منتدى إنما المؤمنون إخوة The Blievers Are Brothers
بسم الله الرحمن الرحيم.. مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي والمحبة الدائمة بيننا إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.

فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:42 pm

فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ
وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

جمع وإعداد
هيثم محمد حيدر

بسم الله الرحمن الرحيم

التقديم

أمَّة الإسلام خير أمَّة أخرجت للنَّاس ، وأكرم أمَّة على الله تعالى ، قال عزَّ وجلَّ : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ (10- آل عمران) وفي الحديث عن‏ ‏بَهْز بن حكيم ‏عن‏ ‏أبيه ‏‏عن ‏‏جده ‏‏قال : ‏‏سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يقول : "‏ ‏إنَّكم وَفَّيْـتُم سبعين أمَّة ، أنتم خَيْرُهَا وأكْرَمُهَا على الله" 0 ( رواه ابن ماجه )
ومن علامات هذه الخيرية ، وهذه الكرامة على الله عزَّ وجلّ هو : قُلِّة العمل وكثرة الأجْرِ والثَّواب ، وتأمل جيدا في هذا الحديث الشريف الذي يُقرر هذه الحقيقة ، فعن عمر بن الخطاب ‏رضي الله عنه ‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: " إنما مَثَلَكُم واليهود والنصارى كَرَجُلٍ استعمل عُمَّالاً فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على‏ ‏قيراط‏ ‏قيراط ‏‏، فَعَمِلَ ‏‏ اليهود ‏على‏ ‏قيراط ‏ ‏قيراط ‏، ‏ثم عَمِلَت النصارى على ‏قيراط ‏قيراط ،‏ ‏ثم أنتم الذين تعملون من صـلاة العصر إلى مغارب الشمس على ‏ ‏قيراطين ‏قيراطين ‏، ‏فغضبت ‏‏اليهود والنصارى ‏وقالوا نحن أكثر عَمَلاً وأقَلُّ عَطَاءً ، قال : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا لا، فقال فذلك فَضْلِي أوتيه من أشاء " 0 ( رواه البخاري ) ومعنى الحديث الشريـف أن أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى قالوا معترضين: ربنا أعطيت أمَّة محمد ثوابا كثيرا مع قلة أعمالهم ، وأعطيتنا ثوابا قليلا مع كثرة أعمالنا ، فجاء الجواب من ربِّ العزة بأنه سبحانه تَفَضَّلَ على أمِّة الإسلام ، أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، دون أن يظلم اليهود والنصاري من أجرهم شيئا 0
والفَضْلُ هو: الزيادة على ما وَجَبَ، والإفْضَالُ هو: الإحسان، فالله سبحانه وتعالى يُؤتي فضله من يشاء من خلقه 0
ومن جملة ما تَفَضَّلَ وتَكَرَّم به سبحانه وتعالى على أمِّة الإسلام : الحجُّ الأكبر، والحجِّ الأصغر، والحَجُّ الأكبر هو: فريضة الحجّ ، والحجِّ الأصغر هي : العمرة ، وجعل لأعمالهما من مبتدأها إلى منتهاها فضائل حازت الأجر الجزيل والثواب الكبير 0
وهذا ما سنحاول أن نُبَيِّنهُ في هذا الكُتيب الذي جمعت فيه: فضائل أعمال الحَجِّ والعُمرة ، حتى يطَّلع عليها الحاجّ والمعتمر ، فتكون له حافزاً ودافعاً لأداء المناسك بخفة ونشاط وهمة عالية وصَبْرٍ وتَحَمُّلٍ لما يلاقيه تعب وعنت ، فالمؤمن دائما وأبدا يرجوا ثواب الله تعالى ، ويرجوا فضل الله تعالى ، والفَضُّلُ كل الفَضِّلِ ، والثَّوابُ كل الثَّوابِ لعباد الله تعالى الذين أتوه من كل فجٍّ عميق قاصدين بيته العتيق راجين رحمته وعفوه ومغفرته 0

وأضفت إليه فضائل مَكَّة المُكَرَّمة خَيْرُ أرْضِ اللَّهِ وَأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلَى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم فضائل المدينَةُ المُنَوَّرة والمسجد النبوي الشريف 0

سائلا المولى عزَّ وجلَّ أن يَتَقَبَلَ هذا العمل ويُبارك فيه وينفع به أمَّةَ الإسلام ، ربَّناَ تَقَبَّلْ منَّا إنَّك أنت السميع العليم ، وتُبْ علينا إنَّك أنت التواب الرحيم، والحمد لله ربَّ العالمين 0


شعر ودعاء
إليك إلهي قـد أتيت مُلبيــا
فبارك إلهيَّ حَجَـِتي ودُعائيا
قَصَدتُكَ مُضطراً وجئتُكَ بَاكِياً
وحاشاك رَبِيَّ أن تَرُدَّ بُكـائيا
كَـفانِيَّ فَخْـراً أنني لك عَابِدٌ
فيا فَرَحِي إنْ صِرْتُ عَبْداً مُوَاليا
أتيتُ بِلاَ زَادٍٍ وجُودُكَ مَطْمَعي
وما خَابَ مَنْ يَهْفُو لِِجُودِِكَ سِاعيا
إليك إلهي قَدْ حَضَرْتُ مُؤَمِّلا
خَلاَصَ فُؤادِيَّ مِنْ ذُنوبِيَّ مُلَبـيا


وجوب إخْلاَصُ النِّيَةِ لله عزَّ وجلَّ

أداء الحَجُّ والعُمرة لله تعالى
قال تعالى : ﴿ وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله ﴾ ( 196 ـ البقرة )
وعن أبي هريرة ‏رضي الله عنه‏ ‏قال: سَمِعْتُ النَّبِيَ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول‏: " مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ ‏يَرْفُثْ ‏ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ "0 ( رواه البخاري )
دلَّتْ الآية الكريمة ﴿ وأتِمُّوا ﴾ والحديث الشريف "مَنْ حَجَّ لله" على وجوب إخلاص النِّية لله عزّ وجلّ في الحَجِّ، وأنَّ قَبُولَ الأعمال الصالحة مُتَوقف على تَمَامِ النِّية، أي صلاحها وإخلاصها لله تبارك وتعالى، فمن لم يُنقي سريرته من شوائب الرِّياء فليس له من حَجَّتِه سوى المشقة والتعب0
وفي جَمْعِهِ صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بين: الأمر بالإخلاص، والنَّهْيِ عن الرَّفَثِ والفسوق، إشارة صريحة إلى أنه من علامات الإخلاص للحاجّ: حُسن الخلق، والصبر على الطَّاعة والمشَّقة واحتساب الأجْرِ والثَّواب وعدم التذمر والشكوى0
فائدة جليلة : قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً ﴾ (2- الملك) قال ﴿ عَمَلاً ﴾ أي: أخْلَصَهُ وأصْوَبَهُ ، قيل يا أبا علي ما أخْلَصَهُ وأصْوَبَهُ ؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خَالِصًا ولم يكن صَوَاباً لم يُقْبَلْ، وإذا كان صَوَاباً ولم يكن خَالِصاً لم يُقْبَلْ حتى يكون خَالِصاً صَوَاباً ، فالخالص: ما كان لله تعالى ، والصَّواب: ما كان على السُّنـَّة 0
حَجَّةٌ خالصَّةٌ لِوَجْهِ الله تَعَالَى
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ ، وقَطِيفَةٍ تُسَاوي أربعة دراهم أوْ لا تُسَاوي ، ثم قال : " اللَّهم حَجَّـةٌ لا رِيَاءَ فيها ولا سُمْعَةً " 0 ( رواه ابن ماجه )
الرِّياء ضد الإخلاص ، والإخلاص هو أن تقصد بعملك وَجْهَ الله تعالى ، أمَّا الرِّياء فمشتق من الرُؤيَةِ وهو: أن يُعْمَلَ العَمَلُ لِيَرَاهُ النَّاس ، والسُّمْعَةُ مشتقة من السَّمَعِ وهو: أن يُعْمَلَ العَمَلُ لِيَسْمَعَهُ النَّاس ، وكلاهما مُحْبِطٌ للعمل0
قال العلماء : الحديث دليل على تحريم الرِّياء والحثِّ على وجوب الإخلاص في الأعمال ، وفي الحديث دليل على أن الفضائل الواردة في فضل الحَجِّ إنما هي لمن أراد بِهَا وجْهَ الله تعالى مُخْلِصًا ، ومن قصد بعمله أن يَسْمَعَهُ النَّاس ويَروه لِيُعَظِمُوهُ وتعلو منزلته عندهم ، حَصَلَ له ما نَوَاهُ وقَصَدَهُ من ثواب الدنيا وكان ذلك جزاءه على عمله ، ولا يُثاب عليه في الآخرة ، فَشَرْطُ حُصُولِ ونَيْلِ ثواب الآخرة : إخْلاَصُ النِّيةِ لله تعالى 0
وفي قوله : رَحْلٍ رَثٍّ ، إشارة إلى أن من علامات الإخلاص عدم المبالغة في النَّفَقَةِ والمَصْرَفِ بحيث يخرج الحَاجُّ والمُعْتَمِرُ من حَدِّ القَصْدِ والاعتدال إلى السَّرف والخُيَلاَء 0
‏فائدة: الجزاء من جنس العمل ، جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : "مَنْ سَمَّعَ ‏‏ النَّاس بِعَمَلِهِ ‏‏سَمَّعَ ‏‏ الله به سَامِعَ خَلْقِه يوم القيامة فَحَقَّرَهُ وصَغَّرَهُ "0 ( رواه أحمد )
أيْهَا الحَاجُّ حَسِّنْ خُلُقُكَ وَاصْبر وتَحَمَّل
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسـول الله أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال : " إيمان بالله ، وجِهَادٌ في سبيله ، وحَـجٌّ مَبْرورٌ " ، فلما وَلْىَ الرجل قال : " وأهْوِنُ عليك من ذلك إطْعَامُ الطَّعام ، ولِينُ الكلام ، وحُسْن الخلق " ، فلما وَلْىَ قال : " وأهْوَنُ عليك من ذلك ، لا تَتْهِمَ الله على شيء قَضَاهُ عليك"0 ( رواه أحمد )
ومعنى " لا تَتْهِمَ الله على شيء قَضَاهُ عليك " أي : لا تَضْجَر وتَتَمَلْمَل، بل اصبر وتَحَمَّل واحمد الله سبحانه وتعالى على كل حال، فإنَّ مع العُسْرِ يُسْراً ومع الشِّدة الفرج ، والهموم والمشاكل والمعوقات التي تصيب المؤمن تُكَفِرُ من ذَنْبِهِ وترفع درجته إنْ هو صَبَرَ واحْتَسَبَ 0
قال العلماء : في الحديث الشريف إشارة إلى أن من علامات الحَجِّ المبرور : حُسن الخلق ، الذي يوجب على الحاجّ الصَّبر والتجَمُّل وإن لاقى ما يكرهه ، فهو ضيف الرَّحْمَنِ ، فلا بد أن يتحلى بالأخلاق التي ترضيه سبحانه وتعالى ، ويَدَعَ ما سواها من ذميم الأخلاق 0
انتبه وتذكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أثقل شيء في الميزان : اَلْخُلُقُ اَلْحَسَن "0 ( رواه ابن حبان ) ، وقديما قال الشاعر:
لَوْ أنني خُيِّرْتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ مَا اخْتَرْتُ غَيْرَ مَحَاسِنَ الأخْلاَقِ
التَّعَجُلُ إلىَ الحَجِّ

عن ‏ ‏ابن عباس ‏رضي الله عنهما ‏قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏: " ‏مَنْ أرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَلَ ، فإنه قَدْ يَمْرَضُ المريض وتَضِلُّ ‏الضَّالةُ‏ ‏وتَعْرِضُ الحَاجَةُ " 0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : القصد من الحديث الحَثُّ على الاهتمام بتعجيل الحجِّ قبل أن تَعْرِضَ العَوَارِضُ المانعة ، فَيُفَوِّتَ المسلم على نفسه أجْرٌ عظيم وثواب جزيل لا يناله ويحصل عليه إلا بالسَّفر إلى البلد الحرام لأداء فريضة الحجِّ 0

الحَاجّ في ضَمَانِ الله تَعَالَىَ وحِفْظِهِ

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثَلاَثَةٌ في ضَمَانِ الله عزَّ وجلَّ: رَجُلٌ خَرَجَ إلى مَسْجِدٍ من مَسَاجِدِ الله عزَّ وجلَّ، ورَجُلٌ خَرَجَ غَازِياً في سبيل الله تعالى ، ورَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا "0 ( رواه أبو نعيم )
" في ضَمَاِن الله تعالى " أي : في حِفْظِ الله تعالى ورعايته ، فإن عَادَ إلى أهله رَجَعَ بالأجَّر والثواب ، وإن مات بُعث على الحالة التي مات عليها وأورثه الله الجنَّة ، فالحَاجُّ بخير على كل حال 0
فائدة هامة: في الحديث بيان عظيم فضيلة المشي إلى المساجد إذ قُدِمَ عَلَىَ الجِهَادِ والحَجِّ، فتأمل، وأكْثِر من المشي إلى المساجد لحضور الجمعة والجماعات ففي ذلك أجر جزيل وثواب عظيم فضلا عن تَكْفِيرِ الذنوب ورَفْعِ الدرجات، فالمساجد بيوت الله تعالى في الأرض، والله تعالى يُكْرِمُ زُوَّارَهُ 0
وَفْـدُ الله عزَّ وجلَّ

الحَاجُّ واَلْمُعْتَمِرُ وَفْدُ الله تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ
عن أبي هريرة رضي الله عنه‏ قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏: "‏وَفْدُ الله عزَّ وجلَّ ثَلاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ " 0( رواه النسائي )
وَفْدُ الله أي : السائرون إلى الله سبحانه القادمون عليه تعالى0
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو يعلم المقيمون ما للحاجّ عليهم من الحق لأتوهم حين يَقْدُمُونَ حتى يُقَبِّلُوا رواحلهم لأنَّهم وَفْدُ الله تعالى من جميع الناس0

هَنِيئًا للحَاجّ والمُعْتَمِرِ دَعَاهُمُ الله فَأجَابُوهُ ، وسَألُوا الله فَأعْطَاهُمُ
عن ‏ابن عمر رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم :‏ ‏قال : " ‏الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأجَابُوهُ وَسَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ "0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء المقصود : بيان أن المُجاهد في سبيل الله والحاجّ والمُعْتَمِرِ لا تُرَدُ دعوتُـهم ، فاغتنم وأكثر من الدعاء فإنك في مَوْطِنِ إجابة وقَبُول 0


أفْضَلُ الأعْمَالِ

الحَجُّ أفْضَلُ الأعْمَالِ
عن أبي هريرة ‏رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال : "‏ ‏إيمان بالله " قال : ثم ماذا ؟ قال : " الجِهَادُ في سبيل الله " قال : ثم ماذا ؟ قال : "حَجٌّ مَبْرُورٌ "0 ( رواه النسائي )
‏قال العلماء : الحجَّة المبرورة هي التي لا يخالطها إثم ، مأخوذ من البِرِّ وهو الطَّاعة ، ومن علامات القبول أن يَرْجِعَ خَيْراً مِمَّا كَانَ ولا يُعَاوُدَ المعاصي ، وقيل الحجَّة المبرورة هي التي لا رِيَاءَ فيها 0
‏قال الحسن البصري : الحجّ المبرور : أن يرجع زاهداً في الدنيا ، راغباً في الآخرة 0

الحَجُّ اَلْمَبْرُورُ هُوْ اَلْمُسْتَوْفَي الأرْكَان والشُّروط
عن ‏أبي هريرة رضي الله عنه ‏قال : قال رسـول الله ‏صلى الله عليه وسلـم : "‏ ‏العُمُرَةُ إلى العُمُرَةِ كَفَّارةٌ لما بينهما ، والحَـجُّ المَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إلا الجَـنَّة "0 ( رواه النسائي )
قال العلماء الحجّ المبرور هو : الحجّ الذي وُفِيَتْ أحكامه ، فوقع موافقا لما طُلِبَ من المُكَلَّفِ على الوجه الأكمل 0
حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الأعْمَال
عن ماعز رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل‏ : أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال : " أفْضَلُ الأعْمَالِ : الإيمان بالله وَحْدَهُ ، ثُمَّ الجهاد ، ثُمَّ حَِجَّةٌ مَبْرُورَةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الأعْمَالِ كما بين مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِهَا "0 ( رواه أحمد )
قال العلماء : إنما تكون الحجَّة مبرورة إذا رَاعَىَ الحَاجُّ ما عليه من الشروط والآداب، والتي منها اِسْتِطَابَةُ الزَّادِ ، والاعْتِمَادُ عَلَىَ رَبِّ العِبَادِ ، والرِّفْقُ بالرفيق ، وتَحْسِينُ الأخْلاَقِ ، وتَتَبُعُ الأرْكَانِ على ما تقتضيه الأحْكَام ، وإقَامَةُ الشَّعَائِرُ على مَعْلُومُ السُّنةِ لا على مَعْهُودِ العَادَةِ 0

بِرُّ الحَجِّ : إطْعَامُ الطَّعَامِ وطِِِيبُ الكَلاَمِ
عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحجُّ المبرور ليس له جَزَاءٌ إلا الجنَّة " قيل : وما بِرُّهُ ؟ قال : " إطْعَامُ الطَّعَامِ ، وطِيِبُ الكَلاَمِ " 0 ( رواه أحمد )

مِنْ عَلاَمَاتِ الإسْلاَمِ
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : مَنْ مَلَكَ زَاداً ورَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ بيت الله ، ولم يَحُجََ ؛ فلا عليه أن يَمُوتَ يَهُوديًا أو نَصْرانيًا ، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ ولله عَلَىَ النَّاسِ حِجُّ البيت من اِسْتَطَاعَ إليه سَبِيلاً ﴾0
اَلْحَجُّ واَلْعُمُرَةُ يَغْفِرَانِ اَلْذَنْبَ ويَمْحُوَانِ اَلْفَقْرَ

اَلْحَجُّ والعُمْرَةَ يَنْفِيَانِ الفَقْرِ والذَّنْبَ
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ‏تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي‏ ‏الْكِيرُ ‏خَبَثَ الْحَدِيدِ ‏وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ " 0 ( رواه الترمذي )
قال العلماء : إزالة الحجّ والعمرة للفقر من حيث أنـهما إنفاق في سبيل الله تعالى ، والإنفاق في سبيل الله تعالى يزيد في المال ولا يُنْقِصُهُ ، وذلك بطرح البركة فيه ، فَالْغِنَى الأعظم الذي يحصل للمسلم هو : اَلْغِنَى بطاعة الله تعالى والإنفاق في سبيله سبحانه 0

أكْثِرْ مِنَ العُمْرَةِ فإنَّهَا تُكَفِّرُ الذُّنوبَ والخَطَايَا
عن سُرَيْجَ ‏بن ربيعة رضي الله عنه ‏قال‏ : قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم : " الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ ‏‏ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَالْحَجُّ‏‏ الْمَبْرُورُ ‏‏ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ "0 ( رواه أحمد )
قال ابن القيم : في الحديث دليل على التفريق بين الحَجِّ والعُمْرَةِ في التكرار، إذ لو كانت العُمْرَةُ كالحجِّ لا يفعله في السَّنة إلا مرة ؛ لسوّى بينهما ولم يُفرق0
إدَامَةُ الحَجِّ والعُمْرَةِ تَغْفِرُ الذَّنْبَ وتَمْحُوَ الفَقْرَ
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أدِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ ، فإنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُنُـوبَ ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديد "0 ( رواه الطبراني )
" يَنْفِيَانِ الفَقْرَ " أي : يُزيلانه ويَمحوانه ، وهو يحتمل إزالة الفقر الظاهر بحصول غِنَى اليدِّ ، وإزالة الفقر الباطن بحصول غِنَى القلب0
فائدة : قال العلماء : خصّ النبي صلى الله عليه وسلم الحديد الذي هو أشَدُّ المُنْطَبِعَاتِ صلابة وأكثرها خُبثا ، إشارة إلى أن الفقر وإن اشتدَّ ، والذُّنُوبُ وإنْ خَبُثَتْ وعَظُمَتْ ، يُزيلَهُمَا المداومة على النُّسُكَيْنِ : الحًجّ والعُمْرَة 0

الحَجُّ طَهَارَةٌ مِنَ الذُّنوبِ
عن ‏أبي هريرة رضي الله عنه ‏قال : قال رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏:" ‏مَنْ أتَىَ هَذَا‏ ‏البَيْتَ ‏فَلَمْ ‏يَرْفُثْ ‏ولَمْ يَفْسُقُ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أمُّه " 0 ( رواه البخاري ومسلم ) ] الرفث : الكلام الفاحش [
قال النووي : معنى " كيوم ولدته أمه " : أي بغير ذنب 0
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ظاهره غُفْرانُ الصَّغائِرُ والكَبائِرُ والتَّبعات ، ويكون صار مشابـها لنفسه في البراءة عن الذنوب كيوم ولدته أمه 0
فَضْلُ الحَجِّ والاسْتِكْثارِ مِنَ العُمْرَةِ
عن أبي هريرة‏ ‏رضي الله عنه : أن رسـول الله ‏صلى الله عليه وسلـم ‏قال : "‏ ‏‏الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجُّ‏ ‏الْمَبْرُورُ ‏لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ " 0 ( رواه البخاري )
قال في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : في الحديث دلالة على استحباب الِاسْتِكْثَار مِنْ الِاعْتِمَار 0

الحَجُّ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ كَبِيرُهَا وصَغِيرُهَا
‏عن‏ ‏أبي هريرة رضي الله عنه‏ ‏قال‏ : قال رسـول الله ‏‏صلى الله عليه وسلـم ‏: " ‏‏الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا "0 ( رواه النسائي )
قال العلماء : لا أكْثَرُ بَرَكَةً مِمَّا يَجْلِبُ المَغْفِرَةَ 0

الحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنْوبِ وَيَمْحُو الآثَام
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : لما جَعَلَ الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، فَقَبَضْتُ يَدِي ، قال : " مَا لَكَ يَا ‏عَمْرُو؟ " قلت : أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قال : " تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ؟ " قلت : أنْ يُغْفَرَ لِي، قال : " ‏أمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ " 0 ( رواه مسلم )
"يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ": أي يُسْقِط ويَمْحُو أثر الذنوب والمعاصي كأنَّها لم تكن0
هَنيئًا لك أيُّها الحَاجّ فَلَوْ كَانَتُ ذُنُوبُكَ لا تُحْصَى غَسَلَهَا الله عَنْكَ
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم : " أمَّا خُرُوجُكَ مِنُ بيتك تَؤُمُّ البيت الحرام ؛ فإنَّ لَكَ بكل وطْأة تطؤها راحلتك يَكْتُبُ الله لك بِها حَسَنَةً ، ويَمْحُو عنك سيئة ، وأما وقوفك بعرفة ؛ فإنّ الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بـهم الملائكة ، فيقول : هؤلاء عبادي جاءوني شُعْثاً غُبْراً من كُلِّ فَجٍّ عميق ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني ، فكيف لو رأوني ؟ فلو كان عليك مثل رَمْلُ عَالِجٍ أو مثل أيام الدنيا أو مثل قَطْرِ السَّمَاء ذُنُوبًا غَسَلَهَا الله عَنْكَ ، وأما رَمْيُكَ الجِمَارَ فإنه مَدْخُورٌ لَكَ ، وأمَّا حَلْقُكَ رأسك فإنَّ لَكَ بِكُلِّ شَعْرة تَسْقُطُ حَسَنَةٌ، فإذا طُفْتَ بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك "0 ( رواه الطبراني )
"رَمْلُ عَالِجٍ" أي: رَمْلٌ كثيرٌ متراكمٌ ، والمقصود بـ "رَمْلُ عَالِجٍ أو مثل أيام الدنيا أو مثل قَطْرِ السماء ذنوبا " أي : ذنوب لا يمكن إحصائها لكثرتِها 0
قال العلماء : هذا الحديث من أدلة أن الحجَّ يُغْفَر به الكبائر ، بل إنَّ هذا الحديث يُفِيدُ مَغْفُرَةُ الحَجِّ لما تَقَدَّمَ مِنَ الذُنُوبِ وما تَأخَّرَ 0

غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه
‏عن ‏أبي هريرة رضي الله عنه‏ ‏قال : ‏‏قال رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم : " مَنْ حَجَّ فَلَمْ ‏يَرْفُثْ ‏‏وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "0 ( رواه الترمذي )

فَضْلُ العُمْرَةِ في رَمَضَان
عن ‏ابن عباس رضي الله عنهما ‏قال : قال رسـول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏: " عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّة "0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : العمرة في رمضان تَعْدِلُ الحَجَّة في الأجْرِ والثَّواب ، لا في الإجزاء عن حَجَّةِ الإسلام ، للإجماع على أن الاِعْتِمَارِ لا يُجْزِئ عن حَجِّ الفَرْضِ ، وهذا فَضْلٌ من الله عزَّ وجلَّ ونِعْمَةٌ ، فقد أدركت العُمُرَةُ مَنْزِلَةُ الحَجِّ بانضمام رَمَضَانَ إليها ، وذلك ترغيباً للمسلم لأداء العُمرة في شهر رمضان ، لشرفه ومنزلته الرفيعة بين شهور السَّنَة 0
قال ابن الجوزي : فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبِخُلُوصِ القَصْدِ ] أي النِّية [0

الحَجُّ والعُمْرَةُ جِهَادٌ

الحَجُّ والعُمْرَةُ جِهَادٌ في سَبِيلِ الله تعالى
عن أمِّ مَعْقِلٍ رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ الحَجَّ والعُمْرة في سبيل الله ، وإن عُمْرَةً في رمضان تَعْدِلُ حَجَّة ، أو تُجْزِيِ حَجَّة " 0 ( رواه ابن خزيمة )

إيمانٌ ، وجهادٌ ، وحَجَّة مبرورة
عن ‏‏عبد الله بن حبشي الخثعمي رضي الله عنه : ‏أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏سُئل أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال ‏‏: " إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غُلول ‏فيه ، وحَِجَّةٌ مَبْرُورَةٌ "، قيل فأيُّ الصَّلاة أفضل ؟ قال : " طُوُلُ‏ ‏القُنُوتِ ‏"، ‏قيل فأيُّ الصدقة أفضل ؟ قال ‏‏: "جُهْدِ المُقِلِّ " ،‏ ‏قيل فأيُّ الهجرة أفضل ؟ قال : " مَنْ هَجَرَ ما حرَّم الله عزَّ وجلّ "، قيل فأيُّ الجهاد أفضل ؟ قال : " مَنْ جَاهَدَ المشركين بِمَالِهِ ونَفْسِهِ "، قيل فأيُّ القَتْلِ أشْرَف ؟ قال : " من‏ ‏أُهْرِيقَ ‏دَمُهُ ‏وعُقِرَ‏ ‏جَوَادُهُ " ( رواه النسائي )
فائدة عظيمة : قال العلماء : لِمَ قَدَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد وهو ليس بِرُكْنٍ على الحَجِّ وهو من أركان الإسلام الخمسة ؟ قالوا : لقصور نفع الحَجِّ على الحَاجِّ نفسه ، وتعدي نفع الجهاد على الأمة الإسلامية ، وكلما تعدى نفع العبادة إلى المسلمين كلما زاد أجرها وعظم ثوابـها ، وعليه ، فلا ثواب يَعْدِلُ الجهاد في سبيل الله تعالى لأن فيه حياة الأمة الإسلامية 0
أحْسَنُ الجِهَادِ : حَجٌّ مَبْرُورٌ
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قلتُ يا رسول الله : ألا نَغْزُو ونُجَاهِدَ معكم ؟ فقال : " ‏لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأجْمَلَهُ: الْحَجُّ حَجٌّ ‏ ‏مَبْرُورٌ " فقالت عائشة : فَلاَ أدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم 0 ( رواه البخاري )
قال العلماء : سَمَّاهُ صلى الله عليه وسلم جهاداً لما فيه من مُجَاهَدَةُ النَّفس والهَوَىَ 0
فائدة : قال العلماء : في الحديث الترغيب في إباحة تكرير الحجّ للنساء كما أبيح للرجال تكرير الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ 0 ‏

الحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيف
عن ‏أم سلمة رضي الله عنها ‏قالت‏ : قال رسـول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏: " ‏الحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ " 0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : من ضَعُفَ عن الجهاد بنفسه لعذر ، فالحجّ له جِهَاد0

الحَجُّ جِهَادٌ بالمَالِ والبَدَنِ
قال أبو الشَّعثاء : نَظَرْتُ في أعمال البِّر ، فإذا الصَّلاة تُجْهِدُ البَدن ، والصَّوم كذلك ، والصَّدقة تُجْهِدُ المال ، والحَجُّ يُجْهِدْهُمَا 0

الحَجُّ والعُمْرَةُ جِهَادٌ
عن ‏أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏قال: "‏ جِهَادُ الكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالضَّعِيفِ، وَالْمَرْأة :ِ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ "0 ( رواه النسائي )
قال العلماء : جعل الله تعالى بِمَنِهِ وكَرَمِهِ جِهَادُ أصحاب الأعذار عَنْ جَهَادِ أعداء الإسْلاَمِ هو : الحَجُّ والعُمْرَةُ ، أيَّ أنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ يَقُومَانِ مَقَامَ الجهاد للمذكورين في الحديث الشريف ، ويؤجرون عليهما كأجْرِ الجهاد لما فيه من مَشَقَةٍ تَتَطَلَبُ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ والهَوَىَ 0

الحَجُّ أحَدُ الجِهَادَيْنِ
عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت : كان الصَّحابة رضي الله عنهم يَتَنَقَلُونَ بين أنواع الجِهَاد ( تعني الحجّ والقتال ) 0
وقال عمر رضي الله عنه : إذا وضعتم السُّروج فشُّدوا الرِّحال في الحجِّ ، فإنَّه أحَدُ الجِهَادَيْنِ 0

جِهَادُ النِّساء الحَجُّ والعُمْرَة
عن ‏عائشة رضي الله عنها ‏‏قالت‏ : قُلْتُ يا رسول الله عَلَىَ النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ قال: " ‏نَعَمْ ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ ؛ الحَجُّ والعُمْرَةُ " 0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : الحَجُّ والعُمْرَةُ يُشْبِهَانِ الجهاد في السَّفر والخروج من البلاد ومُفَارَقُةُ الأهل والأوطان والمشِّقَِةُ والتَّعَبُ 0
كُلُّ حَرَكَةٍ إلىَ مَنَاسِكِ اَلْحَجِّ بأجْرٍ وثَوابٍ

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ترفع إبل الحاجِّ رِجْلاً ، ولا تضع يَداً ، إلا كَتَبَ الله له بِهَا حَسَنَةً ، أو مَحَا عنه سَيِئَةً ، أو رَفَعَهُ بِهَا دَرَجَـةً " 0 ( رواه البيهقي )
قال العلماء : دَلَّ الحديث الشريف على أن كل حركة يتحركها الحَاجُّ ، ومثله المُعْتَمِرُ مِنْ و إلىَ مناسك وأعمال الحَجِّ والعُمْرَة يُنَالُ بـها الأجْر والفضيلة الواردة في الحديث الشريف ، بأي وسيلة نقل كانت ، وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم الإبل تماشيا مع لغة عصره ، وإلاّ فالأجر والثواب دائم إلى يوم القيامة بأية وسيلة يتنقل بـها الحاجّ أو المعتمر 0


‏فَضْلُ الإحْرَامِ

المُحْرِمُ تَغِيبُ الشَّمْسُ بِذُنُوبِهِ
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ‏تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي‏ ‏الْكِيرُ ‏‏خَبَثَ الْحَدِيدِ ‏وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ ، وما مِنْ مُؤْمِنٍ يَظَلُّ يَوْمَهُ مُحْرِمًا إلا غَابَتِ الشَّمْسُ بِذُنُوِبِه " 0 ( رواه الترمذي )
" غَابَتِ الشَّمْسُ بِذُنُوِبِه " كناية عن مغفرة الذنب ومَحْوِ الخطيئة 0


خَيْرُ اَلْثِيَابِ : اَللوْنْ اَلأبْيَضُ

الأبِيَضُ أطْهَرُ وأطْيَبُ
‏‏عن ‏‏سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه ‏قَالَ ‏: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏: " الْبَسُوا ثِيَابَ الْبَيَاضِ فَإِنَّهَا أطْهَرُ وَأطْيَبُ " 0 ( رواه ابن ماجه )
" أطْهَرُ " أي : لا دَنَسَ ولا وسخ فيها ، لأن البيض أكثر تأثرا من الثياب الملونة ، فتكون أكثر غسلا منها فتكون أطهر0
‏‏" أطيب " : لدلالته غالبا على التواضع ، وعدم الكِبْرِ والخُيلاء والعُجب 0

خَيْرُ الثِّيَابِ
‏عَنْ ‏‏سَمُرَةَ رضي الله عنه ‏قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاض مِنْ الثِّيَابِ فَلْيَلْبَسْهَا أحْيَاؤكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ " 0 ( رواه النسائي )

فَضْلُ التَّلْبيَةِ
في التَّلْبِيَةِ اِسْتَجَابَةٌ لِدَعْوَةِ المَوْلَىَ عَزَّ وَجَلَّ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلاَم مِنْ بِنَاء الْبَيْت قِيلَ لَهُ أذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ، قَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغ صَوْتِي ؟ قَالَ : أذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلاَغ ، قَالَ فَنَادَى إِبْرَاهِيم : يَا أيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق ، فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاء وَالأرْض ، أفَلاَ تَرَوْنَ أنَّ النَّاس يَجِيئُونَ مِنْ أقْصَى الأرْض يُلَبُّونَ 0
قال العلماء : في مشروعية التَّلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وُفُودُهُمُ على بيته الحرام إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى ، وهذا شرف لا يُدَانِيهِ شرف أن يدعوا المولى العزيز الكريم عبده إلى زيارته ثم يُثِيبُهُ عليها خَيْرَ الجزاء0



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:44 pm

رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ
عن ‏خلاَّد بن السَّائب ‏عن‏ ‏أبيه : أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال ‏: " أَتَانِي جِبْرِيلُ ‏‏ فَأمَرَنِي أَنْ آمُرَ أصْحَابِي أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ ‏بِالإِهْلاَلِ "0 ( رواه ابن ماجه )
" الإهلال" هو : رَفْعُ الصوت بالتَّلبية عند الدخول في الإحرام ، وأصل الإهلال في اللغة رفع الصوت، ومنه قولنا استهل المولود: أي صَرَخَ وصَاحَ 0
والحديث يدل على استحباب رفع الصوت بالتَّلبية 0
وبقوله صلى الله عليه وسلم " أصحابي " خرج النساء ، فإن المرأة لا تجهر بالتَّلبية بل تقتصر على إسماع نفسها 0
‏التَّلْبِيَةِ شِعَارُ الحَجِّ
عن ‏زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ‏قال‏ : قال رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏: "جاءني ‏جبريل ‏فقال : يَا مُحَمَّدُ ‏‏مُرْ أصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ " 0 (رواه ابن ماجه )

العَـجُّ والثّـجّ
عن‏ ‏أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏سُئل: أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ ؟ قال : " العَجُّ والثَّجُّ " 0 ( رواه ابن ماجه )
" العجّ " : رفع الصوت بالتلبية ، و" الثَّجّ " : سيلان دماء الهدي 0

كلما ازددت تلبية ازددت تبشيرا بالجنَّة
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما أهلَّ مُهِلٌّ قَطّ إلا بُشِّر ، ولا كبَّر مُكبِّر قَطّ إلا بُشِّر " قيل : يا رسول الله بالجنَّة ؟ قال : " نَعَم " 0 ( رواه الطبراني )
" أهلَّ " أي : رفع صوته بالتلبية ، والمعنى ما رفع مُلبٍّ صوته في التلبية أو مُكبِّر صوته بالتكبير إلا بشرته الملائكة بالجنَّة 0


حتى تُبُحَ أصْواتُهُمُ
عن المطلب بن عبد الله قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُونَ أصْوَاتَهُمُ بالتَّلْبِيَة حتى تُبَّحَ أصْوَاتُهُمُ0 ( رواه ابن أبي شيبة )

يُلَبِي مَعَ المُلَبي كُلُّ مَا يَسْمَعُهُ
‏عن ‏سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه : عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏قال ‏: " ‏ ‏مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلأَّ لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا "0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : فائدة تَلْبيَة الأحجار وغيرها مع تَلْبِيةِ الحاجّ دليل على فضيلته وشرفه ومكانته عند الله ، إذ ليس إتباعهم في هذا الذِّكْرِ إلا لمكانة المسْلِمِ عند ربِّه ، كما يُكتب له أجْرُ تَلْبِيَةِ هذه الأشياء ، لأن هذه الأشياء صَدَرَ عنها الذِّكْرُ تَبَعًا لِتَلْبِيَتِهِ ، فصار المؤمن بالذِّكْرِ والتَّلْبِيَة كأنه دالٌّ على الخير 0

تَلْبُيَةُ المُسْلِم تَصِلُ إلى مُنْتَهَى الأرْضِ
عن ‏سهل بن سعد رضي الله عنه ‏قال : قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏: " ‏ ‏مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ‏ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا " 0 ( رواه الترمذي )
" المدر " : هو الطين المُسْتَحْجَرِ 0
" من هاهنا وهاهنا " : إشارة إلى المشرق والمغرب والغاية محذوفة ، أي إلى منتهى الأرض 0

اَلْتَّلْبِيَةِ
عن ‏عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما ‏أن تَلْبِيَةَ رسـول الله ‏صلى الله عليه وسلم : "‏ ‏لَبَّيْكَ اللهمَّ ‏لَبَّيْكَ، ‏لَبَّيْكَ لا شريك لك ‏لَبَّيْكَ، إنَّ اَلْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ واَلْمُلْك، لا شريك لك " 0 ( رواه البخاري )
قال في فتح الباري : معنى لبيك : اتجاهي وقصدي إليك ، مأخوذ من قولهم داري تلبَّ دارك ، أي تواجهها ، لأن المُحرم مٌستجيب لدعاء الله إيَّاه في حَجِّ بيته المُعَظَّم ، ولهذا من دعا فقال لبيك فقد اِسْتجاب 0
فائدة : العرب لا تقول لبيك إلا لمن تُحِبُهُ وتُعَظِّمُهُ 0

إنَّمَا اَلْخَيْرُ خَيْرَ الآخِرَةِ
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بعرفات فلما قال : "‏ لَبَّيك اللَّهـمَّ لَبَّيك‏" قال ‏:‏ ‏"‏ إنَّمَا اَلْخَيْرُ خَيْرَ الآخِرَةِ"‏‏ 0 ( رواه الطبراني )
‏قال العلماء : "‏ إنما الخير خير الآخرة ‏" إشارة إلى أن : الحياة الطيبة الهنيئة الدائمة التي لا حَزَنَ فيها ولا نَصَبْ هي حياة دار الآخرة ، لا الدنيا التي لا تدوم أفراحها ولا تنقطع أحزانـها 0
قال الشاعر :
لا تَنْظُرَنَّ إلى القُصُورِ العَامـِرَةِ واذْكًرْ عِظَامَكَ حِينَ تُمْسِي نَاخِرَة
وإذا ذَكَرْتَ زَخَارِفَ الدُّنيَا فَقُلْ لَبَيْكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِــرَة

فَضْلُ اَلْطّوَافِ

كَثَوَابِ مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ ذُلِّ اَلْعُبُودِيَّةِ
عن‏ ‏عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما ‏قال : سمعت رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول : "‏ مَنْ طَافَ ‏‏بِالْبَيْت ‏‏وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " ( رواه ابن ماجه )

خُطْوَةٌ تَمْحُو سَيِئَةٍ وَخُطْوَةٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً وَتَرْفَعُ دَرَجَةً
عن‏ ‏عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما ‏قال : سمعت رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول : " مَنْ طَافَ بالبيت أسُّبوعـاً ؛ لا يَضَعُ قَدَماً ، ولا يَرْفَعُ أخرى ؛ إلا حَطَّ الله عنه بِهَا خَطِيئَةً ، وكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً ، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً " 0 ( رواه ابن حبان )

عَشْرٌ وعشرٌ وعشرٌ
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما رَفَعَ رَجُلٌ قَدَماً ولا وَضَعَها - يعني في الطَّواف- إلا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وحُطَّ عنه عَشْرُ سَيئَـاتٍ ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَـاتٍ " 0 ( رواه أحمد )
لا تَتَكَلْمَ إلاَّ بِخَيْرٍ
‏عن ‏ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: " الطَّوَافُ حَوْلَ ‏‏الْبَيْت مِثْلُ الصَّلاةِ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلاَ يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ " 0 ( رواه الترمذي )
‏فائدة جليلة : قال العلماء : " فَلاَ يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ " أي : من ذِكْرِ الله وإفادة علم واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين 0

اِجْعَلْ آخِرَ عَهْدِكَ بِمَكَةَ الطَّوِافَ بالبَيْتِ
‏‏عن‏ ‏الحارث بن أوس الثقفي رضي الله عنه‏ ‏قال : قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏: " ‏مَنْ حَـجَّ أو اِعْتمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّـوَافَ بالبيت "0 ( رواه أحمد )
قال العلماء : " الطَّواف بالبيت " أي : طواف الوداع 0

مِنَ السُّـنَّة صلاة ركعتين بعد كل طواف
قال‏ ‏نافع : كان ‏ابن عمر ‏‏رضي الله عنهما ‏يُصَلِي لِكُلِّ ‏سُبُوعٍ ‏رَكْعَتَيْنِ0
‏و‏قال الزهري : لَمْ يَطُفْ النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏سُبوعًا ‏قَطْ إلاَّ صَلَىَ رَكْعَتَيْنِ 0 ( رواهما البخاري )
السُّبوع : جَمْعُ سَبْعٍ ، والمقصود أشْوَاطُ الطَّواف السَّبع 0
قال العلماء : من السُّنة أن يُصَلي بعد كل سبعة أشواط ركعتين سُـنَّة الطَّواف ، وكرهوا قَرْن الطواف ، وهو أن يقرن بين سبعة أشواط وأخرى دون أن يفضل بينهما بركعتين سُـنَّة الطواف 0
فَضْلُ اَلْحَجَرِ الأسْوَدِ واَلْرُّكُنُ اَلْيَمَانِيِّ

الاحْتِفَاءُ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ مِنَ السُّـنَّـة
عن ‏سويد بن غفلة ‏‏قال : رأيت عمر ‏‏قبَّل الحَجَرَ وَاِلْتَزَمَهُ وقال : رأيْتُ رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ بِكَ حَفِيًا 0 ( رواه مسلم )
قال العلماء : حَفِيًا أي: مُعْتنيا ، والمعنى : مُعْتنيا بشأنك بالتَّقْبِيلِ والمَسْحِ ، والمقصود إسماع الحاضرين ليعلموا أن الغرض من الاحتفاء بالحجر الأسـود هو : الإتِّباَعُ ، لا تعظيم الحجر ، فالمطلوب تعظيم أمْرَ الربِّ عزّ وجلّ وإتباع سُـنَّة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم 0

مِنَ الجنَّة
عن ‏ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏قال : " الحَجَرُ الأسْوَد مِنَ الجنَّة ‏ " 0 ( رواه النسائي )

مَسْحُ اَلْرُّكْنِ والحَجَرِ يَمْحُو اَلْخَطايَا
‏عن ‏عبد الله بن عبيد بن عمير ‏عن ‏أبيه ‏عن‏ ‏ابن عمر‏ أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال ‏: " ‏إنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ اليماني والرُّكُنِ الأسود ‏يَحُطُّ ‏‏ الخَطَايَا حَطًا"0 ( رواه أحمد )
مَنْ حِجَارَةِ الجنَّة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " اَلْحَجَرُ الأسْوَدِ مِنْ حِجَارَةِ الجنَّة " 0 ( رواه البيهقي )

اِحْذَرِ الذنوب فهي تُسوِّد القلب
عن ‏ابن عباس رضي الله عنهما ‏قال : قـال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : "‏ ‏نَزَلَ الحَجَرُ الأسْوَدِ مِنَ الجنَّة وهو أشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اَلْلَبَنِ فَسَوَدَتْهُ خَطَايَا بني ‏ ‏آدم " 0 ( رواه الترمذي )
فائدة هامة : قال الإمام الطبري : في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة ، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصَّلد فتأثيرها في القلب أشدّ 0
‏وقال العلماء : الحديث يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر ، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب 0

استلامهما يَحُطُّ الخَطَايَا
عن‏ ‏عبد الله بن عبيد بن عمير‏ ‏أنه ‏سمع أباه يقول ‏لابن عمر ‏مَا لِيَ لاَ أرَاكَ‏ ‏تَسْتَلِمُ‏ ‏إلاَّ هذين الرُّكْنَيْنِ : الحَجَرُ الأسْوَدُ والرُّكْنُ اليَمَانِي ، فقال‏ ‏ابن عمر : ‏إنْ أفْعَل فَقَدْ سَمِعْتُ رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول‏ : " ‏إنَّ ‏اِسْتلاَمَهُمَا‏ يَحُطُّ ‏‏ الخَطَايَا "0 ( رواه ابن خزيمة )
و " يَحُطَّ الخطايا " أي : يَمْحُوهَا 0
مَسْحُهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا
عن ‏‏ابن عبيد بن عمير قال : ‏أنَّ ‏ابْنَ عُمَرَ‏ ‏كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَارَأيْتُ أحَدًا مِنْ ‏‏أصْحَابِ النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَفْعَلُهُ فَقُلْتُ : ‏يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ‏‏ إنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأيْتُ أحَدًا مِنْ ‏‏أصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏‏ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ فَقَالَ : إنْ أفْعَلْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏: "‏ إنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا " وَسَمِعْتهُ يَقُولُ : " مَنْ طَافَ بِهَذَا ‏ ‏الْبَيْتِ ‏ ‏أسْبُوعًا ‏فَأحْصَاهُ ‏ ‏كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " وَسَمِعْتهُ يَقُولُ : " لاَ يَضَعُ قَدَمًا وَلاَ يَرْفَعُ أخْرَى إِلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً"0 ( رواه الترمذي )
الرُّكْنَيْنِ أي: الحجر الأسود والرُّكن اليماني 0 ‏
قال العلماء : ( زِحَامًا ) ‏ أي ازدحام لا يحصل فيه أذى للناس 0

الحَجَرُ الأسْوَدُ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " لَيَبْعَثنَّ الله هذا الرُّكْنُ يَوَمَ القِيَامَةِ ، لَهُ عَيْنَان يُبْصِرُ بِِهِمَا ، ولِسَاناً يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ على مَنْ اِسْتَلَمَهُ بِحَقٍ "0 ( رواه ابن خزيمة )
" الرُّكْنُ " أي : الحجر الأسود ، و" استلمه بحق " أي : لم يُؤْذِ أحداً من النَّاس حتى يصل إليه 0
اِحْرِص عَلَى اِسْتَلاَمَهُمَا
عن‏ ‏ابن عمر رضي الله عنهما ‏قال : ما تَرَكْتُ اِسْتَلاَمَ ‏هذين الرُّكْنَيْنِ : اليماني والحَجَر ، مُذْ رَأيْتُ رسـول الله صلى الله عليه وسلم يَسْتلِمْهُمَـا في شِدَّةِ ولا رَخَاءٍ 0 ( رواه مسلم )
فائدة : قال الإمام النووي : ‏اعلم أن للبيت أربعة أركان : الركن الأسود ، والركن اليماني ، ويقال لهما اليمانيان ، وأما الركنان الآخران فيقال لهما : الشاميان ، فالركن الأسود فيه : فضيلتان ، إحداهما : كونه على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، والثانية كونه فيه الحجر الأسود ، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة وهي كونه على قواعد إبراهيم ، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين ، فلهذا خصِّ الحجر الأسود بشيئين : الاستلام والتقبيل للفضيلتين ، وأما اليماني فيستلمه ولا يقبله ؛ لأن فيه فضيلة واحدة ، وأما الركنان الآخران فلا يُقَبْلاَنِ ولا يُسُتَلَمَانِ 0

الله عَزَّ وَجَلَّ هُوَ النَّافِعُ والضَّارُ
عن ‏ ‏عمر ‏ ‏رضي الله عنه : ‏أنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ : إِنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ ‏وَلَوْلاَ أنِّي رَأيْتُ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ 0 ( رواه البخاري )
قال الإمام ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : في قول عمر رضي الله عنه هذا : التسليم للشارع في أمور الدين ، وحُسْن الإتباع فيما لم يُكْشَف عن معانيه ، وهو قاعدة عظيمة في إتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ولو لم يَعْلم الحكمة فيه ، وفيه دفع ما وقع لبعض الجُهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته 0

تَحَمَّلِ المَشَّقَةِ واحْرِص عَلَى اسْتَلاَمَهُمَا في كُلِّ طَوْفَةٍ
‏عن‏ ‏ابن عمر رضي الله عنهما ‏قال : كان رسـول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏لاَ يَدَعُ أن ‏يَسْتَلِمَ ‏الرُّكْنَ ‏ ‏اليماني والحَجَرَ في كُلِّ طَوْفَةٍ 0 ( رواه أبو داود )

اِنْتَبِهْ واِحْذَرْ : لاَ تُؤْذِي مُسْلِماً عِنْدَ الحَجَرِ الأسْوَدِ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ لهذا الحَجَرِ لِسَانًا وشَفَتَيْنِ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَقٍ "‏0 ( رواه ابن خزيمة )
اسْتَلَمَهُ بِحَقٍ أي : لم يُؤْذِ أحداً من المسلمين حتى يَصِلَ إليه 0

أعْظَمُ مِنْ أبي قُبَيْسِ
‏عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ‏قال ‏: قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : "‏ يَأتِي الرُّكْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعْظَمَ مِنْ‏‏ أبِي قُبَيْسٍ‏‏ لَهُ لِسَانٌ وَشَفَتَانِ " 0 ( رواه أحمد )
" أبي قُبَيْس " هو : اسم للجبل المجاور للكعبة ، و" الرُّكن " هو : الركن الأسود أو الحجر الأسود 0
والمراد من الحديث الشريف بيان عِظَم مكانة الحجر الأسود ، وأنه يشهد لمن استلمه يوم القيامة0
‏ لاَ تُزَاحِمَ وتُؤْذِي غَيْرَكَ
عَنْ‏ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ‏أنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ لَهُ يَا‏‏ عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً ‏ ‏فَاسْتَلِمْهُ ،‏ ‏وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ " 0 ( رواه أحمد )

اِحْرِصْ عَلَى أنْ يَشْهَدَ لَكَ الحَجَرَ الأَسْوَدُ بِحَقٍ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم : "‏ لَيَأتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ ‏ ‏يَسْتَلِمُهُ ‏بِحَقٍّ "0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : استلامه بحق هو طاعة الله وإتباع سنَّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، لا تعظيم الحجر نفسه ، ويدخل في استلام الحجر الأسود بحق : عدم إيذاء المسلمين وإضرارهم 0

‏ رَغْمَ الزِحَامِ ، اِحِرِصْ عَلَى اِسْتَلاَمِ وتَقْبِيلِ الحَجَرِ الأسْوَدِ
‏عَنْ ‏الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ : سَألَ ‏رَجُلٌ ‏ابْنَ عُمَرَ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏عَنْ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ فَقَالَ: ‏‏رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ ، قَالَ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ ؟ أرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ ؟ قَالَ : اجْعَلْ أرَأيْتَ بِالْيَمَنِ ، رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ 0 ( رواه البخاري )

المُلْتَزَمْ

مَا هُوَ المُلْتَزَمْ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المُلْتَزَمْ ما بين الرُّكْنِ والباب 0
الرُّكْنُ أي : الحجر الأسود ، والباب أي : باب الكعبة المشرفة 0

مِنَ السُّـنَّة
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلْزِق وجْهَهُ وصَدْرَهُ بالمُلْتَزَمِ0 ( رواه البيهقي )

وضع الصَّدْرِ واليَدَيْن والخَدِّ على المُلْتَزَمِ
عن ‏عمرو بن شعيب ‏عن‏ ‏أبيه ‏عن ‏‏جده‏ قال: طُفْتُ مع‏ ‏عبد الله بن عمرو‏‏ فَلَمَا فَرَغْنَا مِنَ السَّبْعِ رَكَعْنَا في ‏‏دُبُر الكعبة‏‏ فقلت : ‏‏ ألا نَتَعَوْذُ بالله من النَّار؟ قال: أعوذ بالله من النَّار، قال: ثُمَّ مَضَى‏ ‏فاستلم ‏الرُّكْنَ، ثم قام بين الحَجَرِ والبَّاب فألصق صَدْرَهُ ويَدَيْهِ وخَدَّهُ إليه، ثم قال: هَكَذَا رَأيْتُ رَسُولَ الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يَفْعَلُ 0 ( رواه ابن ماجه )
حتى استلم الحَجَر: أي لمسه وتناوله ‏0
‏بين الحَجَر والبَّابِ: أي عند المُلْتَزَمِ ، وسمي بذلك لأن الناس يَلْتَزِمُونَهُ 0
وفي الحديث استحباب وضع الصَّدْرِ اليَدَيْن والخَدِّ على المُلْتَزَمِ 0
أكْثِرْ مِنَ الدُعَاءِ عِنْدَ المُلْتَزَم
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يَلْتَزِمُ ما بين الرُّكْن والبَابِ ، وكان يقول : ما بين الرُّكْن والبَابِ يُدْعَى المُلْتَزَمِ ، لا يَلْزَمَ ما بينهما أحدٌ يَسْألُ الله عزَّ وجلَّ شَيْئاً إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاه 0 ( أخرجه البيهقي )


فَضْلُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ اَلْسَّلاَم

آيَةٌ بَيِّنَةٌ
قال سبحانه وتعالى : ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيَِّاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ ( 97 ـ آل عمران )
قال العلماء : مَقَامُ إبراهيم هو الحَجَرُ الذي قَامَ عليه نَبِيُّ الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين ارتفع بناء الكعبة وشَقَّ عليه تناول الحجارة ، فكان يقوم عليه ويبني ، وابنه إسماعيل عليه السلام يناوله الحجارة ، وهو أيضًا الحَجَر الذي قام عليه للنداء والأذان بالحجِّ في الناس 0
وقد غاصت فيه قدما الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وأثَرْ قدميه في المقام حتى يومنا هذا آية بينة 0

يَاقُوتَتَانِ مِنَ الجَنَّةِ
‏عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ‏قال : سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏يقول : "‏ ‏إِنَّ الرُّكْنَ ‏‏وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَـا ، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَـا لأضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" 0 ( رواه الترمذي )
الرُّكْنَ أي : الحجر الأسود ، والمقام ‏أي : مقام إبراهيم عليه السلام0

بَرَكَةُ الحَجَرِ الأسْوَدِ ومَقَامِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَم
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنَّ الرُّكْنَ والمَقَام من يَاقُوتِ الجنَّة ، ولولا ما مَسَّه مِنْ خَطَايَا بني آدم لأضَاءَ ما بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ، ومامسَّهما من ذِِي عَاهَةٍ ولا سَقِيمٍ إلا شُفِيَ " 0 ( رواه البيهقي )


فَضْلُ مَاءُ زَمْزَم
اِشْرَبْ بِنِيَةٍ صَالِحَةٍ
عن ‏جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : ‏سَمِعْتُ رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏يقول : ‏‏" مَاءُ ‏‏زَمْزَم ‏‏ لِمَا شُرِبَ لَهُ " 0 ( رواه ابن ماجه )

الدُّعَاءُ عِنْدَ الشُّرْبِ مِنُ مَاءِ زَمْزَم
كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قال : اللَّهُمَ إني أسْألُكَ عِلْماً نَافِعاً ، وَرِزْقاً وَاسِعاً ، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ 0

خَيْرُ مَاءٍ على وجه الأرض
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خَيْرُ مَاءٌ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مَاءُ زَمْزَم ، فيه طَعَامُ الطُّعْمِ ، وشِفَاءُ السُّقْمِ "0 ( رواه الطبراني )
‏طَعَامُ الطُّعم : أي أنه يُشبع الشَّارب مثلما يُشبع الطعام 0
وشِفَاءُ السُّقم : أي أنه يَشْفِي إذا شُرب بنية التداوي والاستشفاء0

سُقيا وشِِِفَِاء
عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُ ماء زمزم في الأدَاوِي والقِرَبِ ، وكان يَصُبُ على المَرْضَى وَيَسْقِيهِم0 ( رواه الترمذي والبيهقي)
اِحْمِلْ مَعَكَ زَمْزَمَ
عن ‏عائشة ‏‏رضي الله عنها ‏أنَّها كانت‏ ‏تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ ‏‏زَمْزَمَ ‏ ‏وتُخْبِرُ أنَّ رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏كان يَحْمِلُهُ 0 (رواه الترمذي )
‏قال العلماء : فيه دليل على استحباب حَمْلُ ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مَكَّةَ المُكَرَّمَة 0

مَاءُ السَّمَاءِ
‏‏قال ‏‏أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بعدما روى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته السيدة سارة مع الجبَّار الذي أرادها بسوء فردَّ الله كيده في نَحْرِهِ وأخْدَمَهَا أُمُّناَ السيدة هَاجَر ، قال : ‏تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ 0 ( رواه البخاري )
قال في فتح الباري بشرح صحيح البخاري : أراد بماء السماء : زَمْزَمَ ، لأن الله أنبعها لهاجر ، فعاش ولدها بِهَا فصاروا كأنَّهم أولادها - أي ماء زمزم - وقال ابن حبان في صحيحه : كل من كان من وَلَدِ إسماعيل يُقَالُ له : مَاءُ السَّمَاء ، لأنَّ إسماعيل وَلَدَ هَاجَرَ قد رُبِيََ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، وهي من ماء السماء 0


فَضْلُ اَلْسَّعْيِ بَيْنَ اَلْصَّفَا واَلْمَرْوَة

‏اِسْتِجَابَةً وَتَسْلِيماً لأمْرِِ الله تَعَالَى
‏عن حبيبة بنت أبي تجراة ‏‏قالت : دخلنا ‏دار ‏أبي حسين ‏في نسوة من ‏قريش ‏‏والنبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏يَطُوفُ بين ‏ ‏الصَّفَا‏ ‏والمَرْوَةِ ‏، ‏قالت : وهو يَسْعَى يَدُورُ بِهِ إزَارُهُ مِنُ شِدَّة السَّعي ، وهو يقول لأصحابه ‏‏: " اِسْعُوا فإنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعَيَ " 0 ( رواه أحمد )
" اسْعُوا " أي : بين الصفا والمروة 0

إتْبَاعاً لِنَبِيناً محمد صلى الله عليه وسلم
‏عن ‏ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ‏: قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم ‏، فطاف ‏بالبيت ‏سَبْعاً ، وصَلَى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتيُنِ ، وَطَـافَ بين ‏‏الصَّفَا ‏‏والمَرْوَةِ ، ‏وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة0 ( رواه البخاري)
‏قال العلماء تعليقا على الحديث : أشار ابن عمر رضي الله عنهما إلى وجوب إتباع النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما في أمر المناسك ، وهذا أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ، ذلك أن الفَضْلَ كُلَّ الفَضْلِ ، والخَيْرَ كُلَّ الخيْرِ في إتباع سُنَّتِهِ والإقتداء بـهديه صلى الله عليه وسلم 0


فَضْلُ اَلْحَلْق

الْحَلْقُ أدَلُّ على صِدْقِ النِّيَةَ في التَّذَلِلِ لله تعالى
عن ‏عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال : "‏‏ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ " ، قالوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قال : " اللَّهُمَّ ارْحَـمْ الْمُحَلِّقِينَ " ، قالوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُـولَ اللَّهِ ؟ قال : " وَالْمُقَصِّرِينَ " 0 ( متفق عليه )
عَنْوَنَ الإمام مسلم في صحيحه فقال : ‏باب ‏تَفْضِيلُ الحَلْقِ عَلَىَ التَّقْصِيرِ ، وجَوَازُ التَّقْصِير 0
‏وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم : في دعائه صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة بعد ذلك ، تصريح بتفضيل الحَلْقِ ، وقد أجمع العلماء على أن الحَلْقَ أفضل من التقصير ، ووجه فضيلة الحلق على التقصير أنه أبلغ في العبادة ، وأدَلُّ على صدق النِّية في التذلل لله تعالى ، ولأن المُقَصِرُ مُبْقٍ على نفسه الشَّعر الذي هو زينة ، والحَاجُّ مأمور بترك الزينة ، بل هو أشْعَثٌ أغْبَرٌ 0



اللَّهُمَ اِغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَثاً والمُقَصِرِينَ وَاحِدَةً
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ‏قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : " اللَّهُمَّ اغْفـِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ " ثَلاَثًا ، قَالُـوا : يَا رَسُـولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَـالَ : " وَالْمُقَصِّرِينَ "0 ( رواه ابن ماجه )

رَحِمَ الله المحلِّقين ثلاثاً والمُقَصِرِينَ وَاحِدَةً
‏عن ‏ابن عمر رضي الله عنهما : ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَـالَ :‏ ‏" رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " وَالْمُقَصِّرِينَ "0 ( رواه ابن ماجه)


فَضْلُ اَلْوُقُوف بِعَرَفَة

الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلاَئِكَتَهُ بِأهْلِِ عَرَفَات
عن ‏عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أن النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏كان يقول : " إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ‏‏ يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأهْلِ عَرَفَةَ‏ ‏فَيَقُولُ : ‏انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أتَوْنِي‏ ‏شُعْثًا ‏غُبْرًا " 0 ( رواه أحمد )
قال العلماء : شُعْثاً ‏غُبْراً : فيه إشارة إلى الإعراض عن التَّرَفِ والزِّينَةِ ومباهج الدنيا ، وكون الحَاجّ أشعث أغبر يُشْبِهُ خروجه من القبر إلى أرض المحشر حيران لهفان ينفض عنه غباره ، ووقوف الحجيج في عرفات كوقوفهم في عُرُصات القيامة آملين راغبين راجين رحمة ربَّ العالمين 0
وقال العلماء : لاتتحقق المُبَاهَاةُ إلا إذا كان للمُبَاهَي بِهِ فَضْلاً على المُبَاهَى0

الفَضْلُ الجَزِيلُ مِنَ المُنْعِمِ الجِلِيلُ لأهْلِ عَرَفَات
‏عَنْ ‏ ‏طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ‏ ‏قَالَ : "‏ ‏مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أصْغَرُ وَلا‏‏ أدْحَرُ‏ ‏وَلا أحْقَـرُ وَلا‏ ‏أغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ‏وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ ، إِلاَّ مَا أُرِيَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ " ‏‏قِيلَ : وَمَا رَأى يَوْمَ ‏بَدْرٍ ‏يَارَسُولَ اللَّهِ قَالَ أمَا إِنَّهُ قَدْ رَأى ‏‏جِبْرِيلَ ‏‏يَزَعُ ‏ ‏الْمَلائِكَةَ ‏"‏ 0 ‏( رواه مالك في الموطأ ) يَزَعُ أي : يَقُود 0
حَدِيثُ اَلْمُبَاهَاةِ
عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ الله تعالى يُبَاهِي بأهْلِ عَرَفَاتٍ أهْلَ السَّمَاءِ فَيَقُولَ لهم : اُنْظُرُوا إلى عِبَادِي هَؤلاَءِ جَاءوني شُعْثاً غُبْراً " 0 ( رواه الحاكم والبيهقي)
قال العلماء : مُباهاة الله تعالى بأهل عرفات يقتضي عموم تكفير الذنوب كبيرها وصغيرها ، لأنه لا يُباهَى بالحاجّ إلى وقد تَطَهَرَ من كل ذنب ، إذ لا تُباهَى الملائكة وهم مُطَّهرون إلا بِمُطَّهَرٍ ، فينتج عن ذلك أن الحجّ يُكفر حقَّ الله تعالى وحَقَّ خَلْقِه بما في ذلك الكبائر والتَّبِعَات ، ولا حجر على الله تعالى في فضله فهو سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين 0

أفْضَلُ الدُّعَاءِ
عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيزٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ : "‏ ‏أفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ ‏عَرَفَةَ ،‏ ‏وَأفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ " 0 ( رواه مالك )



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:48 pm

خَيْرُ الدُّعَاءِ
‏عَنْ ‏عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ‏ ‏عَنْ ‏‏جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ : " ‏‏خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ ‏‏عَرَفَةَ ،‏‏ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "0 ( رواه الترمذي )
قال العلماء " خَيْرُ الدُّعَاءِ " : لأنه أجْزَلُ إثَابَةً وأعْجَلُ إجَابَةً 0
عَلَيْكَ بالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ
عن ‏ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال : لَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏شَنَقَ نَاقَتَهُ ، حتَّى أنَّ رَأسَهَا لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ : " ‏السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " عَشِيَّةَ ‏ ‏عَرَفَةَ 0 ( رواه النسائي )
" ‏‏شَنَقَ نَاقَتَهُ " أي : أنه صلى الله عليه وسلم جَذَبَ عُنُقَهَا إليه حَتَى تُبْطِأ في سِيْرِهَا ولا تُسْرِعَ فتُؤْذِي النَّاسَ 0

كَـثُرَ خَيْرُ الله وطَابَ لُكُمُ يَا أهْلَ عَرَفَاتٍ
روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عَدِيّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : وَقَفَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ كَادَت الشَّمْسُ أنَّ تَؤوبَ فقال : " يا بلال أنْصِتْ لِِيَ النَّاسَ " فقام بلال فقال : أنْصِتُوا لرسول الله ، فَأنْصَتَ النَّاسُ ، فقال : " مَعَاشِرَ النَّاسِ : أتَانِيِ جُبْرَائِيلُ آنِفًا ، فأقْرَأنِيِ مِنْ ربِّيَ السَّلاَمَ ، وقال : إنَّ الله عزَّ وجلَّ غَفَرَ لأهْلِ عَرَفَاتٍ وأهْلَ اَلْمَشْعَرَ ، وضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعات" فَقَامَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله هذا لَنَا خَاصَةً ؟ قال : " هَذَا لَكُمُ وَلِمَن أتَى مِنْ بَعْدِكُمُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ " فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كَـثُرَ خَيْرُ الله وطَاب 0 ] التَّبِعَات هي : حقوق العباد [
قال بعض العارفين يوم عرفة هو : يوم المغفرة ، وقالوا : مَنْ وَقَفَ في عَرَفَاتٍ ولم يَغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله قد غَفَرَ له ، فلا حَجَّ له 0
أسْوَأ أهْلُ عَرَفَاتٍ حَالاً
قال ابن المبارك جِئْتُ إلى سفيان الثوري عَشِّية عَرَفَة، وهو جَاثٍ على رُكْبَتَيْهِ، وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ، فالتفَتَ إليَّ فقلت له: مَنْ أسْوَأ هذا الْجَّمِعِ حَالاً ؟ قال: الذي يَظَنُّ أنَّ الله لا يَغْفُرُ لَهُ.

الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ ‏‏ وَالشَّاهِدُ
‏عن ‏‏أبي هريرة رضي الله عنه‏ ‏قال ‏: ‏قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏: " الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ ‏‏عَرَفَةَ ‏،‏ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَـةِ ، وَمَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَلاَ غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أفْضَلَ مِنْهُ ، فِيهِ سَاعَـةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ، وَلاَ يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ " 0 ( رواه الترمذي )
" الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ " هو : يوم القيامة ، لأن الله تعالى وَعَدَ الناس به0
" الْيَوْمُ الْمَشْهُودُ " هو : يوم عرفة ، ‏لأن الناس يَشْهَدُونَهُ ، أي يحضرونه ويجتمعون فيه 0
" ‏‏الشَّاهِدُ " هو : يوم الجمعة ، سُمي بذلك لأنه يشهد بالخير لمن حضر فيه صلاة الجمعة ، لا سيما من بَكَّرَ للحضور فيشهد له بالخير الكثير 0
وفي الحديث بيان فضيلة يوم الجمعة ، واستحباب تحري ساعة إجابة الدعوة فيه 0
مَا أرَادَ هَؤلاءِ؟!
عَنْ ‏عَائِشَةُ رضي الله عنها ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ: " ‏مَا مِنْ يَوْمٍ أكْثَرَ مِنْ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، ‏وَإِنَّهُ‏ ‏لَيَدْنُو ثُمَّ ‏ ‏يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أرَادَ هَؤلاءِ؟!" 0 ( رواه مسلم )
" مَا أَرَادَ هَؤلاءِ؟!" مَدْحُ وثَنَاءٌ مِنَ الله تعالى لأهل عَرَفَاتٍ 0

‏يَوْمُ إكْمَالِ اَلْدِّينِ وإكْمَالِ اَلْنِّعْمَةِ
‏عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ‏‏قال : ‏قال رَجُلٌ من ‏الْيَهُودِ ‏ ‏لِعُمَرَ ‏ ‏يا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ ‏لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا ، فَقَالَ ‏‏عُمَرُ‏ ‏إِنِّي لأعْلَمُ أيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: نَزَلَتْ يَوْمَ ‏ ‏عَرَفَةَ ‏فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ0 ( رواه البخاري )


فَضْلُ رَمْيِ اَلْجَمَرَاتِ

الجِمَار ُنورٌ يَومَ القِيَامَةِ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رَمِيْتَِ الجِمَارَ كَانَ ذلك نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ " 0 ( رواه البزار )

الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ ومِلَّةَ أبِيكُمْ إبْراهِيمَ تَتْبِعُونَ
عن ابن عباس رضي الله عنهما رَفَعَهُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَمَا أتَىَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلُ الله المَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ ، فرماه بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتَى سَاخَ في الأرْضِ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتِ حَتَى سَاخَ في الأرْضِ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الثَّالِثِةِ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حتى سَاخَ في الأرْضِ " ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشَّيْطَانَ تَرْجُمُونَ ، وَمِلَّةِ أبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ تَتَبِعُونَ 0 ( رواه الحاكم )
ومعنى سَاخَ أي : غَاصَ 0

فَضْلُ اَلْهَدْي واَلْذَبْحِ لله تَعَالَى
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَا مِنْ نَفَقَةٍ بَعْدَ صِلَةِ اَلْرَّحْمِ أعْظَمُ عِنْدَ الله مِنْ إهْرَاقِ اَلْدَّمِ " 0
حَدِيثٌ جَامِعٌ لِفَضَائِل الحَجِّ وفيه فضْلُ طَوَافِ الوَدَاع وشَهَادَةُ الله تعالى نَفْسَهُ وخَلْقَهُ أنه قَدْ غَفَرَ لِلْحَاجِّ ذَنْبَهُ

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإنَّ لَكَ مِنَ الأجْرِ إذَا أمَمْتَ البَيْتَ العَتِيقِ أنْ لاَ تَرْقَع قدما أو تضعها أنت ودابتك ، إلاَّ كُتِبَت لَكَ حَسَنَةٌ ، ورُفِعَت لَكَ دَرَجَةٌ . وأمَّا وُقُوفُكَ بعَرَفَة ، فإنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول لملائكته : يا ملائكتي ما جَاءَ بعِبَادِي ؟ قالوا : جاؤا يَلْتَمِسُونَ رِضْوانَكَ والجَنَّةَ ، فيقول الله عَزَّ وجَلَّ : فإني أشْهِدُ نَفْسِي وخَلْقِي أني قَدْ غَفَرْتُ لَهُمُ ولو كانت ذُنُوبُهُمُ عَدَدَ أيَّامِ الدَّهْرِ ، وعَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ ، وأما رِمْيُكَ الجِمَارَ ، قال الله عز وجل : ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أخْفِيَّ لَهُم مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٌ جَزَاءٍ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وأمَّا حَلْقُكَ رأسِكَ ، فَإنَّهُ ليس مِنْ شَعْرِكَ شَعْرَةٌ تَقَعُ في الأرْضِ إلاَّ كانت لَكَ نُورًا يوم القيامة ، وأمَّا طَوَاُفَك بالبيت إذَا وَدَّعْتَ ، فَإنَّكَ تَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِكَ كَيَوْمَ ولَدَتْكَ أمُّكَ" 0 ( رواه الطبراني )


حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَامِعٌ لِفَضَائِل الحَجِّ

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كُنْتِ جَالِسًا مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم في مَسْجِدِ مِنًى، فِأتِاهُ رَجْلٌ مِنِ الأنصَارِ وَرَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَسَلَّمَا ثُمَّ قَالاَ: يا رسول الله جِئْنَا نَسْألُكَ، فقال: "إنْ شِئْتُمَا أخْبَرْتُكُمَا بِمَا جِئْتُمَا تَسْألاَنِي عَنْهُ فَعَلْتُ، وإنْ شِئْتُمَا أنْ أمْسِكَ وتَسْألاَنِي فَعَلْتُ "، فَقَالاَ: أخْبِرْنَا يا رسول الله، فَقَالَ اَلْثَّقَفِيُ للأنْصَارِيُّ: سَلْ، فَقَالَ أخْبِرْنِي يا رسول الله، فَقَالَ: " جِئْتَنِي تَسْألَنِي عَنْ مَخْرَجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤمُّ البَيْتَ الحَرَامَ ومَا لَكَ فِيِهِ، وعَنْ رِكْعَتَيْكَ بَعْدَ اَلْطَّوَافِ وَمَا لَكَ فِيهِمَا، وَعَنْ طَوَافِكَ بَيْنَ اَلْصَّفَا واَلْمَرْوَةِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وعَنْ وُقًوفِكَ عَشِّيةِ عَرَفَة وَمَا لَكَ فِيِه، وعَنْ رَمْيِكَ اَلْجِمَارَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وعَنْ نَحْرِكَ ومَا لَكَ فِيهِ، مَعَ الإفَاضَةِ "، فقال: والذي بَعَثَكَ بِاَلْحَقِ لَعَنْ هَذَا جِئْتُ أسْألُكَ، قَالَ: " فَإنَّكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمَّ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ؛ لا تَضَعُ نَاقَتُكَ خُفًا ولا تَرْفَعُهُ؛ إلا كَتَبَ الله لَكَ بِهِ حَسَنَةً، ومَحَا عَنْكَ خَطِيَئًة، وأمَّا رَكْعَتَاكَ بَعْدَ اَلْطَّوَافِ؛ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ، وأمَّا طَوْافَكَ بِاَلْصَّفَا وَاَلْمَرْوَةِ؛ كَعِتْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةٍ، وأمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَةَ عَرَفَةَ؛ فإنَّ الله يَهْبِطُ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا فيُبَاهِي بِكُمُ المَلائِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاؤنِي شُعْثًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِى، فَلَوْ كَانْت ذُنُوبِكُمُ كَعَدَدِ الرَّمْلِ أو كَقَطْرِ المَطَرِ أو كَزَبَدِ البَحْرِ؛ لَغَفَرتُهَا، أفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُوراً لَكُمُ، ولِمَنُ شَفَعْتُمْ لَهُ، وأمَّا رَمْـيُكَ اَلْجِمَارَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا تَكْفِيرُ كَبِيرَةٍ مِنَ اَلْمُوبِقَاتِ، وأمَّا نَحْرَكَ؛ فَمَدْخُورٌ لَكَ عِنْدَ ربِّكَ، وأمَّا حِِلاقُكَ رَأسَكَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَهٍ حَلَقْتُهَا حَسَنَةً، وتُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً، وأمَّا طَوافُكَ بِاَلْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإنَّكَ تَطُوفُ وَلاَ ذَنْبَ لَكَ، يَأتِى مَلَكٌ حَتَى يَضَعَ يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ فَيَقُولُ: اِعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِل؛ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى"0 ( رواه الطبراني )


مِنَ الأدبِ فِي أمَاكِنِ اِجْتِمَاعِ اَلْمُسْلِمِينَ

‏عن ‏هشام بن عروة ‏أن‏ ‏أباه كان إذا طاف ‏بالبيت ‏‏يسعى الأشواط الثلاثة يقول: ‏
‏‏اللَّهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَا
‏‏وأنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أمَتَّا
‏يَخْفِضُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ 0 ( رواه مالك في الموطأ )

قال العلماء : قوله يَخْفِضُ صوته ، هذا حُكْمُ الذِّكْرِ في الطَّواف والسَّعي وعلى الصَّفا والمروة وفي كل موضع جَمْعٍ للمسلمين ، يَنْفَرِدُ فيه كل أحد بالذِّكْرِ والدُعَاءِ ، ولو رَفَعَ كل إنسان صوته لآذى بعضهم بعضا ، ولَشَوَّشَ بعضهم على بعضا تشويشاً يُذهب الخشوع والتدبر ، إلا التَّلْبية فإنَّها شعار الحجِّ فلذلك شُرِعَ فيها الإعلان 0


كُلَمَا اِزْدَدْتَ تَعَباَ واِزْدَدْتَ نَفَقَةً زَادَ أجْرُكَ وعَلَتْ مَنْزِلَتُكَ

الأجْرُ عَلَىَ قَدْرِ اَلْمَشَّقَةِ
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في عُمرتِها: " إنَّ لَكِ مِنَ الأجْرٍ عَلًى قدْرِ نَصَبَكِ ونَفقتَكِ "0 ( رواه الحاكم ) ] النَّصَب أي : التَّعب والمشَّقة [ 0
قال العلماء : الثواب والفضل في العبادة يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ والنَّفَقة0
فائدة هامة وجليلة : قال العلماء : الأجْرُ على قَدْرِ المشقة ليس صحيحا على إطلاقه ، إنما الصحيح على إطلاقه الأجْرُ على قَدْرِ الإتباع ، أي : إتباعُ السُّنة، والدليل الحديث : عن‏ ‏ابن عباس رضي الله عنهما عن جُوَيْرِيَةُ ‏بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خرج من عندها ‏ ‏بُكْرَةً حين صلى الصبَّح وهي في مسجدها ثم رَجَعَ بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : " ما زِلْتِ على الحَالِ التي فَارَقْتُكِ عليها ؟ " قالت : نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ‏لَقَدْ ‏قُلْتُ بَعْدَكِ أرْبَعُ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَاتٍ لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ : سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ، وَرِضَا نَفْسِهِ ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ ، ‏ومِدَادَ ‏كَلِمَاتِهِ "0 ( رواه مسلم )
قال العلماء : الحديث دليل على فضل هذه الكلمات الثلاث ، ولا يُقال إنَّ مَشَقَّةِ من قال هذه الكلمات الثلاثة أخفُّ من مشقة من كَرَّرَ الذِّكْرِ من البُكور إلى الضحى ، فإنَّ هذا بَابٌ مَنَحَـهُ الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين وأرشدهم ودلهَّم عليه تخفيفا لهم وتكثيرا لأجورهم من دون تعب ولا نصب ، وهو : فضيلة وثواب إتباع السُّـنَّة ، فلله الحمد والمنِّة 0

الأجْرُ عَلَىَ قَدْرِ النَّفَقَةِ
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في عُمرتـها : " إنَّمَا أجْرُكِ في عُمْرَتُكِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتُكِ " 0 ( رواه الحاكم )
‏قال العلماء : قد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض وهو أكثر فضلا وثوابا بالنسبة للإتباع ، إتباع السُّنة ، فكلما ازددت إتباعاً ازددت أجراً وثواباً 0


حَجُّ الأنْبياء عليهم السَّلام

الأنْبِيَاءِ عَلَيْهُمُ السَّلامُ يَرْفَعُونَ أصْوَاتَهُمُ بالتَّلْبِيَةِ
عن‏ ‏ابن عباس رضي الله عنهما‏‏ أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏مَرَّ ‏بِوَادِي الأزْرَقِ ‏فقال ‏: " ‏أيُّ وَادٍ هَذَا ؟ " فقالوا : هَذَا ‏ ‏وَادِي الأزْرَقِ، ‏قال : " كَأنِّي أنْظُرُ إِلَى مُوسَى‏‏ عَلَيْهِ السَّلاَم ‏‏ هَابِطًا مِنْ ‏‏ الثَّنِيَّة وَلَهُ جُؤَارٌ ‏‏إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ " ثُمَّ أتَى عَلَى‏‏ ثَنِيَّةِ هَرْشَى ‏‏فقال : " أيُّ ‏‏ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ ؟ " قالوا :‏ ثَنِيَّةُ هَرْشَى ،‏ ‏قـال : " كَأنِّي أنْظُرُ إِلَى‏ ‏يُونُسَ بْنِ مَتَّى‏‏ عَلَيْهِ السَّلاَم ‏‏عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ ‏‏جَعْدَةٍ ‏‏عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ ‏خِطَامُ ‏ ‏نَاقَتِهِ ‏خُلْبَةٌ ‏‏وَهُوَ يُلَبِّي ‏" 0 ( رواه مسلم )
"جُؤار" هو رَفْعُ الصَّوْتِ ، "ثنية هَرْشى" هو جبل على طريق الشام والمدينة ،
" جَعْدَة " هي مُكْتَنِزَةِ اللَّحم ، " الخِطَام " هو الحبل الذي يُقَادُ به البعير ، "خُلْبَة " هو الليف 0
مُوسَى عَلَيْهِ اَلْسَّلاَمِ مُحْرِماً
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " صَلَّىَ في مَسْجِدِ اَلْخِيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا منهم موسى، كأني أنظر إليه وعليه عَبَاءَتانِ قَطَوَانِيَّتانِ وهو مُحْرِمٌ، على بَعِيرٍ من إبل شَنُوءَةَ ، مَخْطُومٍ بِخِطَامِ لِِيفٍ، له ضَفِيرَتَان " 0 ( رواه الطبراني )
لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت تَلْبِيَةُ موسى: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ، وكانت تَلْبِيَةُ عيسى صلى الله عليه وسلم: لَبَّيْكَ عَبْدُكَ وَابْنُ أمَتِكَ، وكانت تَلْبِيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ 0

سَبْعُونَ نبيًّا يَؤُمُّونَ بَيْتَ الله العَتِيق
عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " لَقَدْ مَرَّ بالرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًا ، فيهم نَبِيُّ الله موسى عليه السَّلام ، حُفَاةً ، عَلَيْهُمُ العَبَاءُ ، يَؤُمُّونَ بَيْتَ الله العَتِيق " 0 ( رواه أبو يعلى والطبراني )

عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَم يَطْوفُ بالبَيْتِ العَتِيقِ
‏عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏قَالَ: " أرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ‏‏ الْكَعْبَةِ فَرَأيْتُ رَجُلاً ‏آدَمَ كَأحْسَنِ مَا أنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ ‏لِمَّةٌ ‏‏كَأحْسَنِ مَا أنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا ‏تَقْطُرُ مَاءً ، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْن ‏‏أوْ عَلَى ‏عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ‏يَطُوفُ‏ ‏بِالْبَيْتِ‏ ‏فَسَألْتُ مَنْ هَذَا ، فَقِيلَ‏ ‏الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ،‏ ‏ثُمَّ إِذَا أنَا بِرَجُلٍ ‏جَعْدٍ‏ ‏قَطَطٍ ‏أعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَألْتُ مَنْ هَذَا ، فَقِيلَ‏ ‏الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ"0 ( رواه البخاري )
فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ حَاجًّا أوْ خَلَفَهُ فِي أهْلِهِ بِخَيْرٍ
عن زيد بن خالد الجُهني رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا ، أو جَهَّزَ حَاجًّا أو خَلَفَه في أهله ، أو فَطَّرَ صَائِمًا؛ كان له مِثْلَ أجُورِِهُمُ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمُ شيء "0 (رواه ابن خزيمة )
‏قال العلماء : "خَلَفَه في أهله" يعني : إذا قام مقامه في إصلاح حالهم والمحافظة على أمرهم وتلبية متطلباتِهم ، وناب مناب الغازي والحاجّ في مراعاة أهله وستر عَوْرَتِهم وتأمين رَوْعَتِهم زمان غَيْبَتِهِ0
"كان له مثل أجورهم" أي : أنه مثله في الأجر وإن لم يغزو أو يحجّ حقيقة0
وفي الحديث : الحثُّ على الإحسان إلى مَنْ فَعَلَ مصلحة للمسلمين كالجهاد الذي فيه حماية للدِّين والأرض والعِرْض ، أو فَعَلَ مصلحة لنفسه يُرْضِي بـها ربَّه كالحجّ الذي يتطلب السفر ومفارقة الأهل ومغادرة الوطن0


حَجّةُ اَلْصّبي

ثَوَابَ حَجَّة الصَّبِي لِوَلِيهِ
‏‏عَنْ ‏‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه‏‏ قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأةٌ صَبِيًّا لَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ : ألِهَذَا حَـجّ ؟ قَالَ : "‏‏ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ "0 ( رواه ابن ماجه )
‏قال العلماء : لها أجْرٌ بِسَبَبِ حَمْلهَا وَتَجَنُّبهَا إِيَّاهُ مَا يَجْتَنِبهُ الْمُحْرِم وَفِعْله مَا يَفْعَلهُ0

أجْرُ فَضِيلَةٍ لاَ إسْقَاطُ فَرْضٍ
‏عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏لَقِيَ ‏رَكْبًا ‏بِالرَّوْحَاءِ ‏فَقَالَ : " ‏مَنْ الْقَوْمُ ؟ " ، قَالُوا : الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالُوا : مَنْ أنْتَ ؟ قَالَ : " رَسُولُ اللَّهِ " ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ : ألِهَذَا حَـجٌّ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَلَكِ أَجْرٌ "0 ( رواه مسلم )
قال الخَطَّابي : إنما كان له الحجُّ من ناحية الفضيلة دون أن يكون محسوبا عن فَرْضِهِ لو بقي حتى يَبْلُغَ ويُدْرِكَ مَدْرَكَ الرِّجَالِ ، وهذا كالصلاة يؤمر بـها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض ، ولكن يُكْتَبُ له أجرها تَفَضُلاً من الله سبحانه وتعالى ويُكْتَبُ لمن يأمره بـها ويرشده إليها أجر 0
وأجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حَجَّ في حال صغره ، ثم بلغ الصبي أن عليه حَجَّةِ الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا 0
فَضْلُ مَنْ مَاتَ في اَلْحَجِّ

ثَوَابٌ دَائِمٌ إلىَ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مَنْ خَرَجَ حاجًّا فَمَاتَ ؛ كَتَبَ الله لَهُ أجْرُ الحَاجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ ، ومَنْ خَرَجَ مُعتمرا فَمَاتَ ، كَتَبَ الله لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ ، ومَنُ خَرَجَ غَازِياً فَمَاتَ ، كَتَبَ الله له أجْرُ الغَازِي إلى يَوْمِ القِيَامَةِ " 0 ( رواه أبو يعلى )

هَنِيئًا لَهُ
‏عَنْ ‏‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ ‏‏خَرَّ ‏رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ ‏فَوُقِصَ‏ ‏فَمَاتَ ، فَقَالَ : "‏‏ اغْسِلُوهُ بِمَاء ‏‏وَسِـدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلاَ‏‏ تُخَمِّرُوا ‏رَأسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا " 0 ( رواه مسلم )
‏قال العلماء : قوله صلى الله عليه وسلم : " فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا " معناه : على هيئته التي مات عليها ومعه علامة لِحَجِهِ ، وهي دلالة الفضيلة ، كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوْدَاجَهُ تَشْخَبُ دَماً ، وفي الحديث دليل على استحباب دوام التلبية في الإحرام 0


لاَ شَيْءَ يَعْدِلُ اَلْجِهَادَ وَاَلْرِِّبَاطَ فِي سَبِيِلِ الله تَعَالَى
عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه كان في المُرَابَطَةِ فَفَرَغُوا فَخَرَجُوا إلى السَّاحِلِ ، ثُمَّ قِيلَ لاَ بَأسَ ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ وأبُو هُرَيْرَةَ وَاقِفٌ ، فَمَرَّ بِهِ إنُسَانٌ فَقَالَ مَا يُوقِفُكَ يا أبَا هُرَيْرَةَ ؟! فقال : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَىَ الله عَلَيْهِ وَسَلَمَ يَقُولُ : " مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِيِ سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةَ القَدْرِ عِنْدَ الحَجَّر الأسْوَدِ "0 ( رواه ابن حبان والبيهقي )

من شعْرِ الحكمة
يَا عَابدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرْتـَنا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ فِيَ العِبَادَةِِ تَلْعَبُ
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خَدَّه بِدُمُوعِِِه ... فَنُحُورُنَـا بِدِمَـائِِنَا تَتَخْضَبُ
أوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِيِ بَـاطِلٍ ... فَخُيُـولُنَا يَوْمَ الصَّبِيحَةِ تَتْعَبُ
رِيِحُ العَبِيرٍِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبْيرُنَا ... رَهَجُ السَّنابِكِِ والغُبارُ الأطْيَبُ
وَلَقَدْ أتَـانَا مِـنْ مَقَالِِ نَبِيِنَا ... قَوْلٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ لاَ يَكْذِبُ
لاَ يَسْتَويِ غُبَـارُ أهْلِِ الله في ... أنْفٍِ أمْرْئٍٍ ودُخَانُ نَارٍٍ تَلْهَبُ
هَذَا كِتَابُ الله يَنْـطِقُ بَيْنَنا ... لَيْسَ الشَّهِيدُ بِمَيِـتٍٍ لاَ يَكْذِبُ

قال أبو القاسم بن عساكر فى كتابه تاريخ دمشق: أن عبد الله بن المبارك كتب هذه الأبيات بطرسوس ( من بلاد الشام ) وأرسلها إلى الفُضَيْلِ بن عِيَاض (الملقب : عَابِدَ الحرمين )، فبلغ الكتاب الفضيل بن عياض وهو في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني0
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الرِّباط أفضل من المُقام بمكة إجماعاً 0
اَلْحَذَر اَلْحَذَر مِنَ اَلْغَفْلَة
‏عَنْ ‏عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ ‏: " ‏إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ‏ ‏الصَّفَا ‏وَالْمَرْوَةِ ‏ ‏لإقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ "0 ( رواه أبو داود والترمذي )
قال العلماء : ذِكْرُ الله تعالى شِعَارُ النُّسُكِ ، فالحذر الحذر من الغفلة0
قال تعالى في القرآن الكريم : ﴿ فَإذَا قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُم فَاذْكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَائَكُم أوْ أشَدَّ ذِِكْراً ﴾ 0 ( البقرة ـ 200 )
قال المفسرون مقصود الآية : الحثّ على كثرة الذكر لله عزَّ وجلَّ 0
وقالوا معنى الآية : واذكروا الله كَذِكْرِ الأطفال آباءهم وأمهاتـهم ، أي : فاستغيثوا به سبحانه والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم وأمهاتكم ، فهو سبحانه وَلِيُّكُم وهو أرحم بكم من آبائكم وأمهاتكم 0
وقال آخرون معنى الآية : أن تغضب لله تعالى إذا عُصِيَّ أشدُّ من غضبك لوالديك إذا شُتِمَا 0


العَمَلُ والتَّكَسُّبُ في الحَجِّ

عن أبي أمَامَةَ التَّيْمِيُّ ‏‏قَالَ : ‏كُنْتُ رَجُلاً ‏أُكَرِّي ‏فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجٌّ ، فَلَقِيتُ ‏ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ يَا ‏أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏إِنِّي رَجُلٌ ‏‏أكَرِّي ‏فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لِي إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ حَجّ، فَقَالَ ‏ابْنُ عُمَرَ ‏‏ألَيْسَ تُحْرِمُ ‏وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ ‏‏بِالْبَيْتِ ‏‏وَتُفِيضُ ‏‏مِنْ ‏‏عَرَفَاتٍ ‏وَتَرْمِي الْجِمَارَ ؟ قَالَ : قُلْتُ بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ لَكَ حَجًّا ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَسَأَلَهُ عَنْ مِثْلِ مَا سَألْتَنِي عَنْهُ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏جُنَاحٌ ‏ ‏أنْ تَبْتَغُوا‏ ‏فَضْلاً ‏ ‏مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ‏فَأرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ وَقَالَ : " لَكَ حَجٌّ " 0 ( رواه أبو داود )
قال القرطبي في تفسيره على الآية الكريمة ﴿ ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ ‏ ‏جُنَاحٌ ‏ ‏أنْ تَبْتَغُوا‏ ‏فَضْلاً ‏ ‏مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ : في الآية دليل على جواز التِّجارة في الحَجِّ للحَاجِّ مع أداء العبادة ، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شِرْكًا ولا يَخْرُجُ به المُكَلَّفُ عَنْ رَسْمِ الإخلاص المُفْتَرَضِ عليه 0

‏‏لاَ جُناَحَ
عن ابن عباس ‏رضي الله عنهما : كان ‏‏ذو الْمَجَازِ ‏وَعُكَاظٌ ‏مَتْجَرَ النَّاس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام كأنَّهم كرهوا ذلك حتى نزلت ﴿ ‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ ‏‏جُنَاحٌ ‏ ‏أنْ تَبْتَغُوا‏ ‏فَضْلاً ‏ ‏مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ في مواسم الحجِّ 0 ( رواه البخاري )
(مَتْجَرَ الناس ) أي : مكان تجارتِهم 0
( كرهوا ذلك ) أي : خشوا من الوقوع في الإثم للاشتغال في أيام النُّسك بغير العبادة 0


اَلْمُحَافَظَةُ عَلَى اَلْصَّلاَةِ فِيِ اَلْمَسِّجِدِ
أجْرُهَا كَأجِّرِ اَلْحَاجِّ

عن ‏أبي أمامة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال : " ‏مَنْ خَرَجَ من بيته مُتَطهرا إلى صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ فأجْرُهُ كَأجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ ، ومَنْ خَرَجَ إلى ‏تَسْبِيحِ‏ ‏الضُّحَى لا ‏يُنْصِبُهُ‏ ‏إلا إيَّاه فأجْرُهُ كأجْرِ المُعْتَمِرِ ، وصَلاَةٌ عَلَيَّ إثْرَ صَلاَةٍ لا لَغْوَ بينهما كِتَابٌ ‏في ‏ عِلِّيِّينَ " 0 (رواه أبو داود )
" من خرج من بيته مُتطهرا إلى صلاة مكتوبة " : أي قاصدا إلى المسجد لأداء الصلاة المقروضة ‏0
‏" فأجْرُهُ كَأجْرِ الحَاجِّ " : أي كامل أجر الحاجّ ، وقيل : كأجره من حيث أن خطوة تمحي سيئة وخطوة تكتب حسنة وترفع درجة 0
‏" في عِلِّيِّينَ " ‏: فيه إشارة إلى عظيم أجرهما ورفيع درجتهما ، و"عليين" مشتقة من العُلُوِ ، سُمي به لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريما ولأنه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات ، وأراد صلى الله عليه وسلم في الحديث بيان أنه لا شيء من الأعمال أعلى من المداومة على الصَّلاة المكتوبة في المسجد ، فكني عن ذلك بعليين أعلى الأمكنة وأشرف المراتب 0


عَادَةُ الأنْجَابِ زِيَارَةُ مَعَاهِدِ الأحْبَابِ

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله عزَّ وجلَّ : إنَّ عَبْداً صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِيِ المَعيشَةِ ، تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أعْوَامٍ لا يَفِدُ إليَّ لَمَحْرُومٌ " 0 ( رواه ابن حبان والبيهقي )
قال العلماء : الحديث محمول على الاستحباب والتأكد على تكرار الحجِّ في مثل هذه المدة : " خَمْسَةُ أعْوَامٍ " 0
" وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِيِ المَعيشَةِ " أي : أصلحت له معيشته ، فرزقته رزقا واسعا مباركا فيه مع الصحة والعافية من البلايا والأسقام 0
" لا يَفِدُ إليَّ " أي : لا يزور بيتي ، وهو الكعبة المشرفة 0
" لَمَحْرُومٌ " أي : محروم من مزيد الثواب وعموم الغفران 0
قال العلماء : من علامات مَحبـة الله تعالى كثرة زيارة بيته الحرام لِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ ، فَعَادَةُ الأنْجَابِ زِيَارَةُ مَعَاهِدِ الأحْبَابِ 0


لاَ تَنْسَى هَذَا اَلْدُّعَاء وَأنْتَ عَائِدٌ مِنَ اَلْحَـجِّ أو اَلْعُمْرَةِ إلى مَنْزِلَكَ

‏عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الأرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ ‏: " ‏لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ " 0 ( رواه البخاري )
الشُّرف : المكان العالي 0
" آيبون " : أي عائدون وراجعون إلى الله تعالى مأتمرين بأمره ومنتهين بنهيه0 ‏"تائبون" : فيه إشارة إلى الاعتراف بالتقصير في العبادة ، وقاله صلى الله عليه وسلم وقد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر تعليما لأمته كي لا تَغْتَرَّ بطاعة فتقعد عن العمل 0‏

فضائل مَكَّةَ المُكَرَّمَةُ
وبَيْتُ الله الحَرِام


خَيْرُ أرْضِ اللَّهِ
‏عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بن عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ ‏‏قَالَ : رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَاقِفٌ ‏ ‏بِالْحَزْوَرَةِ ‏ ‏يَقُولُ: "‏ ‏وَاللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللَّهِ، وَأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلَيَّ، وَاللَّهِ لولا أَنِّي أخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" 0 ( رواه ابن ماجه )
الجزورة هُوَ: مَوْضِع بِمَكَّةَ، وَالْحَزْوَرَةُ فِي الأصْلِ بِمَعْنَى التَّلِّ الصَّغِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهُ كَانَ هُنَاكَ تَلٌّ صَغِيرٌ 0

أحَبُّ البلاَدِ إلىَ الله تَعَالى
عن‏ ‏أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال : " ‏أحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ أسْوَاقُهَا " 0 ( رواه مسلم )
قال العلماء : " ‏أحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا " : لأنَّها بيوت الطَّاعات وأساسها على التقوى، وخير المساجد وأحبها إلى الله تعالى: المسجد الحرام0
‏" وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " : لأنـها محل الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة وإخلاف الوعد والإعراض عن ذكر الله وغير ذلك مما يجلب غضب الله تعالى وسخطه 0
ودلّ الحديث الشريف على أن : المساجد مَحَلَ نُزُولِ الرَّحْمَةِ ، والأسواق ضدها ، والمؤمن يحرص دائما وأبدا على أن يُعَرْضَ نفسه لنفحات رحمة الله تعالى 0
بُشرى مِنَ الله تَعَالَى
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ ( 85 ـ القصص )
‏عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ قَالَ: إِلَى ‏مَكَّةَ0 ( رواه البخاري )
وقال مُقَاتِل : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار ليلا مُهاجرا إلى المدينة في غير طَرِيقٍ مَخَافَةَ الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الْجُحْفَةِ عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل إن الله يقول : ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ أي إلى مكة ظاهرا عليها 0
قال العلماء: نَكَّر الله تعالى لفظة ﴿ مَعَادٍ ﴾ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، فهو مَعَادٌ له شأن عظيم، لاستيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على مَكَّة وقهره لأهلها، وإظهار عِزَّ الإسلام وأهله وذُلَّ الكفر وأهله0



حَقٌ عَلَىَ المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ اَلْزَائِر

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ تَوضَأ فِيِ بَيْتِهِ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ ، ثُمَّ أتَى المَسْجِدَ فَهُوَ زَائِرُ الله ، وحَقٌ عَلَى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزَّائِر " 0 ( رواه الطبراني )
قال العلماء : المساجد بيوت الله تعالى في الأرض ، وأجَلُّ المساجد وأشرف البيوت هو : المسجد الحرام ، وحِكْمَةُ الحَجِّ كامنة في أنه سَفَرٌ إلى المسجد الحرام ، سَفَرٌ إلى بيت الله الحرام ، وحَقٌ على الله تعالى أكرم الأكرمين أن يُكرم زائريه 0
وفي الحديث الحثُّ على فضيلتين : الفضيلة الأولى : حثٌّ للمسلم على مداومة الحجِّ والعمرة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، والفضيلة الثانية : المحافظة على الصلاة مع الجماعة في المسجد 0


فَضْلُ مَسْجِدُ اَلْكَعَبَةِ
لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِد
‏عن ‏أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم قال ‏: " ‏‏لاَ ‏ ‏تُشَدُّ الرِّحَالُ ‏إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا ،‏ ‏وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، ‏ ‏وَمَسْجِدِ الأقْصَى " 0 ( رواه مسلم )
" ‏‏لاَ ‏ ‏تُشَدُّ الرِّحَالُ " : المقصود فيه النَّهي عن السَّفر إلا إلى المساجد الثلاثة المذكورة، لِمَا خَصَّها به سبحانه وتعالى من فضائل ليس لأي مسجد آخر 0
ففي الحديث بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونِها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ولمضاعفة الأجر والثواب بالصلاة فيها 0
أوَّلَ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأرْضِ
عن أبي ذَرٍّ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏قَالَ : قُلْتُ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأرْضِ أوَّلَ ؟ قَالَ : "‏‏ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ "‏ ‏قَالَ : قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : "‏‏الْمَسْجِدُ الأقْصَى " ‏ ‏قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : " أرْبَعُونَ سَنَةً ، ثُمَّ أيْنَمَا أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ ‏فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ " 0 ( رواه البخاري )
" الْمَسْجِدُ الأقْصَى " يعني : ‏ مسجد بيت المقدس ، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة0
ومعنى " ‏فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ " أي : إنَّ الأجْرَ والثَّواب ‏في أداء الصَّلاة إذا حَضَرَ وقتها0



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:49 pm

قِبْلَةُ اَلْمُسْلِمِينَ
‏ قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ ( 144 ـ البقرة )
قال العلماء: ﴿ فَوَلِّ ﴾ صيغة أمْر ﴿ شَطْر ﴾ أيْ: نَاحِيَة ﴿ الْمَسْجِد الْحَرَام ﴾ أي: الْكَعْبَة، وعن قَتَادَة قال: كان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي نحو بَيْت المَقْدِس، يَهْوَى وَيَشْتَهِي الْقِبْلَة نَحْو الْبَيْت الْحَرَام، فَوَجَّهَهُ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِقِبْلَةِ كَانَ يَهْوَاهَا وَيَشْتَهِيهَا0
وقيل كان يَهْوَى صلى الله عليه وسلم القِبْلَةَ نحو الكعبة المشرفة ِمن أجْلِ أنَّها كانت قِبْلَة أبيهِ إبراهِيم عليهِ السَّلام 0

قِبْلَةُ اَلْمُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ والأمْوَاتِ
عن‏ ‏عبيد بن عمير ‏‏عن ‏أبيه ‏‏أنه حدَّثه ‏‏وكانت له صحبة ‏‏أنَّ ‏رجلا قال: يارسول الله ما الكبائر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "‏ الكَبَائِرُ تِسْعٌ أعْظِمِهُنَّ الإشْرَاكَ بالله ، وَقَتْلَ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقٍ ، وَأكْلَ الرِّبَا ، وَأكْلَ مَالَ اليَتِيمِ ، وَقَذْفَ المُحْصِنَةِ، والفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ، واسْتِحْلاَلِ البَيْتَ الحَرَامِ : قِبْلَتَكُمْ أحْيَاءً وأمْوَاتًا " 0 ( رواه أبو داود )
" قبلتكم أحياء وأمواتا " : فيه أن الميت يوضع في قبره على شقه الأيمن مُسْتَقْبِلَ القبلة، كما أنه في حال حياته يَسْتَقْبِلَ القبلة عندما يريد أن يصلي، فاستقبال القبلة عَلاَمَةُ الإيمان وشِعَارُ الإسلام في الحياة وفي الممات 0
فَضْلُ اَلْصَّلاَةِ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام

مِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ
عن جابِرٍ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قال: " ‏صَلاةٌ فِي ‏‏مَسْجِدِي ‏أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ ‏‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، ‏وَصَلاةٌ فِي ‏‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ"0 ( رواه ابن ماجه )

مِائَةِ ألْفِ وألَفِ وخَمْسُمِائَة
عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فَضْلُ الصَّلاة في المسجد الحرام على غيره مِائَةِ ألْفِ صلاة، و في مسجدي ألَفِ صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خَمْسُمِائَة صلاة " 0 ( رواه البيهقي )

‏مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ
‏عن مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ أنَّهَا قالت:‏ ‏إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ: "‏ ‏صَلاةٌ فِيهِ أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ ‏ ‏مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ"0 ( رواه مسلم )
" صَلاةٌ فِيهِ " أي: مسجد المدينة0
‏ ألْفِ × مِائَةِ = مِائَةِ ألْفِ
عن عبد اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه ‏قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "‏‏ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي ‏هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلاَّ‏ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا "0 ( رواه أحمد )

غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ
‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ‏أنَّهُمْ غَزَوْا ‏‏غَزْوَةَ السُّلاسِلِ ‏‏فَفَاتَهُمْ الْغَزْوُ فَرَابَطُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى ‏‏مُعَاوِيَةَ ‏‏وَعِنْدَهُ ‏أبُو أيُّوبَ ‏‏وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ‏فَقَالَ ‏عَاصِمٌ: ‏يَا ‏أبَا أيُّوبَك: ‏فَاتَنَا الْغَزْوُ العَامَ وَقَدْ أُخْبِرْنَا أنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي المَسَاجِدِ الأرْبَعَةِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ، فَقَالَ يَا ابْنَ أخِي أدُلُّكَ عَلَى أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏يَقُولُ: " ‏مَنْ تَوَضَّأ كَمَا أُمِر،َ وَصَلَّى كَمَا أُمِر،َ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ"0 ( رواه النسائي )
المَسَاجِدِ الأرْبَعَةِ هي:مَسْجِدُ الكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَالْمَسْجِدَ الأقْصَى،‏‏ وَمَسْجِدُ الطُّورَ0
تَعْظِيمُ بَيْتِ الله اَلْحَرَام

لاَ تَزالُ بِخَيْرٍ ما عَظّمْتَ اَلْكَعْبَةَ اَلْمُشَرَّفَةِ

عن عَياش بن أبي ربيعة المخزومي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ هذه الأمُّة لاَ تَزَالُ بِخَيْرٍ ما عَظَّمُوا هذه الحُرْمَة - يعني الكعبة - حَقَّ تعظيمها ، فإذا ضيعوا ذلك هَلَكُوا " 0
‏قال العلماء : ‏من تعظيمها أن لا يُعصى الله تعالى عندها 0


اِنْتَبِهْ لِحُرْمَةِ اَلْبِيْتِ اَلْحَرَام
عن ابن عباس رضي الله عنهما قـال : لَوْ وَجَـدْتُ قَاتِـلَ أبِي في الحَـرَمِ مَاَ عَرَضُتُ لَهُ 0
ما عَرَضُتُ له أي : ما قاتلته أو اقتصصت منه ، فابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يُعَلِّمُكَ أيها المسلم مدى قُدْسِية وحُرمة البيت الحرام ، فما بالك أيها الحاجّ أو المعتمر بالذي لم يقتل أباك إنَّما زاحمك وضايقك بعض الشيء فهل ترد له الإساءة بالإساءة أم تصبر وتحتسب حُرْمَةً لمكة المكرمة وتعظيما لشعائر الله تعالى 0



اَلْحِجْرُ مِنَ اَلْبَيْتِ
‏‏عَنْ ‏‏عَائِشَةَ رضي الله عنها‏ ‏قَالَتْ‏ : كُنْتُ أحِبُّ أنْ أدْخُلَ ‏‏الْبَيْتَ ‏‏فَأصَلِّيَ فِيهِ ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَأدْخَلَنِي ‏‏الْحِجْرَ‏‏ فَقَالَ : " ‏‏صَلِّي فِي‏‏ الْحِجْرِ إنْ أرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ ‏فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ ‏‏الْبَيْتِ‏ ، ‏وَلَكِنَّ قَوْمَكِ ‏ ‏اسْتَقْصَرُوهُ ‏ ‏حِينَ بَنَوْا ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏‏فَأخْرَجُوهُ مِنْ ‏ ‏الْبَيْتِ " 0 ( رواه الترمذي )
ِ" اسْتَقْصَرُوهُ " أي : قَصَّرُوا عَنْ تَمَامِ بِنَاءِه لِقِلْةِ النَّفَقَةُ 0
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اَلْحِجْرُ من البيت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَافَ بالبيت من ورائه قال الله تعالى ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ 0


حُرْمَةُ اَلْكَعْبَةِ وَحُرْمَةُ اَلْمُؤْمِن
لِلْكَعْبَةِ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَللْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ حُرُماَتٍ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لمَاَ نَظَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال : " مَرْحَباً بِكَ مِنْ بَيْتٍ ، ما أعْظَمَكَ ، وأعْظَمَ حُرْمَتَكَ ، ولَلْمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً عند الله مِنْكِ ، إنَّ الله حَرَّمَ مِنْكِ وَاحِدَةً ، وحَرَّمَ مِنَ المؤمِنِ ثَلاَثاً : دَمُهُ ، ومَالهُ ، وأن يُظَنَّ به ظَنَّ السَّوء " 0 ( رواه البيهقي )

حُرْمَةُ اَلْمُؤْمِنِ أعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ اَلْكَعْبَةِ
عن عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما ‏قال : رأيت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏يطوف‏ ‏بالكعبة‏ ‏ويقول ‏: " ‏ما أطْيَبَكَ وأطْيَبَ رِيحَكِ ، ما أعْظَمَكِ وأعْظَمَ حُرْمَتكِ ، والذي نَفْسُ مُحَمْدٍ ‏بيده لَحُرْمَـةُ المؤمن أعْظَمُ عِنْدَ الله حُرْمَةً مِنْكِ ، مَالُهُ ، ودَمُهُ ، وأنْ نَظُنَّ به إلا خَيْراً " 0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : حُرْمةَ الكعبة المُشرفة إنَّما هي للمؤمن ، فلا حُرْمة أعظم من حُرْمة المؤمن 0


اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ

خَيْرُ ما تُسَافِرُ إليه اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ
عن ‏جابر بن عبد الله رضي الله عنه : عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏أنه قال : "‏ ‏إنَّ خَيْرَ ما رُكِبَتْ إليه‏‏ الرَّواحِلُ ‏‏: مَسْجِدِي‏ ‏هَذَا ‏، ‏والبَيْتِ العَتِيقِ "0 ( رواه أحمد )
قال العلماء: سُمي بالبيت العتيق لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة، فلم يُرِدْهُ أحدٌ بسوءٍ إلا هَلَكَ 0

‏نُورٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ
عن ‏أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏‏قال: مَنْ قَرَأ سُورَةَ ‏ ‏الكَهْفِ ‏لَيْلَة الجُمْعَةِ أضَاءَ لَهُ مِنَ النِّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏‏البَيْتِ العَتِيقِ 0 ( رواه الدارمي )
قيل سُمي: عَتِيقًا: لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يَعْتِقُ فيه رقاب المذنبين من النَّار 0
لَمْ يَنَلْهُ جَبَّارٌ قَطُّ
عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال‏ :‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ : " ‏إنَّما سُمِيَ البَيْتُ العَتِيـق لأنَّهُ أعْتِقَ مِنَ الجَبَابِرَةِ ، فَلَمْ يَنَلْهُ جَبَّارٌ قَطُّ ، أو لم يَقْدِر عليه جَبَّارٌ‏"0 ( رواه البزار ) ‏
قال العلماء: سُمي عَتِيقًا لأنَّ اللَّه أعْتَقَهُ من أن يَتَسَلَّط عليهِ جَبَّار بِالْهَوَانِ إلى اِنْقِضَاء الزَّمَان 0
والعَتِيق في لغة العرب صِفة مَدْح تَقْتَضِي جَوْدَة الشَّيء ونَفَاسَتَهُ، كما في الحديث ‏أنَّ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ‏قَال : حَمَلْتُ ‏عَلَى فَرَسٍ ‏‏عَتِيقٍ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، والفرس العَتِيق هو : الفَرَس النَّفِيس الجَوَاد السَّابِق 0


مَنْ أرَادَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ بِسُوءٍ قَصَمَهُ الله تعالى
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقْبَلَ تُبَّعٌ يُرِيدُ اَلْكَعْبَةَ، حَتَى إذَا كَانَ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ، بَعَثَ الله تعالى عليه رِيِحًا لاَ يَكَادُ القَائِمُ مِنْهَا يَقُومُ ، فَإذَا قَامَ سَقَطَ وَصُرِعَ ، فَقَعَدَ ، وَلَقُوا مِنْهَا عَناَءً عَظيِمًا ، فَدَعَا تُبَّعٌ أحْبَارَهُ وقَالَ لَهُمُ : مَا هَذَا الذي بُعِثَ عليَّ ؟! قالوا : تُؤَمِّنُنَا ؟ قال : أُؤَمِّنُكُم ، أنْتُمُ آمِنُونَ ، قالوا له : فَإنَّكَ تُريدُ بَيتًا مَنَعَهُ الله تعالى مِمَّنْ أرَادَهُ ، قال : فَمَا يُذْهِبُ هَذَا البَلاَءَ عَنِي ؟ قالوا : تَتَجَرَّدَ في ثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ تقول : لَبَّيْكَ اَللَّهُمَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إنَّ اَلْحَمُدَ ، وَاَلْنَّعْمَةَ لَكَ وَاَلْمُلْكُ ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ، ثُمَّ تَدْخُلَ فَتَطُوفَ ، فَلاَ تُهيِّج أحَدًا مِنْ أهْلِهِ ، قَالَ : فَإنْ أنَا أجْمَعْتُ عَلَى هَذَا ذَهَبَتْ عَنِي الرِّيحُ وَذَهَبَ عَنِي العَذَابَ ؟ قالوا : نَعَمْ ، قالـوا : فَتَجَرَدَ لله تعالى ، ثُمَّ لَبَى ، فأدْبَرَت الرِّيحُ كَقِطَعِ اللَّيل اَلْمُظْلِمِ 0 ( رواه الحاكم )

ومن أسماء مَكَةْ اَلْمُكَرَّمَةِ : اَلْحَاطِمَـةُ ، لأنَّها تُحَطِّم كل من أرادها بسوء أو استخف بِهَا0


الرّّحَمَاتُ تَتَنَزَّلُ عَلَى زُوَّارِ البَيْتِ اَلْحَرَام
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " يَنْزِلُ عَلَى هَذَا اَلْبَيْتَ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَة وَعِشْرُونَ رَحْمَةً : سِتُونَ لِلْطَائِفِينَ ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلْينَ ، وعِشْرُونَ لِلنَّاظرين "0 ( رواه الطبراني )
قال العلماء : يُسْتَحَبُ لمن جلس في المسجد الحرام أن يكون وجهه إلى الكعبة ينظر إليها إيمانًا واحتسابًا ، فإن النظر إليها عبادة،كما قال عطاء: النَّظَرُ إلى البَيْتِ عِبَادَةٌ 0
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النَّظَرُ إلى الكعبة مَحْضُ الإيمان 0
وقال بعض الحكماء : رؤية البيت تُشَوُّق إلى ربِّ البيت 0


الأمْنُ والأمَانُ لِزَائِرِ اَلْرَّحْمَن
قال تعالى : ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيَِّاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِـجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ ( 97 ـ آل عمران )
نقل المفسرون عن يحيى بن جَعْدَة في قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ قال : آمِناً مِنَ النَّار0
وقال جعفر الصادق : مَنْ دَخَلَهُ عَلَى الصَّفَاءِ كَمَا دَخَلَهُ الأنْبِيَاءُ والأوْلِيَاءُ كَانَ آمِناً مِنْ عَذَابِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى0
وقال آخرون : مَنْ دَخَلَهُ لِلنُّسُك تَقَرُباً إلى الله تعالى كَانَ آمِنًا مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ 0
وقالوا : إنَّمَا يَكُونُ آمِناً مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهُ لِقَضَاءِ النُّسُك، مُعَظِّماً لَهُ، عَارِفًا بِحَقِهِ، مُتَقَرْباً إلى الله تعالى 0



أمُّ الرُّحَمِ
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنِّ الرَّحْمَةَ شَجْنَةٌ آخذة بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، تَصِلُ مَنْ وَصَلَهَا، وتَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا، الرَّحْمُ شَجْنَةُ الرَّحْمَنِ أصْلُهَا في البَيْتِ العَتِيقِ فإذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ ذَهَبَتْ حَتَى تناول بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ فتقول : هذا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ ، فَيَقُولُ مِمَّاذَا ؟ وهو أعْلَمُ فتقول : مِنَ القَطِيعَةِ ، إنَّ الرَّحْمَ شَجِنَةُ آخذة بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ تَصِلُ من وصَلَهَا وتَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا" 0

دلُّ الحديث الشريف على أن الكعبة المشرَّفة موطن الرَّحمة، فلا عجب أن تتزل رحمة الله تعالى على زُوَّارِها من الطَّائِفِينَ والمُصَلِّينِ، بل وحتى النَّاظرين إلى الكعبة المُشَرِّفَةِ تغمرهم الرَّحمة، فكلّ زُوَّارها بإذن الله تعالى مَرْحُومِينَ 0
وأم الرُّحْم ِ: اسم من أسماء مَكَّةِ المُكَرَّمَةِ0
وأمُّ الرُّحَمِ تعني : أصْلُ الرَّحْمَةِ، وتُسمى مكَّة أيضاً : رُحْمَى0
أمُّ اَلْقُرَىَ
قال تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ ( 92 ـ الأنعام )
قُرَى جَمْعُ: قرية، قال اِبن عبَّاس رضي الله عنهما : أمّ الْقُرَى أي: مَكَّة، ومن حولها أي: الأرض كُلّهَا0
وعن السُّدِّيّ قال: أمّ الْقُرَى: مَكَّة، وَإنَّمَا سُمِّيَتْ أمّ الْقُرَى، لأنَّ أوَّل بَيْت وُضِعَ بِهَا0
وقيل سُميت أمُّ القُرَى: لأنَّها قِبْلَةُ أهل الدنيا من المسلمين، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقُرى تابعة لها، فأمُّ كل شيء: أصله وما يجتمع إليه غيره0
وقيل سُميت بأمِّ القُرَى لأن: الحَجَّ من أصول عبادات أهل الإسلام، وهو إنما يحصل في هذه البلدة فقط من الدنيا، فلهذا يجتمع المسلمون إليها في الموسم كما يجتمع الأولاد إلى أمهم راجين حنانها وبركتها0

الْبَلَدُ اَلأمِينِ
قال تعالى: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ﴾ ( 0 3 ـ التين )
قال العلماء ﴿ الْبَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي: مَكَّة، سَمَّاهُ أمِينًا، لأنَّهُ آمِن0
وأمانة هذا البلد الحرام هو أن يُحْفَظَ من دخله كما يَحْفَظَ الأمين ما يؤتمن عليه0
بَكَةَ
قال تعالى: ﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتِ وُضِعَ لِلْنَاسِ لَلذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وهدىً للعالمين ﴾ ( 96- آل عمران )
قال العلماء : البَكُّ هو: دَقُ العُنق ، وسُميت مكة بذلك لأنَّها : كانت تَدُقُّ رِِقَابَ الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم ، قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : لَمْ يَقْصُدُهَا جَبَّارٌ قَطُّ بِسُوءٍ إلا وَقَصَهُ الله عزَّ وجلَّ 0
فمكة المُكرمة حَمَاها الله من كل جبَّار أرادها بسوء0


مَكَّةَ ‏وَطَيْبَةَ حَمَاهُمَا الله تعالى مِنْ فِتْنَةِ اَلْدَّجَالِ

عَنْ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ‏‏أخْتَ ‏الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ‏وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الأوَلِ أنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ...إِنِّي أنَا ‏ ‏الْمَسِيحُ ‏ ‏وَإِنِّي أوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأخْرُجَ، فَأسِيرَ فِي الأرْضِ، فَلا أدَعَ قَرْيَةً إِلاَّ هَبَطْتُهَا فِي أرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ ‏مَكَّةَ ‏وَطَيْبَةَ ‏فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أرَدْتُ أنْ أدْخُلَ وَاحِدَةً أوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ ‏صَلْتًا ‏يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ ‏‏مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا" 0 ( رواه مسلم )
" ‏صَلْتًا " أيْ مَسْلُولاً0



انتبه ! تَتَضَاعَفُ اَلْذُّنُوبُ وَاَلآثَامُ في مَكَّةَ اَلْمُكَرَّمَةِ

فِعْلُ الصَّغيرة في الحَرَمِ أشَدُّ مِنْ فِعْلِ الكَبِيرَةِ في غَيْرِهِ
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري : أخرج الثوري في تفسيره عن السُّدي عن مُرَّة عن ابن مسعود رضي الله عنه قـال : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهِمُّ بِسَيِئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ، إلاَّ أنَّ رَجْلاً لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أبْيَنَ أنَّ يَقْتُلَ رَجْلاً بالبَيْتِ الحَرَام إلاَّ أذَاقَهُ الله مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ 0
ثم قال ابن حجر مُعلقاً : ظاهر سياق الحديث أن فِعَلَ الصغيرة في الحرَّم أشدّ مِنْ فِعْلِ الكبيرة في غيره 0
وسُئل الإمام أحمد : هل تُكْتَبُ السَّيئة أكثر من واحدة ؟ قال : لا ، إلا بمكة، لتعظيم البلد 0

تَتَضَاعَفُ الذُّنُوبُ والمَعَاصِي في البَلَدِ الحَرَام
قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذُقْـهِ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ ﴾ ( 25 ـ الحجّ )
قال القرطبي: المعاصي تُضاعف بمكة كما تُضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام، وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المكان توعد الله تعالى على نية السَّيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يُحاسب عليها إلا في مَكَّةَ 0
الإلْحَادُ بِظُلْمٍ بِمَكَةَ عَام في جَمِيعِ المَعَاصِي
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذُقْهِ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ ﴾ (25- الحجّ )
نقل شيخ المفسرين الطبري عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين : أنه مَعْنِيّ بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله ؛ وذلك أن الله تعالى عمّ بقوله : ﴿ ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا نقل ، فهو على عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : ومن يُرِدْ في المسجد الحرام بأن يميل بظلم ، فَيُعْصَي الله فيه ، نُذِقْهُ يوم القيامة من عذاب موجع له 0
وقال الفخر الرازي : الإلحاد بظلم عام في جميع المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أمْ كبر يكون هناك ـ يعني في مكة ـ أعظم منه في سائر البقاع ، فالواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السَّداد والعدل في جميع ما يَهِمّ به ويقصده 0







فضائل المدينة المنورة
والمسجد النبوي الشريف


اَلتَّرْغِيبُ فِي سُكْنَى ‏ ‏اَلْمَدِينَةِ

اَلْصَّبْرِ عَلَى ‏ ‏لأوَائِهَا
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏: " ‏لا يَصْبِرُ عَلَى لأوَاءِ ‏‏الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أحَدٌ مِنْ أمَّتِي إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أوْ شَهِيدًا " 0 ( رواه مسلم )
‏اللأواء أي: الشِّدة وضيق العيش وسوء الحال0
قال العلماء : في هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل سُكْنَى المدينة ، والصبر على شدائدها ، وأنَّ هذا الفضل باق مستمر إلى يوم القيامة0

لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ
‏‏‏عَنْ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏‏عَنْ ‏أبِيهِ ‏‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ: " ‏لاَ يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ"0 ( رواه مالك )
قال العلماء: " رَغْبَةً عَنْهَا" أي رَغْبَةً عن ثَوَابِ السَّاكِنِ فيها، وأمَّا من خرج لضَرُورَة أو سبب يدعوه فليس مِمَّنْ يَخْرُجُ رَغْبَةً عنها، وكذا من كان مُسْتَوْطِنًا غيرها فَقَدِمَ عليها طَالِبًا لِلْقُرْبَةِ بِإِتْيَانِهَا أو مُسَافِرًا فخرج عنها راجعا إلَى وَطَنِهِ أو غيره من أسْفَارِهِ فليس بِخارج منها رَغْبَةً عنها 0
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم " إِلاَّ ‏أخْلَفَ ‏اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ " يُحْتَمَلُ أن يُرِيدَ بِهِ أبْدَلَهَا اللَّهُ مُسْتَوْطِنًا بِهَا خَيْرًا مِنْهُ، إمَّا بِمُنْتَقِلٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا أو مَوْلُودٍ يُولَدُ فِيهَا0
‏ هنيئاُ لأهْلِ اَلْمَدِينَة شَفَاعَةُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏أبِي سَعِيدٍ ‏‏مَوْلَى ‏‏الْمَهْرِيِّ ‏أنَّهُ ‏جَاءَ ‏أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏لَيَالِي ‏الْحَرَّةِ‏ ‏فَاسْتَشَارَهُ فِي ‏الْجَلاءِ‏ ‏مِنْ‏ ‏الْمَدِينَةِ‏ ‏وَشَكَا إلَيْهِ أسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ وَأخْبَرَهُ أنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏وَلأوَائِهَا ، ‏فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ لا آمُرُكَ بِذَلِكَ ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏يَقُولُ : " لا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى ‏لأوَائِهَا ‏فَيَمُوتَ إلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا"0 ( رواه مسلم )
" لأوَائِهَا " أي : شدة العيش وقلِّة الرزق 0

التَّرْغِيبِ فِي التَّمَسُكِ بسُكْنَى ‏الْمَدِينَةِ ‏عِنْدَ فَتْحِ البِلاَدِ وَزِيَادةِ اَلْخَيْرَاتِ
‏عَنْ ‏‏سُفْيَانَ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ رضي الله عنه‏ ‏قَالَ ‏: ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ : " ‏‏ يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأتِي قَوْمٌ ‏‏يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ ،‏‏ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، ثُمَّ يُفْتَحُ ‏ ‏الشَّامُ فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ ،‏‏ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ ‏فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ‏‏ وَالْمَدِينَةُ ‏‏ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" 0 ( رواه مسلم )
الْبَسُّ في لغة العرب : سَوق الإبِل، ويَبُسُّونَ أي: يَسُوقُونَ، والمعنى: يُزَيِّنُونَ لِلْنَّاسِ البِلاد وَيُحَبِّبُونَهَا إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيل إِلَيْهَا0
‏" وَالْمَدِينَةُ ‏‏ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" أي : أن ما يفوتَهم من أجر وثواب الآخرة بالانتقال عنها أعظم وأفضل مما ينالونه من سَعَةِ العيش في الدنيا 0
حَثٌّ عَلَى لُزُومِ الإقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ المُنَّوَرَةِ حَتَى اَلْمَمَاتِ
عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏" ‏مَنْ اسْتَطَاعَ أنْ يَمُوتَ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏‏فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا "0 ( رواه الترمذي )
‏" يَمُوتَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ " ‏أيْ: يُقِيمَ بِهَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ 0
" فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" ‏أي أخُصُّهُ بِشَفَاعَتِي ، وهي غيرِ الشَّفاعة العامَّة، وفي هذا زيَادَةً فِي إكْرَامِ ساكني المدينة المُنَّورة0
قال العلماء : في الحديث الشريف أمْرٌ بِلُزُوم المدينة المنورة وَالإقامة بِهَا بِحَيْثُ لا يُفَارِقُهَا فيكون ذلك سَبَبًا لأن يَمُوتَ فِيهَا0
فائدة: قال العلماء: يتعين على كلِّ مسلم مَحَبَةُ أهل المدينة وجيرانِها وتعظيمهم سِيَّمَا العلماء والشًّرفاء وخَدَمَةِ الحُجْرَةِ والمسجد النَّبَوي الشريف، فإنه قد ثبت لهم حق الجِوَارِ0

هَنِيئًا لِمَنْ مَاتَ في جِوَارِ اَلْحَبِيبِ مُحَمَدٍ صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَمُوتَ ‏‏بِالْمَدِينَةِ ‏‏فَلْيَفْعَلْ فَإِنِّي أشْهَدُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا "0 ( رواه ابن ماجه )
فَضْلُ اَلْمَسْجِدِ اَلْنَّبَويِّ اَلْشَّرِيفِ

ِمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ؟ قَالَ: فَأخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ قَالَ : " هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ "0 ( رواه مسلم )
(أيُّ الْمَسْجِدَيْنِ ) يعني: مسجد المدينة أمْ مسجد قِبَاء 0
الحَصْباء هو: الحصى الصِّغَار، وأخْذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْبَاء وَضَرْبه فِي الأرْض المراد منه المبالغة فِي الإِيضَاح والتأكيد على أنه مَسْجِدُ الْمَدِينَة0
عَنْوَنَ الإمام مسلم في صحيحه فقال: بَاب بَيَانِ أنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ0

أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: تَمَارَى رَجُلانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُوَ مَسْجِدِي هَذَا "0 ( رواه الترمذي )
تَمَارَى: الامْتِرَاءُ الْمُجَادَلَةُ، والمعنى أنَّهما تَنَازَعَا واختلفا0
صَلاَةٌ بِألْفِ صَلاَةٍ
‏‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : عن النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ : " ‏صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ‏ ‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ "0 (رواه مسلم )

الصَّلاَةُ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْنَبَوِيِ اَلْشَرِيِفِ أفْضَلُ بِأرْبَعِ مَرْاتٍ
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ أفْضَلُ أو في مَسْجِدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : " صَلاَةٌ فِيِ مَسْجِدِيِ هَذَا ، أفْضَلُ مِنْ أرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيِهِ ، ولَنِعْمَ المُصلَّى ، هُوَ أرْضُ اَلْمَحْشَرِ وَاَلْمَنْشَرِ ، وَلَيَأتَيَنَ عَلَى النَّاسُ زمان ولَقيدُ سُوطِ، أو قال : قَوْسِ الرَّجُلِ حَيْثَ يَرَىَ مِنْهُ بَيْتُ اَلْمَقْدِسِ ؛ خَيْرٌ لَهُ أو أحَبُّ إليه مِنَ الدُّنْياَ جَمِيعاً "0 ( رواه البيهقي )
" ولَنِعْمَ المُصلَّى000ألخ" أي: المسَّجِدِ الأقْصَى المُبارك 0

آخِرُ الأنْبِيَاءِ وآخِرُ اَلْمَسَاجِدِ
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏ ‏فَإِنِّي آخِرُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ مَسْجِدِي آخِرُ المَسَاجِدِ "0 ( رواه مسلم )
هَنيئًا لَهُمُ اَلأجْرَ وَاَلْثَّوَابَ إلى يَوْمِ اَلْدِّين
‏عن ‏ ‏أنس ‏رضي اللَّهُ عنه ‏‏قال: ‏أمَرَ النَّبِيُّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "‏ ‏يَا ‏بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي ‏‏بِحَائِطِكُمْ ‏‏هَذَا " قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ0 ( رواه البخاري ) وفي رواية عند ابن ماجه : قَالُوا: لا نَأخُذُ لَهُ ثَمَنًا أبَدًا 0
‏" ثَامِنُونِي " أيْ قَدِّروا ثَمَنَهُ 0
" بِحَائِطِكُمْ " الْحَائِط هو: الْبُسْتَان إِذَا كَانَ مُحَاطًا بسور 0
( لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّه ) المعنى: لا نَطْلُب ثَمَن الدُّنيا بَلْ نَتَبَرَّع بِهِ وَنَطْلُب الثَّمن مِنْ اللَّه تَعَالَى، ذلك أن أجْرَ وثواب الآخرة دائم لا ينقطع، والثَّمَن أيْ: الأجْر 0


اَلْرَّوْضَةُ اَلْشَّرِيِفَةُ

رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ
‏عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ الْمَازِنيِّ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ‏‏قال: "‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"0 ( رواه مسلم )
قال العلماء المعنى: من لَزِمَ طاعة الله تعالى في هذه البقعة، آلت به الطَّاعة إلى رَوْضَةٍ من رِيَاضِ الجَنَّةِ0
‏والمراد بـ " بَيْتِي " هو بيت السيدة عائشة رضي الله عنها الذي صار فيه قَبْرهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ0

اَلْمِنْبَرُ عَلَى اَلْحَوْضِ
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ : "‏‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي "0 (رواه مسلم )
قال العلماء معناه : أنَّ قَصْدَ مِنْبَرِه صلى الله عليه وسلم والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يُورِدُ صاحبه الحوض ويَقُتَضِي شَرْبه منه 0

تُرْعَةٍ ‏‏مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ: ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ‏‏مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ ‏‏مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ" 0 ( رواه أحمد ) ، التُرْعَةٍ: الرَّوضة0
قال العلماء المعنى: أن التَّعبَدَ عند اَلْمِنْبَر يُورِثُ الجنَّة، فكأنه قطعة منها0
اَلْشَّوْقُ وَاَلْحَنِينُ إلَىَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلَّم

حَنيِنُ اَلْجِذْعِ
‏عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: كَانَ النَّبِيُّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ،‏ فَحَنَّ الْجِذْع،ُ فَأتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ0 ( رواه البخاري )
الجِذْعُ هو: سَاقُ النَّخلة0
والجِذْعُ المقصود هنا: هو الذي كان يَسْتَنِدُ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يَخْطُبُ في المسجد النبوي الشريف، ذلك أنه عندما بُني المسجد النبوي الشَّريف لم يكن فيه جِذْعٌ ولا مِنْبَرٌ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام، فأُتي لَهُ صلى الله عليه وسلم بِجِذْعِ نخلة، فَحُفِرَ له وأقيم إلى جانب المكان الذي يخطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان إذا خطب استند إلى الجِذْعِ واتَّكَأ عليه0
( فَحَنَّ الْجِذْع ) الْحَنِين هُوَ صَوْت كَالأنِينِ يَكُون عِنْد الشَّوْق وَتَوَقَان النَّفْس لِمَنْ يَهْوَاهُ إِذَا فَارَقَهُ0
قال الإمام الشَّافِعِيّ: مَا أعْطَى اللَّه نَبِيًّا مَا أعْطَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أعْطَى عِيسَى عليه السَّلام إِحْيَاء الْمَوْتَى، قَالَ: أعْطَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم حَنِين الْجِذْع حَتَّى سُمِعَ صَوْته، فَهَذَا أكْبَر مِنْ ذَلِكَ0
‏يَا مُسْلِم أنْتَ أحَقُّ بِاَلْشَّوْقِ وَأوْلَى بِاَلْحَنِينِ
عن ‏‏أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏كان يَخْطُبُ إلى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ ذَهَبَ إلى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ، فَسَكَنَ فَقَالَ: " لَوْ لَمْ أحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" 0 ( رواه ابن ماجه )
وكَانَ الْحَسَن يَقُول: يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ الْخَشَبَة تَحِنّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ، فَأنْتُمْ أحَقّ أنْ تَشْتَاقُوا إلَيْهِ0



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:50 pm

قِبْلَةُ اَلْمُسْلِمِينَ
‏ قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ ( 144 ـ البقرة )
قال العلماء: ﴿ فَوَلِّ ﴾ صيغة أمْر ﴿ شَطْر ﴾ أيْ: نَاحِيَة ﴿ الْمَسْجِد الْحَرَام ﴾ أي: الْكَعْبَة، وعن قَتَادَة قال: كان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي نحو بَيْت المَقْدِس، يَهْوَى وَيَشْتَهِي الْقِبْلَة نَحْو الْبَيْت الْحَرَام، فَوَجَّهَهُ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِقِبْلَةِ كَانَ يَهْوَاهَا وَيَشْتَهِيهَا0
وقيل كان يَهْوَى صلى الله عليه وسلم القِبْلَةَ نحو الكعبة المشرفة ِمن أجْلِ أنَّها كانت قِبْلَة أبيهِ إبراهِيم عليهِ السَّلام 0

قِبْلَةُ اَلْمُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ والأمْوَاتِ
عن‏ ‏عبيد بن عمير ‏‏عن ‏أبيه ‏‏أنه حدَّثه ‏‏وكانت له صحبة ‏‏أنَّ ‏رجلا قال: يارسول الله ما الكبائر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "‏ الكَبَائِرُ تِسْعٌ أعْظِمِهُنَّ الإشْرَاكَ بالله ، وَقَتْلَ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقٍ ، وَأكْلَ الرِّبَا ، وَأكْلَ مَالَ اليَتِيمِ ، وَقَذْفَ المُحْصِنَةِ، والفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ، واسْتِحْلاَلِ البَيْتَ الحَرَامِ : قِبْلَتَكُمْ أحْيَاءً وأمْوَاتًا " 0 ( رواه أبو داود )
" قبلتكم أحياء وأمواتا " : فيه أن الميت يوضع في قبره على شقه الأيمن مُسْتَقْبِلَ القبلة، كما أنه في حال حياته يَسْتَقْبِلَ القبلة عندما يريد أن يصلي، فاستقبال القبلة عَلاَمَةُ الإيمان وشِعَارُ الإسلام في الحياة وفي الممات 0
فَضْلُ اَلْصَّلاَةِ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام

مِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ
عن جابِرٍ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قال: " ‏صَلاةٌ فِي ‏‏مَسْجِدِي ‏أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ ‏‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، ‏وَصَلاةٌ فِي ‏‏الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ‏أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ"0 ( رواه ابن ماجه )

مِائَةِ ألْفِ وألَفِ وخَمْسُمِائَة
عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فَضْلُ الصَّلاة في المسجد الحرام على غيره مِائَةِ ألْفِ صلاة، و في مسجدي ألَفِ صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خَمْسُمِائَة صلاة " 0 ( رواه البيهقي )

‏مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ
‏عن مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ أنَّهَا قالت:‏ ‏إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ: "‏ ‏صَلاةٌ فِيهِ أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ ‏ ‏مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ"0 ( رواه مسلم )
" صَلاةٌ فِيهِ " أي: مسجد المدينة0
‏ ألْفِ × مِائَةِ = مِائَةِ ألْفِ
عن عبد اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه ‏قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "‏‏ صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي ‏هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلاَّ‏ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام أفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا "0 ( رواه أحمد )

غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ
‏عَنْ ‏ ‏عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ‏أنَّهُمْ غَزَوْا ‏‏غَزْوَةَ السُّلاسِلِ ‏‏فَفَاتَهُمْ الْغَزْوُ فَرَابَطُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى ‏‏مُعَاوِيَةَ ‏‏وَعِنْدَهُ ‏أبُو أيُّوبَ ‏‏وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ‏فَقَالَ ‏عَاصِمٌ: ‏يَا ‏أبَا أيُّوبَك: ‏فَاتَنَا الْغَزْوُ العَامَ وَقَدْ أُخْبِرْنَا أنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي المَسَاجِدِ الأرْبَعَةِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ، فَقَالَ يَا ابْنَ أخِي أدُلُّكَ عَلَى أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏يَقُولُ: " ‏مَنْ تَوَضَّأ كَمَا أُمِر،َ وَصَلَّى كَمَا أُمِر،َ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ"0 ( رواه النسائي )
المَسَاجِدِ الأرْبَعَةِ هي:مَسْجِدُ الكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَالْمَسْجِدَ الأقْصَى،‏‏ وَمَسْجِدُ الطُّورَ0
تَعْظِيمُ بَيْتِ الله اَلْحَرَام

لاَ تَزالُ بِخَيْرٍ ما عَظّمْتَ اَلْكَعْبَةَ اَلْمُشَرَّفَةِ

عن عَياش بن أبي ربيعة المخزومي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ هذه الأمُّة لاَ تَزَالُ بِخَيْرٍ ما عَظَّمُوا هذه الحُرْمَة - يعني الكعبة - حَقَّ تعظيمها ، فإذا ضيعوا ذلك هَلَكُوا " 0
‏قال العلماء : ‏من تعظيمها أن لا يُعصى الله تعالى عندها 0


اِنْتَبِهْ لِحُرْمَةِ اَلْبِيْتِ اَلْحَرَام
عن ابن عباس رضي الله عنهما قـال : لَوْ وَجَـدْتُ قَاتِـلَ أبِي في الحَـرَمِ مَاَ عَرَضُتُ لَهُ 0
ما عَرَضُتُ له أي : ما قاتلته أو اقتصصت منه ، فابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يُعَلِّمُكَ أيها المسلم مدى قُدْسِية وحُرمة البيت الحرام ، فما بالك أيها الحاجّ أو المعتمر بالذي لم يقتل أباك إنَّما زاحمك وضايقك بعض الشيء فهل ترد له الإساءة بالإساءة أم تصبر وتحتسب حُرْمَةً لمكة المكرمة وتعظيما لشعائر الله تعالى 0



اَلْحِجْرُ مِنَ اَلْبَيْتِ
‏‏عَنْ ‏‏عَائِشَةَ رضي الله عنها‏ ‏قَالَتْ‏ : كُنْتُ أحِبُّ أنْ أدْخُلَ ‏‏الْبَيْتَ ‏‏فَأصَلِّيَ فِيهِ ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَأدْخَلَنِي ‏‏الْحِجْرَ‏‏ فَقَالَ : " ‏‏صَلِّي فِي‏‏ الْحِجْرِ إنْ أرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ ‏فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ ‏‏الْبَيْتِ‏ ، ‏وَلَكِنَّ قَوْمَكِ ‏ ‏اسْتَقْصَرُوهُ ‏ ‏حِينَ بَنَوْا ‏ ‏الْكَعْبَةَ ‏‏فَأخْرَجُوهُ مِنْ ‏ ‏الْبَيْتِ " 0 ( رواه الترمذي )
ِ" اسْتَقْصَرُوهُ " أي : قَصَّرُوا عَنْ تَمَامِ بِنَاءِه لِقِلْةِ النَّفَقَةُ 0
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اَلْحِجْرُ من البيت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَافَ بالبيت من ورائه قال الله تعالى ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ 0


حُرْمَةُ اَلْكَعْبَةِ وَحُرْمَةُ اَلْمُؤْمِن
لِلْكَعْبَةِ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَللْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ حُرُماَتٍ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لمَاَ نَظَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال : " مَرْحَباً بِكَ مِنْ بَيْتٍ ، ما أعْظَمَكَ ، وأعْظَمَ حُرْمَتَكَ ، ولَلْمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً عند الله مِنْكِ ، إنَّ الله حَرَّمَ مِنْكِ وَاحِدَةً ، وحَرَّمَ مِنَ المؤمِنِ ثَلاَثاً : دَمُهُ ، ومَالهُ ، وأن يُظَنَّ به ظَنَّ السَّوء " 0 ( رواه البيهقي )

حُرْمَةُ اَلْمُؤْمِنِ أعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ اَلْكَعْبَةِ
عن عبد الله بن عمر ‏رضي الله عنهما ‏قال : رأيت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏يطوف‏ ‏بالكعبة‏ ‏ويقول ‏: " ‏ما أطْيَبَكَ وأطْيَبَ رِيحَكِ ، ما أعْظَمَكِ وأعْظَمَ حُرْمَتكِ ، والذي نَفْسُ مُحَمْدٍ ‏بيده لَحُرْمَـةُ المؤمن أعْظَمُ عِنْدَ الله حُرْمَةً مِنْكِ ، مَالُهُ ، ودَمُهُ ، وأنْ نَظُنَّ به إلا خَيْراً " 0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء : حُرْمةَ الكعبة المُشرفة إنَّما هي للمؤمن ، فلا حُرْمة أعظم من حُرْمة المؤمن 0


اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ

خَيْرُ ما تُسَافِرُ إليه اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ
عن ‏جابر بن عبد الله رضي الله عنه : عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏أنه قال : "‏ ‏إنَّ خَيْرَ ما رُكِبَتْ إليه‏‏ الرَّواحِلُ ‏‏: مَسْجِدِي‏ ‏هَذَا ‏، ‏والبَيْتِ العَتِيقِ "0 ( رواه أحمد )
قال العلماء: سُمي بالبيت العتيق لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة، فلم يُرِدْهُ أحدٌ بسوءٍ إلا هَلَكَ 0

‏نُورٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ
عن ‏أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‏‏قال: مَنْ قَرَأ سُورَةَ ‏ ‏الكَهْفِ ‏لَيْلَة الجُمْعَةِ أضَاءَ لَهُ مِنَ النِّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ‏‏البَيْتِ العَتِيقِ 0 ( رواه الدارمي )
قيل سُمي: عَتِيقًا: لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يَعْتِقُ فيه رقاب المذنبين من النَّار 0
لَمْ يَنَلْهُ جَبَّارٌ قَطُّ
عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال‏ :‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ : " ‏إنَّما سُمِيَ البَيْتُ العَتِيـق لأنَّهُ أعْتِقَ مِنَ الجَبَابِرَةِ ، فَلَمْ يَنَلْهُ جَبَّارٌ قَطُّ ، أو لم يَقْدِر عليه جَبَّارٌ‏"0 ( رواه البزار ) ‏
قال العلماء: سُمي عَتِيقًا لأنَّ اللَّه أعْتَقَهُ من أن يَتَسَلَّط عليهِ جَبَّار بِالْهَوَانِ إلى اِنْقِضَاء الزَّمَان 0
والعَتِيق في لغة العرب صِفة مَدْح تَقْتَضِي جَوْدَة الشَّيء ونَفَاسَتَهُ، كما في الحديث ‏أنَّ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ‏قَال : حَمَلْتُ ‏عَلَى فَرَسٍ ‏‏عَتِيقٍ ‏فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، والفرس العَتِيق هو : الفَرَس النَّفِيس الجَوَاد السَّابِق 0


مَنْ أرَادَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ بِسُوءٍ قَصَمَهُ الله تعالى
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقْبَلَ تُبَّعٌ يُرِيدُ اَلْكَعْبَةَ، حَتَى إذَا كَانَ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ، بَعَثَ الله تعالى عليه رِيِحًا لاَ يَكَادُ القَائِمُ مِنْهَا يَقُومُ ، فَإذَا قَامَ سَقَطَ وَصُرِعَ ، فَقَعَدَ ، وَلَقُوا مِنْهَا عَناَءً عَظيِمًا ، فَدَعَا تُبَّعٌ أحْبَارَهُ وقَالَ لَهُمُ : مَا هَذَا الذي بُعِثَ عليَّ ؟! قالوا : تُؤَمِّنُنَا ؟ قال : أُؤَمِّنُكُم ، أنْتُمُ آمِنُونَ ، قالوا له : فَإنَّكَ تُريدُ بَيتًا مَنَعَهُ الله تعالى مِمَّنْ أرَادَهُ ، قال : فَمَا يُذْهِبُ هَذَا البَلاَءَ عَنِي ؟ قالوا : تَتَجَرَّدَ في ثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ تقول : لَبَّيْكَ اَللَّهُمَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إنَّ اَلْحَمُدَ ، وَاَلْنَّعْمَةَ لَكَ وَاَلْمُلْكُ ، لاَ شَرِيكَ لَكَ ، ثُمَّ تَدْخُلَ فَتَطُوفَ ، فَلاَ تُهيِّج أحَدًا مِنْ أهْلِهِ ، قَالَ : فَإنْ أنَا أجْمَعْتُ عَلَى هَذَا ذَهَبَتْ عَنِي الرِّيحُ وَذَهَبَ عَنِي العَذَابَ ؟ قالوا : نَعَمْ ، قالـوا : فَتَجَرَدَ لله تعالى ، ثُمَّ لَبَى ، فأدْبَرَت الرِّيحُ كَقِطَعِ اللَّيل اَلْمُظْلِمِ 0 ( رواه الحاكم )

ومن أسماء مَكَةْ اَلْمُكَرَّمَةِ : اَلْحَاطِمَـةُ ، لأنَّها تُحَطِّم كل من أرادها بسوء أو استخف بِهَا0


الرّّحَمَاتُ تَتَنَزَّلُ عَلَى زُوَّارِ البَيْتِ اَلْحَرَام
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : " يَنْزِلُ عَلَى هَذَا اَلْبَيْتَ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَة وَعِشْرُونَ رَحْمَةً : سِتُونَ لِلْطَائِفِينَ ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلْينَ ، وعِشْرُونَ لِلنَّاظرين "0 ( رواه الطبراني )
قال العلماء : يُسْتَحَبُ لمن جلس في المسجد الحرام أن يكون وجهه إلى الكعبة ينظر إليها إيمانًا واحتسابًا ، فإن النظر إليها عبادة،كما قال عطاء: النَّظَرُ إلى البَيْتِ عِبَادَةٌ 0
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: النَّظَرُ إلى الكعبة مَحْضُ الإيمان 0
وقال بعض الحكماء : رؤية البيت تُشَوُّق إلى ربِّ البيت 0


الأمْنُ والأمَانُ لِزَائِرِ اَلْرَّحْمَن
قال تعالى : ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيَِّاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِـجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ ( 97 ـ آل عمران )
نقل المفسرون عن يحيى بن جَعْدَة في قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ قال : آمِناً مِنَ النَّار0
وقال جعفر الصادق : مَنْ دَخَلَهُ عَلَى الصَّفَاءِ كَمَا دَخَلَهُ الأنْبِيَاءُ والأوْلِيَاءُ كَانَ آمِناً مِنْ عَذَابِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى0
وقال آخرون : مَنْ دَخَلَهُ لِلنُّسُك تَقَرُباً إلى الله تعالى كَانَ آمِنًا مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ 0
وقالوا : إنَّمَا يَكُونُ آمِناً مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهُ لِقَضَاءِ النُّسُك، مُعَظِّماً لَهُ، عَارِفًا بِحَقِهِ، مُتَقَرْباً إلى الله تعالى 0



أمُّ الرُّحَمِ
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنِّ الرَّحْمَةَ شَجْنَةٌ آخذة بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، تَصِلُ مَنْ وَصَلَهَا، وتَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا، الرَّحْمُ شَجْنَةُ الرَّحْمَنِ أصْلُهَا في البَيْتِ العَتِيقِ فإذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ ذَهَبَتْ حَتَى تناول بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ فتقول : هذا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ ، فَيَقُولُ مِمَّاذَا ؟ وهو أعْلَمُ فتقول : مِنَ القَطِيعَةِ ، إنَّ الرَّحْمَ شَجِنَةُ آخذة بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ تَصِلُ من وصَلَهَا وتَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا" 0

دلُّ الحديث الشريف على أن الكعبة المشرَّفة موطن الرَّحمة، فلا عجب أن تتزل رحمة الله تعالى على زُوَّارِها من الطَّائِفِينَ والمُصَلِّينِ، بل وحتى النَّاظرين إلى الكعبة المُشَرِّفَةِ تغمرهم الرَّحمة، فكلّ زُوَّارها بإذن الله تعالى مَرْحُومِينَ 0
وأم الرُّحْم ِ: اسم من أسماء مَكَّةِ المُكَرَّمَةِ0
وأمُّ الرُّحَمِ تعني : أصْلُ الرَّحْمَةِ، وتُسمى مكَّة أيضاً : رُحْمَى0
أمُّ اَلْقُرَىَ
قال تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ ( 92 ـ الأنعام )
قُرَى جَمْعُ: قرية، قال اِبن عبَّاس رضي الله عنهما : أمّ الْقُرَى أي: مَكَّة، ومن حولها أي: الأرض كُلّهَا0
وعن السُّدِّيّ قال: أمّ الْقُرَى: مَكَّة، وَإنَّمَا سُمِّيَتْ أمّ الْقُرَى، لأنَّ أوَّل بَيْت وُضِعَ بِهَا0
وقيل سُميت أمُّ القُرَى: لأنَّها قِبْلَةُ أهل الدنيا من المسلمين، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقُرى تابعة لها، فأمُّ كل شيء: أصله وما يجتمع إليه غيره0
وقيل سُميت بأمِّ القُرَى لأن: الحَجَّ من أصول عبادات أهل الإسلام، وهو إنما يحصل في هذه البلدة فقط من الدنيا، فلهذا يجتمع المسلمون إليها في الموسم كما يجتمع الأولاد إلى أمهم راجين حنانها وبركتها0

الْبَلَدُ اَلأمِينِ
قال تعالى: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ﴾ ( 0 3 ـ التين )
قال العلماء ﴿ الْبَلَدِ الأمِينِ ﴾ يَعْنِي: مَكَّة، سَمَّاهُ أمِينًا، لأنَّهُ آمِن0
وأمانة هذا البلد الحرام هو أن يُحْفَظَ من دخله كما يَحْفَظَ الأمين ما يؤتمن عليه0
بَكَةَ
قال تعالى: ﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتِ وُضِعَ لِلْنَاسِ لَلذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وهدىً للعالمين ﴾ ( 96- آل عمران )
قال العلماء : البَكُّ هو: دَقُ العُنق ، وسُميت مكة بذلك لأنَّها : كانت تَدُقُّ رِِقَابَ الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم ، قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه : لَمْ يَقْصُدُهَا جَبَّارٌ قَطُّ بِسُوءٍ إلا وَقَصَهُ الله عزَّ وجلَّ 0
فمكة المُكرمة حَمَاها الله من كل جبَّار أرادها بسوء0


مَكَّةَ ‏وَطَيْبَةَ حَمَاهُمَا الله تعالى مِنْ فِتْنَةِ اَلْدَّجَالِ

عَنْ ‏فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ‏‏أخْتَ ‏الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ‏وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الأوَلِ أنَّ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ...إِنِّي أنَا ‏ ‏الْمَسِيحُ ‏ ‏وَإِنِّي أوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأخْرُجَ، فَأسِيرَ فِي الأرْضِ، فَلا أدَعَ قَرْيَةً إِلاَّ هَبَطْتُهَا فِي أرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ ‏مَكَّةَ ‏وَطَيْبَةَ ‏فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أرَدْتُ أنْ أدْخُلَ وَاحِدَةً أوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ ‏صَلْتًا ‏يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ ‏‏مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا" 0 ( رواه مسلم )
" ‏صَلْتًا " أيْ مَسْلُولاً0



انتبه ! تَتَضَاعَفُ اَلْذُّنُوبُ وَاَلآثَامُ في مَكَّةَ اَلْمُكَرَّمَةِ

فِعْلُ الصَّغيرة في الحَرَمِ أشَدُّ مِنْ فِعْلِ الكَبِيرَةِ في غَيْرِهِ
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري : أخرج الثوري في تفسيره عن السُّدي عن مُرَّة عن ابن مسعود رضي الله عنه قـال : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهِمُّ بِسَيِئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ، إلاَّ أنَّ رَجْلاً لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أبْيَنَ أنَّ يَقْتُلَ رَجْلاً بالبَيْتِ الحَرَام إلاَّ أذَاقَهُ الله مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ 0
ثم قال ابن حجر مُعلقاً : ظاهر سياق الحديث أن فِعَلَ الصغيرة في الحرَّم أشدّ مِنْ فِعْلِ الكبيرة في غيره 0
وسُئل الإمام أحمد : هل تُكْتَبُ السَّيئة أكثر من واحدة ؟ قال : لا ، إلا بمكة، لتعظيم البلد 0

تَتَضَاعَفُ الذُّنُوبُ والمَعَاصِي في البَلَدِ الحَرَام
قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذُقْـهِ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ ﴾ ( 25 ـ الحجّ )
قال القرطبي: المعاصي تُضاعف بمكة كما تُضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام، وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المكان توعد الله تعالى على نية السَّيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يُحاسب عليها إلا في مَكَّةَ 0
الإلْحَادُ بِظُلْمٍ بِمَكَةَ عَام في جَمِيعِ المَعَاصِي
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذُقْهِ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ ﴾ (25- الحجّ )
نقل شيخ المفسرين الطبري عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين : أنه مَعْنِيّ بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله ؛ وذلك أن الله تعالى عمّ بقوله : ﴿ ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا نقل ، فهو على عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : ومن يُرِدْ في المسجد الحرام بأن يميل بظلم ، فَيُعْصَي الله فيه ، نُذِقْهُ يوم القيامة من عذاب موجع له 0
وقال الفخر الرازي : الإلحاد بظلم عام في جميع المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أمْ كبر يكون هناك ـ يعني في مكة ـ أعظم منه في سائر البقاع ، فالواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السَّداد والعدل في جميع ما يَهِمّ به ويقصده 0







فضائل المدينة المنورة
والمسجد النبوي الشريف


اَلتَّرْغِيبُ فِي سُكْنَى ‏ ‏اَلْمَدِينَةِ

اَلْصَّبْرِ عَلَى ‏ ‏لأوَائِهَا
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏: " ‏لا يَصْبِرُ عَلَى لأوَاءِ ‏‏الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أحَدٌ مِنْ أمَّتِي إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أوْ شَهِيدًا " 0 ( رواه مسلم )
‏اللأواء أي: الشِّدة وضيق العيش وسوء الحال0
قال العلماء : في هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل سُكْنَى المدينة ، والصبر على شدائدها ، وأنَّ هذا الفضل باق مستمر إلى يوم القيامة0

لا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ
‏‏‏عَنْ ‏هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ‏‏عَنْ ‏أبِيهِ ‏‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ: " ‏لاَ يَخْرُجُ أحَدٌ مِنْ ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ"0 ( رواه مالك )
قال العلماء: " رَغْبَةً عَنْهَا" أي رَغْبَةً عن ثَوَابِ السَّاكِنِ فيها، وأمَّا من خرج لضَرُورَة أو سبب يدعوه فليس مِمَّنْ يَخْرُجُ رَغْبَةً عنها، وكذا من كان مُسْتَوْطِنًا غيرها فَقَدِمَ عليها طَالِبًا لِلْقُرْبَةِ بِإِتْيَانِهَا أو مُسَافِرًا فخرج عنها راجعا إلَى وَطَنِهِ أو غيره من أسْفَارِهِ فليس بِخارج منها رَغْبَةً عنها 0
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم " إِلاَّ ‏أخْلَفَ ‏اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ " يُحْتَمَلُ أن يُرِيدَ بِهِ أبْدَلَهَا اللَّهُ مُسْتَوْطِنًا بِهَا خَيْرًا مِنْهُ، إمَّا بِمُنْتَقِلٍ يَنْتَقِلُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا أو مَوْلُودٍ يُولَدُ فِيهَا0
‏ هنيئاُ لأهْلِ اَلْمَدِينَة شَفَاعَةُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏أبِي سَعِيدٍ ‏‏مَوْلَى ‏‏الْمَهْرِيِّ ‏أنَّهُ ‏جَاءَ ‏أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏لَيَالِي ‏الْحَرَّةِ‏ ‏فَاسْتَشَارَهُ فِي ‏الْجَلاءِ‏ ‏مِنْ‏ ‏الْمَدِينَةِ‏ ‏وَشَكَا إلَيْهِ أسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ وَأخْبَرَهُ أنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏وَلأوَائِهَا ، ‏فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ لا آمُرُكَ بِذَلِكَ ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏يَقُولُ : " لا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى ‏لأوَائِهَا ‏فَيَمُوتَ إلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا"0 ( رواه مسلم )
" لأوَائِهَا " أي : شدة العيش وقلِّة الرزق 0

التَّرْغِيبِ فِي التَّمَسُكِ بسُكْنَى ‏الْمَدِينَةِ ‏عِنْدَ فَتْحِ البِلاَدِ وَزِيَادةِ اَلْخَيْرَاتِ
‏عَنْ ‏‏سُفْيَانَ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ رضي الله عنه‏ ‏قَالَ ‏: ‏سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ : " ‏‏ يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأتِي قَوْمٌ ‏‏يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ ،‏‏ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، ثُمَّ يُفْتَحُ ‏ ‏الشَّامُ فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ ،‏‏ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ ‏فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ‏‏ وَالْمَدِينَةُ ‏‏ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" 0 ( رواه مسلم )
الْبَسُّ في لغة العرب : سَوق الإبِل، ويَبُسُّونَ أي: يَسُوقُونَ، والمعنى: يُزَيِّنُونَ لِلْنَّاسِ البِلاد وَيُحَبِّبُونَهَا إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيل إِلَيْهَا0
‏" وَالْمَدِينَةُ ‏‏ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" أي : أن ما يفوتَهم من أجر وثواب الآخرة بالانتقال عنها أعظم وأفضل مما ينالونه من سَعَةِ العيش في الدنيا 0
حَثٌّ عَلَى لُزُومِ الإقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ المُنَّوَرَةِ حَتَى اَلْمَمَاتِ
عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ‏" ‏مَنْ اسْتَطَاعَ أنْ يَمُوتَ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏‏فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا "0 ( رواه الترمذي )
‏" يَمُوتَ ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ " ‏أيْ: يُقِيمَ بِهَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ 0
" فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" ‏أي أخُصُّهُ بِشَفَاعَتِي ، وهي غيرِ الشَّفاعة العامَّة، وفي هذا زيَادَةً فِي إكْرَامِ ساكني المدينة المُنَّورة0
قال العلماء : في الحديث الشريف أمْرٌ بِلُزُوم المدينة المنورة وَالإقامة بِهَا بِحَيْثُ لا يُفَارِقُهَا فيكون ذلك سَبَبًا لأن يَمُوتَ فِيهَا0
فائدة: قال العلماء: يتعين على كلِّ مسلم مَحَبَةُ أهل المدينة وجيرانِها وتعظيمهم سِيَّمَا العلماء والشًّرفاء وخَدَمَةِ الحُجْرَةِ والمسجد النَّبَوي الشريف، فإنه قد ثبت لهم حق الجِوَارِ0

هَنِيئًا لِمَنْ مَاتَ في جِوَارِ اَلْحَبِيبِ مُحَمَدٍ صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَمُوتَ ‏‏بِالْمَدِينَةِ ‏‏فَلْيَفْعَلْ فَإِنِّي أشْهَدُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا "0 ( رواه ابن ماجه )
فَضْلُ اَلْمَسْجِدِ اَلْنَّبَويِّ اَلْشَّرِيفِ

ِمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ؟ قَالَ: فَأخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ قَالَ : " هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ "0 ( رواه مسلم )
(أيُّ الْمَسْجِدَيْنِ ) يعني: مسجد المدينة أمْ مسجد قِبَاء 0
الحَصْباء هو: الحصى الصِّغَار، وأخْذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْبَاء وَضَرْبه فِي الأرْض المراد منه المبالغة فِي الإِيضَاح والتأكيد على أنه مَسْجِدُ الْمَدِينَة0
عَنْوَنَ الإمام مسلم في صحيحه فقال: بَاب بَيَانِ أنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ0

أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: تَمَارَى رَجُلانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُوَ مَسْجِدِي هَذَا "0 ( رواه الترمذي )
تَمَارَى: الامْتِرَاءُ الْمُجَادَلَةُ، والمعنى أنَّهما تَنَازَعَا واختلفا0
صَلاَةٌ بِألْفِ صَلاَةٍ
‏‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : عن النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ : " ‏صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ‏ ‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ "0 (رواه مسلم )

الصَّلاَةُ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْنَبَوِيِ اَلْشَرِيِفِ أفْضَلُ بِأرْبَعِ مَرْاتٍ
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاَةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ أفْضَلُ أو في مَسْجِدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : " صَلاَةٌ فِيِ مَسْجِدِيِ هَذَا ، أفْضَلُ مِنْ أرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيِهِ ، ولَنِعْمَ المُصلَّى ، هُوَ أرْضُ اَلْمَحْشَرِ وَاَلْمَنْشَرِ ، وَلَيَأتَيَنَ عَلَى النَّاسُ زمان ولَقيدُ سُوطِ، أو قال : قَوْسِ الرَّجُلِ حَيْثَ يَرَىَ مِنْهُ بَيْتُ اَلْمَقْدِسِ ؛ خَيْرٌ لَهُ أو أحَبُّ إليه مِنَ الدُّنْياَ جَمِيعاً "0 ( رواه البيهقي )
" ولَنِعْمَ المُصلَّى000ألخ" أي: المسَّجِدِ الأقْصَى المُبارك 0

آخِرُ الأنْبِيَاءِ وآخِرُ اَلْمَسَاجِدِ
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏ ‏فَإِنِّي آخِرُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ مَسْجِدِي آخِرُ المَسَاجِدِ "0 ( رواه مسلم )
هَنيئًا لَهُمُ اَلأجْرَ وَاَلْثَّوَابَ إلى يَوْمِ اَلْدِّين
‏عن ‏ ‏أنس ‏رضي اللَّهُ عنه ‏‏قال: ‏أمَرَ النَّبِيُّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "‏ ‏يَا ‏بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي ‏‏بِحَائِطِكُمْ ‏‏هَذَا " قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ0 ( رواه البخاري ) وفي رواية عند ابن ماجه : قَالُوا: لا نَأخُذُ لَهُ ثَمَنًا أبَدًا 0
‏" ثَامِنُونِي " أيْ قَدِّروا ثَمَنَهُ 0
" بِحَائِطِكُمْ " الْحَائِط هو: الْبُسْتَان إِذَا كَانَ مُحَاطًا بسور 0
( لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّه ) المعنى: لا نَطْلُب ثَمَن الدُّنيا بَلْ نَتَبَرَّع بِهِ وَنَطْلُب الثَّمن مِنْ اللَّه تَعَالَى، ذلك أن أجْرَ وثواب الآخرة دائم لا ينقطع، والثَّمَن أيْ: الأجْر 0


اَلْرَّوْضَةُ اَلْشَّرِيِفَةُ

رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ
‏عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ الْمَازِنيِّ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ‏‏قال: "‏ ‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"0 ( رواه مسلم )
قال العلماء المعنى: من لَزِمَ طاعة الله تعالى في هذه البقعة، آلت به الطَّاعة إلى رَوْضَةٍ من رِيَاضِ الجَنَّةِ0
‏والمراد بـ " بَيْتِي " هو بيت السيدة عائشة رضي الله عنها الذي صار فيه قَبْرهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ0

اَلْمِنْبَرُ عَلَى اَلْحَوْضِ
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ : "‏‏مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي "0 (رواه مسلم )
قال العلماء معناه : أنَّ قَصْدَ مِنْبَرِه صلى الله عليه وسلم والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يُورِدُ صاحبه الحوض ويَقُتَضِي شَرْبه منه 0

تُرْعَةٍ ‏‏مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ: ‏قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ‏‏مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ ‏‏مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ" 0 ( رواه أحمد ) ، التُرْعَةٍ: الرَّوضة0
قال العلماء المعنى: أن التَّعبَدَ عند اَلْمِنْبَر يُورِثُ الجنَّة، فكأنه قطعة منها0
اَلْشَّوْقُ وَاَلْحَنِينُ إلَىَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلَّم

حَنيِنُ اَلْجِذْعِ
‏عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: كَانَ النَّبِيُّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ،‏ فَحَنَّ الْجِذْع،ُ فَأتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ0 ( رواه البخاري )
الجِذْعُ هو: سَاقُ النَّخلة0
والجِذْعُ المقصود هنا: هو الذي كان يَسْتَنِدُ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يَخْطُبُ في المسجد النبوي الشريف، ذلك أنه عندما بُني المسجد النبوي الشَّريف لم يكن فيه جِذْعٌ ولا مِنْبَرٌ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام، فأُتي لَهُ صلى الله عليه وسلم بِجِذْعِ نخلة، فَحُفِرَ له وأقيم إلى جانب المكان الذي يخطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان إذا خطب استند إلى الجِذْعِ واتَّكَأ عليه0
( فَحَنَّ الْجِذْع ) الْحَنِين هُوَ صَوْت كَالأنِينِ يَكُون عِنْد الشَّوْق وَتَوَقَان النَّفْس لِمَنْ يَهْوَاهُ إِذَا فَارَقَهُ0
قال الإمام الشَّافِعِيّ: مَا أعْطَى اللَّه نَبِيًّا مَا أعْطَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أعْطَى عِيسَى عليه السَّلام إِحْيَاء الْمَوْتَى، قَالَ: أعْطَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم حَنِين الْجِذْع حَتَّى سُمِعَ صَوْته، فَهَذَا أكْبَر مِنْ ذَلِكَ0
‏يَا مُسْلِم أنْتَ أحَقُّ بِاَلْشَّوْقِ وَأوْلَى بِاَلْحَنِينِ
عن ‏‏أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏كان يَخْطُبُ إلى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ ذَهَبَ إلى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ، فَسَكَنَ فَقَالَ: " لَوْ لَمْ أحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" 0 ( رواه ابن ماجه )
وكَانَ الْحَسَن يَقُول: يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ الْخَشَبَة تَحِنّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ، فَأنْتُمْ أحَقّ أنْ تَشْتَاقُوا إلَيْهِ0



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فضائل الحَجِّ والعُمْرَةِ وفضائل مَكَّةَ المُكرَّمة والمَدِينَة المُنَوَّرة

مُساهمة من طرف ahmad_laban في الأربعاء 03 نوفمبر 2010, 8:51 pm

‏أنِينُ اَلْجِذْعِ ورَحْمَةُ اَلْنَّبِي صَلَى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنْ ‏‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ‏أنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ ‏ ‏أوْ نَخْلَةٍ ،‏ ‏فَقَالَتْ امْرَأةٌ مِنْ ‏‏الأنْصَارِ ‏أوْ ‏‏رَجُلٌ : ‏‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا ؟ قَالَ: " إِنْ شِئْتُمْ " فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ،‏‏ فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، قَالَ كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا0 ( رواه البخاري )
قال العلماء: امتدّت رحمته صلى الله عليه وسلم حتى شملت هذا الجِذْعِ الذي حَنَّ شوقا إلى سماع الذِّكْرِ وألماً من فراق النبي صلى الله عليه وسلم، فياعجباً من أنين الجِذِعِ مرة، ومن رَحْمَةِ النبي صلى الله عليه وسلَّم بِهِ ألف مرة0

حُبُّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لِلْمَدِينَةِ اَلْمُنَوَّرَة

كَانَ صَلَى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذَا بَلَغَ ‏ ‏الْمَدِينَةَ أسْرَعَ اَلْسَّيْرَ
عَنْ ‏أنَسٍ‏ رضي الله عنه ‏أنَّ النَّبِيَّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏كَانَ ‏إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى جُدْرَانِ ‏‏الْمَدِينَةِ ‏أوْضَعَ ‏‏رَاحِلَتَهُ، ‏وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا0 ( رواه الترمذي ) ‏ ‏
‏( أوْضَعَ ) ‏أيْ: أسْرَعَ السَّيْر، يُقَالُ وَضَعَ الْبَعِيرُ أيْ أسْرَعَ فِي مَشْيِهِ، وَأوْضَعَهُ رَاكِبُهُ أيْ حَمَلَهُ عَلَى السَّيْرِ السَّرِيعِ 0
( مِنْ حُبِّهَا ) أيْ مِنْ أجْلِ حُبِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا وأهْلَهَا0
قال العلماء: فِي الْحَدِيثِ دَلالَةٌ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُبِّ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ0

رُؤيَا النَّبي صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏‏أبِي مُوسَى الأشْعَرِي رضي الله عنه ‏عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ‏رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ أنِّي أهَاجِرُ مِنْ ‏‏مَكَّةَ ‏ ‏إِلَى أرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ ‏‏وَهْلِي‏ ‏إلَى أنَّهَا ‏الْيَمَامَةُ ‏أوْ ‏هَجَرُ ‏‏فَإِذَا هِيَ ‏‏الْمَدِينَةُ ‏يَثْرِبُ " 0 ( رواه مسلم )

اَللَّهُمَّ حَبِّب إليْنَا اَلْمَدِينَة
‏عَنْ ‏عَائِشَةَ رضي الله عنها ‏قَالَتْ : ‏قَدِمْنَا ‏الْمَدِينَةَ ‏وَهِيَ وَبِيئَةٌ فَاشْتَكَى ‏‏أبُو بَكْرٍ ‏‏وَاشْتَكَى ‏بِلالٌ ، ‏فَلَمَّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏شَكْوَى أصْحَابِه قَالَ : " ‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا ‏‏الْمَدِينَةَ ‏كَمَا حَبَّبْتَ ‏مَكَّةَ‏ ‏أوْ أشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي ‏صَاعِهَا ‏‏وَمُدِّهَا ‏‏وَحَوِّلْ ‏حُمَّاهَا ‏‏إلَى الْجُحْفَةِ"0 ( رواه مسلم )
وَبِيئَةٌ أي: ذَات وَبَاء وليس المراد به الطَّاعُون، بل مرض يصيب الغرباء عنها0
" وَحَوِّلْ ‏حُمَّاهَا ‏‏إلَى الْجُحْفَةِ " كَانَ سَاكِنُو الْجُحْفَة في ذلك الوقت يَهُودًا مُعادين للإسلام مُحاربين لأهله ، فَدَعَا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتحول المرض والوباء إليهم0
وفي الحديث دليل على جواز اِلدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّار بِالأمْرَاضِ وَالأسْقَام وَالهَلاك، وفضيلة الدُّعَاء لِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَطِيب بِلادهمْ وَالْبَرَكَة فِيهَا وَكَشْف الضُّرّ وَالشَّدَائِد عَنْهُمْ وتحويلها إلى أعدائهم0

مُدْخَلَ صِدْقٍ
‏عَنِ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏بِمَكَّةَ‏ ‏ثُمَّ ‏‏أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏﴾ ( رواه أحمد )
وقال قَتَادَة: ﴿ وَقُلْ رَبّ أدْخِلْنِي مُدْخَل صِدْق ﴾ يَعْنِي المَدِينَة ﴿ وَأخْرِجْنِي مُخْرَج صِدْق ﴾ يَعْنِي مَكَّة0
بَرَكَةُ دُعَاء النَّبي صلى الله عليه وسلم
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏أنَّهُ قَالَ : ‏‏كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأوْا أوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إلَى النَّبِيِّ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ‏فَإِذَا أخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏قَالَ: " ‏اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا ‏‏وَبَارِكْ لَنَا فِي ‏‏مُدِّنَا،‏ ‏اللَّهُمَّ إنَّ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏‏عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ ‏لِمَكَّةَ ‏وَإنِّي أدْعُوكَ ‏‏لِلْمَدِينَةِ ‏‏بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ ‏‏لِمَكَّةَ ‏‏وَمِثْلِهِ مَعَهُ " قَالَ : ثُمَّ يَدْعُو أصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ ‏فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ0 ( رواه مسلم )
قال العلماء : كانوا يفعلون ذلك رغبة في بركة دعائه صلى الله عليه وسلم ، والبركة هنا بمعنى النَّماء والزيادة ، وبمعنى الثبات واللزوم0
‏وفي الحديث بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق وكمال الشَّفقة والرَّحمة ومُلاطفة الكبار والصغار ، وخَصَّ بباكورة الثَّمرة الصغير لكونه أرغب فيها وأكثر تطلعا إليها وحرصا عليها0

بَرَكَةٌ مُضَاعَفَةٌ
عَنْ ‏أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ‏قَال: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏اللَّهُمَّ اجْعَلْ‏ ‏بِالْمَدِينَةِ ‏‏ضِعْفَيْ مَا‏ ‏بِمَكَّةَ ‏‏مِنْ الْبَرَكَةِ "0 ( رواه مسلم )


‏اَلْمَدِينَة حَمَاهَا الله تعالى وأهْلَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ

‏مَنْ أرَادَ أهْلَ ‏الْمَدِينَةِ ‏بِسُوءٍ أذَابَهُ اللَّهُ
عن سَعْدَ بْنَ أبِي وَقَّاصٍ ‏رضي الله عنه ‏قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ‏مَنْ أرَادَ أهْلَ‏ ‏الْمَدِينَةِ ‏بِسُوءٍ أذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ"0 ( رواه مسلم )
قال العلماء: المعنى أنَّ من مَسَّ أهل المدينة بسوء عَامِداً عَالِماً مُخْتَاراً لاَ سَاهِياً ولاَ مَجْبُورًا أذابه الله أي: أهْلَكَهُ بِالْكُلِيَةِ إهْلاَكاً مُسْتأصَلاً بحيث لَمْ يَبْقَ من حقيقته شيء0
وقوله صلى الله عليه وسلم " في الماء " تشبيهٌ لأهْلِ المدينة المنورة بِهِ إيماءً إلى أنَّ أهل المدينة كالماء في الصَّفاء والنَّقاء0

لاَ تَمْكِينَ ولاَ إمْهَالِ لِمَنْ أرَادَ أهْلَ اَلْمَدِينَةِ بِسُوء
عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لا يُرِيدُ أحَدٌ أهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إلاَّ أذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ" 0 ( رواه مسلم )
قال العلماء: التَّعبير بـ " أذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ" يفيد أن من أراد أهل المدينة بسوء في الدنيا فلا يُمْهِلُهُ الله ولا يُمَكِّنُ له سُلْطَانًا بل يُهلكه عن قُرب، فضلاَ عن عذاب الآخرة0
اِنْمَاعَ كَالْمِلْحِ فِي الْمَاءِ
عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لاَ يَكِيدُ أهْلَ الْمَدِينَةِ أحَدٌ إِلاَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ" 0 ( رواه البخاري )
" لاَ يَكِيدُ" أي: يُظهر إرادة الخير ويُضْمِرَ إيقَاعِ الشَّرَّ والسّوء0
انْمَاعَ أي: ذَابَ0

تَعِسَ مَنْ أخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ أمِيرًا مِنْ أمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنُكِّبَ، فَقَالَ: تَعِسَ مَنْ أخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ ابْنَاهُ أوْ أحَدُهُمَا: يَا أبَتِ وَكَيْفَ أخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مَاتَ؟! قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ أخَافَ أهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَدْ أخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ"0 ( رواه أحمد )
فَنُكِّبَ أي: وقع على الأرض أو اصطدم بشيء آلمه0


أخَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلاَّدٍ رَضِي الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ أخَافَ أهْلَ الْمَدِينَةِ أخَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً"0 ( رواه أحمد )
صَرْفًا أي: توبةً، وقيل: الصِّرْف أي: الفريضة0
عَدْلاً أي: فديةً، وقيل العَدْل أي: النَّافلة0
قال العلماء: إن الله جلَّ وعلاَّ يُخَوَّفُ من أخاف أهل المدينة بما شاء سبحانه من أنواع بَلِيَتِهِ في الدنيا، وعذاب النَّار في الآخرة0


الْمَدِينَةِ ‏ ‏تَنْفِي شِرَارَهَا

الْمَدِينَةَ ‏كَالْكِيرِ‏ ‏تُخْرِجُ ‏‏الْخَبِيثَ
‏عن ‏‏أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قال: " ‏‏يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ ‏‏هَلُمَّ ‏‏إِلَى الرَّخَاءِ هَلُمَّ ‏‏إِلَى الرَّخَاءِ،‏ ‏وَالْمَدِينَةُ ‏خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَخْرُجُ مِنْهُمْ أحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ ‏أخْلَفَ ‏اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، ألاَ إِنَّ ‏الْمَدِينَةَ ‏كَالْكِيرِ‏ ‏تُخْرِجُ ‏‏الْخَبِيثَ، ‏لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ ‏خَبَثَ الْحَدِيدِ" 0 ( رواه مسلم )
" خَبَثَ الْحَدِيدِ " هو وسخه وقذره الذي تخرجه النَّار منه 0
قال العلماء : جَعَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِثْلَ الْمَدِينَةِ وَمَا يُصِيبُ سَاكِنِيهَا مِنْ الْجُهْدِ وَالْبَلاءِ كَمَثَلِ الكِيرِ وَمَا يُوقِدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ، فَيُمَيِّزُ بِهِ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ، فَيَذْهَبُ الْخَبِيثُ وَيَبْقَى الطَّيِّبُ فِيهِ أذكَى مَا كَانَ وَأخْلَصَه0
‏‏
الْمَدِينَةُ َيَنْصَعُ ‏‏ طِيبُهَا
‏عَنْ ‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أن رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "‏ ‏إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ ‏‏تَنْفِي ‏‏خَبَثَهَا ‏‏وَيَنْصَعُ طِيبُهَا "0 ( رواه البخاري )
" َيَنْصَعُ ‏‏ طِيبُهَا " أي : يَصْفُو وَيَخْلُص وَيَتَمَيَّز ، وَالنَّاصِع : الصَّافِي الْخَالِص ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : نَاصِع اللَّوْن ، أَيْ : صَافِيه وَخَالِصه ، وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة مَنْ لَمْ يَخْلُص إِيمَانه ، وَيَبْقَى فِيهَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانه0
قَرْيَةٍ تَأكُلُ الْقُرَى
عن ‏أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال :‏ قال رَسُـولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "‏‏ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ ‏‏يَثْرِبَ، ‏وَهِيَ ‏‏الْمَدِينَةُ تَنْفِي‏‏ النَّاسَ كَمَا يَنْفِي‏‏ الْكِيرُ ‏‏خَبَثَ الْحَدِيدِ " 0 ( رواه مسلم )
الْخَبَثُ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا يُفْسِدُهُ0
‏" قَرْيَةٍ تَأكُلُ الْقُرَى " معناه أمرت بالهجرة إليها واستيطانها، وقيل : يُحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غَلَبَةِ فَضْلِهَا على فَضْلِ غيرها، فالفضائل تضمحل في جَنْبِ عظيم فضلها حتى تكاد تكون عَدَمًا ، فلا معنى لقوله صلى الله عليه وسلم " تَأكُلُ الْقُرَى " إلا رجوح فضلها على غيرها0
" يَقُولُونَ يَثْرِب وَهِيَ الْمَدِينَة " ‏يعني أن بعض الناس من المنافقين يسمونها يثرب، وإنما اسمها : المدينة ، قال العلماء: وسبب كراهة تسميتها (يثرب) لأن لفظ ( التَّثْرِيبِ ) يعني التَّوْبِيخِ والمَلاَمَةِ أو من الثَّرْب وهو الفَسَاد، وكلاهما مُسْتَقْبَحٌ، وكان صلى الله عليه وسلم يُحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وأما تسميتها في القرآن ( يثرب ) فإنما هو حكاية عن قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض 0

حَفِظَ الله اَلْمَدِينَةَ مِنْ فِتْنَةِ اَلْمَسِيحِ اَلْدَّجَال

مُحَرَّمٌ على الأعْوَرِ الدَّجَالِ أن يَدْخُلَ اَلْمَدِينَةَ
‏عن أبي سعِيد الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه ‏قال ‏: ‏حدَّثنا رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلاً عَنْ الدَّجَّالِ ‏‏فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أنَّهُ قَالَ : " يَأتِي الدَّجَّالُ ‏وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ ، ‏‏فَيَنْزِلُ بَعْضَ ‏‏السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، ‏‏فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ ‏أوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ‏ ‏فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّكَ ‏‏الدَّجَّالُ ‏الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏حَدِيثَهُ فَيَقُولُ ‏‏الدَّجَّالُ: ‏أرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ "0 ( رواه البخاري )
‏" نِقَاب الْمَدِينَة " أيْ : طُرُقهَا وَفِجَاجهَا ، وَهُوَ جَمْع نَقْب ، وَهُوَ الطَّرِيق بَيْن جَبَلَيْنِ0
فائدة: قال العلماء : فإن قيل كيف يجوز أن يُجري الله الآية على يد الكافر؟! فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء ، فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مُفْتَر يدعي الربوبية ؟! فالجواب أنه على سبيل الفتنة للعباد والاختبار ليِهْلَكَ المُرْتَابُ ويَنْجُو المُتَيَقِنُ ، إذ جعل الله تعالى ما يدل على أنه مُبْطِلٌ غير مُحِقٍ في دعواه ، وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم ، فدعواه داحضة مع وَسْمِ الكُفْرِ ونقص الذات والقَدْرِ ، إذ لو كان إلَهًا لأزال ذلك عن وجهه0

لاَ يَأتِي اَلْمَسَاجِدُ اَلأرْبَعَة
‏عَنْ ‏مُجَاهِدٍ ‏قَالَ ‏‏كُنَّا سِتَّ سِنِينَ عَلَيْنَا ‏جُنَادَةُ بْنُ أبِي أمَيَّةَ، ‏ ‏فَقَامَ فَخَطَبَنَا ‏فَقَالَ: أتَيْنَا ‏‏رَجُلاً ‏‏مِنْ ‏‏الأنْصَارِ ‏مِنْ ‏أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَلا تُحَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ النَّاسِ فَشَدَّدْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فِينَا فَقَالَ: " ‏أنْذَرْتُكُمْ ‏‏الْمَسِيحَ ‏‏وَهُوَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، ‏يَسِيرُ مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأنْهَارُ الْمَاءِ، عَلامَتُهُ يَمْكُثُ فِي الأرْضِ أرْبَعِينَ صَبَاحًا، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كُلَّ ‏‏مَنْهَلٍ ‏لاَ يَأتِي أرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: الكَعْبَةَ، وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ، وَالْمَسْجِدَ الأقْصَى،‏‏ وَالطُّورَ،‏ ‏وَمَهْمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِأعْوَرَ"‏ ‏وَقَالَ ‏ابْنُ عَوْنٍ ‏وَأحْسِبُهُ قَدْ قَالَ: " يُسَلَّطُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ وَلا يُسَلَّطُ عَلَى غَيْرِهِ" 0 ( رواه أحمد )
‏هَذَا الْقَصْرُ الأبْيَضِ هَذَا ‏‏ مَسْجِدُ أحْمَدِ
‏عَنْ ‏مِحْجَنِ بْنِ الأدْرَعِ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : "‏ ‏يَوْمُ الْخَلاَصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ؟ يَوْمُ الْخَلاَصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ؟ يَوْمُ الْخَلاَصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ؟" ثَلاَثًا، فَقِيلَ لَهُ وَمَا يَوْمُ الْخَلاَصِ؟ قَالَ: " يَجِيءُ ‏الدَّجَّالُ ‏فَيَصْعَدُ ‏أحُدًا ‏فَيَنْظُرُ ‏الْمَدِينَةَ ‏‏فَيَقُولُ لأصْحَابِهِ أتَرَوْنَ هَذَا الْقَصْرَ الأبْيَضَ ؟ هَذَا مَسْجِدُ أحْمَدَ، ‏ثُمَّ يَأتِي ‏الْمَدِينَةَ ‏‏فَيَجِدُ بِكُلِّ‏ ‏نَقْبٍ ‏مِنْهَا مَلَكًا مُصْلِتًا، فَيَأتِي سَبْخَةَ ‏‏الْحَرْفِ‏ ‏فَيَضْرِبُ ‏رُوَاقَهُ ‏ثُمَّ تَرْجُفُ ‏الْمَدِينَةُ ‏‏ثَلاثَ رَجَفَاتٍ فَلاَ‏ ‏يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلاَ مُنَافِقَةٌ وَلاَ فَاسِقٌ وَلاَ فَاسِقَةٌ إِلاَّ خَرَجَ إِلَيْهِ فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلاصِ " 0 ( رواه أحمد )
" سَبْخَةَ " أي : أرض مالحة لا تكاد تنبت، و" ‏‏الْحَرْفِ " أي : الجانب والطَّرف، و" ‏رُوَاقَهُ " أي : خيمته وقُبته وموضع جلوسه0
" يَوْمُ الْخَلاصِ " هو : اليوم الذي تَتَخَلَّصُ فيه المدينة المنورة من المنافقين والمنافقات الذين عبَّر عنهم الحديث الشريف التالي: بالخَبَثِ0

‏‏ رُعْبُ ‏‏ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ
‏عَنْ ‏أبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه ‏عَنْ النَّبِيِّ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏قَالَ: " ‏لا يَدْخُلُ ‏الْمَدِينَةَ‏ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ‏‏وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ"0 ( رواه البخاري )
" سَبْعَةُ أبْوَابٍ" أي: أنْقَابٍ ، والنَّقب هو: الطريق بين جبلين0
نِعْمَتُ الأرْضِ ‏ ‏الْمَدِينَةُ
‏عَنْ ‏‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏‏رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ‏قَالَ: ‏‏أشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَلَى ‏‏فَلَقٍ ‏‏مِنْ ‏أفْلاَقِ ‏الْحَرَّةِ ‏وَنَحْنُ مَعَهُ فَقَالَ: " ‏‏نِعْمَتِ الأرْضُ‏ ‏الْمَدِينَةُ ‏إِذَا خَرَجَ ‏الدَّجَّالُ ‏‏عَلَى كُلِّ‏ ‏نَقْبٍ‏ ‏مِنْ ‏أنْقَابِهَا ‏مَلَكٌ لاَ يَدْخُلُهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ رَجَفَتْ ‏الْمَدِينَةُ ‏بِأهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ لاَ يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلاَ مُنَافِقَةٌ إِلاَّ خَرَجَ إِلَيْهِ، وَأكْثَرُ ‏‏يَعْنِي مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، ‏وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ، وَذَلِكَ يَوْمَ‏‏ تَنْفِي‏ ‏الْمَدِينَةُ الْخَبَثَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ ‏‏خَبَثَ الْحَدِيدِ، يَكُونُ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفًا مِنْ الْيَهُودِ، ‏عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ‏سَاجٌ ‏وَسَيْفٌ مُحَلًّى فَتُضْرَبُ رَقَبَتُهُ بِهَذَا الضَّرْبِ الَّذِي عِنْدَ مُجْتَمَعِ السُّيُولِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏مَا كَانَتْ ‏فِتْنَةٌ ‏وَلاَ تَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أكْبَرَ مِنْ ‏فِتْنَة ‏الدَّجَّالِ ‏‏وَلاَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ حَذَّرَ أمَّتَهُ وَلأُخْبِرَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مَا أخْبَرَهُ نَبِيٌّ أمَّتَهُ قَبْلِي، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِأعْوَرَ"0 ( رواه أحمد )
‏‏" أفْلاَقِ " جَمْعُ فَلَقٍ ‏‏وهو الشِّقُ بين جبلين أو ربوتين0
‏‏" أنْقَابِهَا " جًمْعُ نَقْبٍ‏ ‏وهو : المنفذ والطريق بين جبلين0
" تَنْفِي" أي : تُخرج وتُزيل0
" الْكِيرُ " هي : آلة نفخ النَّار وإشعالها0
" خَبَثَ " أي : الأوساخ والشوائب0
" سَاجٌ " أي : وشاح أو شال لونه أبيض أو أخضر0
‏" فِتْنَةٌ " أي : ابتلاء واختبار0
حَفِظَ الله اَلْمَدِينَة مِنْ اَلْطَّاعُون

لا يَقْرَبُهَا الطَّاعُونُ
عن ‏أنس بن مالك رضي الله عنه ‏عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قال: " ‏‏الْمَدِينَةُ ‏يَأتِيهَا ‏‏الدَّجَّالُ ‏فَيَجِدُ الْمَلائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، فَلا يَقْرَبُهَا ‏‏الدَّجَّالُ، وَلا الطَّاعُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " 0 ( رواه البخاري )
‏قال العلماء : في هذا الحديث فضيلة المدينة ، وفضيلة سُكْنَاهَا ، وحمايتها من الطَّاعون والدجال 0 ‏

لاَ يَدْخُلُ ‏ ‏الْمَدِينَةَ ‏الطَّاعُونُ
‏عَنْ ‏أبِي هُرَيْرَةَ ‏‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏‏قَالَ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ : " ‏‏لاَيَدْخُلُ ‏الْمَدِينَةَ ‏المَسِيحُ ‏وَلا الطَّاعُونُ" 0 ( رواه البخاري )

‏عَلَى‏‏ أنْقَابِ ‏‏ الْمَدِينَةِ ‏‏ مَلائِكَةٌ
‏عَنْ ‏‏أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ ‏‏قَالَ: ‏‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ‏عَلَى أنْقَابِ الْمَدِينَةِ ‏‏مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا ‏‏الدَّجَّالُ"0 ( رواه البخاري )


اَلْمَدِينَةُ دِرْعٌ حَصِينَةٌ وَحَرَمٌ آمِنٌ

عَنْ ‏‏جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ : " رَأيْتُ كَأنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً، ‏‏فَأوَّلْتُ ‏أنَّ الدِّرْعَ‏‏ الْحَصِينَةَ ‏الْمَدِينَةُ، ‏ ‏وَأنَّ الْبَقَرَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ "0 ( رواه أحمد )
" الدِّرْعَ " هو: القميص الواقي يلبسه المقاتل فوق ثيابه، يقيه ضربات العدو0
" ‏‏فَأوَّلْتُ " التأويل هو: التفسير والبيان0
والمعنى أن المدينة المنورة دِرْعٌ حِصِينَةٌ أي أنها: دار الإيمان، فهي أمان للمسلمين، عَصيةٌ على أعداء الإسلام، وأكثرهم شرًّا وأعظمهم فتنة هو: المسيح الدَّجال0

حَرَمٌ آمِنٌ
عن ‏سَهْلِ بن حُنَيْفٍ رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏: أهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏بِيَدِهِ إِلَى ‏الْمَدِينَةِ ‏فقال: "‏ إنَّها حَرَمٌ آمِنٌ "0 ( رواه مسلم )


‏فَضْلُ تَمْرِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ

عَجْوَةِ ‏الْعَالِيَةِ ‏شِفَاءً
عَنْ ‏عَائِشَةَ رضي الله عنها ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ: "‏ ‏إنَّ في عَجْوَةِ ‏الْعَالِيَةِ ‏شِفَاءً، ‏ ‏أوْ إنَّهَا ‏تِرْيَاقٌ ‏ ‏أوَّلَ ‏ ‏الْبُكْرَةِ"0 ( رواه مسلم )
العَالِيَة مَا كَانَ من البساتين وَالقُرَى وَالعِمَارَات من جِهَة المَدِينَة العُلْيَا ممَّا يَلِي نَجْد، أوْ السَّافِلَة من الجهة الأخرى ممَّا يلي تِهَامَة0
وَالْعَجْوَة نَوْع جَيِّد مِنْ التَّمْر 0
قال العلماء: في هذا الحديث فَضِيلَة تَمْر الْمَدِينَة وَعَجْوَتهَا، وَفَضِيلَة التَّصَبُّح بِسَبْعِ تَمَرَات مِنْهُ0
وَالتِّرْيَاق هو: دَوَاء يُعَالَج بِهِ الْمَسْمُوم، فأطلق على الْعَجْوَة اِسْم التِّرْيَاق تَشْبِيهًا لَهَا بِهِ في دفع أذى السُّمِّ0
‏"أوَّلَ ‏ ‏الْبُكْرَةِ" أي: أول النَّهار0

سَبْعَ تَمَرَاتٍ
‏‏عن ‏عَامِرِ بن سَعْدِ بن أبِي وَقَّاصٍ‏ ‏عن ‏ ‏أبِيهِ رضي الله عنه ‏أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ: " ‏مَنْ أكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ‏ ‏لابَتَيْهَا ‏‏حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ "0 (رواه مسلم )
‏ ‏اللاَّبَتَانِ هُمَا الحَرَّتَانِ، وَالحرَّة هِيَ الْحِجَارَة السُّوداء ، وَالْمُرَاد في الحديث لابَتَا الْمَدِينَة أي الحجارة السوداء المحيطة بالمدينة 0
طَيْـبَـةُ وَ طَـابَة

طَيْـبَـةُ
‏عن ‏زَيْدِ بن ثَابِتٍ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ : " ‏إِنَّهَا طَيْبَةُ ،‏ ‏يَعْنِي‏ ‏الْمَدِينَـةَ ، ‏ ‏وَإِنَّهَا ‏‏تَنْفِي ‏الْخَبَثَ ‏كَمَا ‏تَنْفِي ‏النَّارُ ‏خَبَثَ ‏الْفِضَّةِ "0 ( رواه مسلم )

طَـابَة
عن جَابِرِ بن سَمُرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ "0 ( رواه مسلم )
وسميت المدينة المنورة : طَيْبَة وطَابَة لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل لطيب العيش بها، وأصل كلمة " طَابَة " من: الطِّيب، وهو الرائحة الحسنة0
وقيل طابت من سُكنى النبي صلى الله عليه وسلم بها في حياته ومماته، قال الشاعر:
يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاع أعظُمُـهُ
فَطَابَ من طِيبِهِنَّ القَاعُ والأكَمُ
نفسي فداءٌ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ فيـه
العفافُ وفيه الـجودُ والكـرمُ
أنت الشَّفيعُ الذي تُرْجَى شفاعَتُهُ
عند الصراط إذا مـَا زَلَّتِ القَدَمُ
وصاحباكَ فلا أنســاهُمَا أبدًا
مِنّي السلامُ عليكمُ ما جرى القلمُ

فَضْلُ جَبَلِ أحُد

‏عن ‏أنس بن مالك ‏‏رضي الله عنه : أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏طلع له ‏‏أحد ‏فقال ‏: " ‏هذا جَبَلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُهُ ، اللهم إنَّ إبراهيم ‏‏حَرَّمَ ‏مَكَةَ ‏وإني حَرَّمْتُ ما بين ‏لاَبَتَيْهَا " 0 ( رواه البخاري )
‏‏قال الإمام النووي : قوله صلى الله عليه وسلم : " هذا جَبَلٌ يُحِبُنَا ونُحِبُهُ " ‏الصحيح المختار أن معناه : أن أحدا يحبنا حقيقة ، جعل الله تعالى فيه تمييزا يُحب به 000 كما قال سبحانه وتعالى ﴿ وإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ ﴾ والصحيح في معنى هذه الآية : أن كلَّ شيء يُسبِّح حقيقة بحسب حاله ، ولكن لا نفقهه ، وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه ، واختاره المحققون في معنى الحديث : أن أحدا يحبنا حقيقة 0


الْعَقِيقِ وَادٍ مُبَارَك

عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: " أتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ"0 ( رواه البخاري )
" أتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي" هو : جِبْرِيل عليه السَّلام0
" صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ " ‏يَعْنِي: وَادِي الْعَقِيق0
قال العلماء: في الحَدِيث فَضْل العَقِيق كَفَضْلِ المَدِينَة وَفَضْل الصلاَّة فِيهِ 0

فَضْلُ مَسْجِدِ قِِبَاء

مِنَ السُّـنَّةِ زِيَارَةُ مَسْجِدِ قِبَاء والصَّلاَةُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ
‏‏عن ‏ابن عمر رضي الله عنهما ‏قال : ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ 0 ( رواه مسلم )
قال العلماء : في الحديث بيان فضل مسجد قِبَاء والصلاة فيه ، وفضيلة زيارته، وأنه تجوز زيارته راكباً وماشياً 0

كَأجْرِ عُمْرَةٍ
‏عن سهل بن حنيف رضي الله عنه : قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم : "من تَطَّهَرَ في بيته ، ثُمَّ أتى‏‏ مَسْجِدَ قِبَاء ‏ ‏فَصَلَى فيه صَلاَةً ، كان لَهُ كَأجْرِ عُمْرَةٍ "0 ( رواه ابن ماجه )

‏صَلاَةٌ بِثَوَابِ عُمْرَةٍ
عن أسيد بن ظهير الأنصاري ‏رضي الله عنه : عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال : "‏ ‏الصَّلاَةُ فِيِ ‏مَسْجِدِ قِبَاء ‏كعُمْرَة "0 ( رواه الترمذي )
‏قال العلماء : أي الصَّلاة الواحدة فيها يَعْدِلُ ثوابُها ثَوابَ عُمْرَةٍ 0
مَدْحٌ وثَنَاءٌ مِنَ الله تعالى لأهْلِ مَسْجِدِ قُبَاء
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَزَلَتْ فِي أهْلِ قُبَاءَ ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ"0 ( رواه ابن ماجه )
قال العلماء: المدح والثنَّاء في الآية الكريمة وإن كان نزل في أهل مسجد قباء، إلا أن الشَّرف والفضيلة تلحق كل مسلم ومسلمة يَفْعَلُ كَفِعْلِهِمُ في الطَّهارة، وهو: الوضوء للصَّلاة، والغُسْلُ من الجَنَابَة، والاستنجاء بالماء بعد قضاء الحاجة، كما ورد في الحديث عن أبي أيوب الأنصارِي وجابِر بن عبدِ اللَّهِ وأنس بن مالِكٍ رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنَّ هذِهِ الآيةَ نزلت ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ ؟" قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، قَالَ: " فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ "0 ( رواه ابن ماجه )
" فَعَلَيْكُمُوهُ " أي: الزمو أنتم وكافة المسلمين الطَّهارة التي ترضي الربِّ سبحانه وتعالى ويُثيب عليها الأجر الجزيل 0

الفهرس
وجوب إخْلاَصُ النِّيَةِ لله عزَّ وجلَّ
أيْهَا الحَاجُّ حَسِّنْ خُلُقُكَ وَاصْبر وَتَحَمَّل
التَّعَجُلُ إلىَ الحَجِّ
الحَاجّ في ضَمَانِ الله تَعَالَىَ وحِفْظِهِ
وَفْدُ الله عزَّ وجلَّ
أفْضَلُ الأعْمَالِ
اَلْحَجُّ واَلْعُمُرَةُ يَغْفِرَانِ اَلْذَنْبَ ويَمْحُوَانِ اَلْفَقْرَ
فَضْلُ العُمْرَةِ في رَمَضَان
الحَجُّ والعُمْرَةُ جِهَادٌ
كُلُّ حَرَكَةٍ إلىَ مَنَاسِكِ اَلْحَجِّ بأجْرٍ وثَوابٍ
فَضْلُ الإحْرَامِ
خَيْرُ اَلْثِيَابِ : اَللوْنْ اَلأبْيَضُ
فَضْلُ التَّلْبيَةِ
فَضْلُ اَلْطّوَافِ
فَضْلُ اَلْحَجَرِ الأسْوَدِ واَلْرُّكُنُ اَلْيَمَانِيِّ
المُلْتَزَمْ
فَضْلُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ اَلْسَّلاَم
فَضْلُ مَاءُ زَمْزَم
ضْلُ اَلْسَّعْيِ بَيْنَ اَلْصَّفَا واَلْمَرْوَة
فَضْلُ اَلْحَلْق
فَضْلُ اَلْوُقُوف بِعَرَفَة
فَضْلُ رَمْيِ اَلْجَمَرَاتِ
فَضْلُ اَلْهَدْي واَلْذَبْحِ لله تَعَالَى
حَدِيثٌ جَامِعٌ لِفَضَائِل الحَجِّ
مِنَ الأدبِ فِي أمَاكِنِ اِجْتِمَاعِ اَلْمُسْلِمِينَ
كُلَمَا اِزْدَدْتَ تَعَباَ واِزْدَدْتَ نَفَقَةً زَادَ أجْرُكَ وعَلَتْ مَنْزِلَتُكَ
حَجُّ الأنْبياء عليهم السَّلام
فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ حَاجًّا أوْ خَلَفَهُ فِي أهْلِهِ بِخَيْرٍ
تَعْظِيمُ بَيْتِ الله اَلْحَرَام
مَنْ أرَادَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ بِسُوءٍ قَصَمَهُ الله تعالى
حُرْمَةُ اَلْمُؤْمِن
الرّّحَمَاتُ تَتَنَزَّلُ عَلَى زُوَّارِ البَيْتِ العَتِيق
خَيْرُ ما تُسَافِرُ إليه اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ
حَجّةُ اَلْصّبي
فَضْلُ مَنْ مَاتَ في اَلْحَجِّ
لاَ شَيْءَ يَعْدِلُ اَلْجِهَادَ وَاَلْرِبَاطَ فِي سَبِيِلِ الله تَعَالَى
اَلْحَذَر اَلْحَذَر مِنَ اَلْغَفْلَة
العَمَلُ والتَّكَسُّبُ في الحَجِّ
اَلْمُحَافَظَةُ عَلَى اَلْصَّلاَةِ فِيِ اَلْمَسِّجِدِ أجْرُهَا كَأجِّرِ اَلْحَاجِّ
عَادَةُ الأنْجَابِ زِيَارَةُ مَعَاهِدِ الأحْبَابِ
لاَ تَنْسَى هَذَا اَلْدُّعَاء وَأنْتَ عَائِدٌ مِنَ اَلْحَجِّ أو اَلْعُمْرَةِ إلى مَنْزِلَكَ
فضائل مكة المكرمة وبيت الله الحرام
خَيْرُ أرْضِ اللَّهِ
أحَبُّ البلاَدِ إلىَ الله تَعَالى
بُشرى مِنَ الله تَعَالَى
حَقٌ عَلَىَ المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ اَلْزَائِر
فَضْلُ مَسْجِدُ اَلْكَعَبَةِ
فَضْلُ اَلْصَّلاَةِ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام
تَعْظِيمُ بَيْتِ الله اَلْحَرَام
حُرْمَةُ اَلْكَعْبَةِ وَحُرْمَةُ اَلْمُؤْمِن
اَلْبَيْتُ اَلْعَتِيقِ
مَنْ أرَادَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ بِسُوءٍ قَصَمَهُ الله تعالى
الرّّحَمَاتُ تَتَنَزَّلُ عَلَى زُوَّارِ البَيْتِ اَلْحَرَام
الأمْنُ والأمَانُ لِزَائِرِ اَلْرَّحْمَن
أمُّ الرُّحَمِ
أمُّ اَلْقُرَىَ
الْبَلَدُ اَلأمِينِ
بَكَةَ
مَكَّةَ ‏وَطَيْبَةَ حَمَاهُمَا الله تعالى مِنْ فِتْنَةِ اَلْدَّجَالِ
انتبه ! تَتَضَاعَفُ اَلْذُّنُوبُ وَاَلآثَامُ في مَكَّةَ اَلْمُكَرَّمَةِ
فضائل المدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف
اَلتَّرْغِيبُ فِي سُكْنَى ‏ ‏اَلْمَدِينَةِ
فَضْلُ اَلْمَسْجِدِ اَلْنَّبَويِّ اَلْشَّرِيفِ
اَلْرَّوْضَةُ اَلْشَّرِيِفَةُ
اَلْشَّوْقُ وَاَلْحَنِينُ إلَىَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلَّم
حُبُّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لِلْمَدِينَةِ اَلْمُنَوَّرَة
اَلْمَدِينَة حَمَاهَا الله تعالى وأهْلَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ
حَفِظَ الله اَلْمَدِينَةَ مِنْ فِتْنَةِ اَلْمَسِيحِ اَلْدَّجَال
حَفِظَ الله اَلْمَدِينَة مِنْ اَلْطَّاعُون
اَلْمَدِينَةُ دِرْعٌ حَصِينَةٌ وَحَرَمٌ آمِنٌ
فَضْلُ تَمْرِ ‏ ‏الْمَدِينَةِ
طَيْـبَـةُ وَ طَـابَة
فَضْلُ جَبَلِ أحُد
الْعَقِيقِ وَادٍ مُبَارَك
فَضْلُ مَسْجِدِ قِِبَاء



ahmad_laban
مؤسس ومدير المنتدى
مؤسس ومدير المنتدى

عدد المساهمات: 6599
العمر: 62
الموقع: (إنما المؤمنون إخوة)

http://almomenoon1.0wn0.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى