منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 10:54 am

خِبــرات وخَيــرات في الحــج والعمرة
فوائد تعينك على تحقيق أقصـى منفعة
من هذه الرحلة المباركة تُهــديها إليك
الفقيرة إلى عفـو ربهـا الدكتورة: أماني زكريا  
عـفــــا الله عنهــــا ووالديهـــا والـمـســلـمــين
===============================
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لكـل مسلـم ومسلمـة
===============================
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خير معلِّم للعالمين، سيدنا محمد ومن سار على دربه إلى يوم الدين.

أما بعد
فإلى وفد الله، إلى ضيوف الرحمن، إلى من تركوا الأهل والمال والولد في سبيل الله، إلى حجاج البيت الحرام... أهدي هذه الخِبرات، وتلك الخَيرات، لعلها تعين على تحقيق أقصى منفعة ممكنة من هذه الرحلة المباركة.
 
قائمة المحتويات
الموضــــــــــوع:
----------------
البدء من البداية.
ما هو الحج؟
كيف يكون الحج مبروراً؟
لماذا نحج؟
خبرات ونصائح للحاج: 
         قبل السفر للحج.
            الصبر الجميل.
          لا تقلق بخصوص المناسك:
         في عرفات.
         في المزدلفة (الحصى له مواصفات).
         عند رمي الجمرات.
         وهمٌ كبير.
خيرات في بلد الخيرات:
     في المدينة المنورة.  
         في مكة المكرمة.
        صدقات الحرَمين.
قصص الحجاج مع حج الفريضــة:
(قصص واقعية يروونها بأنفسهم)
أتيتُ مُلبِّياً.

===================
وبعد،،،،
أولاً: البدء من البداية:
إذا أردنا ان نبدأ من البداية فإن أفضل ما نبدأ به هو تذكُّر نعمة الله تعالى علينا بسماحه لنا بأداء الحج!! واصطفاءه لنا من بين جميع خَلْقه بهذا الشرف العظيم، وتفضُّله علينا بدعوته لنا إلى زيارة بيته والشعائر المقدسة... فلا يُنسينا الشيطان أن هناك من لا يملك نفقة حج الفريضة، ولا من تتحرق شوقاً إلى أداء الحج وليس لديها مَحرَماً، ولا من منعه المرض أو أي عذر آخر عن أداء الفريضة، بل ينبغي أن نحمد الله حمداً كثيراً أن عافانا مما ابتلى به هؤلاء، ونشكره سبحانه على توفيقه وتيسيره لهذا الأمر.

فإن الله تعالى يقول:
"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" 7 إبراهيم.

"وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ 144" آل عمران.
"وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ 145?" آل عمران.
"أَلَيْسَ اللَّـهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ 53" الأنعام.
"بَلِ اللَّـهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ 66" الزمر.


فإن الشيطان يتربص بك لكي تنسى شكر الله، والدليل قول الله تعالى:
"قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 16 ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ? وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ 17" الأعراف.
جعلنا الله وإياكم من الطائعين الحامدين الشاكرين، آمين.

ثانياً: ما هو الحج؟
هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فريضة كالصلاة فرضها الله سبحانه وتعالى على كل مسلم مستطيع صحياً ومالياً وأمنياً.

(وللشيخ الشعرواي -رحمه الله تعالى- رأي في الاستطاعة المادية ذكره أثناء تفسيره للقرآن في خواطره الشهيرة قائلاً: "لا ينبغي للمسلم أن يعيش في ترف ثم يقول ليس لدي مال للحج، فأنا أعتبر أن الذي لم يحج ولديه ثلاجة في بيته مترفاً وينبغي أن يوفر ثمنها ويدخره حتى يحج حج الفريضة ثم بعد ذلك يشتري لبيته ما يشاء".

أما المعنى الحقيقي للحج فهو سفر القلب والجوارح إلى قصد البيت الحرام في البلد الحرام بنية طاعة رب البيت وترك الدنيا بما فيها وما عليها في رعاية الرحمن للانضمام إلى بقية ضيوف الرحمن والإحساس بعظمة الإسلام والاندماج بين المسلمين والتعرف على من تيسر منهم والتيسير عليهم، ومساعدتهم قدر الإمكان.

وهو بذل النفس والمال والوقت والجهد في سبيل الله تعالى بنفس راضية مطمئنة!!

وهو تجرُّد من الدنيا وزينتها وزخارفها والانقطاع للعبادة والاستسلام الكامل لأوامر الرحمن، وإطعام الطعام.

"الحجّ رِحْلةٌ إلى الله تعالى، وله طبيعةٌ خاصَّة...

يقول د. طارق السويدان:
"إن السفر العادي لا يتوقع منه المسافر راحة أومُتعة أو نعيماً أو لذة؛ إنما ذلك بعد انتهاء الرحلة... ولكن السفر إلى الله تعالى مختلف جداً والسفر في مرضاته يبعث القلب اطمئناناً وفي النفس راحة؛ ولو تعبت الأبدان ولاقت صعابا ًومشقات".

فإذا لم يتفَقَّه الحاجُّ في مَقاصد الحج الراقية، وما لم يتعرَّف إلى أحْكام الحجّ الأساسيّة؛ ربما كان حجُّهُ باطِلاً ولَكُم أن تتصوروا طالِباً ذهب إلى بلد غرْبي، فوجد في هذا البلد ملاهي ودُوَر لَهْو ومكتبات وحدائق، فإن لم يكُنْ واضِحاً في ذِهْن هذا الطالب أنَّ مُهِمَّتَهُ الأخيرة والأولى هي الدِّراسة قد لا ينجح ولا يُحَقِّقُ هدفهُ الكبير!!!

وكذلك:
إن أكبر خطأ يُمْكن أن يقع فيه الحاجّ أن ينسى أنَّهُ حاج، وينقلب من حاجٍّ إلى سائِح، ومن حاج إلى مُسافر، فالذي يحدث أنَّ الحاج ينتقل إلى بلادٍ لا يعْرفها، فتُبْهِرُهُ الطرقات والجُسور والمحلات والعمارات، ويُلاحظ المُعاملة في المطار، فَيَعود لِيُحَدِّثَكَ ساعةً من الزَّمَن عن مُشاهداته، وليس عن الشيء الأساسي الذي ذهب من أجله!!!

فحَجُّ الفريضة رِحْلةٌ إلى الله عز وجل
لذا ينبغي أن يكون  الهَدَفُ الكبيُر والمقْصد الأسْمى من هذه العبادة واضِحاً جليًّا في ذِهْن الحاج، فمن المعلوم أنَّ العبادات مُعَلَّلَة بِمَصالِحِ العِباد، ولنضرب على ذلك مثل، بقوله تعالى في سورة العنكبوت: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ 45".

هذه هي عِلَّتُها، وهذا هو هدفها، فَمَن صلى ولم تنْهَهُ صلاته عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله تعالى إلا بُعْداً، لأن الغاية الكبرى من الصلاة قد تعطَّلَت!!!

وكذلك يمكن أن نقول عن الصيام لقوله  صلى الله عليه و سلم: "من لم يَدَع قوْل الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"رواه البخاري... أما عن الزكاة، فقد قال تعالى في سورة التوبة: "قُل أنفِقوا طَوعاً أو كَرهاً؛ لن يُتَقبَّلَ مِنكُم، إنَّكُم كُنتُم قَوماً فاسِقين". 

هذه الزكاة فقَدَتْ قيمتها وحِكْمتها، والحجّ كذلك.

ففي الحجّ لا رفث ولا فسوق، فهذه الرِّحْلة تُكَلِّفُكَ عَشَرات الأُلوف، وتُبْعِدُكَ عن أهْلك وأُسْرَتِك عَشَرات الأيام، وتجْعلك تتجَشَّمُ آلاف المصاعب، ثمَّ تكون أنت السبب في ألّا تُقْبَل؟! واللهِ إنها لمُصيبة!!!!

ولعل من الأشياء الطريفة التي تُرْوى أنَّ أحد المجلات رسَمَتْ حاجاًّ عاد إلى بلاده وهو مُحَمَّل بالأغْراض؛ مئات الكيلوغرامات من الهدايا والأجْهزة الكهْربائِيَّة، وفجْأةً ضَرَبَ جبْهَتَهُ بيده، وقال: "أخ!!! قالوا له: ماذا نسيت؟ قال: لقد نسيتُ أن أحُجَّ!!

ولعل هذا يفسِّر ما رأيْناهُ في الحجّ مِن انْحرافات فاحِشَة و خطيرة، وتطاوُلٍ باللِّسان على عِباد الله ، ولَغْوٍ في الحديث، وانْغِماسٍ في اللَّهْو والشراب... إلخ.

يا تُرى هل يُعْقل أن يأمرك الله أن تأتي بيته الحرام والكعْبة، والوُقوف بِعَرَفات، ثمَّ يكون حديثك بها عن أُمورٍ لا علاقة لها بالعبادة إطلاقاً وهل يُعْقل أن تزور مائة حاجّ ولا تسْمع منهم إلا ما أكلوه في عرفات ومع من الْتَقَوا، والمَشاهد التي أعْجَبَتْهم، والنِّظام في المملكة؟!!!

فالله عز وجل غَنِيٌّ عن عبادة ليست سِوى تواجُد جِسْمي، ومظاهر فقط !!!

هذه الكلمات التي يُرَدِّدُها الحُجاج:
"لَبَّيْك اللَّهُمَّ لبيْك"، قد ينسون مضْمونها، فكلما صَعِدْنا إلى مكان مُرْتفع، وكلما دخلْنا إلى مدينة، وهبْطنا وادٍ نردِّدُ هذه الكلمات، ما معنى لَبَّيْك؟

كأنَّ الله عز وجل  يقول لك:
تعال ياعبْدي لأُريحَكَ من هموم أثْقَلَتْ صَدْرك، تعال لأَنْقُلَكَ من عملك الوضيع إلى آفاق معْرفة الله، تعال لِتَذوق طَعْم القُرْب ِمنِّي!

تقول:
لبَّيْك اللَّهُمَّ لبَيْك أيْ سَمْعاً وطاعَةً، واسْتِجابَةً لِنِدائِكَ يا ربّ مرَّةً بعد مرَّة، فأجمل  شيء في الحجّ أن تضع يدك على حِكْمة الحجّ وجَوْهَرِه ومقاصِدِه وأن تكون في المُسْتوى الذي يُمْكن أن يكون مَعْقولاً من تَرْكِكَ البلاد والعباد، وتأتي لِتُلَبِّيَ الله عز وجل".

فالصلاة مثلاً:
"الصلاة عماد الدين مَنْ أقامها فقد أقام الدين"، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله، والصيام لعلكم تتقون، وهو أن تصل به إلى الله، والصلاة عبادة بدنية، والصيام عبادة بدنية، أما الزكاة فعبادةٌ مالية، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ، وماليةٌ، وروحيةٌ، عبادة مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد، ويبدو أن الحج من أعلى العبادات مستوىً، لأسبابٍ كثيرة.

بادئ ذي بدء:
الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاتِه، وعلى أسمائه الحُسنَى وصفاته الفُضلَى، فالكون تجسيدٌ لهذه الأسماء وتلك الصَّفات، ومن أسمائه: العليم، فهو العليم الحكيم، وهو الرؤوف الرحيم، وهو القدير الغني، وهو السميع البصير، فكل هذه الأسماء الحسنى لابدَّ أن تعرفها من خلال الكون، فالكون دالٌ على عَظَمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً، لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.

فالحج -باختصار- يعني أن الله سبحانه وتعالى يقول لك: 
"يا عبدي تعالَ إليّ... أمَّا الصلاة، فصلِّ وأنت في بيتك، وأنت في بلدتك، وأنت بين أهلك، وأنت في مجتمعك وأنت بين قومِك، وأما الزكاة، فيقول لك: ادفع من مالك، والصوم، دعِ الطعام والشراب، ولكن الحجَّ تعالَ إليّ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم في سورة الصافَّات.

إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة، وقد يُسافر بدافع التعلم، وقد يسافر بدافع الاستجمام والسياحة، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل، تعالَ إليّ واترك همومك، دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ، دع هموم الحياة في بلدك وتعالَ إليّ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة، وهذه حكمة الله البالغة؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده، يجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا.

وخالق الكون يقول لك في سورة آل عمران:
"ولِلَّهِ على الناسِ حِجُّ البيت مَن استطاعَ إليهِ سبيلاً".

فتترك أهلك وولدك، وتتحمل مشاق السفر، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة، ثم ترجع كما ذهبت؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله، ويدفع عشرات الألوف، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً، فالله سبحانه أجَلّ وأعلَى من أن يكون أمره كذلك!!!

قال لك:
تعالَ إليّ لأذيقك طعم القُرب، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة، تعال إليَّ لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء.. وأن كل شيء سوى الله باطل، وأن كل نعيمٍ لا محالة فهو زائل.

فالحج فرصةٌ واحدة في العمر، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة.

إذن يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خَلقِه فحسب، بل في تشريعه وليس في تشريعه فحسب، بل في عباداته، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب، بل في الحج!!!

فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون، إذ أن أول شيء: كما أن الكون خلْقُ الله -هذه الكلمة دققوا بها- ومن خلال الكون تظهر عظمتُه، كذلك هذه العبادة أمرُالله، ومن خلال هذه العبادة يجب أن تظهر عظمة الله عزَّ وجل، سواءً بسواء.

فالله عزَّ وجل حينما قال لك:
تعال إليّ قطع عنك الهموم، وحينما أمرك أن تُنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام، فتنفق على أجرة الطريق، ورسم الدخول، وأجرة الإقامة وثمن الطعام والشراب، وثمن الهَدْي، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبِل عليه، فيقدِّم لك المبرِّر كي تُقبِل عليه جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حَظوة، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا، والله عزَّ وجل غنيٌ عنك..

إذن حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك، ومكان إقامتك، وأهلك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وعِزَّك، وشأنك وجاهك، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها: دعها كلها... وتعالَ إلى الله!!

فتكون النتيجة أن تشعر أن لك عند الله حَظوة، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسَّراً لك، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريبة منك، وأصبحت المناجاة في مقدورك، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبَي المنال، هذا هو المعنى الأول.

أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً وخلعت عنك الثياب المَخيطة، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب، لجاء هذا بالزِّي الفلاني، وهذا بالثوب الفلاني، وهذا الثوب غالي الثمن، وهذا ألوانه زاهية، وهذا خُيِّط خياطةً راقية، لعادَ التفاوتُ بين الناس، ويعود النظر إلى ما عند الناس، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك، لذلك فلا فرق بين الكبير والصغير، ولا الغني والفقير، الكل عند الله سواء، كأن الله يُشعرك أن يا عبدي هناك رحلةٌ أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم، وكذا الزوجة والأولاد، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها، إذن كأن الحج هو رحلتك قبل الأخيرة إلى الله تعالى!!!!

في الرحلة الأخيرة تدَع كل شيء بلا عودة، إنها مغادرةٌ بلا عودة، لكن الرحلة قبل الأخيرة، تكون المغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة، فمن أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها فدع عنك الدنيا قبل أن تدَعَك ، دعها عنك قبل أن تدعك هي ، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك ، إعرفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها، هذا هو حجمك ، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ ، أشعث أغبر ذو طِمرين يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات، أو حول البيت الحرام ، أو بين الصفا والمروة ، عبد حجمك صغيرٌ، وشأنُك حقير، فهذا الحج إن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان ، يريه حقيقته كما قال الله عزَّ وجل  في سورة الأنعام.
 
لقد تركت هموم المعاش، وتجشَّمت  مشاقّ السفر، وخلعت عنك كل الزينة، هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة بينك وبين الله، لأن الإنسان قد يصلي في بلده، قد يصلي صلاةً شكلية، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه، ومشكلاته، أو دنياه ، وقد يُعيقه ماله، أو جاهه، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج، وقال لك: تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك، لذلك "إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله" .. فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله، نعم... بالتعريف الدقيق هو صُلحٌ مع الله.

فإذا صالحتَ إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك: الحمد لله كابوسٌ زال عني، أو إذا هي صالحته، يقول لك: يا أخي الحمد لله  الأمور رجعت إلى مجاريها، فكيف إذا صالَحتَ رب السماوات والأرض؟! كيف إذا صالحتَ من بيده ملكوت كل شيء؟! من بيده أمر حياتك وموتك، إذا صالحتَه فهنيئاً لك، فالحج مشروع صُلح مع الله.

لكن أيها الإخوة الأكارم؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود، وممكن الوجود، ومستحيل الوجود، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود، ونحن من باب ممكن الوجود، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يُكرمك.

كما قال ربُّ العِزَّة في الحديث القُدسي:
"إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني، وحُق على المزور أن يُكرم الزائر".

فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله، لا يبتغي إلا الحج، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا، فإذا ذهبتَ كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن، بل لابد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل، جبر كسرك، وحقق رغبتك، وأعانك على أمر دينك ودنياك.

هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك.. "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (صحيح البخاري).
 
كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء، وانتهى الحساب القديم، ودخلتَ في مسامحة، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تُفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذن أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه ، إنه الإحساس بمغفرة الله عزَّ وجل لك، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها!!!

شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله، ففي طواف القدوم دعاء، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء، وفي الإقامة بمِنَى دعاء، وفي الوقوف بعرفة دعاء، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء، وفي طواف الإفاضة دُعاء، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء، وكما قال عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو مخ العبادة".

إنّ مخ العبادة الدعاء، فإذا دعوتَه لابدَّ أن يستجيب لك، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك، فكيف بالدعاء وأنت في بيته؟! فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مائةٌ في المائة.

فأنت في بيته ، وفي إكرامه وضيافته... لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل ، ضيف الرحمن ، هذا الإحساس أكثر من رائع ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام.

وثمّة شيء آخر:
أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حجَجْتَ البيت، لا، بل ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل سمح لك أن تزور بيته ، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته!!!

وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج، لأنك إذا  قلت: يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام، وهذا كرم منك، إعترفتَ لصاحب الجَميل والفضل بجميله وفَضله عليك!!! 

فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم: إن قلةً قليلةً يعانيها، لا والله كل حاج، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحج بإخلاص، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً، ولا زينةً ولا وجاهةً، ولا تجارةً ولا عملاً، ولا إقامةً ولا، ولا... فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة.
      
فأنت إذا طُفْتَ حول الكعبة، تدعو الله عزَّ وجل: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار".

ماذا بقي بعد ذلك؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً!!!
 
هذا الدُعاء الذي أُثِرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به:
"اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني".
 
هو يحب أن يعفو عنك، وها أنت ذا تطلب منه العفو، إذن لابدَّ  أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل: فُتحَت لك مع الله صفحةٌ جديدة.

ولعلك تلاحظ أن الله تعالى قد أضاف البيت الحرام إلى ذاته فقال عنه في سورة البقرة: (بَيتي): "أنْ طهِّرا بَيتيَ للطائفين والعاكفينَ والرُّكَّعِ السُّجود".

لاحظ أن الكعبة المُشَرَّفة أضيفت في الآية السابقة إلى الله عزَّ وجل، وهذا تشريف لها، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وهذا الشيءُ -سبحان الله- ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى يشعر بالقرب من الله تعالى يحتاج إلى بذل جهد كبير، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط يشعر بهذا القرب!!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 11:04 am


ثالثاً: كيف يكون الحج مبروراً؟
الحج المبرور هو الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلاّ الجنةُ" (متفق عليه) هو المقبول الذي لا يخالطه معصية بأن يأتي الحاج فيه بالواجبات والمستحبات ويترك المحرمات والمكروهات ويحج كما شرع الله وكما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم".

قال الحسن البصري:
"الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة".
 
وقيل:
هو الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة: الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول.

الإخلاص:
بأن يقصد العبد بحجه وجه ربه وطلب رضوانه، والفوز بمغفرته وثوابه وجنانه فيكون العبد محتسبا في همه ونصبه ونفقاته، راجيا للثواب في حله وترحاله وسعيه وخطواته والفوز بمغفرته وثوابه وجنته، فيكون العبد محتسباً في همه ونصبه ونفقاته وراجياً للثواب في حله وترحاله وسعيه وخطواته، عالماً أنه في عبادة متصلة من خروجه من وطنه بل من شروعه في استعداده وجمع آلاته فهو في عبادة في جميع حركاته وسكناته إلى أن يرجع إلى مقره حائزا للسلامة والقبول والغنيمة الرابحة ومضاعفة الأجر.

وأما المتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم-:
فأن يقتدي به في حجه وعمرته في أقواله وأفعاله، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (خذوا عني مناسككم) وهذا شامل لجميع أحواله.

ويقول الشيخ صالح الفوزان:
"الحج المبرور هو الحج الذي تقبله الله سبحانه وتعالى، وعلامات ذلك  كثيرة، منها:
- أن يكون نفقة الحج من كسب حلال؛ لأن النفقة عليها مدار عظيم في حياة المسلم، ولاسيما في الحج، بل ورد أن الإنسان إذا حج من مال طيب أنه ينادي مناد: (زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور) وعلى من كان حج من مال خبيث فإنه ينادى: (لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور) أو ما هذا معناه.
 
- ومن علامات الحج المبرور أن يوفق الإنسان فيه لأداء مناسكه على الوجه المشروع وعلى المطلوب من غير تقصير فيها، وأن يتجنب ما نهاه الله عنه في أعمال الحج.

- ومن علامات الحج المبرور أن يرجع صاحبه أحسن حالاً في دينه مما كان قبل ذلك، بأن يرجع تائبًا إلى الله سبحانه وتعالى، مستقيمًا على طاعته، ويستمر على هذه الحالة، فيكون الحج منطلقًا له إلى الخير منبهًا له إلى تصحيح مساره في حياته".
 
رابعاً: لماذا نحُــج؟
==========
إن أهم وأول سبب من أسباب الحج هو أنه فريضة على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع (صحياً وأمنيا ًومالياً) ولديه نفقة لأهله حتى يرجع.

ومن تركه وهو قادر، فقد دخل في دائرة الكفر، لقوله تعالى: "وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ?97?" سورة آل عمران.

فهو إذن استجابة لأمر الله سبحانه أولاً وقبل كل شيء.

ثم استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن الله فرض عليكم الحجَّ فحُجوا" رواه مسلم.

وبالإضافة إلى ذلك هناك أسباب أخرى:
 * لأن الحاج والمعتمر من المُحسنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، لقوله سبحانه: "وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?195? وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ ? فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى? يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ? فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ? تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ? ذَ?لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?196?" سورة البقرة.

* لأن الحج والعمرة يكفِّران الذنوب ويمحوان الفقر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة".

* وفوق كل هذا فإن للحج منافع أخرى كثيرة، لقوله سبحانه: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ?27? لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ?28?" سورة الحج.

"إذن فالحج به منافع  وهي كلمة عامة لا ينبغي أن نُقْصِرها على التجارة، سواء للحاج أو أهل بلاد الحرمين، فلا يمكن أن تكون المنافع كلها تجارة ، ولعلك تلاحظ أن المنفعة الحقيقية من التجارة في موسم الحج في هذه الأيام تعود لأهل الصين، وهونج كونج، وغيرها من البلاد التي تنتج معظم المنتجات التي تباع هناك!!!

إذن المنافع أو الأهداف الحقيقية للحج هي:
1- أنه يذكِّر كل الأمة الإسلامية -وليس الحجاج فقط- بيوم القيامة، فالشبه كبير جداً بين الحج ويوم الحَشر!!

لأن الحاج يمر بأكثر من موقف يذكِّره بذلك اليوم من أول يوم ينوي فيه الحج:
أ- فهو يدفع آلاف الجنيهات بنَفس راضية من أجل لقاء الله تعالى في بيته، ومن أجل إقامة هذا الركن من الدين، فيتحرَّى الحلال، وينفقه في سبيل الله، قائلاً: "لبيك اللهم لبيك"، أي أنا قادم إليك يا رب، أنا راجع إليك.

ب- وهو يرد الديون والحقوق للعباد، وكذلك الأمانات إلى أصحابها قبل أن يسافر، وكأنه يستعد تماماً للموت، ويوم الحساب، ثم يوصي أسرته بما يفعلونه إن لم يرجع، فقد يكرمه لله تعالى بالموت هناك، ولا يعود حقاً.

ج- أن الحاج تودِّعه أفواج من الناس، تماماً كالأفواج التي تودعه وهو ميت، فتمشي في جنازته وتصلي عليه.
د- يرتدي الحاج ملابس الإحرام التي تشبه الكفن!!!

هـ- الزحام الشديد من الناس على مختلف ألوانهم وأجناسهم من كل بقاع الأرض، الذي يذكِّر بزحام يوم الحَشر.

و- العرق والجهد الذي يصيب الحاج، والذي يذكِّر بالعرق والجهد الذي يصيب الناس يوم القيامة وهم واقفين ينتظرون بدء الحساب!!! 

ز- الحج هو العبادة الوحيدة التي يتفرغ لها الإنسان تماماً ويترك كل أمو دنياه، وذلك لمدة أيام متتالية، وهذا يشبه طول يوم القيامة "يوما ًعَبوساً قَمطريراً": ( قمطريراً، أي طويلاً).

ح- إن السَّعي بين الصفا والمروة  في الحج يذكِّر بالسعي يوم القيامة إلى الأنبياء لكي يشفعوا عند ربهم لكي يبدأ الحساب ويخلصهم من الوقفة في الحر الشديد.

ط- إن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن لم تكن من أركان الحج) تذكرك بلقاءك به صلى الله عليه وسلم عند حوض الكوثر، فيسقيك -إن كنت من المتَّبعين لسُنته- من يده الشريفة شَربة لا تظمأ بعدها أبداً.

ورغم كل التعب والمال والوقت والجهد الذي يبذله الحاج لكي يؤدي الفريضة؛ إلا انه يعود إلى بيته، وهو مشتاق إلى تكرار أداء هذه الفريضة مرات ومرات!!!!

ولكن ما فائدة التذكير بيوم القيامة؟!!!
لعلك تعلم أن كل المعاصي التي تُرتكب على وجه الأرض سببها إما عدم الاعتقاد بأن هناك بعث، وقيامة، وإما لأن الناس تنسى وسط زحام الحياة ومشاغلها أن هناك يوم للبعث والحساب والجزاء!!!

فالإنسان قد ينسى أنه سوف يُحاسَب على كل ما فعله منذ أول يوم تكليف(سن البلوغ) إلى لحظة موته.

يقول الله تعالى: 
"وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحساب" سورة ص: 26، فنسيان يوم الحساب يتسبب في ارتكاب الناس للمعاصي التي تؤدي إلى الضلال الذي يتسبب في العذاب الشديد في الدنيا والآخرة!!!

ولو أن الإنسان تذكر يوم الحساب وحاسب نفسه أولاً بأول كل يوم، لعاشت الكرة الأرضية في هدوء ونعيم وسلام ورخاء!!!

فلا ظُلم ولا سرقة ولا عقوق للوالدين، ولا تعدِّي على حقوق الزوجة أو الأولاد أو الجيران... إلخ.

إذن فالهدف الأول والأساسي للحج  هو أن تتذكر يوم القيامة، ولعل هذا هو السبب في بدء سورة الحج بالتذكرة بيوم القيامة!!!!

يقول الله تعالى في أول آية من سورة الحج:
"يا أيها الناسُ اتَّقوا ربَّكُم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شيءٌ عظيم".

فلو تذكَّرْتَ الساعة لاتَّقيتَ الله في كل معاملاتك!!!!
فليس الهدف من الحج هو أن تترك أهلك وبيتك وعملك، وتُنفق مالك، وتتحمل الكثير من مشقة السفر والتنقُّل بين المناسك... فالله تعالى غنيٌ عن كل ذلك... وإنما الهدف أن تتذكر الآخرة، فتتقي الله، فيكون جزاءك في الدنيا السعادة والراحة، وفي الآخرة الجنة الدائمة إن شاء الله.

أما بقية منافع أو أهداف الحج؛ فهي أكثر من أن نُحصيها،ولكن على سبيل المثال نذكر منها:
2- ترسيخ فكرة وحدة الأُمة الإسلامية، فالحج مؤتمر إسلامي عالمي عظيم يجمع المسلمين من شتى بقاع الأرض، وذلك مما يقوِّي الروابط بينهم، ويعينهم على المزيد من الطاعة والعبادة... فحين ترى خشوع الأقليات الإسلامية من الآسيويين، أو الإيرانيين، أو الأفارقة أو الشيشان في صلاتهم تشعر بالخجل من نفسك، وحين ترى حرصهم على تلاوة القرآن بإتقان (أي بالحرص على إجادة أحكام التجويد) رغم أنهم لا يتكلمون اللغة العربية تشعر كم أنت مُقصِّر في حق كلام الله الذي تهجره فلا تتلوه إلا في رمضان، بل  وتتكاسل عن تعلُّم أحكام تلاوته كما أُنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!!!

وحين ترى مدى حرصهم على تعلُّم معانيه تحمد الله أنْ فَضَّلك عليهم بنعمة إجادة اللغة العربية قراءة وكتابة، مما يعينك ليس فقط على قراءة القرآن، وإنما على قراءة التفسير، وسائر كتب التراث القيِّمة التي تعينك على فهم دينك... بينما هم ينتظرون الترجمات المختلفة التي قد تكون قاصرة.

3- يرجع الحاج وقد غُفرَت ذنوبه حتى تصير صحيفته بيضاء كيوم ولدته أمه (إلا من حقوق العباد)، مما يعطي أملاً كبيراً للمسلم فيلتزم بقية حياته ، ويفتح صفحة جديدة مع الله تعالى.

4- الحج يربي الحجاج ويربي الأمة الإسلامية كلها على اتِّباع أوامر الله سبحانه دون جدال أو اعتراض، حين يرجم حجراً ، ويقبِّل حجر آخر، ويطوف حول حجر ثالث، دون مناقشة ثم هو يمتنع عن أشياء محللة له كقص الأظافر، والاغتسال، وغير ذلك من أعمال الحج التي يفعلها بطيب خاطر، ودون مناقشة.

ثم بعد عودته من الحج يكون قد تدرَّب على الطاعة.. فحين يعلم أن الرشوة حرام وان الرِّبا حرام، وأن الغِيبة حرام... يطيع ربه  دون مناقشة!!!!

وكذلك في كل أوامر الله تعالى، ولو استمر المسلم على ذلك، لفاز في الدنيا والآخرة.

5- ترسيخ معنَى المساواة بين المسلمين فلا فرق بينهم إلا بالتقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات: 13؛ وهو معنى رائع... فكلهم بلباس واحد، لا تمييز بين الوزير والغفير، ولا الغني ولا الفقير، ولا الحاكم ولا المحكوم، ولا الصغير ولا الكبير.. الباكستاني بجوار المصري، بجوار الشيشاني... لا قبَلية ولا عصبية، الكل سواسية كأسنان المشط ، فلا فرق بينهم في الهيئة الخارجية، ولا في المناسك، ولا في المكان ولا في الزمان... وهذا من أهم المعاني البِنائية للأُمَّة الإسلامية!!!!

6- التذكير الدائم بالحرب الدائمة مع الشيطان، والعداوة القديمة مع الإنسان منذ عهد آدم، وإلى يوم القيامة وإصراره على أن يعد العُدة ليبعدنا عن الجنة ويقربنا من النار ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك من خلال الرَّجم ثلاث مرات مختلفة لرمز الشيطان.

7- ترسيخ معاني التضحية في قلوب المسلمين: فالحاج يضحي بالكثير من الوقت، والمال (ولو شاء لأنفقه في أي شيء آخر من مَتاع الدنيا)، ويضحي بوقته (الذي يمكن أن يقضيه في العمل لكسب المال)، ويضحي براحته، ويضحي بالابتعاد عن بيته وأهله وأولاده، ويضحي بتغيير عاداته اليومية التي يألفها.. كل ذلك من أجل إرضاء الله.

وحين يعود من الحج يكون أكثر قدرة على التضحية في سبيل الله بأشياء أخرى:
•    فلا يخجل من أن يدعو الناس إلى الله، ولا يتحرّج من أن يعبد الله وسط مجموعة من العُصاة فيكون كالشمعة التي لا يستطيع ظلام العالم كله أن يخفي نورها.

•    ولا يتردد في التضحية بصَديق يعينه على المعصية، واستبداله بصديق آخر يقرِّبه من الله.
 
•    ولا يشعر بالخجل من التزامه بطاعة الله مهما كان رأي الآخرين فيه... وغير ذلك كثير.
 
8- التدريب على التقشُّف وعدم الرفاهية الزائدة، وعدم التعلُّق الزائد بالدنيا، وذلك نراه واضحاً في ملابس الحجاج، وأماكن إقامتهم، وطعامهم، وتنقُّلهم الدائم... ولذلك لا أنصح بالحج السريع المرفَّه لأنه يحرم الحجاج من هذه المنفعة... فالأُمة المُتْرَفَة يا إخواني لا يُكتب لها النصر أبداً !!!

9- التدريب على التسامح ولِين الجانب والإيثار وترك الجدال... ولو استطاع الحاج أن يستمر بقية عمره كاظماً لغيظه، متسامحاً، غير مجادل، مؤثِراً إخوانه المسلمين على نفسه، لذاق السعادة والنصر في الدنيا والآخرة.

نيته الرئيسة هي أداء الفريضة أولاً وقبل كل شيء، ثم تأتي التجارة كشيء ثانوي أو جانبي، لقوله تعالى: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" سورة البقرة: 198.

10- "التدريب على انتظار الفرَج: فإذا رأى الحاج جموع الحجيج المزدحمة -عند الطواف، والسعي، وفي رمي الجمرات- ظن أن تلك الجموع لن تتفرق، وأنه لن يصل إلى مبتغاه من إكمال الطواف، أو السعي أو رمي الجمار، وربما أدركه الضجر، وبلغت به السآمة مبلغها، وربما أضمر في نفسه أنه لن يحج بعد عامه هذا.

وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تنتقل الجموع، ويتيسر أداء المناسك.

* وهذا درس عظيم، وسر بديع يتعلم منه الحاج عبودية انتظار الفرج، وهي من أجلّ العبادات، وأفضل القربات؛ فلا ييأس بعد ذلك من روح الله، وقرب فرجه مهما احلولكت الظلمة، ومهما استبد الألم، ومهما عظم المصاب سواء في حاله أو في حال أمته، بل يكون مُحسناً ظنه بربه، منتظراً فرجه ولطفه، وقرب خيره- عز وجل- فيجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه، وراحته ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل.

ولا بعد في خير وفي الله مطمع ولا يأس من روح وفي القلب إيمان.

11- اكتساب الأخلاق الجميلة: فالحج ميدان فسيح لمن اراد ذلك؛ فالحاج يتدرب عملياً على الحلم، والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جرّاء ما يلقى الزحام، والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو في غيرها من المناسك، فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك؛ لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن؛ فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله –عز وجل-.

فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج صار ذلك دافعاً لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.

* ثم إن الحاج يتعلم الكرم، والبذل، والإيثار، والبر، والرحمة، وذلك من خلال ما يراه من المواقف النبيلة الرائعة التي تجسّد هذه المعاني؛ فهذا سخيّ يجود بالإنفاق على المساكين؛ وذاك كريم بخلقه يعفو عمّن أساء إليه، وأخطأ في حقه ؛ وذاك رحيم يعطف على المساكين ويتطلف بهم؛ وذاك حليم يصبر على ما يلقاه من أذى؛ وذاك بر بوالده يحمله على عاتقه؛ وذاك يحوط أمه العجوز بلطفه ورعايته.

* بل ويكتسب الأخلاق الجميلة إذا رأى من لا يدركون معنى الحج، ممن يغضبون لأدنى سبب، وتطيش أحلامهم عند أتفه الأمور... فإذا رأى العاقل البصير سوء فعال هؤلاء انبعث إلى ترك الغضب، وتجافى عن مرذول الأخلاق".

ونصيحتي لإخواني الحجاج:
ألا يضيِّعوا وقت الحج الثمين في شراء أشياء يمكن شراؤها من أي مكان آخر، في أي وقت آخر غير وقت الحج الذي يذهب الإنسان إليه مرة في العُمر!!!!
والآن هل علمتَ لماذا جعل الله تعالى الحج أحد أركان الدين الأساسية؟
"لأن الحج يثبِّت أركان الدنيا والدين، ويسعد به المسلمون في الدنيا والآخرة".


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 11:09 am


خامساً: خبرات ونصائح للحاج 
=================
1- قبل السفر للحج:
ينصح فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الحجاج قائلاً:
أنْصح لكم أيها الإخوة:
1-  أن تؤدوا ما عليكم من الذِّمم والحقوق قبل الذهاب إلى الحج...
أذْكر أنَّني قبل أن أذهب للحج، حتى الكتب المُستعارة أعَدْتُها لأصْحابها، وحتى المَجلات... كانت عندي مَجَلَّة قديمة لِشَخْصٍ لم أرهُ منذ فتْرة، ذَهَبْتُ إليه وأدَّيْتُها له.

أخي الكريم:
اُنْظر لحال الإنسان حين يشعر بأنه أوشك أن  يُغادر الدنيا كيف يُصَفي علاقاته من ذِمَم وحِسابات وحقوق، لذلك قيل: إذا اسْتَقَرّ عَزْمُك فبادِر إلى التوْبة النصوح (الندم على المعصية، والتوقف عنها، والعزم على عدم العودة إليها بإذن الله)، وأدِّ ما عليك من حُقوق ودُيون، واسْتَسْمح من نالهم منك ظُلْمٌ أو أذى، ولا تشْعر أنَّك أكبر من ذلك، فإذا كنت قد ظلمْتَ من كان يشْتغل عندك في الماضي فابْحث عنه و اسْتسْمِحهُ، فهذا له حق عندك! وقَدِّم له هَدِيَّة، وإن بذلت كل جهدك و لم تجده، فادعُ الله تعالى له بالمغفرة والرحمة، ولا تنسَ دائماً في صلاتك ًالدعاء: "اللهم اغفِر لي ولوالديَّ ولِمَن كان له حقٌ عليَّ".

وإذا أردت أن يمُنّ الله عليك في الحج بنفحاته، وأن تشْعر بالطواف الحقيقي، وأن يكون حجك مقْبولاً، فأنت لك مهِمَّة أصْعب من الحج؛ وهي أن تسافر وليس لأحد عندك حق، سواء في علاقاتك الماليّة، أو الأشياء المُسْتعارة، أو تعْويضات مع تقادم الزَّمن نَسِيَها صاحبها ومَلَّ من مُطالبتك... جاء الآن وقْتُ تَصْفِيَة الحُقوق، وأداء الواجبات، وأداء ما عليك من دُيون وحُقوق.

2- بعد ذلك عليك بالتوبة النَّصوح
فيجب أن تسافر إلى الحج وقد فَتَحْتَ بينك وبين الله صَفْحةً جديدة.

3- على الزَّوْجة إرْضاءُ زَوْجِها
فإذا كان بينها وبين زوْجها مشْكلة، ولو حَجَّتْ مع أخيها فَحَجُّها غير مَقْبول، فعلى الزَّوْجة أن تُرْضي زَوْجَها قبل أن تَحُجّ؛ لأنَّ دين المرأة أربعة أقْسام: ورُبْع دينها رِضا زوْجِها عنها، فإذا صَلَّتْ المرأة خمْسها، وصامَتْ شَهْرها، وحَفِظَتْ نفْسَها، وأطاعَتْ زوْجها، دَخَلَتْ جَنَّة ربِّها، فَكُلُّ زوْجةٍ عاصِيَة لِزَوْجِها، ومُغْضِبَة له ولا يرْضى عنها وتُزْعِجُهُ، فليس العِبْرة أنْ تَحجّ، إنما العِبْرة أن يقبلها الله عز وجل، وأن يتجلّى عليها هناك.

وَيُسنُّ للرَّجُل أن يصْطحب في الحجّ زَوْجته، هناك أشْخاص يقولون لك أُحِبُ أن أكون خفيفاً، والمرأة صَعْبة وعِبْء! لكن إن لم تَحُجّ عن طريقك فَعَن طريق من تَحجّ؟! طبْعاً هذا على المَيْسور الحال.

4- إرضاء الوالدين:
مع ملاحظة أنه لا يجوز للوالِدَيْن منْعُ الابن مِن حَجَّة الإسلام (حجة الفرض: أي المرة الأولى)، فإن قالا لك: "إرضاءً لنا لا تحجّ"، فلا يجوز طاعتهما إن كانت هي حجَّة الإسلام، أما إن حجّجْت وكانت هذه للتَطوّع وقالا لك: "لا تحجّ هذه السنة فنحن بِحاجة إليك"، فلا مانع من طاعتهما، وربما وجبتْ طاعتهما، أما حجَّة الإسلام فلا اسْتِشارة، ولا إذْن، ولا شيء، وعلى الابن أن يجْتهد في إرْضاء والِدَيْه مع ذلك.

5- التأكد من أنك تُنفق على الحج من مال حلال...
أما إن كان أحدكم في ماله شُبْهة، أوفي دَخْله جزءًا من الحرام، وله معاش، فإذا أراد أن يحجّ بِهذا المال المَشْبوه، فقد ورد في بعض الأحاديث: "يقول لبَّيْك اللهم لبَّيْك، فيقول الله تعالى: "لا لبَّيْك ولا سَعْدَيْك" إذن يجب أن تحجّ من المال الحلال الذي اِكْتَسَبْته من كَدِّك وعرق جبينك.

6- التفقُّه في أحكام الحج:
فيجب على من عزم على الحج أن يقرأ كتاب في فقه الحج أو يحضر دروساً في فقه الحج، ليعرف حُكْم كُلِّ عمل ولا يُقَلِّدُ العوام، فالمفْروض أن تؤدي حَجّك بشكل صحيح.

ولقد رأيْتُ بِعَيْني أشياء ينْدى لها الجبين؛ حُجاجٌ ما أحْرموا من الطائرة، فلما وَصَلْنا إلى جدَّة قالوا: متى الإحْرام؟! هؤلاء عليهم دم، ومنهم مَنْ لم يطُف طواف الإفاضة وهو رُكْن، وهناك مَنْ يسْأل وهو في المدينة أين قبْر محمَّد؟! هناك جهْل شنيع وأحدهم قال: أين القِبلة؟ فقال له أدهم: هذه هي الكعْبة فقال له: أنا أقول أين القبلة، وليس الكعبة؟!!، وآخر قالوا له: اُرْجم إبْليس، فقال: ليس بيني وبينه شيء فلا أُحِبُّ أن أرْجُمَهُ!!!

فهذا الحاج دفع ماله جُزافاً، وضَيَّع وقْته، وهو لا يعلم منه شيئاً!

وقد كنا بِعَرَفات فرفع أحدهم باب الخَيْمة فسَبَّهُ أحدهم بالدِّين!! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِعَرَفات؟!

لذلك يجب أن يتَفَقَّه الإنسان قبل أنْ يحجّ.

8- كتابة الوصية الشرعية قبل السَّفر:
وهذه هي السنَّة.

9- مرافقة مَنْ يُعينك على طاعة الله
فمن السنَّة أن يبْحث الحاجّ عن رفيق عالِمٍ ورِعٍ راغِبٍ في الخير والتُّقى، وكأنَّ الحجّ يتضاعف أجْرهُ إذا صاحبك رجلٌ تقِيّ عالِمٍ، كُنْ في صُحْبة الأخْيار، فإذا رأيْتَ في الحجّ من تعرفه من أهْل التُّقى فاصْحَبْهُ ودَعْ رِفاقَكَ، فهذا العالِم أو الداعيّة الملتزِم يُعَلِّمُكَ أحْكام حجِّك ومناسكه والآداب، فالأصْل مُصاحبة من يُعينك على طاعة الله؛ عالِمٍ أو داعِيَةٍ أو صاحب خِبْرة، فلا تبْحث عن السُّرور مع الأصْدِقاء، إنما من هم فوْقك من أهْل العِلْم، هذه عِبادة لا يلْزمك فيها أن تمْزح وتتسَلَّى، وإنما يلْزمك صُحْبة عالِمٍ.

10- أن تَسْتَكْثِر من طيِّب الزاد والنَّفَقة ما أمْكنك
لِتُعينَ ذوي الحاجة، فإذا كان الإنسان مَيْسورًا وأخذ معه أدْوِية زائِدَة، أو أمتعة زائدة مما يحتاجها الحجاج (مثل أدْوِيَةُ الإسْهال، والمُسَكِّنات، وخافِضات حرارة، وأدوية الرَّشْح، كان هذا من باب تقديم يد المساعدة للإخوة، وله الأجر العظيم عند الله تعالى.

أذْكر أنَّهُ لَزِمني علبة دواء ثمنها خمسون ريالاً، وهو ما يُعادل سبعمائة ليرة! بينما ثمنها في سوريا ستُّ عشرة ليرة فقط!!

كما أذْكر في العام الماضي لمَّا كنت رئيس بعثة أنَّني أخذْت زاداً كبيراً حتى رآه الحاضرين كثيراً، إلا أنَّه كان له أثر كبير في أثناء ذهابنا، فقد بقي معنا لِمُدَّة ثمانية أيام، وأطْعمْنا منه وضَيَّفْنا الحجاج.

والمشكلة أن هناك الظروف تكون غير ميسرة كما هو الحال في بلدك؛ فأنت تَصِل مُتْعبًا، والخروج قد يكون فيه إرْهاق أو مشقة، فإذا أخذتَ الأكل والدواء اللازم سُرِرْت وأسعدتَ غيرك من الحجاج، فتنال ثواب إطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب المسلمين... وهي من أحب الأعمال إلى الله تعالى.

11- ترْك المُجادلة والمُشاحنة في الحجّ
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، أما المجادلة، فهي الاعْتِراض مثل: "ما هذه الأسْعار؟!"؛ فأنت في حجّ ولا يجوز أن  تفعل هذا.

12- الرِّفق بنفسك
فالمَشَقَّة في الحجّ ليْسَت مَطْلوبةً لِذاتِها، فهناك من يختار الجلوس تحت أشعة الشمس الحارة، ويقول: أنا لي أجْرٌ بالشَّمْس أكثر!! لا هذا وَهْم وجهْل، فالحجّ الآن بالطائِرة أكثر راحةً من البرّ، والحجّ بِالبَرّ أقلُّ تعبًا من المَشْي فليْسَتْ المَشَقَّة مَطْلوبَةً لِذاتِها، فلا تقل: إذا ركِبْتُ حافلةً مُكَيَّفةً يَقِلُّ أجْري، بل احرص على أن تنزل في خيْمة مُكَيَّفة فهذا أفْضل لك لأنّ الحرّ أحْياناً يشْتد لِدَرجة أنَّهُ يُعيقك عن الإقبال على الله عز وجل.

لذلك احْفَظوا هذه القاعدة:
المَشَقَّة في الحجّ ليْسَت مطْلوبةً لِذاتِها؛ لكن إذا كانت المَشَقَّة لابدّ منها في سبيل الله فَمَرْحباً بها، مثَلاً؛ الآن حوْل الكعْبة هناك رُخام يمْتَصّ الحرارة، رغم أن أشِعَة الشَّمْس مُسَلَّطة عليه عَشْرُ ساعات وهو بارد، بينما هناك رُخام بالأرْوِقَة حارة كالمِكْواة تماماً!!! إياك أن تظنّ أنَّ المشقّة إذا طلبْتها لِذاتها ترْفع ثوابك عند الله تعالى! لا، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً قابِعاً في الشَّمْس، فقال: لمَ يقف هذا في الشَّمْس، فقالوا: نذر هذا أن يقف في الشّمْس تقرُّبا إلى الله عز وجل، فقال عليه الصلاة والسلام: مُروهُ أن يتحوَّل، فإنَّ الله غنِيٌّ عن تعْذيب هذا نفْسه"!!!

مثَلاً:
هل يجب أن تُصلي خمس أوقات بالحرم؟!
أما إذا كان البيت قريبًا من الحرم فهذا أحسن، أما إذا كان البيت بعيدًا ويجب أن ترْكب السيارة مَرَّتين، وتمْشي في الشَّمْس ساعة، وضَرْبة الشَّمْس مؤلمة، فلا تخرج في النهار إلا لِسَبب قاهر، لأن مكة كلها حرَم، فإذا صلّيت بالفندق حصلت على أجر الصلاة بالحرم!!!

مع ملاحظة الحرص على صلاة المغرب والعشاء والصبح في الحرم، حيث تكون الحرارة لطيفة... ولا تُخاطر، فحياتك غالِيَة، وهي ليْست ملْكك وحْدك، وبالمناسبة: إن  ضربات الشَّمْس مُميتَة، أنا لا أُخَوِّفكم، إلا أنني أُبيِّن لكم حُكْم الشَّرْع في مسألة المَشَقّة، حتى إنه توجد مُستشْفيات من أجل ضرْبات الشَّمْس.. فإذا بدأت تشعر بدوخة، وشِبْه إغْماء فأوَّل شيء لابدَّ أن تأكل أشْياء مالحة، لأنَّ هذا الشيء المالح يشْرب الماء.

13- أن تكون نيَّتك هي إرضاء الله:
أي أن تجْعل سَفَرَك خالِصاً لله تعالى، فلا تتّخِذهُ فُرْصَةً للتِّجارة، وإن كان ذلك جائِزاً، ولكن في حُدود الشَّرْع؛ (أي أن يكون همَّك الأول هو أركان الحج وطاعة الله، ثم تأتي بعد ذلك التجارة، أو شراء الهدايا كشيء جانبي، وثانوي، وكل شخص أدرَى بنواياه، فإذا لم تستطع السيطرة على قلبك، أو أن تضبط نيتك، فدع كل شيء وتفرَّغ للحج فإنه رحلة تؤدَّى مرة واحدة في العمر، وقد تكون هذه هي آخر زيارة لك لهذه الأماكن المقدسة المباركة).

فالإنسان يخرج من الحَرَم فَيَجِد مَحَلَّات فَخْمة، وبِضاعة بأنواعها المُدْهِشَة؛ ويجد هؤلاء الحُجَّاج مُلْتفين حوْلها، وذلك لِرِخَصِها، أو غيرها من الأمور... دَعْك من البِضاعة؛ وتذكر أنك حاج.

هناك أيضاً من الحُجَّاج مَنْ يذهب لمدة يومين أثناء الحج إلى جدة ليزور أقاربه، وهي مدينة فَخْمة ذات عمارات شاهقة، ومقاصف جميلة على البحْر، تجعل الحاج يخرج من الجو الروحاني الذي كان يعيشه إلى الدنيا بزخارفها...

أنصحك أخي الحاج أن تبتعد عن كل هذا؛ فليس من مصْلحتك الانْتِقال إلى الأماكن الحضارِيَّة، إنما مصْلحتك الاعتكاف بالحرَمَيْن... لأنَّك ذهبْت للحج وليس للسِّياحة... أما أقاربك، فيمكنك زيارتهم بعد الانتهاء من أداء فريضة الحج، بنِيَّة صلة الأرحام.

قبل مغادرة المنزل
==========
ماذا يفْعل الحاج قبل أن يغادر منزله؟
يُسْتحَبُّ له أن يُصلي الحاج  قبل خروجه ركْعتين في غير أوْقات الكراهة؛ وهذه الأوقات معْروفة: (بعد صلاة الصبح، وقبل الصلاة الظهر بنصف ساعة، وبعد صلاة العصر)، فيقرأ في الأولى بعد الفاتِحَة: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانِيَة: قل هو الله أحد، وهما سُنَّة السفر، وبعد سلامه يقْرأ آية الكُرْسي، وسورة قُريْش، ثمَّ يدْعو الله سائِلاً بِخضوعٍ وخُشوعٍ التَّيْسير والعفْو، فإذا نَهَض قال: "اللهمَّ إليك تَوَجَّهْت، وبك اِعْتصمْت، اللهمّ اكْفِني ما أهَمَّني، وما لا أهْتَمُّ به"، ويقول: "اللهمَّ زَوِّدْني التَّقْوى واغْفِر لي".
 
ومن السُّنَّة أن تُوَدِّع أنت الأهْل وليس هم الذين يُوَدِّعونك، فإذا جئْت من الحجّ هم الذين يهَنِّئونك، أما حين المُغادرة فأنت الذي تُوَدِّع -طبْعاً مَنْ هم أكبر منك- لك أب أو عمّ تذْهب إليهم قبل أنْ تَحُجّ، وحينما تعود من الحجّ هم الذين يسْتَقْبلونك ويُهَنِّئوك.

وفي الوَداع يقول المُوَدِّع لأهله:
"أسْتَوْدِعُ الله دينك وأمانتك وخواتيم أعماَلِك".

ويقول المُوَدَّع للمسافر:
"زوَّدَك الله التقْوى، وغفر ذنْبك، ووجَّهَك للخير أينما توجَّهتَ".

وهذا في الحجّ وغيره؛ والدُّعاء الأخير: "اللهمّ إنَّا نسْألك في سَفَرِنا هذا البِرّ والتَّقْوى، ومن العمل ما تحِبُّ وترْضى، اللهمّ هَوِّن علينا سَفَرَنا، اللهمَّ أنت الصاحب في السَّفَر، والخليفة في الأهل والمال والولد، اللهمّ إنا نعوذ بك من وَعْثاء السَّفَر، وكآبة المُنْقلب، وسوء المنْظر في الأهْل والمال والولد".

وتذكَّر أن تدعو دائماً كما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعِنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادتك"، فإنك لن تستطيع أن تطيع الله أو تعبده إلا  بتوفيق منه سبحانه!!!".

الصبر الجميل:
========
لا أنسى وصية أحد أقربائي حين اتصل ليودعني قبل السفر لحج الفريضة، فقد قال لي: "أوصيكِ بالصبر الجميل"، فقلت له حسناً؛ ولكني لم أقدِّر قيمة هذه النصيحة إلا بعد أن وصلت إلى مطار جدة!!! لقد كنت في حاجة ماسة للصبر الجميل (وهو الصبر بلا ضجر ولا صخَب ولا شكوى، واستقبال ما يكره الإنسان برضا تام بقضاء الله) وذلك في كل حركاتي وسكناتي بسبب الزحام الشديد الذي يجعل الحركة بطيئة، فالطرق مزدحمة، والحرم مزدحم، وكذلك المطاعم والمحلات مزدحمة، وكذلك كنت احتاج الصبر الجميل بسبب تصرفات بعض الحجاج التي تثير الغضب والضجر، وأحياناً الاشمئزاز!!

ولقد دعوت لقريبي هذا كثيراً على هذه النصيحة الغالية وتذكَّرت قول الله تعالى: "وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 46" سورة الأنفال، وقوله سبحانه "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ 10" سورة الزمر!!

فحمدت الله تعالى أن أعانني على الصبر، ثم شكرته على فضله الذي يفيض به على الصابرين.

لا تقلق بخصوص المناسك:
===============
لقد كنت في غاية القلق قبل السفر للحج بخصوص المناسك والدقة في تنفيذها خوفاً من فساد الحج؛ ولكني اكتشفت أن الحجاج يتحركون معاً ومن ثم فهم يؤدون المناسك معاً، فضلاً عن توفر الكتب الإرشادية في كل مكان، وكذلك مكاتب الدعوة والإرشاد وكذلك توفيق الله تعالى وتيسيره بتسخير من يرشد الحاج ويساعده وينصحه، فلا تقلق على دقة أداء المناسك، بل احتفظ بكتيب صحيح عنها، ثم توكل على الله.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 11:16 am


فـي عرفــــــــــــــات:
===========
- يُفضَّل أن تصل إلى جبل عرفة قبل فجر يوم عرفة لكي لا تترك شيئاً للظروف، وإذا كنت لا تفضل البقاء في خيمة جماعية فيمكنك شراء خيمة ب50 ريال من هناك -أو تأخذها من بلدك بأقل ثمناً من ذلك- وهي تكفي لشخصين أو ثلاثة لتقضي يوم عرفة في خصوصية تعينك أكثر على ذكر الله والتفرغ للعبادة.

- ينبغي أن "تتأكد أنك في داخل حدود عرفة، وإلا فإن حجّك باطل". 

- ينبغي أن تدعو واقفاً قبل مغيب الشمس، وفي  اتجاه القِبلة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- ينبغي ألا تغادر جبل عرفة قبل غروب الشمس".

- وتذكّر:
"أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ، فيقول: "انظروا عبادي، جاءوني شُعثاً غُبراً، فاشهدوا أني قد غفرت لهم"، فلا ينبغي في عرفات أن يكون الحاج في حالة غفلةٍ، لأن هذا اليوم كما قال عليه الصلاة والسلام: "أشرَف يومٍ في السنة".

فأشرف الشهور رمضان، وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة، ورمضان أشرف أشهر السنة، وأشرف أيام السنة يوم عرفات، إذن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل في الدنيا".

"فحاول استغلال هذه الدقائق الغالية في ذكر الله وطاعته وعبادته حتى تكون أهلاً لأن يباهي الله تعالى بك الملائكة، وتذكّر الموقف الأكبر يوم القيامة حين يجمع الله تعالى الخلائق في صعيد واحد للحساب، وتضرّع إليه سبحانه لأن يجعل الحساب يوم القيامة يسيراً وأن يعتق رقبتك -وكل مَنْ تحوط به شفقة قلبك- من النار؛ وتذكّر المسلمين بالدُّعاء وخاصة المستضعفين منهم".

- وتذكّر أن تدعو بأن يجمع الله تعالى قلوب المسلمين على قلب رجل واحد، ويوحد صفوفهم، ويهدي شباب وبنات المسلمين ويكفيهم شر الفتن ما ظهرمنها وما بطن.

- وعند الإفاضة من عرفات لا ينبغي للحاج أن يتعجَّل بالرحيل ويتزاحم لمغادرة المكان؛ بل يستشعر فضل الله تعالى عليه بمحو خطاياه وذنوبه وعتقه من النار ويحمد ويشكره، وهو يتخيل صحيفة أعماله خالية من الذنوب (إلا ما بينه وبين العباد من حقوق) فيغادر عرفات وهو عليه السكينة، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال: هذا الموقف وكل عرفة موقف ثم دفع يسير العنق وجعل الناس يضربون يميناً وشمالاً وهو يلتفت ويقول: السكينة أيها الناس السكينة أيها الناس؛ حتى جاء المزدلفة وجمع بين الصلاتين ثم وقف بالمزدلفة فوقف على قزح وأردف الفضل بن عباس وقال: هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم دفع وجعل يسير العنق والناس يضربون يميناً وشمالاً وهو يلتفت ويقول: السكينة السكينة أيها الناس حتى جاء محسراً فقرع راحلته فخبب حتى خرج ثم عاد لسيره الأول حتى رمى الجمرة ثم جاء المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر..." رواه ابن ماجه في صحيحه.

فـي الـمــــــــزدلـفــــة:
============
ينبغي أن تجمع الحصوات بمواصفات معينة وليس أي حصى بالأرض، فالحصاة المطلوبة حجمها فوق حجم الحمص قليلاً، كما  تتصف بأنها مستديرة، أي غير مدببة، فلا تؤذي أحداً إذا وقعت عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يصب بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة، فارموا بمثل حصى الخذف".

عند رمي الجمــرات:
===========
- لا ترجم بأي شيء غير الحصا.
- وتذكًر ألا تدفع غيرك من الحجاج بل تقدم في ثقة وثبات وهدوء، فقد تيسر الأمر بعد أن أصبح مكان الرجم يتكون من ثلاثة طوابق، فتخير الوقت الهادىء غير المزدحم وحاول أن ترجم بنفسك دون توكيل غيرك فقد أفتى العلماء بأن القادر على الرجم لابد أن يرجم بنفسه، خاصة بعد أن تم توسيع مكان الرجم؛ عملا ًبقول الله سبحانه: "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ" 196- سورة البقرة.

- ولقد "كان صلى الله عليه وسلم بعد رمي الجمرة الأولى والثانية -في أيام التشريق- يقف مستقبلاً القبلة رافعاً يديه يدعو دعاءً طويلاً" فلا يفوتنك هذا الخير!!

وَهـــــــــــمٌ كبـــــــــير!!!
=============
يجب أن تعْلم أخي الحاج عِلْمَ اليقين أنَّ هناك وَهْماً خطيراً وكبيراً، هو أنَّ الإنسان إذا حجَّ رجع من ذُنوبه كَيومِ وَلَدَتْهُ أُمُّه! نعم، هذا حديث شريف، ولكن الحقيقة هي أنّ الذنوب التي يغْفرها لك الله في الحجّ هي فقط ما كانت بينك وبين الله، أما الذنوب التي بينك وبين العباد فو الله لا تُغْفر إلا بالأداء، ولا تسْقط إلا بالمُسامَحَة كأن يغْتَصِبُ الإنسانُ بيْتاً، ثمَّ يقول لك أحُجُّ ويتوب الله عليَّ!! هذا توْجيه شَيْطاني، فاحذَر منه!!!
 
سادساً: خيرات في بلد الخيرات
=================
أولاً: في المدينة المنورة
أخي الحاج هل تعرف أين أنت؟
•    أنت في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي استقبله أهلها فرحين مستبشرين مرحِّبين بعد أن اشتد الإيذاء به وبأصحابه.

•    أنت في المكان الذي دعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة.

•    أنت في المكان الذي مشى فيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم فأنت الآن تسير فوق خطاهم، فخفِّف الوطء.

•    أنت بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبه ومُصطفاه، فلا ترفع صوتك، ولا تُجادل، ولا تتشاجر، ولا تكذب، ولا تدخِّن السجائر.

أنت في البلد الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ استطاع أن يموت بالمدينة فليمُت فإني أشفع لِمَنْ يموت بها". الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: محمد ابن عبدالهادي -المصدر: الصارم المنكي- لصفحة أو الرقم: 96، خلاصة حكم المحدث: صحيح.
 
•     أنت في البلد الذي تُحسب الصلاة فيه (بمسجد الرسول) صلى الله عليه وسلم بألف صلاة؛ فادعُ اللهَ أن يجعل خاتمتك في الروضة الشريفة إنه على كل شيء قدير.

•    أنت قريب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحرص على الفوز بالصلاة والدعاء في الرَّوضة الشريفة التي هي إحدى رياض الجنة!! "وتذكر أن الدعاء فيها مستجاب.

•    أنت قريب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاذهب إليه وسلِّم عليه فإن الله تعالى يرد عليه روحه ليرد عليك السلام، قل له مثلاً:" السلامُ عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، السلامُ عليك يا حبيب الله، السلامُ عليك يا خير خَلق الله، الصلاة والسلام ُعليك أيها الصادق الأمين، الصلاة والسلام عليك يا مَنْ أرسله الله رحمة للعالمين، الصلاة والسلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغًرِّ المحجَّلين، السلامُ عليك أيها السِراج المنير، السلامُ عليك يا خير بَشيرٍ ونَذير، السلامُ عليك أيُّها المُزَّمِّل، السلامُ عليك أيُّها المُدِّثر، السلامُ عليك يا مَنْ بكيتَ شوقاً للقائنا، يا مَنْ تحمَّلتَ الشدائد حتى يصل إلينا الإسلام وننجو من الخلود في  النار، السلام عليك أيُّها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا مَنْ وصفه الله بقوله تعالى: (وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم) (وبالمؤمنين رؤوفٌ رحيم)، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين وعباد الله الصالحين، "أشهد ان لا إله إلا الله، وأنكَ رسول الله وأنك بلَّغتَ الرسالة، وأدَّيتَ الأمانة، ونصحتَ الأُمَّة، ودعوت إلى سبيل ربك بالحِكمة والموعظة الحسنة، وجاهدت في الله حق جهاده، وعبَدْتَ ربَّكَ حتى أتاك اليقين، فجزاك الله عنَّا خيرَ ما جزى نبيا ًعن قومه ورسولاً عن أمَّته".

•    واحرص على ألا تدعو وأنت متوجِّه لقبره!!! فالدعاء مستجاب بعد السلام عليه ولكن وأنت متوجِّه إلى القِبلة، فنحن لا ندعو إلا الله، ولا نسأل إلا الله، ثم سلِّم على صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

•    وإذا كان المكان مزدحماً، فيمكنك أن تدعو الله بأسمائه الحسنى، فإنها سريعة الإجابة، "ومما ينفعك في هذا الموقف الدعاء باسمه "الواسع" فقل: ((يا واسع، يا واسع، يا واسع)) قدر استطاعتك وأنت متيقن من أن الله جل جلاله سيستجيب، فستجد إن شاء الله المكان يتسع بالتدريج ليعطيك مكاناً على قدر حاجتك لتصلي في الروضة، وتسلِّم عليه، بل وأيضاً يمكنك الدعاء بهذا الاسم عند الحجر الأسود لتستطيع تقبيله إن شاء الله".

•    أنت قريب من مسجد قِباء الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: "مَن تطهر في بيته، ثم أتى قباء فصلى ركعتين كان له أجر عُمرة".

ولكن احرص على أن تتطهر في الفندق أو المسكن وليس في المسجد؛ ولك -إن شِئتَ- أن تذهب ماشياً لتنال أجر خُطواتك إلى هناك.

•    أنت قريب من جبل "أُحُد" الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم "أُحُد جبل يُحبُّنا ونُحبُّه"، فقد كان صلى الله عليه وسلم يزوره، ويزور شهداء أُحد كل يوم سبت، فاحرص على هذه الزيارة إتِّباعاً لسنته صلى الله عليه وسلم.

•    أنت قريب من المكان الذي كان يصلى فيه صلى الله عليه وسلم في بيته وقد كان الصحابة يحرصون على ذلك ليضعوا جباههم في مكان سجود الرسول صلى الله عليه وسلم فلما سألوا عائشة رضي الله عنها، دلتهم عليه، وهو الآن معروف باسم "اسطوانة عائشة" فاحرص على الصلاة عند هذه الاسطوانة (وذلك للرجال).

•    بعض الفوائد:
إحرص أخي الحاج على السُّنَن التالية التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم:
1- تجديد التوبة:
كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله تعالى في اليوم  مائة مرة!!!

2- حُسن الخُلُق:
قال صلى الله عليه وسلم: "أقربكم منى مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً"، وخاصة للمعتمرين فعليهم بالرفق، واللين، والإيثار والعفو عن الناس والتبسم للمسلمين.

3- حِفظ اللسان:
أي ترك  الغيبة والنميمة والكذب ولو ضحكا، وترك كثرة الكلام بلا فائدة، وترك الجدل، ويفضل الإكثار من الذكر، والتسبيح والصلاة على الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

4- سُنن الصلوات:
قال صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يصلى لله تعالى فى كل يوم إثنيي عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة" (رواه مسلم).

والسُّنَن المؤكَّدة هى:
•    ركعتان قبل الصبح (وهما ركعتي الفجر).
•    قبل الظهر أربعاً وبعده اثنتين.
•    اثنين بعد المغرب.
•    اثنين بعد العشاء.


5- قيام الليل:
قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياها، وذلك كل ليلة" (رواه مسلم)، فاحرص عليه مع إخوانك ولو قبل الفجر بساعة أو ثلث ساعة.

6- ركعة الوِتر:
عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي يصلي من الليل مَثنى، ويوتر بركعة" رواه البخاري، ومسلم.

الجلوس فى المسجد بعد الفجر حتى الشروق، ثم أداء صلاة الضحى.

قال صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" ثم قال: "تامَّة، تامَّة، تامَّة" (رواه الترمذي).

ومما يعين على قيام الليل والبقاء حتى الضحى:
•    عدم إكثار الأكل ليلاً.
•    النوم مبكراً في أول الليل أو النوم فى القيلولة.
•    طاعة الله في النهار ليعينك على طاعته بالليل.
•    الاستعانة بالله تعالى، ثم الصبر، ومجاهدة النفس.


7- السِّواك:
قال صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". (رواه بخاري ومسلم).

فهو يطهِّر الفم، واللثة ويبيِّض الأسنان ويشفى أمراض الحَلق وغير ذلك من الفوائد الصحية، كما أن هذا  يُرضى الله تعالى، ويكون اتباعاً لسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم.

8- التطيُّب:
وهو دهن العطر (للرجال فقط)؛ مع النظافة الشخصية (للرجال والنساء).

9- نية الاعتكاف كلما دخلت المسجد:
فيجب أن تقول وأنت ذاهب إلى المسجد: "نويتُ الاعتكاف" لتأخذ ثواب الاعتكاف بالإضافة إلى ثواب الصلاة حتى ولو قضيت بالمسجد وقتاً قصيراً.

10- الصَّدَقَة:
خاصة لعمال النظافة بالحرم المكي والمدني، وخارجهما.

11- الهدية من المسافر لأهله:
يجب أن تعقد النية وأنت تشترى الهدايا أنك نطبق سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم حتى تأخذ ثواب اتباع السُّنَّة وتُثاب على مجهودك ونقودك التي بذلتها ويفضل أن تكون الهدايا مما يُعبد به الله تعالى كالمصاحف التي بهامشها شرح لكلمات القرآن، والسِّبَح، وسجاجيد الصلاة، والسواك، والكتب والأشرطة  النافعة... وغير ذلك.

12- تلاوة القرآن الكريم.

13- أذكار الصباح والمساء:
التي حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح (بعد الفجر)، وعقب صلاة العصر حين تجتمع ملائكة الليل والنهار لتغيير الورديات.

14- الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلى عليَّ صلاةً صلّى اللهُ تعالى عليه بها عشراً، ومَنْ صلّى عليَّ عشراً صلًى اللهُ عليه بها مائة، ومَنْ صلّى عليَّ مائةً صلّى الله عليَّ بها ألفاً"، والصلاة من العبد هي الدعاء ومن الله الرحمة والمغفرة.

15- ولا تنسَ التسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وذلك في كل مرةٍ تدخل فيها المسجد حتى ولو كنت بعيداً عن قبره -صلى الله عليه وسلم-، ويكفى أن تُسلّم وأنت تنظر إلى مكان القبر ولو من بعيد.

16- الاستعانة بالله على ذِكره بعد كل صلاة:
بقولك: "اللهم أعنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك" لأن بدون معونته تعالى لن تستطيع أن تعبده أو تشكره كما ينبغي.

17- تذكّر أنكَ أتيت إلى هنا بفضل الله ونعمته وكرمه، وان هناك الكثيرين مِمَّن يتمنَّون هذا الفضل ولا يستطيعون، فاشكر الله تعالى على هذه النعمة ولا تُضيِّع وقتك في الشراء بدون حاجة، أو الكلام غير المفيد، أو مشاهدة التلفاز، أو النوم  الزائد، أو غير ذلك.

قال علي بن الموفق:
"حجَجتُ ستين حجةً، فلمّا كان بعد ذلك جلست في حِجر إسماعيل، أفكر في حالي، وكثرة تردادي إلى هذا المكان، ولا أدري هل قُبل مني حَجِّي أم رُدّ؟ ثم نِمتُ فرأيتُ في منامي قائلاً يقول لي: "هل تدعو إلى بيتك إلا مَن تُحِب؟!!" فاستيقَظتُ وقد سُرِّيَ عنِّي!!!

لهذا ينبغي أن تغتنم هذه الفرصة فإنها غالية وثمينة، وقد لا تعود مرة أخرى!!! 

فإذا وجدت نفسك لا تستطيع التركيز في الصلاة، أو الخشوع كما تفعل في بلدك، فلا تحزن، واعلم  انك مُستهدف من الشيطان وأعوانه...

والحل هو:
* الاستعاذة من الشيطان الرجيم: وذلك بصِيَغ كثيرة منها:
"ربِّ أعوذُ بكَ مِن هَمَزات الشياطين وأعوذُ بك ربِّ أَنْ يَحضُرون"، "أعوذُ باللهِ السميعِ العليم من الشيطان الرجيم"، وتلاوة سورتي: الفَلَق والناس.

* الاستمرار في الطاعة والثبات على العبادة، ومرافقة الطائعين... حتى لا يفرح الشيطان بانقطاعك أو يأسك.

* عدم اليأس من رحمة الله لأنه يقبل منك ما دامت نيّتك أن تطيعه، كما أن إصرارك على الطاعة له أجر كبير.

يقول الإمام ابن القيم:
لا تسأَم من الوقوف على بابه ولو طُرِدْت
ولا تقطع الاعتذار ولو رُدِدْت
فإن فُتحَ الباب للمقبولين
فادخُل دخول المتطفِّلين
وقُل يا ربِّ مسكين فتصدق عَليَّ
إنَّما الصّدقاتُ للفقراءِ والمساكين!!

فالزم باب الكريم حتى يفتح لك، أو يفتح لمن معك فتدخل... ولا تبتعد عنه حتى لا يتخطفك الشيطان وأعوانه، وتذكّر أن الكريم إذا أعطى كان عطاؤه وفيراً.

فالكريم إذا جاءه ضيف غير مرغوب فيه، مع ضيف مرغوب فيه، رحَّب به إكراماً لضيفه المرغوب فيه، فما بالك بأكرم الأكرمين؟!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 11:25 am


قبل أن تغادر المدينة
===========
•    تذكّر أن تودِّع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت واقف أمام قبره الشريف، بالصلاة والسلام عليه؛ أما النساء فيودِّعنه في الوقت المُتاح، ويسلمن عليه في كل مرة يدخلن فيها المسجد وهن ينظرن إلى مكان قبره.
•    تذكّر أن تتهيّأ للقاء ربك فأنت ذاهب إلى رب البيت وليس للبيت.    

كيف تتهيأ  للعُمـرة؟
===========
أولاً: قبل أن تغادر المدينة
أ- لا تذهب إلى رب البيت وأنت مُصِرّ على معصية كنت تفعلها مثل: أكل مال حرام، أو عدم الالتزام في الصلاة، أو تدخين السجائر، أو شرب الخمر (والعياذ بالله)... إلخ.
تُب إلى الله من كل ما مضى واستعِن بالله ليثبِّتك على طاعته ويعينك على عدم العودة إلى تلك المعصية.
ب- لا تذهب إلى العمرة وفى قلبك كُره أو بُغض أو غِل أو ضغينة لأحد، نقِّ قلبك قدر المستطاع، فسوف تقف بعد ساعات بين يدي العفو الكريم، ولكي يعفو عنك أعف أنت عن كل من أساء إليك.

(2) النظافة البدنية:
إحرص على أداء سنن الفطرة وهى:
قص الأظافر -إزالة الشعر الزائد من الإبطين، وحول العانة- الغُسل.

وفيما يلى وصف الغُسل كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم:
أ- غسل اليدين.
ب- غسل القُبُل والدُّبُر (العَورتين).
جـ- غسل اليدين.
د- الوضوء.
هـ- غسل الرأس.
و- غسل يمين الجسد من أعلى لأسفل.
ز- غسل يسار الجسد من أعلى لأسفل.
ح- لا تمس العورة بعد ذلك ولا تتوضأ للصلاة.


ثم تصلى ركعتين في الفندق بنية  الإحرام، ولا بأس من أن تدعو في سجودك قائلاً: "اللهم إني نويتُ العُمرة فيسِّرها لي وتقبَّلها مني".

وبعد ذلك لا تمس الطيب (العطر) أو تغسل بصابون له رائحة، ولا تقص أظافرك أو تقضمها أو ما يكون بجانب الظفر من جلد زائد حتى تنتهي العمرة.

عند الميقات إحرص على التلفظ بالنية (وهو أمر هام) وقُل:
"لبيك اللهم بعمرة، أو بعُمرة لفلان".

وفى الطريق لا تتوقف عن التلبية بصوت مرتفع (للرجال)، أما النساء فتلبِّي كل منهن  بصوت منخفض، طوال الطريق حتى ترى الكعبة.

واعلم أن كل الكائنات التي تسمعك من حجر وشجر وطير وغيرها سوف تشهد لك بذلك يوم القيامة،
كما أنها سوف تلبي معك فتنال ثواب تلبيتها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما مِن مُسلم يُلبِّي إلا لبى من عن يمينه وشماله من حجر وشجر ومَدَر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا" ( رواه ابن ماجه والبيهقي)، أي أن هذه المخلوقات تظل  تلبي معه حتى نهاية الأرض من المشرق، ونهايتها من المغرب... فما أعظمه من ثواب!!!

لذا لا ينبغي لك أن تتهاون في هذا الأمر أو تخجل من التلبية سواء كنت في السيارة أو الطائرة، أو في المطار أو في أي مكان، واحرص على ذلك مع كل المعتمرين معك فالاجتماع على الطاعة شيء يُحبه الله ورسوله.

ملحوظة هامة:
إذا سافرت من مصر إلى مكة عبر جدة بالطائرة، فينبغي أن ترتدي ملابس الإحرام قبل وصولك الميقات، واحرص على أن تتلفظ بنية الإحرام في الميقات وذلك أثناء وجودك بالطائرة حينما يبلغكم قائد الطائرة بذلك، ولا تنتظرحتى تصل إلى مطار جدة فإن هذا مخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعدياً لحدوده".
 
 فى مكة المكرمة
=========
إحرص أخي المعتمر على الذهاب إلى الحرم المكي وأنت مشتاق ملهوف للقاء ربك، فاذهب إلى هذا اللقاء المبارك وأنت تخشى أن يكون غاضباً عليك وفى نفس الوقت وأنت ترجو رحمته وعفوه.

واعلم أنك أحد أعضاء وفد الله، الذين قال عنهم صلى الله عليه وسلم: ((الحُجاج والعُمَّار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم )) رواه النسائي وابن ماجة.
 
وتـذكَّـر:
أن لك عند رؤية الكعبة للمرة الأولى دعوة مستجابة، فلا تتركها... بل ينبغي أن تفكر جيداً فيما تريده من ربك الكريم، وأن تختار الدعوة، أو الدعوات المناسبة... فلا بأس من أن تطلب عدة أشياء -لأن فضل الله واسع-.

ولا تنس الدعاء الذي كان يحرص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرى الكعبة:
•    "اللهم إنى أسألُك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة".

•    "اللهم زِد هذا البيت تعظيماً وتكريماً وتشريفاً ومهابة وأمناً، وزِد كل من زاره تعظيماً وتكريماً وتشريفاً ومهابة وبِرَّاً".

•    " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار".
 
وتـذكَّـر:  
أن حول الكعبة خيرٌ كثير وفضلٌ وفير!!!!
•    ففي أثناء الطواف يُستجاب الدعاء.
•    فى حِجر إسماعيل يُستجاب الدعاء لأن الكعبة كانت تشمله، ولكن مع مرور الزمن تساقط بعض بناءها، فلما اُعيد البناء لم يجدوا مالاً حلالاً لإتمام البناء فوضعوا ذلك القوس للدلالة على أن مكان الكعبة يصل إلى هناك. فالصلاة بداخله كأنك تصلي داخل الكعبة، والدعاء داخل الكعبة مستجاب إن شاء الله.
•    وعند الركن اليماني وهو المكان المكشوف من الكعبة قبل الحجر الأسود، فامسح عليه بيمينك وادع لأن هناك ملائكة تقف عنده تؤمِّن على الدعاء أي تقول "آمين" ومن وافق دعاؤه تأمين الملائكة أستجيب له.
•    وبين باب الكعبة والحجر الأسود: وهو المكان المعروف بالملتزَم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يلصق بطنه ،وخده الأيمن بجدار الكعبة رافعاً يديه لأعلى، ثم يدعو، فلما رآه عمر رضي الله عنه هكذا بكى، فقال لـه: "إبكِ يا عمر، هاهنا تُسكب العَبَرات" فالدعاء هنا مستجاب. 
•    وعند تقبيل الحجر: بعد أن تمسحه بيمينك، ثم تُقبِّله أدعُ بما تشاء فأنت بذلك كأنك تصافح يمين الرحمن وتقبِّلها وليس الحجر. 
•    وعند شرب ماء زمزم. لقوله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لِما شُربَ له" فإدعُ بما شئت في كل مرة تشرب فيها من زمزم.


مثل:
•    اللهم أدِم عليَّ نِعمة الإيمان بك وشَرَف الإسلام لك.
•    اللهم إجعلني من أهل الجنة.
•    اللهم أعِنِّى على حفظ القرآن.
•    اللهم اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين والمؤمنات، وتوفَّنا على الإيمان.
•    اللهم أصلِح لي نِيَّتي، وذُريتي.
•    اللهم اغفر لي و لوالديَّ؛ ولِمَن كان له حقٌ عليَّ.

وتذكَّر:
أنك على بِساط المَلِك، ومعصيتك له وأنت على بساطه أشد بكثير من معصيتك له وأنت بعيد... فابتعد عن السيئات قدر استطاعتك.

•    أما بقية أماكن إجابة الدعاء في مناسك الحج فهي:"في عرفات، وفي المزدلفة، وبعد رمي الجمرات".

عند الصفا والمروة
إبدأ بجبل الصفا و انتهى بالمروة، ولكي لا يختلط عليك الأمر تذكر أن العدد يكون دائماً فَردياً عندما تصل إلى المروة، ويكون دائماً زوجياً عندما تصل إلى الصفا.

وتخيَّل وأنت تسعى كأنك تذهب إلى باب الكريم تطلب عفوه ومغفرته وتتوسل إليه أن يقبل منك، فتذكر ذنوبك واحداً واحداً... وإبكِ عليها، ولا تتوقف عن الذكر والدعاء وأنت تسعى.

وتذكر أن أفضل الطاعات عند الكعبة بعد إتمام العمره هو:
•    الطواف وأنت تقرأ القرآن، مع ملاحظة عدم الخطأ في عدد مرات الطواف، وتوجد سبحة عدد حباتها 7 للمساعدة على ذلك.
•    الطواف وأنت تدعو أو تذكر الله، ولا تنسَ الدعاء لوالديك وأولادك ولشباب المسلمين وللمستضعفين في كل مكان من بلاد المسلمين.
•    الصلاة في الحرم فهي تعادل مائة ألف صلاة.
•    الجلوس للنظر إلى الكعبة، فقد قسَّم الله تعالى الرحمات حول الكعبة إلى مائة وعشرين رحمة:
•    (60) للطائفين 
•    (40) للمصلين.
•    (20) للناظرين للكعبة... فلا تدَع هذه الرحمات تفوتك.
 
وتـذكَّـر:      
أن البقاء  لاستقبال هذه الرحمات أفضل وأكثر ثوابـاً مـن أداء عدة عُمـرات إضافية، إلا إذا كنت ستؤدى العمرة الإضافية لميت أو مريض يحتاج إليها بشدة. 

ولا تنس حين تذهب إلى السوق:
أن تدعو بالدعاء الذى كان يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم:  
"بسم الله ، اللهم إني أسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها، و أعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب يميناً فاجرة أو صفقة خاسرة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد يُحيي ويُميت وهو على كل شيء قدير".

صدقات الحرَمين:
أخي الحاج: هل فكرتَ في ثواب الإنفاق في بلاد الحرمين الشريفين ولو بالقليل؟
دعني أذكرك بقول الله تعالى: "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" 261 سورة البقرة.

هل تخيّلتَ أنك إذا أنفقتَ ريالا ًواحدا ًفي المدينة المنوَّرة، فإن ثوابه المبدئي -بفضل الله- هو:
10000= 10 x 1000x 1

المدينة المنورة بألف حسنة
(أي لأن الحسنة بعشر أمثالها، والحسنة في كإنفاق عشرة آلاف ريال)!!!

أما في مكة المكرمة فإن الثواب المبدئي لإنفاق الريال الواحد هو بفضل الله الكريم هو:
 1000000= 100000x 10x 1
أي مليون ريال، لأن الحسنة في مكة المكرمة  بمائة ألف ولكن هذا ((مبدئياً فقط)) لأن الله واسع الجود والفضل قال في نهاية الآية: "وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".

فإذا تذكرتَ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" علِمتَ أنك عمل مضاعف أكثر وأكثر إن شاء الله، فأي فضل هذا؟!! وأي دين أفضل من هذا الدين؟!!!

والآن هل أخبرك ببعض أنواع الصدقات التي يمكنك إخراجها في الحرمين الشريفين؟
1-على عُمَّال الحرم الذين يبذلون أقصى جهدهم لتوفير جو نظيف طاهر آمن للمصلين والعاكفين، ولا تقُل: "إنهم يأخذون راتباً مقابل ذلك"، فإن صدقتك عليهم تشجعهم وترفع من معنوياتهم، وتُدخل السرور على قلوبهم، وتعينهم على هذا العمل الشاق... فإذا استطعتَ أن تنصحهم بأن يُخلصوا النية لله، تنال ثواب كل حركة قاموا بها لتنظيف الحرم؛ هؤلاء يمكنك أن تعطيهم ما تيسر من المال أو مجرد قطعة حلوى، أو تمرة، أو حتى ابتسامة تقدير أو تشجيع!

2-على عُمَّار المسجد الحرام:
أ‌- بقطعة حلوى، لتنال ثواب إطعام المسلمين شيئاً حُلواً، ولا تجزع لو رفض بعضهم؛ فإنك تنال الأجر بالنية.
ب- إذا شعرت بالحرج، فيمكنك أن تنتقي من يظهر عليهم الفقر من عُمار الحرمين، أو الأطفال.
ج- بسبحة تغنيهم عن اللغو في الحرم أثناء انتظار الصلاة .
د- بمطوية أو كُتيِّب أو شريط به علم نافع؛ بشرط أن تكون متأكدا من أن ما بها من علم يوافق الكتاب الكريم، والسُّنَّة المطهَّرة.
هـ- على مكتبة الحرمين: بشريط نافع أو مطوية، أو كتيب، أو كتاب؛ فإنها صدقة جارية إن شاء الله.


 كما يمكنك شراء مصحف من المصاحف التي تمَّت طباعتها بمجمع الملك فهد بالمدينة المنورة (يرجى التأكد من خاتم المجمع في نهاية المصحف) ثم تهبه للحرم بعد ختمه -عند البائع- بالختم المعروف: "وقف لله تعالى"؛ فإنك تنال -بفضل الله تعالى- ثواب تلاوة القرآن منه الحرف بعشر حسنات، مضروبا في ألف بالمدينة المنورة، وفي مائة ألف بمكة المكرمة، أمافي شهر رمضان، فيكون كل ذلك مضروباً ًفي سبعين؛ والله يضاعف لمن يشاء، والله ُواسع عليم!!!!!!  

و- شراء كرسي -مستدير يمكن طيه- ثم هِبَتُه للحرم بعد كتابة (وقف للمسجد الحرام، أو وقف للمسجد النبوي" على ظهره؛ فإنه يُعين المصلين من المرضى أو الضعفاء أو النساء الحوامل الذين لا يستطيعون الصلاة وقوفاً أو الذين لا يستطيعون الجلوس على الأرض، فتنال أجر الصدقة الجارية وإعانة الضعيف، وقضاء حاجة المسلم، والتخفيف عنه!!

ز- شراء كرسي متحرك (أو الاشتراك في شراءه مع الغير) ثم هبته للمسجد الحرام بعد كتابة "وقف للمسجد الحرام" على ظهره ليستخدم في السعي والطواف لغير القادرين عليهما مشياً، فتنال أجر إعانة المعتمرين والحجاج وقضاء حاجتهم والتخفيف عنهم، وأجر كل خطوة ساروا بها وهم يركبونه.
 
ثانياً: التصدُّق بعلمك:
أ- على مَنْ لا يجيدون اللغة العربية (أو مَنْ لا يجيدون القراءة) من عُمَّار الحرمين  ليستمعوا له؛ إذا طلبوا منك ذلك؛ وتذكّر أن هذه نعمة مَنَّ الله تعالى بها عليك فلا تبخل بها، فإنك تنال ثواب مجلس ذكر الله وثواب تلاوة القرآن وثواب إدخال السرور على قلب مسلم وقضاء حاجته في أطهر بقاع الأرض.

ب- على على كل مَن يحتاج إلى نصيحة أو تذكرة أو ملاحظة أو تصحيح خطأ... ولكن تذكر: "بالحِكمة والموعظة الحسنة" كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، فإن لم يقتنع مَنْ تدعوه فلا تجادله، بل ادعُ الله له بالهداية، وذلك بظهر الغيب.

ثالثاً: التصدُّق بابتسامة صادقة:
فإن "تبسُّمك في وجه أخيك صدقة" كما قال صلى الله عليه وسلم؛ على مَن لا يجيد لغتك من المجاورين  لك في الحرمين أثناء الاعتكاف والصلاة.

رابعاً: التصدُّق بجزء من راحتك:
بإيثارك لغيرك من المصلين والمعتكفين بمكانك او بالتوسعة لهم أو توفير الراحة لهم قدر المستطاع.

وكذلك بمسامحتك لمن دهس قدمك في الطواف مثلا ،أو سعل في وجهك، أو بصق بالقرب منك، أو دفعك بقوة في أي مكان، أو غير ذلك مما قد لا يقصد الحاج به أذى ولكنها تصرفات تحدث عفوياً!! لتنال أجر المحسنين الذين يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس.

خامساً: التصدُّق ببعض صحَّتك:
أ- بتقديم كوب ماء تقدمه للمعتكفين من كبار السن أو الضعفاء.

ب- بإمداد المعتكفين بالمصاحف ليقرءوا فيها، أو إعادتها نيابة عنهم إلى أماكنها.
 
ج- بمساعدة عُمَّال الحرمين في تنظيف الحرم ((بعد ارتداء جورب بلاستيكي، أو مجرد كيس نظيف في اليد )) لنيل عظيم الأجر، بتنظيف بيوت الله، في أطهر بقاع الأرض، وأحب البلاد إلى الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتذكّر قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة".

فما بالك بإخراج الأذى من المسجد النبوي (جوار الحبيب صلى الله عليه وسلم) أو المسجد الحرام (جوار الكعبة المشرفة)!!

كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقُمّ (تنظف) المسجد, ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها بعد أيام فقيل له إنها ماتت قال فهلا آذنتموني, فأتى قبرها فصلى عليها} ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: إن امرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد.

وتذكّر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" صحيح مسلم.

ولا تخشَ أن يظنك الآخرون مِن عُمَّال الحرم، فهذا في حد ذاته شرف عظيم أن تكون أحد خادمي الحرمين الشريفين!!! كما أنك لا تبتغي إلا رضوان الله، فلا تلتفت إلى أحد سِواه!!
جعلنا الله وإياك من المتصدقين المُنفقين في سبيله،
وتقبل منا... إنه على كل شيء قدير.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 01:31 pm


سابعاً: قصص الحجاج مع حج الفريضة
قصص واقعية يروونها بأنفسهم:
==================
القصة الأولى
ومن يتَّقِ الله يجعل له من أمره يُسراً
====================
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين ذي الفضل العظيم، ذي الجلال والإكرام والعِزة التي لا تُرام، والصلاة والسلام على خير الأنام، محمد بن عبد الله، وعلى صحبه وأتباعه الكرام...

وبعد...
فإن قصتي مع فريضة الحج لقصة عجيبة، أكاد -نفسي- لا أصدقها، ولقد رأيتُ أن أرويها لعل بها ما يفيد أحداً من المسلمين فأكون سبباً في خير له، عاجل أو آجل.

تبدأ قصتي مع هذه الرحلة المباركة حين كنتُ في العشرين من العمر حين عزم والديَّ الكريمين على أداء فريضة الحج للمرة الثالثة، وعرضَت عليّ أمي -أكرمها الله- أن أسافر معهما، وفي تلك اللحظة دار بذهني خاطر، وهو أنني إذا أديت فريضة الحج، فلابد من أن أحافظ على ثوابها بالالتزام التام، ومن ثَمَّ فإنني حين أعود لن أستطيع ارتداء ملابسي التي أفضِّلها، (حيث أنني كنت أرتدي الحجاب الفضفاض المحتشم، ولكنني كنت أرتدي طرحة قصيرة تغطي فتحة الجيب فقط، كما كنت أحياناً أرتدي ثوباً شانيل (أقصر بقليل من الماكسي) مع البوت الواسع، أو أرتدي التونيك الباكستاني).

فقلت لنفسي... أو هكذا قال لي الشيطان: "إن سفرك للحج يعني أن ترتدي بعده الطرحة الطويلة مع العباءة الماكسي على الدوام" وكنت في ذلك الوقت لا أحتمل هذه الفكرة، حيث كانت الفتيات في الجامعة يرتدين ما لذ وطاب من الموديلات والموضات، وكنت أظن أن العباءة مع الطرحة الطويلة سوف يقللان من أناقتي.

فكان ردي على أمي دون تردد هو: "لا، ليس هذا العام، شكرا لكِ"!!

فما كان منها إلا أن أعرضَت عن ذكر الأمر، وعلى الرغم من أنني لاحظت أنها حزنت لردي هذا، إلا أنها لم تشأ -كعادتها- أن تُرغمني على شيء، فلم تناقشني ولم تسألني عن سبب رفضي، بل تركتني وشأني.

وسافر والداي مع بعض أقاربنا إلى الحج وأنا لا أشعر بأي تأنيب لضميري، فقد كنت وقتها لا أعلم أن المستطيع لأداء فريضة الحج (سواء من حيث الصحة أو المال أو توفُّر الأمن في طريق الحج، وتوفَّر المال الكافي لمن يترك من الأهل) ثم يموت، يموت وهو على غير دين الإسلام!!!

لأن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة!!!

ولم أكن أعلم وقتها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يُصلِّ على رجل مات ولم يحج مع استطاعته لأداء فريضة الحج!!!

ولم اكن أعلم أن الحج يجعل المسلم يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، إلا أن هذا لا يعني أنه لن يُخطىء مرة ثانية، بل يظل يستغفر ويتوب لأن كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوابون" كما قال صلى الله عليه وسلم، ولو أنني ذهبت لأداء الحج وعدت لارتداء نفس ملابسي لما كان ذلك فيه غضاضة مادمت محتشمة وملتزمة بآداب الحجاب الشرعي!!!

وربما كنت ارتديت العباءة والطرحة الطويلة عن طواعية وطيب خاطر بعد رحلة الحج... ولكن قدَّر الله وما شاء فعل.

لذلك فقد كنت سعيدة وقتها بأنني أجَّلت فريضة الحج للمستقبل، وربما بعد زواجي، فقد كان سائداً في مجتمعنا في وقتها -للأسف- ان فريضة الحج لكبار السن فقط!!! 

أما بدايتي مع بلاد الحرمين الشريفين فقد كانت بداية قوية، حيث رزقني الله سبحانه بأداء العمرة في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك بعد أن تزوجت وأنجبت طفلي الأول؛ وكان ذلك بعد تسع سنوات من تلك الحادثة (حادثة رفضي لأداء فريضة الحج للحفاظ على أناقتي).

كانت تلك الرحلة في الشتاء وكانت ملابسي ساترة وفضفاضة، ولكنني حين وصلت إلى المدينة المنورة  وجدت كل من حولي من النساء يرتدين العباءة حتى الأطفال منهن، فاستحييت من نفسي، واشتريت عباءتان وطرحتان طويلتان، وكانت المفاجأة أنني شعرت براحة عجيبة حين ارتديت العباءة، بل وبسكينة وشعور بالسَّتر... وكأن ما ارتديته من قبل طوال عمري من ملابس قبل ذلك لم تكن تسترني!!!

وأن هذه العباءة هي الملابس الساترة؛ فوقعت في غرامها وشعرت بحب شديد لها، فسبحان الله العظيم!!

أما في مكة المكرمة، فقد قيل لي أن الدعاء عند رؤية الكعبة المشرَّفة للمرة الأولى مستجاب يقيناً، فكنت أتحرق شوقاً لرؤيتها لما سمعته عنها من أمي وخالتي أكرمهما الله، فلما وقعت عيناي عليها ورأيت هذا الجمال والجلال، استحييت من ربي أن أسأله أمراً من أمور الدنيا -وما أكثرها- فقررت فوراً أن أدعو بتيسير أمر من أمور الدين، ولما بحثت عن أحد هذه الأمور، لم أجد سوى أن أطلب الحج؛ فوجدت نفسي أتوجه بالدعاء إلى ربي الكريم قائلة: "اللهم ارزقني حجاً مبروراً" وبعد ذلك طلبت من الله تعالى ما شئت من أمور الدنيا.

لقد كانت بالفعل أجمل رحلة قمت بها في حياتي -فأنا من محبي السفر لشتى بقاع الأرض ولطالما رزقني الله بالسفر مع أسرتي للعمل أو للسياحة، وكنت قبل السفر لهذه العمرة أطمح للسفر إلى اليابان وانجلترا وأنوي ذلك، ولكني حين وجدت نفسي بين أحضان الحرم الشريف، وحين شعرت أمام الكعبة وفي أثناء الطواف بأجمل ما يمكن الشعور به في الدنيا، وهو الأمان والاطمئنان، والحنان الذي يتدفق على الطائفين والعاكفين والرُّكع السجود بالمسجد الحرام، وحينما حان وقت العودة إلى بلدي فارقتُ أرض مكة المكرمة والألم يعصرني، وقلبي يبكي قبل عيوني.

وبعد هذه الرحلة الأسطورية (عُمرة في أواخر شهر رمضان)، وما شعرت به من رُقِيّ روحي؛ لم أعد أرغب في السفر إلى أي بلد سوى بلاد الحرمين، وصار هذا هدفاً مُلحَّاً على قلبي وعقلي وروحي، ثم  سعيت لتحويل كل ملابسي إلى عباءات، ثم نصحتني ابنة خالتي بالتخلص من الملابس الأخرى (التايورات والفساتين، والتونيكات) حتى لا يتلاعب بي الشيطان -وكانت نِعْمَ النصيحة- فقمت بتنفيذها فوراً، وتصدقت بها مرة واحدة رغم أناقتها وغلاء ثمنها، ثم احتسبت أجري عند الله الكريم، ثم أصبحت داعية لارتداء العباءة لدى صديقاتي، حتى انني كنت أحياناً أهديهن العباءات ليجربنها ويشعرن بما شعرت به حين ارتديتها، وكنت أفرح حين يكون شعورهن هو نفس الشعور، وأحمد الله رب العالمين.

وبعد ذلك هداني الله سبحانه إلى أن أستفيد من وقتي الذي أقضيه في المطبخ بأن أشتري جهاز كاسيت مخصص له وأستمع في هذا الوقت إلى القرآن الكريم، والدروس الدينية؛ فأكرمني الله تعالى بدرس فهمت منه أهمية أداء فريضة الحج...

وعلمت بما يلي من أحكام:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) اخرجه الإمام احمد -رحمه الله- وفيه مقال.

قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: مَنْ قدر على الحج ولم يحج الفريضة وأخره لغير عذر، فقد أتى منكراً عظيماً ومعصية كبيرة، فالواجب عليه التوبة إلى الله من ذلك والبِدار بالحج؛ لقول الله سبحانه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ومَنْ كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين) آل عمران: 97.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بُنيَ الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" متفق على صحته.

ولقوله صلى الله عليه وسلم لمَّا سأله جبرائيل عليه السلام عن الإسلام، قال: "أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"،  أخرجه مسلم في صحيحه، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 
كما عثرت على هذا الحديث الشريف: "مَنْ لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمُت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً"، فلما تأمّلت هذه الكلمات، وتفكّرت في هذه الأحكام تذكرت ذلك العرض الكريم من والدتي ووالدي، وندمت على تركه لسبب واهٍ، ولكنني التمست لنفسي العذر فقد كنت لا أزال صغيرة والفتن حولي كثيرة، ودعوت الله تعالى ان ييسر لي الحج بفضله.

ولمَّا كان الشوق إلى مكة يكاد يقتلني، فقد كنت أبحث عن رحلة قريبة لأداء العمرة مرة أخرى، ولكني سمعت درساً لأحد الشيوخ الأفاضل يقول: إذا كنت تنوي العمرة وأنت لم تؤدِّ فريضة الحج بعد، فينبغي أن تدخر المال حتى يكثر ليكفي لأداء الفريضة.

فقررت ان أفعل ذلك، وأكظم شوقي لمكة المكرمة؛ لكن حدثت مفاجأة لم تكن تخطر ببالي!!!!

لقد ارتفعت أسعار تأشيرات الحج في بلدي حتى ارتفع سعر الحج إلى عشرين ألفاً من الجنيهات على الأقل، بعد ان كان لا يزيد على أربعة آلاف من الجنيهات.

وأُسقط في يدي... ولكن هذا لم يُثنني عن عزمي، فقررت أن أدخر من مالي الخاص ما يتيسر وأنا على يقين من أن الله تعالى سوف يزيد هذا المال حتى يكفي لأداء هذه الفريضة.

وقد شجعني على هذا ما روته لي صديقتي التي لا تعمل، بأن زوجها دفع ثمن الحج له ولها معاً، فلما طلبت شركة السياحة من كليهما المزيد من المال (ألفاً ونصف من الجنيهات لكل منهما) وكانت هي لا تملك هذا المبلغ، إذا بوالدتها تأتي إليها وتقول: لقد ورثت من خالي مالاً، فقررت أن أهديه لك وإخوتك؛ وهذا نصيبك منها بعد أن أعطيت إخوتك نصيبهم؛ فلما نظرَت إلى نصيبها إذا هو (ثلاثة آلاف جنيهاً!!!).

فلما دفعَتها لشركة السياحة، سافرت مع زوجها وهما لا يملكان ثمن الطعام أثناء رحلة الحج، فاضطرت لشراء علب من الجبن المطبوخ، وعلباً من التونة وبعض الخبز حتى لا يحتاجان للإنفاق هناك، قالت لي: أما زادنا ومصروفاتنا بعد العودة فلم أهتم بهما، وكان كل ما يهمني هو أن نؤدي فريضة الحج.

ولما عادت من الحج قالت لي: تصوري ماذا حدث؟

فقلت لها: "خبِّريني"، قالت: لقد اتضح أن ثمن الرحلة يشمل وجبتَي الإفطار والغداء، أما العشاء فلم نكن في حاجة إليه، فقد كان الطعام والشراب يتساقطان علينا من كل ناحية من أهل المملكة السعودية الكِرام وغيرهم، ترحيباً بضيوف الله وإكراماً لهم، لقد كنا نتصدق بما يزيد عندنا من الطعام!!!

أما المفاجأة الأكبر، فقد حدثت بعد عودتهما مباشرة من الحج حين دخلوا  المنزل ليجدوا الهاتف يرن، والمتكلم هو أحد أصدقاء زوجها يقول له: لقد ردوا إليك حقك من المال الذي كنت على خلاف عليه مع رئيسك في العمل، ولما وجدك على حق فقد تمت ترقيتك، ومن ثَمَّ فإن راتبك سوف يزيد"!!!

كان هذا هو استقبال رب العالمين لهما لأنهما دفعا كل ما يملكان من المال، وتركا طفلتهما الصغيرة مع جدتها، استجابة لأمر الرحمن: "وأتِمّوا الحج والعُمرة لله" نعم لله وليس لغيره!!!!

ولمَّا زرتها بعد شهور إذا هي قد انتقلت إلى شقة جديدة أكثر اتساعاً وفي حي أرقى، والأجمل من ذلك أن   ابنتها الكبرى قد اتمت -بفضل الله- حفظ القرآن الكريم وهي ما تزال في الثانية عشرة من عمرها.

ومن شدة فرحتي بهذه القصة وضعتها نُصب عينيَّ، وصرت أحكيها لكل من أراه مترددا في أداء فريضة الحج بسبب قلة المال.

وكنت من حين لآخر أتفقد ما أدخره مما يزيد عن حاجتي من  المال لغرض أداء الحج، وفي يوم وجدت المبلغ قد وصل إلى أربعمائة جنيه، فلما سألني زوجي عن هذا المال أخبرته بالحقيقة، فإذا به يسخر مني ويقول: هل تظنين أنك ستحجين بهذا المبلغ؟ إن الحج يتطلب آلاف الجنيهات، دعي عنكِ هذا المال، سوف أنفق عليكِ بنفسي حينما تنوين الحج!!!

ولا أخفي عليكم أني شعرت بخيبة أمل فقد كنت أضع كل يوم ما تيسر حتى ولو كان عشرة قروش، وأنا سعيدة بهذا، ولكن كلماته جعلتني أعدل عن هذا الادخار وقررت أن أنفق هذا المال على والدي ووالدتي كصدقة لله، فاشتريت لهما أغراضاً للمنزل، على الرغم من أنهما لا يحتاجان إلى ذلك ولكني فعلته براً بهما، وخوفا من إنفاق هذا المال إلا في سبيل الله.

وانتظرت في موسم الحج المقبل أن يدعوني زوجي لنؤدي فريضة الحج معاً؛ فإذا به يعتذر لظروف بالعمل وعدم إمكانية سفره هذا العام(مع أنه مستطيع مادياً وصحياً).

وتكرَّر هذا في العام التالي والذي يليه، مع ارتفاع أسعار الحج إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ألفاً؛ حتى شعرت باليأس من أداء هذه الفريضة، والندم على أنني توقفت عن الادخار من اجل الحج!!!

ولمَّا كان المال  ليس هو العقبة الوحيدة أمام أداء هذه الفريضة (فأنا في حاجة لمحرم) فقد زاد يأسي، وقررت أن أذهب لأداء العمرة، لإطفاء نار الشوق إلى مكة والكعبة والمدينة المنورة، فأكرمني الله تعالى بعد ثماني سنوات من الصبر والأمل بأداء العمرة في صيف 2001م وكانت عمرة مباركة وفقني الله تعالى فيها للكثير من الخيرات، وفي هذه الرحلة دعوت الله تعالى أن ييسر لي الحج المبرور، ولكني في نفس الوقت لم أقنط من رحمة الله؛ بل كنت أتذكر رفضي لأداء الحج وأندم وأستغفر الله وأدعوه أن يتوب عليَّ، وأحاول العثور على تأشيرة مجانية حتى ينخفض سعر الحج من بلدي، دون جدوى.

فلمّا حاولت إقناع خالي المقيم بألمانيا بأن يحج ويكون محرماً لي -بعد أن تقدم أبي في العمر وصار الحج بالنسبة له مشقة- ومن ناحية أخرى يكون الحج أيضاً أقل تكلفة، وعدني بأن يفكر، ولكن الله لم يُرد أن يتم هذا الأمر!!

فقررت بعد ذلك أن أكون سبباً في خدمة الحجاج، وذلك بتيسير الحج لغير القادرين صحياً من كبار السن، فكنت -بفضل الله تعالى- حلقة الوصل بينهم وبين أحد المقيمين بالمملكة السعودية من معارفي ليحجُّوا لهم بمبلغ أقل بكثير ممّا لو حجُّوا من بلدي (حوالي ألفي أو ثلاثة آلاف ريال).

ولم يشفِ هذا غليلي، بل كنت أحرص على الدعاء للحجاج في الأيام العشرة من ذي الحجة بأن يوفقهم الله تعالى وييسر لهم أمورهم ويحفظهم ويؤلف بين قلوبهم ويعينهم على أداء المناسك بالشكل المطلوب وأن يردهم سالمين غانمين إلى بلادهم.

وكنت -أيضاً- أحرص على زيارة المسافرين إلى الحج من أقاربي ومعارفي لأهديهم نسخاً من الكتيبات التي تتحدث عن أركان الحج، ومعها ما تيسر من الطعام المجفف، وأنا أتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جهّز غازياً فقد غزا، ومَنْ خلّف غازياً في أهله فقد غزا"رواه مسلم؛  فكنت أجهز الحجاج بالزاد الروحي والمادي، لعلي أكون ممَّن جهَّز الحجاج فأنال أجر الحج!!!

وظل الحال هكذا حتى أكرمني الله تعالى بالسفر لأداء  العمرة في صيف 2009م، وكنت هناك -كعادتي- أدعو الله تعالى أن ييسر لي الحج.

وفي موسم الحج في عام 2009م، أخبرتني أخت لي في الله أنها على وشك السفر وأنها خائفة من وباء "أنفلونزا الخنازير"، فقلت لها: توكلي على الله فأنت في حِماه لأنك ضيفته، وأهديت إليها بعض عباءاتي وبعض أغطية الرأس القطنية التي تخفف من وطأة حرارة الجو ببلاد الحرمين، والتي كنت أستعملها في أوقات أداء العمرة، وقلت لها: هذه الملابس قد اعتمرت معي لمدة سنوات؛ ففرحَت بها كثيراً، وجلست معها أشرح لها وأعطيها من خبراتي في بلاد الحرمين.

فلمّا طلبت مني الدعاء لها، قلت لها: سوف أختم تلاوة المصحف غداً إن شاء الله وسوف أدعو لكِ، فلا تقلقي، ولمّا ختمتُ تلاوة المصحف دعوت الله تعالى قائلة: "اللهم يا ذا الجلال والإكرام والعِزة التي لا تُرام، أسألك يا رحيم يا رحمن، يا حنان يا منان، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين أن تعين صديقتي وسائر الحجاج هذا العام، وأن تحفظ صديقتي وسائر الحجاج هذا العام من كل مكروه، وان تيسر على صديقتي وسائر الحجاج هذا العام  حُسن أداء المناسك كما  تحب وترضى، وأن توفق صديقتي وسائر الحجاج هذا العام  للدعاء الذي تحب أن تسمعه منهم، وأن توسِّع على صديقتي وسائر الحجاج هذا العام  حتى لا يضايقهم الزحام، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم، وزدهم بك يقيناً وعليك توكُّلاً، اللهم أطعِمهم من جوع، وآمنهم من خوف، اللهم رُدَّ صديقتي وسائر الحجاج هذا العام سالمين غانمين إلى أهليهم وأنت راضٍ عنهم، اللهم اجعل موسم الحج هذا العام خير موسم؛ ثم ختمت دعائي قائلة: اللهم ارزقني حجّاً مبروراً؛ إنك على ما تشاء قدير يا نعم المولى ويا نعم النصير، وصلِّ اللهم على حبيبك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين".

وبعد أسبوعين من هذا الدعاء فوجئت بأحد الإخوة الأفاضل يعرض عليَّ أن يجلب لي تأشيرة مجاملة مجانية للحج، فقلت له: "لا استطيع الذهاب بدون محرم"، فقال لي حسناً سوف أسعى لتاشيرتين"، فلما عرضت الأمر على زوجي؛ إذا به يوافق -بعد أن رفض لسنوات عديدة- بل ويسعى -جزاه الله خيراً- بهِمة عالية في أمور التطعيمات اللازمة، وإجراءات السفر وغير ذلك... فعلمتُ أن الله العظيم الكريم قد فتح الباب بعد أن ظللتُ أطرقه لمدة خمسة عشر عاماً!!!! 

ولم أندهش حين تيسرت الظروف والأحوال وتيسر المال وحين وجدت نفسي بعد ثلاثة شهور، مرة أخرى في بلاد الحرمين، أو كما أسميها:  بلاد العجائب، أو جنة الله تعالى في الأرض، أو أحب بلاد الله إلى قلبي!!

فقد كنت أعلم أن الله تعالى هو أكرم الأكرمين، وأنه لا يُضيع أجر مَنْ أحسن عملاً، وأن الأسباب حين تنقطع لا يبقى لنا سوى وجهه الكريم؛ فقبل سفري اتصلت بأقاربي وأخواتي في الله لأودعهم، فإذا بابنة خالتي تسألني إن كان ينقصني شيء، فقلت لها ينقصني أغطية الرأس القطنية لأنه لا وقت لدي للذهاب إلى السوق لشرائها فإذا بها تجيء وتُحضر معها عدداً أكبر من الذي أعطيته لصديقتي التي سبقتني إلى الحج، كما سألتني أخت لي في الله، بم يمكنني مساعدتك، فقلت لها أحتاج إلى عباءة واحدة، فإذا بها تحضر لي حقيبة بها الكثير من الأغراض، بالإضافة على مجموعة من العباءات لأختار منها ما أريد.. فحمدت الله الكريم، وشعرت بسعادة المؤمن حين يجد أعوانه على الخير حوله بعد ان كان هو عوناً لغيره، وتذكّرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" رواه الترمذي، وحديثه صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "لا يزال الله تعالى في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه، والله يحب إغاثة اللهفان" حديث غريب.

ووصلنا إلى مكة قبل يوم عرفة بخمسة أيام، وكان حُلماً أسطورياً، لم أكن أصدق أنني هناك مرة أخرى وأنني سوف أؤدي الفريضة التي طالما حلمت بها... واستمر شعوري بأن هذا حُلم حتى عدت إلى بلدي، فسبحا ن الله العظيم!!!!

المهم أنني كنت أظن أن الحج لا يختلف كثيراً عن العمرة، فيما عدا بعض التفاصيل في المناسك، وكنت أظن أن مناسك الحج كثيرة التفاصيل وصعبة الفهم؛ ولذلك فقد أعرضت عن فهمها طوال السنوات الماضي وكنت أقول لنفسي، حينما يمُنُّ اللهُ عليّ بالحج فسوف أذاكرها وأحفظها عن ظهر قلب، ولكني لم أكن أعلم أنه لن يكون لدي وقت لذلك، فكل ما فعلته هو أنني قرأت في الطائرة أحد الكتب التي تشرحها ولكن بوضوح، أما ما تبقى من تفاصيل فقد كان الله تعالى يرسل إلينا مَنْ يُعيننا ويشرح لنا ويوجهنا لأفضل  الطرق لأداء المناسك، سواء صديق زوجي المقيم بالرياض، او صديقتي المقيمة بمكة المكرمة، أو سائقي سيارات الأجرة -جزاهم الله تعالى خيراً- والجميل أنهم كانوا جميعا يتطوعون بالنصيحة، هذا بالإضافة إلى التليفزيون السعودي المُخصص لخدمة ومساعدة الحجاج.

وبعد كل ذلك اكتشفت أن مناسك الحج ليست كثيرة ولا مُعقّدة لأن كل حاج يحج وفقاً لظروفه وإمكاناته، وأن هذه التفاصيل الكثيرة إنما لتيسير أمر كل حاج وفقاً لظروفه، وأن المناسك قليلة وسهلة؛ فسبحان الله العظيم.

والجميل في الأمر أنني شعرت بأنني ضيفة الرحمن منذ أن ركبت الطائرة، فقد كنت أشعر برعاية الله تعالى في كل لحظة، وكنت لا أدعو بدعوة إلا وتُستجاب فوراً، حتى موظفي الجوازات بالمطار كانوا يعاملوننا بود في أيام العمرة، ولكنهم في أيام الحج يعاملوننا بترحيب خاص ووجوه باسمة، وتيسير قدر المستطاع -جزاهم الله تعالى خيراً كما أن وجودي وسط مسلمين قادمين من كل بقاع الأرض ورؤيتي لمسلمين لا يتكلمون العربية وهم خاشعين لله، يتقونه قدر استطاعتهم أخجلني من نفسي، فقد كنت أظن نفسي تقية ولكني بعد أن رأيتهم شعرت بأنني أحتاج إلى أن أتعلم منهم التقوى، زادهم الله إيماناً وتقوى.

وأما إخواننا من كوسوفو، وأوزبكستان وجنوب أفريقيا، وفلسطين؛ فكنت أرثي لحالهم وفي نفس الوقت أشعر بالفخر بهم لأنهم تحملوا المشاق وأنفقوا الكثير حتي يؤدوا فريضة الحج، فكنت أدعو لهم كثيراً بالثبات وصلاح الحال ورَغد العيش.

وفي يوم التروية كنت أحاول أن أرتاح من التعب المتراكم بسبب عناء السفر واختلاف مواعيد النوم وطول  البقاء بمطار الحجاج بسبب الزحام، وطول السفر حتى وصلنا إلى الشقة المؤجرة بالعزيزية وذلك بعد صلاة العصر، فإذا بي أسمع صوت المطر، فتنبهت فإذا هو مطر غزير، فقلت لنفسي، إن المطر ماء مبارك، لقوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ" ق: 9.

وقوله سبحانه: "وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا" الفرقان: 48، ثم فكّرت: "ماء مبارك، طَهور، وفي مكة المكرمة؟!!!!

هل أترك هذه الفرصة؟ لا وألف لا، فنهضت مسرعة إلى الشباك لأفتحه ومددت يداي لتمتلآن بحبات المطر،
 ثم غسلت بها وجهي، فإذا بي أشعر بانتعاش لم أشعر به في حياتي، وقوة تسري في بدني بددت كل ما كنت أشعر به من تعب وجهد، فلما شعرت بذلك لم أتعجب بل ازددت يقينا ًبكلام الله سبحانه، فهرعت إلى المطبخ وأحضرت كأسين لأملأهما بالماء المبارك الطهور، وبالفعل شربت إحداهما فإذا بي أتذوق أحلى وأعذب ماء ذقته طوال عمري؛ بل وشعرت بالشبَع رغم أنني كنت لم أتناول بعد طعام الغداء، وتبددَت الرغبة في النوم،
وظللت جالسة مكاني أدعو الله سبحانه لأنتهز فرصة وجود المطر وتفتُّح أبواب السماء وقبول الدعاء، ولمّا انتهيت مما شئت من الدعاء ظللت ساكنة أتأمل فضل الله تعالى!!!

كم أنت كريم وعظيم يا إلهي!!!

كان من الممكن أن أغط في نوم عميق من شدة التعب وتفوتني هذه الفرصة النادرة؛ ولكنه رزقني بفضله وسقاني سُقيا هنيئة مريئة بفضله، ثم رزقني الدعاء!!!

وتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا تُمطر السماء يوم التروية بالتحديد؟!!!

فلم أجد جواباً سوى: حتى لا يقلق الحجاج من فيروس أنفلونزا الخنازير، فيكون الجو معقما ًنظيفاً حين يلتقون جميعاً في اليوم التالي على جبل عرفات!!!

وتذكَّرت وقتها مَنْ ألغُوا حجز السفر بعد أن عزموا على الحج خوفاً من مرض الأنفلونزا، كم فاتهم من خير كثير؟!!!!

لماذا لم يظنوا بالله ظنا حسناً؟

هداهم الله وهدانا أجمعين، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به.

ومِمَّا زاد فرحتي أن أهل المملكة السعودية الكِرام كانوا فرحين بالمطر متهللين، فدعوت لهم جميعا بالمزيد من الخير، ودعوت لكل القائمين على أمر الحج سواء من وزارة الحج -التي رفعت شعار: خدمة الحاج شرفٌ لنا- أو جنود الجيش السعودي الذين كانوا يمنعون التزاحم قبل حدوثه وييسرون الأمور على الحجاج ويجيبون على أسئلتهم التي لا تنقطع، بكل هدوء وبشاشة وتواضع...

نعم لقد دعوتُ لهم أن يزيدهم الله خيراً وشرفاً وعِزة وكرامة؛ وأن يعطيهم الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ويجعل بلدهم آمنا مطمئنا، وان يديم عليهم خدمة الحجاج والمعتمرين، آمين.

ومن اللافت للنظر في الحج أن الجميع مشغولون بأنفسهم، فلا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد يراقب أحد، مما ذكَّرني بيوم الحشر، نعم إن الحج حقيقة يعطينا نموذجاً حياً ليوم الحشر، أجناس مختلفة وكثيرة من الناس المنشغلة بأنفسها، متزاحمة، تسعى إلى هدف واحد، في الدنيا: إلى إتمام فريضة الحج بالشكل الصحيح، وبسلام؛ وفي الآخرة: منشغلة بالنجاة من النار ودخول الجنة بسلام أيضاً!!!!

أما جبل عرفة فقد شعرت بأنه جبل غير عادي، جبل مقدس، جبل من الجنة، بل إنه يكاد ينطق بتسبيحه للرحمن!!!

وأما يوم عرفة، فإذا جاز لي أن أطلق عليه اسماً آخر فإني أحب أن أسميه يوم السكينة والتيسير، وفي ذلك اليوم تذكرتُ دعائي لصديقتي وسائر الحجاج هذا العام، فقد كان آخر ما يمكنني تصوره هو أن أصير واحدة منهم!!!

فسبحان الله، لقد شملتني تلك الدعوات!!!

وفي يوم العيد كانت الكعبة المشرفة كالعروس التي تزينت في أبهى وأجمل منظر، وكنت أشعر وكأنها سعيدة بعباد الرحمن وضيوفه، ولو جاز لها أن تنطق لقالت: طِبتم، وطاب سعيكم، وطابت لكم الجنة إن شاء الله!!!

وأمّا ما شعرتُ به من سعادة وسكينة بعد رجم الشيطان، فظللت أفكر في سببها، هل لأن الرجم صار مُيسراً بعد أن كنت أسمع عن صعوبته ومشقته؟

أم لأنني أطعت أمر الله وقمت  برجم الصخر دون تفكير؟ أم لأنني أقوم بذلك لأول مرة؟

أم لأنني أسمِّي الله وأكبِّر مع كل مرة؟ أم أنني سعيدة بالدعاء المستجاب بعد الرجم؟!!!

وأياً كان السبب فقد كنت سعيدة بهذا الشعور واعتبرته هدية من الكريم المنَّان.

ولمّا كان الله سبحانه قد حبَّب إليَّ إطعام الطعام، فقد كنت أقوم به قدر المستطاع لمن حولي، ولكني علمت في آخر أيام الحج بهذا الحديث الشريف: روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قيل وما بِرُّه؟ قال إطعام الطعام وطيب الكلام" حديث حسن ورد في صحيح الترغيب والترهيب للألباني.

فلمّا علمت بذلك قلت سبحان الله!!! هل فرض الله سبحانه الحج ليلتقي المسلمون من شتى بقاع الأرض ويطعم بعضهم بعضا، ويُلين بعضهم الحديث لبعض؟!!!

إذن هو مؤتمر رباني يجمع الله سبحانه فيه شمل المسلمين ليتعاونوا على البر والتقوى، ويعودوا أقوى وأتقى وأنقى وأرقى مما جاءوا؛ سبحان الله العظيم، ولكني حزنت كثيراً لأني لم أعرف هذا الحديث منذ بداية مناسك الحج وعزمت بإذن الله تعالى على أن أنفِّذ ما جاء به قدر استطاعتي إذا جئت للحج مرة أخرى، أو أرسل مع الحجاج مَنْ يقوم بإطعام الحجاج عني، وخاصة مِمَّنْ يبدو عليهم الفقر ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف، والحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة.

ولا أخفي أن بالحج بعض المشقة، خاصة حين يضطر المسلم أن يحتمل أذى بعض المسلمين نتيجة اختلاف الثقافات والطبائع والعادات، ونتيجة اضطرار المسلم لضبط النفس، والصبر الجميل الذي هو مفتاح الحج المبرور -بعد إطعام الطعام وطيب الكلام- وذلك بسب الزحام واجتماع ملايين البشر في أماكن محدودة، وخروج المسلم عن عاداته اليومية وحياته الطبيعية، واضطراره لأن يتعامل مع ألوان وأصناف من البشر،
واضطراره أيضاً لأن ينتظر دوره في كل خطوة يمشيها؛ ولكني بعد أن عدت إلى بيتي وارتحت من عناء السفر شعرت بأن رحلة الحج هي أجمل رحلة ممكن أن يقوم بها إنسان، ففيها من البركات والفيوضات،  والعطاءات الربانية ما لا يعلمه إلا الله!!!

كما أن ما تحمَّله المسلم من مشقة في الحج تجعله يتحمل المزيد من المشقة في حياته اليومية، بل إن أي مشقة في حياته العادية تهون بجانب هذه المشقة؛ كما يكتشف المؤمن بعد عودته أن لديه قدرة كبيرة على ضبط النفس، والصبر على أذى الآخرين، وانتظار الدور في أي مكان، نعم إن الحج معسكر للتربية النفسية والإيمانية والاجتماعية بل وسبب لزيادة الرزق، لقوله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" سُنن الترمذي، حديث حسن صحيح غريب.

والأهم من ذلك فإن نموذج يوم الحشر الذي يعيشه المسلم في الحج يجعله يستصغر الدنيا ومشاكلها وهمومها، فتزداد نفسه قوة على مواجهتها، ويتقبلها بصدر رحب، بل وتعينه على التسامح والتغاضي عن أخطاء الغير، وتجعله يشعر أن لكل إنسان الحق في حياة كريمة مهما كان منصبه أو مستواه الاجتماعي، مادام عبداً لله طائعاً؛ مما يعين الإنسان على أن يحترم غيره ولا يتعالى على أحد؛ فسبحان الله على هذه المدرسة الربانية العظيمة التي تسمى الحج!!!

ومِمّا لفت نظري أنني لم أحتج إلى أغطية الرأس أو العباءات التي أحضرَتها لي كل من: صديقتي وقريبتي أكرمهما الله، لقد بارك الله لي فيما تبقى لي من أغطية رأس وعباءات بعد أن أعطيت منها لصديقتي التي سافرت إلى الحج قبلي!!! سبحان الله!!

نعم، لقد رزقني الله بغيرها، ولكنه لم يحوجني إليها، فقط رزقني بها لكي يطمئن قلبي، ولا أقلق، ثم بارك لي فيما عندي ليعلمني هذا الدرس: "ما نقص مالٌ من صدقة"!!

لا إله إلا الله الكريم المنان ذو الجلال والإكرام!!!

ومما أدهشني بالفعل أنني أنفقتُ -بعد شراء الهدايا للأقارب والأحباب- أقل بكثير مما تصورت، وعُدْتُ ومعي الكثير من المال، فسبحان الله  خير الرازقين، أجود الأجودين، خير مَزور يُكرم زائره!!!

ومما أدهشني أيضاً أنني بعد طواف الوادع صليت العصر بالحرم، وكانت تصلي بجواري أخت من ليبيا، فسألتها عن المكان الذي اشترت منه الطرحة البيضاء التي ترتديها والتي كنت أبحث عن مثلها، فوصفت لي المكان، ولكني تذكرت أنني قد طُفت طواف الوداع ولا يجوز لي الشراء إلا طعام أو شيء ضروري، فقلت: "إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصيبتي واخلُفني خيراً منها"،  سوف أشتريه إن عدت للعمرة إن شاء الله.

ولمَّا عدت إلى بلدي وعادت صديقتي التي كانت قد سافرت قبلي ومعها عباءاتي وأغطية رأسي القطنية؛ إذا بها قد أحضرت لي بعض الهدايا ومنها الطرحة البيضاء التي أعجبتني وكنت أنوي شراءها يوم طواف الوداع، فسبحان الله المعطي الوهاب!!!

فكم كانت فرحتي، لقد شعرت أن الهدية من الرحمن الذي زرت بيته، وكنت ضيفته، وليست من صديقتي، فلما أخبرتها بهذه الحقيقة فرحت كثيراً أنها كانت سببا في أن تنقل إليَّ هدية الرحمن، وجلسنا نتحدث عن ذكرياتنا في الحج، وشعرت لأول مرة في حياتي أنني لا أريد التوقف عن الكلام وأن هذا هو أمتع حديث يمكن لإنسان أن يخوض فيه، ولم أدرِ كم من الوقت مر بنا ونحن نتحدث، ولولا ارتباطها بإعداد طعام الغداء لأسرتها لما تركتُها تغادرني، ولم أنسَ قبل أن تغادر أن أتذكّر معها أهم الدروس التي تعلمناها من رحلة  الحج وهي: "الصبر الجميل، والإيثار، وكظم الغيظ ابتغاء مرضاة الله، وترك الجدال، وطاعة أوامر الله حتى لو كنا لا نفهم أسبابها أو الحكمة منها، وأن الله تعالى أودع فينا طاقات وإمكانات لا ينبغي أن نعطِّلها، وأن نظل ندعو الله ولا نقنط من رحمته حتى يحين الموعد المناسب للإجابة"... ثم دعونا الله تعالى أن يكتبها لنا ولأولادنا مرات ومرات، إنه على كل شيء قدير.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 01:35 pm


القصة الثانية
لا تقنطوا من رحمــة الله
=============
إخواني هذه قصتى في رحلة الحج اشهد الله أني ما أردت بها إلا وجهه الكريم لا رياءً ولا سمعة، واننى لم أضِف لها شئ وسأرويها لكم كما حصلت لى تماماً وكتبتها الى كل من تشتاق نفسه للحج ولم يحج بعد.

القصة ليست منقولة من شخص ما.

هى قصتى أنا شخصياً (أبو خالد) ويمكن اى شخص أن ينقلها أو يرويها لمن اراد.

بدأت القصة عام 2003م، كنت اريد أن اذهب للحج وكل مرة أُسوِّف وأقول السنة القادمة أن شاء الله الى ان جاء ذلك اليوم وكان يوم الجمعة وكانت وقفة عرفه يوم الأحد يعنى لم يبقَ الا يومان على الحج.

كنت في سيارتي اتخيل وجوه أهل مِنى ولباس أهل عرفه ولم أكن قد حججت من قبل ولكن رأيتهم في التليفزيون.

اتخيل اشكالهم واتذكر آيات الحج في القرآن واتذكر نشيدة سمعتها ينشدها شيخ جليل اسمه عبد العزيز الاحمد وكلماتها تقول:

يا راحلين الى منى بقيــــــــــــادى *** هيجتمــوا يوم الرحيل فؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات الرضا *** وأنا المُلوَّع قد لبستُ سوادى

فبكيت بكاءً شديداً ولم استطع أن اقود سيارتي فوقفت الى ان كفكفت دموعى ثم قلت لم يبقَ إلا يومين على الحج وليس هناك أمل في الوصول الى عرفه ولكن كان عندى بصيص من الأمل ان الله لن يخذلنى، فظللت أردد آيات الحج ويخنقنى البكاء فرجعت الى البيت واغتسلت وتجهزت للذهاب الى المسجد لصلاة الجمعة وكانت الساعة الحادية عشر والنصف فجلست أقرأ ما تيسر من القرآن العظيم الى ان جاءت الخطبة وبدأت اسمع فاذا هي عن الحج فاول ما بدأت الخطبة بدأ الخطيب يقرأ آيات الحج وبدأت دموعى تنهمر ولم تتوقف أبدا حتى رجعت الى المنزل وانا ادعو الله ان اقف على عرفات وليس أمام عينى الا يوم عرفة المشهود وأخبرت اهلى اننى اريد الذهاب للحج.

فأستغربوا منى جميعا لانه لم يبقَ سوى يوم واحد ونصف على الوقوف فى عرفات.

فقلت لهم ييسر الله ان شاء الله.

وبعد أن تغديت ثم صليت العصر ذهبت فاشتريت ملابس الإحرام ثم ذهبت لأحجز فلم اجد مكاناً الا على الانتظار ولكن يوجد مكان فقط للعودة لدرجة رجال الأعمال، فحجزت تذكرة الرجوع؛ ولكن المغادرة لا تزال على قائمة الانتظار فذهبت الى المطار وانتظرت الى ان ركب كل المسافرين وادعوا الله ان اجد كرسي على الطائرة فبقيت الى آخر لحظة حتى طارت الطائرة وانا ما زلت اسأل هل من أمل فيقولون لى ان الطائرة الآن على المدرج تتحرك.

فسلَّمت الامر لله ورجعت البيت وانا ابكى بكاءً شديداً؛ ليس لاننى لم اسافر ولكن  أريد أن اقف على عرفات وليس أمام عينى إلا عرفات.

وكان موعد الرحلة القادمة نفس موعد هذه الرحله إلا انه في اليوم التالى، فجاء الليل وقمت أصلى وادعو وأقول دعاءً واحداً "اللهم بلِّغنى عرفات".

وجاء اليوم التالى وهو يوم التروية يوم خروج الحجيج الى مِنى للاستعداد للذهاب إلى عرفه.

فأتصل بي والدي وقال ان هناك بعض من أصدقائي وهم الآن في منى وسيقوموا معك بالواجب فقلت الحمد لله لاننى كنت اتخيل الى اين ساذهب ولكن لم افكر في شئ الا في الوقوف على عرفات.

فذهبت للمطار في موعد الرحلة، كان عندى أمل ولكنه بدأ يضعف عندما رأيت اخت في التاسعة عشر من عمرها تقول: "الله يخليك اريد أن اسافر ويا أهلى وهم على الطائرة" فقلت في نفسي اذا وُجد مكان على الطائرة فلن آخذ هذا المكان سأعطيه لهذه الأخت لكي تلحق بأهلها وانتظرنا وكل دقيقتين نسأل والإجابه انه لا مكان "الطائرة ملأى".

ثم وجدت في عين المشرف بصيص من الأمل كأنه يقول: "انتظروا" وانا أسأل هل طارت أم أنها على الأرض؟ فيقول: لا إنها على الأرض، فاقول الحمد لله، سيكون هناك أمل إن شاء الله، ثم تكلم الكابتن فقال وانا اسمعه "الطائرة ملأى" فدعوتُ الله ودموعى بدأت تستأذن "يا رب دعوتك بخالص عمل لى عملته أن اسافر وأقف على عرفات والطائرة ليس بها مكان ولكنك على كل شيء قدير".

ولم أدرِ ماذا حدث إلا أنني وجدت المشرف يقول لى: انت يا أخى: "جيب جوازك وتذكرتك" فنظرت إليه وعينى كلها امل وسالته "فيه أمل" فقال: "ان شاء الله، حصلنا على مكان".

فقلت له: لا لن أذهب حتى تأخذواهذه الأخت التى تريد ان تلحق بأهلها"، فقال: "لقد حصلنا على مكانين" ففرحت فرحة لم أفرحها من قبل، وبدأت دموعى تنهمر، وظللت أبحث عن مكان لأسجد شكراً لله على كرمه ومَنِّه وإحسانه ولكنى لم أجد، وكان المشرف متعجلاً، فأخذ جوازاتنا والتذاكر وقال: "اتبعوني" وما هى إلا دقائق واذا بي على ظهر الطائرة لا أكاد اصدق، وأنظر حولي في ذهول: هل انا في حلم ام في علم.

وأقول يا رب لك الحمد... المُلك بيدك والخير بيدك ونحن عبيدك... واتخيل نفسى وأنا أقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمه لك والمُلك لا شريك لك"، ما أجملها من كلمات كنت أسمعها في التيلفزيون؛ ولكن كنت أعلم أن في عرفات سيكون لها طعم خاص!!!

الآن بدأت أفيق من ذهولي قليلاًعندما بدأت الطائرة تحلق وترتفع وانا ادعو دعاء السفر وأبكى وانا أقول: "اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد" ما أجملها من كلمات ما زال طعمها في فمي!!

واقتربت الطائرة من  مكان الميقات فأخبرونا في الطائرة لنلبس الإحرام، فأخرجت إحرامى وذهبت لأتوضأ والبسه، وما لبستُه حتى شعرت بأننى شخص آخر!!

وتيسرت لي -بفضل الله تعالى- الرحلة إلى عرفات، وا.. شوقاه وا.. لهفتاه.. إلى تلك الرحاب.

وصلنا ودخلنا حرم عرفه وقلت في نفسى... وصلت... وصلت... وصلت... الله اكبر... أنا في عرفه... انا أقف في صعيده... أه يا رباه يا حبيباه يا غاية مُناه... تذكرت خطبه الجمعة والطائرة وقائمة الانتظار ودموعى ودعواتى وحقيبتى والباص وأصدقائى وانا أقول: "يا رب.. يا رب.. لماذا تعاملنى بهذا الكرم والإحسان؟ مَنْ أكون انا إلا عبدٌ من عبيدك؟!!!... وابن عبدٍ من عبيدك وابن أَمَةٍ من إمائك.. يا رب ما أكرمك.. والله لئن رجعت الى الطواف لأناديك بالكريم في أكثر دعائي "يا كريم... يا كريم... يا صاحب الجود، ما أجودك... ما أكرمك".

ثم جلسنا في عرفات بعد أن وجدنا لنا مكاناً بين حافلتين كبيرتين وربطنا بينهما غطاء لكى يُظلّنا من الشمس وهم يربطون الغطاء وأنا أقول: "اللهم أظلّنا في ظلّك يوم لا ظلّ الا ظلّك".

وفي المزدلفة ومِنى تيسرت لي الأمور بشكل لا أكاد أصدقه، فقلت: أهذا لاننى قلت يارب إننى ضيفك؟!!!
أهكذا تفعل يا رب بضيوفك؟!!

فإن كان يا ربي هذا فعلك في ضيفك في الدنيا، فكيف بضيوفك يوم القيامه؟ فاننا قادمون ووافدون، راجين رحمتك... خائفبن من عذابك... اللهم الطف بنا هناك كما لطفت بنا هنا!!

ثم خرجنا بعد ان أصابنا عطش شديد، فتذكّرت عطش يوم القيامه فوقفت عند بقالة واشتريت كميه كبيرة من قوارير الماء وبدأت أوزعها على كل من يخرج من الرَّجم وأقول: يا رب هذا لذاك اليوم؛ هذا ليوم العطش الأكبر هذا ليوم الحشر.

وجلسنا في مِنى حتى أقبل الليل فنمتُ قليلاً ثم قمت أبحث عن المحتاجين والضعفاء والمساكين أساعدهم واجلب لهم الماء والشاى الحليب الساخن والبسكويت والسندويشات وما إلى ذلك وأقول: "يا رب هذا من كرمك تكرمت عليَّ وانا أُكرم عبيدك لأجلك، ولوجهك الكريم".

وتتابعت الاحداث كلها.. وكانت أحداث كلها تنم عن كرم كبير وعطاء لا يوصف من رب العالمين فعرفت معنى قوله تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا" 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" 3 الطلاق.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
أحــمــد لــبــن AhmadLbn
مؤسس ومدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 20267
العمر : 66

مُساهمةموضوع: رد: خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة   29/07/17, 01:49 pm


القصة الثالثة... والرابعـة
3- عبادة العُمر وكمال الدين:
================
في عام 1425هـ فاجأتنا أمي بخبر مفرح ومفاجأة مبهجة.. اخبرتنا برغبتها ان نحج انا واختي وبكل فرح وسرور فرحنا بهذا الخبر فرحاً شديداً فمَنْ منا لا يتمنّى الذهاب للحج..!!

وجاء اليوم الذي انتظرناه أنا وأختي بفارغ الصبر.. وقبل صلاة الفجر أيقظتنا أمي لنستعد للرحلة فأحسست بشعور غريب أحسست أني سأفارق كل شئ.. أحساس يشعر به أي شخص يغادر بلاده وخاصه ان هذه المرة شعوري مختلف فأنا سأحج وأؤدي الركن الخامس.. بعدما لبست عباءتي اخذت حقيبتي ومررت بغرفتي فتساقطت دموعي من عيني تذكرت كل شئ قد لا أعود هنا مره أخرى..!!

قد تكون هذه آخر مره انظر بها إلى غرفتي وأغراضي وداعاً غرفتي فقد احببتك بكل زواياك... ودَّعت جدتي وأبي وكل من يعزه قلبي وانطلقنا في حملتنا وسافرنا للحج هناك حيث البيت الحرام.. هناك حيث الصيد حرام.. تلك الايام التي ستظل خالدة في اذهاننا بحلوها ومرها وبأفراحها وبكل تفاصيلها واحداثها.. آه من عذوبة تلك الأيام..

نعيش بها أجواء روحانية عطرة ونسمات ربانية تظلنا، ففيها يؤدي المسلمون عبادة يصفها الفقهاء بعبادة العمر وختام الإسلام وكمال الدين، تلك الرحلة الإيمانية التي تهفو إليها أفئدة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، وتشتاق إليها النفوس وتحن إليها القلوب وتنير بها العيون، وتشحن بها النفوس بطاقة متجددة تخلصها من آثام الدنيا وأحقادها.

ولا يخفى عليكم أن كل من حج سيجد مشقه وتعب لكنه سيتلاشى ويندمج بنوع من المتعه والفرح فأنا عن نفسي استمتعت بالحج رغم إني كنت أصغر من في المخيم فلا يوجد فتيات في نفس عمري ومرت علي مواقف؛ ومن منا حج ولم يمر بمواقف سواء مفرحة أومحزنة وحمداً لله فقد أكملنا حجنا بفضله وتوفيقه وعدنا سالمين.


القصة الرابعة
أحجار مزدلفة تعود من ماليزيا مُعطّرة
=====================
أعاد حاج ماليزي حجراً صغيراً من بقايا الحصى التي رمى بها الجمرات أثناء وجوده لأداء الفريضة، حيث اكتشف بعد وصوله وطنه وجود هذا الحجر في حقيبته، فأصرَّ على إعادته مرة أخرى إلى مزدلفة فنظّف الحجر وعطَّره ووضعه داخل علبة ثم كتب رسالة إلى مدير بريد العاصمة المقدسة وأرفقها بمبلغ 10 ريالات طلب من مدير البريد أن يدفعها لسائق سيارة أجرة لإعادة الحجر إلى مكانه.

وقام مدير بريد العاصمة المقدسة عبدالمحسن بن سلمي الردادي شخصياً بإيصال الأمانة «الحجر» إلى مزدلفة وكتب رسالة لذلك الحاج وأعاد إليه الريالات العشرة ومعها مصحف ومسبحة.

وتبيَّن أن الحاج كان مهتمّاً بالحجر لدرجة أنه وضعه داخل زجاج ثمين بعد أن قام بتنظيفه من الأتربة ومسحه بعطر ذي رائحة.
***
تعليق:
هذا تصرف عجيب، ولكن الحقيقة أن الإمام الشافعي رحمه الله قال: "لا خير في أن يُخرج من حجارة الحرم ولا ترابه شيء إلى الحل؛ لأنَّ له حرمة ثبتت باين بها ما سواها من البلدان ولا أرى -والله تعالى أعلم- أن جائزاً لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصير كغيره.

وقال ابن حزم رحمه الله:
ولا يخرج شيء من تراب الحرم ولا حجارته إلى الحِل.

وعن عطاء قال:
يُكره أن يُخرج من تراب الحرم إلى الحل، أو يدخل تراب الحِل.  

وصرّح الشافعية:
بحرمة نقل تراب الحرم، وأحجاره، وما عمل من طينه -كالأباريق وغيرها- إلى الحِل، فيجب رده إلى الحرم. 
وقال الماوردي رحمه الله: 
فإن من أخرج حجارة الحرم من الحرم، أو من ترابه شيئاً: فعليه ردُّه إلى موضعه، وإعادته ومن ثم فمن أخذ شيئاً من تراب الحرم إلى خارجه فعليه أن يستغفر الله تعالى من فعله أولاً، ثم عليه أن يرجعه إلى أي بقعة في الحرم إن استطاع، ولا يجب أن يردَّه بنفسه، بل لو أعطاه لمن يوثق به ليرده: جاز له ذلك فإن لم يستطع هذا ولا ذاك: فيضعها في أي مكان طاهر.
 
تعقيب:
بغض النظر عن الحكم الشرعي للمسالة.. العِبرة في الموضوع هو كيف أن ذلك الحاج
• كان ممن يعظِّم شعائر الله.
• وكيف كانت تلك الفريضة وتأديتها على أكمل وجه تعني له؟
• وكيف كان حرصه على أن لا يخدش أجره تقصير وإن لم يتقصده؟

 
• وكيف كان سؤاله عن المسألة (وإن كانت في نظر الكثيرين تافهة) وعمله بمقتضى ما تعلَّمه بهذه الروح ينبغي أن يكون أثر الحج والصلاة وسائر العبادات على نفوسنا.

 أتيتُ مُلبِّياً
إليـك إلهـي قــــــد أتيـت مُلَـــبـيـا *** فبـارك إلهـي حجــتـي ودعائـيـا
قصدتك مضطــــراً وجئتـك باكيـا *** وحــاشـاك ربـي أن تـرد بكائيـا
كفانـي فخـراً أننـي لـك عابـد *** فيا فرحــتي إن صرتٌ عبـداً مواليـا
إلهـي فأنـت اللهُ لا شـيء مثـــلـه *** فــأفعـِم فـؤادي حكمـة ومعانـيـا
أتيتُ بلا زاد وجـودك مطعــــمـي * وما خاب من يهفو لجودك ساعيـا
إليك إلهي قـد حضـرتُ مؤمِّـلا *** خـلاص فؤادي مـن ذنوبـي ملبيـا 


وبعد،
فإن الحاج يترك أهله وماله ووظيفته وبيته وكل حياته ويذهب إلى حياة أقرب ما تكون إلى البساطة والتقشف والزهد ومع ذلك يشعر بالسعادة والراحة والطمنينة، وهذا أمر يستحق أن نقف عنده ونتأمله!!!

وهو دليل على أن عبادة الله والاستسلام الكامل لأوامره والابتعاد عن نواهيه هو مصدر السعادة!!!

ولذلك قالوا: 
ماذا فقد مَنْ وجد الله؟!!!!
وماذا وجد مَنْ فقد الله؟!!!


وختاماً أخي الحاج...
هنيئاً لك بزيارة الرحمن وثواب هذه الزيارة؛ واعلم أن من علامات قبول الأعمال الصالحة أن يوفقك الله تعالى لأعمال صالحة أخرى بعدها، فأخلِص النية قدر الإمكان؛ واعلم انك قد ولِدتَ بهذه الرحلة المباركة  ميلاداً جديداً، وترَكتَ وراءك أكوام الذنوب، وودَّعت ميراث العمر من الآثام، فلتكُن عُمرتك أو حجك أول فتوحك، وإشراق صُبحك، وعنوان توبتك، فاستأنِف العمل من الآن، فقد كفاك الله ما مضى، ولم يبقَ إلا أن تُصلِح ما بقى!!!

نعم أنت لستَ معصوماً من الخطأ و الزلل، وليس المطلوب منك أن تكون ملاكاً يمشي على الأرض -فهذا ليس في مقدور أيٍّ من البشر- لكن حسبُك أنك ستبدأ جولة جديدة من المعركة مع شياطين الإنس والجِن، ونفسك الأمارة بالسوء، وأنت خفيف الظهر من معاصيك، فتبدأ حياتك المقبلة برجاء كبير، وعزم جديد، وإقبال على الله عظيم".

اسأل الله العلي العظيم بحوله وقوته أن يَمُنَّ على كل مَنْ قرأ هذه السطور بحج مبرور، وذنبٍ مغفور، وعمل صالح مقبول.. فإن لم يشأ الله تعالى أن يُحرِم البدن.. فنسأله سبحانه أن يرزقنا ((إحرام القلب)) عن جميع الذنوب والمعاصي.. اللهم آمين.

وأن يعطينا الأجر بالنيّة كما قال سيد البشر -فِداه أبي وأمي- حين رجع من غزوة تبوك، فدَنا من المدينة، فقال: (إن بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم)، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العُذر) صحيح البخاري.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almomenoon1.0wn0.com/
 
خِبرات وخَيـرات في الحج والعمرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2018 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: وأتمُّوا الحَجَّ والعُمرَةَ لله-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: