منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 تأصيل لابد منه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: تأصيل لابد منه   14/09/17, 04:55 pm

سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج1
"تأصيــــــــــــــل لابد منــــــــــه"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الخافض الرافع القابض الباسط المعز المذل الحي القيوم السميع البصير، وأصلي وأسلم على البشير النذير السراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور.


وبعد:
من خلال تواصلنا الدائم مع أهلنا وأصحابنا وأحبتنا، الذين اضطرتهم الظروف والمحن، لمغادرة ما كان يعتبر حاضنةً ووطن، فتشتتوا وتهجروا وتغربوا وتعرضوا للابتلاءات والفتن؛ كانت تصلنا العديد من الاستفسارات وطلب التوضيحات والأسئلة المتنوعة في شتى المجالات، لما يواجههم من أحوال جديدة ومواقف فريدة وتحديات عديدة وسلوكيات غريبة وظروف قاسية عنيدة وحالات مقيتة، لأن البيئة والتقاليد والأعراف والأخلاق والسلوكيات بل الاعتقادات مختلفة وغير منضبطة.

مرة يتعلق الاستفتاء بحالات الطلاق، ومرة أخرى بأحكام الربا والقروض، وتارة يرتبط بالتعاملات اليومية، وأخرى بالمطاعم والمأكولات وبعض الأعمال، ناهيك عن إهمال أو إغفال العديد من القضايا العقدية والأخلاقية والسلوكية، حتى أصبحت عادات ومظاهر واندماج وتأقلم، ألِفتها العيون، واستساغتها الآذان، وتشبعت بها القلوب، وقبلتها العقول.

هذه الحقائق وغيرها جعلتني أتوقف قليلاً وأتأمل خطورة الموقف، مع ضرورة البيان والنصح والتوضيح والتفصيل والتواصي بالحق، لأن "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" وهذه من أهم وأعظم القواعد الأصولية، حتى نقل العلماء الاتفاق على عدم جواز تأخير ذلك البيان مطلقاً.

بادئ ذي بدء وقبل الدخول في العديد من التفاصيل المتعلقة بعامة المسلمين في بلاد الغربة؛ لابد من تقعيد المسألة وتأصيل القضية وتوضيح الرؤية الشرعية لحقيقة الحكم، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد من تصور وافي شافي متكامل للموضوع من جميع جوانبه ومختلف زواياه، لاسيما الحكم الشرعي المبني على أدلة من الكتاب والسنة، مع بيان الضرورات وما يتعلق بها.

إن قضية السفر أو الإنتقال والعيش في بلاد الغربة والكفر، ليست وليدة اليوم، بل منذ بزوغ فجر الإسلام بيَّن اللهُ عز وجل في كتابه العزيز الأحكام التي تتعلق بهذا الأمر، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام وضَّح ذلك، حيث أعقب الله عز وجل ذكر المصرِّين على الإقامة في بلاد الكفر بعد ذكر القاعدين والمتخلفين عن الجهاد.

يقول سبحانه وتعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا{ (النساء: 97).

بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة بعد بيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد.. ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورةِ الكفارِ الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ.[1]

هذا الوعيد الشديد لمَنْ ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: { فِيمَ كُنْتُمْ } أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثَّرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.[2]

فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل مَنْ أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية.[3]

وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا بريء من كل مسلم، يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما).[4]

ويقول عليه الصلاة والسلام من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه: (من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله).[5]

(هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أَدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه... وأَما مَنْ قدر على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه...

وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك.

إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال ).[6]

ولا يجوز له الإقامة مع الكفار والبقاء في بلادهم إلا إذا كان يقدر على إظهار دينه؛ بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله عز وجل، هذا هو إظهار الدين؛ فإذا كان لا يستطيع ذلك؛ وجب عليه أن يُهاجِر إلى بلاد المسلمين من بلاد الكفار، ولا يبقى فيها على حساب دينه وعقيدته .[7]

مما تقدم يتبين لنا حقيقة الحكم الشرعي لأصل التواجد والإقامة في بلاد الكفر والإشراك والإلحاد، وقد تحدث عن هذه القضية جمع غفير من العلماء قديماً وحديثاً، مستنبطين من أدلة الكتاب والسنة أقوالهم وفتاواهم وتوجيهاتهم ونصائحهم، فأحببنا توجيه العقول والتفات الأذهان وتنبيه الغافلين وتبصير القلوب بهذا الحكم واستحضاره باستمرار، لأن القضية دين وشريعة وحكم شرعي وليست هوى ومزاج وتشهي!!

فالقضية إذاً تتعلق بالأحكام الشرعية، كسائر القضايا من تحريم السرقة والخمر وأكل لحم الخنزير والتعامل بالربا وغيرها، ولا تعلق للأمر بالعاطفة أو الأهواء أو الحرية الشخصية أو حقوق الإنسان أو المزاجية أو الماديات وما شابه، فليكن ذلك بالبال.

لكن قد يقول قائل ويعترض معترض:
الدول الإسلامية والعربية هي مَنْ تطردنا وتدفعنا دفعا لهذا الخيار ولا ترغب بوجودنا، لاسيما فيما يتعلق بفلسطينيي العراق كنموذج معاصر ومثال شاخص، فكيف نصنع وأين نذهب ولا خيار لنا إلا تلك الدول؟!

في الحقيقة هذا اعتراض وجيه وواقعي ومشاهد وملموس وحقيقي ولسنا بمعزل عنه، لكن لابد لنا من تأصيل القضية ببيان الحكم الشرعي الابتدائي والأصلي للمسألة، ثم من هذا التأصيل أيضا القاعدة الفقهية: "الضرورات تُبيح المحظورات"، وهذه قاعدة عظيمة جليلة هامة، لكن لا ينبغي أن تؤخذ بمفردها ولا تطلق باستمرار، بل لابد من استحضار وتوافق وتقييد بالقاعدة الأخرى: "الضرورات تُقدَّر بقدرها"، فلا يُستغنى عن هذه بتلك، فاحفظ ذلك نفعني الله وإياك وهدانا صراطه المستقيم.

الخلاصة:
أن أصل الحكم التحريم والمنع إلا في حالات الضرورة والاستثناء والحاجة، لكن لا يجوز التوسع بها، إنما فقط ما يدفع به الضرر ويزال الخطر، ثم لابد من العودة إلى الحكم الأصلي، ونضرب على ذلك مثلاً نختم به هذا الجزء على أن نكمل التفصيل في أجزاء وحلقات قادمة بعون الله تعالى.

إنسان في صحراء وشارف على الهلاك والموت، ولم يجد إلا لحم الخنزير، ماذا يفعل؟ نقول يجوز له أكل لحم الخنزير بالقدر الذي يدفع به هلاكه وموته مع استحضار حُرمة ذلك واستقباحه، ثم يرجع إلى الأصل وهو تحريم الأكل، فليس له أن يتوسع ويتلذذ لدرجة الشبع، بحجة أنه سيموت أو جائع، والضرورات تبيح المحظورات!! كلا وحاشا، وهذا المثل يُعمم على جميع الأحوال والأحكام والمواقف.

إذاً وجود أي مسلم في تلك البلاد، ينبغي أن يكون من باب الاضطرار لا الاختيار، والاستثناء لا دوام الالتجاء، والفترة المؤقتة لا العيشة المرفهة، والممر لا المقر في هذه الحياة الدنيا، فهذا أصل عظيم وأساس قويم، وبفهمه نفع عميم، نهتدي به إلى صراط مستقيم.

انتظرونا ولا يتعجل متعجل، أو يسارع منفعل، فيُلقي الكلام جزافاً من غير تأمل، ويفهم جزء من الكلام ويترك أجزاء ليتقوَّل، فالكلام متواصل متسلسل متداخل، وكل واحد منا يُقَدّرُ ظرفه، ويعرف حاله، ويقيس ضرورته، فلا يعتذر بما ليس بعُذر، ولا يسترشد بقليل التقوى والبصر، فالله: }يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{ [8].

ومهما بلغت معاذير الإنسان فهو أعلم بها وبنفسه من غيره: }بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ{ [9].
وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
--------------------------------------------------------
[1] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، المسمى تفسير أبي السعود.
[2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المسمى تفسير السعدي.
[3] تفسير ابن كثير.
[4] حديث صحيح، انظر صحيح أبي داود وصحيح الجامع وإرواء الغليل للألباني.
[5] حسنة الألباني في صحيح الجامع.
[6] فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/ 78).
[7] المنتقى من فتاوى الفوزان، المسألة 149.
[8] (غافر: 19).
[9] (القيامة: 14-15).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: بلاد الكفر والعيش الاضطراري   14/09/17, 05:00 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج2
"بلاد الكفر والعيش الاضطراري"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بســــــم الله الرحمـــن الرحيــــم
الحمد لله على نعمة الإسلام، والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وصحبه عليهم الرضوان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
مما لاشك فيه أن أحوال المسلمين تتغير وتتبدل، وتمر بسلسلة تحولات وتقلبات، لاسيما في آخر الزمان، إذ يفشو الجهل ويُرفع العلم، ويكثر الهرج وتظهر الفتن، ولمّا كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار وامتحان، و(يبتلى الرجل على حسب دينه) [1]، حتى أخبر عليه الصلاة والسلام بأن عذاب أمة الإسلام في الدنيا (الفتن والزلازل والقتل والبلايا) [2].

أعداد من المسلمين يتعرضون في بلدانهم للظلم والاضطهاد والتضييق، بل يصل الحال للتنكيل والتعذيب والقتل، والدوافع إما دينية أو سياسية أو عرقية أو عنصرية أو طائفية ومذهبية وغيرها من الأسباب، فيضطر العديد منهم الانتقال لمكان آمن يحفظون فيه دينهم وأنفسهم وأعراضهم، وما حصل لشريحة مستضعفة مهمشة من المسلمين في العراق، وكذلك اللاجئين الفلسطينيين في العراق وغيرهم من بلاد المسلمين؛ لأمثلة شاخصة وشواهد واضحة في وقتنا الحاضر.

الأدهى من ذلك والأمرّ صعوبة إيجاد بديل إسلامي أو عربي، مما يضطر العديد من المهجرين قسراً والمبعدين من بلدانهم أو مواطن نشأتهم؛ لطلب اللجوء والمعيشة في دول الكفر، لِما يغلب على ظنهم من تحصيل ضالتهم، واستقرار في أوضاعهم، بل منحهم امتيازات وحقوق مفقودة في بلدانهم، حتى أخبرني أحد المهتمين بأن مسؤول في مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في إحدى الدول العربية أخبره بأنهم قدّموا طلبات للدول العربية لاستقبال لاجئين ومهجرين فلسطينيين من العراق فلم تقبل أي من الدول مما اضطرهم لطلب ذلك من دول أجنبية وهذا ما حصل حيث تم تهجير أكثر من (15000 فلسطيني) خلال السنوات الماضية لتلك الدول والله المستعان!!

من المهم أن نعرف بأن جميع الشرائع جاءت لتحافظ على مصالح الدنيا والدين، المبنية على كليات وضروريات خمس هي: "الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال"، ولابد من معرفة ترتيبها وأولوياتها عند التزاحم والتعارض والموازنة فأعظمها " حفظ الدين " ثم " النفس" ثم " النسل " ثم " العقل " ثم " المال"، وهنالك خلاف في تفاضل العقل والنسل أيهما يقدم على الآخر، والأكثر على تأخير المال على الجميع.

فينبغي على كل مسلم أن يقدم ضرورية الدين على ما سواها إذا ما تعارضت أو تزاحمت مع غيرها، فإن (أهم هذه المقاصد المحافظة على الدين بل هو لب المقاصد كلها وروحها، وأسها وجذرها، وما عداه فهو متفرع عنه محتاج إليه، احتياج الفرع إلى أصله، لا يستقيم إلا به، ولا يؤدي ثمرته ويؤتي أكله إلا بتغذيته) [3].

ولتأصيل القضية بشكل واضح ودقيق، وإدراكها بجميع حيثياتها، وبيان الملابسات وما يتعلق بها من أحكام ومفاهيم؛ لابد من معرفة مفهوم " الضرورة" وحقيقتها وحدودها ومدتها وأشكالها وشروطها، وما يصح منها وما لا يصح، واختلافها عن بعض المصطلحات القريبة منها وذات الارتباط، كالحاجة [4] والحرج [5] والجائحة [6] والعذر [7] والنازلة [8] والمشقة [9] والإكراه [10] وغيرها.

والضرورة هي القاسم المشترك في قضيتنا وغيرها من المسائل، وعليها مدار الأحكام الاستثنائية والطارئة، وبموجبها يتحدد مناط الحكم، لاسيما وقد تساهل بها كثير من المسلمين، ووسعوها بغير محلها، وفُتحَت على مصراعيها، فلابد من تصور تام شامل متكامل مبني على أسس شرعية رصينة بقواعد صحيحة، حتى لا تختلط الأمور وتنقلب الموازين.

فالضرورة اسم من الاضطرار
والاضطرار:
الاحتياج الشديد.

وعرفها الجرجاني:
بأنها النازل مما لا مدفع له.

وهي عند الفقهاء:
بلوغ الإنسان حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح المحرم [11].

وعليه فإن أي مسلم بأي مكان خشي على دينه من الضياع والفتنة، ونفسه من الهلاك، وماله من الزوال، وعرضه من الانتهاك؛ ينبغي عليه بل يجب -بحسب الحاجة والحالة- ترك هذا المكان والانتقال لمكان آخر يحفظ فيه دينه ونفسه وعرضه وماله بحسب الأولويات.

قد لا يجد المسلم بديل أفضل من بلده أو وطنه أو مدينته، فعليه أن يتحرى الأقل ضرراً على دينه ثم بقية الضروريات، ولا يستعجل في اختيار حلول مريحة ماديا ونفسيا لكن ضررها الديني ظاهر، وعند تزاحم المفاسد فالواجب دفع المفسدة العظمى بتحصيل الصغرى، فهذه قاعدة جليلة عظيمة فلننتبه.

ولو أخذنا إنموذجاً:
ما حصل للاجئين الفلسطينيين في العراق بالمجموع من ظلم واضطهاد مضاعف؛ فمن جهة تم تهجير معظمهم من العراق، ومن جهة أخرى لم يجدوا أي من الدول الإسلامية والعربية من يستقبلهم ويقدم لهم التسهيلات!!

لتبدأ محنة جديدة ومأساة مخيفة ونهاية في الغالب غير حميدة، فلم يكن لهم بدٌ ولا سبيل إلا العيش في بلاد الغربة، ومجتمعات الكفر والإلحاد، ولسان مقالهم: }لا يكلف الله نفسا إلا وسعها{ [12]ولسان حالهم (مكره أخاك لا بطل).

كل مسلم اضطر للإقامة في بلاد الغربة، أعرَف بنفسه من غيره لحجم الضرورة، ونسبة حاجته لذلك: }بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ{ [13] لكن لابد من تقوى الله عز وجل، ومراقبته في السر والعلن، واختيار الحكم المناسب في الوقت المناسب، ووضع الأشياء في نصابها، لأن الله عز وجل: }يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{ [14]، و }لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ{ [15]، و}إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{ [16]، ويوم القيامة سيكشف المستور، وتظهر خفايا ما في الصدور، نعوذ بالله العزيز الغفور، من الحور بعد الكور.

أخيراً على كل مسلم يعيش في مجتمعات الغربة التنبه لما يلي:
1-    ضرورة الخوف من الله عز وجل، لأن هنالك يوم آخر وفيه حساب وعقاب، وجنة أو نار: }قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [17]{، ولابد أيضا من طلب العلم الشرعي، والتفقه في دين الله عز وجل، ( فالعابد الجاهل ما يفسد أكثر مما يصلح) [18]، مع ضرورة الحيطة والحذر من التأثر بالعقائد والأخلاق والسلوكيات والعادات والتقاليد والمظاهر الاجتماعية المخالفة للإسلام في تلك المجتمعات.

2-    كثرة اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء والتضرع والتذلل للخلاص من هذه المحنة وتلك الضرورة، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان[19] إلى يوم القيامة) [20]. ‌

3-    التيسير أمر شرعي معتبر، فإذا تعارض مع أحد مقاصد الشريعة فلا يعتبر تيسيراً شرعياً، بل هوى وحظوظ النفس، يقول سبحانه وتعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا{ [21]، فأنكر الله عليهم تبريرهم بالاستضعاف وما اعتبروه تيسيرا، لإصرارهم على البقاء في المجتمع الكافر، مع تمكنهم من مفارقته فتأمل.

4-    الإقامة الضرورية والعيش في بلاد الكفر مؤقتة وليست دائمية، واستثنائية وليست أصلية، وطارئة وليست مستمرة، وينبغي على كل مسلم بذل قصارى جهده للتخلص من حالة الضرورة، والانتقال ولو تدريجياً إلى بيئات أقل ضرراً وأنفع لدينه وذريته ولو على حساب بعض الامتيازات المادية، و(من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه) [22].

5-    إباحة الإقامة في بلاد الكفر للضرورة، ليست من الطيبات ولا المستحبات، ولا مطلوب شرعا لذاته، فلابد من استشعار هذا الأصل فإنه نافع جدا، فمن لجأ للضرورة حتى يرفع الإثم عنه لعدم مخالفة مقاصد الشريعة الكلية، لا أنّ هذا الأمر سائغ ومحمود، فلا تُزكي تلك المجتمعات ولا تثني عليها، مع الإنصاف في الأحكام فتنبه.

6-    لابد من التخلص بأسرع وقت من تلك الضرورة، والسعي الحثيث والجاد، لإيجاد بدائل وبيئات ملائمة ومناسبة، يحفظ فيها المرء عقيدته ودينه ويصون أخلاقه وذريته، لا أن يستسلم للقدر أو يتأقلم مع الواقع أو يرضى بوضعه الجديد، وكأنّ المشكلة زالت والقضية انتهت كلا وحاشا ، ولنعلم جميعا بأن المضطر إذا لم يَسعَ للخروج من الضرورة فإنه يأثم لأن الضرورة تقدر بقدرها كما هو مقرر، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

7-    الضرورة يجب أن تقدر بقدرها، ومن جهة أخرى لابد أن تكون ضرورة حقيقية وفيها حرج كبير على الشخص، لا أن ينظر لها من باب المزاج والكسب المادي والراحة المعيشية والرفاهية في هذه الدنيا، وقد تكون هنالك بعض المشاق التي ممكن تحملها والصبر عليها، ولا داعي أن يتسرع الإنسان أو يخادع نفسه في حالات عدم الضرورة القصوى، فالحفاظ على الدين من أعظم المقاصد.

8-    في تلك المجتمعات يجب البحث عن أماكن المسلمين وتجمعاتهم، والسكن قرب المساجد والحرص على الصحبة الصالحة الطيبة، مع ضرورة تعليم الأولاد تعاليم دينهم ولغتهم العربية، وبيان الحكم الشرعي الحقيقي لتواجدهم، لحين الخلاص الكلي من تلك الضرورة.
نفعنا الله وإياكم بما قلنا وكتبنا، وهدانا جميعا إلى صراطه المستقيم، إنه نعم المولى ونعم النصير.
--------------------------------------------------------
[1] جزء من حديث صحيح، انظر صحيح الجامع رقم 992.
[2] انظر صحيح الجامع رقم 1396.
[3] مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة الشرعية، ص 192.
[4] الحاجة كما عرفها الشاطبي: ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المصلحة، فإذا لم تراع دخل المكلفين – على الجملة – الحرج والمشقة. الموسوعة الفقهية ( 16/247).
[5] الحرج في اللغة: بمعنى الضيق، ويطلق عند الفقهاء على كل ما تسبب في الضيق، سواء أكان واقعا على البدن أم على النفس أم عليهما معا، والصلة بين الضرورة والحرج أن الضرورة هي أعلى أنواع الحرج الموجبة للتخفيف. الموسوعة الفقهية ( 28/192).
[6] الجائحة في اللغة الشدة، تجتاح المال من سنة أو قتنة، وهي مأخوذة من الجوح بمعنى الاستئصال والهلاك. الموسوعة الفقهية ( 15/67). والجائحة قد تكون سببا للضرورة. الموسوعة الفقهية ( 28/193).
[7] العذر العام: هو الذي يتعرض له الشخص غالبا في بعض الأحوال... والصلة بين الضرورة وبين العذر أن العذر نوع من المشقة المخففة للأحكام الشرعية، وهو أعم من الضرورة. الموسوعة الفقهية ( 28/ 192).
[8] قال في المصباح: النازلة المصيبة الشديدة تنزل بالناس. وفي القاموس: النازلة الشديدة. وفي الصحاح: النازلة الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس. غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر ( 4/133).
[9] المشقة في اللغة: بمعنى الجهد والعناء والشدة والثقل. الموسوعة الفقهية ( 37/320).
[10] الإكراه لغة: حمل الغير على شيء لا يرضاه... وقد يؤدي الإكراه إلى الضرورة كالإكراه الملجئ. الموسوعة الفقهية ( 28/ 193).
[11] الموسوعة الفقهية ( 28/191).
[12] ( البقرة: 286).
[13] ( القيامة: 74-75).
[14] ( غافر: 40 ).
[15] ( آل عمران: 3 ).
[16] ( آل عمران: 119 ).
[17] ( الزمر: 15).
[18] من أقوال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
[19] أي يتصارعان ويتدافعان.
[20] حديث حسن، أنظر صحيح الجامع رقم 7739.
[21] ( النساء: 97).
[22] حديث صحيح، أنظر حجاب المرأة ولباسها في الصلاة للشيخ الألباني ص47.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: مفهوم وحقيقة الهجرة   14/09/17, 05:10 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج3
"مفهوم وحقيقة الهجرة"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذو الجلال والإكرام، ذو الفضل والإنعام، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام، وعلى آل بيته الكرام وصحابته الأعلام، ومَنْ تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان.

وبعد:
كنا قد تكلمنا في حلقتين سابقتين، عن تأصيلات مهمة وأحكام جلية، تتعلق بوجود المسلم في بلاد الغربة، وتتمة لذلك ولكثرة الخلط لدى كثير من الناس، وتغيّر المفاهيم وانقلاب الموازين، والابتعاد عن حقائق الأشياء والمضامين، في وقتنا الحاضر لاسيما بقضية هامة جدا بل هي من الدين، كان لزاما علينا بشيء من التوضيح والتبيين، الحديث عن حقيقة ومفهوم الهجرة في الإسلام.

الهجرة لغة:
مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة.

وفي الاصطلاح:
الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية... والصلة بين الهجرة وبين دار الحرب أنها الدار التي يهاجر منها المسلم إلى دار الإسلام قربة إلى الله تعالى.[1]

يتضح من التعريف أن المفهوم الحقيقي للهجرة، هو الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو إن شئت فقل، من دار الشرك إلى دار التوحيد، أو من مكان الظلم والإلحاد والانحراف إلى مكان العدل والإيمان والاستقامة، أو من أماكن تواجد البدع إلى أماكن تواجد السنن وهكذا  بحسب الأحوال.

وعليه فمن الخطأ الفادح تسمية من انتقل من بلد إسلامي إلى بلد كافر بالمهاجر، وقد اشتهر هذا المصطلح لدى كثير من المسلمين، فإذا أراد أحدهم السفر إلى كندا مثلا أو أستراليا أو غيرها من الدول للإقامة، يقول سوف أقدّم على الهجرة لتلك الدولة، أو سأهاجر لنيوزلندا مثلا، وهذا قلب للحقيقة وتغيير للألفاظ، ونحن مأمورون باتباع المصطلحات الشرعية لما لغيرها من الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على المعتقد والفهم ثم السلوك والتصرف، ومن الممكن الاصطلاح عليه بأنه سفر أو غربة أو استيطان أو إقامة لا هجرة فلينتبه.

والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.[2]

قال الشيخ الألباني:
(ونحوه " التغرب ": السفر إلى بلاد الغرب والكفر، من البلاد الإسلامية إلا لضرورة وقد يسمي ذلك بعضهم بـ " الهجرة " وهو من القلب للحقائق الشرعية الذي ابتلينا به في هذا العصر فإن الهجرة إنما تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام . والله المستعان).[3]

ويقول أيضاً:
نصيحتي لهؤلاء الشباب الذين اضطروا أن يسافروا ولا أقول أن يهاجروا، لأن العكس هو التمام هو الكمال وهو أن يهاجر الكفار من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وليس العكس الواقع اليوم أن يهاجر المسلمون من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر -الأمريكان- ويسمونها بغير اسمها "المهجر"!! فالواجب عليهم أن يدعوا تلك البلاد في أقرب وقت ممكن سواء من كان منهم مضطراً أو مغرراً به أن يعودوا إلى بلاد الإسلام ولو أن يعيشوا شظف العيش لأن الله عز وجل تولى لكل إنسان رزقه (وفي السماء رزقكم وما توعدون).[4]

والهجرة هجرتان حسية ومعنوية أو ظاهرة وباطنة أو هجرة بالجسد وأخرى بالقلب، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تلك القسمة إذ قال: (الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة... والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها.

وهجرة القلب هي هجرة تتضمن " من " و " إلى " فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له).[5]

قال عليه الصلاة والسلام: (المسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه)،[6] قال الحافظ ابن حجر: (وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن).[7]

وقسَّم المالكية الذهاب في الأرض قسمين:
هرباً وطلباً.

فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول:
الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في أيام النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويختلف في حاله.

الثاني:
الخروج من أرض البدعة.

قال ابن القاسم:
سمعت مالكاً يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسَبُّ فيها السلف.

قال ابن العربي:
وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزُل عنه، قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

الثالث:
الخروج من أرض غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.

الرابع:
الفرار من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور.

وأول مَنْ فعله إبراهيم عليه السلام فإنه لَمَّا خاف من قومه قال: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) [8]، وقال: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [9]، وقال مخبراً عن موسى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) [10].

الخامس:
خوف المرض في البلاد الوخِمَة والخروج منها إلى الأرض النَّزِهة.

السادس:
الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم محرمة دمه، والأهل مثله وأوكد.[11]

ولِعِظم الهجرة وأهميتها في دين الله قرنها الله عز وجل بغير ما آية مع الإيمان والجهاد، قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [12]، قال قتادة: كان يقال الإسلام درجة والهجرة في الإسلام درجة والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة[13].

قال ابن القيم:
ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } [14] وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره.[15]

والانتقال من مكان إلى آخر، إذا صاحبه إخلاص ونية صادقة فهو من أجلّ القُرَب والعبادات، عكس ما إذا كان لأغراض دنيوية محضة كمجرد الرزق وتبعاته بمعزل عن أصل المقصد والنية، وقد فرق النبي عليه الصلاة والسلام بين عدة أنواع في الهجرة بحسب النية فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الأعمال بالنية، ولكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه)[16]، لا يقبل فى الهجرة والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه، وما لا يريد به وجهه فلا يرضى به[17].

إن أعظم حكمة لتحقيق مفهوم الهجرة، العمل على تكوين مجتمع إسلامي متكامل، فيه عقائد صافية وشعائر ظاهرة، ونُظُم اجتماعية، وآداب وسلوكيات خُلُقية، ونصرة دين الله وتأييده، وإعزاز أمره، وكلما اقتربنا من تطبيق المعنى الحقيقي للهجرة، كنا من تحقيق هذه المعاني أقرب.[18]

والهجرة شرعت لثلاثة أسباب أو حكم، اثنان منها يتعلقان بالأفراد والثالث بالجماعة:
أَمَّا الْأَوَّلُ:
فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهَا ذَلِيلًا مُضْطَهَدًا فِي حُرِّيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالشَّخْصِيَّةِ، فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَكُونُ فِي مَكَانٍ يُفْتَنُ فِيهِ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ إِقَامَتِهِ فِيهِ كَمَا يَعْتَقِدُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْهُ إِلَى حَيْثُ يَكُونُ حُرًّا فِي تَصَرُّفِهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ إِقَامَتُهُ مَعْصِيَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْمَعَاصِي.

وَأَمَّا الثَّانِي:
فَهُوَ تَلَقِّي الدِّينِ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصًّا بِالزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِرْسَالُ الدُّعَاةِ وَالْمُرْشِدِينَ مِنْ قِبَلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَذِّرًا لِقُوَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَسْلَمَ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ عُلَمَاءُ يَعْرِفُونَ أَحْكَامَ الدِّينِ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى حَيْثُ يَتَلَقَّى الدِّينَ وَالْعِلْمَ.

وَأَمَّا الثَّالِثُ - الْمُتَعَلِّقُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ:
فَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ جَمَاعَةٌ أَوْ دَوْلَةٌ قَوِيَّةٌ تَنْشُرُ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ، وَتُقِيمُ أَحْكَامَهُ وَحُدُودَهُ، وَتَحْفَظُ بَيْضَتَهُ وَتَحْمِي دُعَاتَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ بَغْيِ الْبَاغِينَ، وَعُدْوَانِ الْعَادِينَ وَظُلْمِ الظَّالِمِينَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ أَوِ الدَّوْلَةُ أَوِ الْحُكُومَةُ ضَعِيفَةً يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْ إِغَارَةِ الْأَعْدَاءِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا كَانُوا وَحَيْثُمَا حَلُّوا أَنْ يَشُدُّوا أَزْرَهَا، حَتَّى تَقْوَى وَتَقُومَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى هِجْرَةِ الْبَعِيدِ عَنْهَا إِلَيْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوبًا قَطْعِيًّا لَا هَوَادَةَ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ رَاضِيًا بِضَعْفِهَا وَمُعِينًا لِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ وَخَفْضِ كَلِمَتِهِ.[19]

وقد حث الله سبحانه وتعالى ورغّب على الهجرة في سبيل الله، للمحافظة على ضرورية الدين بدرجة أساس، مع الأخذ بنظر الاعتبار بقية الضروريات حسب الترتيب، قال تعالى: ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )[20]، فيه دليل على أن الهجرة لا بدّ أن تكون بقصد صحيح ، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا[21].

قال ابن كثير:
(هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه )[22].

هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.

وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء.

والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا.

فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى.[23]

وعليه فمن حقق الهجرة في سبيل الله، فقد حاز خيري الدنيا والدين، حيث أقام الدين كما أراد الله عز وجل، وتبعه السعة في الرزق والانتقال من الضلالة إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، كما وعد الله سبحانه.

فمن اضطر للانتقال من مكان لآخر، للحفاظ على نفسه أو ماله أو عرضه، ولم يجد بديلا إلا بلاد الغربة، فليعلم أن ضرورة الدين والحفاظ عليه من أولى الأولويات التي يجب استحضارها في كل وقت، ولا يمكن أن تكون هنالك ديمومة آمنة محصنة لأي نوع من الحياة مع ضعف البيئة الدينية، فالهجرة من أجل الدين والإيمان دائمة مستمرة، أما الهجرة من أجل الأمن والأمان فهي مؤقتة وسرعان ما تنتهي بمجرد زوال المقتضى والسبب، هذا ما سنبينه في حلقة قادمة بعون الله تعالى.
-----------------------------------------------------------------
[1] الموسوعة الفقهية ( 24/177).
[2] ينظر فتح الباري لابن حجر، تحفة الأحوذي، سبل السلام، نيل الأوطار، عند الحديث عن قوله عليه الصلاة والسلام ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ).
[3] السلسلة الصحيحة (5/299-300) في تعليقه على الحديث رقم 2244.
[4] من سلسلة الهدى والنور شريط رقم 328.
[5] زاد المعاجر أو الرسالة التابوكية ص11.
[6] صحيح البخاري.
[7] فتح الباري لابن حجر(1/54) ط السلفية.
[8] (العنكبوت: 26).
[9] (الصافات: 99).
[10] (القصص: 21).
[11] الموسوعة الفقهية (42/ 185-186).
[12] (التوبة: 20).
[13] زاد المسير في علم التفسير (2/175).
[14] (البقرة: 218).
[15] زاد المعاد (3/11-12).
[16] متفق عليه، واللفظ للبخاري.
[17] شرح صحيح البخاري لابن بطال (6/499-500).
[18] ينظر مجلة البيان عدد 20، مقال بعنوان " من إلهامات الهجرة" لمحب الدين الخطيب.
[19] تفسير المنار لرشيد رضا (5/361-362).
[20] (النساء: 100).
[21] فتح القدير.
[22] تفسير ابن كثير.
[23] تفسير السعدي.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الهجرة بين طلب الإيمان والأمان   14/09/17, 05:19 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج4
"الهجرة بين طلب الإيمان والأمان"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم الحكيم، الغفور الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد:
لكل انتقال من مكان لآخر، دافع ومبرر ومقتضى، والنية تلعب دوراً أساسياً في ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام (الأعمال بالنية) [1]، والقدرة والاستطاعة كذلك لها تأثير في ذلك، والهجرة المشروعة هي التي تكون في سبيل الله، وهي من الدين بل قرنها الله سبحانه وتعالى بالإيمان والجهاد.

قد يكون دافع السفر أو الرحيل والانتقال، تحسين الوضع المعاشي وطلب كسب الرزق، وقد يكون الوازع مجرد الحصول على الجنسية وزيادة الرفاهية بالعيش، وقد يكون السبب الدراسة والحصول على شهادة عليا، وقد يكون المبرر الفرار من الفتن وطلب الأمن والأمان، وقد يكون للحفاظ على الدين وإيجاد مجتمعات تسود فيها الأخلاق والآداب الإسلامية وبالتالي المحافظة على الذرية، وقد يكون هنالك دوافع وأشياء أخرى تختلف بحسب الأحوال والأزمان والأماكن والمقتضيات.

إن من أولى مقتضيات الهجرة والانتقال المشروع، هو طلب الأمن والأمان والإيمان، فهذا أصل عظيم ينبغي على كل مسلم استحضاره في كل حين، وما أحوجنا لهذا الأصل في أيامنا هذه، نتيجة اختلاط الأمور وكثرة الفتن، وقلة البدائل وضعف ترتيب الأولويات.

ومع كثرة المسلمين من حيث العدد والعدة والخيرات والموارد في هذا الزمان، إلا أن بُعدَهم عن تمسكهم الحقيقي بدينهم، وحب الدنيا والانغماس في الماديات وكراهية الموت، وانعدام المفهوم الحقيقي لمعنى الهجرة، جعلهم ضعفاء مشتتين متفرقين أذلاء، يقول عليه الصلاة والسلام (يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله و ما الوهن؟ قال حب الدنيا و كراهية الموت)[2].

من أجلّ وأعظم حِكَم الهجرة في سبيل الله، وترك الأوطان والأموال والأحبة والأهل؛ إيجاد وتكوين مجتمع إسلامي متكامل قوي قادر على الدفاع عن مبادئه وقيمه، والحفاظ على تماسكه ووحدته من أي خطر خارجي وداخلي، ولا يتحقق ذلك إلا بفهم راسخ لمعنى الهجرة والانتقال، والعمل الحثيث من مجموع المسلمين لتطبيق هذه الحقيقة، والابتعاد عن حظوظ النفس، والشعور بالمسؤولية وتحملها، والتعاطي بإيجابية مع كل الأحداث.

قال الخطابي وغيره:
كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو.[3]

يمكن تقسيم الهجرة أو الانتقال، من مكان لآخر بحسب الضرورة والمقتضى وملابسات الحالة وحيثياتها، إلى هجرة مؤقتة وأخرى دائمية، أو إن شئت فقل هجرة أمن وأمان وأخرى هجرة دين وإيمان، والهجرة المؤقتة التي ينشد أصحابها الأمن والأمان، هي وسيلة وسبيل لتحقيق الهجرة، التي لا تنقطع إلى قيام الساعة، وتحقيق الشرع والإسلام.

الإيمان لا يتحقق إلا إذا توفر الأمن والأمان، وكلاهما مطلب أساسي للمسلم، والحفاظ على الدين من أولى الضروريات، ثم يتبعه المحافظة على النفس، وعليه قد يحتاج المسلم إلى الهجرة، للحفاظ على الدين والنفس والعرض والمال بوقت واحد، وهذا أقصى درجات الضرورة في الانتقال، وقد يحتاج المحافظة على النفس مؤقتا بهجرة ونقلة سريعة، لغاية أسمى ومطلب عظيم وهو المحافظة على الدين.

ولفهم هذه الحقيقة لابد من معرفة ملابسات وفوائد وحِكم، هجرتي الحبشة والهجرة إلى المدينة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، (فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاد والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن بأرض الحبشة ملكاً، لا يُظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه".

فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، قالت أم سلمة: فلما نزلنا أرض الحبشة نزلنا بخير دار، وجاورنا بها خير جار- النجاشي – أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، ولم نخش فيها ظلما ).[4]

تلك هي أول هجرة في الإسلام، وكانت في السنة الخامسة من البعثة، بعد أن أوذي الصحابة من قبل كفار قريش، ولم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم ودينهم من شدة الضعف، وفي تلك الأثناء لم يكن للإسلام دولة ولا غلبة أو منعة، فحثهم عليه الصلاة والسلام الذهاب إلى الحبشة، لماذا؟ لأن بها ملكا لا يُظلم أحد عنده وهذا قيد مهم، في ظل عدم وجود أي قوة أو عمق إسلامي آنذاك.

وفي أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة حدث أن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام، فقرأ سورة النجم فسجد في موضع السجود وسجد كل من كان حاضرا إلا اثنين من المستكبرين، فشاع أن قريشا قد أسلمت.[5]

ثم بلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة" أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة فلم يجدوا ما أخبروا صحيحا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية .[6]

ومن قوله عليه الصلاة والسلام: (حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه)، وفعل الصحابة من خلال عودتهم السريعة الأولى إلى مكة بمجرد سماع شائعات تفيد بإسلام أهل مكة، هذا يدل على أن المسلم ينبغي أن لا يتأخر ولا يتوانى بالخلاص من الملاذ الآمن المؤقت، إذا وجد مكان آخر يقيم فيه دينه وعباداته ويظهر شرائعه ولا يخشى في الله لومة لائم، فإنه الأصلح والأنفع بل الأفرض عليه حينها، لانتفاء مقتضى استمرارية البقاء في المكان البديل فتأمل.

وعندما بلغ الخطر مبلغه وذروته، اضطر عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، الهجرة من أرض الكفر والشرك في مكة آنذاك، والانتقال إلى المدينة للحفاظ على دعوته وتكوين مجتمع إسلامي موحد، وكانت الهجرة في حينها فرض عين على كل مسلم لأن المدينة هي الدولة الإسلامية الوحيدة على وجه الأرض، وهذا ما يعرف بهجرة الإيمان.

وقد حث الله عز وجل في غير ما آية ونبيه عليه الصلاة والسلام بأحاديث عديدة، على ضرورة الهجرة والالتحاق بركب المسلمين، والمساهمة بتكوين لبناتها وتأسيس أول نواة للدولة الإسلامية، ولم يعذر الله عز وجل من تخلف عنها حيث قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[7].

هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: {فِيمَ كُنْتُمْ} أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.

{قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْض} أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة.

وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم [ص 196] وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة.

ولهذا قالت لهم الملائكة:
{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجِب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع، وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر.[8]

وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرةِ من موضع لا يتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان [9]، وظاهر الآية أنّ الخروج إلى كلّ بلد غير بلد الفتنة يعدّ هجرة[10].

ثم استثنى الله عز وجل من لا يقدر على الهجرة، لاستضعافه وعدم تمكنه من المغادرة، أو انقطاع جميع السبل للوصول إلى بر الأمان، فقال سبحانه (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [11]، وقيل: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي: لا يجدون حيلة، ولا طريقاً إلى ذلك، وقيل: السبيل: سبيل المدينة[12].

وجملة:
{لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } حال من المستضعفينَ موضّحة للاستضعاف ليظهر أنّه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم {كُنَا مستضعفين في الأرض}، أي لا يستطيعون حيلة في الخروج إمّا لمنع أهل مكة إيّاهم، أو لفقرهم: { ولا يهتدون سبيلاً } أي معرفة للطريق كالأعمى .[13]

فقط استثنى الله سبحانه وتعالى من عدم الهجرة، وعذر المستضعفين الذين انقطعت بهم كل السبل المتاحة لمغادرة المكان، ولم يتسن لهم أي من الحيل والمناورة في المغادرة، لكن من تعرض للظلم والاضطهاد في دينه، ويخشى على نفسه من القتل والهلاك، على يد محتل أو حاكم ظالم أو أعوانه من المرتزقة، ووجد مأوى آخر وبديل أقل ضررا، فيجب عليه الانتقال حتى لو سلك طرقا ملتوية كأن يصدر جوازا مزيفا، أو أوراق ثبوتية أخرى، لحين الوصول إلى بر الأمان، وهذا يعد من الحيل الممكنة في حال انقطاع جميع السبل الاعتيادية.

ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فقد تعرض قرابة 25000 فلسطيني للاضطهاد في العراق بعد عام 2003، ووصل الحال بهم عدم التمكن من إظهار هويتهم الفلسطينية، خوفا من الميليشيات الصفوية التي تقتل وتعذب وتختطف على الهوية، والأنكى من ذلك عدم تمكن أي من الفلسطينيين من مغادرة البلاد لعدم حصولهم على أي أوراق ثبوتية أو وثائق سفر أو جوازات تتيح لهم السفر، فأصبحوا بين القتل المحقق أو إيجاد حيلة وطريقة لمغادرة العراق أولا، والنجاة من الظلم الذي تعرضوا له، وهذا ما حصل فعلا للعديد منهم.

والأعجب من ذلك كله وقد تحار العقول ولا تصدقه، ولا تستوعب ما حصل بعد ذلك، من عدم استقبال أي من الدول العربية والإسلامية أي من أولئك المهجرين الفارين من أرض الفتن، ما اضطرهم للسفر والانتقال إلى بلاد الكفر التي فتحت لهم أبوابها واستقبلتهم واحتضنتهم، في الوقت الذي تخلى عنهم أبناء الدين والقومية، وقد يضطر العديد من المسلمين ترك بلدانهم واللجوء إلى دول ومجتمعات غير إسلامية لنفس الأسباب.

لكن لابد من التفريق بين هذا النوع من الهجرة للحفاظ على النفس أولا وبشكل سريع وعاجل، حتى لو اضطر المسلم الالتجاء إلى دولة كافرة، كما حصل في هجرة الصحابة إلى الحبشة، لكن ما نود الإشارة إليه والتنبيه عليه، أن تلك الهجرة مؤقتة وليست دائمة كما يحلو للكثير، فمتى ما زالت الضرورة واستشعر المسلم بشيء من الأمن والأمان، وحرية التحرك والتنقل والفسحة في الخيارات، فيجب عليه حينها الانتقال لمكان آخر يحفظ فيه دينه وعقيدته وذريته، وتقديم ذلك كله على أي مقاييس مادية مع الصبر على شظف العيش وضيق الرزق لأن ضرورية الدين مقدمة على كل شيء فتأمل.

لذلك بعد هذا البيان، من العزيز الديان، حثنا الله عز وجل على تحقيق الهجرة المطلوبة، وصدق النية والإخلاص في ذلك، حيث قال سبحانه (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [14].

هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.

وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء.

والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا.

فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى.

واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة.[15]

وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة إذا وجد معناها، وهو الفرار بالدين عند خوف الافتتان فيه، أو عند العجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو رد البدع المنكرة.

أما عند خوف الافتتان فمن بقي في دار الحرب عاجزا عن إظهار دين الإسلام عَصِيَ معصية عظيمة...

وكذلك يَعصى من أقام ببلد البدع والمنكر الذي لا يقدر على تغييره فيها، أو بأرض غلب عليها الحرام، فإن طلب تغير الحال فرض على كل مسلم.[16]

وأخيرا لابد التفريق بين هجرة مؤقتة، نحافظ فيها على أنفسنا من أي مخاطر محدقة، حتى لو اضطررنا الانتقال لبلاد الكفر، إذا أغلقت الدول العربية والإسلامية أبوابها، لكن يجب أن لا نتخذ تلك الدولة الجديدة موطنا أبديا، لأن الغاية من الهجرة والانتقال والأصل فيها المحافظة على الدين، مع ما يحصل من ابتلاء واختبار في القضايا المعيشية والمادية، فلننتبه لهذا الفرق وفقنا الله وإياكم لكل خير.
---------------------------------------------------
[1] متفق عليه.
[2] السلسلة الصحيحة رقم 958.
[3] تحفة الأحوذي( 5/214-215).
[4] صحيح السيرة النبوية ( 2/ 141)، محمد طرهوني .
[5] السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري ص 171.
[6] المصدر السابق.
[7] ( النساء:97 ).
[8] تفسير السعدي.
[9] تفسير أبي السعود.
[10] تفسير ابن عاشور.
[11] ( النساء:98 ).
[12] فتح القدير.
[13] تفسير ابن عاشور.
[14] ( النساء:97).
[15] تفسير السعدي.
[16] حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار عليه الصلاة والسلام وعلى آله المصطفين الأخيار (1/234)، لابن الديبع الشيباني.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الفرق بين الكفر والإسلام   14/09/17, 05:28 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج5
"الفرق بين الكفر والإسلام"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده، وعلى آله وصحبه وجنده.

وبعد:
كنت قد تكلمت في الحلقة السابقة عن بعض الأحكام التي تتعلق بالهجرة، من حيث الأمن والأمان وتفصيل ذلك، صُدمت وتفاجئت بتعليق من أحد الأخوة، التبس عليه الحق بالباطل في أمور هي معلومة من الدين بالضرورة، وقد وردت بصريح القرآن، فقلت في نفسي لعل هذه من آثار التواجد في بلاد الغربة والتأثر بهم، وهذا يدل على خطورة الأمر إلا من عصمه الله تعالى بالحصانة الإيمانية، من التقوى والعلم النافع والعقيدة السليمة والمنهج السديد.

ما جاء في التعليق عبارة عن خلط كبير وتلبيس واضح، بما يخص مصطلح الكافر والمسلم، وما يندرج تحت اصطلاح الكافر من تسميات وأقسام، والتي منها الملحد والمشرك الوثني والمجوسي واليهودي والنصارني اللذين هم أهل الكتاب، وغيرهم من الأديان والملل الكافرة، فلابد من الوقوف مع هذه الحقائق، وإزالة اللبس بعلم ودليل وبرهان، بعيدا عن أي تأثر أو تعاطف أو ميل، إما بسبب الجهل أو الهوى أو الشبهة والشهوة.

أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين إلى أقوامهم خاصة، قال سبحانه (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[1]، وأرسل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام إلى الناس كافة، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، قال سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )[2]، أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين[3]، أي: جميعاً، إنسهم وجِنّهم، عَربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم[4].

والإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأمم السابقة واللاحقة، قال شيخ الإسلام: وَكَانَ دِينُهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ: الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا غَيْرَهُ لَا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنَ الْآخِرِينَ،وَهُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ.[5]

ومن معاني الإسلام في اللغة:
الإذعان والانقياد، والدخول في السلم، أو في دين الإسلام.

وفي الشرع فمعناه منفرداً:
الدخول في دين الإسلام أو دين الإسلام نفسه.

والدخول في دين الإسلام هو استسلام العبد لله عز وجل باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشهادة باللسان، وتصديق بالقلب، والعمل بالجوارح. ومعناه إذا ورد مقترنا بالإيمان هو: أعمال الجوارح الظاهرة، من القول والعمل كالشهادتين والصلاة وسائر أركان الإسلام.[6]

الإيمان برسل الله جميعا، دون تفريق، هو شرط الإيمان، وعدم الإيمان بواحد منهم هو كفر بهم جميعا، إذ الإيمان لا يتجزأ، فعندما يكفر بواحد من رسل الله يكون قد كذب الله الذي أرسله ولأن جميع الرسل عليهم السلام جاؤوا بكلمة التوحيد، فإن الله سبحانه يقول عمن يكذب بواحد منهم إنهم يكذبون الرسل -مع أنهم لم يرسل إليهم إلا رسولا واحدا، ليوحي التعبير بأن تكذيب الرسول الواحد هو بمثابة تكذيب الرسل كلهم، لأنهم كلهم يقولون ذات الشيء بلا تغيير- فمن كذب واحدا منهم فقد كذبهم جميعا.[7]

وذلك هو شأن اليهود والنصارى، الذين كذبوا رسل الله إلى خلقه بوحيه، حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه أباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل إلى ذلك الدليل.

بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود -عليهم لعائن الله-: آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا، عليهما الصلاة والسلام، والسامرة منهم: لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران. والنصارى الضالون: آمنوا بعيسى وبالأنبياء من قبله، وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد عليه الصلاة والسلام ومن كلا الفريقين أو الطائفتين من آمن بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ولكن على أنه نبي للعرب خاصة، وليست رسالة عامة للبشر كافة، ولا لبني إسرائيل -بزعمهم- ونحو هذا من تفرقاتهم التي كانت تعنتا وزورا وضلالة، واتخذوا بين أضعاف ذلك طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، -يدعون الناس إليه، فكفروا عنئذ بالله ورسله على ما يؤدي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم وتحكماتهم- وإن لم يصرحوا بأنهم يؤمنون بالله ويكفرون برسله- بل حصل كفرهم بطريق الالتزام.[8]

والكفر شرعاً:
هو إنكار ما علم ضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، كإنكار وجود الصانع، ونبوته عليه الصلاة والسلام، وحرمة الزنى ونحوه.[9]

والكافر هو المقابل للمسلم، والكفار ثلاثة أقسام:
قسم أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى بفرقهم المختلفة، وقسم لهم شبهة كتاب وهم المجوس، وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان.[10]

فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق وجعل منهم الكافر والمؤمن، فمن آمن ففي الجنة خالدا فيها، ومن كفر ففي النار خالدا فيها، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[11]، أي فبعضكم كافر به تعالى وبعضكم مؤمن به عز وجل[12].

يقول عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، ثم لم يؤمن بي؛ إلا كان من أهل النار)[13]، قال الشيخ الألباني تعليقا على هذا الحديث: والحديث صريح في أن من سمع بالنبي عليه الصلاة والسلام وما أرسل به، بلغه ذلك على الوجه الذي أنزله الله عليه، ثم لم يؤمن به عليه الصلاة والسلام، أن مصيره إلى النار، لا فرق في ذلك بين يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني.

فكل من بلغته الدعوة "صاحب كتاب" يجب عليه الإيمان به، ويحرم عليه البقاء على ما هو عليه، سواء كان على ملة بدلت، أو على ملة لم تبدل، ومن سمع برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وبمعجزاته ثم أصر على كفره، ومات على ذلك فهو من الكافرين المخلدين في النار.[14]

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَم. [15]

فهذا حكم الله عز وجل، لا مجال للعاطفة أو الآراء أو التحليل وفلسفة الموضوع، فالحكم الشرعي شيء، وما يحصل من استقبال بعض الكفار للمسلمين ورعايتهم وإنقاذهم من الظلم الذي وقع عليهم في بلدانهم الإسلامية شيء آخر، فليُنتبه للخلط بين الأمرين، ففعلهم هذا يشكرون عليه لأنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، لكن هذا لا يغير من حقيقة الحكم الشرعي الذي ارتضاه الله لهم بعدله، وارتضوه هم لأنفسهم كذلك.

والآيات في بيان حكم كفر أهل الكتاب الذين سمعوا بالنبي عليه الصلاة والسلام أو بدين الإسلام ولم يؤمنوا كثيرة جدا، منها قوله سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)[16]، وقوله سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)[17]، وقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة)[18].

أما تعدد أقسام الكفار وتسمياتهم، من أهل كتاب ومجوس ومشركين وملحدين وغيرهم، فهذا من باب تسمية الأشياء بمسمياتها، وهذا من عدل الإسلام والإنصاف، حيث فرق الله سبحانه بين أصناف الكفار مع أنهم في كفرهم ملة واحدة، فقال سبحانه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)[19]، فهذا بحسب عداوتهم للمسلمين وكيدهم ومكرهم.

ولا يعني جواز نكاح الكتابية وإباحة طعاهم؛ أنهم أصبحوا بذلك مسلمين!! فهذا خلط كبير وخبط عجيب، وعندما تزوج النبي عليه الصلاة والسلام مارية القبطية أو صفية بنت حيي اليهودية، هذا متعلق أصلا بجواز زواج الكتابية، ثم أسلمتا بعد ذلك فاختلف الحكم، وقد ذكر الله سبحانه بنفس السورة التي أباح بها طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم نص على كفرهم فتأمل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار أهل الكتاب مسلمون بمجرد جواز وإباحة بعض الأحكام، فهذا شيء وأصل الحكم بكفرهم شيء آخر فلينتبه لذلك.

ولا يمكن هنا أن نقول أن النبي عليه الصلاة والسلام يحرم شيئا ويخالفه حاشا وكلا، كما يثار في بعض الشبه وكما ذكر الأخ المذكور في تعليقه، فالخلل في فهمنا وجهلنا بحقيقة هذا الدين وأحكامه العظيمة، فقد نص الله سبحانه صراحة بكفر كل من لم يؤمن بالإسلام وبدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف لنا مخالفة تلك النصوص الصريحة والتعلق بشبه وأوهام لا تسمن ولا تغني من جوع!!

ويقال للمعترض:
إذا لم يكن أهل الكتاب كفارا فماذا تسميهم؟!!

فإذا أجاب:
بأنهم مسلمون فقد خالف نصا صريحا من القرآن وهذه طامة كبرى والله، وإذا قال بأنهم ليسوا مسلمين فأين يضعهم ولا يوجد إلا صنفان (مسلم أو كافر)!!

يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [20]، إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا صلى الله عليه وسلم بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل... وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام[21].

وهنالك تسميات أخرى للكفار، قد تشترك وتختلف مع بعضها البعض بحسب الأحكام، منها مصطلح أهل الذمة: الْمُعَاهَدُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُقِيمُ فِي دَارِ الإْسْلاَمِ. وَيُقِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْل الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الإْسْلاَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ [22].

والمستأمن -بكسر المين الثانية-: مَنْ يَدْخُل إِقْلِيمَ غَيْرِهِ بِأَمَانٍ مُسْلِمًا كَانَ أَمْ حَرْبِيًّا[23].

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِ وَالذِّمِّيِّ: أَنَّ الأْمَانَ لِلْمُسْتَأْمِنِ مُؤَقَّتٌ وَلِلذِّمِّيِّ مُؤَبَّدٌ[24].

والْحَرْبِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرْبِ، وَهِيَ الْمُقَاتَلَةُ وَالْمُنَازَلَةُ، وَدَارُ الْحَرْبِ: بِلاَدُ الأْعْدَاءِ، وَأَهْلُهَا: حَرْبِيٌّ وَحَرْبِيُّونَ [25].

ولابد هنا من التذكير بالفرق بين إطلاق الحكم بالكفر على غير المسلمين، وأحكام التعامل معهم والمعيشة وما شابه ذلك، فلكل شيء أحكام خاصة به فلا ينبغي الخلط بذلك، ولمزيد من اليقين والتفصيل نذكر بعض فتاوى كبار العلماء فيما ذكرناه، فالقضية ليست مسألة فقهية خلافية، بل هي عقيدة معلومة من الدين بالضرورة ولا يمكن لأي مسلم جهلها.

في سؤال اللجنة الدائمة لهيئة كبار العلماء نصه:
(هل يجوز أن تدعو النصراني كافراً؟).

الجواب:
نعم، يجوز أن نسمي اليهودي والنصراني ونصفهما ونحكم عليهما بالكفر؛ لتسمية الله إياهما بذلك وحكمه عليهما به[26].

وفي سؤال آخر:
ما حكم الإسلام في اليهود والنصارى مثلا ممن وصلتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلموا بها لكنهم لم يتبعوه واتبعوا دينهم؟

الجواب:
يعتبرون كفارا ويعاملون معاملة الكفار في أحكام الدنيا والآخرة، ولا ينفعهم تمسكهم بدينهم مع كفرهم بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.[27]

قال ابن حزم:
واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفاراً [28].

قال القاضي عياض:
ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه: فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك[29].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد ثبت في الكتاب، والسنَّة، والإجماع: أن من بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به: فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد ؛ لظهور أدلة الرسالة ، وأعلام النبوة .[30]

وقال أيضاً:
فإن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام .[31]

وجاء في كشاف القناع:
من لم يكفر من دان أي تدين بغير الإسلام، كالنصارى واليهود، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم: فهو كافر، لأنه مكذب لقوله تعالى: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [32].

قال ابن عثيمين:
فمَّن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وكذبوه : فقد كذَّب الله عز وجل ، وتكذيب الله : كفر ، ومن شك في كفرهم : فلا شك في كفره هو... وقال أيضا: إن كل مَن زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى دين الإسلام : فإنه كافر ، لا شك في كفره.[33]

وعندما سئل الشيخ ابن باز:
ما حكم مَن لم يكفِّر اليهود والنصارى؟

أجاب:
هو مثلهم، مَن لم يكفر الكفار: فهو مثلهم، الإيمان بالله هو تكفير من كفر به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من وحَّد الله وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه وحسابه على الله )، ويقول جل وعلا: ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).

فلابد من الإيمان بالله، وتوحيده والإخلاص له، والإيمان بإيمان المؤمنين، ولابد من تكفير الكافرين، الذين بلغتهم الشريعة ولم يؤمنوا، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والشيوعيين، وغيرهم، ممن يوجد اليوم ، وقبل اليوم، ممن بلغتهم رسالة الله ولم يؤمنوا ، فهم من أهل النار كفار ، نسأل الله العافية .[34]

فالأمر أيها الأخوة خطير جدا، ويمس عقيدة المسلم بشكل مباشر، فلا يجوز الشك في كفر اليهودي أو النصراني أو كل من يدين بغير ملة الإسلام، لأن من شك بذلك فقد خالف وعارض وناقض صريح القرآن، لكن هذا لا يعني الاعتداء عليهم بغير حق، أو سرقتهم أو استحلال أموالهم وغشهم والغلظة في التعامل معهم من غير ضوابط، فالحكم شيء والتعامل شيء آخر يقدر بحسب الصنف المقابل من الكفار، فالكافر المحارب يختلف تعامله مع الذمي وكذلك المستأمِن، وأهل الكتاب يختلفون عن الوثنيين والملحدين وغيرهم، ولعلنا نفرد في ذلك حلقات تباعا بإذنه تعالى إذا كان في العمر بقية.

نسأل الله أن يعيذنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونسأل الله الثبات على عقيدة التوحيد وسلامة المنهج والسلوك القويم، ونعوذ بالله من الخذلان.
وصلى الله وسلم وبارك على نينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
---------------------------------------------------------
[1] (النحل:36).
[2] (سبأ:28).
[3] تفسير ابن كثير.
[4] تفسير ابن عجيبة.
[5] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح(1/13).
[6] الموسوعة الفقهية(4/259).
[7] الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى ص22.
[8] المصدر السابق 23-24.
[9] المنصور في القواعد للزركشي (3/84).
[10] ينظر الموسوعة الفقهية (7/140).
[11] ( التغابن:2).
[12] تفسير الآلوسي.
[13] السلسلة الصحيحة حديث رقم 157.
[14] فتح المنعم شرح صحيح مسلم(1/489).
[15] شرح النووي على مسلم.
[16] (آل عمران:70).
[17] (آل عمران:98).
[18] (البينة:6).
[19] (المائدة:82).
[20] (آل عمران:19).
[21] تفسير ابن كثير.
[22] الموسوعة الفقهية(7/141).
[23] الموسوعة الفقهية(37/168).
[24] المصدر السابق.
[25] المصدر السابق.
[26] من الفتوى رقم 4319.
[27] فتاوى اللجنة الدائمة (3/298).
[28] كتاب مراتب الإجماع ص139.
[29] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص286.
[30] مجموع الفتاوى(12/496).
[31] مجموع الفتاوى(35/201).
[32] كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي(5/146).
[33] جزء من جواب لسؤال  نصه( عما زعمه أحد الوعاظ في مسجد من مساجد أوربا من أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى؟ )، نقلا من موقع الإسلام سؤال وجواب.
[34] فتاوى الشيخ ابن باز (28/46-47). نقلا من موقع الإسلام سؤال وجواب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: فضل الإسلام على سائر الأديان   14/09/17, 05:33 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج6
"فضل الإسلام على سائر الأديان"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكريم المنان، ذي الطول والفضل والإحسان، أنعم علينا بالإسلام، وهدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

وبعد:
في زمن الانفتاح و"العولمة!" وتقارب الحضارات، وعصر السرعة والتكنولوجيا والتقنيات، وسرعة تناقل الآراء والأفكار والثقافات؛ ظهرت على السطح العديد من الشوائب والسلبيات بل الطامات، واضطربت العقائد والمناهج والسلوكيات، وتنكر فئام من المسلمين لدينهم، واغتروا بتمدن وحضارة الآخرين وزيفهم، وانخدعوا ببهارج شعاراتهم، والعديد من الجوانب المادية في حياتهم!!

لعل الظلم والاضطهاد الذي تعرضت له، العديد من الأقليات المسلمة، في أسقاع الأرض، لاسيما في بعض الدول العربية، نتج عنه ردود أفعال ضد تلك الممارسات، وكان الضحية من تلك الردود؛ انتقاص البعض بل الطعن بدين الإسلام والمبالغة في الإطراء على الأديان الأخرى، بذرائع ومبررات ونظرات مادية محضة دون النظر للموضوع من جميع النواحي والجوانب.

نتيجة لاضطرار العديد من المسلمين، طلب اللجوء في دول الكفر والاغتراب، بعد تهجيرهم ومغادرتهم مكرهين لبلدانهم الإسلامية، أو بسبب الاضطرابات الطائفية والسياسية؛ ولما لاقوه من استقبال ورعاية إنسانية في عدة جوانب تختلف بشكل كبير عما كانوا عليه في أماكنهم السابقة، حصل خلط كبير وخبط عجيب، وصل بالبعض لتفضيل الإلحاد وبعض الأديان المحرفة على الإسلام!! بل البعض ارتد عياذا بالله من أجل دريهمات أو سنتات أو متاع زائل ودنيا فانية!!

إن الشكر والإحسان للآخرين واجب، أيا كانت ديانتهم، لكن لا ينبغي الخلط بين حسن التعامل الإنساني أو المادي المحض، مع القضايا العقدية والثوابت الدينية، فيبقى الإسلام الدين الحق العظيم المهيمن على سائر الأديان، ودين الله الواجب الاتباع في الأرض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف للمسلم أن يتنكر لدينه ويستنكف منه، ويثني على غيره من الأديان، أو يفضله لموقف عابر أو تصرف طيب وتعامل محمود وفي جميع الأحوال.

لذلك أحببت التذكير في هذا الجزء من تلك السلسلة، جميع المسلمين في بلاد الغربة، بعِظَم هذا الدين، وفضله على سائر الأديان، وضرورة التمسك والاعتزاز به، وعدم الاغترار بتلك الحضارات القائمة على الماديات، وتجنب التأثر بجوانب على حساب العديد من الحقائق والثوابت التي تضر بدين وعقيدة وسلوك ومنهج المسلم، مع الأخذ بنظر الاعتبار الإنصاف والعدل في التعامل مع الجميع.

يقول ربنا سبحانه وتعالى:
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)[1]، إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ[2]، فَقَدْ أَذِنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْعَدْلُ وَالتَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ[3].

وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: {يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} وَقَالَ السَّحَرَةُ: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} وَقَالَتْ بلقيس: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّا مَعْشَرُ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ} قَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[4].

بان الشبــــاب فلم أحفل به بالا ... وأقبل الشيب والإسلام إقبالاً
وقـــد أروي نديمي من مشعشعة ... وقـــد أقلب أوراكاً وأكفالاً
فالحمد لله إذ لم يأتي أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً


اعلم أخي المسلم:
أن المقياس الشرعي أعلى وأعظم وأجلّ، من المقياس المادي وزخارف الحياة الدنيا، بكل ما فيها من متاع وهناء ورخاء، فقد فضل الله سبحانه وتعالى دين الإسلام على كل دين، قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)[5]، أي: لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله[6].

إن أية حضارة بغير قيم, وبغير أخلاق لا يحق لأي عاقل أن ينظر إليها بأي قدر من الإعجاب والانبهار لماذا؟ لأننا لا نفعل غير إعلاء الجانب الحيواني على حساب الجانب الإنساني الذي هو أسمى وأجل ما يستحق السعي لتحقيقه.

"وكل محاولة لإسقاط القيم الخلقية عن أعمال الإنسان مما تصنعه الجاهلية المعاصرة حين تقول: أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق, وأن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق, وأن العلم لا علاقة له بالأخلاق, وأن الفن لا علاقة له بالأخلاق, وأن علاقة الجنسين لا علاقة له بالأخلاق... كل محاوله من هذا النوع هو اتجاه غير علمي لأنه يخالف أصل الفطرة فضلا عن إثارة المدمرة في الحياة الإنسانية[7].

سـبحان من فضل الإسلام في الأمم ... بالطيبات الطاهر المبعوث في الحر
محمّــــــد خير من يمشي على قدم ... إذا عـــددت بيـــوت المــجد والكرم


والله إن القلب ليحزن والعين لتدمع، لما ألمّ بحال بعض المسلمين في تلك المجتمعات، من التنقص وازدراء دين الإسلام، بل الطعن ببعض الثوابت والرموز وتسقيطهم، والعجب من أولئك الذين منعوا أبنائهم من التحدث باللغة العربية فيما بينهم أمام الأجانب، حتى لا يُعرفوا بأنهم مسلمون وبالتالي لا يزدريهم الآخرون!!!

فلأي مستوى وصل الحال بنا من طمس الفطرة وانتكاس الدين واختلال الموازين، وربنا سبحانه يقول: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[8].

والآيات في الكتاب العزيز كثيرة الدالة على الاعتزاز بدين الإسلام، والحرص على الانتساب إليه، والتمسك والتشبث به بل الحث على ذلك، وفوز وفلاح الحريصين المواظبين القائمين عليه، يقول سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[9]، أي لا أحد أحسن قولا وكلاما وطريقة من هذا الذي يدعو إلى الله ويعمل صالحا ويفتخر بدينه الإسلام.

وقال سبحانه فيما أمر به نبيه عليه الصلاة والسلام: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [10]، وقال سبحانه: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ)[11]، وقال عز وجل: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[12]، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ أي في الكرامة والمثوبة الحسنى، والعاقبة الحميدة. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي بما ينبو عنه العقل السليم، فإنهما لا يستويان في قضيته[13].

إن الله سبحانه وتعالى قد رضي لنا الإسلام دينا، فلِم لا يرضى البعض ما رضيه الله له؟!! فوالله إن هذا خلل عظيم بل طامة كبيرة، إذا وصل حال المسلم -وهو يعلم بقرارة نفسه- أنه لا يستسيغ أو لا يقبل أو لا يطيق أو لا يحبذ، هذا الدين العظيم أو يجامل ويفضل غيره عليه، لا لشيء إلا لمصالح وأهواء وعواطف لا تسمن ولا تغني من جوع، وربنا جل في علاه يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[14]، أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، واحمدوا الذي مَنَّ عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها[15]، وأن من فضل الإسلام أنه يحقق رضا الله عز وجل، فالله رضيه لعباده، وأي شيء أعظم من دين رضيه الله لعباده؟[16]

لقد نسى هؤلاء المنبهرين بحضارة الغرب أن هذه الحضارة أشبه ما تكون بسفينة ضخمة أنيقة جميلة . رتبت فيها أماكن للطعام, وأماكن للنوم, وأماكن للعب, وأماكن للتسلية. وأخذ صانعها يدعو الناس إلى ركوبها . وأخذ يشرح لهم كيف يأكلون, وكيف يشربون, وكيف يرقدون, وكيف يلعبون. حتى إذا سأله أحد الركاب: والى أين تذهب بنا هذه السفينة؟ أجاب: لا ادري . اركبوا فقط.!!!

لا هدف, لا غاية, لا مقصد, و لا مردود حقيقي يعود على ركاب هذه السفينة في هذه الرحلة غير إرضاء الشهوات والغرائز والملذات . وكل ما بعد ذلك فهو مجهول[17].

وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام فضل أمة الإسلام والمسلمين على الأمم السابقة، فقد أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: مالنا، أكثر عملاً وأقل عطاءً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء).

وقد بين عليه الصلاة والسلام في حديث آخر، أن أمة الإسلام هم الآخرون في الدنيا، والأولون يوم القيامة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا . فكان لليهود يوم السبت. وكان للنصارى يوم الأحد . فجاء الله بنا . فهدانا الله ليوم الجمعة. فجعل الجمعة والسبت والأحد . وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة . نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق).

ولمكانة الإسلام وعظيم فضله، والتي عرفها البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق، فقد بين الله سبحانه حال الكافر وكيف يود لو كان مسلماً، عندما يُبصر ويرى رأي العين فضل هذا الدين العظيم، قال عز وجل: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)[18]، أي ولكن الكفار سيندمون يوم القيامة على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين... قال الزجاج: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلم، ودّ لو كان مسلماً.[19]

فالعزة الحقيقية للمسلم بل للإنسان، لا تكون بأشياء نسبية مادية زائلة، مهما بلغت في الدقة والتنظيم والحسن والرونق والجمال، فالعزة بهذا الدين الذي يكفل سعادة الدارين، والعجيب أننا جميعا نردد ونقرأ وننادي بمقولة الفاروق عمر رضي الله عنه المشهورة، حيث خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك فقال عمر أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.[20]

يقول عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيّاً ما وسعه إلا اتباعي)[21]، ويأتي البعض ممن ينتسبون للإسلام، ويفضلون بعض الأديان المُحرّفة؛ التي فيها الكفر والشرك والإلحاد والزندقة والانحلال، يفضلونها على دين الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان!! أو يتنكرون لشعائرهم كالصلاة والحجاب والحشمة.

فدين الإسلام دين شمولي وسطي في جميع الأمور؛ في العقيدة والعبادة والأحكام والتشريعات والمعاملات والعلاقات، فالمسلمون وسط في التوحيد بين اليهود والنصارى، وكذلك في النبوات والعبادات؛ فالنصارى يعبدونه ببدع ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، واليهود معرضون عن العبادات، وكذلك في الحلال والحرام وفي المأكل والملبس، ودين الإسلام بحمد الله واضحٌ كلَّ الوضوح، كالشمسِ في رابعةِ النهار، ليس فيه ما يستحيا من إظهاره أو يخاف، فهو دين الفطرة، والحاكم على الأديان، والمهيمن عليها..، وإنما الباطل هو الذي يخشى من إظهاره.[22]

كما امتاز هذا الدين بالظهور والاستعلاء، فهو أعظم وأجل وأعلى دين وأكثرها أهلية، ودين الإسلام دين تشريع ونظام، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام، إلى الارتقاء وسيادة العالم[23].

فلا تعتز أيها المسلم ولا تفتخر إلا بالإسلام، فهو دين الحق والعدل والإحسان، ودين الوسطية والسماحة والرحمة والرفق، ودين الخير والخُلُق والمبادئ الحسنة، فلا حضارة ولا نسب ولا رقي ولا قوانين وضعية ولا ماديات، تنفع بلا دين الصدق والتوحيد والإخلاص.

وافتخر دوماً بدينك كما قال الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم

وقال الآخر:
لعمرُك ما الإنسان إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
وقد رفع الإسلام سلمان الفارسي ... كما وضع الشِّركُ اللعينُ أبا لهب

إن أية حضارة تهمل الجوانب الأخلاقية والروحية لا قيمة لكل ما تنجزه في ميزان العقلاء.

فالحضارة التي تهمل الجوانب الأخلاقية والروحية إنما تحكم على نفسها بالفناء العاجل أو الآجل.

واسألوا التاريخ يخبركم عن كل انهيارات الحضارات الكبرى عبر التاريخ إنما كان مرده إلى إهمال الجوانب الروحية والأخلاقية, فكان التعلق بمباهج الحياة وزخارفها هو القشة التي قسمت ظهر البعير[24].

اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، واصرف عنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
--------------------------------------------------------
[1] ( آل عمران:19 ).
[2] تفسير ابن كثير.
[3] تفسير البحر المحيط.
[4] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 11/220).
[5] ( النساء:125 ).
[6] تفسير السعدي.
[7] مقال بعنوان" الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية، طارق السقا، موقع صيد الفوائد.
[8] ( النساء:139 ).
[9] ( فصلت:33 ).
[10]( الأنعام:162-163 ).
[11] ( الزمر:12 ).
[12] ( القلم:35 ).
[13] تفسير القاسمي.
[14] ( المائدة:3 ).
[15] تفسير السعدي.
[16] فضل الإسلام، د. ناصر العقل.
[17] مقال" الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية".
[18] ( الحجر:2 ).
[19] التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، وهبة الزحيلي.
[20] السلسلة الصحيحة للألباني.
[21] حسنه الألباني، انظر كتاب تحريم آلات الطرب.
[22] ينظر منهاج السنة لشيخ الإسلام( 5/112) وما بعده.
[23] التحرير والتنوير.
[24] مقال" الانبهار بحضارة الغرب ذوبان للشخصية وفقدان للهوية".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 17958
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الولاء والبراء   14/09/17, 05:41 pm


سلسلة: المسلم في بلاد الغربة ج7
"الولاء والبراء"
بقـلــــــــــم الشيــخ: أيمن الشعبان
غـفــــــــــر الله لنا وله وللمسلمين
===================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعزنا بهذا الدين، وأكرمنا بعقيدة الموحدين، وهدانا سبيل المؤمنين، وجنبنا سُبُل المجرمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، قائد الغر المحجلين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
أعز وأغلى شيء للمسلم في هذه الدنيا دينه، وأثمن ما يحققه من هذا الدين عقيدته المتمثلة بتوحيد الله عز وجل، وأظهر عقيدة ينبغي أن تراعى في مواطن الفتن، وكثرة الابتلاءات والاختبارات والمحن، وأحرج الظروف وأشدها وطأة على المسلم؛ هي عقيدة "الولاء والبراء" التي من أجل ترسيخها وتحقيقها بين العباد وإقامة الدين القويم، بعث الله الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[1]، ولا تتحقق عبادة الله على الوجه الصحيح، حتى تكون محبة حقيقية لله ولكل ما يحبه الله، ولا يتحقق اجتناب الطاغوت بشكل فعلي وحقيقي، حتى نتبرأ من كل ما يبغضه الله تعالى، قال سبحانه: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)[2]، أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين[3]، قال ابن كثير: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم. ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء، والبراء ممن يستحق البراء.[4]

الولاء والبراء نوعان من أنواع العبادة، وهما بمعنى الحب والبغض، والولاء الذي هو الحب والنصر يكون لله ولرسوله ولدينه ولعباد الله الصالحين، والبراء الذي هو البغض يكون لكل عدو لله ولرسوله ولعباد الله الصالحين، ولا يتم إيمان العبد إلا بالولاء والبراء؛ قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}[5].

لذلك أجر المتمسك بدينه الثابت على عقيدته الموحد لربه، الموالي لأولياءه والمعادي لأعداءه؛ يتضاعف في زمن الغربة والمحنة، فعن عتبة بن غزوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( إن من ورائكم أيام الصبر ، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم ، قالوا ، يا نبي الله أو منهم ؟ قال ، بل منكم )[6]، وفي رواية عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال( إن من ورائكم زمان صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم )[7]، وقال عليه الصلاة والسلام( يأتي على الناس زمان ، الصابر فيهم على دينه، كالقابض على الجمر )[8].

لما كثر اختلاط واحتكاك بل معيشة عدد من المسلمين في العقود المنصرمة، في بلاد الغربة ومجتمعات الكفر والإلحاد، ونتيجة لتنوع وتعدد وتلون المعتقدات والأعراق والأجناس والقوميات، انعكس ذلك بشكل سلبي كنتيجة طبيعية لهذا التواجد، لاسيما في قضايا العقيدة الهامة متمثلة بأصل عظيم وركيزة قوية، هي عقيدة الولاء والبراء، حيث بدأت تظهر أفكار وآراء ومفاهيم وتصورات وتصريحات وسلوكيات وأخلاق، خطيرة جدا تخالف وتناقض أساسيات هذا الدين، قد تقود أصحابها لخطر عظيم ونهاية وخيمة عياذا بالله.

وانطلاقا من واجب النصح بالدين، لأنفسنا وأحبابنا وخواصنا وأهلنا بل عامة المسلمين؛ كان لابد من بيان حقيقة هذه القضية التي قد تغيب عن أذهان العديد من المسلمين، مذكرا إياهم بأهميتها وركائزها وفضلها وخطورة نقضها أو التخلي عنها، وقد سمعت أعاجيب وشاهدت طامات في تلك المجتمعات نسأل الله السلامة.

فالقضية إيمان وكفر، حق وباطل، توحيد وشرك، استقامة وانحراف، هداية وضلال، فلابد من ولاء حقيقي: لله ورسوله ودينه وشريعته وأحكامه وأتباعه وعامة المسلمين واعتزاز وافتخار ورضا ومحبة لكل ذلك، وبراء فعلي عملي من: أعداء الله ورسوله والدين من الكفار والملحدين والوثنيين ومن هم على شاكلتهم مهما تعددت الأسماء والأشكال والألوان، على أن يظهر ذلك على اعتقاد وسلوك وسمت ومنهاج وكلام وحديث وتعامل المسلم، أينما تواجد وبأي ظرف يكون، وبخلافه تكون دعوى فارغة المحتوى مجانبة للحقيقة بعيدة عن الواقع!

الولاء والبراء أصلان عظيمان من أصول الإسلام، ومظهران بارزان من عقيدة أهل السنة والجماعة تتميز به عن غيرها. وذلك نابع من كونهما من أهم لوازم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .[9]

وبسبب الاحتكاك اليومي للمسلمين في تلك المجتمعات، في المدارس ودوائر الهجرة ومراكز الرعاية الاجتماعية، والمرافق الأخرى، وأن غالبية المسلمين هناك، يتقاضون معاشهم من تلك الدولة غير المسلمة؛ انعكس ذلك على هذه القضية بشكل سلبي في الغالب، لأن الكثير يعتقدون بأنهم لن يحظوا بامتيازات كالآخرين، إلا بتقديم التنازلات لا سيما في عقيدة الولاء والبراء!!

حتى توسع باب الضرورة، وأصبح المسلم يداهن ويجامل بل يثني على الباطل ويصححه، زاعما أنها ضرورة المعيشة في تلك المجتمعات، بل وصل بالبعض باحتقار الجاليات الإسلامية والتودد ولين الخطاب وتبادل الزيارات والتهنئة بالأعياد مع غير المسلمين، ناهيك عن زيارات الكنائس والتذلل لهم وطلب المعونات التي قد لا تكون ضرورية منها، حتى وصل حال العديد لتذويب جميع الفوارق بدعوى أن هؤلاء قدموا لنا معونات وأنقذونا مما كنا فيه من المعاناة!!!

ولا أريد الإطالة والإكثار من الأمثلة، فليس من رأى كمن سمع، وهذه نماذج على سبيل التمثيل لا الاستفاضة، عسى أن ينتبه المسلم ويراجع سلوكياته وتصرفاته وتعاملاته في تلك المجتمعات، لأن القضية خطيرة جدا ولا ينبغي المجازفة بها.

ولأن موالاة من حادّ الله ومداراته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئاً هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق.[10]

والولاية هي النصرة والمحبة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرا وباطنا، قال تعالى( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ )[11]، فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا.[12]

والبراء هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار،[13] قال شيخ الإسلام: والولاية: ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد... فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديا له، كما قال تعالى: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه، فلهذا قال: (ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة).[14]

فالولاء والبراء تابع للحب والبغض، والحب والبغض هو الأصل، وأصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وأن تبغض في الله أعداءه وأعداء رسله.[15]

لقد حثنا الله سبحانه وتعالى على التأسي بإبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، لأنهم نجحوا في أصعب اختبار في قضية الولاء والبراء، حيث ضربوا أروع الأمثلة في ذلك، فقال سبحانه( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)[16]، ليعلم أن الحب في الله تعالى والبغض فيه سبحانه من أوثق عرى الإيمان فلا ينبغي أن يغفل عنهما[17].

كما أن الله سبحانه وتعالى أثنى على من حقق مبدأ الولاء والبراء فقال: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)[18].

وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ وحث عليه، بل جعله ركيزة ودعامة أساسية من دعائم وركائز الإيمان، وأنه من أفضل الأعمال إلى الله؛ حيث قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله والحب في الله، والبغض في الله).[19]

وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
(من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً)[20].

فالولاء والبراء معتقد قلبي، أي من أعمال القلوب، التي لابد من ظهور أثرها على الجوارح، كباقي العقائد، التي لا يصح تصور استقرارها في القلب دون أن تظهر على جوارح مُعتقِدِها. وعلى قدر قوة استقرارها في القلب وثبوتها تزداد دلائل ذلك في أفعال العبد الظاهرة، وعلى قدر ضعف استقرارها تنقص دلائلها في أفعال العبد الظاهرة[21].

الحبّ في الله والبغضُ في الله لهُ لوازمُ ومقتضيات، فلازمُ الحبِّ في الله: الولاءُ، ولازمُ البغضِ في الله البراء، فالحبُّ والبغضُ أمرٌ باطنٌ في القلب، والولاءُ والبراء أمرٌ ظاهرٌ، كالنصحِ للمسلمين ونصرتهم والذب عنهم ومواساتهم، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وترك التشبه بالكفار، ومخالفتهم، وعدم الركونِ، والثقة بهم، فإذا انتفى اللازم -الولاء والبراء- انتفى الملزوم -الحبُ والبغض- هذا التلازمُ بين الحب والبغض، وبين الولاءِ والبراءِ، يتسقُ مع التلازمِ بين الظاهرِ والباطنِ في الإيمان[22].

والولاء والبراء منزلته عظيمة في ديننا الحنيف، نلخصها فيما يلي[23]:
1-    أنها خلاصة الكلمة الطيبة التي يرددها المسلم يومياً "لا إله إلا الله" لأن مضمونها البراء من كل ما يعبد من دون الله، وهي بذلك أهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة.
2-     الحب في الله والبغض في الله من شروط صحة "لا إله إلا الله".
3-    عقيدة الولاء والبراء هي أوثق عرى الإيمان.
4-    إن تحقيق عقيدة الولاء والبراء من مكملات الإيمان.
5-    إن تحقيق عقيدة الولاء والبراء سبب لنيل ولاية الله.
6-    تحقيق هذه العقيدة سبب لتذوق حلاوة الإيمان.
7-    تحقيق هذه العقيدة سبب لنيل الأجر العظيم لأن المتحابين في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

والناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام[24]:
القسم الأول:
من يُحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين وأهل بيته الطيبين وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين وبقية العشرة والمهاجرين والأنصار وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم التابعون والقرون المفضلة وسلف هذه الأمة وأئمتها، كالأئمة الأربعة...

القسم الثاني:
من يُبغض ويعادى بغضا ومعاداة خالصين لا محبة ولا موالاة معهما، وهم الكفار الخلص من الكفار والمشركين والمنافقين والمرتدين والملحدين على اختلاف أجناسهم.

القسم الثالث:
من يُحب من وجه ويُبغض من وجه، فيجتمع فيه المحبة والعداوة وهم عصاة المؤمنين، يحبون لما فيهم من الإيمان، ويبغضون لما فيهم من المعصية التي هي دون الكفر والشرك، ومحبتهم تقتضي مناصحتهم والإنكار عليهم.

بعد معرفة أهمية وعِظم وخطورة، ومفهوم وحقيقة ودلالة، هذا الأصل العظيم، ينبغي لكل مسلم عموما، ومن هم في بلاد الغربة على وجه خاص، التنبه والاحتياط لدينهم وعقيدتهم، وعدم الانزلاق والوقوع في شباك الملذات، ونزوات واستدراج الشيطان فإنه: (يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[25]، ولا تلتفتوا لرضا الناس والمجتمع ولا تخشوهم: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[26]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله الناس، ومن أسخط الله برضى الناس، وكله الله إلى الناس)[27].

ولنتذكر جميعا موقف الصحابي الجليل جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه، ومن معه من مهاجرة الحبشة، عندما أرسلت قريش من يحرض عليهم ويقوم بتأليب النجاشي، من خلال إحراجهم بالحديث عن خلق المسيح وطبيعته، فكان موقفاً حرجاً للصحابة جميعاً، إذ لا توجد أرض تؤويهم وهم مستضعفون في حينها، ولا يمكنهم العودة إلى مكة، موقف عصيب ولحظات صعبة، لكن لم يداهنوا أو يجاملوا أو يتملقوا على حساب دينهم وعقيدتهم وثوابتهم، فما كان من جعفر رضي الله عنه إلا أن تحدث عن المسيح عليه السلام، كما أخبرنا القرآن فشرح الله صدر النجاشي لذلك وعاملهم بالحسنى، وخابت مؤامرة الكفار!!

فمن كان مع الله كان الله معه، ومن اختار طريق المداهنة والتملق والتنازل وحياة زائلة، ودريهمات ومتاع الدنيا، خاب وخسر مهما حاز واكتسب بحسب مقاييسه، فإن أعظم ثمن يدفعه المسلم في تلك المجتمعات هو دينه، وأعظم ما في الدين العقيدة النقية الصافية، وأبرز ما يمكن التهاون فيه والتنازل عنه الولاء والبراء.

قد يقول قائل: في الوقت الذي تخلى عنا القريب والبعيد ونحن في أصعب الظروف، من دول وحكومات عربية وإسلامية، ومؤسسات وغيرها، استقبلتنا تلك الدول وآوتنا وسهلت لنا حياة آمنة كريمة فيها حقوق افتقدناها في بلداننا؟ فكيف نبغضهم ولا نجاملهم ولا نشكرهم على ما قدموا؟ وكيف لنا تطبيق هذه العقيدة والأدلة صريحة في البراء منهم ومن دينهم ومعتقداتهم وسلوكياتهم الباطلة المنحرفة؟!

هذه شبهة قد تعتري الكثير من المسلمين، فلابد من حل الإشكال وتوضيح الحق، بعيدا عن العاطفة والاندفاع والحسابات الآنية الشخصية، فنقول وبالله نستعين إن ما قدمته تلك الدول من احتضان وإيواء ورعاية وأمن وأمان، يشكرون عليه لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام: (من لا يشكر الناس، لا يشكر الله)[28]، لكن لا ينبغي أن ينقلب هذا الشكر والتقدير والامتنان، إلى تنازل ومجاملة ومبالغة في الثناء وتزيين للكفر والإلحاد المتحقق فيهم!!

والفرق بين المداهنة والمداراة وأثرهما على الولاء والبراء: المداهنة: هي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا والتنازل عما يجب على المسلم من الغيرة على الدين. ومثاله الاستئناس بأهل المعاصي والكفار ومعاشرتهم وهم على معاصيهم أو كفرهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة عليه[29].

فالشكر شيء وحصول خلل جراء ذلك بعقيدة الولاء والبراء؛ من خلال مشاركتهم أعيادهم، ومدح ديانتهم والتنازل عن الكثير من ثوابت الإسلام، ومجاملتهم على حساب الشرع والأخلاق، ومحبتهم ومودتهم القلبية، التي تؤدي إلى حب ما هم عليه من معتقد وسلوك شيئا فشيئا!! فهذا كله مخالف لدين الله، فربنا عز وجل يقول: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)[30].

"حادّ" حارب، أو خالف، أو عادى[31]، فعدم الوجدان على حقيقته قال في كشف الاسرار أخبر أن الايمان يفسد بموادة الكفار وكذا بموادة من في حكمهم... واما المعاملة للمبايعة العادية او للمجاورة او للمرافقة بحيث لا تضر بالدين فليست بمحرمة بل قد تكون مستحبة في مواضعها [32]، أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملا على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه... وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر، وهو مع ذلك مواد لأعداء الله، محب لمن ترك الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له من برهان يصدقه، فمجرد الدعوى، لا تفيد شيئا ولا يصدق صاحبها[33].

كما أننا لابد من التفريق بين الإحسان إليهم، وحسن جوارهم وصلتهم ومعاشرتهم والبر والعدل والإنصاف معهم، وبين مودتهم ومحبتهم والركون إليهم والأنس بهم والألفة معهم، قال ابن حجر: (البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى" لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله"، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل)[34].

وكلام الإمام ابن حجر كلام جيد جامع؛ وذلك لأننا نرى اليوم الآثار المدمرة للحب الجارف والود العميق الذي يكنه بعض من قومنا للكفار، وقد جر ذلك علينا ويلات عديدة ما زلنا نعاني منها كل حين، وذلك أن هذه المحبة تقود المسلم قودا إلى تعظيمهم وتقليدهم فيما هم عليه سائر شؤونهم وأحوالهم الحسن منها والسيئ، وهنالك أمثلة كثيرة على الوبال الذي جره الخلط في هذه المفاهيم على المسلمين [35].
نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
--------------------------------------------------------------
[1] (النحل:36).
[2] (البقرة:256).
[3] تفسير البغوي.
[4] الولاء والبراء، محمد سعيد القحطاني ص8.
[5] جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، (1/166).
[6] السلسلة الصحيحة رقم 494.
[7] صحيح الجامع رقم 2234.
[8] صحيح الجامع برقم 8002.
[9] الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك، ص11 من كلام المقدم والمراجع.
[10] شرح ثلاثة الأصول، (1/34)، ابن عثيمين.
[11] (البقرة:257).
[12] الولاء والبراء في الإسلام، ص89-90، القحطاني.
[13] المصدر السابق، ص90.
[14] الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص5.
[15] الفتاوى السعدية، ص98، ط. المعارف.
[16] (المجادلة: 4).
[17] تفسير الآلوسي.
[18] (المجادلة:22).
[19] السلسلة الصحيحة، رقم 1728.
[20] الولاء والبراء في الإسلام، ص91.
[21] الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة، ص13.
[22] من أرشيف ملتقى أهل الحديث، قسم الجوامع والمجلات ونحوها (67/481).
[23] ينظر كتاب " المفيد في مهمات التوحيد" ص203-204 بتصرف.
[24] الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، ص289-290، صالح الفوزان.
[25] (البقرة:169).
[26] (التوبة:13).
[27] السلسلة الصحيحة برقم 2311.
[28] صحيح الجامع برقم 6601.
[29] أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، ص266.
[30] (المجادلة: 22).
[31] تفسير العز بن عبد السلام.
[32] تفسير روح البيان، إسماعيل الخلوتي.
[33] تفسير السعدي.
[34] التقارب والتعايش مع غير المسلمين، ص51.
[35] المصدر السابق، ص51-52.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
تأصيل لابد منه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: المسلم في الغُربة-
انتقل الى: