منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 التحذير من فتنة الدنيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18307
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التحذير من فتنة الدنيا   03/08/17, 05:30 am


التحـذيـــر مـــن فـتـنــــة الـدنـيـــــا
الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي
غـفـــر الله له ولوالديه وللمسلمين
=================== 
مقدمة
مَن ينظر إلى العالم الإسلامي اليوم، يرى أهوالًا ونكباتٍ تتصدَّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة والكيان؛ بما حلَّ بالمسلمين من انحطاط في جميع المجالات، ويدرك أن هناك خللًا كبيرًا أحلَّ بنا عقابَ الله تعالى.


أترانا استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أم أننا أردنا الدنيَّة، وقد أراد الله بنا العليَّة؟ واشترينا الضلالة بالهدى، وآثرنا الحرب على السلام؟ فأيَّةُ صفقة خاسرة هذه التي جلبت هذا الاستبدال العجيب... وأنزلت بنا عقابَ الله حتى صِرنا وبالًا على أمَّتِنا؟ واستدبر أكثر الناس نعمةَ الله الكبرى، الممثَّلة في رسوله الكريم، وفي دعوة التوحيد، وإنقاذ البشرية، وقيادتها إلى الجنة والمغفرة، بعد أن نُنقِذَ نحن أنفسَنا، ونفيءَ إلى رضوان الله، ونتبعَ ما ارتضاه، فهل تركنا هذا كلَّه، وأصبحنا نعيش في ظلمات الشبهات والشهوات، والخرافات والأساطير، والتصورات المنحرفة، والحيرة والقلق، والانقطاع عن الهدى والوحشة، واضطراب القيم والموازين؟

أتظنُّ أن السبب الرئيسَ هو طغيانُ الدنيا على القلوب والاشتغال بها؛ حتى أصبحت همَّنا الأكبر؟ فأرسل الله علينا ذلًّا وضعفًا واستهانة؛ فلا يزيله ويكشفه عنا حتى نرجعَ إلى الاشتغال بأمور دينِنا، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا تبايعتم بالعِينةِ، وأخذتم أذنابَ البقر، ورَضيتم بالزرع، وتركتم الجهادَ، سلَّط الله عليكم ذلًّا، لا ينزعُه حتى ترجعوا إلى دينكم)).

فانظر كيف جعل رسولُ الله عقوبة وإنذارًا لاشتغال المسلمين بالدنيا كعقوبة الخروج عن الدين؛ وذلك زيادةً في التحذير من خطر الدنيا وزينتها.

وعن ثوبان مرفوعًا: ((يوشك الأمم أن تَداعى عليكم، كما تداعى الأَكَلة إلى قَصْعتها))، فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: ((بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغثاءِ السَّيل، ولينزعَنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبكم الوَهْن))، فقال قائل: يا رسولَ الله، وما الوَهْنُ؟ قال: ((حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموت))؛ رواه أبو داود وغيره.

وكلُّ إنسان يعرف من نفسه التي بين جنبيه أن الإفراط في الدنيا واتِّباعَ حظوظ النفس -حتى ولو كانت مباحة- يُبعِد عن الله تعالى؛ لما فيه من الانشغال عما أراده الله تعالى منا، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فالقلبُ إذا امتلأ من حبِّ الدنيا، لم يدخله سواها من الحق، والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبَيْنِ في جوفه، فبَقدْر ما يَدخُل القلبَ من همٍّ وإرادة وحب، يخرُج منه همٌّ وإرادة وحبٌّ يقابِلُه، فهو إناء واحد، والأشربة متعددة، فأيُّ شراب ملأه، لم يبقَ فيه موضعٌ لغيره، وإنما يمتلئ الإناءُ بأعلى الأشربةِ إذا صادفه خاليًا، فأما إذا صادفه ممتلئًا من غيره، لم يساكنْه حتى يخرجَ ما فيه، ثم يسكن موضعه.

كما قال بعضهم:
أتاني هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى = فصادَف قلبًا خاليًا فتمكَّنَا

فإن قُوى الحب متى انصرفت إلى جهة، لم يبقَ فيها مُتَّسع لغيرها، ومن أمثال الناس: "ليس في القلب حُبَّان، ولا في السماء رَبَّان"، ومتى تقسَّمت قوى الحب بين عدة محالَّ، ضعُفت لا محالةَ، وتأمل قولَه سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 1 - 3].

كيف أمره بتقواه المتضمِّنة لإفراده بامتثال أمره ونهيه، محبةً له وخشية ورجاء؛ فإن التقوى لا تتمُّ إلا بذلك، واتِّباعِ ما أوحي إليه المتضمِّن لتركِه ما سوى ذلك، واتباع المنزَّل خاصة، وبالتوكل عليه، وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحدَه، وثقته به، وسكونه إليه دون غيره، ثم أَتْبع ذلك بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4].

فأنت تجد تحتَ هذا اللفظ أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة؛ إذا مال بها إلى جهة، لم يَمِلْ إلى غيرها، وليس للعبد قلبان؛ يطيعُ الله ويتبع أمرَه ويتوكل عليه بأحدهما، والآخرُ لغيره، بل ليس له إلا قلب واحد، فإن لم يُفرِد بالتوكُّل والمحبة والتقوى ربَّه، وإلا انصرف ذلك إلى غيره.

لا تظنَّ أيها القارئ الكريم أن ما بين يدك هو دعوة للزهد في طيبات الحياة، أو دعوة لتركها دَبْرَ الآذان؛ وإنما هي دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية، وبالصلة بالله، والرضا به؛ التي تعصم النفوس من التهاوي أمام زينة الدنيا، أو فقدانِ اعتزازها بالقيم العليا، وتبقى دائمًا تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تَبهر الأنظار.

وهي دعوة لضبط اليَقَظة الدائمة، والتعلُّق بما عند الله، وتحفيز البواعث الفطريَّة الخفية للخير؛ حتى تتطلع النفس إلى آفاق أعلى، وتُعصم من الانحراف، فالإسلام لا يدعو أتباعه لكَبْت الرغبة في الدنيا، وحَرْسِها ورعايتها، ولكن يدعو إلى ضبطِها وتنظيمِها، وتخفيفِ حِدَّتها واندفاعها، وإلى أن يكون الإنسان مالكًا لها، متصرِّفًا فيها، محتفظًا بإنسانيته الرفيعة، لا أن تكون مالكةً له، متصرفة فيه، تستغرقه لذائذُها المحبَّبة للنفوس.

ومَنْ تأمَّل قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14]، يُدرِكُ هذا؛ فالله تعالى جمَعَ في آية واحدة أحبَّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان، وخلاصة رغائبه الأرضية، ثم في الآية التي تليها عرَضَ لذائذَ أخرى في الحياة الآخرة، فقال: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15].

ولا نستطيع أن نزعم أن هذه الرؤية التي بين يديك هي كلمةُ الفصل في هذا الموضوع الشائك الكبير، ولكن حسْبُنا أننا حاولنا وبذلنا جهدَنا بموضوعية، كبداية للخروج من هذه الأزمة التي أحاطت بنا، بعدما استفحَلَ خطرُها، ووقع الخطر في المحيط الإسلامي، حتى أصاب العطَبُ الثوابتَ والتصوُّرات، والله المستعان، وهو المسؤول سبحانه أن يرفع عن أمتنا الإسلاميَّة ما ألمَّ بها.

ومن أجل هذا نقدم للقارئ العزيز تلك المحاولة المتواضعة، التي سيعقبها -إن شاء الله تعالى- سلسلة كاملة لعلاج أمراض الأمة؛ كرسالة حبٍّ لأمتنا الإسلامية، وخطوطٍ عامة يصلح الالتفاف حولها؛ لنعود بحق خيرَ أمة أُخرجت للناس.
وكتبه: أبو محمد خالد الرفاعي.
=================
الفصل الأول
=======
ميلُ النفس للشهوات مُركَّب في الإنسان، مُتأصِّلٌ فيه، فِطْري بطبعه، فلا يُتصور من المنهج الإسلامي الفريدِ أن يأتي بما يضادُّ الفطرة؛ وإنما بما يُهذِّبها ويُرقِّيها، ويُوقِظُ جانبًا آخرَ في فطرة الإنسان موازنًا ذلك الميل، فيحرسُ صاحبه من الاستغراق في الشهوات، ويربط قلب الإنسان بالله ورضوانه والدار الآخرة الله، ويُنقِّيه من الشوائب؛ حتى يصبح معتدلًا، لا يطغى فيه جانبُ اللذة على جانب الروح وأشواقها إلى الله.

وهذا ما يمتاز به المنهج الإسلام الربَّاني: أنه يراعي الفطرة ويرتفع بها من خلال تهذيبها، وليس كَبْتها أو قمعها، وهذا هو السرُّ في أن الدينَ الإسلاميَّ هو الأكثر انتشارًا في الكرة الأرضية، وهو أيضا السرُّ في سيطرة بما يعرف بالإسلام فوبيا على عقول الغرب الكافر.

متاع الدنيا وإن كان حرثًا مخصبًا، فإن في الآخرة جناتٍ خالدة تجري من تحتها الأنهار، وإن كان متاع الدنيا نساء، ففي الآخرة أزواج مطهَّرة، بل إن هنالك ما هو أكبر من كل شيء: "رضوان من الله"، فالله تعالى وتقدَّست أسماؤه يقول لأهل الجنة: ((يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربَّنا وسَعْدَيْك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؛ وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا))؛ رواه مسلم (4/ 2176) عن أبي سعيد الخدري.

قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36]، "والحياة الدنيا لعب ولَهْو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى، حين تُعاش لذاتها مقطوعةً عن منهج الله فيها، ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعةَ الآخرة، ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحقُّ وراثة الدار الباقية.

وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} [محمد: 36]؛ فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبًا ولهوًا، ويطبعها بطابع الجدِّ، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى، ويومئذٍ لن يكون ما يبذلُه المؤمن المتقي من عَرَض هذه الحياة الدنيا ضائعًا ولا مقطوعًا؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى".

"والقرآن لا يعني بهذا أن يَحضَّ على الزهد في متاع الحياة الدنيا، والفرار منه، وإلقائه بعيدًا؛ إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه؛ إنما يعني: مراعاةَ الآخرة في هذا المتاع، والوقوف فيه عند حدود الله، كما يقصد الاستعلاء عليه؛ فلا تصبح النفسُ أسيرةً له، يكلِّفها ما يكلفها فلا تتأبَّى عليه، والمسألة مسألة قيم يَزنُها بميزانها الصحيح، فهذه قيمة الدنيا، وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرَها المؤمن، ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها، مالكًا لحريته، معتدلًا في نظرته: الدنيا لهو ولعب، والآخرة حياةٌ مليئة بالحياة".

وهنا مسألة خفية يجب التفطُّنُ إليها؛ وهي: أن أكثر الناس يظنُّ أن التحذير من التماهي مع فتنة الدنيا، إنما هو لأهل المتاع فقط، وهذا ظنٌّ خاطئ نبَّهَنا الله عليه في قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

فنهى سبحانه عن تكرُّر النظر بالإعجاب والاستحسان إلى المتمتِّعين بلذات الدنيا من المآكل، والمشارب، والملابس، والمنازل، والنساء، وغيرها من زهرة الحياة الدنيا التي تخطف الأبصارَ، وطيَّب نفوسهم بقوله: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131]؛ العاجل والآجل، فيشمل العلمَ والإيمان، والأعمال الصالحة، والنعيم المقيم في جوار رب العالمين، فهذا هو الباقي الذي لا ينقطع.

وقد نبَّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في مَعْرض كلامه على تلك الآية الشريفة:
"يتناول النظر إلى الأموال واللِّباس والصور، وغير ذلك من متاع الدنيا؛ وذلك أن الله يُمتِّع بالصور كما يُمتِّع بالأموال، وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه، وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأُخرى، والهَلْكَى رجلان: فمستطيع وعاجز؛ فالعاجز مفتونٌ بالنظر ومد العين إليه، والمستطيع مفتون فيما أوتي منه، غارق قد أحاط به ما لا يستطيع إنقاذ نفسه منه، وهذا المنظور قد يعجب المؤمن، وإن كان المنظور منافقًا أو فاسقًا، كما يعجبه المسموع منهم، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4]، فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم، واستماعِ قولهم؛ فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم؛ فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجبُ الناظرين إليهم، وأن قولهم يعجب السامعين، ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4]؛ فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم"؛ اهـ.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18307
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التحذير من فتنة الدنيا   03/08/17, 05:42 am

الفصل الثاني
لماذا التحذير من الدنيا؟
=============
على الرغم من أن الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يتم الدِّين إلا بها، والحصاد يوم القيامة عليها، فإن الشارع الحكيم حذَّرنا منها، كما قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24].
 
وقال تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26]، وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 45، 46]، وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60]، وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا.

إذًا، لماذا كلُّ هذا التحذير من الدنيا؟!
====================
لأنها: حينما تصبح غايةً عُليا للإنسان، ويكون همُّه إشباعَ شهواتها، والانغماسَ في ملذَّاتها، فإن النفس تنصَرِفُ عن معالي الأمور، ومراتب الكمال، وغايات الجلال، إلى أراذل الأعمال وسفاسِفها، ومن ثَمَّ يستوحشُ صاحبُها من الآخرة، وينفرُ عن الموت نفورًا زائدًا؛ لأنه لا يرى بعدَه إلا الشقاء والبؤس، وشيئًا فشيئًا ينسى الغايةَ التي خُلق من أجلِها، ويُحجب قلبه عن ربِّه، ويُحبس عن السير إليه، بعدما يمتلك حبُّها قلبَه؛ فيعطل أمر الله ونهيه؛ لأن الجهل بحقيقة الدنيا والاغترار بها تجعل الإنسان يظن أنه ليس وراءها غاية أكرم وأبقى من مُعايشة لذات مقطوعةٍ عن منهج الله تعالى؛ الذي جعل الدنيا بما فيها مزرعةً للآخرة.

المتأمِّل للقرآن العظيم من أوله إلى آخره، يرى ما فيه من تحذير شديد من فتنة الدنيا، والزجر عنها، والترغيب في الآخرة والدعاء إليها، وبيان أن أعظم العوائق عن الله والقواطع دونه هي الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس المسوِّل؛ كقوله تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33].

فنهى عِبادَه أن تغرَّهم الدنيا بزينتها وزخارفها وما فيها من الفتن والمِحن، أو يغرَّهم بالله الغرور؛ وهو الشيطان، ولما كان الله تعالى هو الخالقَ للقلوب والعليم بمداخلها، الخبير بما يَصلُح لها وما تَصلحُ به؛ أعلَمَ عبادَه بالدواء العاصم من كل غرور، وهو تقواه وخوفه، وتصور الآخرة، والحذر من الدنيا وزينتها.

لأنها:
أضرُّ شيء على العبد إن هو استرسَلَ معها، واغترَّ بها، ولم يجتنب فضولَ المطعم والمشرب والملبس والنوم والخِلطة، فيقوى عنده داعي المعصية؛ قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "إنما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى؛ فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتِّباع الهوى يَصدُّ عن الحق، وإن الدنيا قد ترحَّلت مُدبرةً، وإن الآخرةَ مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".

لأنها:
في عمومها ليست إلا لهوًا ولعبًا، فحينما تصبح أكبرَ الهمِّ، ومبلغَ العلم، والغاية العليا من الحياة، تكون الطامة الكبرى، وتحلُّ النقم.

النفس تطمع في الدنيا وقد علمتْ = أن السلامة منها ترك ما فيها

وقال الآخر:
فلا تَغُرَّنَّك الدنيا وزينتُها
وانظر إلى فعلها في الأهل والوطنِ
وانظر إلى مَنْ حَوى الدنيا بأجمعها
هل راحَ منها بغير الحنط والكفنِ؟
خذِ القناعةَ من دنياك وارضَ بها
لو لم يكن لك إلا راحةُ البدنِ
يا زارعَ الخير تحصدْ بعده ثمراً
يا زارع الشر موقوفٌ على الوهنِ
يا نفسُ كفِّي عن العصيان واكتسبي
فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني
يا نفس ويحك تُوبِي واعملي حسناً
عسى تُجازين بعد الموت بالحسنِ


لأنها:
ممرٌّ، والآخرة مقَر؛ فعلينا العملُ للآخرة، وتحقيق النفع لدنيانا، وأن نحسن عمارتَها وقيادتها، منطلقين من قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15].

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثُّ على النفع العام فيقول: ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة))، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن قامت على أحدكم القيامةُ، وفي يده فسيلة فليَغْرِسْها)).

ونحن اليوم قد تأخَّرنا عن غيرنا في العلم والعمل والإنتاج، وفرَّطنا في اغتنام الأوقات، والجد في الأعمال، وقد كان حريًّا بنا ألا نضيع الأوقات، أو نقصر في العمل، أو نقلل من الإنتاج.

والشارع الحكيم إنما أباح الاستمتاع بها بقدر الحاجة، والترفيه واللهو بغير أن يشغل عن واجبات شرعية بتضييعها أو تأخيرها، ولا يستغرق أوقاتًا طويلة تضيع سدًى دون فائدة، ولا تتخذ ديدنًا وعادة يفرغ لها وقت دائم ومنتظم.

لأنها:
حُكِمَ عليها بالفناء، وعدم البقاء، وأنها متاعُ الغرور؛ تَفتن بزُخْرفِها، وتَخدَع بغرورها، وتغرُّ بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي تُوفَّى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر؛ قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، فمن أُخرج عن النار وأُدخل الجنة، فقد فاز وربِّ الكعبة الفوزَ العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

لا تأسفَنَّ على الدنيا وما فيها
فالموتُ لا شكَّ يُفنينا ويفنيها
ومَن يكن همُّه الدنيا ليجمَعَها
فسوف يوماً على رغمٍ يُخلِّيها
لا تَشبَعُ النَّفسُ من دنيا تجمِّعها
وبُلْغةٌ من قِوامِ العيش تَكْفِيها
اعملْ لدار البقا رضوانُ خازنُها
والجار أحمدُ والرحمن بانيها
أرضٌ لها ذهبٌ والمِسْكُ طِينتُها
والزَّعْفرانُ حَشيشٌ نابتٌ فيها


لأنها:
الداء العضال الجالب لكل شرٍّ، والسالب للنعم، والزارع للعداوة، والغارس للحزازات؛ حتى تزول الجبال الرَّاسيات، ولا تزول إلى أن تحصل خسارة الدنيا والآخرة؛ ومن ثَمَّ وجب على العاقل الأخذُ من الدنيا بمقدار الحاجة.

لأنها: لو تمكَّنت من القلب زاحمت حبَّ الله رب العالمين؛ وذلك لأن اتباعَ حظوظ النفس يُبعد عن الله تعالى؛ لما فيه من الانشغال عما أراده الله تعالى من الخلق، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وتأمل معي -أيها القارئ الكريم- قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرةُ نيتَه، جمع الله له أمرَه، وجعل غناه في قلبه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمة)).

لأنها:
لا يقوم لها كل أحد، "إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلَّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير، كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكنَّ قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماحَ القوة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم.

كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان؛ فلا تتهاوَى نفوسهم ولا تذل، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان، وما يغريانِ به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع!

كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثَّراء!

كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدَّعَة والمراح، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلُّ أعناق الرجال، وبالاسترخاء الذي يُقعِدُ الهِممَ ويذلل الأرواح!

إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحثُّ المقاومة، ويُجنِّد الأعصاب، فتكون القُوَى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها.

أما الرخاء، فيرخي الأعصاب ويُنيمها، ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة؛ لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء، سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمرَه كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له))، وهم قليل! فاليَقَظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر، والصلة بالله في الحالين هي وحدَها الضمان".

لأنها:
تشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، وتدفع الناس إلى الغرق في لُجَّة اللذائذ القريبة المحسوسة، وتَحجب القلب عما هو أرفع وأعلى، وتغلظ الحسَّ؛ فتحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان واستخلافه في الأرض.

لأنها:
قليلة الوفاء، كثيرة الجفاء، خسيسة الشركاء، فمَنْ استحضرت نفسه ذلك وتمَّ عقله وحضر رُشده، تركها لأهلها، ومِنْ أعجب ما قال شيخ الإسلام أبو عبدالله بن القيم في مَعْرِض كلامه عن خلق دارين: الجنة والنار، قوله: فهاتان الداران هما دارَا القرار، وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزوَّد المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا، ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابِهما، وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رَأْي عين؛ ليصير للإيمان بالدارين -وإن كان غَيْبًا- وجه شهادة تستأنس به النفوس، وتستدلُّ به، فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومُشتهاها - ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كلَّه فيها على وجه الكمال، فإذا رآه المؤمنون ذكَّرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخي.

كما قيل:
فإذا رآك المسلمون تيقَّنوا = حُورَ الجِنان لدى النعيمِ الخالدِ

فشمَّروا إليها، وقالوا: اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وأحدثت لهم رؤيتُه عزمات وهممًا وجدًّا وتشميرًا؛ لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه، فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقُه، ولا سبيل له إليه، قال: موعدُك الجنة، وإنما هي عَشِيَّة أو ضحاها.

فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمةٌ من الله يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها، وزَادٌ لهم من هذه الدار إليها، فهي زادٌ وعبرة ودليل، وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار، فالمؤمنُ يهتزُّ برؤيتها إلى ما أمامه، ويثيرُ ساكنَ عزماته إلى تلك، فنفسه ذوَّاقة توَّاقة، إذا ذاقت شيئًا منها، تاقت إلى ما هو أكمل منه؛ حتى تَتوقَ إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم.

وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات - ما يستدل بجنسِه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفَسَيْنِ الشتاء والصيف اللذين أَذِن الله سبحانه بحكمته لجهنَّم أن تتنفَّس بهما، فاقتضى ذانِك النفَسان آثارًا ظهرت في هذه الدار، كانت دليلًا عليها وعبرة.

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبَّه عليه بقوله في نار الدنيا: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73]، تذكرة تذكر بها الآخرة، ومنفعة للنازلين بالقواءِ؛ وهم المسافرون.

والمقصود:
أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عِبرةٌ ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوقُ بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا كلَّ الحذرِ، واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار، وإشهادهم إياها، وامتحانهم باليسير منها - رحمة منه بهم، وإحسانًا إليهم، وتذكرة وتنبيهًا.

ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرُها بشرها، وأذاها براحتها، ونعيمها بعذابها؛ اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أنْ خلَّص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى، هي دار الخيرات المحضة، ودار السرور المحضة، فكتب على هذه الدار حكمَ الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة؛ حكمة بالغة بهَرت العقول، وعزة قاهرة" ؛ اهـ.

لأنها:
"لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرَيْنِ صحيحين:

النظر الأول:
نظر في الدنيا وسرعة زوالها، وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يَعقُب ذلك من الحسرة والأسف، فطالبُها لا ينفكُّ من همٍّ قبل حصولها، وهمٍّ حال الظفر بها، وغمٍّ وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين.

النظر الثاني:
النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرَّات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هنا، فهي كما قال الله سبحانه: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17]؛ فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مُضْمحلة، فإذا تمَّ له هذان النظران، آثر ما يقتضي العقلُ إيثاره، وزهد فيما يقتضي الزهد فيه، فكل أحد مطبوع على ألا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبيَّن له فضلُ الآجل على العاجل، وقَوِيَتْ رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم تبيُّن الفضل له، وإما لعدم رغبته في الأفضل" ؛ قاله الإمام ابن القيم.

لأنها:
"تدفع كلَّ من آثرها من أهل العلم واستحبَّها ولابد أن يقول على الله غيرَ الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولاسيما أهل الرياسة والذين يتَّبعون الشبهات؛ فإنهم لا تتمُّ لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا، فإذا كان العالم والحاكم محبَّيْنِ للرياسة متبعَيْنِ للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحق، ولاسيما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة، ويثور الهوى؛ فيخفى الصوابُ، وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته وقال: لي مَخْرج بالتوبة.

وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى:
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59]، وقال تعالى فيهم أيضًا: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169]، فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العَرَض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا، وإن عَرَض لهم عَرَضٌ آخر أخَذوه، فهم مصرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمُه وشرعه ودينه، وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك، أو لا يعلمون أن ذلك دينُه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانَه".

لأنها:
سبب الشقاء والهلاك لمن رضي بها واطمأن إليها، وغفل عن تدبر آيات الله، ومُحالٌ أن يجتمع هذا في قلبِ مَن يرجو لقاء الله، فتأمل هذا - سلَّمك الله - فهذا الضرب هو الغالب على أهل الأرض على الرغم من آيات القرآن الكريم المحذِّرة منه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7، 8].

لأنها:
حينما يغمر القلبَ حبُّها، لا يوجد فيه مكان لله واليوم الآخر، حتى تصبح أكبر الهمِّ، ومبلغ العلم.

"إن القلب قد يغمره فيستولي عليه ما يريده العبد ويحبُّه، وما يخافه ويحذره كائنًا مَن كان؛ ولهذا قال تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63]، فهي فيما يغمرها عمَّا أنذرت به، فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة، وما فيها من النعيم والعذاب الأليم؛ قال الله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54]؛ أي: فيما يغمر قلوبهم من حبِّ المال والبنين، المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال الصالحة، وقال تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [الذاريات: 10، 11]؛ أي: ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها؛ أي: فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة وما خُلقوا له، وهذا يشبه قوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

فالغمرة تكون من اتباع الهوى، والسهو من جنس الغفلة؛ ولهذا قال مَن قال: السهو: الغفلة عن الشيء، وذَهاب القلب عنه، وهذا جِماع الشر: الغفلة، والشهوة؛ فالغفلة عن الله والدارِ الآخرة تسدُّ بابَ الخير الذي هو الذكر واليقظة، والشهوةُ تفتح بابَ الشرِّ والسهو والخوف؛ فيبقى القلب مغمورًا فيما يهواه ويخشاه، غافلًا عن الله، رائدًا غيرَ الله، ساهيًا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمرُه، قد ران حبُّ الدنيا على قلبه، كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تَعِس عبد الدينار، تَعِس عبد الدرهم، تَعِس عبد القَطيفة، تَعِس عبد الخَميصة، تَعِس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أُعطِيَ رضي، وإن مُنع سخط))، جعله عبدَ ما يرضيه وُجودُه، ويُسخطه فقدُه؛ حتى يكون عبد الدرهم، وعبد ما وصف في هذا الحديث، و"القطيفة" هي التي يجلس عليها، فهو خادمها.

كما قال بعض السلف:
الْبَسْ من الثياب ما يخدمُك، ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمُه، فما كان يرضي الإنسانَ حصوله، ويسخطه فقده، فهو عبده؛ إذ العبد يرضى باتصاله بهما، ويسخط لفقدهما، والمعبود الحق الذي لا إله إلا هو إذا عبده المؤمن وأحبَّه، حصل للمؤمن بذلك في قلبه إيمان، وتوحيد، ومحبة، وذكر، وعبادة؛ فيرضى بذلك، وإذا منع من ذلك، غضب".

لأنها:
لا يخلو صفوُها عن شوائب الكدورات، ولا ينفك سرورُها عن المنغِّصات؛ سلامتُها يَعْقُبُها السَّقَم، وشبابها يسوق إلى الهرم، ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة.

يا بائع الدين بالدنيا وباطِلها
ترضى بِدينك شيئاً ليس يَسْواهُ
حتى متى أنت في لهوٍ وفي لعبٍ
والموتُ نحوك يهوي فاغراً فاهُ
ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدرِكُه
رُبَّ امرِئٍ حَتفُهُ فيما تمنَّاهُ
إن المُنى لَغُرورٌ ضِلة وَهَوًى
لعلَّ حتفَ امرئٍ في الشيءِ يَهواهُ
تَغْتَرُّ لِلجهل بالدنيا وَزُخْرفها
إن الشقيَّ لَمَنْ غرَّته دنياهُ
كأنَّ حَيّاً وقد طالتْ سلامتُهُ
قد صار في سَكَراتِ الموت تغشاهُ
والناسُ في رَقْدَةٍ عما يُرادُ بهم
ولِلحوادثِ تَحْريكٌ وإنباهُ

وقال آخر:
أرى الدنيا لمن هي في يديه
عذاباً كلما كثرت لديه
تُهين المُكرمِين لها بصُغْرٍ
وتكرمُ كلَّ مَن هانت عليه
إذا استَغْنَيْتَ عن شيءٍ فدَعْهُ
وخُذْ ما أنتَ مُحْتاجٌ إليه


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18307
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التحذير من فتنة الدنيا   03/08/17, 05:54 am

الفصل الثالث
الوسائل الشرعيَّة الفعَّالة للتغلب على فتن الدنيا
==========================
خلق الله تعالى النفس البشرية قابلةً للتزكية والتقويم، وصالحةً لأَنْ تُقاد بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها من اللذة والشهوة المهلكة، وركَّب سبحانه في الفطرة توحيدَه واختياره، وخلق القلب يحب الحقَّ ويريده ويطلبه، فإذا عرضت له إرادة الشر طلَبَ دفْعَها؛ لأنها تفسده كما يفسد الدَّغَل الزرع، فإذا أهملت شردَت وجمَحَت، ولم يظفر بها بعدُ، والناجي يومَ القيامة هو مَن لا يغفل عن تذكيرها وردِّها عن غَوايتها.

وتأمل -أيها القارئ الكريم- كيفَ أقسم الله تعالى في مطلع سورة الشمس أحدَ عشر قسمًا بشيء من العالم العلوي والعالم السفلي، وبما هو آلة التفكُّر؛ وهي النفس المفلحة وغيرها من النفوس الفاجرة، ثم قال سبحانه جواب القسم: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]؛ أي: لقد أفلَح مَن طهَّر نفسه من الذنوب، ونقَّاها من العيوب، ورقاها بطاعة الله وصالح الأعمال، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح، وخاب وخسر من دنَّس نفسها بالرذائل والعيوب، واقتراف الذنوب، وكل ما يشينها.

 وما أروع ما قال البوصيري في بردته:
مَن لي بردِّ جماح من غَوايتها
كما يُرَدُّ جماحُ الخيل باللُّجمِ
فلا تَرُمْ بالمعاصي كسرَ شهوتِها
إنَّ الطَّعام يقوِّي شهوةَ النَّهِمِ
والنَّفسُ كالطِّفل إن تهملْه شبَّ على
حبِّ الرَّضاع، وإن تَفطمْه يَنفَطِمِ
فاصرفْ هواها وحاذِرْ أن تولِّيَه
إنَّ الهوى ما تولَّى يُصْمِ أو يَصِمِ
وراعِها وهْيَ في الأعمال سائمةٌ
وإن هيَ اسْتحْلَتِ المرعى فلا تُسِمِ
كم حسَّنتْ لذَّة للمرء قاتلة
من حيث لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ


وقال آخر:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها
وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ


وقال آخر:
إنَّ الغصونَ إذا عدلْتَها اعتدلَتْ
ولا تلينُ إذا كانتْ من الخشبِ


فلكل داء دواء، ولكن حتى يصيب دواءُ الداء يجب أن نفهم تلك الحقائق، ونعمل بموجبها، ونرفعها إلى مستوى الحقيقة الإيمانية الكبرى، التي تصغر معها كلُّ قيم الأرض، وتذوب في حرارتها كلُّ عوائقها، فالحياة الدنيا إنما تعظم في العين وفي الحس حين تقاس بمقاييسها هي، ولكنها حين تُوزنُ بميزان الآخرة تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا: لعبًا، ولهوًا، وزينة، وتفاخرًا، وتكاثرًا، ولكن ما أسهل هذا بالدعوى! وما أصعبَه بالفعل! وعند الامتحان يُكرَمُ المرءُ أو يُهان!

وحتى تستقرَّ تلك الحقائق في القلب، وتظهر في واقع الناس، وتطبق وَفْقَ منهج الإسلام الحركي الواقعي، الذي يُواجِهُ حواجزَ النفس والإدراك والرؤية الخاطئة بوسائل فعَّالة يسهل تطبيقُها، وهذا أعظم ما في المنهج الإسلامي: أنه حي واقعي، فاحرص -سلّمك الله- على العمل بما سأذكره لك إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله.

كما قال الشاعر:
فإن رُمتَ النجاةَ غدًا وترجو
نعيماً لا يصير إلى زوَالِ
نعيماً لا يَبيدُ وليس يفنى
بدار الخُلْد في غرفٍ عوالي
وحوراً في الجنان مُنعَّمات
مَلِيحاتِ التبعُّل والدَّلالِ
فلا تشركْ بربِّك قطُّ شيئاً
وأخلص في العبادة والفِعالِ


هذا؛ ومن الوسائل الشرعية الفعَّالة للتغلب على فتن الدنيا أمور كثيـرة:
=======================================
منها: تدبُّر القرآن الكريم وما قصَّه الله تعالى علينا من خبر القرون من قبلنا، قال الله تعالى حكاية عن قارون وما ملكه من كنوز: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76، 77] إلى قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 79 - 81].

وحذَّر سبحانه من الفرح بالدنيا، وبيَّن أن فرح المؤمن إنما يكون بأعمال الصالحة، وليس بعَرَضٍ من الدنيا قلَّ أو كثر؛ قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، وقال الله جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207]، وقال: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26].

"فبهذا الفضل الذي آتاه الله عبادَه، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان؛ فبذلك وحدَه فليفرحوا. فهذا هو الذي يستحقُّ الفرح، لا المال ولا أعراض هذه الحياة، إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضيَّة والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمةً للحياة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبدًا خاضعًا لها، والإسلام لا يحقر أعراضَ الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها، إنما هو يزنها بوزنها؛ ليستمتعَ بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحُهم أعلى من هذه الأعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم".

ومنها:
التجهُّز للرحيل، كما اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال مؤمن آل فرعون: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما لي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكبٍ قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها)).

وفي صحيح البخاري (6416) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر، يقول: (إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)؛ صحيح البخاري (8/ 89).

وقال علي بن أبي طالب: (ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلتِ الآخرة مقبلةً، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليومَ عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل).

فالشعور بقُرب الرحيل، وسرعة انقضاء الدنيا، وتصور النفس في عداد الراحلين - يبعث على الاستعداد لدار البقاء، والمبادرة لاغتنام الفرص، والمسابقة في الأعمال الصالحة.

ومنها:
تذكُّر الموت بزيارة المقابر، وحضور الجنائز، وتذكُّر مَن مضى من الأقارب والمعارف والإخوان، وكيف كان رحيلهم، ومجاهدة النفس على عدم التماهي مع الدنيا؛ "فالاستغراق في شهوات الدنيا، ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، ويدفع بالناس إلى الغرق في لُجَّة اللذائذ القريبة المحسوسة، ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى، ويغلِّظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض، واللائقة كذلك بمخلوق يستخلِفُه الله في هذا الملك العريض.

ولما كانت هذه الرغائبُ والدوافع -مع هذا- طبيعيَّة وفطرية، ومكلفة من قبل البارئ جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورًا أساسيًّا في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يُشير بكبتها وقتلها، ولكن إلى ضبطِها وتنظيمها، وتخفيفِ حدَّتِها واندفاعها، وإلى أن يكون الإنسان مالكًا لها، متصرفًا فيها، لا أن تكون مالكةً له متصرِّفةً فيه، وإلى تقويةِ روح التسامي فيه، والتطلع إلى ما هو أعلى.

وفي آية واحدة يجمعُ السياق القرآني أحبَّ شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء، والبنين، والأموال المكدَّسة، والخيل، والأرض المخصبة والأنعام، وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفِّره لأصحابها من لذائذ أخرى.

وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر: جنات تجري من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله، وذلك كله لِمَنْ يَمُدُّ ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض، ويصل قلبه بالله".

ومنها:
العمل على استقرار حقيقة الحياة الدنيا في النفس، وأن وجودَها على الأرض موقوت، محدودة بأجل ثم تنتهي حتمًا، فالصالحون يموتون والطالحون يموتون، والمجاهدون يموتون والقاعدون يموتون، المُستعْلون بالعقيدة والمُستذلُّون للعبيد كلُّهم يموتون، يستوي مَنْ يأبَى الضَّيم ومَنْ هو خوَّار رِعْديدٌ جبان! الحريص على الحياة بأي ثمن وعالي الهمة ذو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية النبيلة، ويموتُ التافهون أصحاب المتاع الرخيصِ والعظماءُ.

فلَحِق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وهلك أبو جهل، وشتَّان ما بين موتةٍ وموتة، فالكلُّ يموت، مات إمام الدنيا شيخ الإسلام والمسلمين وهلك أعداؤُه بغُصَّتِهم، وعاشت كتب أبي عباس حجة لله على العباد، وهاديةً إلى صراط الله المستقيم، وآية وبرهانًا على نبوة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم.

ومنها:
تأمُّل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثيرة التي تبين حقيقة الدنيا، وحسبنا أن ننبِّه على بعضها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا))؛ رواه الترمذي، وابن ماجه، وحسَّنه الألباني.

وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: ((الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكرَ الله، وما والاه، أو عالمًا، أو متعلِّمًا))؛ أخرجه الترمذي (2323)، وابن ماجه (4112)، وحسنه الألباني.

وعن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ذئبان جائعان أُرسِلَا في غنم بأفسدَ لها من حرصِ المرء على المال والشرف لدينه))؛ رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وفي صحيح مسلم (2957) عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالسوق، داخلًا من بعض العالية، والناس كنفته، فمرَّ بجَدْيٍ أسكَّ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: ((أيُّكم يحب أن هذا له بدرهم؟))، فقالوا: ما نحبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟))، قالوا: والله لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: ((فوالله لَلدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم)).

ومنها:
الاستعانةُ بالصبر والصلاة، والاستعداد لبذل التضحيات التي تتطلَّبها مكابدة ومجاهدة فتن الدنيا؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، ولا أملَ لغير الصابر أن يدرك شيئًا من الفضائل، لا سيما ترك الشهوات والمداومة المستمرة على جهاد النفس، فهذه أمور تَفتقِرُ أشدَّ الافتقار إلى تجرُّع مرارة الصبر، فمَن لازمه فاز ونجا، ومن ردَّه الإلف والعادةُ والمشقة، لم يُدرِك شيئًا، وحصل على الحرمان؛ ففتنُ الدنيا تنجذب إليها دواعي النفس ونوازعُها، خصوصًا إن كانت في قدرة العبد، ومن ثَمَّ فلا يمكن تركُها إلا بصبر جميل، وكفِّ دواعي القلب ونوازع النفس لله تعالى، واستعانة بالله على العصمة منها.

والحاصل:
أن العبد لن يتغلَّب على ضعف القُوى النفسانيَّة والجسدية، وموجبها من التسخُّط وضعف الإرادة، إلا بمقاومتها بالصبر لله والصلاة والتوكل عليه، وصدق اللجوء والافتقار إليه، والغنى به على الدوام، فجميع الخلق مضطرُّون للصبر في كل حالة من أحوالهم، حتى يصبحَ الصبرُ لنا وصفًا ملازمًا وملكةً؛ فنستحق معية الله الخاصة، ومحبته ومعونته، ونصره وقربه الخاص، ولو لم يكن في الصبر منقبةٌ عظيمة للصابرين إلا هذه الفضيلة لَكفَى بها نعمةً؛ أعني: معيتَه الخاصة بالمؤمنين {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، كيف ومِن وراء ذلك توفيقُه وتسديده، وتهوين المشاق والمكاره، وتسهيل كل عسير وحزن؟

فإن عجزت عن كل ما ذكرتُه لك، فليس أقل من أن تَحْذَر من داء قديم موغل في القِدم، وهو بيع الآخرة بالدنيا، ومِن أظهر صوره أكلُ الحرام دون مبالاة، وقد تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، ولا يخفى على أحدٍ انتشار ذلك المرض الفتَّاك في أهل زماننا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليأتيَنَّ على الناس زمانٌ، لا يُبالي المَرءُ بما أخذ المال، أمِنْ حلالٍ أم مِنْ حرام؟)).

أما المؤمن، فله شأنٌ آخر؛ فإنه إن حاز الدنيا، فإنه يحوزُها في يده لا في قلبه، ويمتلكها ولا تملكه، ويضحي بها في سبيل آخرته، لا أن يبيع الآخرة من أجل الدنيا، وأن يطلب الآخرة بالدنيا، لا أن يطلبَ الدنيا بالآخرة، وأن يفرِّغ قلبَه مما خلَتْ منه يداه، فهذا هو مَن يُرجَى له حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

وقد لخَّص تلك الوصية يحيى بن معاذ في قوله: "الدنيا أميرُ مَن طلبَها، وخادمُ مَن ترَكها، الدنيا طالبةٌ ومطلوبة، فمَن طلبها رفضته، ومن رفضها طلبتْه، الدنيا قنطرةُ الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور، ومن طلَّق الدنيا فالآخرة زوجتُه، فالدنيا مطَلَّقة الأكياس، لا تنقضي عدتُها أبدًا، فخلِّ الدنيا ولا تذكرها، واذكرِ الآخرةَ ولا تنسها، وخُذْ من الدنيا ما يبلِّغك الآخرةَ، ولا تأخذْ من الدنيا ما يمنعك الآخرة".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 18307
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التحذير من فتنة الدنيا   03/08/17, 06:05 am


الـخـتــــــــــــــــــــــــام
============
وقبل الختام أنبه القارئ الكريم إلى طبيعة الإسلام الذي ندين جميعًا الله به، الذي قد تخفى حقيقته عن كثير من المسلمين -ولعل هذا هو السبب الحقيقي فيما نحن فيه من تأخُّر ومِحَنٍ- وهو أن الله تعالى جعل الدخول في الإسلام صفقة بين اثنين: الله سبحانه وتعالى المَلِكُ الحق المبين، وبين عبده المسلم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة: 111].

فانظر إنها بيعةٌ مع الله وهو المشتري سبحانه، وعبده الضعيف الهزيل هو البائع، فلا يبقى بعدَها للعبد شيء من نفسه ولا في ماله يمنعُه من الله المَلك الحق، والمقابل ثمنٌ محدَّدٌ معلوم، هو رضا الله والجنة، وهو ثمنٌ لا تعدله تلك السِّلعة المُزجاة، ولكنه فضلُ الله ومَنُّه، وهذا هو الفوز الذي لا فوز أكبر منه ولا أجل، فهو السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من الله الذي هو أكبر من نعيم الجنات.

وإن لم يُسْعفْك عقلك في تصور مقدار تلك الصفقة، فانظر -سلّمك الله- إلى المشتري مَنْ هو؟ وهو الله جل جلاله وتقدَّست أسماؤه، وإلى العِوَض، وهو جناتٌ عرضُها السماوات والأرض، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإلى الثمن المبذول، وهو النفس والدنيا بما فيها، وإلى مَنْ بلَّغ عقد التبايع، وهو سيدُ ولد آدم وأشرف الرُّسل، وإلى الكتب التي رُقِّمت فيها البيعة، وهي كتبُ الله الكبار، المنزلة على أفضل الخلق وأُولي العزم من الرسل؛ "فوالله لو كان للإنسان ألف نفْس، تذهب نفسًا فنفسًا في سبيل الله، لم يكن عظيماً في جانب هذا الأجر العظيم؛ ولهذا لا يتمنَّى الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزاءه إلا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا، حتى يُقتلوا في سبيله مرة بعد مرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207].

هؤلاء هم الموفَّقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها؛ طلبًا لمرضاة الله، ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيِّ الرؤوف بالعباد، الذي مِن رأفته ورحمته أن وفَّقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسَهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسألْ بعد هذا عما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم".

"والذين باعوا هذه البيعةَ، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوةٌ مختارة، ذاتُ صفات مميَّزة، منها: ما يختصُّ بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع الله في الشعور والشعائر، ومنها: ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارجَ ذواتهم؛ لتحقيق دين الله في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على حدود الله في أنفسهم وفي سواهم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

إنـه نـص رهيـب!
=========
إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله وعن حقيقة البيعة التي أعطوها -بإسلامهم- طَوال الحياة، فمن بايع هذه البيعةَ ووفَّى بها، فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن)، وتتمثل فيه حقيقة الإيمان، وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق! حقيقة هذه البيعة -أو هذه المبايعة كما سمَّاها الله كرماً منه وفضلاً وسماحة- أن الله سبحانه قد استخلص لنفسه أنفُسَ المؤمنين وأموالهم، فلم يَعُدْ لهم منها شيء، لم يعد لهم أن يستبْقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله.

لم يَعُد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا، كلَّا، إنها صفقة مشتراة، لشاريها أن يتصرَّف بها كما يشاء، وفقَ ما يفرض ووفق ما يُحدِّد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفَّت ولا يتخيَّر، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام، والثمن: هو الجنة، والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال، والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد.

ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوبَ مستمعيها الأولين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتحوَّل من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم، ولم تكن مجرد معانٍ يتملَّوْنها بأذهانهم، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم، كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها؛ لتحويلها إلى حركة منظورة، لا إلى صورة متأملة.

هكذا أدركها عبدالله بن رواحة رضي الله عنه في بيعة العقبة الثانية، قال محمد بن كعب القُرَظي وغيره: قال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني ليلة العقبة): اشترِطْ لربك ولنفسك ما شئت، فقال: ((أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالَكم))، قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: ((الجنة))، قالوا: ربح البيع، ولا نَقيلُ ولا نستقيل.

هكذا "ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل":
======================
لقد أخذوها صفقةً ماضية نافذةً بين متبايعين، انتهى أمرها، وأمضي عقدُها، ولم يَعُد إلى مردٍّ من سبيل: "لا نقيل ولا نستقيل"؛ فالصفقة ماضيةٌ لا رجعةَ فيها ولا خيار، والجنة ثمن مقبوض لا موعود! أليس الوعدُ من الله؟ أليس الله هو المشتري؟ أليس هو الذي وعد الثمن وعدًا قديمًا في كل كتبه: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111]؟ أجل! ومَنْ أوفَى بعهده من الله؟".
تم بحمد الله وحوله وقوته.

الـفـهــــــرس
=======
مقدمة.
الفصل الأول.
الفصل الثاني:
لماذا التحذير من الدنيا؟
الفصل الثالث:
الوسائل الشرعيَّة الفعَّالة للتغلب على فتن الدنيا.
الختام.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
التحذير من فتنة الدنيا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة The Believers Are Brothers :: (العربي) :: العقيدة الإسلاميـة :: موضوعات في العقيدة-
انتقل الى: