول كفَّار قريش أن يُنفّروا الناس عنه، فقالوا: ساحر... كاهن... مجنون، لكنهم وجدوا أن أتباعه يزيدون ولا ينقصون، فاجتمع رأيهم على أن يغروه بمال ودنيا، فأرسلوا إليه حصين بن المنذر الخزاعي وكان من كبارهم، فلما دخل عليه حصين، قال: يا محمد. فرَّقت جماعتنا، وشتَّتْتَ شملنا، وفعلت... وفعلت، فإن كنت تريد مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت نساءً زَوَّجناك أجمل النساء، وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا... ومضى في كلامه وإغرائه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ينصت إليه، فلما انتهى من كلامه، قال له -صلى الله عليه وسلم-: "أفرغْتَ يا أبا عمران؟ قال: نعم. قال:  فأجبني عَمَّا أسأل، قال: سل عما بدا لك، قال: يا أبا عمران. كم إلهاً تعبد؟ قال: أعبدُ سبعة، ستة في الأرض، وواحداً في السماء، قال: فإذا هلك المال مَنْ تدعو؟!! قال: أدعو الذي في السماء، قال: فإذا انقطع القطر مَنْ تدعو؟!! قال: أدعو الذي في السماء، قال: فإذا جاع العيال مَنْ تدعو؟!! قال: أدعو الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده، أم يستجيبون لك كلهم؟ قال: بل يستجيب وحده، فقال: يستجيب لك وحده، وينعم عليك وحده، وتشركهم في الشكر؟ أم إنك تخاف أن يغلبوه عليك؟ قال حصين: لا. ما يقدرون عليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: يا حصين أَسْلِم، أُعلِّمك كلمات ينفعك الله بهن" (أخرجه البيهقي بسند حسن).

وصدق الله -تعالى- حيث قال:
{قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أو أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {40} بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 40-41).
 
وتأكيداً على هذا الأصل الأصيل، يقول رب العالمين في كتابه الكريم:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ {13} إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر: 13-14).

يقول شارح كتاب "التوحيد" الشيخ عبد الرحمن حسن آل الشيخ -رحمه الله-
في شرح هذه الآية: "يخبر تعالى عن حال المدعوِّين من دونه بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك، وسماع الدعاء والقدرة على استجابته، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عُدمت بالكلية؟

ـ فنفى عنهم المُلك بقوله:
{مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}

قال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة:
"القطمير": اللفافة التي تكون على نواة التمر، كما قال -تعالى-: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} (النحل: 73).

وقال -تعالى-:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ {22} وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ...} (سبأ: 22-23).

ـ ونفى عنهم سماع الدُّعاء بقوله:
{إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ...}.

لأنهم ما بين ميت أو غائب عنهم، مشتغل بما خلق له، أو مسخر بما أُمر به كالملائكة، ثم قال: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ}، لأن ذلك ليس لهم، فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم، لا استقلالاً ولا واسطة، وقوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ...} (فاطر: 14)؛ فتبيَّن بهذا أن دعوة غير الله شرك.

ـ وقوله -تعالى-:
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ...} (فاطر: 14)؛ قال ابن كثير: يتبرءون منكم.
كما قال -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ {5} وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف: 5-6).

ـ وقوله -تعالى-: {... وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}
أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها، قال قتادة: ويعني نفسه -تبارك وتعالى- فإنه أخبر بالواقع لا محالة.
 
ـ والمشركون قالوا عن معبوداتهم:
تملك وتسمع وتستجيب وتشفع لمَنْ دعاها، ولم يلتفتوا إلى ما أخبر به الخبير من أن كل معبود ينادي عابده يوم القيامة، ويتبرَّأ منه، كما قال -تعالى-: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ {28} فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ {29} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون} (يونس: 28-30).

فالكَيِّسُ:
هو الذي يستقبل هذه الآيات فيُجَرِّدُ أعماله لله وحده دون كل ما سواه مِمَّنْ لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً.

ـ وبَيَّنَ ربُّ العالمين في كتابه الكريم أن هؤلاء الذين يدعونهم الناس من دون الله لا يسمعون دعاءهم، قال -تعالى-: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (النمل: 80).

وقال -تعالى-:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22).

هذه قاعدة كونية ثابتة لا تتغير:
وهي أن الميت (أي ميت) لا يسمع، إلا مَنْ جاء في حقه دليل خاص، وفي حالات خاصة، فهذا خصوص يبقى معه العموم على حاله، فمن أين الدليل على أن الموتى يسمعون؟

ولو فُرِضَ جدلاً أنهم يسمعونهم، فهل رُخِّص لهم في أن يدعوهم، ويستغيثوا بهم من دون الله، وهل أخبرهم الله أنهم مُخَوَّلون بإجابة دعائهم، والعمل على إنقاذهم عند الاستغاثة؟ سؤال يبحث عن إجابة، ولكن لا مجيب.

قال الشيخ ابن باز -رحمه الله- في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (8/320):
أما الاستغاثة بالأموات وأهل البيت، فذلك من الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، لقوله -تعالى-: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (المؤمنون: 117).

وقوله -تعالى-:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (الجن: 18)، وقوله -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ {5} وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف: 5-6)، والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة". أهـ (أخرجه أهل السنن الأربع بإسناد صحيح).

وقال محمد أحمد باشميل في كتابه "كيف نفهم التوحيد":
إن الله -تعالى- قال في حق المشركين الأولين: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65).

{وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً}  (الإسراء: 67).

{قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 63 ـ64).

فهذه الآيات تثبت أن أولئك المشركين إذا ركبوا في البحر وتعرضوا للخطر فتوقعوا نزول قارعة نسوا آلهتهم من الأولياء وغيرهم، وكفروا بهم، وأخلصوا الدين لله وحده، وتوجهوا إليه بالدعاء، مُعلِّقين عليه وحده الرجاء؛ لأنهم كانوا يعرفون تماماً أن الذين يدعونهم من دونه هم أحقر وأضعف من أن يجلبوا لهم أية مساعدة، أو يقدموا لهم أي عون في تلك اللحظة الحرجة.

بل لأنهم كانوا يدركون أن مَن يدعون من دون الله أعجز من أن يسمعوا لهم صوتاً، فضلاً أن يجيبوا لهم دعاء، لذا فشريط المغالطات المعروض أمام بصائرهم يتمزق في تلك اللحظة الفـاصلة، وتتجلى أمـامهم الحقيقة جلية واضـحة، وهي أن أحداً غير الله -مهما كان- لا يمكن الالتجاء إليه والتعلُّق به ودعاؤه.

فهم يلجأون إلى الله وحده، فيخلصون له الدين، ويدعونه ويتضرعون إليه، ويطلبون منه العون والمدد دون سواه، ويظلون مخلصين لله الدين ما داموا في منطقة الخطر، ولكنهم إذا اجتازوا هذه المنطقة ونجوا إلى البر عادوا فيشركون مع الله غيره في الدعاء، والذبح، والنذر، فسماهم الله بسبب ذلك مشركين، في قوله -تعالى-: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65)، فهذا هو حال المشركين الأولين في إخلاصهم الدين لله، وتوجُّههم إليه وحده بالدعاء عندما يجذبهم أمر، أو يحدق بهم خطر.

أما مشركوا هذا الزمان من القبوريين، فهم على النقيض من المشركين الأوَّلين، فلا يدعون الله، ولا يتضرَّعُون إليه إلا في الرَّخاء، أما إذا اشتد بهم كَرْبٌ أو ضاق بهم مسلك، أو تعذَّر عليهم مطلب، فإنهم ينسون الله -تعالى-، ويذكرون أولياءهم، فيتقربون إليهم في ضراعة وخشوع بالدعاء، والذبح، والنذر، والخوف، والرَّجاء.
 
والقبوريون إذا ركبوا البحر وأحدق بهم الخطر نسوا الله -تعالى-، وذكروا أولياءهم، وسارعوا بالابتهال والدعاء إليهم مستغيثين ومستنجدين، قائلين في ذلة وضراعة: "يا بدوي، يا جيلاني، يا رفاعي.." إلخ.

فتراهم يناجونهم وكأنهم عندهم حاضرون، ولو رأيتهم في هلع وذلة كيف يتبارون في نذر النذور لهؤلاء المقبورين، ويتعهدون بتقديم القرابين عند قبورهم إن هم نجوا من الغرق ـ لأدركت مدى حقارة الشرك وخسَّة الكفر التي تُمرِّغ كرامة الإنسان في مزابلها وأوحالها، حيث تنحدر به من مرتبة الإنسان العاقل إلى منزلة أحط من منزلة الأنعام السائمة.

وأي حقارة وخسة ومهانة أحط من أن ينصرف الإنسان بقلبه عن خالقه ورازقه، عن ربه الذي هو معه يسمع ويرى، ثم يتوجه في ضراعة وخشوع إلى عظام نخرة عجزت عن صد غارات الدود الذي اقتتل على التهام اللحم المحيط بها في القبر يتوجه إليها، فيطلب منها العون والمدد داعياً إياها ومستغيثاً بها لتسارع لإنقاذه من الغرق؟!

وصدق الله العظيم حيث يقول في كتابه الكريم:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (الأحقاف: 5). أهـ

يقول شيخ الإسلام  ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى" (17/456): وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة، فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت، ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء، ودفع عنه بعض ما يكره، أو كلمه ببعض ما سأله عنه، وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصوَّرت على صورته لتضله، وتضل أتباعه، فتحسِّن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله. أهـ
 
جاء في كتاب "المجموع الثمين" لإبن عثيمين -رحمه الله- وكذا كتاب "تيسير العزيز الحميد" لسليمان بن عبد العزيز: أن الدعاء قسمان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة: "وكلاهما متلازمان. واعلم أن الدعاء عبادة من أجلّ العبادات لا يصرف إلا لله، قال الله -تعالى-: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (المائدة: 76).

فالمعبود لابد أن يكون مالكاً للضر والنفع، فهو يدعى لجلب النفع ودفع الضر دعاء مسألة، ويدعى خوفاً ورجاءً دعاء عبادة، قال -تعالى-: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55).

وبهذا تعلم أن مَن توجَّه إلى القبور يسأل أصحابها قضاء الحاجات وتفريج الكربات، أو طاف حول القبور وذبح لها النذور، أو طلب منهم أن يشفعوا له عند الله، أو دعاهم من دون الله، فهذا يقول: "ياعلي"، وهذا يقول: " يا عبد القادر"، وهذا يقول: "يا ابن علوان"، وهذا يدعو "البدوي"، وهذا يدعو "العبدروس"، بل بلغ الأمر إلى أن سألوهم مغفرة الذنوب، وترجيح الميزان، ودخول الجنة، والنجاة من النار، والتثبيت عن الموت والسؤال، وغير ذلك  من المطالب التي لا تطلب إلا من الله.

"اعلم أن مَن فعل ذلك أو غيره مما لا يطلب إلا من الله فقد دعا غير الله، وتوجه إلى سواه، ومَن دعا غير الله فقد عبد غير الله، ومن عبد غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر المُخرج عن  الإسلام  الذي يوجب لصاحبه الخلود الأبدي في النار وتحريم الجنة عليه" (تيسير العزيز الحميد).

واعلم أنه قد أجمع العلماء أنّ مَن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فهو مشرك كافر، قال -تعالى-: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ } (الزمر: 19).

فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يقدر على تخليص أحد من النار فكيف بغيره؟! قال -تعالى-: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً {21} قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} (الجن: 20-21) يعني: ملتجأ.

ومن الناس مَنْ يقصد القبور لسؤال أصحابها وعبادتهم من دون الله، فمنهم مَن يكشفون الرءوس باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، ومنهم من يسجد لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيماً لها وخضوعاً لمن فيها، ينادي صاحب القبر: "يا سيدي فلان، جئتك من بلاد بعيدة قاصداً فلا تخيبني"، وإذا قحط المطر أو عقرت المرأة من الولد، أو جاء العدو، أو حلّ الفقر والمرض فزعوا إلى صاحب القبر وبكوا عنده، فإن جرى المقدور وقدَّر الله حصول شيء مما طُلب استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، وإن لم يُقدِّر الله شيئاً فلم يحصل المطلوب اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر، أو ساخط عن بعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم يعطوه النذر، أو لم يمنحوه ما يستحق في زعمهم من التعظيم والعبادة" (تيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد العزيز).
 
سُئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ما حكم دعاء أصحاب القبور؟
فأجاب بقوله: الدعاء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
دعاء عبادة، ومثاله الصلاة، والصوم، وغير ذلك من العبادات، فإذا صلَّى الإنسان، أو صام، فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، ويدل لهذا قوله -تعالى-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر: 60).

فجعل الدعاء عبادة، فمَن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فقد كفر كفراً مخرجاً عن الملة، فلو ركع الإنسان، أو سجد لشيء يعظمه، كتعظيم الله في هذا الركوع، أو السجود لكان مشركاً خارجاً عن الإسلام ، ولهذا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الانحناء عند الملاقاة سداً لذريعة الشرك: "فسُئِلَ عن الرجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا".

وما يفعله بعض الجُهَّال إذا سلَّم عليك انحنى لك خطأ، ويجب عليك أن تبيِّن له ذلك، وتنهاه عنه.

القسم الثاني:
دعاء المسألة، وهذا ليس كله شركاً، بل فيه تفصيل:
أولاً:
إن كان المدعو حياً قادراً على ذلك فليس بشرك، كقولك: "اسقني ماءً"  لمن يستطيع ذلك، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن دعاكم فأجيبوه"، وقال -تعالى-: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} (النساء: 8).

فإذا مدّ الفقير يده وقال:
"ارزقني"، أي: اعطني فهو جائز، كما قال -تعالى-: {فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ}

ثانياً:
إن كان المدعو ميتاً، فإن دعاءه شِرْكٌ مُخْرِجٌ عن المِلّة.

ومع الأسف:
أن في بعض البلاد الإسلامية مَنْ يعتقد أن فلاناً المقبور الذي بقي جثة، أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد له، وهذا -والعياذ بالله- شرك أكبر مخرج عن الملة، وإقرارُ هذا أشد من إقرارِ شرب الخمر، والزنا، واللواط؛ لأنه إقرار على كفر، وليس إقراراً على فسوق فقط، فنسأل الله أن يُصلح أحوال المسلمين (المجموع الثمين: 2/121).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 08:56 am


ثالثاً  ـ التَّوَسُّل بأصـحـاب الـقـبــور:
وقبل أن نتكلم عن عدم مشروعية التَّوَسُّل بأصحاب القبور، نتكلم أولاً عن تعريف التَّوَسُّل لغة واصطلاحاً، وكذا أقسام التَّوَسُّل.

أولاً: التَّوَسُّل لغة:
التَّقرُّب، يقال: توسَّلتُ إلى الله بالعمل أي: تقرَّبت إلى الله.
وتوسَّل إلى فلان بكذا: تقرَّب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه.

والوسيلة:
هي التي يُتوصَّل بها إلى تحصيل المقصود.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} (المائدة: 35).

ووسل إلى الله تعالى توسيلاً:
عمل عملاً تقرَّب به إليه كتوسُّل".

والواسِلُ:
هو الراغب إلى الله تعالى.

ثانياً: التَّوَسُّل اصطلاحاً:
ولا يخرج التَّوَسُّل في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فيطلق على ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى، من فعل الطاعات وترك المنهيات.

ـ ويطلق التَّوَسُّل أيضاً على التَّقرُّب إلى الله، بطلب الدعاء من الغير، وكذلك على الدعاء المُتقرَّب به إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته.

ثالثاً: أقسام التَّوَسُّل: والتَّوَسُّل ينقسم إلى قسمان:
•    القسم الأول:
•    التَّوَسُّل المشروع، وهو أنواع منها:
1.    التَّوَسُّل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسني، أو صفة من صفاته العليا:

كأن يقول المسلم:
"اللهم أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني".

أو تقول:
"أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي"، ودليل مشروعية هذا التَّوَسُّل قوله تعالي: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف: 180).

ولما سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يدعو ويقول في تشهده: "اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم" فقال -صلى الله عليه وسلم-: "قد غُفِرَ له، قد غُفِرَ له" (أبو داود، والنسائي، وأحمد... وغيرهم، وإسناده صحيح).
 
التَّوَسُّل إلى الله تعالى بالإيمان أو بعمل صالح قام به الدَّاعي:
كأن يقول المسلم: "اللهم بإيماني بك ومحبتي لرسولك اغفر لي"، ويدل له قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 16).

وكما في حديث أصحاب الغار الذين انحدرت عليهم الصخرة فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: "إنه لا يُنجِّيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالِكم، فتَوسَّل الأول بِبرِّه بوالديه، وتَوسَّل الثاني بعفَّتِه من الزنا، وتَوسَّل الثالث بحفاظه على حق أجيره، فاستجاب الله لهم وفَرَّج عنهم" (البخاري ومسلم).

التَّوَسُّل إلى الله بدعاء الرجل الصالح:
كأن يقع المسلم في ضيق شديد، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح، فيطلب منه أن يدعو له ربه ويدل لذلك ما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: "اللهم إن كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا: قال: فيسقون" (البخاري).

فليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم:
"اللهم بجاه نبيك أسقنا"، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم بجاه العباس أسقنا"؛ لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم" (كتاب التَّوَسُّل للشيخ الألباني صـ 29).

ـ وهذا التَّوَسُّل الذي هو بدعائه قد انقطع بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، فلا يجوز لمسلم أن يأتي قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  ويسأله حاجة، أو غفران ذنب، أو كشف ضر (كتاب تطهير الجنان والأركان للشيخ أحمد بن حجر آل بوطامى صـ 7).

وهناك من أهل العلم مَنْ زاد على هذه الثلاث فأضاف:
2.    التَّوَسُّل إلى الله تعالى بتوحيده:
كما تَوسَّل يونس -عليه السلام-: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: 87).

3.    التَّوَسُّل إلى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار إلى الله:
كما قال أيوب -عليه السلام-: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء: 83)

4.    التَّوَسُّل إلى الله بالاعتراف بالذنب:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} (القصص: 16).
 
•    القسم الثاني من أقسام التَّوسُّل: التَوَسُّل غير المشروع:
وهو التَّوَسُّل بما عدا الأنواع المذكورة في التَّوَسُّل المشروع.

والتَّوَسُّل الغير مشروع له أنواع منها:
1.    التَّوَسُّل بطلب الدعاء من الأموات:
وهذا لا يجوز؛ لأن الميت لا يقدر على الدعاء، كما كان يقدر عليه في الحياة، وكذلك طلب الشفاعة من الأموات لا يجوز ؛ لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ، ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً، كالعباس، وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا عند قبره ولا عند غيره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، وقد قال عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنَّا نتوسل بعم نبينا فاسقنا"، فجعلوا هذا بدلاً من ذلك، لمَّا تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.

وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره -صلى الله عليه وسلم- فيتوسلوا به ـ يعني: لو كان جائزاً.

فترْكهم لذلك دليل على عدم جواز التَّوَسُّل بالأموات، لا لطلب الدعاء والشفاعة منهم وهم أموات، فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حياً وميتاً سواء؛ لم يعدلوا عنه إلى غيره ممن هو دونه.

2.    التَّوَسُّل بجاه النبي  -صلى الله عليه وسلم- أو بجاه غيره:
والحديث الذي فيه: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عظيم" "حديث مكذوب".

ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، ومادام لا يصح فيه دليل فهو لا يجوز؛ لأن العبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح.

3.    التَّوَسُّل بذوات المخلوقين:
كقول البعض: "اللهم إني أسألك بفلان أن ترحمني أوترزقني" أو" تغفر لي" وهذا كله لا يجوز؛ لأنه إن كانت الباء للقسم، فهو إقسام على الله تعالى، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، كما في الحديث، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق (جل وعلا)؟!

وإن كانت الباء للسببية، فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سبباً للإجابة، ولم يشرعه لعباده.

4.    والتَّوَسُّل بحق المخلوق:
وهذا أيضاً لا يجوز لأمرين:
الأول:
أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك، كما قال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47)، فكون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق فضل وإنعام، وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق.

الثاني:
أن هذا الحق الذي يتفضل الله به على عبده هو حق خاص به، لا علاقة لغيره به، فإذا توسَّلَ به غير مستحقه كان متوسلاً بأمر أجنبي، لا علاقة له به، وهذا لا يجديه شيئاً.

وأما الحديث الذي فيه:
"أسألك بحق السائلين"، "فهو حديث لم يثبت"؛ لأن في إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف مجمع على ضعفه، كما قال بعض المحدثين، وما كان كذلك، فإنه لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة، ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين، وإنما فيه التَّوَسُّل بحق السائلين عموماً، وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك.

وهو حق أوجبه على نفسه لهم، لم يوجبه عليه أحد، فهو توسل إليه بوعده الصادق لا بحق المخلوق.

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
ومازال الشيطان يوحي إلى عُبَّاد القبور، ويُلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يُقسَم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه. أهـ

فخلاصة المسألة:
أنه لا يجوز التَّوَسُّل إلى الله بأصحاب القبور؛ لأن هذا من التَّوَسُّل الممنوع غير المشروع.

بل انظر إلى قوله تعالى:
{أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} (الإسراء: 57).

يعنى أن جميع الصالحين الذين يدعوهم المشركون ويستغيثون بهم إما توصلاً إلى الله تعالى ليقضى حوائجهم، وإما استقلالاً بأن يطلبوا منهم قضاء الحاجة معتقدين بأن الله وهبهم التكوين والتصرف أولئك الصالحون مشتغلون بأنفسهم يدعون الله لها ويتوسلون الله بعبادته مخلصين له الدين خائفين عذابه راجين رحمته وإذا لم يملكوا لأنفسهم نفعاً ولا دفع ضر، فكيف يملكون لغيرهم ضراً أو نفعاً؟

وأخيراً: يقول الفقهاء:
الأصل في الأشياء الإباحة، وأما الوسائل الشرعية فلا يكفي في جواز الأخذ بها أن الشارع الحكيم لم ينه عنها كما يتوهمه الكثيرون، بل لابد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها؛ لأن الاستحباب شيء زائد على الإباحة، فإنه مما يُتقرب إلى الله به، والقربات لا تثبت بمجرد عدم ورود النهي عنها.

ومن هنا قال بعض السلف:
"كل عبادة لم يتعبَّدها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا تتعبدوها"

وهذا مستفاد من أحاديث النهي عن الابتداع في الدين وهي معروفة.

ومن هنا قال شيخ الإسلام  ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
"الأصل في العبادات المنع إلا لنص وفي العادات الإباحة إلا لنص" فاحفظ هذا فإنه هام جداً يساعدك على استبصار الحق فيما اختلف فيه الناس" (التَّوَسُّل ـ أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني صـ 27).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 09:05 am


• التَّوَسُّل وأحكامه:
وسُئِلَ الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ:
عن حكم النذر والتبرك بالقبور، والأضرحة، والتَّوَسُّل والاستشفاع بها، وطلب العون من أهلها، وهل التَّوَسُّل من مسائل العقيدة أو من مسائل الفقه؟

فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله:
هذه من مسائل العقيدة والعبادة، لأن النذر عبادة لا يجوز إلا لله -عز وجل- وكل من صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فإنه مشرك كافر، قد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، قال الله تعالي: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: 72).

وأما التبرك بها:
فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله -عز وجل- فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب، وليست تنفع من دون الله، فهو ضال غير مُصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر، فعلى من ابتلى بمثل هذه المسائل أن يتوب إلى الله -سبحانه وتعالى- وأن يقلع عن ذلك قبل أن يفاجئه الموت، فينتقل من الدنيا على أسوأ حال، وليعلم أن الذي يملك الضر والنفع هو الله -سبحانه وتعالى- وأنه هو ملجأ كل أحدٍ، كما قال الله تعالي: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل: 62).

وبدلاً من أن يتعب نفسه في الالتجاء إلى قبر فلان وفلان، ممن يعتقدونهم أولياء، ليلتفت إلى ربه -عز وجل- وليسأله جلب النفع ودفع الضر، فإن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي  يملك هذا.

وبالنسبة للتِّوسُّل فهو داخل في العقيدة، لأن المتوِّسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيراً في حصول مطلوبه، ودفع مكروهه فهو في الحقيقة من مسائل العقيدة، لأن الإنسان لا يتوسل بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيراً فيما يُريد.

والتَّوَسُّل بالصالحين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
التَّوَسُّل بدعائهم فهذا لا بأس به، فقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتوسلون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعـائه، يدعو الله لهم فينتفعون بذلك، واستسقى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعم النبي -صلى الله عليه وسلم- "العباس بن عبد المطلب" بدعائه.
 
وأما القسم الثاني:
فهو التَّوَسُّل بذواتهم، فهذا ليس بشرعي، بل هو من البدع من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر. فهو من البدع لأنه لم يكن معروفاً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وهو من الشرك لأن كل من اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب، ولم يكن سبباً شرعياً، فإنه قد أتى نوعاً من أنواع الشرك، وعلى هذا لا يجوز التَّوَسُّل بذات النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وهو من الشرك لأن كل من اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب، ولم يكن سبباً شرعياً، فإنه قد أتى نوعاً من أنواع الشرك، وعلى هذا لا يجوز التَّوَسُّل بذات النبي -صلى الله عليه وسلم-، مثل أن يقول: "أسألك بنبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-" إلا على تقدير أنه يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ومحبته، فإن ذلك من دين الله الذي ينتفع به العبد، وأما ذات النبي -صلى الله عليه وسلم- فليست وسيلة ينتفع به العبد، وكذلك على القول الراجح لا يجوز التَّوَسُّل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن جاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما ينتفع به النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه، ولا ينتفع به غيره، وإذا كان الإنسان يتوسل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتقاد أن للنبي -صلى الله عليه وسلم- جاهاً عند الله، فليقل: "اللهم إني أسألك أن تُشفِّع فيّ نبيك محمداً -صلى الله عليه وسلم-" وما أشبه ذك من الكلمات التي يدعو بها الله -عز وجل- (المجموع الثمين:3 /100).

وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ هذا السؤال:
ما حكم التَّوَسُّل بالنبي (عليه الصلاة والسلام)؟

فأجاب -رحمه الله- بقوله:
التَّوَسُّل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أقسام:

أولاً:
أن يتوسل بالإيمان به، فهذا التَّوَسُّل صحيح، مثل أن يقول:
"اللهم إني آمنت بك، وبرسولك، فاغفر لي"، وهذا لا بأس به.

وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم في قوله:
{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} (آل عمران: 193).

ولأن الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وسيلة شرعية لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، فهو قد توسل بوسيلة ثابتة شرعاً.

ثانياً:
أن يتوسل بدعائه -صلى الله عليه وسلم- أي بأن يدعو للمشفوع له، وهذا أيضاً جائز، وثابت، لكنه لا يمكن أن يكون إلا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" وأمر العباس أن يقوم فيدعو الله -سبحانه وتعالى- بالسقيا، فالتَّوَسُّل في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعائه هذا جائز ولا بأس به.

ثالثاً:
أن يتوسل بجاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- سواء في حياته أو بعد مماته، فهذا توسل بدعي لا يجوز، وذلك لأن جاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا ينتفع به إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يقول: "اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي، أو ترزقني الشيء الفلاني؛ لأن الوسيلة لابد أن تكون وسيلة، والوسيلة مأخوذة من الوسل بمعنى الوصول إلى الشيء، فلابد أن تكون هذه الوسيلة موصلة إلى الشيء، وإذا لم تكن موصلة إليه فإن التَّوَسُّل بها غير مجد ولا نافع.

وعلى هذا فنقول:
التَّوَسُّل بالرسول -عليه الصلاة والسلام- ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أن يتوسل بالإيمان به، واتباعه، وهذا جائز في حياته وبعد مماته.

القسم الثاني:
أن يتوسل بدعائه، أي بأن يطلب من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو له، فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذّر.

القسم الثالث:
أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله، فهذا لا يجوز لا في حياته ولا بعد مماته لأنه ليس وسيلة إذ أنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده؛ لأنه ليس من عمله.

فإذا قال قائل:
جئت إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- عند قبره، وسألته أن يستغفر لي، أو أن يشفع لي عند الله فهل يجوز ذلك أولاً؟

قلنا:
لا يجوز، فإذا قال: أليس الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}؟ (النساء: 64).

قلنا له:
بلى، وإن الله يقول ذلك، ولكن يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} و"إذ" هذه ظرف لما مضى، وليست ظرفاً للمستقبل، لم يقل الله: "ولو أنهم إذا ظلموا" بل قال: {إِذ ظَّلَمُواْ}فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واستغفار الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد مماته أمر متعذر؛ لأنه إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

فلا يمكن لإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد، بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً؛ لأن العمل انقطع (فتاوى الشيخ ابن عثيمين: 1/89).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 09:37 am


شـبـهــات والـرد عـلـيـهــا:
الشبهة الأولى:
هناك من يقول: إن المشركين يعبدون الأشجار والأحجار والأصنام، وزوار القبور اليوم يتجهون إلى الأولياء والصالحين يدعونهم ويسألونهم الوساطة والشفاعة عند الله، فكيف نسوي بين الفريقين في الحكم ونقول عن الذين يسألون الشفاعة مشركين؟.

والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الأول:
أن الدعاء عبادة، قال تعالى:{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} (الإسراء: 56).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة" (الترمذي وأحمد).

وقال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:
"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (الترمذى).

إذاً فالجميع ـ مشركو الأولين ومن سأل الأولياء الأموات ـ عُبَّاد لغير الله.

الثاني:
أن المشركين يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار، وهم أيضاً يدعون الأولياء من دون الله.

قال الله تعالى:
{... وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

وقال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الأعراف: 194).

الثالث:
أن المشركين الأولين ما كانوا يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار لذاتها، وقد يوجد من المشركين من يعبد الأصنام والأحجار لذاتها ولا فرق في الحكم إذ الكل صرف العبادة لغير الله.

لأن هذه المعبودات كانت تحمل أسماء الأولياء والصالحين، والمشركون يعبدون الأشخاص المتمثلين فيها، فقد روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب، أما "ود" فكان لكلب بدومة الجندل، و"سواع" لهذيل، و"يغوث" لمراد، ثم صارت لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وكلها أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى هلك أولئك وتنسّخ العلم عُبدت".
 
الشبهة الثانية:
أن التَّوَسُّل لبلوغ مقصود صحيح وغاية عظيمة وهي رضوان الله، وطاعته أمر صحيح، كالتَّوَسُّل بدعاء الأولياء الأموات؛ ليشفعوا عند الله، وكالتَّوَسُّل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره من الأولياء، فكيف لا يجوز هذا، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} (المائدة: 35)، ويقول تعالى: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} (الإسراء: 57).

والجواب عن ذلك من وجهين:
الأول:
أنه لا يجوز أن يعبد الله إلا بما شرع، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود عليه (مسلم عن عائشة).

فلو كانت نية العابد صحيحة وهدفه سليم وهو بلوغ مرضاة الله فإن عمله مردود عليه لا يقبل منه إذا كانت طريقته غير مشروعة، لأنه لم يتابع الرسول، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (البخاري ومسلم عن عائشة).

وأما معنى الوسيلة في الآيتين السابقتين فهي الأعمال الصالحة.

الثاني:
لابد من بيان معنى التَّوَسُّل المشروع والممنوع.

أما التَّوَسُّل الممنوع:
فهو: "التَّوَسُّل غير الصحيح الذي يَتوسَّل به الإنسان إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة، أي بما لم يثبت في الشرع أنها وسيلة، لأن التَّوَسُّل بمثل ذلك من اللغو والباطل المخالف للمعقول والمنقول.

ومن ذلك:
1.    أن يتوسل الإنسان إلى الله بدعاء ميت، يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له:
لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن لأحد أن يدعو لأحد بعد موته، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا لم يتوسل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى الله بطلب الدعاء من رسول الله بعد موته.

أن يتوسل الإنسان بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم-:
لأن جاهه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليس مفيداً بالنسبة إلى الداعي؛ لأنه لا يفيد إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتَّوَسُّل هو اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر، فما فائدتك أنت من كون الرسول -صلى الله عليه وسلم- له جاه عند الله؟، وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح، فقل: "اللهم بإيماني بك وبرسولك، أو بمحبتي لرسولك"... وما أشبه ذلك، فإن هذه الوسيلة الصحيحة النافعة" (المجموع الثمين للشيخ محمد بن عثيمين: 2/108).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 02:57 pm


رابعاًـ الاستـغـاثة بأصـحــاب الـقـبــور:
من الناس مَنْ يستغيث بالأموات، فيقول مثلاً إذا وقع في كربٍ أو شدةٍ:
"يا بدوى أغثني" أو"يا دسوقي أدركني"، والاستغاثة عبادة ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده.

ولذلك لما رأى الصحابة كثرة عدد المشركين، وقلة عدد المسلمين في غزوة بدر واشتد القتال، وزاد الكرب، لم يستغيثوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سيد الأولياء وإمام المرسلين؛ لأنهم يعلمون أنه -صلى الله عليه وسلم- بشر لا يملك لهم حولاً ولا طولاً، وإنما استغاثوا بالله وحده فاستجاب الله لهم في الحال، وأمدَّهم بألف مقاتل من الملائكة: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ {9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 9 - 10).

يقول شيخ الإسلام  ابن تيمية -رحمه الله- كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (3/681):
"قد كان من قبور أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار، ,عرف حال السلف تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغثيون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جُهَّالهم. أهـ.

لكن ما حكم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق؟ وما الفارق بينهما؟
الجـواب:
الاستعانة: طلب العون والمؤازرة في الأمر، والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.

فالاستغاثة والاستعانة بالمخلوق على نوعين:-
النوع الأول:
الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا جائز، قال تعالي: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2)، وقال تعالى في قصة موسى -عليه السلام-:
{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} (القصص: 15)، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها، مما يقدر عليه المخلوق.

النوع الثاني:
الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق؛ فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات والاستغاثة بالأحياء والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى، وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذى المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المنافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنه لا يُستَغَاثُ بي؛ وإنما يُستَغَاثُ بالله" (رواه الطبراني بسند ضعيف).

وجاء في "قرة العيون" في شرح هذا الحديث:
"إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق فيكون نهيه عن الاستغاثة به حماية لجانب التوحيد، وسداً لذرائع الشرك، كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعاً مخافة أن يقع من أمته استغاثة بمن لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يستجيب من الأموات والغائبين والطواغيت والشياطين والأصنام وغير ذلك وقد وقع من هذا الشرك العظيم ما عمت به البلوى. أهـ

وكره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته؛ حماية لجناب التوحيد وسداً لذرائع الشرك، وأدباً وتواضعاً لربه، وتحذيراً للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله " (فتح المجيد صـ 196).

وإذا كان هذا لا يجوز في حقه -صلى الله عليه وسلم- فغيره من باب أولى.

قال شارح "فتح المجيد" صـ 169:
"والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال، أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه كقولهم يا لزيد لا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الفرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره.
وأما كون بعض الناس يعتقدون أن للأولياء الأموات تصرف في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجُهَّال، وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولى أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيراً فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن يكون أولياء الله بهذه المثابة، فها ظن أهل الأوثان.

كذا أخبر الرحمن عندما قال عنهم:
{وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} (يونس: 18)، وأيضاً قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

وقوله: {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ} (يس: 23).

فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره " أهـ بتصرف.

وقد غلط مَن ظنَّ أنه يستغيث بغير الله من أولياء أو أنبياء أو غيرهم لكون من يستغيث بهم لهم جاهاً عند الله فلابد أن يعطيهم الله سألهم أو ينجيهم من كربهم إكراماً لأوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

لكن نقول:
إن هؤلاء القبوريين لو لم يعتقدوا أن هؤلاء الأولياء من الأموات هم معهم في السراء والضراء يسمعون استغاثتهم ويجيبون دعاءهم وأن في يدهم القدرة على الإعطاء والمنع والنفع والضر، لما ابتهلوا إليهم ولا استغاثوا بهم، ولا  استنجدوا بهم في ضراعة وكذلك استنجاد العاجز الضعيف بالقوى القادر على كل شيء ولما نذروا لهم هذه النذور، وتعهدوا بتقديم القرابين لهم.

سُئِلَ الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
عن رجل يستغيث بغير الله، ويزعم أنه وليُّ الله، فما علامات الولاية؟

فأجاب -رحمه الله-:
علامات الولاية بيَّنها اللهُ -عز وجل- في قوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62).

فـهـذه علامـات الولاية:
الإيمـان بالله، وتقوى الله -عز وجل-، "فمَنْ كـان مؤمناً تقيّاً، كـان لله ولياً،" أما مَنْ أشرك به فليس بوليٍ لله، بل هو عدوٌ لله، كما قال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (البقرة: 98)، فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا اللهَ -عز وجل-، فإنه مشركٌ كافرٌ، وليس بوليٍ لله، ولو ادَّعى ذلك، بل دعواه أنه وليٌ مع عدم توحيده، وإيمانه، وتقواه دعوى كاذبة تُنافي الولاية.

ونصيحتي لإخواني المسلمين في هذه الأمور:
أن لا يغترُّوا بهؤلاء، وأن يكون مرجعهم في ذلك إلى كتاب الله، وإلى ما صح من سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يكون رجاؤهم، وتوكلهم، واعتمادهم على الله وحده، وحتى يؤمنوا بذلك لأنفسهم استقراراً وطمأنينة، وحتى يحفظوا بذلك أموالهم أن يبتزَّها هؤلاء المخرفون، كما أن في لزوم ما دل عليه الكتاب والسنة في مثل هذه الأمور في ذلك إبعاد لهؤلاء عن الاغترار بأنفسهم، هؤلاء الذين يدعون أنفسهم أحياناً أسياداً وأحياناً أولياء، ولو فكرت أو تأمَّلت ما هم عليه، لوجدت فيهم بُعداً عن الولاية والسيادة، ولكنك تجد الولي حقيقة أبعد الناس أن يدعو لنفسه، وأن يحيطها بهالة من التعظيم والتبجيل، وما أشبه ذلك، تجده مؤمناً، تقيّاً خفيّاً لا يُظهر نفسه ولا يحب الإشهار، ولا يحب أن يتجه الناس إليه، أو أن يتعلقوا به خوفاً أو رجاءً.

فمجرد كون الإنسان يريد من الناس أن يعظموه، ويحترموه، ويبجلوه، ويكون مرجعاً لهم، ومتعلقاً لهم، هذا في الحقيقة ينافي التقوى وينافي الولاية، ولهذا جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن يطلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فعليه كذا وكذا من الوعيد، فالشاهد في قوله: "أو ليصرف وجوه الناس إليه" فهؤلاء الذين يدعون الولاية، ويحاولون أن يصرفوا وجوه الناس إليهم هم أبعد الناس عن الولاية.

فنصيحتي لإخواني المسلمين أن لا يغتروا بهؤلاء، وأمثالهم، وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يعلقوا آمالهم ورجاءهم بالله وحده. (المجموع الثمين: 2/110).

خرافة واعتقاد باطل:
إن الاعتقاد في خروج الأولياء من قبورهم عند الشدائد وتفريجهم الكربات، واعتقاد نفعهم أو ضرهم، إنها أسطورة قديمة وجهالة يضحك منها أقل الناس عقلاً.

وهي سفاهة سرت في أوساط بعض الناس وسبب ذلك الغلو في الصالحين منذ بداية الشرك في الخلق على عهد نوح -عليه السلام-، ثم انتشر بعد ذلك الشرك وتتابع المشركون يقلد بعضهم بعضاً، يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

وهكذا يلعب الشيطان بأصحاب النفوس الضعيفة ويستذلهم، فيخوفهم من هجر الأولياء وعدم زيارتهم والتضرع عند قبورهم، أو من عدم الذبح لهم والاستنجاد بهم، فإذا خوفهم الشيطان من غضب الأولياء عليهم تصوروا وقوع البلاء والمرض ونكد العيش فيهم، فتجدهم لا يعتمدون على الله وحده، ولا ينزلون حوائجهم به سبحانه؛ لأن قلوبهم تعلقت بغير الله، وهكذا بالجهل والتقليد الأعمى، واتِّباع العادات، يعيش أصحاب هذه الاعتقادات أوهاماً وخرافات ويظنون أنها حقيقة، مثل خرافة خروج الأولياء من قبورهم وإنقاذهم لسائليهم.

ولقد كتب الله الفناء على كل مخلوق، ومن مات فلا رجعة له إلى الدنيا لا نبياً ولا ولياً ولا صغيراً ولا كبيراً.

قال الله تعالى:
{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} (الأنبياء: 95).

وقال سبحانه:
{...إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22).

• قصة واقعية:
يقول الأستاذ محمد أحمد باشميل:
"وقد حضرت كثيراً من هؤلاء وهم يتضرَّعُون إلى أوليائهم بالدُّعاء الحار في البحر، وذلك عندما كنت مسافراً في البحر الأحمر منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، فقد كنا أكثر من ثمانين راكباً في سفينة شراعية صغيرة، وعندما هاج علينا الموج، وغشينا من كل مكان صارت السفينة تهبط بنا بين الأمواج الهائلة وكأنها تنوي الاستقرار في قاع البحر، وترتفع مع المد وكأنها تريد الطيران من البحر، وفي تلك الساعة العصيبة ضج القبوريون بالدعاء وطلب العون والمدد، لا من الله الحي القدير على كل شيء، وإنما من الميت الذي لا يقدر على شيء.

فقد توجَّهُوا بقلوب خاشعة كسيرةٍ إلى (الشيخ سعيد ابن عيسى -رحمه الله ـ) الذي قد فارق الحياة منذ أكثر من ستمائة سنة، وأخذوا يدعونه في فزع مشوب بالرجاء قائلين: " يا ابن عيسى، يا ابن عيسى، حلَّها يا عمود الدين"، وأخذوا يتسابقون بنذر النذور له، والتعهُّد بتقديمها عند قبره إن هم نجوا من الغرق، وكأن أمرهم بيده لا بيد الله -سبحانه وتعالى- (كيف نفهم التوحيد؟ لمحمد باشميل صـ 18).

ثم ذكر أنه لَمَّا حاول إقناعهم بأن يلجأوا إلى الله وحده، ويُخْلِصُوا له الدِّين بالتضرُّع والدُّعاء إليه وحده سبحانه، وأن الشيخ ابن عيسى ليس له من الأمر شيء، وأنه لا يَسمعهم فضلاً عن أن يجيب دعاءهم.

لَمَّا قال لهم ذلك ثاروا عليه وصاحوا به:
"وهابي...وهابي" وكادوا أن يقذفونه في البحر.

ثم قال:
ولَمَّا هدأت العاصفة ونجوا بفضل الله وحده، وأقبل بعضهم يهنئ بعضاً، أخذ هؤلاء القبوريون يؤنِّبونني ويُخوِّفونني من سوء الظن بالأولياء، مُمْتنِّين عليّ بالنجاة ومذكِّرينَّني بأنه لولا حضور القُطب ابن عيسى في تلك الساعة العصيبة لَكُنَّا جميعاً في بطون الأسماك.

يقول:
ولما وجَّهتُهم بوجوب التوجّه إلى الله وحده، وترك كل ما سواه، قال لي أحدهم: إنك تكره الأولياء وتُنكر كراماتهم، ولذلك حَرَمَكَ الله من التَّمتُّع بما رأينا في تلك الساعة الحاسمة.

فقلت:
ما هو الذي حرمني اللهُ من التمتع به، والذي رأيتموه أنتم في تلك الساعة الحاسمة؟
 
قال:
رأينا القطب العظيم (الشيخ سعيد بن عيسى) وكأنه شعلة من نور ماسكاً بالدقل (سارية السفينة) وهو يُخاطب البحر طالباً منه أن يسكن، وفعلاً سكن البحر عن الهياج ونجونا ببركة هذا القطب العظيم.

فقلت له ساخراً:
كيف عرفتَ أن الذي رأيته هو الشيخ سعيد بن عيسى، وقد مات منذ أكثر من ستمائة سنة؟.

فلم يُحر جواباً.

فقلت له:
الحقيقة أنك لم تَرَ ابن عيسى، ولا غير ابن عيسى على الدَّقل، وإنما في حالة الهلع والخوف غلبت عليك أفكارك السوداء، فصوَّرت لك بالاشتراك مع الشيطان ما ظننته ابن عيسى، لتزداد إيغالاً في ضلالك وتوغلاً في مفاوز جهالاتك.

وقد كان جوابه الوحيد الذي قطع به المناظرة غريباً حين صاح:
"وهَّابي جاحد زنديق".

هذا هو آخر سلاح يتسلَّح به القوم عندما تدمغهم حُجَّةٌ أو يصفعهم برهان" (المرجع السابق).

قال -صلى الله عليه وسلم-:
"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٌ جارية، أو عِلْمٌ يُنتفع به، أو ولدٌ صالح يدعو له" (مسلم).

والصحابة ـرضوان الله عليهم- لم يدعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد موته.

وأما حديث القليب الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"ما أنتم بأسمع لِمَا أقولُ منهم" (متفق عليه).

يقصد مشركي قريش، أي أنهم يسمعون وهم موتى.

فهذا وَقَعَ مُعْجِزةً للرسول -صلى الله عليه وسلم- خاصة في تلك الواقعة التي أُلقي فيها المشركون الأموات في قليب بدر.

وأما حديث:
"إنه ليسمع قرع نعالهم إذا أتاه الملكان" (متفق عليه)، فإنه مقيد بتلك الساعة التي يأتيه الملكان وليس سماعه كل وقت. (تطهير الجنان والأركان للشيخ أحمد آل بوطامي).

وأما آية البقرة في قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} (البقرة: 243)، فإن إحياء الله لهؤلاء القوم من بني إسرائيل بعدما أماتهم واقعة خاصة بهم دون غيرهم من سائر الخلق -حيث حلَّ الوباء بديارهم فخرجوا بهذه الكثرة فِراراً من الموت، فلم يُنجهم الفِرار ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون.

فعاملهم بنقيض قصدهم، وأماتهم اللهُ عن آخرهم، ثم تفضَّل عليهم فأحياهم، إما بدعوة نبي كما قاله كثير من المفسرين، وأما بغير ذلك ولكن ذلك بفضله وإحسانه" (تفسير السعدي: 1/195).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 04:38 pm


خامساً- اتخاذ أصحاب القبور والأولياء وسائط وشُفعاءَ عند الله:
قد يقول لك قائل: "إننا لم نعبد أهل القبور ولم نسجد لهم ولم نطلب منهم مباشرة أن يشفوا مرضانا أو يعافوا مبتلانا أو يردوا غائبنا أو يفرجوا كرباتنا، إننا نعلم أن هذا بيد الله وحده هو المالك المتصرف سبحانه وهو الخالق الرازق المحيي المميت الذي بيده وحده أمر كل شيء، وإنما طلبنا من أصحاب الجاه هؤلاء الأولياء والصالحين أن يشفعوا لنا عند الله ويكونوا وسطاء بيننا وبينه سبحانه، لأن عندنا من الذنوب ما يجعلنا نخجل ونستحي أن نطلب من الله مباشرة مقصودنا".

والجواب عن ذلك يتلخَّص في أمور: أولاً:
أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فهو ليس كالمخلوقين يحتاج إلى من يُعرفه بحاجة أحد أو يبين له ضرورة فلان، أو يتوسط لذلك المقصر، أو يحتاج لصـاحب جاه أن يشفع عنده، فهو سبحانه لا يخفى عليه شيء من حال عباده.

قال تعالي:
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء} (آل عمران: 5).

فالله تعالى لا يخفي عليه شيء من حال عباده حتى يتقدموا إليه بالشفعاء والوسطاء ليخبروه بما خفي عليه تعالى الله على ذلك علواً كبيراً.

ثانياً:
أن الله عاب على المشركين جعلهم الشفعاء بينهم وبينه وسماهم بسبب ذلك مشركين.

قال تعالي:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ..} (يونس: 18).

ثم أنكر عليهم مبطلاً دعواهم وراداً حجتهم هذه -حجة التشفع والتَّوَسُّل- في تقريع وتوبيخ بقوله:
{... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: 18).

ثالثاً:
أن هؤلاء المدعوين الأموات لا يملكون الضُّر ولا النَّفع لأنفسهم ولا لغيرهم فهم أموات قد جِيفُوا ثم اندرست عظـامهم وبلوا، فلا يبقي من ابن آدم إلا عجب الذنب ( )، وهم بحـاجة إذا كانوا مسلمين إلى الدعاء والاستغفار.

قال الله تعالى:
{... إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} (فاطر: 22).

وقال تعالي:
{فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} (الروم: 52).

رابعاً:
أن الله لا يرضى أن يشفع عنده أحَدٌ لأحَدٍ إلا بإذنه، ولابد أن يكون سبحانه راضياً عن المشفوع له، قال تعالي: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } (البقرة: 255)،
وقال تعالي: {... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء: 28)، ثم أين الشافع الميت الذي قد كان تراباً وأكلته الهوام، وما يدريه عن رضى الله عن المشفوع له،
قال تعالي: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ} (الزمر: 43). (مسائل مهمة في زيارة الأموات).

وشرك الوسائط والشفعاء يقع فيه كثير من الناس في هذا الزمان فتجدهم يدعون أصحاب القبور والأولياء، ويستغيثون بهم، ويذبحون وينذرون لهم، ويطوفون حول أضرحتهم، ويجعلونهم محط مآلهم ومعقد رجائهم، والباب الذي يَصِلُون منه إلى الله بزعمهم فيقولون: "يا فلان اشفع لنا عند ربك".

أو يقولون:
"يا أولياء الله اشفعوا لنا".

وقال تعالي منكراً عليهم التوسط بمن يظنُّون بهم خيراً من الصالحين، وموضحاً أن هؤلاء الذين يدعونهم من دونه هم عِبَادٌ أمثالهم لا يملكون لأنفهسم جلب نفع أو دفع ضُرٍ، فضلاً عن أن يكشفوا عنهم ضَراً أو يحوِّلُوا عنهم سُوءاً، بل إنهم مع قربهم منه (جل وعلا) يتقرَّبون إليه بالخوف منه والرجاء في رحمته: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 56-57).

وقال تعالي معتبراً دُعَاءَ غيره من المخلوقين شِرْكَاً:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ {13} إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر: 13-14).

وقال تعالي:
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} (الرعد: 14).

وقال تعالي:
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: 3).

أضِفْ إلى هذا أن الله تعالى أعطى الأنبياء والأولياء الشفاعة، وهم أقرب الناس إليه، ومع ذلك نهانا عن سؤالهم ودعائهم، فقال سبحانه: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ} (يونس: 106).

والشفاعة نوعٌ من الدُّعاء ولا يكون الدُّعاء إلا لله وحده (انظر مجموع الفتاوى: 1/200).

كما أن إعطاء الله الأنبياء والأولياء الشفاعة ليس تملّكاً مطلقاً، بل هو تمليك معلَّق على الإذن من الله، والرضا عن المشفوع فيه، وسيد الشُّفعاء -صلى الله عليه وسلم- لا يشفع حتى يُقال له: "ارفع رأسك، وقُل تُسمع، واشْفَع تُشَفَّع".

ويقول شيخ الإسلام  ابن تيمية -رحمه الله- كما في مجموع الفتاوى (15/406):
فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكاً لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقاً ورباً، قال تعالي: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ} (سبأ: 23)، فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقاً يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد لا شريك له في الملك .أهـ باختصار.
 
فالشفاعة لا تكون إلا لله ولِمَنْ يأذن له الله.

ولذلك قال تعالى:
{أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ} (الزمر: 43).

ويقول سبحانه: 
{وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} (الزخرف: 86).

ويقول سبحانه:
{... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء: 28).

ويقول سبحانه:
{يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (طه: 109).

ويقول سبحانه:
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255).

تنبيه:
كلما كان العبد أخلص لله في عمله كان أجدر أن ينال شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
"قلت يا رسول الله: مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولى منك، لِمَا رأيتُ من حِرصْكَ على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة مَنْ قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه".

ملاحظة:
مَنْ أراد أن ينال شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- فليقل:
"اللهم شفِّع فيّ نبيكَ مُحَمَّدَاً -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقل: يا نبي الله اشفع لي".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 04:55 pm


سادساً- الاستعانة وطلب المدد من أصحاب القبور:
بعض الناس يطلب المدد من غير الله تعالى فيقول: "مدد يا أولياء الله" أو"مدد يا بدوى" ونحو ذلك، وهذا لا يجوز ؛ لأن المدد: طلب المد والعون وهما لا يطلبان إلا من الله لأنه لا يقدر عليهما إلا الله، ولذلك يقول الله تعالى عن المدد: { كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} (الإسراء: 20).

وقال تعالى في العون:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5).

أخرج الترمذي بسند حسن:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن عباس -رضي الله عنهما-:
"إذا استعنت فاستعن بالله.....".

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
"احرص على ما ينفعك واستعن بالله".

وأخرج أبو داود بسند صحيح:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "إني لأُحبُّك، فلا تدعْ في دُبرِ كل صلاة أن تقول: اللهم أعنِّي على ذِكْرك، وشُكْرِك، وحُسن عبادَتِك".

وسُئل الشيخ ابن باز -رحمه الله- هذا السؤال كما في فتاوى "نور على الدرب" (2/182):
يقول السائل:
أسألكم عن زيارة قبور الصالحين وتقبيلها أو تقبيل ترابها والتبرُّك به، هل هذا يجوز أم لا؟ وما حكم طلب المدد من غير الله؟

فأجاب الشيخ -رحمه الله- فقال:
زيارة القبور للصالحين والمسلمين عموماً سُنَّةٌ وقُربة، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بزيارة القبور، وحثَّ عليها وأخبر أنها تُذَكِّرُ الآخرة وتزهد في الدنيا وتذكر الموت، قال -عليه الصلاة والسلام-: "زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة" (النسائي وابن ماجة).

وكان -صلى الله عليه وسلم- يُعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا:
"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (مسلم).

وفي حديث عائشة يقول:
"يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين" (مسلم).

فعلينا معاشر المسلمين
أن نعلم هذا الحكم، ويشرع لنا أن نزور القبور للذكرى والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا والإحسان للموتى بالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والعافية وهي تذكر الآخرة وأن العبد صائر إلى ما صاروا إليه من هذا الموت حتى يستعد للآخرة.

أما تقبيل القبور:
فلا تُقَبَّل القبور ولا النصائب ولا التراب ولا الجدران إن كان عليها جدران، كل هذا منكر لا يجوز، وهذا من الغلو ولا يجوز البناء على القبور، ولابد أن تكون مكشوفة ليس عليها بناء، واتخاذ القباب عليها من البدع، وهكذا بناء المساجد عليها من البدع، أنكره الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: "لعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارَى اتخذوا قبُور أنبيائهم مساجداً" (البخاري ومسلم).

وقال جابر -رضي الله عنه-:
"نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من تجصيص القبور، والقعود عليها، والبناء عليها، والكتابة عليها" (مسلم).

فليس لأحَدٍ أن يبنى على القبور لا قباباً ولا مساجد ولا غير ذلك وليس له أن يقبِّلها ولا أن يتبرَّك بتُرابها ولا أن يطلب من الشيخ المدد، ولا يجوز أن يقول: "يا رسول الله مدد مدد، ولا يقول: "مدد يا فلان، يا شيخ عبد القادر، أو يا بدوي، أو يا حسين، أو يا أبا حنيفة، أو يا أبا فلان"، كل هذا لا يجوز.

المدد لا يُطلب من الميت:
إنما يُطلب من الله (جلَّ وعلا)، تقول: "يا رب أغثني، يا رب أرحمني، يا رب اشف مريضي، يا رب ارزقني".

أما طلب المدد من الموتى:
فهو شِرْكٌ بالله -عز وجل-، وهو من الشرك الأكبر من عمل الجاهلية فلا يُقَبِّلَ الحجارة ولا النصائب، ولا يأخذ التراب للبركة ولا يطلب المدد من المخلوق الميت، أما الحي الحاضر تقول: "يا أخي ساعدني، بكذا" أو "أعنِّي على كذا" وهو حي حاضر فلا بأس.

أما الميت فلا تطلب منه شيئاً من شفاء مريض أو دفع ضر أو نصر على عدو؛ لأن الميت انقطع عمله وليس له التصرف في الكون، بل التصرف لله وحده -سبحانه وتعالى- هو المالك لكل شيء، والقاهر فوق عباده، وهو النافع الضار، المعطى المانع، المدبر للكون -سبحانه وتعالى-، وأما الميت فهو مرتهن بعمله، ليس له تصرف، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية" مثل الأوقاف التي وقفها في حياته، "أو عِلْمٌ يُنتفع به" كالكُتُبِ التي ألّفها أو طلبه علمهم فله أجر ذلك، "أو ولدٌ صالحٌ يدعو له" (مسلم).

أما كونه يتصرَّف في الكون، فيمد هذا أو يمد هذا، أو ينصر هذا فهذا منكر لا حقيقة له ولا صحة له.

أما الاستغاثة بالأموات والنذر لهم، والتقرب إليهم بالذبائح وطلب المدد والغوث، فكل هذا من فعل الجاهلية ومن عمل أهل الشرك، وهو شرك أكبر يجب الحذر منه.

ولذلك عليك أيها السائل أن تبلغ إخوانك الذين يفعلون هذا أن هذا منكر، وأنه شرك، وأنه يجب ترك ذلك والتوبة إلى الله منه؛ لأن هذا من عمل الجاهلية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 05:15 pm


سابعاً- الطواف حول القبور والتمسح بها:
"والطواف عبادة من العبادات التي يجب ألا تصرف إلا لله فلا طواف إلا بالكعبة، قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 29)، فمَنْ طاف بقبر وليٍ أو نبي أو غيرهما فقد وضع العبادة في غير موضعها وفعل فعلاً لم يأذن به الله، ولذلك أجمع العلماء على أن الطواف بغير الكعبة بنيَّة التعظيم شِرْكٌ" (الكلمات النافعة في الأخطاء الشائعة).

ويقول الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
لا يجوز الطواف بقبور الأولياء ولا غيرهم، لأن الطواف يختص بالكعبة المشرفة ولا يجوز الطواف بغيرها ومن طاف بالقبور يتقرب إلى أهلها بذلك فقد أشرك." (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: 6/325).

أخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة عن سهيل بن أبي سهيل:
"أنه رأي قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتزمه ومسح، قال فحصيني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني".

وجاء في فيض القدير الجزء الخامس:
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" أي لحدثان عهدكم بالكفر، وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام، وصرتم أهل يقين وتقوى فزوروا القبور، أي بشرط أن لا يقترن بذلك تمسح بالقبر أو تقبيل أو سجود عليه... أو نحو ذلك فإنه كما قال السبكي: بدعةٌ منكرةٌ إنما يفعلها الجُهَّال" أهـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى" صـ 27:
واتفق العلماء على أن مَنْ زار قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين والصحابة وأهل البيت وغيرهم أنه لا يتمسَّح به ولا يُقَبِّلْهُ بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر -رضي الله عنه- قال: "والله إني لأعلمُ أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُك ما قَبَّلتُك".

ولهذا لا يُسَنُّ باتفاق الأئمة أن يُقَبِّلَ الرجل أو يستلم ركني البيت الذين يليان الحجر ولا جدران البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين. أهـ باختصار.
 
قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه "المجموع عن الكلام عن مناسك الحج":
لا يجوز أن يُطاف بقبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُكره إلصاق البطن والظهر بجدران القبر. (قاله العليمي وغيره).

ويُكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته -صلى الله عليه وسلم-.

هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم.

ولقد أحسن أبو علي الفضيل بن عياض في قوله ما معناه:
"اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".

ومَنْ خَطَرَ بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة، فهو من جهله وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب؟!

وَوُّجِّهَ سؤالٌ لفضيلة الشيخ حسن مأمون:
شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية سابقاً: ما حكم الشرع في زيارة أضرحة الأولياء والطواف بالمقصورة وتقبيلها والتوسل بالأولياء؟

فأجاب فضيلة الشيخ -رحمه الله- بما يلي:
أود أن أذكر أولاً أن أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد والإسلام  يحارب جاهداً كل ما يُقَرِّبُ الإنسان من مزالق الشِّرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية، فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نَعَى عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عبادتهم للأصنام قالوا له: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

فهي نفس الحُجَّةِ التي يسوقها اليوم الدَّاعُون إلى التوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرُّب منه، ومن مظاهر هذه الزيارة أفعال تتنافى كليَّة مع عبادات إسلامية ثابتة، فالطواف في الإسلام لم يُشرع إلا حول الكعبة الشريفة، وكل طواف حول أي مكان آخر حَرَامٌ شرعاً، والتقبيل في الإسلام لم يُسَنَّ إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأسود قال فيه عمر -رضي الله عنه- وهو يقبله: "لولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلك ما قبَّلتُك" (البخاري ومسلم).

فتقبيل الأعتاب، أو نُحَاس الضَّريح أو أي مكان به حَرَامٌ قطعاً.

وتأتى بعد ذلك مسألة الشفاعة وهذه في الآخرة غيرها في الدنيا، فالشفاعة ارتبطت في أذهاننا بما يحدث في هذه الحياة من توسط إنسان لآخر أخطأ عند رئيسه، ومن بيده أمره يطلب إليه أن يغفر له هذا الخطأ، وإن كان أخطأ عند رئيسه، ومن بيده أمره، يطلب إليه أن يغفر له هذا الخطأ وإن كان هذا المخطىء لا يستحق العفو والمغفرة، غير أن الله -عليه السلام- قد حدَّد طريق الشفاعة في الآخرة، فهذه الشفاعة لن تكون إلا لِمَنْ يرتضي اللهُ لهم أن يشفعوا لأشخاص، يستحقون هذه الشفاعة، وهؤلاء أيضاً يُحدِّدهم الله، إذاً، فكل هذا متعلّق بإذن الله وحكمه فإذا نحن سبقنا هذا الحكم بطلب الشفاعة من أي إنسان فإن هذا عبث، لأننا لا نستطيع أن نعرف مَنْ سيأذن الله لهم بالشفاعة، ومَنْ يُشفّعهم فيهم، وعلى ذلك يتَّضح أن كل زيارة للأضرحة والطواف حولها، وتقبيل المقصورة والأعتاب والتوسل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم، كل هذا حرام قطعاً ومناف للشريعة، وفيه إشراك بالله وعلى العلماء أن ينظموا حملة لتبيان هذه الحقائق، فإن الكثير من العامة بل ومن الخاصة مِمَّنْ لم تُتَحْ لهم المعرفة الإسلامية الصحيحة يقعون فريسة هذه الرواسب الجاهلية التي تتنافي مع الإسلام، وإذا أُخذ الناس بالرفق في هذا الأمر فلابد أنهم سوف يستجيبون للدعوة لأن الجميع حريصون ولاشك على التعرف على حقائق دينهم" (الفتوى نشرتها مجلة الإذاعة بتاريخ 7/ 9 / 1957م).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 05:35 pm


ثامناً- الــذبــح للـمـقـبــور:
من صور شرك القبور التي انتشرت في هذا الزمان الذبح للمقبور ولقد رأيت هذا بعين رأسي حيث يأتي أحدهم من قريته ويستصحب معه شاه أو كبشاً ليتقرَّب به إلى سيدي فلان (المقبور) وهذا لا يجوز ولا يصح وفاعله ملعون يُطرد من رحمة الله.

فقد أخرج الإمام مسلم عن عامر بن وائلة قال:
"كنت عند عليٍ بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسر إليك؟ قال: فغضب وقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسرُّ إليَّ شيئاً يكتمه، غير أنه قد حدثني لكلمات أربع قال: فقال: وما هن يا أمير المؤمنين، قال: لعنَ اللهُ مَنْ لعنَ والده، ولعنَ اللهُ مَنْ ذبح لغير الله، ولعنَ اللهُ مَنْ أوَى مُحْدِثاً، ولعنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأرض".

ـ المحدث:
الجاني، ومعنى الإسرار: التقرير عليه والرضى به.

ـ منار الأرض:
علامات حدودها وتغيرها أن يدخلها في أرضه فيكون في معنى الغاصب.

فالذبح عبادة لا يُتَقَرَّبُ بها إلا إلى الله تعالى وحده، كما قال تعالى:
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162).

وفي سؤال وُجِّهَ لفضيلة الشيخ ابن باز -رحمه الله- وفيه:
التقرُّب بذبح الخرفان في أضرحة الأولياء الصالحين مازال موجوداً في عشيرتي، نهيتُ عنه لكنهم لم يزدادوا إلا عِنَاداً، قلت لهم: إنه شِرْكٌ بالله، قالوا: نحن نعبدُ الله حق عبادته، لكن ما ذنبنا إن زرنا أولياءه، وقلنا لله في تضرعاتنا: "بحق وليك الصالح فلان اشفنا، أو أبعد عنا الكرب الفلاني..؟" قلت: ليس ديننا دين واسطة. قالوا: أتركنا وحالنا. ما الحل الذي تراه صالحاً لعلاج هؤلاء؟ ماذا أعمل تجاههم؟ وكيف أحارب البدعة؟ وشكراً. محمد.ع.أ. تونس.

الجواب:
من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرُّب بالذبح لغير الله من الأولياء، أو الجن، أو الأصنام... أو غير ذلك من المخلوقات شِرْكٌ بالله، ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال -عز وجل-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162)، والنُسُكُ: هو الذبح.

فَبَيَّنَ اللهُ سبحانه في هذه الآية أن الذَّبح لغير الله شِرْكٌ بالله كالصلاة لغير الله، وقال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ {1} فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر: 1-2).

أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه، وينحر له، خلافاً لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله، ويذبحون لغيره وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} (الإسراء: 23)، وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} (البينة: 5).

والآيات في هذا المعنى كثيرة، والذبح من العبادة، فيجب إخلاصه لله وحده، وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لعنَ اللهُ مَنْ ذبح لغير الله" وأما قول القائل: "أسأل الله بحق أوليائه، أو بجاه أوليائه، أو بحق النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- " فهذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشِّرك؛ لأن الدُّعاء عبادة، وكيفيته من الأمور التوقيفية، ولم يثبت عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على شرعية أو إباحة التوسل بحقٍ أو جاه أحدٍ من خلقه، فلا يجوز للمسلم أن يُحدث توسلاً لم يشرعه الله -سبحانه وتعالى-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21).

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
"مَنْ أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (متفق على صحته).

وفي رواية لمسلم، وعلَّقها البخاري في صحيحه جازماً بها:
"مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ومعنى قوله: "فهو رد" أي مردود علي صاحبه لا يُقبل، فالواجب على أهل الإسلام التقيُّد بما شرعه الله، والحذر مما أحدثه الناس من البدع، أما التوسل المشروع، فهو التوسل بأسماء الله، وصفاته، وبتوحيده، وبالأعمال الصالحات، والإيمان بالله ورسوله ومحبة الله ورسوله... ونحو ذلك من أعمال البر والخير. والله ولي التوفيق ("كتاب الدعوة 16"، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: 3/ 322-323).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   23/10/17, 10:07 pm

تاسعاً- الـنـذر للـمـقـبــور:
النذر من العبادات التي يجب ألا تصرف إلا لله، فلا يجوز النذر لنبي ولا لولي ولا لملك، فمَنْ نذر شيئاً لأحد منهم فهو نذرٌ مُحَرَّمٌ لا يجب الوفاء به لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري: "مَنْ نذر أن يُطيع اللهَ فليُطعه، ومَنْ نذر أن يعصي الله فلا يعصه".

يقول الشيخ قاسم الحنفي في "شرح درر البحار":
لا يجوز أن ينذر لقبر، لأن النذر لا يكون إلا لله فعندما يذهب أكثر العوام إلى القبر ويقولون: "يا سيدي يا فلان! إن رُدَّ غائبي، أو شُفي مريضي، أو نجح ولدي، أو قضيت حاجتي فلك من المال كذا، أو دستة شمع، أو كذا وكذا".

وهذا نذرٌ باطلٌ بالإجماع لوجوه...
منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر لا يكون إلا لله.

قال تعالى:
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران: 35).

فالنذر لا يكون إلا لله تعالى؛ لأن النذر عبادة، فلا يجوز صرفها لمخلوق.

ومنها: أن المنذور ميت، والميت لا يملك نفعاً ولا ضراً.

ومنها: أنه إذا ظن الناذر أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فهذا كفر.

وهذا ما قاله أيضاً ابن عابدين في "الدر المختار مع رد المختار" (2/439):
قول العبد تقرباً: "يا سيدي فلان، إن رُدَّ على غائبي، أو عُوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الفضة أو من الطعام أو من الشمع....

باطل وحرام لوجوه منها:-
نذر لمخلوق، وهذا النذر لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق.

ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. أهـ
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور... ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً: "مَن حَلف وقال في حلفه: واللات والعزَّى فليقل: لا إله إلا الله".

ومَنْ نذر للقبور دهناً لتنور به، فهذا نذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به وكذلك إذا نذر مالاً للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة فإن فيهم شبهاً من السدنة التي كانت عند اللات والعُزَّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. أهـ باختصار.

وقال صاحب "قرة العيون":
وذلك لأن الناذر لله وحده علَّق رغبته به وحده لعلمه بأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، فتوحيد القصد هو توحيد العبادة، ولهذا ترتب عليه وجوب الوفاء فيما نذره طاعة لله، والعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك شركاً بالله لالتفاته إلى غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يذهب، فقد جعله شريكاً لله في العبادة، فيكون قد أثبت ما نفته لا إله إلا الله من ألوهية لغير الله، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص.

فمَنْ أشرك مع الله غيره بالقصد والطلب، فقد خالف ما تنهى لا اله إلا الله، فعَكَسَ مدلولها، فأثبت ما نفته، ونفى ما أثبتته من التوحيد.

•    من فتاوى الأزهر الشريف
سُئل فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم: شيخ الأزهر الشريف -مفتى الديار المصرية-.
السؤال:
سيدة لها حصة في صندوق النذور والصدقات بضريح أحد الأولياء، وقد تنازلت عنها لأولاد بنتها، فهل يصح هذا التنازل شرعاً، وهل هذه النذور تورَّث؟

الجـواب:
أجاب فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم -رحمه الله-:
" اطلعنا على هذا السؤال، ونفيد بأنه قد جاء في " البحر" قبيل باب الاعتكاف في الجزء الثالث نقلاً عن الشيخ قاسم في شرح الدرر ما نصه:
"وأما النذر الذي نذره أكثر العوام على ما هو مُشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة، فيأتي قبر بعض الصلحاء فيقول: "يا سيدي فلان، إن عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من النقود كذا أو من الطعام كذا"، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، وهو لا يجوز لأنه عباده والعبادة لا تكون للمخلوق، ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقاد ذلك كفر، فإذا عُلِمَ هذا فما يؤخذ من الدراهم وغيرها وتنقل إلى أضرحة الأولياء تقرباً إليهم حرام بإجماع المسلمين، ما لم يقصدوا صرفه للفقراء الأحياء قولاً واحداً".

والظاهر لنا أن هؤلاء العوام وإن قالوا بألسنتهم:
"إني نذرت لله" أو "تصدَّقت لله"، فقصدهم في الواقع وفي نفس الأمر إنما هو التقرُّب إلى الأولياء، وليس مقصدهم التقرب إلى الله وحده، ولم يبتغوا بذلك وجهه سبحـانه، ولقد صدق فضيلة الشيخ عبد الرحمن قُرَّاعة- رحمه الله- إذ يقول في رسالته التي ألَّفها في النذور وأحكامها: "ما أشبه ما يقدمون من قربان وما ينذرون من نذور وما يعتقدون في الأضرحة وساكنيها، بما كان يصنع المشركون في الجاهلية، وما يغنى عنهم نفي الشرك بألسنتهم، وأفعالهم تنبئ عما يعتقدون من أن هؤلاء الأولياء لهم نافعون ولأعدائهم ضارون".

وجاء في كتاب "سبل السلام - شرح بلوغ المرام" (4/448) ما نصه:
"وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات، فلا خلاف في تحريمها، لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الأليم ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم النذر على الوثن، ويحرم قبضه، لأنه إقرار على الشرك ويجب النهي عنه وأنه من أعظم المحرمات وانه كان يفعله عباد الأصنام، لكن طال الأمر حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

وقد أطال القول في ذلك الشوكاني في رسالته المسماة:
"شرح الصدور في تحريم رفع القبور":

ولولا خشية الملل لذكرناه، وما ذكرناه فيه الكفاية.

مما ذكر يتبين أن نذر العوام لأرباب الأضرحة أو التصدق لهم تقرباً إليهم -وهو ما يقصده هؤلاء الجهلة مما ينذرونه- حرام بإجماع المسلمين،؟ والمال المنذور أو المتصدق به يجب رده لصاحبه إن علم، فإن لم يعلم فهو من قبيل المال الضائع الذي لا يعلم له مستحق فيصرف على  مصالح المسلمين أو على الفقراء، ولا يتعين فقير لصرفه إليه، فليس لفقير معين، ولو كان خادماً للضريح أو قريباً لصاحبه حق فيه قبل القبض، ومن قبض منهما شيئاً وكان فقيراً فإنما تملكه بالقبض ولا يجوز لغنى أن يتناول منه شيئاً فان تناول منه شيئاً لا يملكه وجب رده على مصارفه.

مِنْ هذا يُعلم أنه ليس للمتنازلة المذكورة حق فيما يوضع في الصندوق المذكور من الأموال، فإذا تنازلت فإنما تتنازل عن شيء لم يثبت لها شرعاً، وعلى أن لها حقاً فيه فليس هذا الحق من الحقوق التي تقبل التنازل والتمليك، أو التي تنقل بالإرث عنها لورثتها، وبهذا علم الجواب على السؤال. والله أعلم. أهـ

•    النَّذر لغير الله شِرْكٌ:
سُئِلَ فضيلة الشيخ حسن مأمون: شيخ الأزهر الشريف -مفتى الديار المصرية- هل يجوز النذر لغير الله؟، مثل أن ينذر أحدهم نتاج ماشيته، أو ربع أرضه، أو مبلغاً من المال لأحد الأولياء؟

فأجاب فضيله الشيخ حسن مأمون -مفتى الديار المصرية- قائلاً:
"وردت الآيات صريحة في أن النذر لا يجوز إلا لله، والنذر لغير الله شرك، فالنذر طاعة، ولا طاعة لغير الله".

وَرَدَ سؤال لفضيلة الشيخ محمود شلتوت، -مفتى الديار المصرية- عن النذور ومُفَادُه.
النذر شرعه الله طريقاً من طرق التقرُّب إليه ابتغاء مرضاته، يلتزمه الناس بأنفسهم، ومحض إرادتهم، وخالص نيِّتهم في زيادة التقرب إليه سبحانه، ولكنهم قد توسعوا فيه بالشهوات والأهواء والفتاوى الشخصية.

ونذروا إن نجح ولدهم في الامتحان، أو نجحوا هم في الانتخاب، أو شفي مريضهم أن يكون ولد البقرة للسيد البدوي، أو يصنعوا للسيدة فولها السنوي، يقيمون بالعجل أو الفول ليله صاخبة، يدعى لها الدراويش وأرباب الطرق، ويهنئون فيها باسم السيد أو السيدة.

وفي هذا الصنيع يتسرَّب الشك إلى بعض العقلاء، ولا يتقبلونه باطمئنان، يشكون في مشروعيته، ويشكون في أنه النذر الذي طلب الله الوفاء به، ومنح المؤمنين به درجة الأطهار الأبرار.

يتسرب الشك إليهم فيسألون:
س 1: هل هو نذر شرعي يجب الوفاء به؟
س 2: وهل يتعين فيه أن يذهب الناذر بما نذر من عِجْل أو فول إلى مكان الولي الذي نذر باسمه، ويوزعه على أحلاس الضريح العاكفين حوله؟
س 3: وهل يجوز أن يبيعه ويصرف ثمنه على الفقراء والمساكين بدل التزام عينه؟
س 4: وهل يجوز له أن يصرف ثمنه في مهام يحتاجها لنفسه ولأولاده من كسوة، أو نفقه، أو آلة زراعته، أو بذر أرضه؟ ثم يكون ديناً لله في ذمته يقضيه إذا أيسر؟

وأخيراً يسألون:
عن المصرف الشرعي للنقود التي توضع في صناديق الأضرحة بنية التقرب إلى الله عن طريق صاحب الضريح، أتصرف على ترميم الأضرحة وإضاءتها وفرشها وتزيينها؟

أم تصرف على خدمتها وموظفي مساجدها؟

أم أن هناك جهة أخرى هي أحق بالصرف فيها من هاتين الجهتين؟

فأجاب فضيلة الشيخ قائلاً:
هذه أسئلة يتجه بها كثيراً من العقلاء إلى أهل العلم بأحكام الله، فيما يتعلق بالنذور الشائعة بين الناس، حق لهم أن يسألوا، لأنهم يريدون التقرب إلى الله، والتقرب إلى الله لا يكون إلا بما يعتقدون أن الله قد شرعه، وكثيراً ما يجرى على عادات موروثة تأخذ صفة الذيوع والاشتهار، ويفعلونها على أنها مشروعه وهي ليست بمشروعه، ولا لها في التقرب إلى الله حساب، وإذن فلابد من التمحيص ولابد من إرشاد الناس وهدايتهم إلى المشروع وتخليصه من غير المشروع وعلى أهل العلم بأحكام الله بمقتضى وضعهم ورسالتهم، وبمقتضى العهد الذي أخذه عليهم أن يبينوا أحكام الله على وجهها، دون تأثر بموروث فاسد، وان طال أمده ودون محاوله لتصحيحه وإلباسه ثوب المشروع، مجامله للناس ومجاراة للأهواء.

وهذه كلمات أبيِّن بها ما اعتقده مشروعاً في النذر، وأرجو ألا تأخذ بعض الناس فيها العزة بالإثم فالحق أحق أن يُتَّبع، والظن لا يغنى من الحق شيئاً.

النذر شِرْعَةٌ قديمة:
"النذر" أسلوب قديم من أساليب التقرب إلى الله، حكاه الله سبحانه عن امرأة عمران "أم مريم": {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران: 35).

وحكاه عن مريم نفسها حينما اقترب منها لوضع وأمرها به:
{... فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} (مريم: 26).

•    النذر في الجاهلية:
وقد تَصرَّف فيه أهل لجاهلية بالشهوات والأهواء والمعتقدات الفاسدة التي شذوا بها من الفطرة في التحليل والتحريم بغير ما لم يأذن به الله، تصرفوا فيه فجعلوه لآلهتهم التماساً لشفاعتهم عند الله، وليقربوهم ليه زلفى، قال تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (الأنعام: 136).

•    النذر في الإسلام:
ولما جاء الإسلام أقرَّ النذر على وضعه الأول طاعة لله، فلا يكون لغيره، ولا يكون بمعصيته ومن هنا، كان النذر في الإسلام لغير الله باطلاً وحراماً ولا يجب الوفاء به، ولا يثاب الناذر عليه، إن لم يؤاخذ به، ولا يشفع في صحته وجله ما يقوله بعض المفتيين إنه لله في النية والقلب، والأعمال بالنيات، لأن صيغته وظروف فعله وشواهد حال الناذرين ناطقة بأنه لغير الله فيه نصيباً، أقله أن يقوم لولى بدور الوساطة في المحبوب والمرغوب بين الله والناذر، وهذا وان لم يكن شركاً بالنية والقلب فهو شرك في القول والفعل، ومن شأن العبادة المقبولة أن تكون لله في النية والقول والفعل جميعاً، قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   24/10/17, 12:29 am


أجوبة السائلين:
وإذن، فالنذر الشرعي الذي يجب الوفاء به:
هو ما كان باسم الله وحده، ومتجهاً به لله وحده، وهذا هو جواب السؤال الأول.

وإذا كان التقرب إلى الله لا يختص بمكان دون آخر، وكان تخصيص العبادة بالمكان أو الزمان لا يعرف إلا من قبله سبحانه، كان للناذر بعد أن يكون النذر لله – أن يصرف نذره في قريته، أو في حيِّه، وأن يطعمه فقراءها، بل هم به أحق وأولى من غيرهم، وهذا هو جواب السؤال الثاني.

وكذلك إذا رأى الناذر أن صرف ثمن النذر أنفع للفقراء، أو طرأت عليه ضرورة احتاج في دفعها إلى ثمنه، كان له أن يبيعه وأن يصرف ثمنه على الفقراء أو في حاجته، ويكون في الحالة الثانية ديناً عليه في ذمته يقضيه إذا أيسر، وهذان هما جوابا السؤالين الثالث والرابع.

•    أما النقود التي توضع في صناديق الأضرحة فمصرفها:
أولاً: الفقراء والمساكين، وجهات البر والمصالح العامة، وليس ترميم الأضرحة وإضاءتها وفرشها وتزيينها وأن ذلك كله غير مشروع.

نعم، يصح الصرف منها على ترميم المساجد، وعلى خَدَمِها الفقراء الذين لا تفي رواتبهم بمعيشتهم، ويجب أن ينظر إلى هذه الصناديق كخزائن عامة وضعت في أماكن عامة وهي المساجد لا الأضرحة؛ ليضع فيها أرباب الخير ما تجود به نفوسهم لله وفي سبيل الله، لا للأضرحة ولا لأصحابها، ويجب مع هذا أن يتولى حفظها، وصرف ما فيها، وتعيين جهاته، أناس معروفون بتقوى الله في مال الله، ولا تعرف الصلات الشخصية، أو الاعتبارات الفاسدة سبيلاً إلى قلوبهم.

كلمتان:
وهذه هي أجوبة السائلين عما يتعلق بالنذر وأحب أن اختم هذا الحديث بكلمتين يجدر بإخواننا المسلمين أن يتفهَّموها، وأن يكونوا على ذكر منها، وإيمان بها؛ لتكون صلتهم بالله في شرعه وعبادته على ما رسم وعلى ما يحب ويرضى.

إحداهما:
أن أولياء الله الذين يعرفهم الله، ويعرفون الله، يرضيهم ما يُرضي الله، ويُغْضبهم ما يغضبه، وأنهم قد تقربوا إليه، وأعد لهم درجات عنده بفعل ما شرع، وأنهم يحبون من الناس أن يتقربوا إليه بما تقربوا هم به إليه، ويغضبهم ويضاعف غضبهم أن يرفع الناس إليهم أكف الضراعة، أو يلتزموا باسمهم نذراً أو طاعة.

أما الكلمة الثانية:
فهي أن النذر عبادة وطاعة، يتقرَّب به العبد إلى ربه، ويؤكد به معنى العبودية الخالصة، فلا ينبغي أن يكون مذكوراً باسم غيره، ولا أن يكون فعله مشروطاً على السيد المعبود، فيكون مقابلة ومبادلة، ينزل كثيراً عن درجة العبادة، ولا يصاحبه إلى درجة العابدين الأبرار، وقد صحَّ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنما النذر مَن ابتُغِيَ به وجه الله -عز وجل-" (أحمد وأبو داود وهو في سلسلة الصحيحة (2859).

وإنه: "لا يرد شيئاً" (البخاري ومسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-).

أمَّا بعد:
فهذه هي أحكام النذر أقدمها لإخواننا المسلمين قياماً بواجب البيان، وخير لنا ولهم أن يتحروا في نذورهم، إذا أرادوا ما شرع الله، وأن يوفوا بها على وجهها المشروع، فيكون لهم ثواب المخلصين، ومنزله العابدين المقربين.
والسلام على مَنْ اتبع الهُدى.

وسُئِلَ فضيلة الشيخ الدكتور نصر فريد واصل -مفتى الديار المصرية سابقاً-:
عن حكم صناديق النذور الموجودة بالمساجد الكبرى بالقاهرة وخاصة التي بها أضرحة؟

فأجاب فضيلته قائلاً:
إذا كان نذر الناذر مالاً يضعه في هذه الصناديق يقصد ناذره قربة صاحب الضريح، بطلب خير منه أو دفع ضر عنه أو عن غيره، فيكون نذراً غير مشروع، ويكون مُحَرَّمَاً بالإجماع؛ لأنه في هذه الحالة يكون معصية تُقرِّب صاحبها من درجة الشِّرك والعياذ بالله، ويكون نذره هذا باطلاً، وماله وزر عليه، ولا ثواب له في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن ذلك النذر يكون وسيلة للحرام، وما يؤدي إلى الحرام يكون حراماً؛ ولأن النذر الحرام معصية ولا ينعقد بالإجماع؛ لأنه باطل، والباطل مردود على صاحبه.

وصناديق النذور التي تغلب عليها هذه الأموال الحرام تكون حراماً، ويجب التَّنزُه عن الأكل منها، وتوضع في المصارف العامة للمسلمين، وترفع هذه الصناديق من هذه المساجد سداً للذرائع، ومنعاً للمفاسد، ومنعاً للشبهات، ومَن اتقَ الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، أما إن غلب المال الحلال على المال الحرام فلا بأس من وضعه في مصارفه الشرعية، بما يحقق المصلحة للإسلام والمسلمين؛ لأن القليل الشاذ نادر، والشاذ والنادر يأخذ حكم الكل أو المجموع إذا لم يمكن التحرز منه، أو فصله، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والله يهدى من يشاء إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. والله أعلم. أهـ

النذر لأصحاب الأضرحة والأولياء باطل بإجماع الفقهاء.

جاء في الخطاب الموجَّه من معالي -وزير الأوقاف- الدكتور محمود حمدي زقزوق إلى الصحفي أحمد رجب، وقد تضمَّن الخطاب فتوى مُهمة تتعلق بالنذر لغير الله.

وفي الفتوى قال فضيلة الوزير:
أودُّ أن أوضح أن النذر لأصحاب الأضرحة والأولياء والصالحين باطل بإجماع الفقهاء؛ لأنه نذر لمخلوق، والنذر عبادة، وهي لا تكون لمخلوق، وإنما تكون للخالق، والنذر لله من العبادات القديمة.

ويُعد وسيلة من وسائل التقرُّب إلى الله، وقد أقرَّ الإسلام  النذر لله، وجعل الوفاء به ملزماً، أما النذر لغير الله؛ فإنه فضلاً عن أنه باطل وغير مشروع، فإنه لا يجوز الوفاء به، ومن جانبنا نقوم بتوجيه أئمة المساجد إلى توضيح ذلك لجماهير الناس. وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.أهـ
 
•    وأخيراً فتوى جامعة لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وفيها:
سُئِلَ فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى- عَمَّنْ يزور القبور، ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره، يطلب إزالة المرض الذي بِهم، ويقول: "يا سيدي! أنا في جيرتك، أنا في حسبك، فلان ظلمني، فلان قصد أذيتي"، ويقول: "إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى".

وفيمَنْ يُنذر للمساجد، والزوايا، والمشايخ -حيّهم وميّتهم- بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت... وغير ذلك.

يقول: "إن سَلِمَ ولدي فللشيخ عليَّ كذا وكذا"... وأمثال ذلك.

وفيمَنْ يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك الواقع؟

وفيمَنْ يجيء إلى شيخه ويستلم القبر ويُمرِّغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه ويمسح بهما وجهه... وأمثال ذلك.

وفيمَنْ يقصده بحاجته، ويقول: "يا فلان! ببركتك"، أو يقول: "قضيت حاجتي ببركة الله، وبركة الشيخ؟. 

وفيمَنْ يعمل السماع، ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين يدي شيخه على الأرض ساجداً.

وفيمن قال: "إن ثَمَّ قطباً غوثاً جامعاً في الوجود؟
أفتونا مأجورين، وأبسطوا القول في ذلك...

فأجاب فضيلته:
الحمد لله رب العالمين، الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكُّل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (الزمر: 1-3).

وقال تعالى:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (الجـن: 18).

وقال تعالى:
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}  (الأعراف: 29).

وقال تعالى:
{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 56-57).

قالت طائفة من السلف:
كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة، فقال الله تعالى هؤلاء الذين تدعونهم عبادي قال: كما أنتم عبادي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي".
 
فإذا كان هذا حال من يدعو الأنبياء والملائكة فكيف بمن دونهم؟!

قال تعالى:
{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} (الكهف: 102).

وقال تعالى: 
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (سـبأ: 22)، {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سـبأ: 23).

فَبَيَّنَ سبحانه أن مَنْ دُعِيَ من دون الله، من جميع المخلوقات من الملائكة والبشر... وغيرهم، أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فنفى بذلك وجوه الشرك؛ وذلك أن من يدعون من دونه، إما أن يكون مالكاً، وإما أن لا يكون مالكاً، وإذا لم يكن مالكاً، فإما أن يكون شريكاً وإما أن لا يكون شريكاً، وإذا لم يكن شريكاً، فإما أن يكون معاوناً، وإما أن يكون سائلاً طالباً، فالأقسام الأول الثلاثة وهي: الملك، والشركة، والمعاونة، منتفية، وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه.

كما قال تعالى:
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255).

وكما قال تعالى:
{وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم: 26).

وقال تعالى:
{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ} (الزمر: 43)، {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (الزمر: 44).

وقال تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة: 4).

وقال تعالى:
{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام: 51) وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79)، {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 80).

فإذا جعل مَنْ اتخذ الملائكة والنبيين أرباباً كافراً، فكيف مَنْ اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أرباباً.
 
وتفصيل القول:
إن العبد مطلوب إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دَيْنِهِ من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه أو دخوله الجنة أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويحسن خلقه ويزكي نفسه... وأمثال ذلك.

فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لمَلَكٍ ولا نبيٍ ولا شيخٍ -سواء كان حياً أو ميتاً-: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عافِ أهلي أو دابَّتي... وما أشبه ذلك.

ومَنْ سأل ذلك مخلوقاً كائناً مَنْ كان، فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يُصوِّرُونَها على صورِهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه.

قال الله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ  اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} (المائدة: 116).

وقال تعالى:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 31).

وأما ما يقدر عليه العبد:
فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض، فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهياً عنها.

قال تعالى:
{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (الشرح: 7-8)، وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".

وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- طائفة من أصحابه:
أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان سوط أحدهم يسقط من كفِّه، فلا يقول لأحد ناولني إياه.

وثبت في الصحيحين:
أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (البخاري ومسلم من حديث ابن عباس).

ـ والاسترقاء:
طلب الرُّقية وهو من أنواع الدعاء.

ومع هذا فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
"ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة إلا وكَّلَ اللهُ بها مَلَكَاً كلما دعا لأخيه دعوة قال المَلَكُ: ولك مثل ذلك" (مسلم من حديث أبي الدرداء).
 
ومن المشروع في الدعاء:
دعاء غائب لغائب؛ ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصلاة عليه وطلبنا الوسيلة له، وأخبر بما لنا في ذلك من الأجر إذا دعونا بذلك، فقال في الحديث: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي، فإن مَنْ صلَّى عليَّ مرةً، صلَّى اللهُ عليه عشراً، ثم اسألوا لِيَ الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمَنْ سأل اللهَ لِيَ الوسيلة حَلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة" (مسلم من حديث عبد الله بن عمرو).

ويُشرع للمسلم أن يطلب الدُّعاء مِمَّنْ فوقه ومِمَّنْ هو دونه، فقد رُويَ طلب الدعاء من الأعلى والأدنى فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- رُويَ عنه بسند ضعيف قوله: "لا تنسنا من دُعائك يا أخي".

لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ذكر:
"أن مَنْ صلَّى عليه مرَّة، صلَّى الله بها عليه عشراً، وأن مَنْ سأل له الوسيلة حلَّت له شفاعته يوم القيامة"، فكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين مَنْ طلب من غيره شيئاً لمنفعة المطلوب منه، ومَنْ يسأل غيره لحاجته إليه فقط، وثبت في الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر أويسا القرني وقال لعمر: "إن استطعت أن يستغفر لك فافعل".

وفي الصحيحين أنه كان بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- شيء، فقال أبو بكر لعمر: "استغفر لي" لكن في الحديث أن أبا بكر ذكر أنه حنق على عمر. وثبت: "أن أقواماً كانوا يسترقون، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرقيهم".

وثبت في الصحيحين:
"أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستسقي لهم، فدعا الله لهم فسُقوا".

وفي الصحيحين أيضاً:
أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استسقى بالعباس فدعا فقال: "اللهم إنَّا كنَّا إذا أجدبنا نتوسَّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيُسقون.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   24/10/17, 12:52 am


•    حكم من يأتي إلى قبر نبي أو صالح ويسأله ويستنجد به.
وأما مَن يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله ويستنجده...

فهذا على ثلاث درجات:
أحدها:
أن يسأله حاجته، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه... ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله -عز وجل-، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قُتِلَ، وإن قال: أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني؛ ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأني أتوسل إلى الله به كما يُتوسَّل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى، فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم.

وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ ِلَّا ِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3).

وقال -سبحانه وتعالى-:
{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلايَعْقِلُون} (الزمر: 43)، {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (الزمر: 44).

وقال تعالى:
{مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة: 4).

وقال تعالى:
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255).

فبيَّن الفرق بينه وبين خلقه، فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه، فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته، إما رغبة وإما رهبة، وإما حياء وإما مودة، وإما غير ذلك.

والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع، فلا يفعل إلا ما شاء، وشفاعة الشافع من إذنه فالأمر كله له، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-  في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة-رضي الله عنه-: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة).

فبيَّن أن الرب سبحانه يفعل ما يشاء، لا يكرهه أحدٌ على ما اختاره، كما قد يكره الشافع المشفوع إليه، وكما يكره السائل المسئول إذا ألح عليه وآذاه بالمسألة، فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (الشرح: 7-8).

والرهبة تكون من الله، كما قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة: 40), وقال تعالى: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن} (المائدة: 44)، وقد أمرنا أن نُصلِّي على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء، وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا، وقال كثير من الضُلال: هذا أقرب إلى الله مني، وأنا بعيد من الله لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة... ونحو ذلك من أقوال المشركين.

فإن الله تعالى يقول:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة: 186).

وقد روي أن الصحابة قالوا:
"يا رسول الله. ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟!".

فأنزل الله هذه الآية، وفي الصحيح أنهم كانوا في سفر وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، بل تدعون سميعاً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري).

وقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته، وأمر كلا منهم أن يقولوا:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5)، وقد أخبر عن المشركين أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّالِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3)، ثم يقال لهذا المشرك: أنت إذا دعوت هذا، فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك، وأقدر على عطاء سؤالك، أو أرحم بك، فهذا جهل وضلال وكفر، وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم، فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره، ألا تسمع إلى ما خرجه البخاري وغيره عن جابر -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته" (البخاري من حديث جابر) أمر العبد أن يقول: "أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم".

وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى درجة عند الله منك فهذا حق، لكن كلمة حق أريد بها باطل، فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك، فإنما معناه أن يثيبه ويعطيه أكثر مما يعطيك، ليس معناه أنك إذا دعوته كان الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله تعالى، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلاً لما فيه من العدوان، فالنبي والصالح لا يعين على ما يكره الله، ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول .

• طلب الدُّعاء من الغير حيَّاً كان أو ميِّتاً
وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته.

فهذا هو القسم الثاني:
وهو أن لا تطلب منه الفعل ولا تدعوه، ولكن تطلب أن يدعو لك، كما تقول للحي: "ادع لي" وكما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يطلبون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء فهذا مشروع في الحيِّ كما تقدم.

وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم، فلم يشرع لنا أن نقول:
"ادع لنا"، ولا "اسأل لنا ربك" ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث،

بل الذي ثبت في الصحيح:
"أنهم لما أجدبوا زمن عمر -رضي الله عنه- استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيُسقون".

ولم يجيئوا إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلين:
"يا رسول الله ادع الله لنا، واستسق لنا، ونحن نشكو إليك مما أصابنا... ونحو ذلك"، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسلِّمون عليه، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع،  وذلك أن في الموطأ وغيره عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (أخرجه مالك عن عطاء بن يسار).

وفي السُّنَنْ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
"لا تتخذوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وهو في صحيح الجامع: 7226).

وفي الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه:
"لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارَى اتخذوا قبور أنبيائهم مسَاجد" (أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة).

ـ يحذر ما فعلوا.

-قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يُتَّخَذَ مسجداً".

وفي صحيح مسلم عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال قبل أن يموت بخمس:
"إنّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (أخرجه مسلم عن جندب).

وفي سنن أبي داود عنه-صلى الله عليه وسلم- قال:
"لعنَ اللهُ زوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُرُج" (أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: 4691).

وفي الجزء الأخير من الحديث ضعف،  ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبـور، وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر ولا للمجاورين عند القبر شيئاً من الأشياء، لا من درهم ولا من زيت، ولا من شمع، ولا من حيوان... ولا غير ذلك، كله نذر معصية.

وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ نذر أن يطيع الله فليُطعه، ومَنْ نذر أن يعصي الله فلا يعصه".

واختلف العلماء هل على الناذر كفارة يمين على قولين، ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف أن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند القبور -قبور الأنبياء والصالحين سواء سميت مشاهد أو لم تسم- وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} (البقرة: 114)، ولم يقل المشاهد، وقال تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد} (البقرة: 187) ولم يقل في المشاهد، وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف: 29).

وقال تعالى:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (التوبة: 18)، وقال تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (الجـن: 18).

وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفاً" (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة).

وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"مَنْ بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة" (أخرجه البخاري ومسلم عن عثمان بن عفان).

وأما القبور فقد ورد نَهيه -صلى الله عليه وسلم- عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، كما ذكره البخاري في صحيحه والطبراني وغيره في تفاسيرهم،  وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء، في قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} (نوح: 23)، قالوا: هذه أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناماً".

وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها... ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (أخرجه مالك من حديث عطاء بن يسار).

واتفق العلماء:
على أن مَن زار قبر النبي  -صلى الله عليه وسلم-أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين والصحابة وأهل البيت... وغيرهم،  أنه لا يتمسح به ولا يقبله،  بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود.

وقد ثبت في الصحيحين أن عمر -رضي الله عنه- قال:
"والله إني لأعلمُ أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  يُقبِّلك ما قبَّلتك".

ولهذا لا يُسَنُّ باتفاق الأئمة أن يُقَبِّلَ الرجل أو يستلم ركني البيت اللذين يليان الحجر، ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما كان موجوداً، فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة، وذكر أن مالكاً لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر -رضي الله عنهما- فعله.

وأما التمسُّح بقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقبيله، فكلهم كرهوا ذلك ونهوا عنه، وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي -صلى الله عليه وسلم- من حسم مادة الشرك وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين، ولم يثبت عن ابن عمر وضع اليد على المنبر، وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- والرجل الصالح في حياته وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه، وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد بحضوره، فإذا كان الأنبياء -صلوات الله عليهم- والصالحون أحياء لا يتركون أحداً يشرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح -عليه السلام-: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة: 117).

وقال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
"ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً، ما شاء الله وحده" (أخرجه أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-).

وقال:
"لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (أخرجه ابن ماجة عن حذيفة، وهو في صحيح الجامع: 378).

ولما قالت الجويرية:
"وفينا رسول الله يعلم ما في غد قال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين" (أخرجه البخاري عن الربيع بن مسعود).

وقال:
لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (أخرجه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-).

ولما صَفُّوا خلفه قياماً قال:
"لا تُعظموني كما تُعظم الأعاجم بعضهم بعضاً".

وقال أنس:
لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله  -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولما سجد له معاذ نهاه -صلى الله عليه وسلم- وقال: "إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (أخرجه ابن ماجة، وهو في صحيح الجامع: 5295).

ولما أتي عليٌّ بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية: أمر بتحريقهم بالنار، فهذا شأن أنبياء الله وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوا في الأرض وفساداً، كفرعون ونحوه ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم، كما أشرك بالمسيح وعزير، فهذا مما يبين الفرق بين سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- والصالح في حياته وحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف، ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب، كما ذكره السائل ويستغيث به عند المصائب، يقول: "يا سيدي فلان" كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم، ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك، لا في مغيبه ولا بعد مماته، وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ  فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (الحج: 30)، {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِه} (الحج : 31).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
"عدلت شهادة الزور الإشراك بالله"، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} (الأعراف: 152).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   24/10/17, 09:58 pm


وقال الخليل-عليه السلام-:
{أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} (الصافات: 86)، {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الصافات: 87).

فمِنْ كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه:
إن المُريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وانكشف غطاؤه رَدَّهُ عليه، وإن الشيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخاً، وقد تغويهم الشياطين كما تغوي عُبَّاد الأصنام، كما كان يجري في العرب في أصنامهم، ولعُبَّاد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجري للتتار والهند والسودان... وغيرهم من أصناف المشركين من إغواء الشياطين ومخاطبتهم... ونحو ذلك، فكثير من هؤلاء قد يجري له نوع من ذلك، لاسيما عند سماع المكاء والتصدية، فإن الشياطين قد تنـزل عليهم، وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع من الإرغاء والإزباد والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون... وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين.

•    حكم مَنْ إذا أصابته نائبة أو خوف استنجد بشيخه.
وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئاً فاستغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك، وهو من جنس دين النصارى، فإن الله هو الذي يصيب بالرحمة ويكشف الضر.

قال تعالى:
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس: 107).

وقال تعالى:
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر: 2).

وقال تعالى:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ  أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 40-41).

قال تعالى:
{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 56-57).

فبيَّن أن مَنْ يدَّعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلاً، فإذا قال قائل: "أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعاً لي"، فهو من جنس دعاء النصارى لمريم، والأحبار والرهبان، والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصاً له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحَّم عليه، فإن أعظم الخلق قدراً هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحداً منهم عند الفزع والخوف أن يقول: "يا سيدي يا رسول الله"، ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته، بل كان أمرهم بذكر الله ودعائه، والصلاة والسلام عليه -صلى الله عليه وسلم-.

قال الله تعالى:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران: 173-174).

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:
"أن هذه الكلمة قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم-، يعني وأصحابه حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم".
 
وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول عند الكرب:
"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم"، وقد ثبت أنه علَّم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته.

وفي السنن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر قال:
"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث -وفي رواية: "صلى"- وكلتاهما صحيحتان، وروي أنه علم ابنته فاطمة  تقول: "يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك".

وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم البستي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-:
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما أصاب عبداً قط همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحاً، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن، قال: ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن"، وقال لأمته: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يُخوِّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذكر الله والاستغفار" فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقاً ولا ملكاً ولا نبياً ولا غيرهم، ومثل هذا كثير في سنته.

لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به من دعاء الله وذكره والاستغفار والصلاة  والصدقة... ونحو ذلك، فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تضاهي دين المشركين والنصارى، فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك، وأنه مثل له شيخه... ونحو ذلك، فعُبَّاد الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجري لهم مثل هذا كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان، فلولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها.

قال الخليل -عليه السلام-:
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاس} (إبراهيم: 35-36).

وفي الصحيح:
"إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة عمرو بن لحي الخزاعي" الذي رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- يجر أمعائه في النار"، وهو أول من سيب السوائب، وغيَّر دين إبراهيم، قالوا: إنه ورد الشام فوجد فيها أصناماً بالبلقاء، يزعمون أنهم ينتفعون بها في جلب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة وسنَّ للعرب الشرك وعبادة الأصنام، والأمور التي حرمها الله ورسوله من الشرك والسحر والقتل والزنا وشهادة الزور وشرب الخمر... وغير ذلك من المحرمات قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة أو دفع مضرة، ولولا ذلك ما أقدمت النفوس على المحرمات التي لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة، فأما العالم بقبح الشيء والنهي عنه فكيف يفعله؟!

والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيه من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها مثل الشهوة إليها وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة، ولا يعلمون ذلك لجهلهم، أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى غالباً يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئاً، فإن حبك للشيء يعمي ويصم، ولهذا كان العالم يخشى الله.

وقال أبو العالية:
سألت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- عن قول الله -عز وجل-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} (النساء: 17)، فقالوا: كل مَنْ عصى الله فهو جاهل، وكل مَنْ تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، وليس هذا موضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة، وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم بُخلاً به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، ولهذا وصف نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنه: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157).

 •    بيان حكم التمسح بالقبر وتقبيله وتمريغ الخد عليه.
وأما التمسح بالقبر -أي قبر كان- وتقبيله وتمريغ الخد عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً} (نوح: 23-24).

وقد تقدم أن هؤلاء أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، وأنهم عكفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصوَّرُوا تماثيلهم، لاسيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به، وقد تقدم ذكر ذلك وبيان ما فيه من الشرك، وبيَّنا الفرق بين الزيارة البدعية التي تشبه أهلها بالنصارى، والزيارة الشرعية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   24/10/17, 10:25 pm


•    حكم وضع الرأس عند الكُبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض.
=========================================
وأما وضع الرأس عند الكُبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض... ونحو ذلك،  فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله -عز وجل- منهي عنه.

ففي المسند وغيره أن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- لما رجع من الشام سجد للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:
"ما هذا يا معاذ؟! فقال: يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: كذبوا يا معاذ، لو كنت آمراً أحد يسجد لأحدٍ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ. أرأيت إن مررت بقبري أكنت ساجداً؟ قال: لا. قال: لا تفعل هذا" أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (أخرجه ابن ماجة عن عبد الله بن أوفى، وهو في صحيح الجامع: 5295).

بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر:
"أنه -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بأصحابه قاعداً من مرض كان به، فصلُّوا قياماً فأمرهم بالجلوس، وقال: لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضاً" (أخرجه مسلم من حديث جابر).

وقال
-صلى الله عليه وسلم-:
"مَنْ سَرَّهُ أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوَّأ مِقعدهُ من النار" (أخرجه أبو داود والترمذي من حديث معاوية، وهو في صحيح الجامع: 5957).

فإذا كان قد نهاهم مع قعوده، وإن كانوا قاموا للصلاة حتى لا يتشبهوا بِمَنْ يقومون لعظمائهم، وبيَّن أن مَنْ سَرَّهُ القيام له كان من أهل النار، فكيف بما فيه من السجود له، ومن وضع الرأس وتقبيل الأيادي؟
 
وقد كان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وهو خليفة الله على الأرض - قد وكل أعواناً يمنعون الداخل من تقبيل الأرض، ويُؤدِّبُهم إذا قبَّل أحدٌ الأرض.

وبالجملة:
فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود، خالق السماوات والأرض، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب، مثل الحلف بغير الله -عز وجل-
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" (متفق عليه).

وقال أيضاً:
"مَنْ حلف بغير الله فقد أشرك" (أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عمر، وهو في صحيح الجامع: 6204).

فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5).

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أمركم" (أخرجه مسلم عن أبي هريرة).

وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشرك دِقِّهِ وجُلِّهِ، وحقيره وكبيره، حتى أنه قد تواتر عنه -صلى الله عليه وسلم-: أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة، تارة يقول: " لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" (أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر).

وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يُقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له، فكيف بما هو أظهر شركاً ومشابهة للمشركين من هذا.

وقد قال الله تعالى فيما أمر رسوله أن يخاطب به أهل الكتاب:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 64).

وذلك لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، من اتخاذ بعضهم بعضا أرباباً من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-  وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى فقد ترك ما أمر الله به ورسوله.
 
وأما قول القائل:
"انقضت حاجتي ببركة الله وبركتك" فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن بالله في مثل هذا غيره، حتى أن قائلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما شاء الله وشئت" فقال: "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" (أخرجه أحمد عن ابن عباس).

وقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه:
"لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم ما شاء محمد" (أخرجه ابن ماجة عن حذيفة، وهو في صحيح الجامع: 4378).

وفي الحديث:
أن بعض المسلمين رأى قائلاً يقول: "نِعْمَ القوم أنتم، لولا أنكم تنددون" أي تجعلون لله نداً. يعني: تقولون: "ما شاء الله وشاء محمد"، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك.

وفي الصحيح عن زيد بن خالد قال:
صلَّى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الفجر بالحديبية في إثر سماء من الليل، فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما مَنْ قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما مَنْ قال: مُطِرْنَا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (أخرجه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد).

والأسباب التي جعلها الله أسباباً لا تجعل مع الله شركاء وأنداداً وأعواناً.

وقول القائل:
"ببركة الشيخ" قد يعني بها دعاءه، وأسرع الدعاء إجابة دعاء لغائب، وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بها بركة معاونته له على الحق وموالاته في الدين... ونحو ذلك، وهذه كلها معان صحيحة.

وقد يعني بها دعائه للميت والغائب، إذ استقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له متابعته أو مطاوعته على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة.

والذي لا ريب فيه:
أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض... ونحو ذلك، هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته.

•    بيان حقيقة "القطب الغوث الفرد الجامع".
وأما سؤال السائل عن: "القطب، الغوث، الفرد، الجامع"، فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم: أن "الغوث" هو الذي يكون مَدَدَ الخلائق، بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول: "إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته"، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح -عليه السلام- والغالية في عليٍّ -رضي الله عنه-، وهذا كفر صريح يُسْتتاب منه صاحبه، فإن تاب وإلا قُتِل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته.

ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في "العقول العشرة" الذين يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح... ونحو ذلك، كفر صريح باتفاق المسلمين.
 
وكذلك أعني بـ"الغوث" ما يقوله بعضهم:
من أنّ في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، يسمونهم "النجباء"، فينتقي منهم سبعون هم "النقباء"، ومنهم أربعون هم "الأبدال"، ومنهم سبعة هم "الأقطاب"، ومنهم أربعة هم "الأوتاد"، ومنهم واحد هو "الغوث " وأنه مقيم بمكة.

وأن أهل الأرض إذا نابهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وأولئك يفزعون إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعةِ، والسبعةُ إلى الأربعةِ، والأربعةُ إلى الواحد. 

وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛  فإن لهم فيها مقالات متعدِّدة، حتى يقول بعضهم: إنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم "غوث الوقت"، واسمه "خضر" على قول مَنْ يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضراً فإن لهم في ذلك قولين، -وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة، ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للإقتداء بهم-، ومعلـوم أن سيدنا رسول رب العالمين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليَّاً -رضي الله عنهم- كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة ولم يكونوا بمكة.

وبالجملة:
فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينـزل بالمسلمين من النوازل في الرغبة والرهبة، مثل دعائهم عند الاستسقاء لنزول الرزق ودعائهم عند الكسوف [والدعاء] لرفع البلاء... وأمثال ذلك إنما يدعون في ذلك الله وحده لا شريك له لا يشركون به شيئاً، لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله -عز وجل-، بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة، فيجيبهم الله.

أفَتَراهُم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟

قال تعالى:
{وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} (يونس: 12).

وقال تعالى:
{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} (الإسراء: 67).

وقال تعالى:
{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 40-41).

وقال تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 42-43).

والنبي -صلى الله عليه وسلم- استسقى لأصحابه بصلاة وبغير صلاة، وصلَّى بهم للاستسقاء وصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته، فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين وما زالوا على هذه الطريقة، ولهذا يقال: "ثلاثة أشياء ما لها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجُهَّال".

فإن النصيرية تدَّعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس أنه يقيم العالم، فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة.

وأما محمد بن الحسن المُنتظر، والغوث المقيم بمكة... ونحو هذا، فإنه باطل ليس له وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم... ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله، ولا يمدانُهم، فكيف بهؤلاء الضالين المغترِّين الكذّابين؟!

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيما الوضوء، وهو الغُرة والتَّحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله مَنْ لا يحصيه إلا الله -عز وجل-، وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم.

بل قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْك} (غافر: 78)، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضرُ لم يكن يعرف موسى، بل لما سلَّم عليه موسى، قال له الخضر: "وأنى بأرضك السلام"، فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وقد كان بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه.

ومَنْ قال:
إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18286
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: 8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور   24/10/17, 10:37 pm


• حكم إمكانية تسمية أفضل أهل الزمان بالقطب والغـوث
===============================
وأما إن قصد القائل بقوله:
"القطب الغوث الفرد الجامع" أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضاً أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل، وثلاثة، وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحداً، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية.

ثم إذا كان في الزمان رجلٌ هو أفضل أهل الزمان فتسميته" بالقطب الغوث الجامع" بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض الناس أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه، ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لاسيما أن من المنتحليـن لهذا الاسم مَنْ يدَّعي أن أول الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبي طـالب -رضي الله عنهما-، ثم يتسلل الأمر إلى ما دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا يصح لا على مذهب أهل السنة ولا على مذهب الرافضة، فأين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟! والحسن عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد قارب سن التمييز والاحتلام.

وقد حُكِي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا:
أن "القطب الفرد الغوث الجامع" ينطبق علمه على علم الله تعالى وقدرته على قدرة الله تعالى، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله، وزعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، وتسلسل إلى شيخه، فبينت أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفر دع ما سواه.

وقد قال الله تعالى:
{قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} (الأنعام: 50).

وقال تعالى:
{قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} (الأعراف: 188).

وقال تعالى:
{يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} (آل عمران: 154).

وقال تعالى:
{يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} (آل عمران: 154).

وقال تعالى:
{لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران: 127-128).

وقال تعالى:
{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56).

والله -سبحانه وتعالى- أمرنا أن نطيع رسوله -صلى الله عليه وسلم- فقال تعالى:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 8).

وأمرنا أن نتبعه، فقال تعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31).

وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بيَّنه في كتابه وسُنَّة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحَبَّ الناس إلينا من أنفسنا وأهلينا.

قال تعالى:
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (الأحزاب: 6).

وقال تعالى:
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه} (التوبة: 24).

وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحَبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس).

وقال له عمر -رضي الله عنه-:
"يا رسول الله لأنت أحَبَّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحَبَّ إليك من نفسك، قال: فلأنت أحَبَّ إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر"
(أخرجه البخاري).

وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان، مَنْ كان اللهُ ورسولهُ أحَبَّ إليه مِمَّا سواهما، ومَنْ كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومَنْ كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس).

وقد بيَّن في كتابه حقوقه التي لا تصلح إلا له وحقوق رسله وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.

وذلك مثل قوله تعالى:
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (النور: 52).
فالطاعة لله ورسوله والخشية والتقوى لله وحده.

قال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} (التوبة: 59).
فالإيتاء لله والرسول والرغبة لله وحده.

وقال تعالى:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7 ).

لأن الحلال ما أحلّهُ اللهُ ورسولهُ، والحرام ما حَرَّمَهُ اللهُ ورسولهُ، وأما الحسب فهو لله وحده، كما قال وقالوا: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ}، ولم يقل: "حسبنا الله ورسوله".

قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 64).

أي يكفيك الله ويكفي مَنْ اتبعك من المؤمنين، وهذا هو الصواب المقطوع به في هذه الآية.

ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-:
حسبنا الله ونعم الوكيل، والله -سبحانه وتعالى- أعلم وأحكم، وصلَّى الله على خير خلقِه سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
 
السؤال:
ما هي الأسباب التي دعت إلى انتشار الشرك والبِدَع عند القبور؟

الجواب:
1- الاعتماد على أحاديث موضوعة لا أصل لها:
وهي أحاديث وضعها بعض الجُهَّال على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكذب عليه، فقال كما عند البخاري: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً فليتبوَّأ مِقْعَدَهُ من النار".

ومن الأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها:
أ- "من اعتقد في حجر نفعه": "موضوع".
ب- "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور": "موضوع".


2- الجهل بكتاب الله وسُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
فمع الجهل تنتشر البدع والخرافات بين الناس، فإذا جهل الإنسان سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في زيارة القبور وقع في البدع والمنكرات.

3ـ تقليد الآباء واتباع الأعراف والإعراض عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
فإذا أعرض عن السنة اشتغل بالبدعة شاء أم أبى.

يقول العلامة الصنعاني -رحمه الله- كما في "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد صـ 36":
إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل وقبيلاً بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي نُدَنْدِن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة، الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل بلدته يلقنونه: أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له، ويرحلون إلى محل قبره... فنشأ عليه الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير... ولا يخفى على أحد يعرف بارقة من علم الكتاب والسُّنَّة والأثر أن سكوت العالم على وقوع المنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر. أهـ

4ـ كيد الشيطان ووسوسته:
فيُوسوس الشيطان للناس بتعظيم القبور، والاعتقاد بأن المقبور له القدرة على شفاء المرضى، وقضاء الديون، والنصر على الأعداء، فيُكثر الناس من النذر له وتقبيله، وإيقاد الناس السرج عليه والنذر له، وبناء المساجد والقباب عليه، والسفر إليه، والاستغاثة به من دون الله.

5ـ الحكايات الواهية المكذوبة عن القبور:
فقد يحكي أحدهم أنه رأى في منامه أن صاحب هذا القبر يطير في الجَنَّة، وأنه مُقَرَّبٌ إلى الله، ويحكي آخر أن فلاناً قد استغاث بصاحب هذا المقام ففرَّجَ عنه، ودعاه في حاجة فقضيت له، وآخر يحكي كذا وكذا... وهكذا تنتشر الحكايات حول هذا القبر.

فقد تبدأ المسألة برؤية في المنام أو بإشاعة عن قبر من القبور، وأنه لزائره نافع، ولداعيه شافع، حتى تنتشر هذه القصص بين الناس فتتحول إلى حقيقة، فتبدأ مظاهر الشرك من طواف بقبره، أو دعائه من دون الله، أو الاستعانة والاستغاثة به، أو الذبح له... وغير ذلك من ألوان العبادة التي لا تصرف إلا لله.

وجاء في "طبقات الشعراني" (2/74):
أن أبا المواهب الشاذلي يقول:
"رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها، فانذر لنفيسة الطاهرة ولو فلساً، فإن حاجتك تقضى" فهذا حلم شيطاني ودعوة صريحة للشرك بالله -عز وجل- ونقض التوحيد، وتنقص لمقام النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي مكث ثلاثة وعشرين عاماً يدعو إلى إفراد الله بالعبادة ويسدُّ كل طريق يفضي إلى الشرك، وعلى كلٍ فالمنامات لا يمكن ضبطها وصاحبها ليس نبياً معصوماً، ومن ثمّ فلا يعتمد عليها، وخصوصاً لو كانت أحلاماً شيطانية تخالف الأحكام الشرعية.

ويقول الشعراني أيضاً في "طبقاته" صـ263:
"وأخبرني شيخنا محمد الشناوي -رضي الله عنه- أن شخصاً أنكر حضور مولده ـ أي مولد أحمد البدوي -فسُلِبَ الإيمان، فلم يكن فيه شعرة تحِنُّ إلى دين الإسلام- فاستغاث بسيدي أحمد -رضي الله عنه- فقال: والنساء، فقال له سيدي أحمد -رضي الله عنه- ذلك واقع في الطواف، ولم يمنع أحد منه، ثم قال: وعزة ربي ما عصى أحد في مولدي إلا وتاب وحسنت توبته، وإذا كنت أرعى الوحوش والسمك في البحار، وأحميهم من بعضهم بعضاً، أفيعجزني الله -عز وجل- عن حماية مَن يحضر مولدي!!
سبحانك! سبحانك، هذا بهتان عظيم، إن يقولون إلا كذباً.

فَعَوْدَاً حميداً عباد الله إلى الدين الخالص، والنبع الصافي، والسُّنَّة المطهرة، حتى لا نَذِلَّ في أوحال الشِّرك، ونعوذ بالله أن نُشرك به شيئاً نحن نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه.

تنبيه:
مَنْ أراد أن يجمع هذه السلسلة (ماذا تعرف عن القبر؟) في كتاب ثم يطبعه وينشره فله ذلك، وهذا من الصدقة الجارية، والدال على الخير كفاعله.

تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، ورزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على فعل الخيرات وطاعة الرحمن، وفي الآخرة مع سيد الأنام وإمام المتقين -صلى الله عليه وسلم- في جنَّة رب العالمين... آمين.

وبعد...،
فهذا آخر ما تيسر جمعه في هذه الرسالة.
نسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن يتقبلها منا بقبول حسن، كما أسأله سبحانه أن ينفع بها مؤلفها وقارئها ومن أعان على إخراجها ونشرها... إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بَراء، وهذا بشأن أي عمل بشري يعتريه الخطأ والصواب، فإن كان صواباً فادع لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثمّ خطأ فاستغفر لي:

وإن وجدت العيب فسد الخللا    جلّ من لا عيب فيه وعلا

فاللهم اجعل عملي كله صالحاً ولوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه نصيب
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هذا والله تعالى أعلى وأعلم...
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
تم بحمد الله تعالى وتوفيقه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
8 ـ شرك القبور والفتنة بالمقبور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: ماذا تعرف عن القبر؟-
انتقل الى: